Полный текст (7 500 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
الشّحنة. وولّى مكانه أميرا اسمه (أولاكو) وبقي مسعود بن كيخسرو في الملك وليس له منه سوى الاسم، والمتحدّث هو الشّحنة الذي من جهة التتر إلى أن مات في سنة ثمان عشرة وسبعمائة، واستقلّ الشّحنة بالمملكة. وبقي أمراء التتر يتغالبون على الشّحنكيّة واحدا بعد واحد إلى أن كان منهم الأمير (سلامش) وبقي بها مدّة. ثم انحرف عن طاعة بيت هولاكو صاحب إيران، وكتب إلى الملك المنصور لاچين صاحب الديار المصرية يطلب تقليدا بأن يكون حاكما بجميع بلاد الرّوم، وأن يكون (أولاد قرمان) ومن عداهم في طاعته، فكتب له تقليد بذلك بإنشاء الشيخ شهاب الدين «محمود الحلبي» على ما سيأتي ذكره في الكلام على التقاليد فيما بعد إن شاء الله تعالى في المقالة الخامسة.
ثم خاف على نفسه من (غازان) صاحب إيران، ففرّ إلى الديار المصرية في الدولة المنصورية لاچين، ثم عاد إلى بلاد الروم لإحضار من تأخّر من أهله فقبضت عليه عساكر غازان وحملته إليه فقتله. ولم يزل أمرهم على التنقل من أمير إلى أمير من أمراء التتر إلى أن كان منهم الأمير (برغلي) وهو الذي قتل هيتوم ملك الأرمن صاحب سيس.
ثم كان بعده في سنة عشرين وسبعمائة الأمير (إبشبغا) .
ثم ولّى أبو سعيد صاحب إيران بعد ذلك على بلاد الرّوم هذه (دمرداش) ابن جوبان سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة فقوي بها ملكه. ثم قتل أبو سعيد جوبان والد دمرداش المذكور، فهرب دمرداش إلى الملك الناصر محمد بن «١» قلاوون صاحب الديار المصرية. وكان سنقر الأشقر أحد أمراء الملك الناصر قد هرب إلى السلطان أبي سعيد فوقع الصلح بين السلطانين على أن كلّا منهما يقتل الذي عنده ففعلا ذلك.
وكان قد بقي ببلاد الروم أمير من أمراء دمرداش اسمه (أرتنا) فبعث إلى
стр. 2557
أبي سعيد بطاعته، فولّاه البلاد فملكها، فنزل سيواس واتخذها كرسيّا لملكه، ثم خرج عن طاعة أبي سعيد وكتب إلى الناصر «محمد بن قلاوون» صاحب الديار المصرية، وسأله كتابة تقليد بالبلاد، فكتب إليه بذلك وجهّزت إليه الخلع، فأقام دعوة الخطبة الناصريّة على منابر البلاد الرّوميّة، وضرب السّكّة باسمه، وجهّز بعض الدراهم المضروبة إلى الديار المصرية، وصارت بلاد الروم هذه من مضافات الديار المصرية، ولم يزل (أرتنا) على ذلك إلى أن توفّي سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة.
واستولى على الروم أولاده من بعده إلى أن كان بها (محمد بن أرتنا) في سنة ست وستين وسبعمائة، وبقي حتّى توفّي في حدود الثمانين والسبعمائة وخلّف ابنا صغيرا.
فاستولى عليه الأمير (قليج أرسلان) أحد أمراء دولتهم وكفله.
ثم غدر به (القاضي إبراهيم) صاحب سيواس وقتله في سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة واستولى على مملكة سيواس.
قال في «العبر» : وكان من طوائف التّركمان ببلاد الروم جموع كثيرة، كانوا يستعينون بهم في حروبهم على أعدائهم، وكان كبيرهم في المائة الرابعة أميرا من أمرائهم اسمه (جق) فلما ملك سليمان بن قطلمش المقدّم ذكره قونية وأقصرا بعد أبيه على ما تقدّم ذكره، خرج جق هذا مع «مسلم بن قريش» صاحب الموصل على سليمان بن قطلمش، فلما التقي الجمعان مال (جق) بمن معه من التّركمان إلى سليمان بن قطلمش، فانهزم مسلم بن قريش وقتل، وأقام أولئك التّركمان أيام سليمان بن قطلمش بجبال تلك البلاد وسواحلها. فلما ملك التتر هذه البلاد وصار الملك لقليج أرسلان بعد غلبة أخيه كيكاوس، كان أمراء التّركمان يومئذ (محمد بك) وأخوه (إلياس بك) وصهره (علي بك) وقريبه (سونج) فخرجوا عن طاعة قليج أرسلان وبعثوا بطاعتهم إلى هولاكو صاحب إيران وتقرير إتاوة عليهم على أن يبعث إليهم بلواء الملك على عادة
стр. 2558
الملوك، وأن يبعث شحنة من التتر تختصّ بهم، فأجابهم إلى ذلك وقلّدهم الملك وبعث إليهم بلواء. فملّكوا عليهم (محمد بك) .
ثم أرسل هولاكو يطلب محمد بك، فامتنع عليه وخالفه صهره عليّ بك فقدم على هولاكو فقدّمه على قومه مكان محمد بك. ثم جاء محمد بك إلى قليج أرسلان صاحب بلاد الروم مستأمنا فأمّنه ثم قتله، واستقرّ علي بك في امرة التّركمان.
ولما تناقص أمر التتر وضعف ببلاد الروم المذكورة واستقرّ بنو أرتنا بسيواس وأعمالها، غلب هؤلاء على ما وراء الدروب وما كان فتحه التتر من نواحي الشمال إلى خليج القسطنطينيّة.
واشتهر من ملوكهم ستّ طوائف:
الطائفة الأولى (أولاد قرمان)
وهم أصحاب أرمناك وقسطمونية وما والاها من شرق هذه البلاد كما تقدم.
قال في «مسالك الأبصار» : وهم أهل بيت توارثوا هذه البلاد، ولا يخاطب قائم منهم إلا بالإمارة. قال في «التعريف» : وهم أجلّ من لدى ملوكنا من التّركمان: لقرب ديارهم، وتواصل أخبارهم، ولنكايتهم في متملّك سيس وأهل بلاد الأرمن، واجتياحهم لهم من ذلك الجانب، مثل اجتياح عساكرنا لهم من هذا الجانب.
قال: وأكبرهم قدرا، وأفتكهم نابا وظفرا، الأمير (بهاء الدين موسى) وحضر إلى باب السلطان وتلقّي بالإجلال، وأحلّ في ممتدّ الظّلال، وأورد موارد الزّلال، وأري ميامن أسعد من طلعة الهلال، وحجّ مع الركب المصريّ وقضى المناسك، وأسبل في ثرى تلك الرّبا بقيّة دمعه المتماسك، وشكر أمراء الركب دينه المتين، وذكروا ما فيه من حسن اليقين، وعاد إلى الأبواب السلطانية، وأجلس في المرتين مع أمراء المشورة، فأشرك في الرأي وسأل السلطان في منشور يكتب له بما يفتح
стр. 2559
بسيفه من بلاد الأرمن ليقاتل بعلمه المنشور، ويجتني من شجر المرّان جنى عسله المشور، فكتبه له.
ثم قال: وهم على ما هم عليه يدارون ملوك التتار، وهو ومن سلف من أهل بيته مع ملوك مصر لا تغبّ المكاتبات بينهم، ولا ينقطع بذل خدمته لهم، وإقبالهم عليه، واعتدادهم بموالاته.
قال في «مسالك الأبصار» : وهم عصبة ذات أيد ويد، وجيوش كثيرة العدد، وهم أصحاب الحروب التي ضعضعت الجبال، ولهم مع الأرمن وبلاد التّكفور، وقائع لا يجحدها إلا الكفور، يتخطّفهم عقبانهم القشاعم «١» [وتلتهمهم] «٢» أسودهم الضّراغم. قال: وهم أهل بيت ألقى الله عليهم محبة منه، وإذا شاء أميرهم جمع أربعين ألفا. ثم ذكر بعد ذلك بكلام طويل أنهم هم الذين كانوا ألّفوا بين سلامش وبين المنصور لاچين، وأنهم هم الذين لا يرتاب في رأيهم، ولا يطعن في دينهم، بل مهما ورد من جهتهم تلقّي بالقبول، وحمل على أحسن المحامل. ثم قال: وحكي عمّن تردّد إليهم وعرف ما هم عليه أنهم رجال صدق، وقوم صبر، لا تستخفّ لهم حفيظة، ولا تردّ بحنقها لهم صدور مغيظة، ولهذا أمراء الرّوم لا يطأون لهم موطئا يغيظ، ولا يواطئون لهم عدّة شهور في مشتى ولا مقيظ؛ وما أحد ممن يحسدهم على ما آتاهم الله من فضله إلا من يستجيش عليهم بالتتار، ويعدّد عليهم عظام الذنوب الكبار، ووقاية الله تكفيهم، وحياطته عن عيون القوم تخفيهم، ولذلك كان السلطان (محمود غازان) يقول: أنا أطلب الباغي شرقا وغربا، والباغي في ثوبي، يريد أولاد قرمان وتركمان الروم [ومع هذا لم يسلّط عليهم] .
وحكي عن الصدر شمس الدين عبد اللطيف أخي النجيب أنه قال يوما: لولا الأكراد وأولاد قرمان وتركمان الروم، دست بخيلي مغرب الشمس.
стр. 2560
الطائفة الثانية (بنو الحميد)
وهم أصحاب أنطاليا وفلك بار على ما تقدّم ذكره، وهم من عظماء ملوك التركمان.
الطائفة الثالثة (بنو أيدين)
وهم أصحاب بركي وما معها، على ما تقدّم ذكره. قال في «مسالك الأبصار» وقد ذكر محمد بن أيدين صاحب بركي المذكورة: وهذا ابن أيدين ما أعرف أن له بمن حوله من ملوك الممالك إلماما، ولا أنّ له أخبارا ترد طروقا ولا إلماما، بل هو في عزلة من كل جانب، لا مخالط ولا مجانب.
الطائفة الرابعة (بنو منتشا. وهم أصحاب فوكة وما معها)
وقد ذكر في «مسالك الأبصار» : أن منهم أولاد دندار. ثم قال: ولهؤلاء بني دندار إلى ملوك مصر انتماء، ولهم من تحف سلاطينها نعماء. قال: وكان بمصر منهم من له إمرة فيها ثم عاد إلى بلاده بعد مهلك تمرتاش بن جوبان، لأنه كان قد ترك بلاده لأجله، وفرّ هاربا من يده لعداوة كان قد اضطرمت بينهما شرورها، واضطربت أمورها، فلمّا خلت من مجاورة تمرتاش تلك البلاد، عاد.
ويقال: إنه قتل ولم يصل إلى بلاده.
الطائفة الخامسة (بنو أورخان بن عثمان جق)
وهو صاحب برسا على ما تقدّم ذكره. قال في «العبر» : وكان قد اتخذ برسا دارا لملكه، ولكنه لم يفارق الخيام إلى القصور، وإنما كان ينزل بخيامه في بسيطها وضواحيها ولم يزل على ذلك إلى أن مات.
стр. 2561
وملك بعده ابنه (مراد بك) وتوغّل في بلاد النصرانية فيما وراء الخليج القسطنطينيّ في الجانب الغربيّ، وفتح بلادهم إلى أن قرب من خليج البنادقة، وجبال جنوة، وصير أكثرهم أمراء ورعايا له، وعاث في بلاد الكفّار بما لم يعهد قبله من مثله، وأحاط بالقسطنطينيّة من كل جانب حتّى أعطاه صاحبها الجزية. ولم يزل على ذلك حتّى قتل في حرب الصّقالبة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة.
وملك بعده ابنه (أبو يزيد) فجرى على سنن أبيه، وغلب على قطعة من بلاد الروم هذه فيما بين سيواس وأنطاليا والعلايا، بساحل البحر إلى قريب مدينة بني قرمان، ثم تزوّج في بني قرمان بنت أحدهم وغلب على ما بيده من تلك النواحي، ودخل بنو قرمان وسائر التّركمان في طاعته، ولم يبق خارجا عن ملكه إلا سيواس التي كانت بيد قاضيها (إبراهيم) المتغلّب عليها وملطية الداخلة في مملكة الديار المصرية ومضافاتها على ما تقدّم. ولم يزل على ذلك حتّى قصده تمرلنك «١» بعد تخريب الشام في سنة ثلاث وثمانمائة وقبض عليه، فبقي في يده حتّى مات.
وملك بعده ابنه (سليمان جلبي) وبقي حتّى مات.
فملك بعده أخوه (محمد بن أبي يزيد) بن مراد بك بن عثمان جق، وهو القائم بمملكتها إلى الآن.
قال في «مسالك الأبصار» : ولو قد اجتمعت هذه البلاد لسلطان واحد، وكفّت بها أكفّ المفاسد، لما وسع ملوك الأرض إلا انتجاع سحابه، وارتجاع كل زمان ذاهب في غير جنابه، ثم قال: الله أكبر إن ذلك لملك عظيم، وسلك نظيم، وسلطنة كبرى ودنيا أخرى (ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) *
«٢»
стр. 2562
الجملة الخامسة (في زيّ أهل هذه المملكة، وترتيب الملك بها)
أما زيّ أهلها فإن لبس السلطان والأمراء والجند أقبية تتريّة ضيقة الأكمام، مزنّدة على الأكفّ، والأمراء منهم يلبسون فوق ذلك أقبية قصار الأكمام من رقيق الخام مضرّبة تضريبا واسعا، وعلى رؤوسهم عمائم من لانس متوسطة المقدار بين الكبر والصّغر، مكوّرة تكويرا خاصّا، حسن الصّنعة، متداخل بعض اللفّات في بعض، ويلبسون خفافا من أدم، وقد شاهدت أميرا من أمرائهم ورد رسولا عن أبي يزيد بن مراد بك بن عثمان إلى الظاهر «برقوق» «١» صاحب الديار المصرية وهو على هذه الهيئة، وكثير من الجند يلبسون الطراطير البيض والحمر المتخذة من اللبد.
وأما ترتيب مملكتهم فلم تتحرّر لي كيفية ذلك إلا أنه قد تقدّم نقلا عن صاحب «العبر» أنهم كانوا يسكنون الخيم ثم نزلوا المدن بعد ذلك، فلا يبعد أن يكون ترتيب ملكهم على نحو من ترتيب التتر والله أعلم.
القسم الثاني (من الجهة الشمالية عن الديار المصرية، ما بيد ملوك النصارى)
وهو ثلاثة أضرب:
الضرب الأوّل (جزائر بحر الروم)
وهو البحر الشاميّ الممتدّ من البحر المحيط الغربيّ، المسمّى (بحر أوقيانوس) إلى ساحل الشام وما على سمته من بلاد الأرمن الممتدّ ساحله الجنوبيّ
стр. 2563
على ساحل الديار المصرية، ثم على ساحل برقة، ثم على ساحل أفريقيّة، ثم على ساحل الغرب الأوسط، ثم على ساحل الغرب الأقصى إلى البحر المحيط.
وساحله الشّماليّ على بلاد الرّوم التي شرقيّ الخليج القسطنطينيّ، ثم على سواحل بلاد الروم والفرنجة من غربيّ الخليج المذكور إلى ساحل الأندلس إلى البحر المحيط، على ما تقدّم ذكره في الكلام على البحار في أول هذه المقالة.
وبه إحدى عشرة جزيرة:
إحداها- جزيرة (قبرس)
. قال في «اللباب» : بضم القاف وسكون الباء الموحدة وضم الراء المهملة وفي آخرها سين مهملة. وموقعها في الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة قال في «الأطوال» : حيث الطول سبع وخمسون درجة، والعرض خمس وثلاثون درجة. وهي جزيرة في مشارق هذا البحر. قال ابن سعيد: على القرب من ساحل الشام بينها وبين الكرك (بضم الكاف وسكون الراء المهملة من بلاد الأرمن) نحو نصف مجرى. قال: وطولها من الغرب إلى الشرق مائتا ميل، ولها ذنب دقيق في شرقيها. قال الإدريسي: ودورها مائتان وخمسون ميلا ولصاحبها مكاتبة تخصه عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، على ما سيأتي ذكره في الكلام على المكاتبات، في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى.
الثانية- (جزيرة رودس)
. قال في «تقويم البلدان» : بضم الراء المهملة ثم واو ساكنة ودال مهملة ويقال معجمة مكسورة ثم سين مهملة. وموقعها في الإقليم [الرابع] «١» من الأقاليم السبعة قال في «الأطوال» : حيث الطول إحدى وخمسون درجة وأربعون دقيقة، والعرض ستّ وثلاثون درجة. قال في «تقويم البلدان» :
وهي على حيال الإسكندرية، بين جزيرة المصطكى وجزيرة أقريطش. قال:
وامتدادها من الشّمال إلى الجنوب بانحراف نحو خمسين ميلا، وعرضها نصف ذلك. وبين هذه الجزيرة وبين ذنب جزيرة أقريطش مجرى واحد، وهي من الغرب عن جزيرة قبرس بانحراف إلى الشمال. قال: وبعضها للفرنج، وبعضها
стр. 2564
لصاحب اصطنبول (وهي القسطنطينيّة) ومن رودس يجلب العسل الطيب العديم النظير، ولصاحبها مكاتبة تخصه عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية.
الثالثة- (جزيرة أقريطش)
. قال في «اللباب» : بفتح الألف وسكون القاف وكسر الراء المهملة وسكون الياء المثناة من تحت وكسر الطاء وشين معجمة في الآخر. قال في «الروض المعطار» : سميت بذلك لأن أوّل من عمرها كان اسمه (قراطي) قال: وتسمى أيضا (أقريطش البترليش) ومعناها بالعربية مائة مدينة. وهي على سمت برقة، وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة، قال ابن سعيد: ومدينتها حيث الطول سبع وأربعون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض أربعون درجة وثلاثون دقيقة. قال ابن سعيد: وهي جزيرة عظيمة مشهورة، وامتدادها من الغرب إلى الشرق ودورها ثلاثمائة وخمسون ميلا. وقيل: هذه الأميال إنما هي طولها شرقا بغرب لا دورها، وذكر في «كتاب الأطوال» أن دورها سبعة عشر يوما. قال في «تقويم البلدان» : ومنها يجلب إلى الإسكندرية العسل والجبن وغير ذلك. قال في «الروض المعطار» : وهي جزيرة عامرة، كثيرة الخصب، ذات كروم وأشجار، وبها معدن ذهب. وأكثر مواشيها المعز، وليس بها إبل، ولم يكن بها سبع ولا ثعلب ولا غيرهما من الدوابّ الدابّة بالليل، وكذلك ليس بها حيّة، وإن دخلت إليها حيّة ماتت في عامها. ويقال: إن صناعة الموسيقى أوّل ما ظهرت بها، وبينها وبين ساحل برقة يوم وليلة، وبينها وبين قبرس أربعة مجار، وإليها ينسب الأنتيمون الأقريطشيّ المستعمل في الأدوية. وكان «عبد الله بن أبي سرح» «١» أمير مصر قد افتتحها في زمان إمارته في خلافة «عثمان» ﵁، وبقيت بأيدي المسلمين حتّى تغلب عليها النصارى في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. قال في «الروض المعطار» : وهي بيد صاحب القسطنطينيّة.
الرابعة- (جزيرة المصطكى)
بفتح الميم وسكون الصاد وفتح الطاء
стр. 2565
المهملة والكاف وألف في الآخر. وسمّيت بذلك لأنه ينبت بها شجر المصطكى.
قال في «تقويم البلدان» : وهي جزيرة بالقرب من فم الخليج القسطنطيني. وقال ابن سعيد: هي داخلة في بحر الروم على مائة وخمسين ميلا من فم الخليج القسطنطيني. قال: وطولها من الشّمال إلى الجنوب نحو ستين ميلا. قال: وهي شرقيّ (جزيرة التغريب) وبينهما نحو ثلاثين ميلا. قال في «تقويم البلدان» : وبها ديورة وقرى، ومنها تجلب المصطكى إلى البلاد، وهي صمغ شجر ينبت بها يشبه شجر الفستق الصغار، يشرط في فصل الربيع بمشاريط فتسيل منها المصطكى، ثم تجمد على الشجر، وربما قطر منه شيء على الأرض، والأوّل أجود.
الخامسة- (جزيرة التّغريب)
بالتاء المثناة فوق المفتوحة وسكون الغين المعجمة وكسر الراء المهملة وياء مثناة تحت وباء موحدة في الآخر. قال في «تقويم البلدان» : وهي من الغربة، وموقعها في أواخر الإقليم السادس من الأقاليم السبعة. قال ابن سعيد: وطرفها الشرقيّ حيث الطول ثمان وأربعون درجة وخمسون دقيقة، والعرض اثنتان وأربعون درجة وخمس وخمسون دقيقة. وهي جزيرة كبيرة في الغرب عن جزيرة المصطكى المقدّم ذكرها، وامتدادها من المغرب إلى المشرق بانحراف إلى الجنوب مائة وخمسون ميلا، وفي العرض من عشرين ميلا إلى نحو ذلك. قال في «تقويم البلدان» : وهي معروفة بخروج الشّواني والقطائع منها.
السادسة- (جزيرة لمريا)
. قال في «تقويم البلدان» : بفتح اللام وسكون الميم وكسر الراء المهملة ثم ياء مثناة تحتية وألف في الآخر. قال: وعن بعض المسافرين أن بعد المثناة هاء. قال ابن سعيد: وتعرف في الكتب بجزيرة بلونس، وموقعها في الإقليم السادس من الأقاليم السبعة. قال ابن سعيد: ووسطها حيث
стр. 2566
الطول خمس وأربعون درجة واثنتان وأربعون دقيقة، والعرض ثلاث وأربعون درجة وثلاث عشرة دقيقة. قال: وهي أكبر جزائر الرّوم ودورها على التحقيق سبعمائة ميل، وفيها أخوار وتعريجات، ومدينتها في وسطها.
السابعة- (جزيرة صقلّية)
. قال في «اللباب» : بفتح «١» الصاد المهملة والقاف ولام وياء مثناة من تحت وهاء في الآخر. وموقعها في الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة، وبين ذنبها الغربيّ وبين تونس مجرى وستون ميلا، ودورها خمسمائة ميل. وهي على صورة شكل مثلّث حادّ الزاوية: فالزاوية الأولى شمالية، وهناك المجاز الضيق إلى الأرض الكبيرة (يعني التي وراء الأندلس) وهو نحو ستة أميال. والزاوية الثانية جنوبيّة، وهي تقابل برّ طرابلس من أفريقيّة من بلاد الغرب. والزاوية الثالثة غربيّة، وهناك (بركان النار) في جزيرة صغيرة منقطعة شماليّ الزاوية المذكورة، وشماليّ صقلّية بلاد قلفرية الآتي ذكرها في الكلام على الضرب الثاني. قال في «تقويم البلدان» : وصاحب صقلّية في زماننا هذا فرنجيّ من الكيتلان اسمه الريد افريك.
وقاعدتها مدينة (بلزم) بفتح الباء الموحدة واللام وسكون الزاي المعجمة وميم في الآخر. قال ابن سعيد: وهي حيث الطول خمس وثلاثون درجة، والعرض ستّ وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. وبها عدّة مدن غير هذه القاعدة.
منها مدينة (مازر) . قال في «المشترك» : بفتح الزاي المعجمة وبعدها راء مهملة، وإليها ينسب «الإمام المازريّ المالكي» «٢» شارح «موطإ مالك» وغيره.
ومنها (قصر يانّة) بلفظ قصر المعروف، ويانّة بفتح الياء المثناة تحت وألف
стр. 2567
ونون مشدّدة، وهي مدينة كبيرة على سنّ جبل.
الثامنة- (جزيرة سردانية)
. قال في «تقويم البلدان» : بضم السين «١» وكسر الراء وفتح الدال المهملات ثم ألف ونون مكسورة وياء مثناة تحت مفتوحة وهاء في الآخر. قال: واسمها بالفرنجية صرداني، يعني بابدال السين صادا مهملة وحذف الهاء من الآخر. وهي غربيّ الجزر المتقدّمة الذكر. وموقعها في الإقليم الرابع بين مرسى الخرز من البر الجنوبيّ وبين مملكة بيزة من البرّ الشماليّ. قال في «الأطوال» : وطولها إحدى وثلاثون درجة، وعرضها ثمان وعشرون درجة. قال ابن سعيد: وامتدادها من الطول من الشمال إلى الجنوب مجرى ونصف، وفي غربيها مغاص المرجان الفائق الذي ليس له نظير، وبها معدن فضّة، وهي الآن بيد الفرنج الكيتلانيين، ولملك الكيتلان نائب بها.
التاسعة- (جزيرة قرسقة)
بفتح القاف وسكون الراء المهملة وفتح السين المهملة والقاف وهاء في الآخر. وهي مقابل (جنوة) الآتي ذكرها في الضرب الثاني، وبينها وبين سردانية المتقدّمة الذكر مجاز نحو عشرة أميال، وامتدادها من الشّمال إلى الجنوب مجرى ونصف، ووسطها متّسع، ورأسها من جهة جنوة ضيّق.
العاشرة- (جزيرة أنكلطرة)
بألف ونون ساكنة وكاف مفتوحة ولام مفتوحة وطاء مهملة ساكنة وراء مهملة مفتوحة وهاء في الآخر. قال ابن سعيد: ويقال (أنكلترة) بإبدال الطاء تاء مثناة من فوق. قال: وطول هذه الجزيرة من الجنوب إلى الشمال بانحراف قليل أربعمائة وثلاثون ميلا، واتساعها في الوسط نحو مائتي ميل، وفيها معدن [الذهب] «٢» والفضّة والنّحاس [والقصدير] وليس فيها كروم لشدة
стр. 2568
البرد بها، وأهلها يحملون الذهب إلى بلاد الفرنج، ويعتاضون عنه الخمر لعدمه عندهم.
وقاعدتها (مدينة لندرس) بلام ونون ودال وراء وسين مهملات. وصاحب هذه الجزيرة يسمى (الانكتار) بنون وكاف وتاء مثناة فوقية وألف وراء مهملة في الآخر. وهو الذي عقد الهدنة بينه وبين الملك العادل «أبي بكر بن أيوب» في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، والملك العادل على عسقلان. وكان من أمره أنه لم يحلف على الهدنة بل أخذت يده وعاهدوه، واحتج بأن الملوك لا يحلفون، وكانت الهدنة بينهما ثلاث سنين وثلاثة أشهر، أولها كانون الأوّل الموافق لحادي عشري شعبان من السنة المذكورة.
الحادية عشرة- (جزيرة السّناقر)
. جمع سنقر وهو الجارح المعروف المقدّم ذكره في الكلام على ما يحتاج الكاتب إلى وصفه في المقالة الأولى. وهي جزيرة على القرب من (جزيرة انكلترة) المقدّمة الذكر. قال ابن سعيد: وامتدادها في الطّول شرقا بغرب سبعة أيام، وفي العرض أربعة أيام. قال في «تقويم البلدان» : ومنها ومن الجزائر التي شماليها تجلب السّناقر التي هي أشرف أنواع الجوارح، وإلى ذلك أشار في «التعريف» في الكلام على أوصاف السّناقر بقوله وهي مجلوبة من البحر الشاميّ. قلت: وجزيرة جربة تقدّم ذكرها مع بلاد أفريقيّة.
وجزيرة ميورقة وجزيرة يانسة وجزيرة قادس تقدّم ذكرها مع جزيرة الاندلس.
стр. 2569
الضرب الثاني (ما شماليّ بحر الروم المقدّم ذكره من غربيّ الخليج القسطنطينيّ مما يمتدّ غربا إلى البحر المحيط الغربيّ، وما يتصل بذلك مما شماليّ بحر نيطش المعروف ببحر القرم إلى أقصى الشمال، وهو جهتان)
الجهة الأولى (ما هو في جهة الغرب عن الخليج القسطنطينيّ. وهو قطران)
القطر الأوّل (ما بين الخليج المذكور وبين جزيرة الأندلس، وما على سمت ذلك. ويشتمل على ممالك كبار وممالك صغار)
فأما الممالك الكبار، فالمشهور منها خمس ممالك
: المملكة الأولى (مملكة القسطنطينية)
قال في «اللباب» : بضم القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وسكون النون وكسر الطاء الثانية وسكون المثناة من تحت ثم نون (يعني مفتوحة) ثم هاء في الآخر. قال في «تقويم البلدان» : وتسمّى بوزنطيا يعني بالباء الموحدة والواو والزاي المعجمة والنون والطاء المهملة ثم ياء مثناة من تحت وألف في الآخر. وربما قالوا: بوزنطية بابدال الألف هاء. وموقعها في الإقليم السادس من الأقاليم السبعة قال في «رسم المعمور» : حيث الطول ثمان وأربعون درجة، والعرض خمس وأربعون درجة، وواقفه على ذلك صاحب «الأطوال» وصاحب «القانون» وابن سعيد: وهي قاعدة الرّوم بعد رومية وعمّورية، وهي المستقرّة قاعدة ملك لهم إلى الآن.
قال في «الروض المعطار» : نزل رومية من ملوك الروم عشرون ملكا، ثم نزل عمّورية منهم ملكان، ثم عادت المملكة إلى رومية فنزلها منهم ملكان، ثم
стр. 2570
ملك (قسطنطين) بن هيلاني، فجدّد بناء بوزنطية وزاد في بنائها، وسمّاها قسطنطينيّة نسبة إليه ونزل بها فصارت دار ملك للرّوم بعده إلى الآن. قال: وهي على ضفّة الخليج المنصبّ من بحر نيطش ومانيطش إلى بحر الرّوم، وقد صار هذا الخليج مشهورا بها. فيقال فيه (الخليج القسطنطينيّ) كما تقدّم. وجهاتها الثلاث من الشرق والغرب والجنوب إلى البحر، والجهة الرابعة وهي الشّمال إلى البرّ، وقطرها من الشرق إلى الغرب ثمانية وعشرون ميلا، ولها سوران من حجارة بينهما فضاء ستّون ذراعا، وعرض السّور الداخل اثنا عشر ذراعا، وارتفاعه اثنان وسبعون ذراعا، وعرض السّور الخارج ثمانية أذرع، وارتفاعه اثنان وأربعون ذراعا، وفيما بين السّورين نهر يسمّى (قسطنطينيانوس) مغطّى ببلاط من نحاس، يشتمل على اثنين وأربعين ألف بلاطة، طول كلّ بلاطة ستة وأربعون ذراعا، وعمق النهر اثنان وأربعون ذراعا. ولها نحو مائة باب أكبرها باب الذهب: وهو باب في شماليّها، طوله أحد وعشرون ذراعا، وهو مضبّب «١» بالحديد، وبه أعمدة من ذهب، وبها قصر في غاية الكبر والعلوّ، وطريقة الذي يتوصل إليه منه يعرف بالبدندون. وهو من عجائب الدنيا، يمشى فيه بين سطرين من صور مفرّغة من النّحاس البديع الصّناعة على صور الآدميين وأنواع الخيل والسّباع وغير ذلك، وفي القصر ضروب من عجائب المصنوعات.
قال في «تقويم البلدان» : وحكى لي بعض من سافر إليها أن داخلها مزدرع وبساتين، وبها خراب كثير، وأكثر عمارتها في الجانب الشرقيّ الشّمالي، وكنيستها مستطيلة، وإلى جانب الكنيسة عمود عال دوره أكثر من ثلاثة باعات، وعلى رأسه فارس وفرس من نحاس، وفي إحدى يديه حربة كبيرة، وقد فتح أصابع يده الأخرى وهو مشير بها. قيل: إن ذلك صورة (قسطنطين) باني المدينة. قال في العزيزيّ: ولها أربع عشرة معاملة.
واعلم أن هذه المملكة كانت أوّلا بيد اليونان. قال البيهقي: وهم بنو يونان
стр. 2571
ابن علجان، بن يافث، بن نوح ﵇. وفي التوراة أن يونان ابن يافث لصلبه، واسمه فيها (يافان) بفاء تقرب من الواو. وخالف الكنديّ فنسبهم إلى عابر بن فالغ فجعل يونان أخا لقحطان، وذكر أنه خرج من اليمن بأهله وولده مغاضبا لأخيه قحطان فنزل ما بين إفرنجة والرّوم، فاختلط نسبه بنسبهم. وردّ عليه أبو «١» العبّاس الناشي في ذلك بقوله: (طويل)
[و] تخلط يونانا بقحطان ضلّة ... لعمري لقد باعدت بينهما جدّا!
وقيل إنهم إنما نجموا من رجل يقال له (الكن) ولد سنة سبع وأربعين لوفاة موسى ﵇.
وكانت قاعدة ملكهم الأولى (مدينة أغريقية) . وهي مدينة بناها (أغريقش) ابن يونان المقدّم ذكره على الجانب الغربيّ من الخليج القسطنطيني، وهي أوّل مدنهم، ثم هدمها هيليوس أحد ملوكهم وبنى (مدينة مقدونية «٢» ) في وسط المملكة بالجانب الغربيّ أيضا ونزلها فصارت منزلا لملوكهم من بعده، وإليها ينسب ملوكهم فيقال ملوك مقدونية، وقد كان يقال للإسكندر بن فيلبس المقدوني نسبة إلى مقدونية هذه. ومن طائفة اليونان كان معظم الحكماء الذين عنهم أخذت علوم الفلسفة، ومنهم بقراط وسقراط وأفلاطن وأرسطو طاليس وإقليدس وغيرهم من الحكماء.
стр. 2572
وكان لهم عدّة ملوك، أوّلهم (يونان) بن يافث بن نوح.
ثم ملك بعده ابنه (أغريقش) وهو الذي بنى مدينة أغريقيّة المتقدّم ذكرها.
وتوالى الملك في ولده، وقهروا اللّطينيّين ودال ملكهم في أرمينية.
ثم ملك (هرقل الجبّار) بن ملكان، بن سلقوس، بن أغريقش.
ثم ملك بعده ابنه (بلاق) وإليه تنسب الأمّة البلاقيّة التي هي الآن على بحر سوداق، واتصل الملك في عقب بلاق المذكور إلى أن ظهر عليهم إخوانهم الروم واستبدوا بالملك.
فكان أوّلهم (هردوس) بن مطرون، بن رومي، بن يونان، فملك الأمم الثلاثة، وصار اسمه لقبا لكل من ملك بعده.
ثم ملك بعده ابنه (هرمس) وحاربه الفرس فقهروه وضربوا عليه الإتاوة.
ثم ملك بعده ابنه (مطرنوس) فحمل الإتاوة للفرس.
ثم ملك بعده (فيلبوس) فظهر على الأعداء وهدم مدينة أغريقيّة، وبنى مدينة مقدونية المتقدّم ذكرها، وكان محبّا في الحكمة فكثر الحكماء في دولته.
ثم ملك بعده ابنه (الإسكندر) فاستقام له الأمر وملك الشام، وبيت المقدس، والهند، والسّند، وبلاد الصين، والتّبّت، وخراسان، وبلاد التّرك، وذلّت له سائر الملوك، وهاداه أهل المغرب والأندلس والسّودان، وبنى مدينة الإسكندريّة بالديار المصرية عند مصبّ النيل على ساحل البحر الرّومي، وبنى بالسّند أيضا مدينة سماها الإسكندريّة، ورجع إلى بابل فمات بها، وعرض الملك على ابنه إسكندروس فأبى واختار الرّهبانيّة.
ثم ملك بعده (لوغوس) من بيت الملك، وتلقب (بطليموس) فصار ذلك علما على كل من ملك منهم. وقيل: هو بطليموس بن لاوى صاحب عسكر الإسكندرية. وهلك لأربعين سنة من ملكه.
стр. 2573
وملك بعده ابنه (فلديفش) فأقام ثمانيا وثلاثين سنة، وترجمت له التوراة من العبرانيّ إلى الرّومي.
ثم ملك بعده ابنه (أنطرطيش) فأقام ستّا وعشرين سنة وهلك.
فملك بعده أخوه (قلوباظر) فأقام سبع عشرة سنة وهلك.
فملك بعده ابنه (أبيفانش) فأقام أربعا وعشرين سنة.
وملك بعده ابنه (قلوماظر) فأقام خمسا وثلاثين سنة. وكان مقرّه الإسكندرية وهلك.
فملك بعده ابنه (إبرياطش) فأقام سبعا وعشرين سنة. وعلى عهده استفحل ملك رومة، وملكوا الأندلس وأفريقيّة وهلك.
فملك بعده ابنه (شوظا) فأقام سبع عشرة سنة، وهلك.
فملك بعده أخوه (الإسكندر) فأقام عشر سنين وهلك.
فملك بعده (دنونشيش) بن شوظا، فأقام ثمانيا وثلاثين سنة، وفي أيامه ملك الرّوم بيت المقدس وأنطاكية، وهلك.
فملك بعده بنته (كلابطرة) فأقامت سنتين، وكان سكنها الإسكندرية.
وكان الملك على الروم يومئذ أغشطش قيصر ملك الروم، فقصدها، فاحتالت بأن اتخذت حيّة توجد بين الحجاز والشام، فلمست الحية فيبست مكانها، وبقيت الحية في رياحين حولها، وحضر أغشطش فوجدها جالسة ولم يشعر بموتها، فتناول من الرياحين ليشمّها فلسعته الحية فمات. وزالت دولة اليونان بزوالها.
هكذا رتّبهم (هروشيوش مؤرّخ الروم) وسبب ذلك أن الروم واليونان كانوا متجاورين متلاصقين لعلاقة النّسب فقد نقل ابن سعيد عن البيهقي أن الرّوم من ولد روميّ بن يونان المقدّم ذكره. وقيل هم بنو لطين بن يونان أخي روميّ المذكور، ولذلك يقال لهم اللّطينيّون. وقيل هم من بني كيتم بن ياثان وهو يونان. وقيل بل هم من بني عيصو بن إسحاق بن إبراهيم ﵇.
стр. 2574
قال صاحب حماة في تاريخه: وكان أوّل ظهورهم في سنة ستّ وتسعين وثلاثمائة لوفاة موسى ﵇. قال: وهم يعرفون ببني الأصفر، والأصفر هو رويم بن العيص. قال في «العبر» : وذلك أنه لما خرج يوسف ﵇ من مصر بأبيه يعقوب ليدفنه بالشأم عند الخليل ﵇، اعترضه بنو عيصو فحاربهم وهزمهم، وأسر منهم صفوا بن إليفار بن عيصو، وبعث به إلى أفريقيّة، فأقام بها واتصل بملكها واشتهر بالشجاعة، ثم هرب من أفريقيّة إلى أسبانية، فزوّجوه وملّكوه عليهم، فأقام في الملك خمسا وخمسين سنة، وبقي الملك في عقبه إلى أن كان منهم ملك اسمه (روميش) فبنى مدينة رومية وسكنها فعرفت به.
وبالجملة فإنهم كانوا مجاورين لهم: الروم في المغرب، واليونان في المشرق، فوقعت الحرب بينهم، وكانت الغلبة للروم على اليونان مرة بعد أخرى إلى أن كانت غلبة أغشطش على قلوبطرا على ما تقدّم ذكره.
ثم ملوك الرّوم على طبقات:
الطبقة الأولى (من ملك منهم قبل القياصرة)
قال «هروشيوش» مؤرّخ الرّوم: وأوّل من ملك منهم (بيقش) بن شطونش ابن يوب، في آخر الألف الرابع من أوّل العالم على زمن تيه بني إسرائيل.
ثم ملك بعده ابنه (بريامش) واتصل الملك في عقب بيقش المذكور وإخوته إلى أن كان منهم كرمنش بن مرسية بن شبين بن مزكة، بعد أربعة آلاف وخمسين لأوّل العالم في زمن بار بن كلعاد من ملوك بني إسرائيل، وهو الذي ألّف حروف اللسان اللّطينيّ ولم تكن قبله.
ثم كان منهم (أناش) من عقب بريامش بن بيقش المتقدّم ذكره لأربعة آلاف ومائة وعشرين للعالم.
وفي أيامه خرّب الأغريقيّون مدينة طروبة المتقدّم ذكرها في قواعد مملكتهم.
стр. 2575
ثم ملك بعده ابنه (أشكنانيش) وهو الذي بنى مدينة ألبا، ثم اتصل الملك فيهم إلى أن افترق أمرهم، ثم كان من أعقابهم برقاش على عهد عزيا بن أمصيا من ملوك بني إسرائيل. واتصل الملك لابنه ثم لحافديه روملش وراملش لأربعة آلاف وخمسمائة سنة للعالم. وهما اللذان اختطّا مدينة رومية، وكان الرّوم بعد روملش وراملش وانقراض عقبهم قد سئموا ولاية الملوك عليهم، فصيّروا أمرهم شورى بين سبعين وزيرا. وقال ابن العميد: كانوا يقدّمون شيخا بعد شيخ، ولم يزل أمرهم على ذلك مدّة سبعمائة سنة، تقترع الوزراء في كلّ سنة، فيخرج قائد منهم إلى كل ناحية على ما توجبه القرعة، فيحاربون الأمم والطوائف، ويفتحون الممالك حتّى ملكوا الاندلس وأثخنوا في الجلالقة، وملكوا سمّورية «١» مدينة القوط، واستولوا على الشأم وأرض الحجاز، وافتتحوا بيت المقدس وأسروا ملكها، وكانت الحرب بينهم وبين الفرس سجالا إلى أن كانت القياصرة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الطبقة الثانية (القياصرة قبل ظهور دين النّصرانية فيهم)
قال ابن العميد: لم يزل تدبير المشايخ الذين رتّبوهم نافذا فيهم، إلى أن كان آخرهم أغانيوش فدبّرهم أربع سنين وتسمّى قيصر، وهو أوّل من تسمّى بذلك من ملوكهم، ثم صار سمة لمن بعده. وسيأتي الكلام على معنى هذه اللفظة.
ثم ملك بعده (بوليوش قيصر) ثلاث سنين.
ثم ملك بعده (أوغشطش قيصر) بن مونوخس، وهروشيوش يسمّيه (أكتبيان قيصر) وهو الثاني من القياصرة، وهو الذي سلب ملك كلابطرا آخر ملوك اليونان المقدّم ذكرها. واستولى على مصر والإسكندرية وسائر ممالك اليونان الرّوم.
стр. 2576
ويقال: إنه كان آخر قوّاد الشيخ مدبّر رومة، وإنه توجه بالعساكر لفتح الاندلس ففتحها ثم عاد إلى رومة فملكها وطرد الشيخ عنها، ووافقه الناس على ذلك، ثم قتل نائبه بناحية المشرق واستولى عليها لثنتي عشرة سنة من ملكه [ولثنتين وأربعين سنة من ملك أغشطش ولد المسيح بعد مولد يحيى بثلاثة أشهر وذلك] «١» لتمام خمسة آلاف وخمسمائة سنة شمسيّة للعالم.
ثم ملك من بعده ابنه (طباريش قيصر) فاستولى على النّواحي، وفي أيامه كان رفع المسيح ﵇ وافتراق الحواريّين في الآفاق لإقامة الدّين وحمل الأمم على عبادة الله تعالى. ومات لثلاث وعشرين سنة من ملكه بعد أن جدّد مدينة طبريّة واشتقّ اسمها من اسمه.
ثم ملك من بعده (غابيش قيصر) وهو الرابع من القياصرة. وقال هروشيوش: وهو أخو طباريش، وسماه غابيش قليفة بن أكتبيان. قال ابن العميد:
ووقعت في أيامه شدّة على النصارى، وقتل يعقوب أخاه يوحنّا من الحواريّين، وحبس بطرس رأسهم، ثم وثب عليه بعض قوّاده فقتله.
وملك من بعده (فلوديش قيصر) وهو الخامس من القياصرة. قال هروشيوش: هو ابن طباريش المتقدّم ذكره فيكون أخا «٢» غابيش، وعلى عهده كتب متّى الحواريّ إنجيله في بيت المقدس بالعبرانية، ونقله يوحنّا بن زندي إلى الروميّة، وكتب بطرس رأس الحواريّين إنجيله بالروميّة وبعث به إلى بعض أكابر الرّوم، وهلك فلوديش قيصر لأربع عشرة سنة من ملكه.
وملك بعده ابنه (نيرون قيصر) وهو السادس من القياصرة، وكان غشوما
стр. 2577
فاسقا، فأنكر على من أخذ بدين المسيح وقتلهم، وقتل بطرس وبولس الحواريّين، وقتل مرقص الإنجيليّ: بطرك الإسكندرية لثنتي عشرة سنة من ملكه. وفي أيامه هدم اليهود كنيسة النصارى بالقدس، ودفنوا خشبتي الصّليب بزعمهم في الزّبالة. قال هروشيوش: وقتله جماعة من قوّاده لأربع عشرة سنة من ملكه، وانقطع ملك آل يوليوش قيصر لمائة وستّ عشرة سنة من أوّل ملكهم، قال هروشيوش: وكان نيرون قيصر قد وجّه قائدا إلى جهة الأندلس فافتتحها وعاد إلى رومة بعد مهلك نيرون قيصر فملّكه الروم عليهم. وكان لنيرون قيصر صهر على أخته يسمّى (يشبشيان) ، وابن العميد يسميه (إشبا شيانس) وكان نيرون قيصر قد وجهه لفتح بيت المقدس ففتحه وعاد فقتل ذلك القائد الذي استولى على المملكة بعد نيرون قيصر، وملك مكانه، وتسمّى قيصر كمن كان قبله واستقام له الملك، هكذا ذكره هروشيوش.
والذي ذكره ابن العميد أنه لما هلك نيرون قيصر وإشباشيانس الذي سماه هروشيوش يشبشيان [محاصر للقدس] «١» ملّك الروم عليهم غلياش قيصر، فأقام تسعة أشهر وكان رديء السيرة فقتله بعض خدمه.
ثم ملّكوا عوضه (أنون) ثلاثة أشهر، وملّكوا (بطالس) ثمانية أشهر، وسار إليه اشباشيانس الذي يسمّيه هروشيوش يشبشيان فقتله وهلك اشباشيانس المذكور لتسع سنين من ملكه.
وملك بعده ابنه (طيطش قيصر) لأربعمائة سنة من ملك الإسكندر، فأقام فيهم سنتين وقيل ثلاثا وقيل أربعا، وكان حسن السيرة متفنّنا في العلوم.
ثم ملك بعده أخوه (دومريان قيصر) وقيل اسمه دوسطيانوس، وقيل
стр. 2578
دوماطيانوس، فأقام خمس عشرة سنة، وقيل ستّ عشرة سنة، وقيل تسع سنين، وهو ابن أخت نيرون قيصر المتقدّم ذكره، وكان ظلوما غاشما فحبس يوحنّا الحواريّ، وأمر بقتل النصارى ونفيهم، وقتل اليهود من نسل داود حذار أن يملكوا وهلك في حرب الفرنج.
وملك بعده (نربا) ابن أخيه طيطش، وقيل اسمه تاوداس، وقيل قارون، وقيل: برسطوس، فأقام نحوا من سنتين أو سنة ونصفا، فأحسن السّيرة وأمر بردّ من نفي من النصارى وخلّاهم ودينهم، ولم يكن له ولد.
فعهد بالملك إلى (طريانش) من عظماء قوّاده، وقيل: اسمه أنديانوش، وقيل طرينوس، فملك بعده وتسمّى قيصر، فأقام تسع عشرة سنة، ولقي النصارى في أيامه شدّة وتتبع أئمّتهم بالقتل واستعبد عامّتهم، وفي زمنه كتب يوحنّا إنجيله برومة في بعض الجزائر، وهلك طريانش المذكور لتسع عشرة سنة من ولايته.
وملك بعده (أندريانوس) فأقام إحدى «١» وعشرين سنة، وقيل عشرين سنة وهو الذي بنى مدينة القدس وسماها إيليا، وكان شديدا على النصارى وقتل منهم خلقا كثيرا، وأخذ الناس بعبادة الأوثان، وألزم أهل مصر حفر خليج من النيل إلى القلزم «٢» فحفروه وأجروا فيه ماء النيل ثم ارتدم بعد ذلك.
ولما جاء الفتح الإسلاميّ ألزمهم عمرو بن العاص «٣» ﵁ حفره
стр. 2579
فحفروه وجرى فيه الماء ثم ارتدم أيضا، وبقي على ذلك مردوما إلى زماننا. ومات أندريانوس لإحدى وعشرين سنة من ملكه.
فملك بعده ابنه (انطونيش) وتسمّى (قيصر الرحيم) فأقام ثنتين وعشرين سنة، وقيل إحدى وعشرين سنة وهلك.
فملك بعده أخوه (أوراليانس) وقيل اسمه اورالش، وقيل اسمه أنطونيش الأصغر، وأصاب الأرض في زمنه قحط ووباء عظيم، وأصاب النصارى في أيامه شدّة عظيمة، وقتل منهم خلقا كثيرا، وهلك لتسع عشرة سنة من ملكه.
وملك من بعده ابنه (كمودة) ويقال بالقاف بدل الكاف، فأقام ثلاث عشرة سنة، وقيل اثنتي عشرة سنة. وفي عاشرة ملكه ظهر «أردشير «١» بن بابك» أوّل ملوك الساسانية من الفرس. وفي زمنه كان «جالينوس» اليونانيّ المشهور بالطّب، و «بقراطس» الحكيم، ومات كمودة المذكور.
فملك بعده (ورمتيلوش قيصر) وقيل اسمه برطنوش، وقيل اسمه فرطيخوس، وقيل برطانوس، وقيل ألبيش بن طنجيش فأقام ثلاثة أشهر، وقيل شهرين، وقيل سنة، وقتله بعض قوّاده.
فملك بعده (يوليانوس قيصر) فأقام شهرين ومات.
فملك بعده (سوريانوس قيصر) وقيل اسمه سورس، وقيل طباريش، فأقام تسع عشرة سنة، وقيل ثمان عشرة، وقيل ستّ عشرة، وقيل ثلاث عشرة، وقيل ستّ سنين، واشتدّ على النصارى وفتك فيهم وسار إلى مصر والإسكندرية فقتلهم، وهدم كنائسهم وشرّدهم في البلاد، وهلك.
فملك من بعده (أنطونيش قيصر) وقيل أنطونيش قسطس لخمس وعشرين سنة وخمسمائة لغلبة الإسكندر، فأقام ستّ سنين، وقيل سبع سنين،
стр. 2580
وضعف عن مقاومة الفرس فغلبوا على أكثر مدن الشأم، ونواحي أرمينية، وهلك في حروبهم.
فملك بعده (مقرين قيصر) بن مزكة، وقيل اسمه مقرونيوس، وقيل مرقيانوس، فأقام سنة وقتله قوّاد رومة.
ثم ملك من بعده (أنطونيش) قيل ثلاث سنين، وقيل أربع سنين، وفي أوّل سنة من ملكه بنيت مدينة عمواس بأرض فلسطين من الشأم وملك سابور بن أردشير مدنا كثيرة من الشام؛ ومات.
فملك من بعده (اسكندروس) فأقام ثلاث عشرة سنة، وقيل عشرين سنة، وكانت أمّه نصرانيّة، فكانت النصارى معه في سعة من أمرهم. قال هروشيوش:
ولعشر من ملكه غزا فارس وقتل سابور بن أردشير ملك الفرس، وثار عليه أهل رومة فقتلوه.
وملك بعده (مخشميان) بن لوجيه، وقيل اسمه نقيموس، فأقام ثلاث سنين ولقي النصارى منه شدّة عظيمة. قال ابن العميد: وفي ثالثة ملكه مات سابور ابن أردشير، وهو خلاف ما تقدّم من كلام هروشيوش أنه قتله [اسكندروس] في العاشرة من ملكه، وهلك.
فملك بعده (يونيوش) وقيل اسمه لوكيوش قيصر، وقيل بلينايوس، فأقام ثلاثة أشهر وقتل.
ثم ملك بعده (غرديانوس قيصر) وقيل اسمه فودينوس، وقيل فرطانوس وقيل غرديان بن بلنسيان، فأقام ستّ سنين، وقيل سبع سنين، وطالت حروبه مع الفرس، وقتله أصحابه على نهر الفرات.
وملك بعده (فلفش قيصر) بن أوليان بن أنطونيش، فأقام سبع سنين، وقيل ستّ سنين، وقيل تسع سنين، ودان بدين النصرانية، وهو أوّل من تنصرّ من ملوك الروم، وقتله قائد من قوّاده.
стр. 2581
وملك ذلك القائد الذي قتله مكانه، وكان من أولاد الملوك. واسمه داجية ابن مخشميان فأقام خمس سنين، وقيل سنتين، وقيل سنة، وكان يعبد الأصنام، ولقي النصارى منه شدّة قيل وفي أيامه كانت قصّة أهل الكهف مع ملكهم؛ وهلك.
فملك من بعده (غالش قيصر) فأقام سنتين، وقيل ثلاث سنين، واستتبع في قتل النصارى، وكان في أيامه وباء عظيم أقفرت منه المدن، ومات.
فملك بعده (والاريانس) لسبعين وخمسمائة لغلبة الإسكندر، وقيل اسمه غاليوش، وقيل أقيوس وغاليوش ابنه، وقيل أورليوس، وقيل غليوش، وقيل أدرياليانوس، فأقام إحدى عشرة سنة، وقيل خمس عشرة سنة، وقيل أربع عشرة سنة، وقيل خمس سنين، وكان يعبد الأصنام فلقي النصارى منه شدّة عظيمة، ووقع في أيامه وباء عظيم فرفع الطلب عن النصارى بسببه. وفي أيامه خرج القوط من بلادهم وتغلّبوا على بلاد مقدونية وبلاد النّبط واقتلعوها منه، وقتله بعض قوّاد رومة.
وملك بعده (افلوديوش قيصر) لثمانين وخمسمائة للإسكندر، فأقام سنة واحدة، وقيل سنة وتسعة أشهر، وقيل هو فلوديش بن بلاريان، ولم يكن من بيت الملك وأقام سنتين، وقيل ملك [بعده أخوه] «١» قنطل فأقام سبعة عشر يوما، ودفع القوط عن مقدونية وأرمينية وقتله بعض قوّاده.
ثم ملك (أوريليانس) وقيل اسمه أوراليوس، وقيل أورينوس، وقيل أروليوس، وقيل أوراليان بن بلنسيان، فأقام ستّ سنين، وقيل خمس سنين، وأشتدّ على النصارى وجدّد بناء رومة وفي سادسة ملكه ولد قسطنطين، ثم قتل.
وملك بعده (طافيش بن اليش) وقيل اسمه طافسيوس، وقيل طافساس، فأقام نحو سنة، وقيل تسعة أشهر، وقيل ستة أشهر.
стр. 2582
ثم ملك بعده (فروفش قيصر) وقيل اسمه فرويس، وقيل برويش، وقيل ولاكيوش، وقيل ارفيون، فأقام خمس سنين، وقيل ستّ سنين وقيل سبع سنين، وقتله قوّاد رومة.
ثم ملك بعده (قاريوش قيصر) وقيل اسمه قوروش، وقيل قاروش لخمسمائة وثنتين وتسعين للإسكندر في زمن سابور ذي الأكتاف: أحد ملوك الساسانيّة من الفرس، فأقام سنتين، وقيل ثلاث سنين، وتغلّب على كثير من بلاد الفرس، واشتدّ على النصارى وقتل منهم خلقا كثيرا وهلك في الحرب.
فملك بعده ابنه (مناريان) وقتل لوقته.
ثم ملك من بعده (ديقلاديانوس) لخمسمائة وخمس وتسعين سنة للإسكندر، وقيل اسمه دقلطيانوس، وقيل غرنيطا، فأقام إحدى وعشرين سنة، وقيل عشرين سنة، وقيل ثمان عشرة ولقي النصارى منه شدّة وأمر بغلق الكنائس، وقتل جملة من أعيان النصارى، وهلك.
فملك بعده ابنه (مقسيمانوس قيصر) فأقام سبع سنين، وقيل سنة واحدة.
وكان شريكه في الملك (مفطوس) وهو أشدّ كفرا منه، ولقي النصارى منهما شدّة عظيمة وقتل منهم خلقا كثيرا، ووقع في كلام هروشيوش ما يخالف هذا الترتيب، ولا حاجة بنا إلى ذكره.
الطبقة الثالثة (القياصرة المتنصّرة إلى الفتح الإسلاميّ)
وكانوا يدينون أوّلا بدين الصابئة، ثم دانوا بدين المجوسية، ثم بعد ظهور الحواريّين، وتسلّطهم عليهم مرة بعد أخرى أخذوا بدين النّصرانية، وكان أوّل من أخذ منهم به قسطنطين بن قسطنش بن وليتنوش، وكان قد خرج على مقسيمانوس قيصر: آخر القياصرة من الطبقة الثانية، فهزمه ورجع مقسيمانوس إلى رومة، فازدحم عسكره على الجسر فغرق فيمن غرق، ودخل قسطنطين رومة وملكها فبسط العدل، ورفع الجور، وتنصّر لثنتي عشرة سنة من ملكه، وهدم بيوت
стр. 2583
الأصنام، وتوجهت أمّه (هلانة) إلى القدس واستخرجت خشبة الصّلبوت بزعمهم من تحت القمامات وبنت مكانها كنيسة قمامة، وذلك لثلاثمائة وثمان وعشرين سنة من مولد المسيح ﵇. وفي السنة التاسعة عشرة من ملكه كان مجمع الأساقفة بنيقية، ولما تنصّر قسطنطين وخرج عن دين المجوسيّة، خاف من قومه فارتحل من رومة إلى مدينة بوزنطية فجدّدها وزاد فيها وسمّاها القسطنطينيّة باسمه وأقام في الملك خمسين سنة: منها ببوزنطية ستّ وعشرون سنة قبل غلبة مقسيمانوس، وأربع وعشرون بعد استيلائه على الرّوم وهلك لستمائة وخمسين للإسكندر.
وملك بعده ابنه (قسطنطين الأصغر) بن قسطنطين، بن قسطنطين، بن قسطنش فأقام أربعا وعشرين سنة ومات.
فملك بعده ابن عمه (يوليانش) فأقام سنة واحدة، وقيل سنتين، فكان على غير دين النصرانية، فقتل النصارى وعزلهم عن الكنائس واطرحهم من الدّيوان وسار لقتال الفرس فمات من سهم أصابه، وقيل ضلّ في مفازة فقتله أعداؤه.
وملك بعده (يليان) بن قسطنطين سنة واحدة وهلك.
فملك بعده (بوشانوش) فأقام سنة واحدة، وقيل إنما هو بلنسيان بن قسطنطين، وقيل واليطينوش، وانه ملك ثنتي عشرة سنة أو خمس عشرة سنة ثم هلك بالفالج.
وملك بعده أخوه (واليش) وقيل اسمه والاش فأقام أربع سنين، وقيل ثلاث سنين، وقيل سنتين، وقيل إنه كان شريك واليطينوش المتقدّم ذكره في الملك، ثم خرج على واليش خارج من العرب وقتل في حربه.
وملك بعده (اغراديانوس قيصر) وهو أخو واليش، ويقال إن ولنطيانش ويقال والنطوش بن واليش كان شريكا له في الملك فأقام سنة واحدة، وقيل سنتين، وقيل ثلاث سنين، ومات اغراديانوس وابن أخيه في سنة واحدة.
стр. 2584
وملك بعدهما (تاوداسيوس) ويقال إنه طودوشيوش لستمائة وتسعين من ملك الإسكندر، فأقام سبع عشرة سنة، وفي الخامسة عشرة من ملكه ظهر أهل الكهف وأفاقوا من نومهم، فأرسل في طلبهم فوجدهم قد ماتوا فأمر أن تبنى عليهم كنيسة ويتّخذ يوم ظهورهم عيدا، وفي أيامه كان المجمع بقسطنطينيّة لمائتين وخمسين سنة من [مجمع] نيقية.
ثم ملك (اركاديش) بن تاوداسيوس، فأقام ثلاث عشرة سنة، وولد له ولد سماه طودوشيوش، فلما كبر هرب إلى مصر وترهّب، وأقام في مغارة في الجبل المقطّم ومات فبنى الملك على قبره كنيسة وديرا يسمّى دير القيصر، وهو دير البغل، وهلك.
فملك بعده ابنه (طودوشيش قيصر) الأصغر، فأقام ثنتين وأربعين سنة.
وفي أيامه كان المجمع الثالث للنصارى بمدينة أفسس، وولّى أخاه أنوريش على رومة واقتسما الملك بينهما، وقيل إن أركاديش بن طودوشيوش ولّى أخاه أنوريش على رومة واقتسما الملك وإنه لما هلك أركاديش استبدّ أخوه أنوريش قيصر بالملك خمس عشرة سنة، وإنه لما هلك ملك من بعده طودوشيش المقدّم ذكره.
ثم ملك (مرقيان قيصر) ويقال بالكاف بدل القاف، فأقام ستّ سنين.
وفي أيامه كان المجمع الرابع بخلقدونية وانقسم النصارى إلى يعقوبيّة وملكية.
ونسطوريّة. وفي أيامه سكن شمعون الحبيس الصّومعة بأنطاكية وترهّب فيها وهو أوّل من فعل ذلك من النصارى، ثم مات مرقيان.
وملك بعده (لاون قيصر) ويعرف بلاون الكبير لسبعمائة وسبعين سنة من ملك الإسكندر، وقيل اسمه ليون بن شميخلية، وكان ملكيّا فأقام ستّ عشرة سنة ومات.
وملك بعده (لاون قيصر) ويعرف بلاون الصغير، وكان يعقوبيّا فأقام سنة واحدة وهلك.
стр. 2585
فملك بعده (زينون قيصر) وقيل اسمه سينون بالسين المهملة بدل الزاي، وكان يعقوبيّا فأقام سبع عشرة سنة وهلك.
فملك بعده (نشطاش قيصر) لثمانمائة وثلاث سنين للإسكندر، فأقام سبعا وعشرين سنة، وكان يعقوبيّا وسكن حماة من الشام، وأمر أن تشاد وتحصّن فبنيت في سنتين، وأمر بقتل كلّ امرأة قارئة كاتبة، وهلك.
فملك بعده (يشطيانش قيصر) لثمانمائة وثلاثين للإسكندر، وكان ملكيّا فأقام تسع سنين، وقيل سبع سنين، ويقال إنه كان معه شريك في ملكه يقال له يشطيان، وهلك.
فملك بعده (يشطيانش قيصر) لثمانمائة وأربعين للإسكندر، وكان ملكيّا وهو ابن عم يشطيانش الملك قبله، وقيل كان شريكه فأقام أربعين سنة، وقيل ثلاثا وثلاثين سنة، وأمر بأن يتّخذ عيد الميلاد في الرابع والعشرين من كانون، والغطاس في ستّ منه، وكانا قبل ذلك جميعا في سادسه، وكانت كنيسة بيت لحم بالقدس صغيرة فزاد فيها ووسّعها حتّى صارت على ما هي عليه الآن. وفي أيامه كان المجمع الخامس للنصارى بالقسطنطينيّة وهلك.
فملك بعده (يوشطونش قيصر) لثمانمائة وثمانين سنة للإسكندر في زمن كسرى أنوشروان فأقام ثلاث عشرة سنة، وقيل إحدى عشرة سنة، وهلك.
فملك بعده (طباريش قيصر) لثمانمائة وثنتين وتسعين للإسكندر فأقام ثلاث سنين، وقيل أربع سنين، وهلك.
فملك بعده (موريكش قيصر) لثمانمائة وخمس وتسعين للإسكندر، فأقام عشرين سنة، وكان حسن السّيرة، ووثب عليه بعض مماليكه فقتله.
وملك بعده (قوقاص قيصر) قريب موريكش الملك قبله، وكان هو الذي بعث مملوكه على قتله. وفي أيامه ثار كسرى أبرويز على بلاد الروم، وملك الشام ومصر. فأقاما في ملكة الفرس عشر سنين، وحاصر القسطنطينيّة طلبا لثأر
стр. 2586
موريكش لمصاهرة كانت بينهما، فثار الرّوم على قوقاص فقتلته بسبب ما جلبه إليهم من الفتنة.
وملك بعده (هرقل) بن أنطونيش، وقيل هرقل بن هرقل بن أنطونيش لستمائة وإحدى عشرة من تاريخ المسيح، ولألف ومائة من بناء رومة، ولتسعمائة وثنتين وعشرين سنة للإسكندر، ولأوّل سنة من الهجرة، وقيل لإحدى عشرة سنة منها، وقيل لتسع سنين. فارتحل أبرويز عن القسطنطينيّة راجعا إلى بلاده، وأقام هرقل في الملك إحدى وثلاثين سنة ونصفا، وقيل ثنتين وثلاثين سنة، وثار على بلاد الفرس فخرّبها في غيبة كسرى، وضعفت مملكة الفرس بسبب ذلك، واستولى هرقل على ما كان كسرى استولى عليه من بلاده: وهو مصر والشأم، وأعاد بناء ما كان خرّب «١» من الكنائس فيهما، وكتب إليه النبيّ ﷺ يدعوه للإسلام.
قال المسعوديّ، وقيل إن مولد النبيّ، ﷺ كان في أيام يوشطيانش، وإن ملكه كان عشرين سنة. ثم ملك (هرقل بن نوسطيونس) خمس عشرة سنة، وإليه تنسب الدراهم الهرقليّة. ثم ملك بعده (مورق بن هرقل) . قال: والمشهور بين الناس أن الهجرة وأيام الشيخين، كان ملك الروم لهرقل. قال: وفي كتب السير أن الهجرة كانت على عهد قيصر بن مورق، ثم كان بعده قيصر بن قيصر [ايام أبي بكر ثم هرقل بن قيصر] «٢» أيام عمر، وعليه كان الفتح وهو المخرج من الشأم.
الطبقة الرابعة (ملوك الروم بعد الفتح الإسلاميّ إلى زماننا)
قد تقدّم أن النبيّ ﷺ بعث وهاجر وهرقل ملك الروم، وكتب إليه يدعوه إلى
стр. 2587
الإسلام. وبقي هرقل إلى أن افتتح المسلمون الشأم في خلافة عمر بن الخطّاب ﵁. فلما غلب المسلمون على أكثر بلاد الشأم، خرج إلى الرّها، ثم علا على نشز من الأرض والتفت إلى الشأم وقال: «السلام عليك يا سور يا سلام لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك روميّ بعدها إلا خائفا» وسار حتّى بلغ القسطنطينيّة فأقام بها، واستولى المسلمون على الشأم ومصر والإسكندرية وأفريقيّة والأندلس، وأستولوا على جزائر البحر الرّومي: مثل صقلّيّة، ودانية، وميورقة وغيرها مما كان بيد الرّوم. وأقام في الملك إحدى وثلاثين سنة، وهلك لإحدى وعشرين سنة من الهجرة.
وملك بعده على الرّوم بقسطنطينيّة ابنه (قسطنطين) بن هرقل فأقام ستة أشهر وقتله بعض نساء أبيه.
وملك بعده أخوه (هرقل) بن هرقل، فتشاءم به الروم فخلعوه وقتلوه.
وملّكوا عليهم (قسطينو بن قسطنطين) فأقام ستّ عشرة سنة. وفي أيامه غزا معاوية بن أبي سفيان بلاد الرّوم وهو أمير على الشأم من قبل عمر بن الخطاب في سنة أربع وعشرين من الهجرة فدوّخ البلاد وفتح منها مدنا كثيرة، ثم أغزى عساكر المسلمين إلى قبرص في البحر في سنة سبع وعشرين، ففتح منها حصونا، وضرب الجزية على أهلها. ومات قسطينو سنة سبع وثلاثين من الهجرة.
فملك بعده ابنه (يوطيانس) فأقام اثنتي عشرة سنة، ومات سنة ثمان وأربعين من الهجرة.
وملك بعده ابنه (لاون) فأقام ثلاث سنين، ومات سنة خمسين من الهجرة.
فملك بعده (طيباريوس قيصر) فمكث سبع سنين. وفي أيامه غزا يزيد بن معاوية القسطنطينية في عساكر المسلمين وحاصرها مدّة، ثم أفرج عنها واستشهد أبو أيّوب الأنصاريّ «١» في حصارها ودفن في ساحتها، وقتل طيباريوس المذكور
стр. 2588
سنة ثمان وخمسين من الهجرة.
وملك بعده (أغشطش قيصر) فذبحه بعض عبيده.
وملك بعده ابنه (إصطفانيوس) في أيام عبد الملك بن مروان ثم خلع.
وملك بعده (لاون) ومات سنة ثمان وسبعين من الهجرة.
وملك بعده (طيباريوس) سبع سنين، ومات سنة ستّ وثمانين من الهجرة.
وملك بعده (سطيانوس) في أيام الوليد بن عبد الملك باني الجامع الأمويّ بدمشق.
ثم ملك بعده (تداوس) في سنة إحدى ومائة من الهجرة، فأقام سنة ونصفا.
ثم ملك بعده (لاون) فأقام أربعا وعشرين سنة.
وملك بعده ابنه (قسطنطين) . وفي أيامه غزا هشام بن عبد الملك الصائفة اليسرى من بلاد الروم، وأخوه سليمان الصائفة اليمنى في سنة ثلاث عشرة ومائة، فلقيهم قسطنطين المذكور في جموع الرّوم فانهزم وأخذ أسيرا ثم أطلق.
ثم ملك بعده رجل اسمه (جرجس) من غير بيت الملك فبقي أيام السّفّاح والمنصور وأمره مضطرب ثم مات.
وملك بعده (قسطنطين) بن لاون، وبنى المدن وأسكنها أهل أرمينية وغيرهم، ثم مات.
وملك بعده ابنه (لاون) وهلك.
فملك بعده (نقفور) وهلك في خلافة الأمين بن الرّشيد.
وملك بعده ابنه (استيراق قيصر) وأقام إلى خلافة المأمون. وفي أيام المأمون غلب قسطنطين [بن فلفط] «١» على مملكة الروم، وطرد ابن نقفور،
стр. 2589
هكذا رتبه ابن العميد. وفي كلام المسعوديّ ما يخالفه.
قال المسعوديّ: ثم ملك بعد قسطنطين (نوفيل) أيّام المعتصم «١» ثم ملك من بعده (ميخائيل) بن نوفيل أيّام الواثق «٢» والمتوكل «٣» ، والمنتصر «٤» ، والمستعين «٥» ثم تنازع الروم وملّكوا عليهم (نوفيل بن ميخائيل) أيام المعتز «٦» ، والمهتدي «٧» ، وبعض أيام المعتمد «٨» ثم ملك من بعده ابنه (أليون) بن نوفيل [بقية] أيام المعتمد وصدرا من أيام المعتضد «٩»
стр. 2590
ثم ملك من بعده (الإسكندروس) بن أليون، فنقموا سيرته، فخلعوه.
وملّكوا عليهم أخاه [لاوي] بن أليون، فأقام [بقية] أيام المعتضد والمكتفي «١» ، وصدرا من أيام المقتدر «٢» ثم هلك.
وملك ابنه (قسطنطين) صغيرا، وقام بتدبير دولته أرمنوس بطريق البحر، وزوّجه ابنته وتسمّى بالدمستق، والدمستق هو الذي يلي شرق الخليج القسطنطينيّ واتصل ذلك أيام المقتدر «٣» والقاهر «٤» ، والراضي «٥» ، والمتقي «٦» ثم افترق أمر الروم.
ثم ظاهر كلام ابن الأثير أن أرمنوس المتقدّم ذكره صار إليه الملك بعد قسطنطين. قال: وكان الدّمستق على عهده قوقاس فملك ملطية من يد المسلمين بالأمان في سنة ثنتين وعشرين وثلاثمائة، وولّى تقفور دمستقا، وهلك أرمنوس وترك ولدين صغيرين وكان تقفور الدمستق غائبا ببلاد المسلمين فلما رجع اجتمع إليه زعماء الروم وقدّموه لتدبير أمر الصغيرين وألبسوه التاج، ثم دسّت عليه أم
стр. 2591
زوجة أرمنوس أم الصغيرين، فقتلته في سنة ستين وثلاثمائة.
وقام ابنها الأكبر وهو (بسيل بن أرمنوس) بتدبير ملكه فطالت مدّته، وأقام في الملك نيّفا وسبعين سنة، وهلك بسيل سنة عشر وأربعمائة.
وملك بعده أخوه (قسطنطين) فأقام تسع سنين، ثم هلك عن ثلاث بنات.
فملّك الروم عليهم الكبرى منهن، وقام بأمرها ابن خالها (أرمانوس) وتزوّجت به فاستولى على مملكة الرّوم، ثم مالت زوجته إلى المتحكّم في دولته، واسمه ميخائيل فدسّته عليه فقتله واستولى على الأمر، ثم أصابه الصّرع ودام به.
فعهد لابن أخت له اسمه (ميخائيل) فأحسن السّيرة وطلب من زوجة خاله أن تخلع نفسها عن الملك فأبت فنفاها إلى بعض الجزر، واستولى على المملكة سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وأنكر عليه البطرك خلع المرأة فهمّ بقتله، فنادى البطرك في النصارى بخلعه فخلعوه، واستدعى الملكة التي خلعها وأعادها إلى الملك، ونفت ميخائيل كما نفاها؛ ثم اتفق البطرك والروم على خلعها فخلعت.
وملّكوا عليهم أختها (ندورة) وسملوا ميخائيل فوقع الخلف بسبب ذلك، فأقرعوا بين المترشّحين للملك منهم فخرجت على رجل منهم اسمه (قسطنطين) فملّكوه عليهم وزوّجوه بندورة الملكة في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، ثم توفّي قسطنطين المذكور سنة ستّ وأربعين وأربعمائة.
وملّك على الروم (أرمانوس) وذلك لأوّل دولة السّلجوقيّة، وخرج لبلاد الإسلام [فزحف إليه ألب أرسلان من أذربيجان فهزمه وحصل في أسره، ثم فاداه على مال يعطيه وأجروه عليه وعقد معه صلحا] «١» فوثب (ميخائيل) بعده على مملكة الروم. فلما انطلق من الأسر وعاد إلى
стр. 2592
قسطنطينيّة، دفعه ميخائيل عن الملك، والتزم لألب أرسلان ما انعقد عليه الصلح. وترهّب أرمانوس وترك الملك. إلى هنا انتهى كلام ابن الأثير.
ثم توالت عليها ملوك الروم واحدا بعد واحد إلى آخر المائة السادسة. وكان ملك القسطنطينيّة يومئذ قد تزوّج أخت الفرنسيس ملك الفرنجة، فولد له منها ابن ذكر.
ثم وثب بالملك أخوه فسمله وملك مكانه، ولحق الابن بخاله الفرنسيس، فوجده قد جهّز الأساطيل لارتجاع بيت المقدس وفيها ثلاثة من ملوك الفرنجة وهم كيدقليس: أحد ملوكهم، وهو أكبرهم، ودوقس البنادقة، والمركين مقدّم الفرنسيس، فأمرهم الفرنسيس بالجواز على القسطنطينية ليصلحوا بين ابن أخته وبين عمه ملك الروم. فلما وصلوا إلى مرسى القسطنطينيّة خرج إليهم عمّه وحاربهم فهزموه ودخلوا البلد، وأجلسوا الصبيّ على سرير الملك، وساء أمرهم في البلد، وصادروا أهل النّعم، وأخذوا أموال الكنائس، وثقلت وطأتهم على الرّوم، فعقلوا الصبيّ وأخرجوهم من البلد، وأعادوا عمّ الصبيّ إلى الملك. ثم هجم الفرنج البلد وأستباحوها ثمانية أيام حتّى أقفرت، وقتلوا من بها من القسّيسين والرّهبان والأساقفة، وخلعوا الصبيّ، واقترع ملوك الفرنج الثلاثة على الملك، فخرجت القرعة على كيدقليس كبيرهم فملّكوه على القسطنطينية وما يجاورها.
وجعلوا لدوقس البنادقة الجزائر البحريّة: مثل أقريطش ورودس وغيرهما، وللمركين البلاد التي في شرقيّ الخليج: مثل أرسوا ولارتو في جوار سليمان بن قليج أرسلان، فلم يحصل لأحد منهم شيء من ذلك إلا لمن أخذ شرقيّ الخليج.
ثم تغلّب على القسطنطينية بطريق من بطارقة الرّوم شهرته لشكريّ واسمه (ميخائيل) فدفع عنها الفرنج وملكها وقتل الذي كان ملكا قبله، وعقد معه الصّلح الملك المنصور «قلاوون الصالحيّ» صاحب مصر والشام، وتوفّي سنة إحدى وثمانين وستّمائة.
وملك بعده ابنه (ياندر) وتلقّب الدوقس، وشهرتهم جميعا اللشكري،
стр. 2593
وبقي بنوه في ملكها إلى الآن. ولم أقف على تفاصيل أخبارهم غير أنه لم يبق بيدهم سوى قسطنطينيّة وبعض أعمالها المجاورة لها. وقد استولى الفرنج على جهاتها الغربية، واستولى المسلمون على ما هو شرقيّ الخليج القسطنطيني وعلى أعمال كثيرة من غربيّه إلى ما يقارب خليج البنادقة على ما تقدّم بيانه في الكلام على القسم الأوّل من هذا المقصد، مع تسلّط صاحب السّراي ملك تتر الشمال من بني جنكزخان عليه بالبعوث والسّرايا قبل ذلك. حتّى إن القان أزبك صاحب هذه المملكة قرّر عليه إتاوة تحمل إليه في كل سنة ليكفّ عنه، كما أشار إليه في «التعريف» في الكلام على مكاتبة صاحب القسطنطينيّة. قال ابن سعيد: ومنتهى حكم اللشكريّ صاحب القسطنطينيّة الآن إلى إيثنية. قال في «تقويم البلدان» :
بالهمزة والياء المثناة التحتية والثاء المثلثة ونون ثم ياء مثناة تحتية ثانية وهاء في الآخر. قال ابن سعيد: وهي غربيّ الخليج القسطنطيني بشمال. قال ابن حوقل:
وهي مدينة بها مجمع النصارى بقرب البحر، وهي دار حكمة اليونان في القديم، وبها تحفظ علومهم، وحكمهم.
ولصاحب القسطنطينية المستقرّ بها مكاتبة تخصّه من الأبواب السلطانية بالديار المصرية، على ما يأتي بيانه في الكلام على مكاتبات ملوك الكفر في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى.
المملكة الثانية (مملكة الألمان)
قال المؤيد صاحب حماة في تاريخه: وهم من أكبر أمم النصارى، يسكنون في غربيّ القسطنطينيّة إلى الشّمال، وملكهم كثير الجنود. قال: وهو الذي سار إلى الشأم في زمن السلطان صلاح الدين «يوسف بن أيوب» في سنة ستّ وثمانين وخمسمائة، فهلك قبل وصوله إلى الشام. وكان قد خرج بمائة ألف مقاتل فسلّط الله عليهم الغلاء والوباء فمات أكثرهم في الطريق، ولما وصل إلى بلاد الأرمن نزل يغتسل في نهر هناك فغرق فيه، وبقي من عسكره قدر ألف مقاتل
стр. 2594
لا غير فعادوا إلى بلادهم. وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً
«١» وقاعدتهم فيما ذكر ابن سعيد (مدينة برشان) . قال في «تقويم البلدان» : بضم الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وفتح الشين المعجمة ثم ألف ونون في الآخر. قال: ويقال لها أيضا (برجان) بالجيم وذكر ابن سعيد: أنه كان بها الأمّة المسماة برجان في قديم الزمان فاستولت عليهم الألمانيّة وأبادوهم حتّى لم يبق منهم أحد، ولم يبق لهم أثر. وهؤلاء البرجان هم الذين كان يقاتلهم قسطنطين ورأى في منامه أعلاما عليها صلبان فتنصّر.
المملكة الثالثة (مملكة البنادقة)
وهم طائفة مشهورة من الفرنج، وبلادهم شرقيّ بلاد (الأنبردية) الآتي ذكرهم.
وقاعدة مملكتهم (البندقيّة) . قال في «تقويم البلدان» : بضم الباء الموحدة وسكون النون ثم دال مهملة وقاف ومثناة تحتية وهاء في الآخر. وموقعها في الإقليم السادس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول اثنتان وثلاثون درجة، والعرض أربع وأربعون درجة. قال ابن سعيد: وهي على طرف الخليج المعروف بجون البنادقة، وقد تقدّم الكلام عليه عند ذكره في الكلام على بحر الرّوم. قال: وعمارتها في البحر، وتخترق المراكب أكثرها، تتردّد بين الدّور، ومركب الإنسان على باب داره، وليس لهم مكان يتمشّون فيه إلا الساباط الذي فيه سوق الصّرف، صنعوه لراحتهم إذا أرادوا التمشّي، وملكهم من أنفسهم يقال له الدّوك، يعني بضم الدال المهملة وسكون الواو وكاف في الآخر.
ودنانيرهم أفضل دنانير الفرنجة، وقد تقدّم في الكلام على معاملة الديار المصرية في أوّل هذه المقالة أن دينارهم يقال له (دوكات) نسبة إلى الدّوك الذي هو
стр. 2595
ملكهم، وإليها ينسب الجوخ البندقيّ الفائق لكل نوع من الجوخ.
قال السلطان عماد الدّين صاحب حماة في تاريخه: وهي قريبة من جنوة في البر، وبينهما نحو ثمانية أيام. أما في البحر فبينهما أمد بعيد أكثر من شهرين.
وذلك أنهم يخرجون إلى بحر الرّوم في جهة الشرق ثم يسيرون في بحر الرّوم إلى جهة الغرب.
قال في «تقويم البلدان» : ومن أعمال البندقية (جزائر النّقر بنت) بفتح النون وسكون القاف والراء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون النون وتاء مثناة فوقية في الآخر. قال: وكثيرا ما يكمن بين تلك الجزائر شواني الحراميّة.
ثم قال: وفي شماليّ هذه الجزائر مملكة (أستيب) بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وكسر المثناة الفوقية وسكون المثناة التحتية وباء موحّدة في الآخر.
وفي مملكة أستيب هذه يعمل الأطلس المعدنيّ.
المملكة الرابعة (مملكة الجنويين)
وهم طائفة من الفرنج مشهورة أيضا.
وقاعدة مملكتهم (مدينة جنوة) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الجيم والنون والواو ثم هاء في الآخر. وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول إحدى وثلاثون درجة. والعرض إحدى وأربعون درجة وعشرون دقيقة. قال: وهي على غربيّ جون عظيم من البحر الروميّ، والبحر فيما بينها وبين الأندلس يدخل في الشّمال. وهي غربيّ (بلاد البيازنة) . قال الشريف الإدريسيّ: وبها جنّات وأودية، وبها مرسى جيّد مأمون، ومدخله من الغرب. قال في «تقويم البلدان» : وعن بعض أهلها أنها في ذيل جبل عظيم، وهي على حافة البحر، وميناها عليها سور، وأنها مدينة كبيرة إلى الغاية، وفيها أنواع الفواكه، ودور أهلها عظيمة، كلّ دار بمنزلة قلعة، ولذلك اغتنوا عن عمل سور
следующие страницы →