← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

زوجة أرمنوس أم الصغيرين، فقتلته في سنة ستين وثلاثمائة. وقام ابنها الأكبر وهو (بسيل بن أرمنوس) بتدبير ملكه فطالت مدّته، وأقام في الملك نيّفا وسبعين سنة، وهلك بسيل سنة عشر وأربعمائة. وملك بعده أخوه (قسطنطين) فأقام تسع سنين، ثم هلك عن ثلاث بنات. فملّك الروم عليهم الكبرى منهن، وقام بأمرها ابن خالها (أرمانوس) وتزوّجت به فاستولى على مملكة الرّوم، ثم مالت زوجته إلى المتحكّم في دولته، واسمه ميخائيل فدسّته عليه فقتله واستولى على الأمر، ثم أصابه الصّرع ودام به. فعهد لابن أخت له اسمه (ميخائيل) فأحسن السّيرة وطلب من زوجة خاله أن تخلع نفسها عن الملك فأبت فنفاها إلى بعض الجزر، واستولى على المملكة سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وأنكر عليه البطرك خلع المرأة فهمّ بقتله، فنادى البطرك في النصارى بخلعه فخلعوه، واستدعى الملكة التي خلعها وأعادها إلى الملك، ونفت ميخائيل كما نفاها؛ ثم اتفق البطرك والروم على خلعها فخلعت. وملّكوا عليهم أختها (ندورة) وسملوا ميخائيل فوقع الخلف بسبب ذلك، فأقرعوا بين المترشّحين للملك منهم فخرجت على رجل منهم اسمه (قسطنطين) فملّكوه عليهم وزوّجوه بندورة الملكة في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، ثم توفّي قسطنطين المذكور سنة ستّ وأربعين وأربعمائة. وملّك على الروم (أرمانوس) وذلك لأوّل دولة السّلجوقيّة، وخرج لبلاد الإسلام [فزحف إليه ألب أرسلان من أذربيجان فهزمه وحصل في أسره، ثم فاداه على مال يعطيه وأجروه عليه وعقد معه صلحا] «١» فوثب (ميخائيل) بعده على مملكة الروم. فلما انطلق من الأسر وعاد إلى

стр. 2592

قسطنطينيّة، دفعه ميخائيل عن الملك، والتزم لألب أرسلان ما انعقد عليه الصلح. وترهّب أرمانوس وترك الملك. إلى هنا انتهى كلام ابن الأثير. ثم توالت عليها ملوك الروم واحدا بعد واحد إلى آخر المائة السادسة. وكان ملك القسطنطينيّة يومئذ قد تزوّج أخت الفرنسيس ملك الفرنجة، فولد له منها ابن ذكر. ثم وثب بالملك أخوه فسمله وملك مكانه، ولحق الابن بخاله الفرنسيس، فوجده قد جهّز الأساطيل لارتجاع بيت المقدس وفيها ثلاثة من ملوك الفرنجة وهم كيدقليس: أحد ملوكهم، وهو أكبرهم، ودوقس البنادقة، والمركين مقدّم الفرنسيس، فأمرهم الفرنسيس بالجواز على القسطنطينية ليصلحوا بين ابن أخته وبين عمه ملك الروم. فلما وصلوا إلى مرسى القسطنطينيّة خرج إليهم عمّه وحاربهم فهزموه ودخلوا البلد، وأجلسوا الصبيّ على سرير الملك، وساء أمرهم في البلد، وصادروا أهل النّعم، وأخذوا أموال الكنائس، وثقلت وطأتهم على الرّوم، فعقلوا الصبيّ وأخرجوهم من البلد، وأعادوا عمّ الصبيّ إلى الملك. ثم هجم الفرنج البلد وأستباحوها ثمانية أيام حتّى أقفرت، وقتلوا من بها من القسّيسين والرّهبان والأساقفة، وخلعوا الصبيّ، واقترع ملوك الفرنج الثلاثة على الملك، فخرجت القرعة على كيدقليس كبيرهم فملّكوه على القسطنطينية وما يجاورها. وجعلوا لدوقس البنادقة الجزائر البحريّة: مثل أقريطش ورودس وغيرهما، وللمركين البلاد التي في شرقيّ الخليج: مثل أرسوا ولارتو في جوار سليمان بن قليج أرسلان، فلم يحصل لأحد منهم شيء من ذلك إلا لمن أخذ شرقيّ الخليج. ثم تغلّب على القسطنطينية بطريق من بطارقة الرّوم شهرته لشكريّ واسمه (ميخائيل) فدفع عنها الفرنج وملكها وقتل الذي كان ملكا قبله، وعقد معه الصّلح الملك المنصور «قلاوون الصالحيّ» صاحب مصر والشام، وتوفّي سنة إحدى وثمانين وستّمائة. وملك بعده ابنه (ياندر) وتلقّب الدوقس، وشهرتهم جميعا اللشكري،

стр. 2593

وبقي بنوه في ملكها إلى الآن. ولم أقف على تفاصيل أخبارهم غير أنه لم يبق بيدهم سوى قسطنطينيّة وبعض أعمالها المجاورة لها. وقد استولى الفرنج على جهاتها الغربية، واستولى المسلمون على ما هو شرقيّ الخليج القسطنطيني وعلى أعمال كثيرة من غربيّه إلى ما يقارب خليج البنادقة على ما تقدّم بيانه في الكلام على القسم الأوّل من هذا المقصد، مع تسلّط صاحب السّراي ملك تتر الشمال من بني جنكزخان عليه بالبعوث والسّرايا قبل ذلك. حتّى إن القان أزبك صاحب هذه المملكة قرّر عليه إتاوة تحمل إليه في كل سنة ليكفّ عنه، كما أشار إليه في «التعريف» في الكلام على مكاتبة صاحب القسطنطينيّة. قال ابن سعيد: ومنتهى حكم اللشكريّ صاحب القسطنطينيّة الآن إلى إيثنية. قال في «تقويم البلدان» : بالهمزة والياء المثناة التحتية والثاء المثلثة ونون ثم ياء مثناة تحتية ثانية وهاء في الآخر. قال ابن سعيد: وهي غربيّ الخليج القسطنطيني بشمال. قال ابن حوقل: وهي مدينة بها مجمع النصارى بقرب البحر، وهي دار حكمة اليونان في القديم، وبها تحفظ علومهم، وحكمهم. ولصاحب القسطنطينية المستقرّ بها مكاتبة تخصّه من الأبواب السلطانية بالديار المصرية، على ما يأتي بيانه في الكلام على مكاتبات ملوك الكفر في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى. المملكة الثانية (مملكة الألمان) قال المؤيد صاحب حماة في تاريخه: وهم من أكبر أمم النصارى، يسكنون في غربيّ القسطنطينيّة إلى الشّمال، وملكهم كثير الجنود. قال: وهو الذي سار إلى الشأم في زمن السلطان صلاح الدين «يوسف بن أيوب» في سنة ستّ وثمانين وخمسمائة، فهلك قبل وصوله إلى الشام. وكان قد خرج بمائة ألف مقاتل فسلّط الله عليهم الغلاء والوباء فمات أكثرهم في الطريق، ولما وصل إلى بلاد الأرمن نزل يغتسل في نهر هناك فغرق فيه، وبقي من عسكره قدر ألف مقاتل

стр. 2594

لا غير فعادوا إلى بلادهم. وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً «١» وقاعدتهم فيما ذكر ابن سعيد (مدينة برشان) . قال في «تقويم البلدان» : بضم الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وفتح الشين المعجمة ثم ألف ونون في الآخر. قال: ويقال لها أيضا (برجان) بالجيم وذكر ابن سعيد: أنه كان بها الأمّة المسماة برجان في قديم الزمان فاستولت عليهم الألمانيّة وأبادوهم حتّى لم يبق منهم أحد، ولم يبق لهم أثر. وهؤلاء البرجان هم الذين كان يقاتلهم قسطنطين ورأى في منامه أعلاما عليها صلبان فتنصّر. المملكة الثالثة (مملكة البنادقة) وهم طائفة مشهورة من الفرنج، وبلادهم شرقيّ بلاد (الأنبردية) الآتي ذكرهم. وقاعدة مملكتهم (البندقيّة) . قال في «تقويم البلدان» : بضم الباء الموحدة وسكون النون ثم دال مهملة وقاف ومثناة تحتية وهاء في الآخر. وموقعها في الإقليم السادس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول اثنتان وثلاثون درجة، والعرض أربع وأربعون درجة. قال ابن سعيد: وهي على طرف الخليج المعروف بجون البنادقة، وقد تقدّم الكلام عليه عند ذكره في الكلام على بحر الرّوم. قال: وعمارتها في البحر، وتخترق المراكب أكثرها، تتردّد بين الدّور، ومركب الإنسان على باب داره، وليس لهم مكان يتمشّون فيه إلا الساباط الذي فيه سوق الصّرف، صنعوه لراحتهم إذا أرادوا التمشّي، وملكهم من أنفسهم يقال له الدّوك، يعني بضم الدال المهملة وسكون الواو وكاف في الآخر. ودنانيرهم أفضل دنانير الفرنجة، وقد تقدّم في الكلام على معاملة الديار المصرية في أوّل هذه المقالة أن دينارهم يقال له (دوكات) نسبة إلى الدّوك الذي هو

стр. 2595

ملكهم، وإليها ينسب الجوخ البندقيّ الفائق لكل نوع من الجوخ. قال السلطان عماد الدّين صاحب حماة في تاريخه: وهي قريبة من جنوة في البر، وبينهما نحو ثمانية أيام. أما في البحر فبينهما أمد بعيد أكثر من شهرين. وذلك أنهم يخرجون إلى بحر الرّوم في جهة الشرق ثم يسيرون في بحر الرّوم إلى جهة الغرب. قال في «تقويم البلدان» : ومن أعمال البندقية (جزائر النّقر بنت) بفتح النون وسكون القاف والراء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون النون وتاء مثناة فوقية في الآخر. قال: وكثيرا ما يكمن بين تلك الجزائر شواني الحراميّة. ثم قال: وفي شماليّ هذه الجزائر مملكة (أستيب) بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وكسر المثناة الفوقية وسكون المثناة التحتية وباء موحّدة في الآخر. وفي مملكة أستيب هذه يعمل الأطلس المعدنيّ. المملكة الرابعة (مملكة الجنويين) وهم طائفة من الفرنج مشهورة أيضا. وقاعدة مملكتهم (مدينة جنوة) . قال في «تقويم البلدان» : بفتح الجيم والنون والواو ثم هاء في الآخر. وموقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول إحدى وثلاثون درجة. والعرض إحدى وأربعون درجة وعشرون دقيقة. قال: وهي على غربيّ جون عظيم من البحر الروميّ، والبحر فيما بينها وبين الأندلس يدخل في الشّمال. وهي غربيّ (بلاد البيازنة) . قال الشريف الإدريسيّ: وبها جنّات وأودية، وبها مرسى جيّد مأمون، ومدخله من الغرب. قال في «تقويم البلدان» : وعن بعض أهلها أنها في ذيل جبل عظيم، وهي على حافة البحر، وميناها عليها سور، وأنها مدينة كبيرة إلى الغاية، وفيها أنواع الفواكه، ودور أهلها عظيمة، كلّ دار بمنزلة قلعة، ولذلك اغتنوا عن عمل سور

стр. 2596

عليها، ولها عيون ماء، منها شربهم وشرب بساتينهم. قال المؤيّد صاحب حماة في تاريخه: ولها بلاد كثيرة. المملكة الخامسة (بلاد روميّة) بضم الراء المهملة وسكون الواو وكسر الميم وفتح الياء المثناة تحت المشدّدة «١» وهاء في الآخر. قال في «تقويم البلدان» : ويقال لها أيضا رومة (يعني بضم الراء وسكون الواو وفتح الميم وهاء في الآخر) . وهي مدينة واقعة في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة قال في «القانون» : حيث الطول خمس وثلاثون درجة وعشرون دقيقة، والعرض أربعون درجة وخمسون دقيقة. قال ابن سعيد: وهي مدينة مشهورة في جنوبيّ جون البنادقة على جانبي نهر يعرف بنهر الصّفر. وقد ذكر «هروشيوش» مؤرّخ الروم أنها بنيت لأربعة آلاف وخمسمائة سنة من أوّل العالم، على زمن حزقيا بن احاز رابع عشر ملوك بني إسرائيل. وذكر ابن كريون: أنها بنيت في زمن داود ﵇، وبينهما تفاوت كثير في المدّة. قال في «الروض المعطار» : وهي من أعظم المدن وأحفلها. يقال: إنه كان طولها من الشّمال إلى الجنوب عشرين ميلا، وعرضها من الشرق إلى الغرب اثني عشر ميلا. وقيل: دورها أربعون ميلا، وقطرها اثنا عشر ميلا، وارتفاع سورها ثمانية وأربعون ذراعا. وقيل اثنان وسبعون ذراعا، في عرض اثني عشر شبرا مبنيّ بالحجر، وهي في سهل من الأرض تحيط بها الجبال على بعد، وبينها وبين البحر الروميّ اثنا عشر ميلا، ويشقّها نهر ينقسم داخلها قسمين ثم يلتقيان آخرها، وأرضه مفروشة بالنّحاس الأصفر مسافة عشرين ميلا، وفي وسطها صحن في صخرة مرتفعة لم يظفر به عدوّ قط.

стр. 2597

وفي داخلها كنيسة طولها ثلاثمائة ذراع وارتفاعها مائتا ذراع، لها أربعة أبواب من فضّة سبكا واحدا، مسقّفة بالنحاس الأصفر الملصق بالقصدير، وحيطانها ملبّسة بصفائح النّحاس، وبها كنيسة أخرى بها برج طوله في الهواء مائة ذراع، وعلى رأس ذلك البرج قبّة مبنية بالرّصاص، وعلى رأس القبة زرزور من نحاس إذا أدرك الزيتون انحشرت إليه الزّرازير من الأقطار البعيدة، في منقار كل زرزور زيتونة وفي رجليه زيتونتان، فيطرحها على ذلك البرج فيعصر ويؤخذ زيته، فيستصبح به في الكنيسة جميع السنة. قال: وأهل رومية أجبن خلق الله تعالى، ومن سنّتهم أنهم لا يدفنون موتاهم، وإنما يدخلونهم في مغائر «١» ويتركونهم فيها فيستوبيء هواؤهم ويقع الذّباب على الموتى، ثم يقع على ثمارهم فيفسدها، ولذلك هم أكثر بلاد الله تعالى طواعين، حتّى إن الطاعون يقع فيها ولا يتعدّاها إلى غيرها فوق عشرين ميلا، وجميع أهلها يحلقون لحاهم، ويزعمون أن كلّ من لا يحلق لحيته فليس نصرانيّا كاملا، زاعمين أن سبب ذلك أن شمعون الصفا والحواريّين جاءوهم وهم قوم مساكين ليس مع كل واحد منهم إلا عصا وجراب، فدعوهم إلى النّصرانية فلم يجيبوهم، وأخذوهم فعذّبوهم وحلقوا رؤوسهم ولحاهم. فلما ظهر لهم صدق قولهم واسوهم بأن فعلوا بأنفسهم مثل ذلك. ولم تزل رومية هي القاعدة العظمى للرّوم حتّى بنيت القسطنطينيّة وتحوّل إليها قسطنطين، وصارت قسطنطينيّة هي دار ملك الروم على ما تقدّم ذكره في الكلام عليها، مع بقاء رومية عندهم على رفعة المحلّ وعظم الشأن إلى أن غلب عليها الفرنج وانتزعوها من أيديهم، ورفعوا منها قواعدهم واستولوا على ما وراءها من النواحي والبلدان والجزائر: كجنوة، والبندقيّة، وأقريطش، ورودس، واسترجعوا كثيرا مما كان المسلمون استولوا عليه من بلاد الروم كغالب الأندلس. ثم حدثت الفتن بينهم وبين الروم بالقسطنطينيّة، وعظمت الفتن بينهم ودامت نحوا من مائة سنة «وملك الروم بالقسطنطينيّة معهم في تناقص» حتّى إن رجّار

стр. 2598

صاحب جزيرة صقلّية صار يغزو القسطنطينيّة بأساطيله ويأخذ ما يجد في ميناها من سفن التّجّار وشواني المدينة، وانتهى أمره أن جرجا بن ميخائيل صاحب أساطيله دخل إلى مينا القسطنطينية في سنة أربع وأربعين وخمسمائة ورمى قصر الملك بالسّهام، فكان ذلك أنكى على الروم من كلّ نكاية. ثم تزايد الحال إلى أن استولى الفرنج على القسطنطينيّة نفسها في آخر المائة السادسة، وأوقعوا بأهلها وفتكوا وخرّبوا على ما تقدّم بيانه في الكلام على ملوك القسطنطينية. وبالجملة فرومية اليوم من قواعد الفرنج، وهي مقرّ (بابهم) الذي هو خليفة النصارى الملكانية وإليه مرجعهم في التحليل والتحريم. ولهذا الباب مكاتبة تخصّه عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، كما سيأتي ذكره في الكلام على المكاتبات في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى. وأما الممالك الصغار فسبع ممالك: الأولى (مملكة المرا) قال في «تقويم البلدان» : بفتح الميم والراء المهملة وألف. وهي مملكة تبتديء من الخليج القسطنطينيّ من الغرب على ساحل بحر الروم وتمتدّ مغرّبا [وتشتمل على قطعة من «١» ] ساحل بحر الروم وعلى بلاد وجبال خارجة عن البحر. قال: وهذه المملكة مناصفة بين صاحب قسطنطينيّة وبين جنس من الفرنج يقال لهم (القيتلان) بالقاف والياء الساكنة آخر الحروف والمثناة الفوقية ولام ألف ونون، ويقال (الكيتلان) بإبدال القاف كافا، وهذا هو الجاري على ألسنة الناس في النطق بهم.

стр. 2599

الثانية (بلاد الملفجوط) قال في «تقويم البلدان» : بفتح الميم وسكون اللام وفتح الفاء وضم الجيم وسكون الواو وطاء مهملة في الآخر. وهم جنس من الروم لهم لسان ينفردون به، وبلادهم من أعمال قسطنطينيّة على ساحل بحر الروم مما يلي مملكة المرا المقدّم ذكرها من جهة الغرب في مقابلة مشاريق برقة من البر الآخر، على ما تقدّم ذكره في الكلام على بحر الروم في أوّل هذه المقالة. الثالثة (بلاد إقلرنس) قال في «تقويم البلدان» : بكسر الهمزة وسكون القاف وكسر اللام والراء المهملة وسكون النون وسين مهملة في الآخر. وهي بلاد على ساحل بحر الروم غربيّ بلاد الملفجوط المقدّم ذكرها وشرقيّ بلاد الباسليسة الآتي ذكرها، وهم في مملكة الباسليسة المذكورة. الرابعة (مملكة بولية) بضم الباء الموحدة وسكون الواو ولام وياء آخر الحروف وهاء. قال: ويقال لها أنبولية أيضا يعني بزيادة همزة في أوّلها ونون ساكنة بعدها. وهي مملكة على بحر الروم عند فم جون البنادقة من غربيّة، في مقابل مملكة الباسليسة من بر الجون المذكور من الجهة الشرقية، وببولية هذه يعرف الزيت المعروف بالبولية. قال في «تقويم البلدان» : وملك بولية هذه في زماننا يقال له الريدشار. الخامسة (بلاد قلفرية) قال في «تقويم البلدان» : بفتح القاف واللام وسكون الفاء وكسر الراء

стр. 2600

المهملة وفتح المثناة تحت وهاء في الآخر. قال: ويقال لها قلورية أيضا بإبدال الفاء واوا. وهي من جملة بولية المقدّمة الذكر، واقعة في غربيها وشرقيّ مملكة رومية المتقدّمة الذكر، وقد تقدّم في الكلام على بحر الروم أنه يقابلها طرابلس الغرب من البر الآخر. السادسة (بلاد التّسقان) قال في «تقويم البلدان» : بضم المثناة الفوقيّة وسكون السين المهملة وقاف وألف ونون. قال: وهم جنس من الفرنج ليس لهم ملك بعينه يحكم عليهم بل لهم أكابر يحكمون بينهم، ثم قال: وبتلك البلاد يكون نبات الزّعفران، وقد تقدّم في الكلام على البحر الروميّ أنه يقابلها مدينة تونس من البرّ الآخر. السابعة (بلاد البيازنة) بفتح الباء الموحدة والياء المثناة تحت وألف ثم زاي معجمة مكسورة ونون مفتوحة وهاء في الآخر. وهم فرقة من الفرنج. وقاعدة ملكهم (مدينة بيزة) . قال في «تقويم البلدان» : بباء موحدة مكسورة وياء آخر الحروف ساكنة وزاي معجمة يعني وهاء في الآخر. قال: وقد تبدل الزاي شينا معجمة. وموقعها في الإقليم السادس من الأقاليم السبعة قال: والقياس أنها حيث الطول اثنتان وثلاثون درجة، والعرض ستّ وأربعون درجة وسبع وعشرون دقيقة. وقد ذكر في «تقويم البلدان» أنها على الركن الشّماليّ من بلاد الاندلس في مقابل جزيرة سردانية المقدّمة الذكر. وهي غربيّ بلاد رومية وليس لهم ملك وإنما مرجعهم إلى الباب: خليفة النصارى، وإلى بيزة هذه تنسب الفرنج البيازنة والحديد البيزانيّ. وقد تقدّم في الكلام على البحر الروميّ أنه يقابلها من البر الآخر مرسى الخرز.

стр. 2601

القطر الثاني (مما غربيّ الخليج القسطنطينيّ الأرض الكبيرة) قال صاحب حماة: وهي أرض متسعة في شماليّ الاندلس، بها ألسن كثيرة مختلفة. وقد ذكر في «التعريف» أنها في شرق الاندلس، ولا يصح ذلك إلا أن يريد منها ما هو شرق شمالي الأندلس. ويتعلق الغرض منها بثلاث ممالك: المملكة الأولى (مملكة الفرنج القديمة) وقاعدتها (مدينة فرنجة) بالفاء والراء المهملة المفتوحتين وسكون النون وفتح الجيم وهاء في الآخر، وقد تبدل الجيم منها سينا مهملة فيقال فرنسة. ويقال لملكهم ريدإفرنس، ومعناه ملك إفرنس، والعامة تقول الفرنسيس. وهو الذي قصد ديار مصر وأخذ دمياط وأسره المسلمون ثم أطلقوه. يشير بذلك إلى قضية تاريخية، وهي أن الفرنج في سنة خمس عشرة وستّمائة وهم مستولون على سواحل الشام يومئذ سار منهم نحو عشرين ملكا من عكّا وقصدوا دمياط في أيام الملك العادل «أبي بكر بن أيّوب» «١» رحمة الله، وسار العادل من مصر إليهم فنزل مقابلهم، وأقاموا على ذلك أربعة أشهر، ومات العادل في أثناء ذلك، واستقرّ بعده في الملك ابنه الملك «الكامل محمد» فوقع في عسكره اختلاف تشاغل به، فهجم الفرنج دمياط وملكوها عنوة في سنة ستّ عشرة وستّمائة، وطمعوا بذلك في مملكة الديار المصرية، فبنى الملك الكامل بلدة عند مفرق النيل: الفرقة الذاهبة إلى دمياط، والفرقة الذاهبة إلى أشموم طناح، وسمّاها (المنصورة) ونزلها بعساكره، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن دخلت سنة ثمان عشرة وستّمائة، وقد اشتدّ طمع الفرنج في الديار المصرية، وتقدّموا عن دمياط إلى المنصورة وضايقوا المسلمين

стр. 2602

إلى أن سألهم الملك الكامل في الصّلح على أن يكون لهم القدس، وعسقلان، وطبريّة، واللاذقيّة، وجبلة، وسائر ما فتحه السلطان صلاح الدين من سواحل الشأم، خلا الكرك والشّوبك، فأبوا إلا أن يكون لهم الكرك والشّوبك أيضا، وأن يعطوا مع ذلك ثلاثمائة ألف دينار في نظير ما خرّبوه من سور القدس، فاعمل المسلمون حينئذ الحيلة في إرسال فرع من النيل في إبّان زيادته، حال بين الفرنج وبين دمياط، انقطع بسببه الميرة عنهم، وأشرفوا على الهلاك، وكان آخر أمرهم أن أعرضوا عن جميع ما كانوا سئلوا به من الأماكن المتقدّمة الذكر ونزلوا عن دمياط للمسلمين، وتسلّمها الملك الكامل منهم، ثم عاد إلى مصر وبقيت دمياط بيد المسلمين إلى أن قصدها الفرنسيس في خمسين ألف مقاتل، ومعه الأدفونش صاحب طليطلة في أيام الملك «الصالح أيوب» بن الكامل محمد، بن العادل أبي بكر، بن أيّوب في سنة سبع وأربعين وستمائة، وهجم دمياط، وملكها عنوة، وسار الملك الصالح فنزل بالمنصورة، وسار الفرنج فنزلوا مقابله ثم قصدوا دمياط فتبعهم المسلمون وبذلوا فيهم السيف، فقتلوا منهم نحو ثلاثين ألفا، وأسر الفرنسيس وحبس بالمنصورة بدار الصاحب «فخر الدين إبراهيم بن لقمان» صاحب ديوان الإنشاء، ووكّل به الطّواشيّ صبيح «المعظميّ» ومات الصالح في أثناء ذلك، واستقر ابنه الملك المعظّم مكانه في الملك؛ ثم قتل عن قريب، وفوّض الأمر إلى «شجرة الدّرّ» «١» زوجة الملك الصالح، وقام بتدبير المملكة معها «أيبك التّركمانيّ» ثم تسلّم المسلمون دمياط من الفرنسيس وأطلقوه فسار إلى بلاده فيمن بقي معه من جماعته. وفي ذلك يقول جمال الدّين يحيى «٢» بن مطروح الشاعر: (سريع) .

стр. 2603

قل للفرنسيس إذا جئته ... مقال صدق من قؤول نصوح: أتيت مصرا تبتغي ملكها ... تحسب أنّ الزّمر يا طبل ريح وكلّ أصحابك أودعتهم ... بحسن تدبيرك بطن الضّريح! خمسين ألفا لا ترى منهم ... غير قتيل أو أسير جريح! وفّقك الله لأمثالها ... لعلّ عيسى منكم يستريح آجرك الله على ما جرى ... أفنيت عبّاد يسوع المسيح فقل لهم إن أضمروا عودة ... لأخذ ثار أو لقصد صحيح! دار «ابن لقمان» على حالها ... والقيد باق، والطّواشي صبيح! وقد تعرّض في «التعريف» للإشارة لهذه الواقعة في الكلام على مكاتبة الأدفونش صاحب طليطلة من الاندلس، واقتصر من هذه الأبيات على الأوّل والأخير فقط. المملكة الثانية (مملكة الجلالقة) قال السلطان عماد الدين صاحب حماة في تاريخه: وهم أمّة كالبهائم، يغلب عليهم الجهل والجفاء. ومن زيّهم أنهم لا يغسلون ثيابهم، بل يتركونها عليهم إلى أن تبلى، ويدخل أحدهم دار الآخر بغير إذن. قال: وهم أشدّ من الفرنج، ولهم بلاد كثيرة شماليّ الاندلس، ونسبتهم إلى مدينة لهم قديمة تسمى جلّيقيّة. قال في «اللباب» : بكسر الجيم واللام المشدّدة وبعدها ياء آخر الحروف وقاف. قال في «تقويم البلدان» : [ثم ياء ثانية] » وهاء. وقاعدتها (مدينة سمّورة) بسين مهملة وميم مشدّدة مضمومة وراء مهملة مفتوحة وهاء في الآخر. وموقعها في الإقليم السادس من الأقاليم السبعة قال ابن

стр. 2604

سعيد: حيث الطول عشر درج، والعرض ستّ وأربعون درجة. قال في «اللباب» : وهي من بلاد الرّوم المتاخمة للأندلس، وكأنه يريد أنها كانت للروم أوّلا. قال في «تقويم البلدان» : وعن بعضهم أنها مدينة جليلة معظّمة عندهم، قال ابن سعيد: وهي قاعدة جلّيقيّة، أكبر مدن الفنش، في جزيرة بين فرعين من نهر يعرف بها. قال: وكان المسلمون قد ملكوها ثم استرجعها الجلالقة زمن الفتنة، ونهرها يصبّ في البحر المحيط الغربيّ حيث الطول خمس درج وثلاثون دقيقة من الجزائر الخالدات، والعرض ستّ وأربعون درجة. المملكة الثالثة (مملكة اللّنبرديّة) قال في «تقويم البلدان» : باللام المشددة المضمومة والنون الساكنة والباء الموحدة المفتوحة والراء المهملة الساكنة والدال المهملة والياء المثناة التحتية والهاء، قال: ويقال لها النّوبرديّة، والأنبرديّة. وموقعها في أوّل الإقليم السادس من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول ثلاثون درجة وسبع وثلاثون دقيقة، والعرض ثلاث وأربعون درجة وخمسون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي ناحية من الأرض الكبيرة، وبلادها تحيط بها جبال إلى حدّ جنوة، قال: وملكها في زماننا صاحب القسطنطينيّة، ورثها من خاله المركيش. ثم قال: وغربيّ هذه البلاد (الرّيدراقون) بكسر الراء المهملة وسكون المثناة التحتية ثم دال مهملة وراء مهملة [وألف] «١» وقاف مضمومة وواو ونون في الآخر. ومعناه ملك راقون، وقد تبدل القاف غينا معجمة. فيقال ريدراغون وهو الموجود في مكاتبات أهل الأندلس وهدنهم.

стр. 2605

الجهة الثانية (ما شماليّ مدينة القسطنطينية وبحر نيطش إلى نهاية المعمور في الشّمال) ويشتمل على عدّة ممالك وبلاد: منها (بلاد الجركس) : قال السلطان عماد الدين صاحب حماة في تاريخه: وهم على بحر نيطش من شرقيّه، وهم في شظف من العيش. قال والغالب عليهم دين النصرانية. قلت: وقد جلب منهم «الظاهر برقوق» «١» صاحب الديار المصرية من المماليك أيام سلطنته ما يربو على العدد حتّى صار منهم معظم جند الديار المصرية، وصار بهم جمال مواكبها، والملك باق فيهم بالديار المصرية إلى الآن. ومنها (بلاد الآص) : بفتح الهمزة الأولى والثانية وصاد مهملة في الآخر وهم طائفة، وبلادهم على بحر نيطش. وقاعدتهم (مدينة قرقر) . قال في «تقويم البلدان» : بكسر القاف وسكون الراء المهملة وسكون القاف الثانية وكسر الراء المهملة في الآخر. وموقعها في الشّمال عن الإقليم السابع أو في آخره. قال: والقياس أنها حيث الطول خمس وخمسون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض خمسون درجة. وهي قلعة عاصية منيعة في جبل لا يقدر أحد على الطلوع إليه، وفي وسط الجبل وطاءة تسع [أهل] «٢» تلك البلاد. وعندها جبل عظيم شاهق يقال له (جاطر طاغ) يظهر لأهل السفن من بحر القرم. وهي في شماليّ صاري كرمان على نحو يوم منها.

стр. 2606

ومنها (بلاد البرغال) بضم الموحدة وسكون الراء وفتح الغين المعجمة وألف ثم لام في الآخر. ويقال لهم أولاق أيضا بقاف في الآخر. وقاعدتهم (مدينة طرنو) . قال في «تقويم البلدان» : بالطاء المكسورة والراء الساكنة المهملتين والنون المفتوحة وواو في الآخر، وموقعها في الإقليم السابع. قال: والقياس أنها حيث الطول ستّ وأربعون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض خمسون درجة. وهي غربيّ صقجي على ثلاثة أيام وأهلها كفّار. قال بعض المسافرين وهي على خور البرغال. ومنها (بلاد البلغار والسّرب) وهما طائفتان على بحر نيطش. فأما البلغار فبضم الباء الموحدة وسكون اللام وفتح الغين المعجمة وألف ثم راء مهملة. قال المؤيّد صاحب حماة في تاريخه: وهم منسوبون إلى المدينة التي يسكنونها، وقد سمّاها في كتابه «تقويم البلدان» : بلار بضم الباء وفتح اللام وألف وراء مهملة في الآخر. ثم قال: ويقال لها بالعربية (بلغار) . وأما السّرب فبفتح السين وسكون الراء المهملتين وباء موحدة في الآخر. وهم في مملكة صاحب البلغار. وقاعدة ملكهم مدينة بلغار المذكورة، وموقعها في الشّمال عن الإقليم السابع من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول ثمانون درجة، والعرض خمسون درجة وثلاثون دقيقة. قال: وهي بلدة في نهاية العمارة الشمالية قريبة من شط إثل من الجانب الشماليّ الشرقيّ، وهي وصراي في برّ واحد، وبينهما فوق عشرين مرحلة، وهي في وطاءة، والجبل عنها أقلّ من يوم، وبها ثلاث حمّامات، ولا يكون بها شيء من الفواكه ولا أشجار الفواكه من العنب وغيره لشدّة بردها، وبها الفجل الأسود في غاية الكبر، قال المؤيّد صاحب حماة: وحكى لي بعض أهلها أنّ في أوّل فصل الصيف لا يغيب الشّفق عنها ويكون ليلها في غاية القصر. ثم قال: وهذا الذي حكاه صحيح موافق لما يظهر بالأعمال الفلكيّة، لأن من عرض ثمانية وأربعين ونصف يبتديء

стр. 2607

[عدم] «١» غيبوبة الشّفق في أوّل فصل الصيف، وعرضها أكثر من ذلك، فصحّ ذلك على كل تقدير. وقد حكى في «مسالك الأبصار» عن حسن الرومي عن مسعود الموقّت بها: أن أقصر ليلها أربع ساعات ونصف تحريرا، وأنهم جرّبوه بالآلات الرّصدية فوجدوه كذلك. قال صاحب حماة في تاريخه: وكان الغالب عليهم النصرانية ثم أسلم منهم جماعة. وذكر في «تقويم البلدان» أن أهلها مسلمون حنفيّة، وذكر المسعودي في «مروج الذهب» أنه كان بالسّرب والبلغار دار إسلام من قديم. قال في «مسالك الأبصار» : أما الآن فقد تبدّلت بإيمانها كفرا، وتداولها طائفة من عبّاد الصليب، ووصلت منهم رسل إلى صاحب مصر سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة بكتاب من صاحب السّرب والبلغار، يعرض نفسه على مودّته ويسأله سيفا يتقلّده، وسنجقا يقهر أعداءه به، فأكرم رسوله، وأحسن نزله، وجهّز له معه خلعة كاملة: طردوحش بقصب بسنجاب مقندس، على مفرّج إسكندري، وكلّوته زركش، وشاش بطرفين رقم، ومنطقة ذهب، وكلاليب كذلك، وسيف محلّى، وسنجق سلطانيّ أصفر مذهب، قال في «التعريف» : وجهّز له أيضا الخيل المسرجة الملجمة. وربما أنه يظهر لصاحب السراي الانقياد والطاعة. قال في «مسالك الأبصار» : وذلك لعظمة سلطانه عليهم، وأخذه بخناقهم لقربهم منه. ولصاحب السّرب والبلغار مكاتبة تخصّه عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية. ومنها (بلاد أفتكون) بألف وفاء وتاء مثناة ثم كاف وواو ونون. وهي بلاد تلي بلاد البلغار في جهة الشّمال. وقاعدتهم مدينة تسمّى (قصبة أفتكون) والقصبة في مصطلحهم المدينة الصغيرة. قال في «مسالك الأبصار» : وبينها وبين البلغار مسافة عشرين يوما

стр. 2608

بالسير المعتاد. وحكي عن مسعود الموقّت بالبلغار أنه حرّر ليلها فوجد أقصر ليلها ثلاث ساعات ونصف، أقصر من ليل البلغار بساعة واحدة. ومنها (بلاد الصّقالبة) بفتح الصاد المهملة والقاف وألف وكسر اللام وفتح الباء الموحدة وهاء في الآخر. ويقال لبعض بلادها بلاد سبراوير. وهي تلي بلاد أفتكون في جهة الشمال، قال في «مسالك الأبصار» : وهي بلاد شديدة البرد، لا يفارقها الثلج مدّة ستة أشهر لا يزال يسقط على جبالهم وبيوتهم، ولهذا تقلّ المواشي عندهم. وحكى عن الفاضل شجاع الدين: عبد الرحمن الخوارزمي الترجمان أن منها يجلب السّمّور والسّنجاب، ثم قال: وليس بعدهم في العمارة شيء. وذكر أنه جاء جدّه فتيا من بعض أهلها يسأل فيها كيف تكون صلاة أهل بلد لا يغيب عندهم الشفق حتّى يطلع الصبح؟ لسرعة انقضاء الليل وهذا ظاهر في أن هذه البلاد مسلمون أو فيهم المسلمون. ومنها (بلاد جولمان) بجيم وواو ولام ثم ميم وألف ونون. وهي تلي بلاد سبراوير المقدّمة الذكر في جهة الشمال. وهي على مثل حال بلاد سبراوير في شدّة البرد وكثرة الثلج وأشدّ من ذلك. قال في «مسالك الأبصار» قال حسن الروميّ: وهؤلاء هم سكّان قلب الشّمال، والواصل إليهم من الناس قليل، والأقوات عندهم قليلة حتى يحكى عنهم أنّ الإنسان منهم يجمع عظام أيّ حيوان كان، ثم يغلي عليه بقدر كفايته ثم يتركها، وبعد سبع مرات لا يبقى فيها شيء من الودك «١» قال: وهم مع ضيق العيش ليس في أجناس الرّقيق أنعم من أجسامهم، ولا أحسن من بياضهم، وصورتهم تامة الخلقة في حسن وبياض ونعومة عجيبة، ولكنهم زرق العيون. وإذا سافر المسافر من جولمان إلى جهة الشرق، وصل إلى مدينة قراقوم قاعدة القان الكبير القديمة. قال: وهي من بلاد الصين، وإذا سافر منها إلى جهة الغرب وصل إلى بلاد الرّوس، ثم إلى بلاد الفرنج.

стр. 2609

ومنها (بلاد الرّوس) بضم الراء المهملة وسكون الواو وسين مهملة في الآخر. قال في «مسالك الأبصار» وهي بلاد واغلة في الشمال، في غربيّ بلاد جولمان المقدّمة الذكر. قال صاحب حماة في تاريخه: ولهم جزائر أيضا في بحر نيطش. ومنها (بلاد الباشقرد) قال صاحب حماة في تاريخه: وهم أمة كبيرة ما بين بلاد الباب وبلاد فرنجة. قال: وغالبهم نصارى وفيهم مسلمون، وهم شرسو الأخلاق. قال في «مسالك الأبصار» : وهي مصاقبة لبلاد جولمان ثم قال: وفي باشقرد قاض مسلم معتبر. ومنها (بلاد البرجان) بضم الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وفتح الجيم وألف ونون، وقد تبدل الجيم شينا. قال صاحب حماة في تاريخه: وهم أمم كثيرة طاغية قد فشا فيهم التثليث. قال: وبلادهم واغلة في الشّمال، وأخبارهم وسير ملوكهم منقطعة عنّا لبعدهم وجفاء طباعهم، وقد تقدّم أن البرجان غلب على مكانهم الألمانيّة، فيحتمل أنهم هؤلاء، ويحتمل أنهم طائفة أخرى منهم غير هؤلاء. ومنها (بلاد بمخ) بباء موحدة وميم ثم خاء معجمة. قال في «مسالك الأبصار» : وهي بلاد مشتركة بين بلاد الروس والفرنج. ومنها (بلاد بوغزة) بباء موحدة ثم واو وغين وزاي ثم هاء في الآخر. قال في «مسالك الأبصار» : قال الشيخ علاء الدين بن النّعمان الخوارزميّ: وهي بلاد في أقصى الشّمال، وليس بعدها عمارة غير برج عظيم من بناء الإسكندر على هيئة المنارة العالية، ليس وراءه مذهب إلا الظلمات، وهي صحار وجبال لا يفارقها الثلج والبرد، ولا تطلع عليها الشمس، ولا ينبت فيها نبات، ولا يعيش فيها حيوان أصلا، متصلة ببحر أسود لا يزال يمطر والغيم منعقد عليه، ولا تطلع عليه الشمس أبدا. قال ابن النعمان: ويقال: إن الاسكندر مرّ بأطراف أوائل جبال الظّلمات الغربية من العمارة فرأى فيه أناسا من جنس التّرك أشبه شيء بالوحوش لا يعرف أحد بلغتهم، وإذا أمسكهم أحد فرّوا من يده، يأكلون من نبات الجبال المجاورة

стр. 2610

لهم فإذا أقحطوا أكل بعضهم بعضا، فمرّ بهم ولم يعترضهم. واعلم أنه قد ذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ علاء الدين بن النّعمان أن التّجار المتردّدين إلى بلاد الديار المصرية لا يتعدّون في سفرهم بلاد البلغار، ثم يرجعون من هناك، ثم تجّار بلغار يسافرون منها إلى بلاد جولمان، وتجّار جولمان يسافرون إلى بلاد بوغزة التي ليس بعدها عمارة. وقد ذكر في «تقويم البلدان» أن شماليّ بلاد الرّوس مما هو متصل بالبحر المحيط الشماليّ قوما يبايعون مغايبة. وذكر عن بعض من سافر إلى تلك البلاد أنه إذا وصل التّجّار إلى تخومهم أقاموا حتّى يعلموا بهم، ثم يتقدمون إلى مكان معروف عندهم بالبيع والشراء، فيضع كلّ تاجر بضاعته ويعلّمها بعلامة، ثم يرجعون إلى منازلهم، ثم يحضر أولئك القوم ويضعون مقابل تلك البضائع السّمّور «١» ، والوشق، والثعلب، وما شاكل ذلك، ويدعونه ويمضون ثم يحضر التجّار من الغد فمن أعجبه ذلك أخذه وإلا تركه، حتّى يتفاصلوا على الرضا. وقد تقدّم ذكر مثل ذلك عن قوم بالهند وعن قوم ببلاد السّودان في الكلام على مملكة مالّي. قلت: وقد تقدّم في الكلام على مملكة خوارزم والقبجاق من مملكة التورانيين في القسم الثاني منها أن الجركس والرّوس والآص أهل مدن عامرة آهلة، وجبال مشجرة مثمرة، ينبت عندهم الزرع، ويدرّ الضّرع وتجري الأنهار، وتجنى الثّمار، ولا طاقة لهم بسلطان تلك البلاد. وإن كان فيهم ملوك فهم كالرّعايا لصاحب السراي إن داروه بالطاعة والتّحف والطّرف كفّ عنهم وإلا شنّ عليهم الغارات وضايقهم وحاصرهم.

стр. 2611

المقالة الثالثة في ذكر أمور تشترك فيها أنواع المكاتبات، والولايات، وغيرهما من الأسماء، والكنى، والألقاب ، (ومقادير قطع الورق، وما يناسب كلّ مقدار منها من الأقلام، ومقادير البياض في أوّل الدّرج وحاشيته، ومقدار بعد ما بين السّطور في الكتابات، وبيان المستندات التي يصدر عنها ما يكتب من ديوان الإنشاء بهذه المملكة: من مكاتبات، وولايات، وكتابة الملخّصات «١» ، وكيفية تعيين صاحب الدّيوان لها، وبيان الفواتح، والخواتم، وفيه أربعة أبواب) . الباب الأوّل (في الأسماء والكنى والألقاب، وفيه فصلان) الفصل الأوّل (في الأسماء والكنى، وفيه طرفان) الطّرف الأوّل (في الأسماء) والاسم عند النّحاة ما دلّ على مسمّى دلالة إشارة، واشتقاقه من السّمة وهي العلامة لأنه يصير علامة على المسمّى يميزه عن غيره، أو من السموّ لأن الاسم يعلو المسمّى باعتبار وضعه عليه. ثم المراد هنا بالاسم أحد أقسام الكلم، وهو ما ليس بكنية ولا لقب وفيه جملتان:

стр. 2612

الجملة الأولى (في أصل التسمية والمقصود منها، وتنويع الأسماء، وما يستحسن منها، وما يستقبح) أما أصل التسمية فهي لا تخرج عن أمرين: أحدهما أن يكون الاسم مرتجلا: بأن يضعه الواضع على المسمّى ابتداء، كأدد اسم رجل، وسعاد اسم امرأة، فإنهما ليسا بمسبوقين بالوضع على غيرهما، والرجوع في معرفة ذلك إلى النقل والاستقراء. والثاني أن يكون الاسم منقولا عن معنى آخر، كاسد إذا سمّي به الرجل نقلا عن الحيوان المفترس، وزيد إذا سمّي به نقلا عن معنى الزيادة وما أشبه ذلك. وهذا هو أكثر الأسماء الأعلام وقوعا، والرجوع في معرفته إلى النقل والاستقراء أيضا كما تقدّم في المرتجل. وأما المقصود من التسمية، فتمييز المسمّى عن غيره، بالاسم الموضوع عليه ليتعرّف. وأما تنويع الأسماء، فيختلف باختلاف المسمّين وما يدور في خزائن خيالهم مما يألفونه ويجاورونه ويخالطونه. فالعرب- أكثر أسمائهم منقولة عمّا لديهم مما يدور في خزائن خيالهم إما من أسماء الحيوان كبكر: وهو ولد الناقة، وأسد: وهو الحيوان المفترس المعروف، وإما من أسماء النّبات كحنظلة: وهو اسم لواحدة الحنظل الذي هو النبات المعروف من نبات البادية، وطلحة: وهو اسم لشجرة من شجر الغضى، وعوسجة: وهم اسم لشجرة من شجر البادية. وإما من أجزاء الأرض كحزن: وهو الغليظ من الأرض، وصخر: وهو الصّلد من الحجارة. وإما من أسماء الزّمان

стр. 2613

كربيع: وهو أحد فصول السنة الأربعة. وإمّا من أسماء النّجوم كسماك «١» : اسم لنجم معروف. وإما من أسماء الفاعلين: كحارث فاعل من الحرث، وهمّام فاعل من همّ أن يفعل كذا، إلى غير ذلك من المنقولات التي لا تحصى. وكان من عادتهم أن يختاروا لأبنائهم من الأسماء ما فيه البأس والشّدّة ونحو ذلك: كمحارب، ومقاتل، ومزاحم، ومدافع ونحو ذلك، ولمواليهم ما فيه معنى التّفاؤل: كفرح، ونجاح، وسالم، ومبارك، وما أشبهها، ويقولون: أسماء أبنائنا لأعدائنا، وأسماء موالينا لنا، وذلك أن الإنسان أكثر ما يدعو في ليله ونهاره مواليه للاستخدام دون أبناءه فإنه إنما يحتاج إليهم في وقت القتال ونحوه. والتّرك- راعوا في أسمائهم ما يدلّ على الجلادة والقوّة مما يألفونه ويجاورونه، وغالب ما يسمّون باسم بغا، ومعناه بلغتهم الفحل: إما مفردا كما تقدّم وهو قليل، وإما موصوفا بحيوان من الحيوانات، مقدّمين الصفة على الموصوف على قاعدة لغتهم في ذلك، كطيبغا بمعنى فحل مهر. وإما بمعدن من المعادن: كالطنبغا بمعنى فحل ذهب، وكمشبغا بمعنى فحل فضة، وتمربغا بمعنى فحل حديد. وربما أبدل اسم الفحل باسم الحديد، واسمه بلغتهم دمركبى دمر بمعنى أمير حديد، وطي دمر بمعنى مهر حديد. وربما أفردوا الاسم بالوصف كدمر بمعنى حديد، وأرسلان بمعنى أسد، وتنكز بمعنى بحر، ونحو ذلك إلى غير ذلك من المفردات والمركّبات التي لا يأخذها حصر. وكذلك كلّ أمة من أمم الأعاجم تراعي في التسمية ما يدور في خزانة خيالها مما يخالطونه ويجاورونه.

стр. 2614

وأما الأمم المتديّنة فإنهم راعوا في أسمائهم التسمية بأسماء أنبيائهم وصحابهم. فالمسلمون - تسمّوا باسمي النبيّ ﷺ الواردين في القرآن وهما «محمد» و «أحمد» إذ يقول ﷺ ، تسمّوا باسمي. وكذلك تسمّوا باسم غيره من الأنبياء ﵈: إما بكثرة: كإبراهيم، وموسى، وهارون، وإما بقلّة: كآدم، ونوح، ولوط. وأخذوا بوافر حظّ من أسماء الصّحابة رضوان الله عليهم: كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وحسن، وحسين، وما أشبه ذلك. والنصارى - تسمّوا باسم عيسى وغيره من الأنبياء ﵈ ممن يعتقدون نبوّته: كإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وموسى، وكذلك أسماء الحواريّين: كبطرس، ويوحنّا، وتوما، ومتّى، ولوقا، وسمعان، وبرتلوما، وأندراوس، ونحوها: كمرقص، وبولص، وغيرهما. واليهود - تسمّوا باسم موسى ﵇ وغيره من الأنبياء الذين يعتقدون نبوّتهم: كإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، ولم يتسمّوا باسم عيسى ﵇ لإنكارهم نبوّته. وأما ما يستحسن من الأسماء فما وردت الشريعة بالنّدب إلى التسمية به: كأسماء الأنبياء ﵈، وعبد الله، وعبد الرحمن، ففي سنن أبي داود والتّرمذيّ من رواية أبي وهب الجشميّ أن النبيّ ﷺ قال: «تسمّوا بأسماء الأنبياء، وأحبّ الأسماء إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن، وأصدقها حارث، وهمّام، وأقبحها حرب، ومرّة» . وأما ما يستقبح فما وردت الشريعة بالنهي عنه: إما لكراهة لفظه كحرب ومرّة، وإما للتطيّر به كرباح، وأفلح، ونجيح، وراجح، ورافع، ونحوها. ففي

стр. 2615

صحيح مسلم وغيره النهي عن التسمية بمثل ذلك معلّلا بأنك تقول: أثمّ هو؟ فيقال لا، وإما لعظمة فيه: كالتسمية بشاهنشاه، ومعناه بالفارسية ملك الأملاك. ففي الصحيحين من رواية أبي هريرة أنه أخنع اسم. وقد ورد في جامع الترمذيّ من حديث عائشة ﵂، «أن النبيّ ﷺ كان يغيّر الاسم القبيح» . الجملة الثانية (في مواضع ذكر الأسماء في المكاتبات والولايات) أما المكاتبات، فالأسماء التي تذكر فيها على أربعة أنواع: النوع الأوّل (اسم المكتوب عنه) وذكره إنما يقع في المكاتبات في موضع الخضوع والتواضع، إذ من شأن المكتوب عنه ذلك، وله محلّان: المحل الأوّل - في نفس المكاتبة وذلك فيما إذا كانت المكاتبة بصورة «من فلان إلى فلان» كما كان يكتب عن النبيّ ﷺ : من محمّد رسول الله إلى فلان، وكما كان يكتب عن الخلفاء: من عبد الله فلان أمير المؤمنين إلى فلان، وكما يكتب الآن في المكاتبات السلطانية إلى ملوك المغرب، وما يكتب عنهم إلى الأبواب السلطانية ونحو ذلك. المحل الثاني - العلامة في المكاتبات كما يكتب المملوك فلان، أو أخوه فلان، أو شاكره فلان، أو فلان فقط، ونحو ذلك على اختلاف المراتب الآتية على ما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. النوع الثاني (اسم المكتوب إليه، وله محلّان) المحل الأوّل - ابتداء المكاتبة كما يكتب في بعض المكاتبات «من فلان إلى فلان، أو إلى فلان من فلان» ونحو ذلك، وكما يكتب في مكاتبات القانات،

стр. 2616

فلان خان، وكما يذكر اسم ملوك الكفر في مكاتباتهم عن الأبواب السلطانية ونحو ذلك. وفيما عدا ذلك من المكاتبات المصدّرة بالتقبيل والدعاء وغيرهما من المصطلح عليه في زماننا وما قاربه لا يصرّح باسم المكتوب إليه غالبا تعظيما له عن التفوّه بذكره، إذ ترك التصريح بالاسم دليل التعظيم والتوقير والتبجيل، بخلاف الكنية واللّقب، فإنهما بصدد التعظيم للملقّب أو المكنيّ على ما سيأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى ولذلك لم يخاطب الله تعالى نبيّه محمدا ﷺ في كتابه العزيز باسمه تشريفا لمقامه، ورفعة لمحله، فلم يقل يا محمد ويا أحمد كما قال يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى، يا عيسى. بل قال يا أَيُّهَا الرَّسُولُ* يا أَيُّهَا النَّبِيُّ* وقد صرح أصحابنا الشافعية وغيرهم أنه لا يجوز نداؤه ﷺ باسمه احتجاجا بالآية الكريمة. وفي كتاب ابن السنيّ عن أبي هريرة ﵁ «أن النبيّ ﷺ رأى رجلا معه غلام فقال للغلام: من هذا؟ - قال أبي- قال: فلا تمش أمامه ولا تستسبّ له، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه» . المحل الثاني - العنوان من الأدنى إلى الأعلى. كما يكتب في عنوان بعض المكاتبات «مطالعة المملوك فلان» على ما سيأتي في الكلام على العنوان. وإذا كان من تعظيم المخاطب أن لا يخاطب باسمه فكذلك في مكاتبته: لأن المكاتبة الصادرة إلى الشخص قائمة مقام خطابه، بل المكاتبة أجدر بالتعظيم لاصطلاحهم في القديم والحديث على ذلك. النوع الثالث (اسم المكتوب بسببه) وهو مما لا نقص فيه بسبب ذكره، إذ لا بدّ من التصريح باسمه ليعرف، اللهم إلا أن يشتهر حتّى تغني شهرته عن ذكر اسمه، وله محلان: المحل الأوّل - في الطرّة «١» بأن يقال «هذا ما عهد به فلان» إما الخليفة في

стр. 2617

عهده بالخلافة أو السّلطنة، أو السلطان في عهده بالسلطنة على ما سيأتي بيانه. وفي معنى ذلك البيعات بأن يقال «مبايعة شريفة لفلان» ونحو ذلك. المحل الثاني - صدر الولاية حيث يقال: هذا ما عهد عبد الله ووليّه فلان، أو من عبد الله ووليّه فلان، ونحو ذلك على اختلاف المذاهب في الابتداء على ما سيأتي. النوع الرابع (اسم من تصدر إليه الولاية، وله محلان) المحل الأوّل - في الطّرّة إما في العهود حيث يقال. هذا ما عهد فلان إلى فلان. وإما في التقاليد والتواقيع والمراسيم، حيث يقال: أن يفوّض إلى فلان، أو أن يستقرّ فلان، أو أن يرتّب فلان. المحل الثاني - أثناء الولاية حيث يقال: أن يفوّض إلى فلان، أو أن يستقرّ فلان، أو أن يرتّب فلان، على نظير ما في الطرّة، أما المولّى عليه فقلّ أن يذكر كما في التحدّث على شخص معيّن ونحوه. الطّرف الثاني (في الكنى) والكنية عند النّحاة أحد أقسام العلم أيضا، والمراد بها ما صدّر بأب أو أمّ، مثل أبي القاسم، وأمّ كلثوم وما أشبه ذلك. وقد كان للعرب بالكنى أتمّ العناية، حتى إنهم كنّوا جملة من الحيوان بكنى مختلفة: فكنّوا الأسد بأبي الحارث، والثعلب بأبي الحصين، والدّيك بأبي سليمان، وكنّوا الضّبع بأمّ عامر، والدّجاجة بأمّ حفصة، والجرادة بأمّ عوف ونحو ذلك. وفيه ثلاث جمل:

стр. 2618

الجملة الأولى (في جواز الكنية، وهي على نوعين) النوع الأوّل (كنى المسلمين) قال الشيخ محيي الدين النوويّ ﵀ في كتابه «الأذكار» : وجواز التكنّي أشهر من أن نذكر فيه شيئا منقولا، فإن دلائله يشترك فيها الخواصّ والعوامّ. قال: والأدب أن يخاطب أهل الفضل ومن قاربهم بالكنية، وكذلك إن كتب إليه رسالة، أو روى عنه رواية. فيقال: حدثنا الشيخ أو الإمام أبو فلان فلان بن فلان وما أشبهه. واعلم أن الأوّلين أكثر ما كانوا يعظّمون بعضهم بعضا في المخاطبات ونحوها بالكنى، ويرون ذلك في غاية الرّفعة ونهاية التعظيم حتّى في الخلفاء والملوك: فيقال: أبو فلان فلان، وبالغوا في ذلك حتّى كنّوا من اسمه في الأصل كنية فقالوا في أبي بكر «أبو المناقب» اعتناء بشأن الكنية، وربما وقف الأمر في الزمن القديم في تكنية خاصّة الخليفة وأمرائه على ما يكنّيه به الخليفة، فيكون له في الرّفعة منتهى ينتهي إليه، ثم رجع أمرهم بعد ذلك إلى التعظيم بالألقاب. على أن التعظيم بالكنى باق في الخلفاء والملوك فمن دونهم إلى الآن على ما ستقف عليه في مواضعه إن شاء الله تعالى، وكذلك القضاة والعلماء، بخلاف الأمراء والجند والكتّاب، فإنه لا عناية لهم بالتكنّي. ثم لا فرق في جواز التكنّي بين الرجال والنساء، فقد كانت «عائشة» أمّ المؤمنين ﵂ تكنّى «بأمّ عبد الله» وكذلك غيرها من نساء الصحابة والتابعين كان لهنّ كنى يكتنين بها. النوع الثاني (كنى أهل الكفر والفسقة والمبتدعين) قال النوويّ: والكافر والفاسق والمبتدع إن كان لا يعرف إلا بالكنية جاز

стр. 2619

تكنيته. قال تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ «١» واسمه عبد العزّى، قيل: إنه ذكر تكنيته لكونه كان لا يعرف إلا بها، وقيل: كراهة لاسمه حيث جعل عبدا للصّنم، وقد تكرر في الحديث ذكر أبي طالب بكنيته، واسمه عبد مناف. وفي الصحيح أنه ﷺ «لمّا مرّ بأرض الحجر من الشأم، قال هذا قبر أبي رغال» لعاقر الناقة من قوم ثمود. قال: وكذلك إذا خيف من ذكره باسمه فتنة، كما ثبت في الصحيحين «أن رسول الله ﷺ ركب على حمار ليعود سعد بن عبادة «٢» ﵁، فمرّ في طريقه على عبد الله بن أبيّ ابن سلول المنافق «٣» ، وما كان من بذاءته على النبيّ ﷺ حين مرّ عليه، وأن النبيّ ﷺ سار حتّى دخل على سعد بن عبادة- فقال النبيّ ﷺ : ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟ (يريد عبد الله بن أبيّ ابن سلول) قال كذا وكذا. وذكر الحديث. قال: فإن كان يعرف بغير الكنية ولم تخف فتنة لم يزد على الاسم كما ثبت في الصحيحين أن النبيّ ﷺ كتب «من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل» فسمّاه باسمه ولم يكنّه ولا لقّبه بملك الرّوم. قال: ونظائر هذا كثيرة، وقد أمرنا بالإغلاظ عليهم، ولا ينبغي لنا أن نكنّيهم، ولا نرفق بهم، ولا نلين لهم قولا، ولا نظهر لهم ودّا ولا مؤالفة. الجملة الثانية (فيما يكنى به، وهو على نوعين) النوع الأوّل (كنى الرجال، ولها حالان) الحال الأوّل- أن يكون للرجل ولد أو أولاد . قال النوويّ: فإن كان له ولد

стр. 2620

يكنّى به، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الولد ذكرا أو أنثى، فيجوز تكنية الرجل بأبي فلانة كما يجوز بأبي فلان. فقد تكنّى جماعة من أفاضل السّلف من الصحابة والتابعين ﵃ بأبي فلانة، فمن الصحابة أبو ليلى: والد عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو فاطمة الليثيّ، وأبو مريم الأزديّ، وأبو رقيّة تميم الداريّ، وأبو زرعة المقداد بن معدى كرب. ومن التابعين أبو عائشة مسروق بن الأجدع وخلائق لا يحصون. وإن كان له أولاد يكنّى بأكبرهم: فقد كان النبيّ ﷺ يكنّى بأبي القاسم، وكان القاسم أكبر بنيه. وفي سنن أبي داود والنّسائيّ عن شريح الحارثيّ أنه وفد على رسول الله ﷺ مع قومه فسمعهم يكنّونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: إنّ الله هو الحكم وإليه الحكم! فلم تكنّى أبا الحكم؟ - فقال: إنّ قومي اختلفوا في شيء فأتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين- فقال رسول الله ﷺ : ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ - قال: شريح، ومسلم، وعبد الله- قال: فمن أكبرهم؟ - قال- شريح- قال: فأنت أبو شريح» . فلو تكنّى بغير أولاده فلا بأس به قاله النوويّ. ثم قال: وهذا الباب واسع لا يحصى من يتّصف به. وقد اختلف في جواز التكنّي بأبي القاسم: فنص الشافعيّ ﵁ على أنّه لا يجوز التكنّي بذلك مطلقا، لما ورد أنه ﷺ قال «تسمّوا باسمى ولا تكتنوا بكنيتي» . وذهب ذاهبون إلى تخصيص ذلك بحياته ﷺ احتجاجا بأن المنع فيه كان لعلّة: وهي أن اليهود كانوا ينادون يا أبا القاسم! فإذا التفت النبيّ ﷺ قالوا: لم نعنك، قصدا لإيذائه ﷺ وقد زالت هذه العلّة بوفاته ﷺ ، واختاره النوويّ من أصحابنا الشافعية. وذهب آخرون إلى تخصيص المنع بما إذا جمع لواحد بين الاسم والكنية، بأن يتسمّى محمدا ويتكنّى بأبي القاسم، بخلاف ما إذا لم يكن اسمه محمدا فإنه يجوز، وهو وجه قويّ. الحال الثاني- أن لا يكون للرجل ولد بأن لم يولد له ولد أصلا ، قال

стр. 2621

النوويّ: فيجوز تكنيته حتّى الصّغير. ففي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان النبيّ ﷺ أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ يقال له أبو عمير (قال الراوي) : أحسبه فطيما، وكان النبيّ ﷺ إذا جاء يقول يا أبا عمير، ما فعل النّغير؟ لنغير كان يلعب به» . قال النوويّ: وكان من الصحابة رضوان الله عليهم جماعات لهم كنّى قبل أن يولد لهم، كأبي هريرة وخلائق لا يحصون من التابعين فمن بعدهم. قال: ولا كراهة فيه بل هو محبوب بشرطه. واعلم أن الرجل قد يكون له كنيتان فأكثر، فقد كان لأمير المؤمنين عثمان ابن عفّان ﵁ ثلاث كنّى: أبو عمرو، وأبو عبد الله، وأبو ليلى. النوع الثاني (كنى النساء) والحال فيه أنه إن كان للمرأة ولد تكنّت به ذكرا أو أنثى، كما تقدّم في الرجل. وإن كان لها أولاد تكنّت بأكبرهم مع جواز الكنية بغير أولادها كما في الرجل أيضا. قال النوويّ: ويجوز تكنيتها ولو لم يولد لها، ففي سنن أبي داود وغيره بأسانيد صحيحة عن عائشة ﵂ قالت: «يا رسول الله كلّ صواحبي لهن كنّى، قال: فاكتني بابنك عبد الله- يعني عبد الله بن الزّبير، وهو ابن أختها أسماء، وكانت عائشة ﵂ تكنى أمّ عبد الله» قال: هذا هو الصحيح المعروف. وما رواه ابن السنيّ عن عائشة أنها قالت «أسقطت من النبيّ ﷺ سقطا فسمّاه عبد الله» فحديث ضعيف. ثم كما تجوز تكنية الرجل بأبي فلانة، يجوز تكنية المرأة بأمّ فلانة من باب أولى. الجملة الثالثة (في التكنّى في المكاتبات والولايات) فأما الكنية في المكاتبات فعلى ثلاثة أنواع:

стр. 2622

النوع الأوّل (تكنّي المكتوب عنه) قال محمد بن عمر المدايني في كتاب «القلم والدواة» : أوّل من اكتنى في كتبه «الوليد بن عبد الملك» . قال النوويّ في «الأذكار» : والأدب أن لا يذكر الرجل كنيته في كتابه ولا في غيره إلا أن لا يعرف إلا بكنيته، أو كانت الكنية أشهر من اسمه. وقال أبو جعفر النحاس: إذا كانت الكنية أشهر، يكنّى على نظيره ويسمّى لمن فوقه ثم يلحق «المعروف أبا فلان، أو بأبي فلان» . ثم الكنية من المكتوب عنه قد تكون في صدر الكتاب كما يكتب عن الخلفاء «من عبد الله ووليه أبي فلان فلان أمير المؤمنين» أو في موضع العلامة كما يكتب في الطغراة من السلطان لملوك الكفر بعد سياقه ألقاب السلطان «أبو فلان فلان» أو في العنوان كما كان يكتب في المصطلح القديم «من أبي فلان فلان إلى فلان» . النوع الثاني (تكنية المكتوب إليه) وبه كان الاعتناء في الزمن المتقدّم لا سيّما إذا كان المكتوب إليه ممّن يستحقّ التعظيم بالتكنية. وكنية المكتوب إليه تارة تكون في عنوان الكتاب كما يكتب «إلى أبي فلان فلان» وتارة تكون في صدر الكتاب كما كان يكتب «من فلان إلى أبي فلان فلان» . النوع الثالث (تكنية المكتوب بسببه) وهي تارة تذكر في طرّة الكتاب فيقال فيمن قصد تعظيمه «بما قصده أبو فلان فلان» واستعماله قليل. وتارة تذكر في أثناء الكتاب حيث يجري ذكره. وأما الكنية في الولايات فلها محلان:

стр. 2623

أحدهما- في طرّة الولاية، حيث يقال: «عهد شريف [لأبي فلان] «١» فلان» أو «تقليد شريف بأن يفوّض إلى [أبي فلان] «٢» فلان» . والثاني- في أثناء الولايات حيث يجري ذكره على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

стр. 2624

الفصل الثاني من الباب الأوّل من المقالة الثالثة (في الألقاب، وفيه طرفان) الطّرف الأوّل (في أصول الألقاب، وفيه جملتان) الجملة الأولى (في معنى اللّقب والنّعت، وما يجوز منه ويمتنع) أما اللقب «١» فأصله في اللغة النّبز- بفتح الباء. قال ابن حاجب النعمان في «ذخيرة الكتّاب» : والنّبز ما يخاطب به الرجل الرجل من ذكر عيوبه وما ستره عنده أحبّ إليه من كشفه، وليس من باب الشّتم والقذف. وأما النعت فأصله في اللغة الصّفة. يقال: نعته ينعته نعتا إذا وصفه. قال في «ذخيرة الكتّاب» : وهو متّفق على أنه ما يختاره الرجل ويؤثره ويزيد في إجلاله ونباهته، بخلاف اللّقب. قال: لكن العامّة استعملت اللقب في موضع النّعت الحسن، وأوقعوه موقعه لكثرة استعمالهم إيّاه، حتّى وقع الاتّفاق والاصطلاح على استعماله في التشريف والإجلال والتعظيم والزيادة في النّباهة والتّكرمة. قلت: والتحقيق في ذلك أن اللّقب والنعت يستعملان في المدح والذمّ جميعا: فمن الألقاب والنّعوت ما هو صفة مدح ومنها ما هو صفة ذمّ. وقد عرّفت النحاة اللقب بأنه ما أدّى إلى مدح أو ذمّ، فالمؤدّي إلى المدح كأمير المؤمنين، وزين العابدين، والمؤدّي إلى الذمّ كأنف الناقة وسعيد كرز وما أشبه ذلك.

стр. 2625

والنعت تارة يكون صفة مدح، وتارة يكون صفة ذمّ، ولا شكّ أن المراد هنا من اللقب والنّعت ما أدّى إلى المدح دون الذمّ. وقد اصطلح الكتّاب على أن سمّوا صفات المدح التي يوردونها في صدور المكاتبات ونحوها بصيغة الإفراد كالأمير والأميريّ والأجلّ والأجلّيّ والكبير والكبيريّ ونحو ذلك ألقابا، وصفات المدح التي يوردونها على صورة التركيب كسيف أمير المؤمنين وظهير الملوك والسّلاطين ونحو ذلك نعوتا، ولا معنى لتخصيص كلّ واحد منهما بالاسم الذي سمّوه به إلا مجرّد الاصطلاح، ولا نزاع في إطلاق اللقب والنعت عليهما باعتبارين: فمن حيث إنها صفات مؤدّية إلى المدح يطلق عليها اسم اللقب، ومن حيث إنها صفات لذوات قائمة بها يطلق عليها اسم النعت. وأما ما يجوز من ذلك ويمتنع، فالجائز منه ما أدّى إلى المدح مما يحبّه صاحبه ويؤثره، بل ربما استحبّ، كما صرح به النوويّ في «الأذكار» للإطباق على استعماله قديما وحديثا. والممتنع منه ما أدّى إلى الذمّ والنّقيصة مما يكرهه الإنسان ولا يحبّ نسبته إليه. قال النوويّ: وهو حرام بالاتفاق، سواء كان صفة له: كالأعمش، والأجلح، والأعمى، والأحول، والأشجّ، والأصفر، والأحدب، والأصمّ، والأزرق، والأشتر، والأثرم، والأقطع، والزّمن، والمقعد، والأشلّ، وما أشبه ذلك. أو كان صفة لأبيه: كابن الأعمى، أو لأمّه: كابن الصّوراء ونحو ذلك مما يكرهه قال تعالى: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ «١» قال: واتفقوا على جواز ذكره بذلك على جهة التعريف لمن لا يعرفه إلا بذلك، ودلائل ذكره كثيرة مشهورة، وهو أحد المواضع التي تجوز فيها الغيبة.

стр. 2626

الجملة الثانية (في أصل وضع الألقاب والنّعوت المؤدّية إلى المدح) واعلم أن ألقاب المدح ونعوته لم تزل واقعة على أشراف الناس وجلّة الخلق في القديم والحديث؛ فقد ثبت تلقيب إبراهيم ﵇ ب «الخليل» وتلقيب موسى ﵇ ب «الكليم» وتلقيب عيسى ﵇ ب «المسيح» وتلقيب يونس ﵇ ب «ذي النّون» وكان النبيّ ﷺ يلقّب قبل البعثة ب «الأمين» ووردت التواريخ بذكر ألقاب جماعة من العرب في الجاهليّة: كذي يزن، وذي المنار، وذي نواس، وذي رعين، وذي جدن، وغيرهم مما هو مشهور شائع. وكذلك وقعت ألقاب المدح على كثير من عظماء الإسلام وأشرافه كالصحابة رضوان الله عليهم فمن بعدهم من الخلفاء والوزراء وغيرهم: فكان لقب أبي بكر «عتيقا» ثم لقّب ب «الصّدّيق» بعد ذلك، ولقب عمر «الفاروق» ولقب عثمان «ذا النّورين» ولقب عليّ «حيدرة» ولقب حمزة بن عبد المطلب «أسد الله» ولقب خالد بن الوليد «سيف الله» ولقب عمرو بن عمرو «ذا اليدين» ولقب مالك بن التّيّهان الأنصاريّ «ذا السّيفين» ولقب خزيمة بن ثابت الأنصاريّ «ذا الشّهادتين» ولقب جعفر بن أبي طالب بعد استشهاده «ذا الجناحين» . وأما الخلفاء، فخلفاء بني أميّة لم يتلقب أحد منهم، فلما صارت الخلافة إلى بني العبّاس وأخذت البيعة لإبراهيم بن محمد، لقّب ب «الإمام» ثم تلقب من بعده من خلفائهم: فتلقب محمد بن عليّ ب «السّفّاح» لكثرة ما سفح من دماء بني أميّة. واختلف في لقبه بالخلافة: فقيل «القائم» وقيل «المهتدي» وقيل «المرتضي» وألقاب الخلفاء بعده وإلى زماننا معروفة مشهورة على ما مرّ ذكره في المقالة الثانية. وعلى ذلك كانت ألقاب خلفاء بني أميّة بالاندلس إلى حين انقراضهم على ما هو مذكور في مكاتبة صاحب الاندلس، على ما سيأتي في المكاتبات في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى. ثم تعدّت ألقاب الخلافة إلى كثير من ملوك الغرب بعد ذلك، وتلا الخلفاء

стр. 2627

في الألقاب الوزراء لاستقبال الدولة العباسيّة وما بعد ذلك: فلقّب أبو سلمة الخلّال وزير السّفّاح ب «وزير آل محمد» ولقّب المهديّ وزيره يعقوب بن داود بن طهمان «الأخ في الله» ولقّب المأمون الفضل بن سهل حين استوزره «ذا الكفايتين» ولقّب أخاه الحسن بن سهل «ذا الرّياستين» ولقّب المعتمد على الله وزيره صاعد ابن مخلد «ذا الوزارتين» إشارة إلى وزارة المعتمد والموفّق، وكان لقب إسماعيل ابن بلبل الشكور «الناصر لدين الله» كألقاب الخلفاء. وكذلك وقع التلقيب لجماعة من أرباب السّيوف وقوّاد الجيوش: فتلقب أبو مسلم الخراسانيّ صاحب الدعوة ب «أمير آل محمد» . وقيل «سيف آل محمد» وتلقب أبو الطيّب طاهر بن الحسين ب «ذي اليمينين» ولقّب المعتصم بالله حيدر ابن كاووس ب «الأفشين» لأنه أشروسنيّ والأفشين لقب على الملك بأشرو سنة ولقّب إسحاق بن كيداح أيام المعتمد ب «ذي السّيفين» ولقّب مؤنس في أيام المقتدر ب «المظفّر» ولقّب سلامة أخو نجح أيام القاهر ب «المؤتمن» ولقّب أبو بكر بن محمد بن طغج الراضي بالله ب «الأخشيد» والأخشيد لقب على الملك بفرغانة. ثم وقع التلقيب بالإضافة إلى الدّولة في أيام المكتفي «١» بالله: فلقّب المكتفي أبا الحسين بن القاسم بن عبيد الله وليّ الدولة، وهو أوّل من لقّب بالإضافة إلى الدولة، ولقّب المقتدر بالله عليّ بن أبي الحسين المتقدّم ذكره «عميد الدولة» . ووافت الدولة البويهيّة أيام المطيع لله والأمر جار على التلقيب بالإضافة للدولة، فافتتحت ألقاب الملوك بالإضافة إلى الدولة، فكان أوّل من لقّب بذلك من الملوك بنو بوية الثلاثة: فلقّب أبو الحسن عليّ بن بويه ب «عماد الدولة» ولقّب أخوه أبو عليّ الحسن ب «- ركن الدولة» وأخوهما أبو الحسين أحمد ب «- معزّ الدولة»

стр. 2628

ثم وافى «عضد الدولة» من بعدهم فاقترح أن يلقب ب «- تاج الدّولة» فلم يجب إليه وعدل به إلى «عضد الدولة» ، فلما بذل نفسه للمعاونة على الأتراك، اختار له أبو إسحاق الصابي صاحب ديوان الإنشاء «تاج الملّة» مضافا إلى عضد الدولة، فكان يقال «عضد الدولة وتاج الملّة» ولقّب أبو محمد الحسن بن حمدان أيام المتقي لله «ناصر الدولة» ولقّب أخوه أبو الحسن عليّ بن حمدان «سيف الدولة» . وبقي الأمر على التلقيب بالإضافة إلى الدولة إلى أيام القادر بالله فافتتح التلقيب بالإضافة إلى الدين. وكان أوّل من لقّب بالإضافة إليه أبو نصر بهاء الدولة ابن عضد الدولة بن بويه، زيد على لقبه بهاء الدولة «نظام الدّين» فكان يقال «بهاء الدولة ونظام الدّين» قال ابن حاجب النعمان: ثم تزايد التلقيب به وأفرط، حتّى دخل فيه الكتّاب والجند والأعراب والأكراد، وسائر من طلب وأراد، وكره (؟) حتّى صار لقبا على الأصل. ولا شك أنه في زماننا قد خرج عن الحدّ حتّى تعاطاه أهل الأسواق ومن في معناهم، ولم تصر به ميزة لكبير على صغير، حتى قال قائلهم: (خفيف) طلع الدّين مستغيثا إلى الله ... وقال العباد قد ظلموني يتسمّون بي، وحقك لا أعرف ... منهم شخصا ولا يعرفوني أما الديار المصرية فكان جريهم في الألقاب على ما ينتهي إليهم خبره من ألقاب الدولة العباسية ببغداد، فتلقب خلفاء الفاطميّين بها بنحو ألقاب خلفاء بني العبّاس ببغداد، فكان لقب أوّل خلفائهم بها «المعزّ لدين الله» وثانيهم بها «العزيز بالله» وعلى ذلك إلى أن كان لقب آخرهم «العاضد لدين الله» على ما تقدم في المقالة الثانية في الكلام على ملوك الديار المصرية. وتلقب وزراؤهم وكتّابهم بالإضافة إلى الدولة، وممن لقّب بذلك في دولتهم «وليّ الدولة» بن أبي كدينة وزير المستنصر، وأيضا «وليّ الدولة» بن خيران كاتب الإنشاء المشهور. ولما صارت الوزارة لبدر الجماليّ تلقّب ب «أمير الجيوش» . ثم تلقب الوزراء بعده بنحو «الأفضل» و «المأمون» . ثم تلقبوا بالملك

стр. 2629

الفلانيّ، ك «الملك الأفضل» و «الملك الصالح» ونحو ذلك على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وكان الكتّاب في أواخر الدولة الفاطميّة إلى أثناء الدولة الأيّوبيّة يلقبون ب «الفاضل» و «الرّشيد» و «العماد» وما أشبه ذلك، ثم دخلوا في عموم التلقيب بالإضافة إلى الدين، واختص التلقيب بالإضافة إلى الدولة كوليّ الدولة بكتّاب النصارى، والأمر على ذلك إلى الآن. الطرف الثاني (في بيان معاني الألقاب، وفيه تسع جمل) الجملة الأولى (في الألقاب الخاصّة بأرباب الوظائف المعتبرة التي بها انتظام أمور المملكة وقوامها، وهي قسمان) القسم الأوّل (الألقاب الإسلاميّة، وهي نوعان) النوع الأوّل (الألقاب القديمة المتداولة الحكم إلى زماننا، وهي صنفان) الصنف الأوّل (ألقاب أرباب السيوف، وهي سبعة ألقاب) الأوّل- الخليفة . وهو لقب على الزعيم الأعظم القائم بأمور الأمّة، وقد اختلف في معناه، فقيل: إنه فعيل بمعنى مفعول، كجريح بمعنى مجروح، وقتيل بمعنى مقتول ويكون المعنى أنه يخلفه من بعده، وعليه حمل قوله تعالى إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً «١» على قول من قال: إن آدم ﵇ أوّل من عمر

стр. 2630

الأرض وخلفه بنوه من بعده. وقيل: فعيل بمعنى فاعل، ويكون المراد أنه يخلف من بعده، وعليه حمل الآية من قال إنه كان قبله في الأرض الجنّ وإنه خلفهم فيها، واختاره النّحّاس «١» في «صناعة الكتّاب» : وعليه اقتصر البغويّ في «شرح السّنّة» والماورديّ في «الأحكام السّلطانية» . قال النّحاس: وعليه خوطب أبو بكر الصّدّيق ﵁ بخليفة رسول الله. وقد أجازوا أن يقال في الخليفة «خليفة رسول الله» لأنه خلفه في أمّته. واختلفوا هل يجوز أن يقال فيه خليفة الله: فجوّز بعضهم ذلك لقيامه بحقوقه في خلقه محتجّين بقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ «٢» وامتنع جمهور الفقهاء من ذلك محتجّين بأنه إنما يستخلف من يغيب أو يموت والله تعالى باق موجود إلى الأبد لا يغيب ولا يموت. ويؤيّد ما نقل عن الجمهور بما روي أنه قيل لأبي بكر ﵁: يا خليفة الله- فقال: لست بخليفة الله ولكنّي خليفة رسول الله، وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: يا خليفة الله- فقال: ويلك! لقد تناولت متناولا بعيدا! إنّ أمّي سمّتني عمر، فلو دعوتني بهذا الاسم قبلت، ثم كبرت فكنّيت أبا حفص، فلو دعوتني به قبلت، ثم ولّيتمونى أموركم فسمّيتموني أمير المؤمنين، فلو دعوتني به كفاك. وخصّ البغويّ جواز إطلاق ذلك بآدم وداود ﵉، محتجّا بقوله تعالى في حق آدم: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً «٣» وقوله في حقّ داود: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ «٤» ثم قال: ولا يسمّى أحد خليفة الله بعدهما. قال في «شرح السنة» : ويسمّى خليفة وإن كان مخالفا لسيرة أئمة العدل. ثم قد كره جماعة من الفقهاء منهم «أحمد بن حنبل» إطلاق اسم الخليفة
следующие страницы →