Полный текст (7 500 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
وكذا» ثم يكتب التعيين بحاشيتها أسفل ذلك في عرض الحاشية مميلا للكتابة إلى جهة الأعلى قليلا.
وإن كان قصة عليها خطّ النائب الكافل، فإنه يكتب عليها بالتعيين ليس إلّا، وموضع التعيين فيها بحاشية القصّة أسفل خط النائب.
وإن كان قصة قد كتب بهامشها مرسوم الأتابك أو علّق بحاشيتها رسالة الدّوادار، كتب في جهة أعلى القصة: «يكتب بذلك» وعلى القرب منه التعيين.
وإنما يكتب هنا في جهة أعلى القصة وفيما عليه خطّ النائب الكافل في جهة أسفلها؛ لأنّ التعليق الذي على الهامش فيما علّق عن مرسوم الأتابك أو رسالة الدّوادار بخط كاتب الدّست الذي في خدمته، بخلاف ما عليه خطّ النائب بنفسه.
وإن كان الذي يقع فيه التعيين قائمة من ديوان الوزارة، أو ديوان الخاصّ أو ديوان الإستدّار، كتب بهامش القائمة من أعلاها مقابل كتابة المتحدّث على ذلك الديوان ما مثاله: «يكتب بذلك» ثم يكتب التعيين تحته على القرب منه.
وإن كان الذي يقع فيه التعيين مربعّة إقطاع من ديوان الجيش، كتب بالتعيين في آخرها مقابل التاريخ من الجهة اليمنى، ولا كتابة له عليها غير ذلك.
قلت: وقد جرت عادة كتّاب السرّ في زماننا أنه يكتب على القصص ونحوها، «يكتب بذلك» أو «يكتب بكذا وكذا» على ما تقدّم بيانه بغير لام في أوّله. وكذلك الوزير وناظر الخاصّ والإستدّار يكتبون بغير لام في الأوّل. أما القضاة في الإذن بكتابة المحاضر ونحو ذلك فإنهم يكتبون «ليكتب» بإثبات اللام في أوّله، وهذه اللام تسمى لام الأمر وقد صرّح الإمام أبو «١» جعفر النحاس في
стр. 2907
«صناعة الكتّاب» أنه لا يجوز حذفها. وعلى ذلك ورد لفظ القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
«١» . وقوله: ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ
«٢» ونحو ذلك.
وحكى جمال الدين بن هشام في المغني «٣» [وقد تحذف اللام في الشعر ويبقى عملها كقوله (طويل) :
فلا تستطل منّي بقائي ومدّتي ... ولكن يكن للخير منك نصيب!
وقوله (وافر) :
محمّد، تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا!
] «٤»
الطّرف الثاني «٥» (في كتابة الملخّصات والإجابة عنها من الدواوين السلطانية)
قد تقدّم في الكلام على ما ينظر فيه صاحب الديوان أنه لما كان صاحب ديوان الإنشاء يضيق زمنه عن استيعاب حال الكتب الواردة من المملكة لوفورها واتّساع الدولة وكثرة المكاتبين، ناسب أن يتّخذ كاتبا يتصفّح الكتب الواردة ويتأملها، ويلخّص مقاصدها؛ قال أبو الفضل الصّوري في «تذكرته» : والرسم في ذلك أنّ الكاتب الذي يقيمه صاحب الديوان يتسلّم الكتب الواردة ويخرج معانيها على ظهورها، ملخّصا الألفاظ الكثيرة في اللفظ، غير مخلّ بشيء من
стр. 2908
المعنى ولا محرّف له، مسقطا فضول القول وحشوه، كالدعاء والتصدير والألفاظ المتردّدة.
قال: ويخرج أيضا ما يختصّ بديوان الخراج «١» ، من الأمور التي ترد ضمن الكتب في معنى الخراج في أوراق يعيّن فيها الكتب التي وصلت فيها وتاريخها والجهة التي وردت منها، وينصّها على هيئتها، ويوجّهها إلى ديوان الخراج، فيجاب عنها منه، ويستدعي من متولّي ديوان الخراج الجواب عنها؛ ثم يعرض جميع ذلك على الملك، ويستخرج أمره بإمضاء المكاتبة به أو بغيره.
فإن كان بخطّ مخالف للعربيّ، كالرّوميّ والفرنجيّ والأرمنيّ وغيرها، أحضر من يعرف ذلك الخطّ ممن يوثق به ليترجمه في ظهره، فإن كان ذلك المترجم يحسن الخطّ العربيّ، كتب بخطه في ظهر الكتاب ما مثاله «يقول فلان: إني حضرت إلى ديوان الإنشاء وتسلّمت الرّقعة أو الكتاب الذي هذا الخط بظاهره، وسئلت عن تفسيره فذكرت أنه كذا وكذا» ويسرده إلى آخره «وبذلك أشهدت على نفسي» ويشهد عليه شاهدان: «هذا الذي ذكره بلا زيادة ولا نقص» .
وإن كان الكتاب مشحونا بالكلام بطنا وظهرا، نقله بخطه بالقلم الذي هو مكتوب به، وترجمه على ظاهره بخطّه بالعربيّ. وإن لم يحسن الكتابة بالعربيّ، كتب عنه الكاتب بمحضر من الشاهدين وأشهد عليه ليهاب أو يحجم فيما يقول، أو يغيّره أو ينقصه لأن أكثر من يترجم على مذهب صاحب الخط، فربما كتم عنه أوداجى فيه. فإذا خوّف بالإشهاد عليه وخشي أنّ غيره قد يقرأه على غير الوجه الذي أشهد به على نفسه ربما أدّى الأمانة فيه، فإذا لخّصت المكاتبة بظاهرها، سلّمت إلى متولّي الديوان ليقابل ظاهرها بباطنها؛ فإن وجده أخلّ فيها بشيء، أضافه بخطه وأنكر عليه إهماله ليتنبّه في المستقبل. فإن لم يكن فيها خلل عرضه على الملك واعتمد أمره فيه، وكتب تحت كل فصل منها ما يجب أن يكون
стр. 2909
جوابا عنه على أحسن الوجوه وأفضلها؛ ثم يسلّمها إلى من يكتب الجواب عنها ممن يعرف اضطلاعه بذلك، ثم يقابل الجواب بالتخريج وما وقّع به تحته؛ فإن وجد فيها خللا سدّه، أو مهملا ذكره، أو سهوا أصلحه. وإن رآها قد كتبت على أفضل الوجوه وأسدّها، لم يفوّت فيها معنى ولم يزد إلا لفظا ينمّق به كتابه ويؤكّد به قوله، عرضها «١» على الملك حينئذ ليعلّم، ثم استدعى من يتولّى الإلصاق فألصقها بحضرته، وجعل على كلّ منها بطاقة يشير فيها إلى مضمونها؛ لئلّا يسأل عن ذلك بعد إلصاقها فلا يعلم ما هو؛ ثم يسلّمها إلى من يتولّى تنفيذها إلى حيث أهّلت له؛ وتسلّم النسخ الملخّصة إلى من يؤهّله لحفظها وترتيبها.
قلت: قد تبيّن بما تقدّم من كلام أبي الفضل الصّوريّ [ما كان عليه الحال في زمنه] والذي عليه حال الديوان في زماننا فيما يتعلق بذلك أن الكتب الواردة إلى الأبواب السلطانية من أهل المملكة وغيرها من سائر الممالك يتلقّاها أكبر الدّواداريّة، وهو مقدّم ألف على ما تقدّم ذكره في الكلام على ترتيب الدّيار المصرية؛ ويحضر القاصد المحضر للكتاب من بريديّ أو غيره، ثم يناوله للسلطان فيفضّ ختامه، وكاتب السرّ جالس بين يديه، فيدفعه السلطان إليه فيقرأه عليه ويستصحبه معه إلى الديوان؛ فإن كان الكتاب عربيّا دفعه كاتب السرّ إلى نائبه أو من يخصّه بذلك ليلخّص معناه، فينعم النظر فيه، ويستوفي فصوله، ويلخّص مقاصدها، ويكتب لكلّ ديوان من الدواوين التي يرفع إليها متعلّق ذلك الكتاب ملخّصا بالفصول المتعلّقة به في ورقة مفردة، ليجاوب عليها متولّي ذلك الديوان بما رسم له من الجواب عنها.
واعلم أن الذي تكتب له الملخّصات في زماننا من الدواوين السلطانية خمسة دواوين، وهي: ديوان الإنشاء، وديوان الوزارة، وديوان الجيش، وديوان الخاصّ، وديوان الإستدّاريّة، وهو الديوان المفرد.
стр. 2910
والطريق إلى كتابة الملخّصات أن يحذف ما في صدر الكتب من الحشو على ما تقدّم في كلام أبي الفضل الصّوري، ثم يعمد إلى مقاصد الكتاب فيستوفي فصوله ويتصوّرها بذهنه، ثم ينظر في متعلّقات تلك الفصول، ويكتب لكل ديوان من الدواوين المتقدّمة ملخّصا بما يتعلق به من الفصول في فصل واحد أو أكثر، بحسب ما تقتضيه قلّة الكلام وكثرته.
وكيفية كتابته أن يترك من رأس الوصل قدر ثلاثة أصابع بياضا، ثم قدر إصبعين بياضا عن يمينه، وقدر إصبعين بياضا عن يساره؛ ويكتب في صدره ما مثاله: «ذكر فلان في مكاتبته الواردة على يد فلان المؤرّخة بكذا وكذا» يمدّ لفظ «ذكر» بين جانبي الوصل، ويكتب باقي الكلام تحتها في أوّل الوصل إلى آخره في العرض من غير خلوّ بياض «أنه اتفق من الأمر ما هو كذا وكذا» أو «أنه سأل في كذا وكذا» . ثم يخلّي بياضا قدر أربعة أصابع مثلا ويكتب في وسط الدّرج بخلوّ بياض من الجانبين، «وذكر» على نحو ما تقدّم؛ ثم يكتب باقي الكلام من أوّل الوصل إلى آخره، ويفعل ذلك بكل فصل في الكتاب يتعلّق بذلك الديوان المختص بذلك الملخّص؛ ويكتب في آخر كل فصل «وقد عرض على المسامع الشريفة» و «مهما برزت به المراسيم الشريفة كان العمل بمقتضاه» ونحو ذلك.
ثم إن كان الملخّص لديوان الإنشاء، كتب بأعلى الوصل من ظاهره من الجانب الأيسر منه ما مثاله «ديوان الإنشاء» . وإن كان لديوان الجيش كتب هناك ما مثاله «ديوان الجيش» . وكذا ديوان الخاصّ وسائر الدواوين المتقدّمة الذكر.
فإذا كملت الملخّصات، وقف عليها كاتب السرّ؛ فما كان منها متعلّقا بديوان الإنشاء عرضه على السلطان واستمطر جوابه عنه، فيكتب مقابله في الملخص «يكتب بذلك» أو «يكتب بكذا وكذا» أو «رسم بذلك» أو «رسم بكذا وكذا» . وما كان منها متعلّقا بديوان الوزارة بعث به إلى الوزير؛ وما كان منها متعلقا بديوان الجيش بعث به إلى ناظر الجيش؛ وما كان منها متعلقا بديوان الخاص بعث به إلى ناظر الخاصّ: ليقرأ كلّ منهم ملخّصه على السلطان وينظر ما يأمر به فيه، فما كان كتب به بجانب الفصل الذي كتب به في الملخّص «أمضي ذلك» أو «لم
стр. 2911
يمض» أو «رسم بكذا وكذا» ونحو ذلك، وسائر الدواوين على هذا النمط.
وإن كان الكتّاب غير عربيّ؛ فإن كان بالتركية المغلية ونحوها كالكتب الواردة عن بعض القانات من ملوك الشّرق فإنه يتولى ترجمتها من يوثق به من أخصّاء الدولة، من الأمراء أو الخاصكيّة ونحوهم، ممن يعرف ذلك اللسان؛ ثم يقرأ ترجمته على السلطان، ويعتمد ما يأمر به في جوابه ليكتب به. وإن كان بالرومية أو الفرنجية ونحوهما من اللغات المختلفة، ترجم على نحو ما تقدّم، وكتب ملخّصه وقريء على السلطان والتمس جوابه، وكتب كاتب السرّ على الملخّص بما رسم فيه.
стр. 2912
الباب الرابع من المقالة الثالثة (في الفواتح والخواتم واللّواحق، وفيه فصلان)
الفصل الأوّل (في الفواتح، وفيه ستة أطراف)
الطّرف الأوّل (في البسملة، وفيه ثلاث جمل)
الجملة الأولى (في أصل الافتتاح بها)
كانت قريش قبل البعثة تكتب في أوّل كتبها «باسمك اللهم» والسبب في كتابتهم ذلك ما ذكره المسعوديّ في «مروج الذهب» عن جماعة من أهل المعرفة بأيّام الناس وأخبار من سلف، كابن دأب، والهيثم بن عديّ، وأبي مخنف لوط ابن يحيى، ومحمد بن السائب الكلبيّ، أن أميّة بن أبي الصّلت «١» الثّقفيّ خرج إلى
стр. 2913
الشأم في نفر من ثقيف وقريش في عير لهم «١» ، فلما قفلوا راجعين [نزلوا منزلا واجتمعوا لعشائهم، إذ] «٢» أقبلت حيّة صغيرة حتّى دنت منهم فحصبها «٣» بعضهم بحجر في وجهها فرجعت، فشدّوا سفرتهم، ثم قاموا فشدّوا على إبلهم وارتحلوا من منزلهم، فلما برزوا من المنزل»
، أشرفت عليهم عجوز من كثيب رمل متوكّئة على عصا «٥» ، فقالت: ما منعكم أن تطعموا رحيبة «٦» ، اليتيمة الصغيرة التي باتت لطعامكم عليلة، قالوا: وما «٧» أنت؟ قالت أمّ العوام، أرملت «٨» منذ أعوام؛ أما وربّ العباد، لتفرّقنّ «٩» في البلاد، ثم ضربت بعصاها الأرض وأثارت بها الرمل، وقالت: أطيلي إيابهم، وفرّقي ركابهم! فوثبت الإبل كأنّ على ذروة كلّ منها شيطانا، ما يملكون منها شيئا حتّى افترقت في الوادي، فجمعوها من آخر النهار إلى غدوة، فلما أناخوا الرّواحل طلعت عليهم العجوز وفعلت كما فعلت أوّلا وعادت لمقالها الأوّل، فخرجت الإبل كما خرجت في اليوم الأوّل، فجمعوها من غد. فلما أنا خوها ليرحلوها، فعلت العجوز مثل فعلها في اليوم الأوّل والثاني فنفرت الإبل؛ وأمسوا في ليلة مقمرة ويئسوا من ظهورهم؛ فقالوا لأميّة بن أبي الصّلت: أين ما كنت تخبرنا به عن نفسك وعلمك؟
стр. 2914
[فقال: اذهبوا أنتم في طلب الإبل ودعوني] «١» . فتوجّه إلى الكثيب الذي كانت تأتي منه العجوز حتّى هبط من ثنيّته «٢» الأخرى، ثم صعد كثيبا آخر حتّى هبط منه؛ ثم رفعت له كنيسة فيها قناديل ورجل معترض مضطجع على بابها، وإذا رجل جالس أبيض الرأس واللحية. قال أميّة: فلمّا وقفت قال لي: [إنك لمتبوع.
قلت أجل. قال: فمن أين يأتيك صاحبك؟ قلت: من أذني اليسرى. قال: فبأيّ الثّياب يأمرك؟ قلت: بالسّواد. قال: هذا خطيب الجنّ، كدت ولم تفعل، ولكن صاحب هذا الأمر يكلّمه في أذنه اليمنى، وأحبّ الثياب إليه البياض. فلما جاء بك وما «٣» ] . حاجتك؟ فحدّثته حديث العجوز. فقال «٤» : هي امرأة يهوديّة هلك زوجها منذ أعوام، وإنها لن تزال تفعل بكم ذلك حتّى تهلككم إن استطاعت- قال أميّة: قلت فما الحيلة- قال: اجمعوا ظهركم فإذا جاءتكم وفعلت ما كانت تفعل، فقولوا سبعا من فوق وسبعا من أسفل «باسمك اللهمّ» فإنها لن تضرّكم.
فرجع أميّة إلى أصحابه فأخبرهم بما قيل له وجاءتهم العجوز ففعلت كما كانت تفعل فقالوا سبعا من فوق وسبعا من أسفل باسمك اللهمّ فلم تضرّهم. فلما رأت الإبل لا تتحرّك، قالت: قد علّمكم صاحبكم، ليبيّضنّ الله أعلاه وليسوّدنّ أسفله. وساروا فلما أدركهم الصبح، نظروا إلى أميّة قد برص في غرّته «٥» ورقبته وصدره واسودّ أسفله. فلما قدموا مكة ذكروا هذا الحديث، فكتبت «٦» قريش في أوّل كتبها «باسمك اللهمّ» فكان أوّل ما كتبها أهل مكة وجاء الإسلام والأمر على ذلك.
стр. 2915
قال إبراهيم بن محمد الشيبانيّ: ولم تزل الكتب تفتتح «باسمك اللهم» حتّى نزل قوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
«١» فاستفتح بها رسول الله ﷺ وصارت سنّة بعده. وروى محمد بن سعد في طبقاته، أنّ رسول الله ﷺ كات يكتب كما تكتب قريش «باسمك اللهمّ» حتّى نزل عليه وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها
«٢» . فكتب باسم الله، حتّى نزل قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
«٣» . فكتب «بسم الله الرحمن» حتّى نزل إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
«٤» فكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» . وذكر في «موادّ البيان» نحوه.
وعن سفيان الثوريّ أنه كان يكره للرجل أن يكتب شيئا حتّى يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» . وعن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يكره أن يكتب كتابا أو غيره حتّى يبدأ ب «بسم الله الرحمن الرحيم» . وعن سعيد بن جبير أنه كان يقول: لا يصلح كتاب إلا أن يكون أوّله «بسم الله الرحمن الرحيم» .
وهذه الأحاديث والآثار كلّها ظاهرة في استحباب الابتداء بالبسملة فيما يكتب به من أصناف المكاتبات والولايات وغيرها، وعلى ذلك مصطلح كتّاب الإنشاء في القديم والحديث، إلا أنهم قد اصطلحوا على حذفها من أوائل التّواقيع والمراسيم الصّغار، كالتي على ظهور القصص ونحوها، وكأنهم أخذوا ذلك من مفهوم ما رواه أبو داود وابن ماجة في سننهما وأبو عوانة الأسفرايينيّ في مسنده عن أبي هريرة، ﵁، أن النبيّ ﷺ قال: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع» يعني ناقص البركة، وما يكتب في التواقيع والمراسيم الصغار ليس من الأمور المهمّة فناسب ترك البسملة في أوّلها
стр. 2916
لكن قد ذكر محمد بن عمر المدائني في كتاب «القلم والدواة» أنّ أهل العلم كرهوا حذف البسملة من التواقيع والسّراحات وذمّوه. وقد كان القاضي علاء الدّين الكركيّ كاتب السرّ في الدولة الظاهرية «برقوق» في أوّل سلطنته الثانية أمر بأن يكتب في أوّلها بسملة بقلم دقيق، ثم بطل ذلك بعد موته وبقي الأمر على ما كان عليه أوّلا. ثم قد اختلف في كتابتها أمام الشّعر، فذهب سعيد بن المسيّب والزّهريّ إلى منع ذلك. وذهب سعيد بن جبير وإبراهيم النّخعيّ إلى جوازه.
ويروى مثله عن ابن عباس، ﵁، قال أبو جعفر النحاس في «صناعة الكتّاب» ورأيت عليّ بن سليمان يميل إليه. قال محمد بن عمر المدائنيّ: ولا بأس إن يكن «١» بين الشّعر وبينها كلام، مثل أنشدني فلان الفلانيّ وشبه ذلك، فأما أن يصله بها فلا يجوز.
الجملة الثانية (في الحثّ على تحسينها في الكتابة وما يجب من ترتيبها في الوضع)
أما الحثّ على تحسينها في الكتابة، فينبغي للكتاب أن يبالغ في تحسينها في الكتابة ما استطاع تعظيما لله تعالى. فقد روي أن رسول الله ﷺ قال: «من كتب بسم الله الرحمن الرحيم فحسّنه أحسن الله إليه» . وعن واصل مولى أبي عيينة قال: سمعت حمّادا يقول: كانوا يحبّون أن تحسّن بسم الله الرحمن الرحيم.
وأما ما يجب من ترتيبها، فأوّل ما يجب من ذلك إطالة الباء لتدلّ على الألف المحذوفة منها لكثرة الاستعمال، ثم إثبات السين بأسنانها الثلاث، غير مرسل لها إرسالا كما يفعله بعض الكتّاب، فقد كره ذلك أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب، ﵁، وزيد بن ثابت والحسن وابن سيرين، حتّى يروى أن عمر ﵁ ضرب كاتبا على حذف السين منها- فقيل له: فيم ضربك
стр. 2917
عمر» - فقال: في سين، فجرى مثلا. ويروى أن غلاما لعمر بن عبد العزيز كتب إليه من مصر كتابا ولم يجعل لبسم الله الرحمن الرحيم سينا، فكتب إليه عمر يأمره بالقدوم عليه، فلما قدم قال: اجعل لبسم الله الرحمن الرحيم سينا وانصرف إلى مصر. وكذلك لا يمدّ الباء قبل السين ثم يكتب السين بعد المدّة كما يفعله بعض كتّاب المغاربة، فقد روى محمد بن عمر المدائنيّ من حديث شعيب بن [أبي] الأشعث أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا كتب أحدكم بسم الله الرحمن الرحيم فلا يمدّها قبل السين. يعني الباء» وعن ليث عن مجاهد يرفعه إلى النبي ﷺ نحوه. ويروى مثله عن ابن عمر، وابن سيرين. وعن عبد العزيز ابن عبد الله وعبد الله بن دينار وغيرهما أن العلماء كانوا يكرهون ذلك وينهون عنه أشدّ النهي حتّى روي عن الضحّاك بن مزاحم أنه قال: وددت أنّي لو رأيت الأيدي تقطع فيه. نعم يستحبّ المدّبين السين والميم كما هو عادة كتّاب المصريين وأهل المشرق. وكذلك استحسنوا مدّ الحاء من الرحمن قبل الميم وقالوا: إنه من حسن البيان، حتّى يروى أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عمّاله إذا كتب أحدكم بسم الله الرحمن الرحيم فليمدّ الرحمن. وهذا مما يتعاطاه كتّاب المغرب دون كتّاب مصر وأهل المشرق. أما غير ذلك من وجوه التحسين فيأتي الكلام «١» عليه في الكلام على الخط إن شاء الله تعالى.
الجملة الثالثة (في بيان موضعها من المكتوب ويتعلّق به أمران)
الأمر الأوّل (تقدّمها في الكتابة)
فيجب تقديمها في أوّل الكلام المقصود، من مكاتبة أو ولاية أو منشور إقطاع أو
стр. 2918
غير ذلك، تبرّكا بالابتداء بها وتيمّنا بذكرها، وعملا بالأخبار والآثار المتقدمة في الجملة الأولى. على أنه قد اختلف في معنى قوله تعالى حكاية عن بلقيس حين ألقي إليها كتاب سليمان ﵇: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
«١» :
فذهب بعض المفسرين إلى أن قوله إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ
من كلام بلقيس، وإنها حكت الكتاب بقولها: وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إلى آخر الآية، فيكون ابتداء الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم، ويكون ذلك احتجاجا على وجوب تقديمها. وذهب آخرون إلى أن قوله إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ
بداية كتاب سليمان، فيكون سليمان ﵇، قد بدأ في كتابه باسمه. فإن قيل كيف ساغ على ذلك تقديم اسمه على اسم الله تعالى في الذّكر مع أنّ الأنبياء ﵈ أشدّ الناس أدبا مع الله تعالى؟ فالجواب ما قيل: إنه كان عادة ملوك الكفر أنه إذا ورد عليهم كتاب بما يكرهون ربما مزّقوا أعلاه أو تفلوا «٢» فيه، فجعل سليمان ﵇ اسمه تقيّة لاسم الله تعالى فذكره أوّلا. ومن هنا اصطلح الكتّاب في الكتب الصادرة عن ملوك الإسلام إلى ملوك الكفر بكتابة ألقاب الملك المكتوب عنه في وصل فوق البسملة، تأسّيا بسليمان ﵇.
أما ما يكتب في طرّة الولايات من العهود والتقاليد وغيرها، فإنه في الحقيقة جزء من المكتوب، فلا يوصف بأنه شيء مقدّم على البسملة. وأما الطغراة «٣» التي كانت توضع في مناشير الإقطاعات في وصل بين وصل الطّرّة والبسملة فيها ألقاب السلطان على ما سيأتي في الكلام على كتابة المناشير في موضعه إن شاء الله تعالى، فإنها كتابة أجنبيّة مكتوبة بخطّ غير الكاتب فلم تنسب
стр. 2919
في الحقيقة إلى التقديم. على أن ذلك قد بطل في زماننا. وهاتان المسألتان المتعلّقتان بالطّغراة المكتوبة في المناشير ومكاتبات أهل الكفر مما سأل عنه الشيخ جمال الدين بن نباتة في رسالته التي كتبها إلى كتّاب ديوان الإنشاء بالشام، في مباشرة الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ، حين بلغه أن بعضهم وقع فيه.
الأمر الثاني (إفرادها في الكتابة)
قال محمد بن عمر المدائني في كتاب «القلم والدواة» : ينبغي للكاتب أن يفرد البسملة في سطر وحدها، تبجيلا لاسم الله تعالى وإعظاما وتوقيرا له؛ ثم ساق بسنده إلى أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ «نهى أن يكتب في سطر بسم الله الرحمن الرحيم غيرها» . وعلى هذه الطريقة جرى كتّاب الإنشاء في مكاتبتهم وسائر ما يصدر عنهم. أما النّسّاخ وكتّاب الوثائق فربما كتبوا بعدها في سطرها «الحمد لله» أو «الصّلاة على رسول الله ﷺ » ونحو ذلك.
وكذلك يكتب القضاة «الحمدلة» في علامات الثّبوت في المكاتيب الشرعيّة.
الطرف الثاني (في الحمدلة)
لما كان الحمد مطلوبا في أوائل الأمور طلبا للتيمّن والتبرّك، عملا بما رواه الراوون لحديث البسملة المتقدّم من رواية أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: «كلّ أمر ذي بال لايبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم» «١» اصطلح الكتّاب على الابتداء به في الكثير مما يكتبونه من المكاتبات والولايات وغيرهما مما له شأن وبال، كمكاتبات أكثر الملوك من قانات الشّرق، وكلّ ما تضمّن نعمة من المكاتبات ونحو ذلك، وكالبيعات والعهود والتقاليد على رأي من يرى افتتاحها
стр. 2920
بالخطب، وغير ذلك مما يأتي ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. بل ربما كرّروا الحمد المرّات المتعددة إلى السّبع في الخطبة الواحدة، على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، وأتوا بالحمد لله بعد البسملة تأسّيا بكتاب الله تعالى، من حيث أن البسملة آية من الفاتحة كما هو مذهب الشافعيّ «١» ﵁، أو فاتحة لها- وإن لم تكن منها- كما هو مذهب غيره. أما سائر المكاتبات والولايات المفتتحة بغير الحمد، فإنما حذف منها الحمد استصغارا لشأنها، إذ كان الابتداء بالحمد إنما يكون في أمر له بال كما دل عليه الحديث المتقدّم، وسيأتي الكلام على كل شيء من ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
قال في «الصناعتين» : وإنما افتتح الكلام بالحمد لأن النفوس تتشوّف للثناء على الله تعالى، والافتتاح بما تتشوّف النفوس إليه مطلوب. وربما أتى الكتّاب بالحمد بعد البعديّة فكتبوا: أما بعد حمد الله، أو «أما بعد فالحمد لله» فأما الصيغة الأولى فالحمد مقدّم فيها معنى وإن لم يذكر لفظا لأن قوله أما بعد حمد الله يقتضي تقدّم حمد الله، وأما الصيغة الثانية فإنها تقتضي تقدّم شيء على الحمد، ولا شك أنّ المقدّم هنا هو البسملة على ما سيأتي في الكلام على أما بعد فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ثم قد يستعمل الحمد بصيغة الفعل كقولهم في المكاتبات: فإني أحمد إليك الله. وقد اختلف في أيّ الصيغتين أبلغ؛ صيغة الحمد لله، أو صيغة أحمد الله، فذهب المحقّقون إلى أن صيغة الحمد لله أبلغ، لما فيها من معنى الاستغراق والثبوت والاستمرار على ما هو مقرّر في علم المعاني. وذهب ذاهبون
стр. 2921
إلى أن صيغة أحمد الله أبلغ؛ لأن القائل «الحمد لله» حاك لكون الحمد لله، بخلاف القائل «أحمد الله» فإنه حامد بنفسه، ولذلك يؤتى بالتحميد ثانيا في الخطب بصيغة الفعل.
وله في الاستعمال ثلاث صيغ:
الصيغة الأولى
- «يحمده أمير المؤمنين» فيما إذا كان ذلك صادرا عن الخليفة في مكاتبة أو غيرها.
الصيغة الثانية
- «نحمده» إما بنون الجمع الحقيقية كما إذا كان ذلك صادرا عن......... «١» مثل أن يؤتى بذلك في بيعة لخليفة أو نحوها، أو بنون الجمع للتعظيم كما إذا كان ذلك صادرا عن السلطان نحو ما يقع في خطب التقاليد والتواقيع في زماننا.
الصيغة الثالثة
- «أحمده» بلفظ الإفراد، كما إذا كان ذلك صادرا عن واحد فقط حيث لا تعظيم له.
الطرف الثالث (في التشهد في الخطب)
قد جرت عادة المتأخّرين بالإتيان بالتشهّد بعد التحميد في الخطب ويكون تابعا لصيغة التحميد، فإن كان قد قيل يحمده أمير المؤمنين، قيل بعده:
ويشهد؛ وإن كان قد قيل نحمده، قيل بعده: ونشهد؛ وإن كان بعد أما بعد حمد الله، قيل والشهادة له بالجرّ عطفا على حمد. على أن الخطب الموجودة في مكاتبات المتقدّمين لا تشهّد فيها. ومستند المتأخّرين في ذلك ما رواه أبو داود والترمذي وصحّحه البيهقي أن النبيّ ﷺ قال: «كلّ خطبة ليس فيها تشهّد فهي كاليد الجذماء» .
стр. 2922
الطرف الرابع (في الصلاة والسّلام على النبيّ ﷺ وعلى آله وصحبه في أوائل الكتب)
لا نزاع في أن الصلاة على النبيّ ﷺ مطلوبة في الجملة، وناهيك في ذلك قوله تعالى في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
«١» والأحاديث الواردة في الحثّ على ذلك أكثر من أن تحصر، فناسب أن تكون في أوائل الكتب، تيمّنا وتبرّكا. وقد جاء في تفسير قوله تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ
«٢» أن المعنى ما ذكرت إلا وذكرت معي. فإذا أتي بالحمد في أوّل كتاب، ناسب أن يؤتى بالصلاة على النبيّ ﷺ في أوّله، إتيانا بذكره بعد ذكر الله تعالى. وقد روي من حديث ابن عبّاس ﵄ أن النبيّ ﷺ قال: «من صلّى عليّ في كتاب لم تزل الصلاة جارية له ما دام اسمي في ذلك الكتاب» . قال الشيخ عماد الدين في تفسيره: إلا أنه ضعيف، ضعّفه المحدّثون. قال محمد بن عمر المدائنيّ في «كتاب القلم والدواة» : وقد رأينا بعض الكتّاب لا يرى الصلاة على النبيّ ﷺ في الكتب، فباءوا بأعظم الوزر مع ما فاتهم من الثواب.
وأمّا السّلام عليه ﷺ بعد التصلية، فقد قال الشيخ محيي الدين النوويّ في كتابه «الأذكار» : وإذا صلّى على النبيّ ﷺ فليجمع بين الصلاة والتسليم ولا يقتصر على أحدهما فلا يقال صلّى الله عليه فقط، ولا ﵇ فقط. قال الشيخ عماد الدين بن كثير: وهذا منتزع من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ
الآية «٣» .
وأما الصلاة على الآل والصحب بعد الصلاة على النبيّ ﷺ ، فقد نقل
стр. 2923
الشيخ عماد الدين بن كثير في تفسيره الإجماع على جواز الصلاة على غير الأنبياء ﵈ بطريق التبعيّة، مثل أن يقال: اللهمّ صلّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريّته ونحو ذلك. ثم قال: وعلى هذا يخرج ما يكتبونه من قولهم: وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه فلا نزاع فيه، وإنما الخلاف في جواز إفراد غير الأنبياء ﵈ بالصلاة: فأجازه قوم محتجّين بنحو قوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ
«١» وقوله ﷺ : «اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى» . ومنعه آخرون احتجاجا بأن الصلاة صارت شعارا للأنبياء ﵈ فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال: أبو بكر ﷺ وإن كان المعنى صحيحا، كما لا يقال: محمد ، وإن كان عزيزا جليلا.
ثم الصحيح من مذهب الشافعيّ، ﵁، أن ذلك لا يجوز في غير التبعية. وحكى النوويّ في «الأذكار» فيه قولا بأنه كراهة تحريم، وقولا بأنه كراهة تنزيه، وقولا بأنه خلاف الأولى، ورجّح كونه كراهة تنزيه، لأنه شعار أهل البدع «٢» .
وأما السّلام على غير الأنبياء فحكى النوويّ عن أبي محمد الجوينيّ منعه في الغائب من حيّ وميّت وأنه لا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: عليّ ﵇، بخلاف الحاضر فإنه يخاطب به.
إذا علمت ذلك فالصلاة وتوابعها في أوائل الكتب قد تكون بعد التحميد في الخطبة كما في الولايات [والمكاتبات] المفتتحة بالخطب من البيعات والعهود والتقاليد والتفاويض والتّواقيع والمراسيم وغيرها، وكما في الكتب المفتتحة بالخطب. وقد تكون في صدور المكاتبات المفتتحة بغير الخطب، كما كان يكتب في القديم في صدور المكاتبات «وأسأله أن يصلّي على محمد
стр. 2924
عبده ورسوله» وهو مما أحدثه الرشيد في المكاتبات. قال في «ذخيرة الكتّاب» : وكان ذلك من أجلّ مناقبه. وكان الخلفاء الفاطميون بمصر يقولون عن لسان الخليفة: ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد، ويخصون الصلاة بعده بأمير المؤمنين عليّ ﵁ على طريقة الشّيعة.
الطرف الخامس (في السّلام في أوّل الكتب)
إنما جعل السّلام في ابتداء الكتب وصدورها لأنه تحية الإسلام المطلوبة لتأليف القلوب، فكما أنه يفتتح به الكلام طلبا للتأليف كذلك تفتتح به المكاتبات وتصدّر طلبا للتأليف، إذ يقول ﷺ : «ألا أنبّئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم! أفشوا السّلام بينكم» . قال في «الصناعتين» : وتقول في أوّل كتابك:
«سلام عليك» وفي آخره «والسّلام عليك «والمعنى فيه أن الأوّل نكرة إذ لم يتقدّم له ذكر والثاني معرفة يشار به إلى السّلام الأوّل على حدّ قوله تعالى:
كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ
«١» فأتى في الأوّل بتنكير الرسول وفي الثاني بتعريفه. وكذلك قال تعالى في سورة مريم في قصة يحيى ﵇: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
«٢»
لعدم تقدّم ذكر السّلام؛ ثم قال بعد ذلك في قصّة عيسى ﵇:
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
«٣» وإلى ذلك يشير أحمد بن يوسف بقوله: اكتب في أوّل كتابك سلام عليك واجعله تحية، وفي آخره «والسّلام عليك» واجعله وداعا. وذلك أن سلام التحية يكون ابتداء فيكون نكرة، وسلام الوداع يكون انتهاء فيكون معرفة لرجوعه إلى الأوّل. وقد
стр. 2925
كره بعض العلماء أن يقال في الإبتداء: عليك السّلام، احتجاجا بما روي عن أبي مكعت الأسديّ أنه قال «أتيت رسول الله ﷺ فأنشدته» : (متقارب)
يقول أبو مكعت صادقا: ... عليك السّلام أبا القاسم!
فقال: يا أبا مكعت عليك السّلام تحيّة الموتى» . وجعل ابن حاجب النّعمان من ذلك قول عبدة «١» بن الطّبيب: (طويل)
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما
«٢» قال ابن حاجب النعمان: ويكتب السّلام بإسقاط الألف في صدر الكتاب وعجزه. قال أبو جعفر النحاس: وقولهم في أوّل الكتاب سلام عليك، بالرفع ويجوز فيه النصب والاختيار الرفع وإن كان النّحاة قد قالوا: إنّ ما كان مشتقّا من فعل فالاختيار فيه النصب نحو قولك سقيا لك؛ لأن معنى السّلام في الرفع أعمّ، إذ ليس يريد أفعل فعلا، فيكون المعنى تحية عليك بنصب تحية. وقيل: سلام عليك بمعنى سلام لك. وسيأتي الكلام على إتباع السّلام الرحمة في الكلام على الخواتم فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الطّرف السادس (في أما بعد)
اعلم أن «أما بعد» تستعمل في صدور المكاتبات والولايات وربما استعملت في ابتدائها. وهي مركّبة من لفظين أحدهما «أما» والثاني «بعد» . فأما «أما» فحرف شرط و «بعد» ظرف زمان إذا أفرد بني على الضم، قال تعالى:
стр. 2926
لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
«١» وأجاز الفرّاء أما بعدا بالنصب والتنوين، وأما بعد بالرفع والتنوين. وأجاز هشام أما بعد بفتح الدال ومنعه النحاس وقال: إنه غير معروف.
ثم «أمّا» تقع في كلام العرب لتوكيد الخبر، والفاء لازمة لها لتصل ما بعدها بالحرف الملاصق لما قبلها، فتقول أما بعد أطال الله بقاءك! فإنّي قد نظرت في الأمر الذي ذكرته. ويجوز أمّا بعد فأطال الله بقاءك إني نظرت في ذلك، فتثبت الفاء في أطال وإن كان معترضا لقربه من أما، ويجوز أما بعد فأطال الله بقاءك فإنّي نظرت، ويجوز أما بعد ثمّ أطال الله بقاءك فإنّي نظرت حكى ذلك كلّه النحاس، ثم قال: وأجودها الأوّل وهو اختيار النحويين. قال: وأجود منه أما بعد فإني نظرت أطال الله بقاءك. فإن أضيفت بعد إلى ما بعدها فتحت فتقول أما بعد حمد الله ونحو ذلك. قال في «ذخيرة الكتاب» وإذا كانت بعد البسملة فمعناه أما بعد قولنا «بسم الله الرحمن الرحيم» فقد كان كذا وكذا.
وقد اختلف في أوّل من قال أما بعد: فقيل داود ﵇، وبه فسّر فصل الخطاب في قوله تعالى: وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ «٢»
على أحد الأقوال، وقيل أوّل من قالها كعب بن لؤيّ جدّ النبي ﷺ ، وقيل أوّل من قالها قسّ بن «٣» ساعدة الإياديّ. قال سيبويه: ومعناها مهما يكن من شيء.
стр. 2927
الفصل الثاني (في الخواتم واللّواحق، وفيه سبعة أطراف)
الطرف الأوّل (في الاستثناء بالمشيئة، بأن يكتب إن شاء الله تعالى، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في الحثّ على كتابة إن شاء الله تعالى)
اعلم أنه يستحبّ للكاتب عند انتهاء ما يكتبه، من مكاتبة أو ولاية أو غيرهما أن يكتب «إن شاء الله تعالى» تبرّكا ورغبة في نجاح مقصد الكتاب، فقد ورد الحثّ على التعليق بمشيئة الله تعالى والنّدب إليه؛ قال تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
«١» . وذمّ قوما [على ترك الاستثناء] «٢» فقال: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ
«٣» إلى آخر القصّة. قال أصحاب السّير: كان باليمن رجل له جنّة يأخذ منها قوت سنته ويتصدّق بالباقي، وكان يترك للمساكين ما أخطأ المنجل من الزّرع أو القطّاف من العنب والنّخل وما بقي على البساط الذي يبسط تحت النّخلة، فلمّا مات شحّ بنوه على المساكين بما كان يتركه أبوهم وحلفوا على قطعها في الغلس «٤» كيلا يدركهم الفقراء؛ فأصابتها نار في الليل فاحترقت
стр. 2928
وأصبحت كالصّريم يعني الليل المظلم. قال المفسرون: والمراد بقوله: وَلا يَسْتَثْنُونَ
أنهم لم يقولوا إن شاء الله تعالى. قال الزمخشريّ: وسمّي استثناء وإن كان بمعنى الشرط لأنه يؤدّي مؤدّى الاستثناء من حيث أن معنى قولك لأخرجنّ إن شاء الله ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد.
واعلم أن الاستثناء لا يدخل على ماض، فلا يقال: ما فعلت ذلك إن شاء الله، وإنما يدخل على مستقبل فتقول لا أفعل ذلك إن شاء الله، على حدّ قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ «١»
. وكذلك كلّ ما فيه معنى الاستقبال، كما قال تعالى حكاية عن يوسف ﵇: وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
«٢» ونحو ذلك.
أما ما ورد من ذلك بلفظ المضيّ مثل قول القائل لزوجته أنت طالق إن شاء الله فإنه وإن لم يكن مستقبلا لفظا، فإنه مستقبل معنى، إذ معناه الإنشاء وإلا لما وقع به الطلاق. إذا علمت ذلك، فلفظ «إن شاء الله تعالى» في آخر المكاتبة أو الولاية ونحوهما يكون معلّقا بآخر المكتوب مما يناسب ذلك، كتعلّقها بالتأييد من قوله والله تعالى يؤيّده بمنّه وكرمه إن شاء الله تعالى، ونحو ذلك.
الجملة الثانية (في محل كتابتها وصورة وضعها في الدّرج)
لا نزاع في أنها أوّل خاتمة تكتب من خواتم المكتوب، فمحلّها من الدّرج أسفل المكتوب، في وسط الوصل، مكتنفة ببياض عن يمينها وشمالها، وبينها وبين السّطر الآخر من المكتوب كما بين سطرين أو دونه.
وقد جرت عادة الكتّاب في كتابتها بأنها إن كانت بقلم الرّقاع كما في
стр. 2929
القطع الصغير، كتبت معلّقة مسلسلة على هذه الصورة الله تعالى أو ما قاربها، وإن كانت بقلم جليل كالثلث ونحوه، كتبت واضحة مبينّة، والغالب فيها أن تكون على هذه الصورة ان شالله تعالى. قال جمال الدّين بن شيث في «معالم الكتابة» : ولا يضيف الكاتب إليها شيئا في سطرها، بل تكون مفردة في سطر واحد.
الطّرف الثاني (في التاريخ، وفيه ثماني «١» جمل)
الجملة الأولى (في معناه)
وقد اختلف في أصل لفظه؛ فذهب قوم إلى أنه عربيّ، وأن معناه نهاية الشيء وآخره، يقال فلان تاريخ قومه إذا انتهى إليه شرفهم، وعليه يدلّ كلام صاحب «موادّ البيان» وابن حاجب النعمان في «ذخيرة الكتّاب» ونقل الشيخ علاء الدين بن الشاطر في «زيجه» عن بعض أهل اللّغة أن معناه التأخير فيكون مقلوبا منه. وذهب آخرون إلى أنه فارسيّ، وأن أصله «ماه زور» فعرّب مورخ، ثم جعل اسمه التاريخ، وإليه يرجع كلام السلطان عماد الدين صاحب حماة ﵀ في تاريخه، ويقال منه أرّخت وورّخت بالهمزة والواو لغتان، ولذلك قالوا في مصدره تأريخ وتوريخ، كما يقال تأكيد وتوكيد. قال في «ذخيرة الكتّاب» : «أرّخت» لغة قيس، و «ورّخت» لغة تميم. قال أبو هلال العسكريّ في كتاب «الأوائل» : ولا تكاد «ورّخت» تستعمل اليوم، وكأنّ الكتّاب كانوا قد رفضوا هذه اللغة في زمانه وإلا فهي لغة مستعملة إلى الآن، إلا أنها لما غلبت في ألسنة العوامّ ابتذلت. قال الشيخ «أثير الدين أبو حيان» في شرح التسهيل: والتاريخ هو عدد الليالي والأيام بالنظر إلى ما مضى من السنة أو الشهر
стр. 2930
وإلى ما تبقّى منهما، قال في «موادّ البيان» : وهو محقّق للخبر، دالّ على قرب عهد الكتاب وبعده.
الجملة الثانية (في وجه الاحتياج إليه)
قال محمد بن عمر المدائني في كتاب «القلم والدواة» : أجمعت العلماء والحكماء والأدباء والكتّاب والحسّاب على كتابة التاريخ في جميع المكتتبات.
قال صاحب «١» «نهاية الأرب» : ولا غنية عنه، لأن التاريخ يستدلّ به على بعد مسافة الكتاب وقربها، وتحقيق الأخبار على ما هي عليه. وقد قال بعض أئمة الحديث: لما استعملوا الكذب استعملنا لهم التاريخ. وقد اصطلح الكتّاب على أنهم يؤرّخون المكاتبات والولايات ونحوها مما يصدر عن الملوك والنّواب والأمراء والوزراء وقضاة القضاة ومن ضاهاهم، بخلاف المكاتبات الصادرة عن آحاد الناس، فإنه لم تجر العادة فيها بكتابة تاريخ.
الجملة الثالثة (في بيان أصول التواريخ) [وهو على قسمين]
قال القضاعيّ في «عيون المعارف في تاريخ الخلائف» : كانت الأمم السالفة تؤرّخ بالحوادث العظام وبملك الملوك، فكان التاريخ بهبوط آدم ﵇، ثم بمبعث نوح، ثم بالطّوفان، ثم بنار إبراهيم ﵇.
ثم تفرق بنو أبراهيم؛ فأرّخ بنو إسحاق بنار إبراهيم إلى يوسف؛ ومن يوسف إلى مبعث موسى ﵇؛ ومن موسى إلى ملك سليمان ﵇. ثم بما كان من الكوائن. ومنهم من أرّخ بوفاة يعقوب ﵇، ثم
стр. 2931
بخروج موسى من مصر ببني إسرائيل، ثم بخراب بيت المقدس.
وأما بنو إسماعيل، فأرّحوا ببناء الكعبة، ولم يزالوا يؤرّخون بذلك حتّى تفرّقت بنو معدّ، وكان كلّما خرج قوم من تهامة «١» أرّخوا بخروجهم. ثم أرّخوا بيوم «٢» الفجار، ثم بعام الفيل «٣» .
وكان بنو معدّ بن عدنان يؤرّخون بغلبة جرهم العماليق وإخراجهم إيّاهم من الحرم. ثم أرّخوا بأيّام الحروب: كحرب بني وائل، وحرب «٤» البسوس، وحرب «٥» داحس.
стр. 2932
وكانت حمير وكهلان يؤرّخون بملوكهم التّبابعة، وبنار ضرار «١» ، وهي نار ظهرت ببعض خراب اليمن، وبسيل «٢» العرم، ثم أرّخوا بظهور الحبشة على اليمين.
وأما اليونان والرّوم «٣» ، فكانوا يؤرّخون بملك بختنصّر؛ ثم أرّخوا بملك دقلطيانوس القبطيّ.
وأما الفرس فكانوا يؤرّخون بآدم ﵇، ثم أرّخوا بقتل دارا وظهور الإسكندر عليه، ثم بملك يزدجرد «٤» . والذي ذكره السلطان عماد الدين صاحب حماة في تاريخه في دائرة اتصال التواريخ القديمة بالهجرة عشرون تاريخا، ذكر ما بينها وبين الهجرة من السنين، إلا أنه لم يراع الترتيب في بعضها، وأهمل منها تاريخ يزدجرد لوقوعه بعد الهجرة.
وبالجملة فالتواريخ على قسمين:
القسم الأوّل (ما قبل الهجرة، وقد أوردت منه تسعة عشر تاريخا)
الأوّل- من هبوط آدم ﵇
. وقد اختلف فيما بينه وبين الهجرة
стр. 2933
اختلافا فاحشا؛ فمقتضى ما في التوراة اليونانيّة على اختيار المؤرّخين أنّ بينهما ستة آلاف سنة ومائتين وستّ عشرة سنة «١» ، وعلى اختيار المنجّمين أنّ بينهما خمسة آلاف وسبعمائة «٢» وتسعا وستين سنة.
ومقتضى ما في التوراة السامريّة على اختيار المؤرّخين خمسة آلاف ومائة وسبع وثلاثون سنة، وعلى اختيار المنجّمين ينقص عن ذلك.
ومقتضى ما في التوراة العبرانيّة، على اختيار المؤرّخين أن بينهما أربعة آلاف وسبعمائة وإحدى وأربعين سنة، وعلى اختيار المنجّمين ينقص مائتين وتسعا وأربعين «٣» سنة.
الثاني- من الطّوفان
. وبينه وبين الهجرة ثلاثة آلاف وتسعمائة وأربع وتسعون «٤» سنة على اختيار المؤرّخين، وعلى اختيار المنجّمين ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وعشرون سنة وثلاثمائة «٥» وستة أيامّ.
الثالث- من تبلبل الألسن
. وبينه وبين الهجرة على اختيار المؤرّخين ثلاثة آلاف وثلاثمائة وأربع وستون «٦» سنة، وعلى اختيار المنجّمين ينقص عن ذلك مائتين وتسعا وأربعين سنة.
الرابع- من مولد إبراهيم ﵇
. وبينه وبين الهجرة على اختيار المؤرّخين ألفان وثمانمائة وثلاث وتسعون سنة، وعلى اختيار المنجّمين ينقص عن ذلك مائتين وتسعا وأربعين سنة.
стр. 2934
الخامس- من بناء إبراهيم الكعبة
. وبينه وبين الهجرة ألفان وسبعمائة وثلاث وسبعون «١» سنة.
السادس- من وفاة موسى ﵇
. وبينه وبين الهجرة على اختيار المؤرّخين ألفان وثلاثمائة وثمان وأربعون سنة.
السابع- من عمارة سليمان ﵇ بيت المقدس
. وبينه وبين الهجرة ألف وثمانمائة وستّون سنة «٢» .
الثامن- من ابتداء ملك بختنصّر
. وبينه وبين الهجرة ألف وثلاثمائة وتسع وستون سنة. قال صاحب حماة: بلا خلاف.
التاسع- من تخريب بختنصّر بيت المقدس
. وبينه وبين الهجرة ألف وثلاثمائة وخمسون سنة.
العاشر- من ملك فيلبس أبي الإسكندر
. وبينه وبين الهجرة تسعمائة وخمس «٣» وأربعون سنة ومائة وسبعة عشر يوما.
الحادي عشر- من غلبة الإسكندر على ملك فارس وقتل دارا ملك الفرس
. وبينه وبين الهجرة تسعمائة واثنتان «٤» وثلاثون سنة ومائتان وتسعون يوما.
الثاني عشر- من مولد المسيح ﵇
. وبينه وبين الهجرة ستّمائة وإحدى وثلاثون سنة.
الثالث عشر- من ملك أرديالونص
«٥» . وبينه وبين الهجرة خمسمائة وتسع
стр. 2935
وستون «١» سنة.
الرابع عشر- من ملك أردشير «٢» أوّل ملوك الأكاسرة من الفرس
. وبينه وبين الهجرة أربعمائة واثنتان وعشرون سنة.
الخامس عشر- من خراب بيت المقدس المرّة الثانية
، وبينه وبين الهجرة ثلاثمائة «٣» وستّ وأربعون سنة.
السادس عشر- من ملك دقلطيانوس «٤» ، آخر عبدة الأصنام من ملوك الروم على القبط
. وبينه وبين الهجرة ثلاثمائة «٥» وسبع وثلاثون سنة وأحد وعشرون يوما.
السابع عشر- من غلبة أغشطش ملك الروم على قلوبطرا ملكة اليونان ومصر
. وبينه وبين الهجرة مائتان «٦» وخمسون سنة ومائتان وستة وأربعون يوما.
الثامن عشر- من عام الفيل
، وهو العام الذي ولد فيه النبي ﷺ . وبينه وبين الهجرة ثلاث وخمسون سنة وشهران وثمانية أيام.
التاسع عشر- من مبعث النبيّ ﷺ
. وبينه وبين الهجرة ثلاث «٧» عشرة سنة وشهران وثمانية أيام.
стр. 2936
القسم الثاني (ما بعد الهجرة)
وفيه تاريخ واحد، وهو من هلاك يزدجرد آخر ملوك الفرس. وكان بعد الهجرة بعشر سنين وثمانية وسبعين يوما.
الجملة الرابعة (في أصل وضع التاريخ الإسلاميّ وبنائه على الهجرة دون غيرها)
وقد اختلف في أصل ذلك، فحكى أبو جعفر النحاس في «صناعة الكتّاب» عن محمد بن جرير، أنه روى بسنده إلى ابن شهاب أن النبيّ ﷺ لمّا قدم المدينة- وقدمها في شهر ربيع الأوّل- أمر بالتاريخ. وعلى هذا فيكون ابتداء التاريخ في عام الهجرة. قال النحاس: والمعروف عند العلماء أن ابتداء التاريخ بالهجرة كان في خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
ثم اختلف في السبب الموجب لذلك، فذكر النحاس أن السبب فيه أن عامل عمر بن الخطاب رضى الله عنه باليمن قدم عليه فقال: أما تؤرّخون كتبكم؟ فاتخذوا التاريخ. ووافقه على ذلك صاحب «موادّ البيان» . وذكر أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل» أن السبب فيه أن أبا موسى الأشعريّ كتب إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه: إنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب لا ندري على أيّها نعمل قد قرأنا [كتابا منها] «١» محلّه شعبان، فما ندري في أيّ الشّعبانين ألماضي أو الآتي، فأحدث عمر التاريخ. وتبعه على ذلك ابن حاجب النعمان في «ذخيرة الكتّاب» . وذكر صاحب حماة في تاريخه، أنه رفع إلى عمر ﵁ صكّ محلّه شعبان فقال: أيّ شعبان، لا ندري ألذي نحن فيه أم الذي هو آت، ثم جمع وجوه الصحابة وقال: إنّ الأموال قد كثرت، وما
стр. 2937
قسمناه منها غير مؤقّت فكيف التوصّل إلى ما يضبط به ذلك؟ - فقالوا: يجب أن نعرف ذلك من أمور الفرس، فاستحضر الهرمزان «١» وسأله- فقال: إن لنا حسابا نسمّيه (ماه زور) ومعناه حساب الشّهور والأيام فعمل عمر التاريخ.
الجملة الخامسة (في بيان صورة ابتدائهم وضع التاريخ من الهجرة)
قال في «ذخيرة الكتّاب» : لما أراد عمر التأريخ، جمع الناس للمشورة، فقال بعضهم: نؤرّخ بمبعث النبيّ ﷺ وقال بعضهم: بل بوفاته- وقال بعضهم: بل بهجرته من مكة إلى المدينة؛ لأنها أوّل ظهور الإسلام وقوّته.
فصوّبه عمر واجتمع رأيه عليه؛ وكان النبيّ ﷺ قد ولد في عام الفيل المقدّم ذكره في التواريخ القديمة. قال في «ذخيرة الكتّاب» : وكان وقوع ذلك في اليوم الثاني عشر من شباط سنة ثمانمائة واثنتين وثمانين لذي القرنين. وبعث النبيّ ﷺ على رأس أربعين سنة من ولادته، وأقام بمكة بعد النبوّة عشر «٢» سنين؛ ثم هاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأوّل بعد عشر من النبوّة، وقدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة منه.
ثم بعد اتفاقهم على التأريخ من الهجرة اختلفوا في الشهر الذي تقع البداءة «٣» به، فأشار بعضهم بالبداءة برمضان لشرفه وعظمه- فقال عمر بل بالمحرّم؛ لأنه منصرف الناس من حجّهم، فرجعوا «٤» القهقرى ثمانية وستين يوما، وهي القدر الذي مضى من أوّل المحرّم [إلى ذلك الوقت] «٥» واستقر تاريخ الإسلام من الهجرة.
стр. 2938
قال القضاعي في «عيون المعارف» : وكان ذلك في سنة تسع عشرة أو ثماني عشرة من الهجرة.
قلت: واستقرّت تواريخ الأمم على أربعة تواريخ، ابتداء بعضها مقدّم على ابتداء بعض.
أوّلها- غلبة الإسكندر على الفرس. وعليه تاريخ السّريان والرّوم إلى زماننا.
والثاني- ملك دقلطيانوس ملك الروم على القبط. وعليه تاريخ القبط إلى زماننا.
والثالث- الهجرة النبوّية على صاحبها أفضل الصلاة والسّلام. وعليها مدار التاريخ الإسلاميّ.
والرابع- هلاك يزدجرد آخر ملوك الفرس. وبه تؤرّخ الفرس إلى زماننا، وقد تقدّم بيان بعد ما بين تاريخ كلّ من غلبة الإسكندر وملك دقلطيانوس وبين الهجرة في القبلية، وبعد ما بين تاريخ يزدجرد وبين الهجرة في البعدية في الكلام على أصول التواريخ، مع ما سبق في المقالة الأولى في بيان ما يحتاج إليه الكاتب من ذكر مقدار سنة كلّ منها وعددها من الأيام، وسيأتي الكلام على استخراج بعضها من بعض فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الجملة السادسة (في كيفيّة تقييد التاريخ في الكتابة بزمن معيّن، وهو ضربان)
الضرب الأوّل (التاريخ العربيّ)
ومداره الليالي دون الأيام؛ لأن سني العرب قمريّة، والقمر أوّل ما يظهر للأبصار هلالا في الليل، فتكون الليالي بهذا الاعتبار سابقة للأيّام، إذ اليوم عندهم عبارة عن النهار، وهو إما من طلوع الفجر على ما ورد به الشرع في
стр. 2939
الصوم ونحوه، وإما من طلوع الشمس على رأي المنجّمين. قال أبو إسحاق الزجاجيّ في كتابه «الجمل» : وإنما حمل على الليالي دون الأيام لأن أوّل الشهر ليله، فلو حمل على الأيام سقطت منه ليلة. قال الشيخ أثير الدين أبو حيّان في «شرح التسهيل» : واستغني بالليالي عن الأيام للعلم أن مع كلّ ليلة يوما، فإذا مضى عدد من الليالي مضى مثله من الأيام، فيجوز أن يستغنى بذكر أحدهما عن الآخر. وقد ذكر جمال الدين عبد الرحيم بن شيث في كتابه «معالم الكتابة» ، أن كتب السلطان والأعيان تؤرّخ بالليالي، والكتب من الأدنى إلى الأعلى تؤرّخ بالأيام. ولم أعلم من أين أخذ ذلك ولا ما مستنده فيه.
إذا علم ذلك فلكتابة التاريخ ثلاثة اعتبارات:
الاعتبار الأوّل (أن يؤرّخ ببعض ليالي الشهر، وله ستّ حالات)
الحالة الأولى (أن تقع الكتابة في الليلة الأولى من الشهر، أو في اليوم الأوّل منه)
فإن كانت الكتابة في الليلة الأولى منه فقد ذكر أبو جعفر النحاس في «صناعة الكتاب» أنه يكتب «كتب غرّة شهر كذا، أو [أوّل] «١» ليلة من كذا، أو مستهلّ شهر كذا، أو مهلّ شهر كذا» . وحكى الشيخ أثير الدين أبو حيّان مثل ذلك عن بعضهم، وزاد أنه يكتب أيضا «كتب أوّل شهر كذا» .
قال النحاس: لا يجوز حينئذ لليلة خلت ولا مضت لأنهم في الليلة بعد.
قال في «ذخيرة الكتّاب» : وربما كتب بعض الكتّاب ليلة الاستهلال «لليلة [تخلو] «٢» » .
стр. 2940
وإن كانت الكتابة في اليوم الأوّل، وهو النهار الذي يلي الليلة الأولى من الشهر، كتب «ليلة خلت أو مضت من شهر كذا» . قال النحاس: ويجوز «كتب لغرّة الشهر أو لأوّل يوم من الشهر» ومنع أن يقال حينئذ: أوّل ليلة من شهر كذا، أو مستهلّ شهر كذا، أو مهلّ شهر كذا، موجّها لذلك بأن الاستهلال إنما يقع في الليل. وتبعه على ذلك ابن حاجب النعمان في «ذخيرة الكتّاب» وصاحب «موادّ البيان» وبه جزم الشيخ جمال الدين بن هشام في ورقاته في الوراقة.
وكلام ابن مالك في التسهيل يوهم جواز ذلك فإنه قد قال: فيقال أوّل الشهر، كتب لأوّل ليلة منه، أو لغرّته أو مهلّه أو مستهلّه. وأوّل الشهر أعمّ من اليوم والليلة بل هو إلى الليلة أقرب؛ لأن الليلة سابقة بالأوّلية.
قال الشيخ أثير الدين: ومفتتح الشهر أوّل يوم منه. ومقتضى كلامه أنه يؤرّخ بالمفتتح في اليوم الأوّل من الشهر دون الليلة وفيه نظر، بل الظاهر جواز استعماله فيهما، بل الليلة بالمفتتح أولى لسبقها اليوم كما تقدّم، أللهم إلا أن يراعى فيه موافقة المفتتح لليوم في التذكير دون الليلة لتأنيثها. قال في «موادّ البيان» : والعرب تسمّي أوّل ليلة من الشهر النّحيرة، ولكن لا تستعمله الكتّاب في التواريخ.
الحالة الثانية (أن تقع الكتابة فيما بعد مضيّ اليوم الأوّل من الشهر إلى آخر العشر)
فإن كان قد مضى منه ليلتان، كتب «لليلتين خلتا من شهر كذا، أو لليلتين مضتا منه» قال في «ذخيرة الكتّاب» : ولا يكتب ليوم خلا ولا ليومين خلوا؛ لأن ذكر الليالي في باب التأريخ أغلب، كما تقول ليلة السبت وليلة الأحد، فتضيف الليلة إلى اليوم لأنها أسبق، ولا تضيف اليوم إلى الليلة.
وحكى الشيخ أثير الدين أبو حيّان أنه إذا مضى من الشهر يوم كتب «ليوم مضى» وإذا مضى يومان كتب «ليومين مضيا» . والتحقيق في ذلك أنه يختلف الحال فيه باختلاف الكتابة في الليل والنهار؛ فإن كتب في الليلة الثانية، ناسب
стр. 2941
أن يكتب «ليوم خلا من شهر كذا» ؛ لأنه إن كتب لليلتين خلتا فهو في الليلة الثانية بعد، وإن كتب لليلة خلت لم يظهر الفرق بينه وبين الكتابة في اليوم الأوّل من الشهر. وإن كتب في اليوم الثاني من الشهر، ناسب أن يكتب لليلتين خلتا أو مضتا. وإن كان قد مضى من الشهر ثلاث ليال، كتب لثلاث خلون أو مضين من شهر كذا، أو لثلاث ليال خلون أو مضين. ويجوز فيه لثلاث خلت أو لثلاث ليال خلت على قلّة؛ وكذا في الباقي إلى العشر فتقول: لعشر خلون أو مضين، أو لعشر ليال خلون أو مضين، أو لعشر، أو لعشر ليال خلت أو مضت على اللغة القليلة.
الحالة الثالثة (أن تقع الكتابة فيما بعد العشر إلى النصف)
فيكتب لأحدى عشرة خلت أو مضت من شهر كذا. أو لإحدى عشرة ليلة خلت أو مضت، ويجوز فيه لإحدى عشرة خلون أو لإحدى عشرة ليلة خلون على قلة. وكذا في الباقي إلى النصف من الشهر. قال الشيخ أثير الدين أبو حيان: فإن صرّح بالمميز وكان مذكّرا، أعيد الضمير عليه فيقال: لأحد عشر يوما خلا أو مضى ونحو ذلك.
الحالة الرابعة (أن تقع الكتابة في الخامس عشر من الشهر)
فيكتب: «كتب لنصف شهر كذا» . قال النحاس: وأجازوا لخمس عشرة ليلة خلت أو مضت. وكلام ابن مالك في «التسهيل» يشير إلى جواز لخمس عشرة ليلة خلت أو مضت [أو بقيت] «١» على رأي من يجوّز التاريخ بالباقي.
ولو حذف ذكر الليلة فقال: لخمس عشرة خلت أو مضت أو بقيت صحّ. قال في «التسهيل» والتاريخ بالنصف أجود.
стр. 2942
الحالة الخامسة (أن تقع الكتابة فيما بعد النصف من الشهر إلى الليلة الأخيرة منه)
وفيه لأهل الصناعة مذهبان:
المذهب الأوّل
- أن يؤرّخ بالماضي من الشهر كما في قبل النصف، فيقال: لستّ عشرة خلت أو مضت، أو لستّ عشرة ليلة خلت أو مضت. وكذا إلى العشرين فيقال: لعشرين خلت أو مضت، أو لعشرين ليلة خلت أو مضت، وكذا في البواقي إلى آخر التاسع والعشرين، فيكون التاريخ في جميع الشهر من أوّله إلى آخره بالماضي دون الباقي فرارا من المجهول إلى المحقّق، وهو مذهب الفقهاء؛ لأنه لا يعرف هل الشهر تامّ أو ناقص. قال النحاس: ورأيت عليّ بن سليمان يختاره. قال في «ذخيرة الكتّاب» : وهو أثبت وحجّته أقوى.
ثم لا شكّ أنّ من يرى التاريخ باليوم يجوّز لستة عشر خلا أو مضى من شهر كذا، وكذا فيما بعده.
المذهب الثاني
- أن يؤرّخ بما بقي من الشهر. وللمؤرّخين فيه طريقان:
الطريق الأوّل
- أن يجزم بالتاريخ بالباقي فيكتب لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر كذا، ثم لثلاث عشرة ليلة بقيت، وهكذا إلى الليلة الأخيرة من الشهر؛ فيكتب لليلة بقيت، وهو مذهب الكتّاب. قال النحاس: ورأيت بعض العلماء وأهل النظر يصوّبونه، لأنهم إنما يكتبون ذلك على أن الشهر تامّ، وقد عرف معناه وأن كاتبه وقارئه إنما يريد إذا كان الشهر تامّا فلا يحتاج إلى التلفّظ به. قال محمد بن عمر المدائنى: واحتجّوا لذلك بأن معاوية بن أبي سفيان، ﵁، حين كتب عن النبيّ ﷺ لابن الحضرميّ كتب في آخر الكتاب: «وكتب معاوية بن أبي سفيان لثلاث ليال بقين من ذي القعدة «١» بعد فتح مكة سنة
стр. 2943
ثمان» ثم قرأه عثمان بن عفّان، ﵁، والناس حوله. قال النحاس:
وقد وقع مثل ذلك في كلام النّبوّة. فقد ورد في الحديث أن النبيّ ﷺ ، قال في ليلة القدر: «التمسوها في العشر الأواخر لسابعة تبقى أو لخامسة تبقى» . وهذا الحديث الذي استشهد به النحاس ثابت في الصحيح فلا نزاع في العمل به.
الطريق الثاني
- أن يعلّق التاريخ بالباقي على شرط، فيكتب لأربع عشرة إن بقيت، أو لأربع عشرة ليلة إن بقيت، وعلى ذلك في الباقي، فرارا من إطلاق التاريخ بما لا يعلم تمامه أو نقصه وتعليقا له على حكم التمام؛ وكأنه يقول:
لأربع عشرة ليلة بقيت من الشهر إن كان تماما. ومن يرى التاريخ بالأيام يجوّز لأربعة عشر يوما تبقى من شهر كذا، وكذا في الجميع.
الحالة السادسة (أن تقع الكتابة في الليلة الأخيرة من الشهر أو في اليوم الأخير منه)
فإن كان في الليلة الأخيرة منه كتب «لآخر ليلة من شهر كذا، أو في سلخ شهر كذا، أو في انسلاخه» . وإن كان في اليوم الآخر منه كتب «لآخر يوم من شهر كذا، أو في سلخه أو انسلاخه أيضا» . ولم يختلفوا هنا في جواز التاريخ باليوم. قال ابن حاجب النعمان: وذلك أن الشهر يبتديء بابتداء اللّيالي وينقضي بانقضاء النهار. وذكر صاحب «موادّ البيان» أن الذي كان كتّاب مصر يستعملونه بالديار المصرية أن يجعل شهر ثلاثين يوما وشهر تسعة وعشرين، وهذا جنوح منهم إلى الاعتبار النّجوميّ، ولا معوّل على ذلك في الشريعة.
قلت: وكتّاب زماننا قد أهملوا النظر في ذلك جملة وعوّلوا على التاريخ بالأيّام، واقفين عند حدّ اليوم الذي ينتهي إليه العدد من الشهر عند الكتابة فيكتبون في اليوم الأوّل: كتب في مستهلّ شهر كذا، ثم في ثاني شهر كذا أو ثالثه إلى العشر؛ ثم في حادي عشرة وثاني عشرة إلى العشرين، ثم في العشرين من شهر كذا، أو الحادي والعشرين، والثاني والعشرين إلى التاسع والعشرين.
وفي اليوم الأخير من الشهر يكتبون في سلخ شهر كذا لا يعرفون غير ذلك.
стр. 2944
ثم مما يستحسن في التاريخ أنه إذا وقعت الكتابة في يوم مشهور- كأيام المواسم- أرّخ به، مع قطع النظر عن عدد ما مضى من الشهر أو بقي منه.
فيكتب في اليوم الأوّل من شوّال «كتب في يوم عيد الفطر» وفي تاسع ذي الحجّة «كتب في يوم عرفة» وفي عاشره «كتب في يوم عيد النّحر، أو في يوم عيد الأضحى» وفي حادي عشر «كتب في يوم القرّ» - بفتح القاف، سمي بذلك؛ لأن الناس يستقرّون فيه بمنى «١» ، وفي ثاني عشره «كتب في يوم النّفر الأوّل» لأن الحجيج ينفرون فيه من منى، وفي ثالث عشره «كتب في يوم النّفر الثاني» .
الاعتبار الثاني (أن يؤرّخ بجملة من أيام الشهر)
فإن أرّخ بعشر من الشهر، بناه على التأنيث، فيكتب «كتب في العشر الأولى، أو في العشر الأوّل- بضم الهمزة وفتح الواو، جمع أوّلة «٢» . أو كتب في العشر الوسطى أو في العشر الوسط- بضم الواو وفتح السين، جمع وسطى، أو كتب في العشر الأخرى أو في العشر الأخر- بضم الهمزة وفتح الخاء، جمع آخرة. قال الشيخ أثير الدين أبو حيّان: ولا يكتب العشر الأوّل ولا الأوسط ولا الآخر. وقال بعض النحويين: يكتب «وكتب في العشر الآخرة أو الأواخر» ولا يكتب الأخرى ولا الأخر؛ لئلا يلتبس بالآخر بمعنى الثاني أو الأخر بمعنى الثواني. وقد تقدّم في الكلام على أيام الشهر أن العرب تسمّي ليالي الشهر كلّ ثلاث منها باسم، وقد تقدّم ذكر أسمائها هناك. فإذا وقعت الكتابة في ثلاث
стр. 2945
منها، كالغرر، وهي الثلاث الأولى من الشهر، والدّآدي، وهي الثلاث الأخيرة منه، كان للكاتب أن يؤرّخ بها كما يؤرّخ بعشر من الأعشار الثلاث، بل الثلاث أقرب لمعرفة التاريخ في العشر. وقد أشار إلى ذلك الشيخ أثير الدين في «شرح التسهيل» فقال: وإن أرّخ بالثلاث الأخيرة من الشهر كتب الدّآدي. وإذا كان في السنّة أيام مشهورة، أرّخ «١» بها كالأيام المعلومات، وهي العشر الأول من ذي الحجّة، والأيام المعدودات، وهي أيام التشريق على ما تقدّم ذكره في موضعه، كان للكاتب أن يؤرّخ بها.
الاعتبار الثالث (أن يؤرّخ بأجزاء اليوم أو الليلة)
وأكثر ما يحتاج الكاتب إلى ذلك في تاريخ بطائق الحمام، وقد سبق في الكلام على الأيام أنّ كلّ واحد من الليل والنهار اثنتا عشرة ساعة زمانيّة، تطول بطول أحدهما وتقصر بقصره، ولكلّ ساعة منها اسم يخصّها، كالشّروق، وهو أوّل ساعات النهار، والغروب، وهو آخر ساعاته، والشّفق، وهو أوّل ساعات الليل، والصّباح، وهو آخر ساعاته. فينبغي للكاتب إذا كتب بطاقة من بطائق الحمام أن يكتب الساعة التي كتبت فيها من ساعات النهار، أما ساعات الليل فلا يتأتّى فيها ذلك، لأن الحمام لا يسرّح في الليل، اللهم إلا أن تدعو الضرورة إلى التاريخ بساعة من ساعات الليل في بعض المكاتبات فيؤرخ بها.
قلت: وهذا الترتيب قد تركه كتّاب زماننا، وصاروا يؤرّخون بالساعات المشهورة عندهم، كالاولى من النهار، أو الثانية، أو وقت الظهر، أو وقت العصر، ونحو ذلك.
следующие страницы →