← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

أن يكتب «ليوم خلا من شهر كذا» ؛ لأنه إن كتب لليلتين خلتا فهو في الليلة الثانية بعد، وإن كتب لليلة خلت لم يظهر الفرق بينه وبين الكتابة في اليوم الأوّل من الشهر. وإن كتب في اليوم الثاني من الشهر، ناسب أن يكتب لليلتين خلتا أو مضتا. وإن كان قد مضى من الشهر ثلاث ليال، كتب لثلاث خلون أو مضين من شهر كذا، أو لثلاث ليال خلون أو مضين. ويجوز فيه لثلاث خلت أو لثلاث ليال خلت على قلّة؛ وكذا في الباقي إلى العشر فتقول: لعشر خلون أو مضين، أو لعشر ليال خلون أو مضين، أو لعشر، أو لعشر ليال خلت أو مضت على اللغة القليلة. الحالة الثالثة (أن تقع الكتابة فيما بعد العشر إلى النصف) فيكتب لأحدى عشرة خلت أو مضت من شهر كذا. أو لإحدى عشرة ليلة خلت أو مضت، ويجوز فيه لإحدى عشرة خلون أو لإحدى عشرة ليلة خلون على قلة. وكذا في الباقي إلى النصف من الشهر. قال الشيخ أثير الدين أبو حيان: فإن صرّح بالمميز وكان مذكّرا، أعيد الضمير عليه فيقال: لأحد عشر يوما خلا أو مضى ونحو ذلك. الحالة الرابعة (أن تقع الكتابة في الخامس عشر من الشهر) فيكتب: «كتب لنصف شهر كذا» . قال النحاس: وأجازوا لخمس عشرة ليلة خلت أو مضت. وكلام ابن مالك في «التسهيل» يشير إلى جواز لخمس عشرة ليلة خلت أو مضت [أو بقيت] «١» على رأي من يجوّز التاريخ بالباقي. ولو حذف ذكر الليلة فقال: لخمس عشرة خلت أو مضت أو بقيت صحّ. قال في «التسهيل» والتاريخ بالنصف أجود.

стр. 2942

الحالة الخامسة (أن تقع الكتابة فيما بعد النصف من الشهر إلى الليلة الأخيرة منه) وفيه لأهل الصناعة مذهبان: المذهب الأوّل - أن يؤرّخ بالماضي من الشهر كما في قبل النصف، فيقال: لستّ عشرة خلت أو مضت، أو لستّ عشرة ليلة خلت أو مضت. وكذا إلى العشرين فيقال: لعشرين خلت أو مضت، أو لعشرين ليلة خلت أو مضت، وكذا في البواقي إلى آخر التاسع والعشرين، فيكون التاريخ في جميع الشهر من أوّله إلى آخره بالماضي دون الباقي فرارا من المجهول إلى المحقّق، وهو مذهب الفقهاء؛ لأنه لا يعرف هل الشهر تامّ أو ناقص. قال النحاس: ورأيت عليّ بن سليمان يختاره. قال في «ذخيرة الكتّاب» : وهو أثبت وحجّته أقوى. ثم لا شكّ أنّ من يرى التاريخ باليوم يجوّز لستة عشر خلا أو مضى من شهر كذا، وكذا فيما بعده. المذهب الثاني - أن يؤرّخ بما بقي من الشهر. وللمؤرّخين فيه طريقان: الطريق الأوّل - أن يجزم بالتاريخ بالباقي فيكتب لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر كذا، ثم لثلاث عشرة ليلة بقيت، وهكذا إلى الليلة الأخيرة من الشهر؛ فيكتب لليلة بقيت، وهو مذهب الكتّاب. قال النحاس: ورأيت بعض العلماء وأهل النظر يصوّبونه، لأنهم إنما يكتبون ذلك على أن الشهر تامّ، وقد عرف معناه وأن كاتبه وقارئه إنما يريد إذا كان الشهر تامّا فلا يحتاج إلى التلفّظ به. قال محمد بن عمر المدائنى: واحتجّوا لذلك بأن معاوية بن أبي سفيان، ﵁، حين كتب عن النبيّ ﷺ لابن الحضرميّ كتب في آخر الكتاب: «وكتب معاوية بن أبي سفيان لثلاث ليال بقين من ذي القعدة «١» بعد فتح مكة سنة

стр. 2943

ثمان» ثم قرأه عثمان بن عفّان، ﵁، والناس حوله. قال النحاس: وقد وقع مثل ذلك في كلام النّبوّة. فقد ورد في الحديث أن النبيّ ﷺ ، قال في ليلة القدر: «التمسوها في العشر الأواخر لسابعة تبقى أو لخامسة تبقى» . وهذا الحديث الذي استشهد به النحاس ثابت في الصحيح فلا نزاع في العمل به. الطريق الثاني - أن يعلّق التاريخ بالباقي على شرط، فيكتب لأربع عشرة إن بقيت، أو لأربع عشرة ليلة إن بقيت، وعلى ذلك في الباقي، فرارا من إطلاق التاريخ بما لا يعلم تمامه أو نقصه وتعليقا له على حكم التمام؛ وكأنه يقول: لأربع عشرة ليلة بقيت من الشهر إن كان تماما. ومن يرى التاريخ بالأيام يجوّز لأربعة عشر يوما تبقى من شهر كذا، وكذا في الجميع. الحالة السادسة (أن تقع الكتابة في الليلة الأخيرة من الشهر أو في اليوم الأخير منه) فإن كان في الليلة الأخيرة منه كتب «لآخر ليلة من شهر كذا، أو في سلخ شهر كذا، أو في انسلاخه» . وإن كان في اليوم الآخر منه كتب «لآخر يوم من شهر كذا، أو في سلخه أو انسلاخه أيضا» . ولم يختلفوا هنا في جواز التاريخ باليوم. قال ابن حاجب النعمان: وذلك أن الشهر يبتديء بابتداء اللّيالي وينقضي بانقضاء النهار. وذكر صاحب «موادّ البيان» أن الذي كان كتّاب مصر يستعملونه بالديار المصرية أن يجعل شهر ثلاثين يوما وشهر تسعة وعشرين، وهذا جنوح منهم إلى الاعتبار النّجوميّ، ولا معوّل على ذلك في الشريعة. قلت: وكتّاب زماننا قد أهملوا النظر في ذلك جملة وعوّلوا على التاريخ بالأيّام، واقفين عند حدّ اليوم الذي ينتهي إليه العدد من الشهر عند الكتابة فيكتبون في اليوم الأوّل: كتب في مستهلّ شهر كذا، ثم في ثاني شهر كذا أو ثالثه إلى العشر؛ ثم في حادي عشرة وثاني عشرة إلى العشرين، ثم في العشرين من شهر كذا، أو الحادي والعشرين، والثاني والعشرين إلى التاسع والعشرين. وفي اليوم الأخير من الشهر يكتبون في سلخ شهر كذا لا يعرفون غير ذلك.

стр. 2944

ثم مما يستحسن في التاريخ أنه إذا وقعت الكتابة في يوم مشهور- كأيام المواسم- أرّخ به، مع قطع النظر عن عدد ما مضى من الشهر أو بقي منه. فيكتب في اليوم الأوّل من شوّال «كتب في يوم عيد الفطر» وفي تاسع ذي الحجّة «كتب في يوم عرفة» وفي عاشره «كتب في يوم عيد النّحر، أو في يوم عيد الأضحى» وفي حادي عشر «كتب في يوم القرّ» - بفتح القاف، سمي بذلك؛ لأن الناس يستقرّون فيه بمنى «١» ، وفي ثاني عشره «كتب في يوم النّفر الأوّل» لأن الحجيج ينفرون فيه من منى، وفي ثالث عشره «كتب في يوم النّفر الثاني» . الاعتبار الثاني (أن يؤرّخ بجملة من أيام الشهر) فإن أرّخ بعشر من الشهر، بناه على التأنيث، فيكتب «كتب في العشر الأولى، أو في العشر الأوّل- بضم الهمزة وفتح الواو، جمع أوّلة «٢» . أو كتب في العشر الوسطى أو في العشر الوسط- بضم الواو وفتح السين، جمع وسطى، أو كتب في العشر الأخرى أو في العشر الأخر- بضم الهمزة وفتح الخاء، جمع آخرة. قال الشيخ أثير الدين أبو حيّان: ولا يكتب العشر الأوّل ولا الأوسط ولا الآخر. وقال بعض النحويين: يكتب «وكتب في العشر الآخرة أو الأواخر» ولا يكتب الأخرى ولا الأخر؛ لئلا يلتبس بالآخر بمعنى الثاني أو الأخر بمعنى الثواني. وقد تقدّم في الكلام على أيام الشهر أن العرب تسمّي ليالي الشهر كلّ ثلاث منها باسم، وقد تقدّم ذكر أسمائها هناك. فإذا وقعت الكتابة في ثلاث

стр. 2945

منها، كالغرر، وهي الثلاث الأولى من الشهر، والدّآدي، وهي الثلاث الأخيرة منه، كان للكاتب أن يؤرّخ بها كما يؤرّخ بعشر من الأعشار الثلاث، بل الثلاث أقرب لمعرفة التاريخ في العشر. وقد أشار إلى ذلك الشيخ أثير الدين في «شرح التسهيل» فقال: وإن أرّخ بالثلاث الأخيرة من الشهر كتب الدّآدي. وإذا كان في السنّة أيام مشهورة، أرّخ «١» بها كالأيام المعلومات، وهي العشر الأول من ذي الحجّة، والأيام المعدودات، وهي أيام التشريق على ما تقدّم ذكره في موضعه، كان للكاتب أن يؤرّخ بها. الاعتبار الثالث (أن يؤرّخ بأجزاء اليوم أو الليلة) وأكثر ما يحتاج الكاتب إلى ذلك في تاريخ بطائق الحمام، وقد سبق في الكلام على الأيام أنّ كلّ واحد من الليل والنهار اثنتا عشرة ساعة زمانيّة، تطول بطول أحدهما وتقصر بقصره، ولكلّ ساعة منها اسم يخصّها، كالشّروق، وهو أوّل ساعات النهار، والغروب، وهو آخر ساعاته، والشّفق، وهو أوّل ساعات الليل، والصّباح، وهو آخر ساعاته. فينبغي للكاتب إذا كتب بطاقة من بطائق الحمام أن يكتب الساعة التي كتبت فيها من ساعات النهار، أما ساعات الليل فلا يتأتّى فيها ذلك، لأن الحمام لا يسرّح في الليل، اللهم إلا أن تدعو الضرورة إلى التاريخ بساعة من ساعات الليل في بعض المكاتبات فيؤرخ بها. قلت: وهذا الترتيب قد تركه كتّاب زماننا، وصاروا يؤرّخون بالساعات المشهورة عندهم، كالاولى من النهار، أو الثانية، أو وقت الظهر، أو وقت العصر، ونحو ذلك.

стр. 2946

الضرب الثاني (التاريخ العجميّ) ومداره الأيام دون الليالي؛ لأن سنتهم مع اختلافها في الشهور ومبادئها ومقاطعها شمسيّة، والشمس محلّ ظهورها النهار دون الليل، فلذلك أرّخوا بالأيام. قال أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل» : قال أحمد بن يحيى البلاذريّ: حضرت مجلس المتوكّل، وإبراهيم بن العبّاس يقرأ الكتاب الذي أنشأه في تأخير النّوروز «١» ، والمتوكّل يتعجّب من حسن عبارته ولطف معانيه والجماعة تشهد له بذلك، فدخلتني نفاسة «٢» فقلت: يا أمير المؤمنين، في هذا الكتاب خطأ! فأعادوا النظر، وقالوا: ما نراه فما هو؟ - قلت: أرّخ السنة الفارسيّة بالليالي، والعجم تؤرّخ بالأيام، واليوم عندهم أربع وعشرون ساعة تشتمل على الليل والنهار، وهو جزء من ثلاثين جزءا من الشهر؛ والعرب تؤرّخ بالليالي؛ لأن سنيهم وشهورهم قمريّة، وابتداء الهلال بالليل- قال: فشهدوا بصحّة ما قلته، واعترف به إبراهيم. وقال: ليس هذا من علمي. قلت: وأكثر ما يحتاج إلى ذلك في تحويل السّنين ونقل النّيروز عند دوران السنين، كما في كتاب إبراهيم بن العباس المقدّم ذكره، وكذلك في كتابة الهدن «٣» فسيأتي أنه يجمع فيها بين التاريخ العربيّ والعجميّ جميعا، ويجب فيه تقديم العربيّ على العجميّ، مثل أن يكتب «كتب لعشر خلون من المحرّم سنة ثمانمائة، موافقا للعاشر من توت من شهور القبط» أو العاشر من تشرين الأوّل من شهور السريان، أو العاشر من ينير من شهور الروم، أو العاشر من أفرودين ماه، من شهور الفرس ونحو ذلك.

стр. 2947

الجملة السابعة (في تقييد التاريخ بالسنة) قد علمت أن فائدة التاريخ إنما تتحقّق بذكر السنة بعد اليوم والشّهر، وإلا فلا يعلم من أيّ السنين. فإذا كتب يوم كذا من شهر كذا كتب بعد ذلك، سنة كذا، سواء كان التاريخ عربيّا أو عجميّا، أو مركّبا منهما، مثل أن يكتب سنة كذا من الهجرة الموافق لكذا من سني الرّوم أو سني الفرس. ثم للكاتب في كتابة تاريخ السنة مصطلحان. المصطلح الأوّل- أن يكتب «سنة كذا» فيحتاج إلى حذف الهاء من العدد، على قاعدة حذفها من عدد المؤنّث، مثل أن يكتب سنة ستّ وثمانمائة ونحو ذلك، وعلى هذا اصطلح كتّاب الديار المصرية وبلاد المشرق. المصطلح الثاني- أن يكتب «عام كذا» فيحتاج إلى إثبات الهاء في العدد على قاعدة إثباتها في عدد المذكّر، مثل أن يكتب «عام ستّة وثمانمائة» وعلى نحو ذلك يجري كتّاب الغرب غالبا، لما يقال: إن العام يختصّ بالخصب، والسنة تختص بالمحل على ما تقدّم ذكره في الكلام على السّنين فيما يحتاج إليه الكاتب في المقالة الأولى. الجملة الثامنة (في معرفة بعض التواريخ من بعض) قد ذكر في «موادّ البيان» أن من جملة أدب الكاتب العلم بتواريخ سني العالم واستخراج بعضها من بعض في كل وقت من أوقات اليوم الذي هو فيه من كل شهر وسنة من سني الأمم. وقد تقدّم أيضا أن المستعمل من التواريخ في زماننا بين الأمم أربعة تواريخ، بعضها أقدم من بعض. أوّلها- تاريخ غلبة الإسكندر ، وهو التاريخ الذي تؤرّخ به السّريان والروم والفرنجة ومن في معناهم إلى الآن، وهو بعد الطّوفان فيما حرّره الشيخ علاء

стр. 2948

الدين بن الشاطر في «زيجه» بثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وثلاثين سنة وثلاثمائة وعشرين يوما. الثاني- التاريخ من ملك دقلطيانوس ، وهو الذي يؤرّخ به القبط الى الآن، وربما عبّروا عنه بتاريخ الشّهداء، إشارة إلى تسميتهم الذين قتلهم دقلطيانوس من القبط شهداء؛ وهو بعد غلبة الإسكندر بخمسمائة وأربع وتسعين سنة وثلاثمائة واثنين وثلاثين يوما. الثالث- التاريخ من الهجرة ، وعليه تاريخ الإسلام. وهي بعد ملك دقلطيانوس بثلاثمائة وست وثلاثين سنة وثلاثمائة وأحد وعشرين يوما. الرابع- التاريخ من هلاك يزدجرد آخر ملوك الفرس . وقد تقدّم أنه بعد الهجرة بعشر سنين وثمانية وسبعين يوما. فأما التاريخ السّريانيّ والروميّ وهو الذي مبدأه من غلبة الإسكندر فقد تقدّم أن شهور السّريانيين اثنا عشر شهرا؛ وهي: تشرين الأول- تشرين الثاني- كانون الأول- كانون الثاني- شباط- أذار- نيسان- أيّار- حزيران- تمّوز- آب- أيلول. منها سبعة أشهر؛ كلّ شهر منها أحد وثلاثون يوما، وهي: تشرين الأوّل، وكانون الأوّل، وكانون الثاني، وأذار، وأيّار، وتمّوز، وآب، وأربعة أشهر كل شهر منها ثلاثون يوما، وهي: تشرين الثاني، ونيسان، وحزيران، وأيلول. ومنها واحد ثمانية وعشرون يوما: وهو شباط، فتكون أيام سنيه ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، ويضاف إليه ربع يوم مراعاة للسنة الشمسيّة، فتصير ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم ينقص جزءا يسيرا. ومن أجل ذلك يعدّون ثلاث سنين بسائط يكون «١» شباط فيها تسعة وعشرين يوما؛ لإضافة ربع اليوم في السنين الأربع

стр. 2949

إليه، وتكون السنة فيها ثلاثمائة وستة وستين يوما. وقد تقدّم أيضا أن شهور السنة الرّومية تضاهي شهور السنة السّريانية في عدد الأيام، بل هي هي، إلا أن الرّوم يسمّون أشهر هم بأسماء غير أسماء شهور السّريان، ويكون أوّل شهورهم موافقا لكانون الثاني، وهو الشهر الرابع من شهور السّريان، ويكون آخر شهورهم موافقا لكانون الأوّل. وأسماء شهورهم: ينيّر، فبراير، مارس، إبريل، مايه، يونيه، يوليه، أغشت، شتنبر، أكتوبر، نونمبر، دجنبر. ولا فرق في شيء منها سوى اختلاف الأسماء وابتداء رأس السنة، وحينئذ فيكون الكلّ فيها في التاريخ واحدا. وأما التاريخ القبطيّ، وهو الذي مبدأه من ملك دقلطيانوس، فقد تقدّم أن شهور السنة القبطية اثنا عشر شهرا؛ وهي: توت، بابه، هتور، كيهك، طوبه، أمشير، برمهات، برموده، بشنس، بؤونة، أبيب، مسرى. وكل شهر منها ثلاثون يوما من غير اختلاف، ثم بعد مسرى خمسة أيام يسمّونها أيام النسيء، فتكون أيام سنتهم ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، وتزيد بعد ذلك ربع يوم في كل سنة كما في التاريخ الروميّ، وقد اصطلحوا على أن يعدّوا منها ثلاث سنين بسائط، كلّ سنة منها ثلاثمائة وخمسة وستون يوما لا زيادة فيها، والرابعة كبيسة تكون أيام النسيء فيها ستة أيام وزيادة ربع يوم؛ وتصير أيّام تلك السنة ثلاثمائة وستة وستين يوما، على نحو ما تقدّم في السّريانيّ والرّوميّ. وأما التاريخ العربيّ: وهو الذي مبدأه الهجرة، فقد تقدّم في الكلام على الشهور في المقالة الأولى أن شهور سنة العرب اثنا عشر شهرا. وهي: المحرّم، صفر، ربيع الأول، ربيع الآخر، جمادى الأولى، جمادى الآخرة، رجب، شعبان، رمضان، شوّال، ذو القعدة، ذو الحجّة. وأنها قمرية مدارها رؤية الهلال، إلا

стр. 2950

أن المنجّمين اعتمدوا فيها على الحساب دون الرؤية لتصحيح حساب التواريخ ونحوها، وجعلوا فيها شهرا تامّا عدده ثلاثون يوما، وشهرا ناقصا عدده تسعة وعشرون يوما، على ترتيب شهور السنة، فالمحرّم عندهم تامّ، وصفر ناقص، وربيع الأوّل تامّ، وربيع الآخر ناقص، وجمادى الأولى تامّ، وجمادى الآخرة ناقص، ورجب تام، وشعبان ناقص، ورمضان تام، وشوّال ناقص، وذو القعدة تامّ، وذو الحجّة ناقص. فيكون من السنة ستة أشهر تامة وستة أشهر ناقصة، وتكون السنة حينئذ ثلاثمائة يوم وأربعة وخمسين يوما؛ ويلحقها بعد ذلك كسر في كل سنة، وهو خمس يوم وسدس يوم، فتصير السنة ثلاثمائة يوم وأربعة وخمسين يوما وخمس يوم وسدس يوم «١» مفرّقة في ثلاثين سنة؛ ويجعلون الكبيسة سنة بعد سنة ثم سنة بعد سنتين، ثم سنة بعد سنة، وعلى هذا الترتيب إلى آخر الثلاثين، فتكون الكبائس هي: الثانية، والخامسة، والسابعة، والعاشرة، والثالثة عشرة، والخامسة عشرة، والثامنة عشرة، والحادية والعشرين، والرابعة والعشرين، والسادسة والعشرين، والتاسعة والعشرين. فتكون كل سنة منها ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوما، ويجعل الزائد فيها في ذي الحجة، فيكون فيها ثلاثين يوما وباقي سني الثلاثين بسائط، كلّ سنة منها ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما، وذو الحجة فيها تسعة وعشرون يوما، بناء على الأصل في أن يكون شهر تامّا وشهر ناقصا. وأما التاريخ الفارسيّ: وهو الذي مبدأه من هلاك يزدجرد، فقد تقدّم في الكلام على الشهور أن سني الفرس اثنا عشر شهرا؛ كلّ شهر منها ثلاثون يوما.

стр. 2951

وهي: أفرودين ماه، أرديهشتماه، حردادماه، تير ماه، ترد ماه، شهريرماه، مهر ماه، أبان ماه، أدرماه، ذي ماه، بهمن ماه، اسفندار ماه. وبين أبان ماه وأدر ماه خمسة أيام تسمّى المسترقة بمثابة أيام النسيء في آخر سنة القبط؛ وبمقتضى ذلك تكون سنتهم ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، وليس فيها زيادة ولا نقص. فلا بدّ من معرفة هذه الأصول لاستخراج تواريخ بعض السنين المذكورة من بعض. ثم مما يجب تعرّفه بعد ذلك أن تعلم أن التاريخ السّريانيّ والروميّ سنونه سريانية أو رومية على ما تقدّم، فيعتبر فيها ما يعتبر في السنين السّريانية والروميّة من عدد الأيام والكبائس، والتاريخ القبطيّ سنونه قبطية فيعتبر فيها ما يعتبر في السنين القبطيّة من الأيام والكبائس، والتاريخ العربيّ سنونه عربية فيكون على ما تقدّم في السّنين العربية من عدد الأيام والكبائس، والتاريخ الفارسيّ سنونه فارسيّة فيعتبر فيها ما يعتبر في السنين الفارسية من عدد الأيام، ولا كبيسة فيها. إذا علمت ذلك فإذا أردت استخراج بعض هذه التواريخ من بعض، فانظر التاريخ المعلوم عندها عندك، كالتاريخ العربيّ مثلا عند الإسلاميين فاجعل السنين التامّة من التاريخ المعلوم أيّاما، وزد عليها ما مضى من السنة المكسورة من الشهور والأيام إلى اليوم الذي تريد أن تعلم موافقته لمثله من التاريخ المجهول، ثم انظر، فإن كان التاريخ المعلوم أقدم من التاريخ المجهول، فانقص من أيام التاريخ المعلوم ما بين التاريخين من الأيام فما بقي فهو أيام التاريخ المجهول، وإن كان التاريخ المجهول أقدم، فزد ما بين التاريخين من الأيام فما بقي فهو أيام التاريخ المعلوم، فما بلغ فهو أيام التاريخ المجهول. فإذا علمت أيام التاريخ المجهول بزيادة ما بين التاريخين على أيام التاريخ المعلوم أو نقصانها منه على ما تقدّم، فاجعل ما حصل معك من أيام التاريخ

стр. 2952

المجهول الذي تريد استخراجه، فما كان فهو السّنون التامّة للتاريخ الذي تريد استخراجه، فإن بقي شيء من الأيام بعد السنين التامّة، فخذ منها لكل شهر عدد أيامه، وما بقي من الأيام دون شهر فهو الماضي من أيام الشهر الذي يلي ذلك. مثال ذلك إذا أردت أن تستخرج التاريخ السّريانيّ أو الروميّ الموافق لآخر سنة ثمانمائة من الهجرة، فقد تقدّم لك أن التاريخ السريانيّ والروميّ مبدأه من غلبة الإسكندر على الفرس، وهو قبل الهجرة بتسعمائة سنة واثنتين وثلاثين سنة ومائتين «١» وسبعة وثمانين يوما، وذلك ثلاثمائة ألف يوم وأربعون ألف يوم وسبعمائة يوم، فاحفظ ذلك، ثم ابسط الماضي من سني الهجرة وهو ثمانمائة سنة أياما، بأن تضرب الثمانمائة في عشرة آلاف وستمائة وأحد وثلاثين يوما، وهي بسط السنة العربية من حين كسرها الزائد على أيامها، وهو خمس يوم وسدس يوم، يكون ثمانية آلاف ألف وخمسمائة ألف وأربعة آلاف وثمانمائة؛ فاقسمه على ثلاثين وهي مخرج الكسر الذي هو الخمس والسدس، يخرج بالقسمة مائتا ألف وثلاثة وثمانون ألفا وأربعمائة وثلاثة وتسعون، وهو عدد أيام الثمانمائة سنة، فأضفه على ما بين غلبة الإسكندر والهجرة من الأيام، وهو ثلاثمائة ألف وأربعون ألفا وسبعمائة يوم، ويكون الجميع ستّمائة ألف وأربعة وعشرين ألفا ومائة وثلاثة وتسعين، فاجعل تلك الأيام سنين سريانية، بأن تضرب تلك الأيام في أربعة، يحصل منها ألفا ألف وأربعمائة ألف وستة وتسعون ألفا وسبعمائة واثنان وسبعون يوما؛ فاقسمه على ألف وأربعمائة وأحد وستين، يخرج بالقسمة ألف وسبعمائة وثمانية، وهي سنون تامّة؛ ويفضل بعد ذلك ألف وثلاثمائة وأربعة وثمانون، فاقسمها على أربعة، يخرج ثلاثمائة وستة وأربعون يوما، يكون ذلك أحد عشر شهرا، من أوّل تشرين الأوّل وأحد عشر يوما من الشهر الثاني عشر من الشهور السريانية وهو أيلول؛ فيكون آخر يوم من سنة

стр. 2953

ثمانمائة هجرية موافقا لليوم الحادي عشر من أيلول سنة ألف وسبعمائة وتسع من السريانية. وإن أردت أن تستخرج التاريخ القبطيّ لآخر سنة ثمانمائة، فقد تقدّم أن التاريخ القبطيّ ابتداؤه من ملك دقلطيانوس على القبط، وهو قبل الهجرة بثلاثمائة وسبع وثلاثين سنة وثلاثمائة وعشرين يوما، وجملة أيامه مائة ألف يوم وثلاثة وعشرون ألف يوم وأربعمائة يوم وتسعة أيام، فأضف أيام الماضي من سني الهجرة، وهو مائتا ألف وثلاثة وثمانون ألفا وأربعمائة وثلاثة وتسعون على ما تقدّم في التاريخ السريانيّ [على ما قبل الهجرة] «١» وهو مائة ألف وثلاثة وعشرون ألفا وأربعمائة وتسعة أيام، يكون المجموع أربعمائة ألف وستّة آلاف وتسعمائة يوم ويومين؛ فاجعله سنين قبطية، بأن تضرب ذلك في أربعة عدد مخرج كسر السنة القبطية، وهو الربع الزائد على الخمسة وستين، يكون ألف ألف وستمائة ألف وسبعة وعشرين ألفا وستمائة وثمانية؛ فاقسمه على ألف وأربعمائة وأحد وستين، يخرج بالقسمة ألف ومائة وأربعة عشر، وهو عدد السنين القبطية التامة، ويبقى بعد ذلك أربعة وخمسون؛ فاقسمه على الأربعة المذكورة يخرج بالقسمة أربعة عشر، وهي أيام من الشهر الأوّل من السنة القبطية الناقصة، فيكون آخر يوم من سنة ثمانمائة للهجرة موافقا لرابع عشر شهر توت سنة ألف ومائة وخمس عشرة من السنين القبطية. وإن أردت أن تستخرج التاريخ الفارسيّ لآخر سنة الثمانمائة المذكورة، فقد تقدّم أن ابتداء التاريخ الفارسيّ بعد الهجرة بعشر سنين وثمانين يوما، وجملة أيامه ثلاثة آلاف يوم وستّمائة يوم وأربعة وعشرون يوما؛ فأسقطها من الحاصل من أيام النّسيء «٢» الماضي من الهجرة آلى آخر الثمانمائة، يكون الباقي بعد ذلك مائتي ألف وتسعة وسبعين ألفا وثمانمائة وتسعة وستين يوما؛

стр. 2954

فاقسمها على ثلاثمائة وخمسة وستين، يخرج لك سبعمائة وستة وستون سنة، وهو عدد السنين الفارسية التامة؛ ويفضل بعد ذلك مائتان وتسعة وسبعون يوما، فخذ لكل شهر عدد أيامه، وهو ثلاثون يوما ويبقى تسعة أيام، منها خمسة أيام في نظير الخمسة الأيام الزائدة في آخر أبان ماه المعروفة بالمسترقة، يبقى أربعة أيام من شهر ذي ماه، وهو الشهر العاشر من شهورهم، فيكون آخر يوم من ثمانمائة من الهجرة موافقا لليوم الرابع من ذي ماه من شهور الفرس سنة سبعمائة وسبع وستين. فلو فرض أنه مضى من سنة إحدى وثمانمائة ستة أشهر مثلا، فاجعل الأشهر شهرا تامّا وشهرا ناقصا على ما تقدّم، تكون أيامها مائة وسبعة وسبعين يوما فأضفها على أيام الثمانمائة؛ وافعل فيها ما تقدّم ذكره، لا يتغير العمل في شيء من ذلك. مثال ذلك: إذا أردت استخراج التاريخ السّريانيّ في آخر جمادى الآخرة سنة إحدى وثمانمائة، فأضف مائة وسبعة وسبعين، وهي أيام ستة أشهر على أيام الثمانمائة، وهي مائتا ألف وثلاثة وثمانون ألفا وأربعمائة وثلاثة وتسعون، يكون المجموع مائتي ألف وثلاثة وثمانين ألفا وستمائة وستين يوما، فأضف إليه ما بين الهجرة والتاريخ السّريانيّ، وهو ثلاثمائة ألف وأربعون ألفا وسبعمائة، يحصل من ذلك ستمائة ألف وأربعة وعشرون ألفا وثلاثمائة وسبعون؛ فاضربه في أربعة يخرج ألف وستّمائة وتسعة، ويفضل من الأيام مائة وثمانية وخمسون يوما، تكون سابع أذار من شهور السريان، فيكون آخر يوم من جمادى الآخرة سنة إحدى وثمانمائة موافقا للسابع من شهر أذار سنة ألف وسبعمائة وعشر من سني السريان. قلت: وفي كتب الزّيجات وغيرها طرق مختلفة لاستخراج التواريخ، وجداول موضوعة لا يحتملها هذا الكتاب فليراجعها من احتاج إلى زيادة على ذلك.

стр. 2955

الجملة الثامنة (في موضع كتابة التاريخ من الكتاب، وصورة وضعه في الكتابة) أمّا موضعه من الكتاب، فقال محمد بن عمر المدائني في كتاب «القلم والدّواة» : رسموا تاريخ الكتب في آخرها، وجعلته العامّة في صدورها. والتحقيق في ذلك ما ذكره صاحب «موادّ البيان» وغيره أن الكتب التي تؤرّخ على ضربين: الضرب الأوّل- الكتب السلطانية، ولها حالان : الحالة الأولى - أن يكون الكتاب في أمر تتشوّف النّفوس إلى معرفة اليوم الذي وقع ذلك الأمر فيه، كالحوادث العظام، والفتوحات والمواسم ونحوها، فيؤرّخ الكتاب في صدره، مثل أن يكتب في صدر الكتاب «كتاب أمير المؤمنين إليك، أو كتابنا إليك يوم كذا من سنة كذا» كما كان يكتب في الزمن المتقدّم في مثل ذلك. الحالة الثانية - أن يكون الكتاب في أمر لا تتشوّف النفوس إلى معرفة اليوم الذي يقع ذلك الأمر فيه، فيؤرّخ الكتاب في آخره. الضرب الثاني- كتب الأتباع إلى الرؤساء . والرسم فيها أن تؤرّخ في صدورها. قال في «موادّ البيان» : وذلك مثل أن يقال: كتب العبد من مقرّ خدمته يوم كذا. قلت: والذي استقرّ عليه حال كتّاب الزمان كتابة التاريخ في آخر الكتاب بكل حال، سواء كان المكتوب ولاية أو مكاتبة أو غير ذلك؛ ولعلّ الولايات وما في معناها لم يقع الاختلاف في كتابتها في آخر المكتوب في زمن من الأزمان. وأمّا صورة وضع التاريخ في الكتابة، فقد اصطلح الكتّاب على أن جعلوا التاريخ بعد كتابة إن شاء الله تعالى في سطرين، فيكتبون «كتب في كذا من

стр. 2956

شهر كذا» في سطر، ثم يكتبون «سنة كذا» في سطر تحته؛ وفي الكتب عن قضاة القضاة يجعل كتّابهم جميع التاريخ في سطر واحد. الطّرف الثالث (في المستندات، وفيه جملتان) الجملة الأولى (في صورة ما يكتب، وهو على ضربين) الضرب الأوّل (أن يضاف إلى مرسوم السلطان، وله خمس حالات) الحالة الأولى- أن يكون بتلقّي كاتب السرّ ، إما بما يأمر به السلطان عند قراءته القصة عليه، أو بما يكتبه كاتب السر ويمضيه من نفسه، كما في خلاص الحقوق ونحوها؛ فيكتب فيه «حسب المرسوم الشريف» في سطر واحد لا غير. الحالة الثانية- أن يكون بتلقّي كاتب السرّ أو أحد من كتّاب الدّست «١» بدار العدل، عند جلوس السلطان في المواكب بالإيوان وقراءة كاتب السرّ وكتّاب الدّست قصص المظالم ونحوها عليه. فيكتب فيه «حسب المرسوم الشريف من دار العدل الشريف» سطرين أحدهما تحت الآخر، ويكون في السطر الأوّل «حسب المرسوم الشريف» والباقي في السطر الثاني. الحالة الثالثة- أن يكون برسالة الدّوادار . فيكتب فيه «حسب المرسوم الشريف» سطرا واحدا، ثم يكتب تحته «برسالة الجناب العالي الأميريّ الدّوادار، الفلانيّ» باللقب المضاف إلى الملك كالناصريّ ونحوه «ضاعف الله تعالى نعمته» ويكون آخر السطر الأوّل «الأميريّ الفلانيّ» .

стр. 2957

الحالة الرابعة- أن يكون من ديوان الخاص . فيكتب فيه «حسب المرسوم الشريف من ديوان الخاص الشريف» ويكون «حسب المرسوم الشريف» سطرا، وباقي الكلام سطرا. الحالة الخامسة- أن يكون بخط السلطان بظاهر قصّة . فيكتب «حسب المرسوم الشريف بالخطّ الشريف» سطرين، ويكون «حسب المرسوم الشريف» سطرا على ما تقدّم، وما بعده سطرا. قلت: ومما يجب التنبّه له أنّ لفظ حسب الواقع في المستندات منقول اللغة فيه بفتح السين كما تقول: فعلت ذلك حسب أمرك، ولا يجوز تسكينها بحال كما أطبق عليه علماء اللغة، إلا ما حكاه الجوهريّ في «صحاحه» من جواز تسكينها في ضرورة الشعر، على أن جلّ كتّاب الزمان يغلطون في ذلك فلا ينطقون بها إلا ساكنة السين، وربما ضبطوه كذلك في الكتابة. الضرب الثاني (أن يجعل مستنده الإشارة، وله ثلاث حالات) الحالة الأولى- أن يكون بإشارة النائب الكافل ، فيكتب «بالإشارة العالية الأميرية الكبيرية الكافلية، كافل الممالك الشريفة الإسلامية، أعلاها الله تعالى!» سطرين، ويكون آخر السطر الأوّل الكافلية الفلانية. الحالة الثانية- أن يكون بإشارة الوزير ، فيكتب «بالإشارة العالية الوزيرية الفلانية، مدبّر الممالك الشريفة أعلاها الله تعالى!» سطرين، ويكون آخر السطر الأوّل الوزيرية الفلانية. الحالة الثالثة- أن يكون بإشارة الإستدّار ، فيكتب «بالإشارة العالية الأميريّة الكبيرية الفلانية، إستدّار العالية، أعلاها الله تعالى!» سطرين، ويكون آخر السطر الأوّل الكبيرية الفلانية. وقد تقدّم في الكلام على الألقاب ما جرى عليه الكتّاب في لفظ إستدّار من التحريف، واستعملوه بلفظ إستادار، أو استاد

стр. 2958

الدار، وتجب موافقتهم عليه وإن كان خطأ جريا على المصطلح. الجملة الثانية (في موضع كتابة المستند) وقد اصطلح الكتّاب على أن يكتب المستند في الغالب بعد التاريخ، ويكون الظرف أو الجارّ والمجرور فيه متعلّقا من التاريخ بلفظ كتب، وكأنه يقول: كتب في تاريخ كذا، حسب الأمر الشريف، أو بالإشارة الفلانية. وربما كتب بحاشية المكتوب في المراسيم الصّغار التي تكتب على ظهور القصص ونحوها، وكذلك أوراق الطّريق؛ وموضع كتابته يقابل بين السطرين الأوّلين آخذا من جهة الأسفل إلى جهة الأعلى بحيث يكون آخر كتابة المستند مسامتا للسطر الأوّل، فإن كان «حسب المرسوم الشريف» فقط، كتبه سطرا واحدا، وإن كان «من دار العدل» كتب «حسب المرسوم الشريف» سطرا، و «من دار العدل الشريف» سطرا تحته، وكذلك إن كان «من ديوان الخاص» كما يكتب في أسفل الكتاب. وإن كان برسالة الدوادار، فقد جرت العادة أن يكتب «حسب المرسوم الشريف» في أسفل الكتاب تحت التاريخ سطرا واحدا، ويكتب «برسالة الجناب العالي، الأميريّ، الكبيريّ، الفلانيّ، الدّوادار، الفلانيّ ضاعف الله تعالى نعمته!» بالهامش في المحل المتقدّم، سطرين كما كان يكتب بآخر الكتاب. وإن كان المستند الإشارة كتب جميعه بحاشية الكتاب في المحل المقدّم ذكره سطرين على ما تقدّم بيانه. الطرف الرابع (في الحمدلة في آخر الكتاب، وفيه جملتان) الجملة الأولى (في الأصل في كتابتها) والأصل في ذلك أنّ الله سبحانه كما جعل الحمد مفتاحا للأمور تيمّنا

стр. 2959

بالافتتاح به، جعله ختاما لها تيمّنا بالاختتام به، قال تعالى: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «١» وقال جلّت قدرته: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «٢» . وكان النبيّ، ﷺ ، إذا رجع من السفر قال: «آئبون تائبون لربّنا حامدون» . قال السهيليّ: ومن ثمّ سمّي النبيّ ﷺ (أحمد) إشارة إلى أنه خاتم الأنبياء وآخر المرسلين. ولما كان الأمر كذلك، اصطلح الكتّاب على اختتام الكتب بالحمد تبرّكا. قال ابن شيث في «معالم الكتابة» : ولا يختم بالحمد لله في التواقيع في المظالم؛ وربما ختم بها في تواقيع الإطلاقات. وقد اصطلح كتّاب الزمان على حذفها من آخر ما لا تكتب في أوّله البسملة، كالتواقيع الصّغار ونحوها، على ما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. وكأنهم يشيرون بذلك إلى أنّ مثل ذلك لا يهتمّ بشأنه، فكما حذفوا البسملة من أوّلها حذفوا الحمدلة من آخرها إشارة إلى عدم الاهتمام بها كما حذفت من أوّل الكلام الذي لا يهتمّ به لأجل ذلك على ما تقدّم بيانه. الجملة الثانية (في بيان ما يكتب وصورة وضعه في الكتابة) أمّا ما يكتب، فقد اصطلحوا على أن يكتبوا في حمدلة آخر الكتاب «الحمد لله وحده» وربما كتبوا: «الحمد لله ربّ العالمين» . على أنهم لو أطبقوا على كتابتها لكان أولى. فقد ذكر النوويّ في كتابه «الأذكار» أنها أفضل صيغ الحمد ومن أجل ذلك افتتحت بها فاتحة الكتاب التي هي أمّ القرآن.

стр. 2960

وأما وضعها في الكتابة، فقد اصطلحوا على أن جعلوها بعد كتابة المستند عن يمنة الدّرج «١» ، على بعد قدر ما بين إن شاء الله تعالى والسطر الآخر من المكتوب. قال في «معالم الكتابة» وقد تحتمل الخروج عن سمت السّطور. الطرف الخامس (في الصلاة على النبيّ ﷺ في آخر الكتاب، وما يلتحق بذلك، وفيه جملتان) الجملة الأولى (في أصل إثباتها في آخر الكتب) والأصل في ذلك مع ما تقدّم في الكلام على الصلاة على النبيّ، ﷺ ، في أوّل الكتب في الكلام على الفواتح أنه كما ذكرت في أوائل الكتب تبرّكا، كذلك ذكرت في آخرها تبرّكا. وقد قال تعالى في حقّه ﷺ : وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ «٢» فإنّ معناه ما ذكرت إلا ذكرت معي، ولما اختتمت الكتب بالحمد لله، ناسب أن يقرن الحمد بالصلاة على النبيّ ﷺ ، جمعا بين ذكره وذكر الله تعالى. وقد ذكر ابن هشام في «سيرته» أن النبيّ ﷺ ، كتب في آخر عهده لعمرو بن حزم حين وجّهه إلى اليمن «صلّى الله على محمد» . ثم الكلام في الجمع بين الصلاة والسّلام، والصلاة على الآل والصّحب بعده ﷺ في آخر الكتاب على ما مرّ في الصلاة عليه ﷺ في أوّل «٣» الكتاب. قلت: فلو كتب كتاب لسلطان أو غيره من المسلمين إلى أحد من أهل الكفر، فهل يؤتى بالصلاة على النبيّ ﷺ كما يؤتى بها في الكتاب إلى المسلم

стр. 2961

إرغاما للكافر بالصلاة على النبيّ ﷺ ، أو لا يؤتى بها صيانة لاسمه ﷺ عن حصوله في يد كافر، كما يمنع من السّفر بالمصحف إلى بلاد الكفر؟ لم أر من تعرّض له، والظاهر أنه يؤتى بها إرغاما للكافر، ومواجهة له بما يكره. وقد حكى أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل» أن عبد الملك بن مروان، حين أحدث كتابة سورة الإخلاص وذكر النبيّ ﷺ ، على الدّنانير والدّراهم، كتب إليه ملك الروم: إنكم قد أحدثتم في طواميركم «١» شيئا من ذكر نبيّكم، فاتركوه وإلا أتاكم في دنانيرنا ذكر ما تكرهون؛ فعظم ذلك في صدر عبد الملك، فأرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية يستشيره في ذلك، وكان أديبا عالما فقال له خالد: فرّخ روعك «٢» يا أمير المؤمنين، حرّم دنانيرهم واضرب للناس سككا فيها ذكر الله تعالى وذكر رسوله ﷺ ولا تعفهم مما يكرهون في الطّوامير، ففعل. الجملة الثانية (في بيان ما يكتب في التصلية في آخر الكتب، وصورة وضعه في الكتابة) أما صورة ما يكتب، فقد اصطلح الكتّاب على أن يكتبوا في التصلية في آخر الكتاب بعد «الحمد لله وحده» ما صورته «وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه» . وهي صيغة مستحسنة للإتيان بالصلاة فيها بصيغة الجمع، والجمع بين الصلاة والسّلام، وإتباع الصلاة والسّلام عليه ﷺ ، بالصلاة والسّلام على الآل والصّحب. وربما أتى بعض الكتّاب بالصلاة بلفظ الإفراد، فيكتب وصلاته. واعلم أن الصلاة يجوز كتابتها بالألف على هذه الصورة «الصّلاة» ويجوز كتابتها بالواو على هذه الصورة «الصّلوة» إلا أن محلّ ذلك ما إذا لم

стр. 2962

تضف إلى ضمير نحو صلاته وصلاتك. فإن أضيفت إلى الضمير تعيّنت كتابتها بالألف دون الواو، وربما غلط فيها بعض الكتّاب فكتبها بالواو. وأما موضعها في الكتابة، فقد اصطلحوا على أن يكتبوا ذلك تلو «الحمد لله وحده» ، يفصل بياض بينهما لتكون الحمدلة في أوّل السطر، والتصلية في آخره. الطرف السادس (في الحسبلة في آخر الكتاب، وفيه جملتان) الجملة الأولى (في أصل كتابتها) والأصل في ذلك ما دلّ عليه قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ «١» فجعل قولهم: حسبنا الله ونعم الوكيل سببا لحسن المنقلب والصّون عن السوء. وقد قيل: من قال حسبنا الله ونعم الوكيل لم يخب في قصده. الجملة الثانية (في بيان ما يكتب في ذلك، وكيفيّة وضعه في الكتابة) أما ما يكتب، فقد اصطلح الكتّاب على أن يكتبوا «حسبنا الله ونعم الوكيل» بلفظ الجمع، على أن المتكلم يتكلّم بلسانه ولسان غيره من الأمّة، لا أنّ الجمع للتعظيم؛ لأنه ليس بلائق بالمقام. وكان بعض الكتّاب يستحبّ أن يكتب «حسبي الله» بلفظ الوحدة فرارا من اللّبس في لفظ الجمع بين التّعظيم

стр. 2963

والجمع الحقيقيّ. وقد أشار في «صناعة الكتّاب» إلى بعض ذلك. قال ابن شيث في «معالم الكتابة» : وقد يتأدّب الأدنى مع الأعلى، فيأتي بالآية على نصّها فيقول: وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ «١» فرارا من نون الجمع التي هي للعظمة. قال: وقد يقال في مكانها: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ «٢» ثم قال: فأما الأعلى إذا كتب للأدنى فلا يخرج عن «حسبنا الله ونعم الوكيل» . ثم بعض الكتّاب قد يكتب مع الحسبلة واوا بأن يكتب: وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا معنى للواو هنا، إذ لا علاقة بين الحسبلة وما قبلها حتّى يسوغ العطف عليه، فالواجب حذفها كما نبّه عليه الشيخ جمال الدين بن هشام في «ورقاته في الوراقة» . وأما موضع وضعها في الكتابة، فقد اصطلحوا على أن يكتبوها سطرا واحدا بعد سطر الحمدلة والتصلية، ويكون بينهما في البعد قدر ما بين إن شاء الله تعالى وبين السطر الآخر من البياض. قال ابن شيث: وموضعها ثلث السطر من الجانب الأيمن إلى حيث ينتهي. واعلم أن الكتّاب قد اصطلحوا على أن يكتبوا تحت الحسبلة صورة حاء لطيفة منكبة على هذه الصورة «حر» ولا معنى لها، إذا هي في الأصل إشارة إلى الحسبلة نفسها، وكأنّ بعض الكتّاب كان يكتفي بها عن الحسبلة، ثم التبس ذلك على بعض الكتّاب فأثبتها مع الحسبلة على ظنّ أن فيها قدرا زائدا عليها؛ ويحتمل أنها إنما وضعت في الأصل لسدّ البياض كما يكتب بعض الدّوائر لسدّ البياض أو الفصل بين الكلامين وغير ذلك.

стр. 2964

الطرف السابع (في اللّواحق، وفيه جملتان) الجملة الأولى (في التتريب، ويتعلّق به أمران) الأمر الأوّل (في النّدب إلى التتريب) لا نزاع في أن تتريب الكتاب بعد الفراغ منه بإلقاء الرّمل ونحوه عليه مطلوب، وفيه معنيان: المعنى الأول- التبرّك طلبا لنجح القصد ؛ فقد روى محمد بن عمر المدائني في كتاب «القلم والدواة» بسنده عن إسماعيل بن محمد بن وهب عن هشام بن خالد وهو أبو مروان الأزديّ، عن بقيّة بن الوليد، عن عطاء، عن ابن جريج، عن ابن عباس عن النبيّ ﷺ أنه قال: «ترّبوا «١» الكتاب ونحّوه من أسفله فإنه أعظم للبركة وأنجح للحاجة» . وفي حديث «إذا كتب أحدكم كتابا فليترّبه فإنّه مبارك وهو أنجح لحاجته» . ومن كلام أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضى الله عنه: ترّبوا «٢» الكتاب تنجحوا. ويؤيد ذلك ما روي أن النبيّ ﷺ كتب كتابين إلى أهل قريتين فترّب أحدهما ولم يترّب الآخر، فأسلمت القرية التي ترّب كتابها. وهذا المعنى موجود في المكاتبات والولايات وغيرهما لطلب البركة والنّجاح في جميع ذلك. وقد حكي أنّ أبا دهمان مرض مرضا أشفى فيه، فأوصى وأملى وصيته

стр. 2965

على ابنه، فكتبها وأتربها فقال: نعم ترّبها فإنه أنجح للحاجة. ولا فرق في ذلك بين أن يكون المكتوب قد جفّ أم لا؛ لأن القصد إنما هو النّجح والبركة. المعنى الثاني- التجفيف لما كتبه بطرح التّراب عليه كي لا ينمحي بما يصيبه قبل الجفاف، وهذا المعنى أضعف من الأوّل، ومقتضاه أنه إذا جفّ الكتاب لا يترّب، وعليه عمل كتّاب الزمان. ومن هنا يضعون التراب على آخر الكتاب من حيث أنه أقرب عهدا بالكتابة فيحتاج إلى التجفيف، بخلاف أوّل الكتاب فإنه يكون قد جفّ عند نهاية الكتاب غالبا، لا سيما في الزمن الحارّ، أو مع طول الكتاب وامتداد زمن كتابته. على أن صاحب «مواد البيان» وغيره من قدماء الكتّاب قد صرّحوا بأنه يستحبّ وضع التّراب أوّلا على البسملة، ثم يمرّه الكاتب منها على سائر المكتوب ليعمّ الكتاب بركة البسملة. ولقائل أن يقول إن التتريب من آخر الكتاب إلى أعلاه لا يخلو أيضا من بركة؛ لملامسة التراب أوّلا الحمدلة والصلاة على النبيّ ﷺ والحسبلة. وربما بلغ بالتراب من أسفل الكتاب إلى البسملة ثم أعاده فيجمع فيه بين البركتين. الأمر الثاني (فيما يترّب به الكتاب) وقد اصطلح كتاب الزمان على التتريب بالرّمل الأحمر. أما تخصيصهم التتريب بالرمل؛ فلأنه لا غبار فيه يعلق بالكتاب فيذهب بهجة الورق. وأما اختيارهم الأحمر دون غيره فلأنه أبهج إذا لصق بالكتاب، قال محمد بن عمر المدائنيّ: وكرهوا ونهوا عن تراب الحيطان، ومالوا إلى النّشارة والأشنان «١» . قال: وبلغنا أن بعض الأئمة من أهل العلم كان يترّب الحديث بالصّندل ويقول: لا أطرح على حديث رسول الله ﷺ ، التراب. وكان حيوة بن شريح يخرج إلى

стр. 2966

الصّحراء فيأخذ الطّين الأسود فيدقّه وينخله فيترّب به. وقد صرّح الرافعيّ وغيره من أصحابنا الشافعية أنه يحرم التتريب من جدار الغير، ومعناه ظاهر لما فيه من الاغتصاب والاعتداء. وقد سبق في المقالة الأولى في الكلام على الخط ذكر أنواع الرمل، وأن من أحسنه رملا يؤتى به من صحراء ماردين «١» ، فيه شذور صفر كشذور الذهب، يلقى في الرمل الأحمر فيترّب به الأمراء والوزراء ومن في معناهم. الجملة الثانية (في نظر الكاتب في الكتاب وتأمّله بعد الفراغ منه) قد نصّوا على أنه إذا فرغ الكاتب من كتابة الكتاب ينبغي له أن يتأمّله من أوّله إلى آخره ويتتّبع ألفاظه ويتأمّل معانيه ويصلح منها ما لعلّه وهم فيه الفكر أو سبق إليه القلم؛ ليسلم من قدح القادح وطعن الطاعن. وقد تقدّم في مقدّمة الكتاب أن صاحب الديوان لا يكتفي بنظر الكاتب في ذلك، بل يكله إلى نظر كاتب كامل ينصبه لذلك، ثم يتأمّله هو بنفسه بعد ذلك ليتنقّح الكتاب ويتهذّب.

стр. 2967

المقالة الرابعة (في المكاتبات، وفيها بابان) الباب الأوّل (في أمور كلّية في المكاتبات، وفيه فصلان) الفصل الأوّل (في مقدّمات المكاتبات، وفيه ثلاثة أطراف) الطرف الأوّل (في أصول يعتمدها الكاتب في المكاتبات) ويتعلّق المقصود منها بعشرة أصول «١» : الأصل الأوّل (أن يأتي الكاتب في أوّل المكاتبة بحسن الافتتاح المطلوب في سائر أنواع الكلام، من نثر ونظم مما يوجب التحسين؛ ليكون داعية لاستماع ما بعده، على ما تقدّم بيانه في الكلام على علوم البلاغة في المقالة الأولى) ويرجع حسن الافتتاح في المكاتبات إلى معنيين. المعنى الأوّل- أن يكون الحسن فيه راجعا إلى المبتدإ به . إما بالافتتاح بالحمد لله كما في بعض المكاتبات؛ لأن النّفوس تتشوّف إلى الثناء على الله تعالى، أو بالسلام الذي جعله الشارع مفتتح الخطاب أو نحو ذلك. وإما بالافتتاح بما فيه تعظيم المكتوب إليه، من تقبيل الأرض أو اليد أو الدّعاء له أو غير ذلك، فإنّ أمر المكاتبات مبنيّ على التملّق واستجلاب الخواطر وتألّف

стр. 2968

القلوب، إلى غير ذلك مما يجري هذا المجرى، على ما يقتضيه اصطلاح كلّ زمن في الابتداآت. المعنى الثاني- أن يكون الحسن فيه راجعا إلى ما يوجب التحسين. من سهولة اللفظ، وصحة السبك، ووضوح المعنى، وتجنّب الحشو، وغير ذلك من موجبات التحسين؛ كما كتب الأستاذ أبو الفضل بن العميد عن ركن الدولة بن بويه، إلى من عصى عليه، مفتتحا كتابه بقوله: «كتابي إليك، وأنا متردّد بين طمع فيك وإياس منك، وإقبال عليك وإعراض عنك؛ فإنك تدلّ بسالف خدم أيسرها يوجب رعاية، ويقتضي محافظة وعناية؛ ثم تشفعها بحادث غلول وخيانة، وتتبعها بألف خلاف ومعصية، أدنى ذلك يحبط أعمالك، ويسقط كل ما يرعى لك» . وكما كتب أبو حفص «١» بن برد الاندلسيّ عن ملكه إلى من عصى عليه ثم عاد إلى الطاعة كتابا افتتحه بقوله: «أما بعد فإن الغلبة لنا والظّهور عليك جلبابك إلينا على قدمك، دون عهد ولا عقد يمنعان من إراقة دمك. ولكنّا لما «٢» وهب الله تعالى لنا من الإشراف على سرائر الرياسة، والحفظ لشرائع السّياسة؛ تأمّلنا من ساس جهتك قبلنا، فوجدنا يد سياسته خرقاء، وعين خدامته «٣» عوراء، وقدم مداراته شلّاء، لأنه مال عن ترغيبك فلم ترجه، وعن ترهيبك فلم تخشه؛ فأدّتك حائجتك إلى طلاب المطاعم «٤» الدّنيّة، وقلّة مهابتك إلى التّهالك على

стр. 2969

المعاصي الوبيّة «١» » ونحو ذلك من الافتتاحات البهجة، والابتداآت الرائقة، مما ستقف على الكثير منه في خلال هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. الأصل الثاني (أن يأتي في ابتداء المكاتبة ببراعة الاستهلال المطلوبة في كلّ فنّ من فنون الكلام) بأن يأتي في صدر المكاتبة بما يدلّ على عجزها؛ فإن كان الكتاب بفتح، أتى في أوّله بما يدلّ على التهنئة، أو بتعزية أتى في أوّله بما يدلّ على التعزية، أو في غير ذلك من المعاني أتى في أوّله بما يدلّ عليه؛ ليعلم من مبدإ الكتاب ما المراد منه. كما يحكى أن عمرو بن مسعدة كاتب المأمون أمر كاتبه أن يكتب إلى الخليفة كتابا يعرّفه فيه أن بقرة ولدت عجلا وجهه وجه إنسان، فكتب: «أمّا بعد حمد الله خالق الأنام، في بطون الأنعام» . وفضلاء الكتّاب وأئمتهم يعتنون بذلك كلّ الاعتناء، ويرون تركه إخلالا بالصنعة، ونقصا في الكتابة، حتّى أن الوزير ضياء الدين بن الأثير في المثل السائر قد عاب أبا إسحاق الصابي على جلالة قدره في الكتابة، واعترافه له بالتقدّم في الصناعة، بكتاب كتبه بفتح بغداد وهزيمة التّرك فقال في أوّله: «الحمد لله ربّ العالمين، الملك الحقّ المبين؛ الوحيد الفريد، العليّ المجيد؛ الذي لا يوصف إلا بسلب الصّفات، ولا ينعت إلا برفع النّعوت؛ الأزليّ بلا ابتداء، الأبديّ بلا انتهاء، القديم لا منذ أمد محدود، الدائم لا إلى أجل معدود، الفاعل لا من مادّة امتدّها، الصانع لا بآلة استعملها، الذي لا تدركه الأعين بألحاظها، ولا تحدّه الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهزمه الدّهور بكرورها، ولا تجاريه أقدام النّظراء والأشكال، ولا تزاجمه مناكب القرناء والأمثال، بل هو الصّمد الذي لا كفء له، والفرد الذي

стр. 2970

لا توءم معه، والحيّ الذي لا تخترمه المنون، والقيّوم الذي لا تشغله الشّؤون، والقدير الذي لا تؤوده المعضلات، والخبير الذي لا تعييه المشكلات» ثم قال: إن هذه التحميدة لا تناسب الكتاب الذي افتتحه بها، ولكنها تصلح أن توضع في صدر مصنّف من مصنّفات أصول الدين ككتاب «الشامل» للجويني، أو كتاب «الاقتصاد» للغزاليّ، وما جرى مجراهما. فأما أن توضع في أوّل كتاب فتح فلا. واعلم أن براعة الاستهلال في المكاتبات قد تقع مع الابتداء بالتحميد، كما في كتاب عمرو بن مسعدة المتقدّم ذكره، وكما كتب إبو إسحاق الصابي عن الطائع إلى بعض ولاة الأطراف، عند زوال الوحشة بينه وبين الأمراء، ووقوع الصّلح والاتفاق: «أمّا بعد، فالحمد لله ناظم الشّمل، بعد شتاته، وواصل الحبل، بعد بتاته؛ وجابر الوهن إذا انثلم، وكاشف الخطب إذا أظلم» . وقد تقع مع الابتداء بالتقبيل كما كتبت «١» إلى بعض الرّؤساء بثغر الإسكندرية، ملوّحا إلى التعبير عنه بالثّغر، وعن الرّيح التي تهبّ عليه من جانب البحر بالملثم «٢» ، وعن مستنزه من مستنزهاته بالرمل، وعن المساكن التي به بالقصور «٣» ، مع قربه من البحر، ومناسبة ذكر النّسيم بالثّغر بما صورته: يقبّل أرض ثغر قد رقّ ملثمه، وراق مبسمه؛ باثّا لشكر يعترف الرّمل بالقصور عن حدّه، وتقف أمواج البحر المحيط دون عدّه» . وقد تقع مع الابتداء بالدعاء، وتكون براعة الاستهلال في الدعاء المعطوف على المبتدإ به، بأن يكون الدّعاء مناسبا للحالة المكتوب فيها، كما

стр. 2971

نبّه عليه صاحب «المثل السائر» وغيره، وسيأتي الكلام على أمثلة ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى. ثم من المكاتبات ما يعسر معه الإتيان ببراعة الاستهلال «١» فيما يلي ذلك من الكلام في مقدّمة المكاتبة قبل الخوض في المقصود ولا يهملها جملة. على أن الشيخ شهاب الدين محمودا الحلبيّ، ﵀، قد ذكر في كتابه «حسن التوسل» أنه إن عسر عليه براعة الاستهلال، أتى بما يقارب المعنى. وبكل حال فإذا أتى ببراعة استهلال في أوّل مكاتبته استصحبها إلى الفراغ من الخطبة إن كان الكتاب مفتتحا بخطبة، وإلّا استصحبها إلى الفراغ من مقدّمة الكتاب الآتي بيانها. الأصل الثالث (أن يأتي في المكاتبة المشتملة على المقاصد الجليلة بمقدّمة يصدّر بها تأسيسا لما يأتي به في مكاتبته) مثل أن يأتي في صدور كتب الحثّ على الجهاد بذكر افتراضه على الأمّة، وما وعد الله تعالى به من نصر أوليائه، وخذلان أعدائه، وإعزاز الموحّدين، وقمع الملحدين. وفي صدور كتب الفتح بإنجاز وعد الله الذي وعده أهل الطاعة من النّصر والظّفر، وإظهار دينه على الدّين كلّه. وفي صدور كتب جباية الخراج «٢» ، يصدّر بحاجة قيام الملك وأسّ السلطنة إلى الاستعانة بما يستخرج من حقوق السلطان في عمارة الثّغور، وتحصين الأعمال، وتقوية الرّجال، ونحو ذلك مما يجري على هذا النمط مما سيأتي بيانه في مقاصد المكاتبات في الكلام على الابتداآت والجوابات فيما بعد إن شاء الله تعالى. فقد قيل: إنه لا يحسن بالكاتب أن يخلي كلامه- وإن كان وجيزا- من مقدّمة يفتتحه بها وإن وقعت في حرفين أو ثلاثة، ليوفّي التأليف حقّه. قال في

стр. 2972

«موادّ البيان» : وعلى هذا السبيل جرت سنّة الكتّاب في جميع الكتب كالفتوح، والتّهاني، والتّعازي، والتّهادي، والاستخبار، والاستبطاء، والإحماد، والإذمام، وغيرها؛ ليكون ذلك بساطا لما يريد القول فيه، وحجّة يستظهر بها السلطان؛ لأن كلّ كلام لا بدّ له من فرش يفرش قبله: ليكون منه بمنزلة الأساس من البنيان. قال: ويرجع في هذه المقدّمات إلى معرفة الكاتب ما يستحقّه كلّ نوع من أنواع الكلام من المقدّمات التي تشاكلها. ثم قال: والطريق إلى إصابة المرمى في هذه المقدّمات أن تجعل مشتملة على ما بعدها من المقاصد والأغراض، وأن يوضع للأمر الخاصّ مقدّمة خاصّة، وللأمر العامّ مقدّمة عامّة، ولا يطوّل في موضع الاقتصار، ولا يقصّر في موضع الإيجاز، ولا يجعل أغراضها بعيدة المأخذ، معتاصة «١» على المتصفّح؛ وذلك أن الكاتب ربّما قصد إظهار القدرة على الكلام والتّصرّف في وجوه المنطق، فخرج إلى الإملال والإضجار الذي تتبرّم منه النّفوس، ولاسيما نفوس الملوك وذوي الأخطار الجليلة. أما الأمور التي لا تشتمل على المقاصد الجليلة، كرقاع التّحف والهدايا ونحوهما. فقد ذكر في «موادّ البيان» أنه لا يجعل لها مقدّمة تكون أمامها، فإنّ ذلك غير جائز ولا واقع موقعه. قال: ألا ترى أنهم استحسنوا قول بعضهم في صدر رقعة مقترنة بتحفة في يوم مهرجان أو نحوه: «هذا يوم جرت فيه العادة، بأن تهدي فيه العبيد إلى السادة» واستظرفوا الكاتب لإيجازه وتقريب المأخذ. الأصل الرابع (أن يعرف الفرق بين الألفاظ المستعملة في المكاتبات فيضعها في مواضعها) قال في «ذخيرة الكتّاب» : يجب على الكاتب الرئيس أن يعرف مرتبة

стр. 2973

الألفاظ ومواقعها؛ ليرتّبها ويفرق بينها فرقا يقفه على الواجب وينتهي به إلى الصواب، فيخاطب كلّا في مكاتبته بما يستحقّه من الخطاب؛ فإنه قبيح به أن يكون خطابه أوّلا خطاب الرئيس للمرؤوس، ويتبع ذلك بخطاب المرؤوس للرئيس، أو يبدأ بخطاب المرؤوس للرئيس ثم يتبعه بخطاب الرّئيس للمرؤوس. قال: ومتى استمرّ الكاتب على هذه المخالفة من الألفاظ والمناقضة، نقصت المعاني، ورذلت الألفاظ، وسقطت المقاصد، وكان الكاتب قد أخلّ من الصّناعة بمعظمها، وترك من البلاغة غاية محكمها. بل يجب أن يبدأ بخطاب رئيس أو نظير أو مرؤوس، ويكون ما يتخلل مكاتبته من الألفاظ على اتساق إلى آخرها واطّراد من غير مخالفة بينها ولا مضادّة ولا مناقضة. فمن ذلك الفرق بين أصدرنا هذه المكاتبة أو أصدرناها، وبين أصدرت، وبين صدرت. فأصدرناها أعلى بالنسبة إلى المكتوب إليه؛ للتصريح فيها بالضمير العائد على الرئيس التي صدرت المكاتبة عنه، إذ الشيء يشرف بشرف متعلّقه. ويلي ذلك في الرتبة أصدرت، لاقتضائها إصدارا في الجملة، والإصدار لا بدّ له من مصدر، وذلك المصدر هو الرئيس الصادرة عنه في الحقيقة. وإنما كانت دون الأولى للتصريح بالضمير هناك دون هنا. ودون ذلك في الرتبة صدرت لاقتضاء الحال صدورها بنفسها دون دلالة على المصدر أصلا. ومن ذلك الفرق بين «ونبدي لعلمه» وبين «ونوضّح لعلمه» : فنبدي لعلمه أعلى بالنسبة إلى المكتوب إليه؛ لأن الإبداء يرجع في المعنى إلى إظهار شيء خفيّ، والإيضاح يرجع إلى بيان مشكل، وحصول الإشكال المحتاج إلى الإيضاح ربما دلّ على بعد فهم المخاطب عن المقصود، بخلاف إظهار الخفيّ فإنه لا ينتهي إلى هذا الحدّ. ومن ذلك الفرق بين «علمه الكريم» وبين «علمه المبارك» فالكريم

стр. 2974

أعلى من المبارك؛ لأن في الكريم عراقة أصل وشرف قد توجد في المبارك وقد تتخلف عنه. ومن ذلك الفرق بين «ومرسومنا لفلان بكذا» وبين «والمرسوم له بكذا» ؛ فمرسومنا أعلى بالنسبة إلى المكتوب عنه لاشتماله على نون الجمع المقتضية للتعظيم، ولذلك اختصّت بالملوك دون غيرهم؛ بخلاف والمرسوم له بكذا فإنه عار عن ذلك. ومن ذلك الفرق بين «والمسؤول» وبين «والمستمدّ» : فإن المسؤول أعلى بالنسبة إلى المكتوب إليه «١» ، فإن المسؤول يتضمّن نوع ذلّة بخلاف الاستمداد فإنه لا يستلزم ذلك. ومن ذلك الفرق بين «بلغنا» وبين «أنهي إلى علمنا» وبين «اتصل بنا» . فاتصل بنا أعلى من أنهي إلى علمنا، لما في معنى الاتصال من التلاصق، بخلاف الإنهاء؛ وأنهي إلى علمنا أعلى من بلغنا؛ لأن البلوغ قد يكون على لسان آحاد الناس. ومن ذلك الفرق بين «أنهى فلان كذا» وبين «عرّفنا كذا» : فعرّفنا أعلى بالنسبة إلى رافع الخبر، لأن في التعريف مزيّة قرب من الرئيس، بخلاف الإنهاء فإنه لا يقتضي ذلك. ومن ذلك الفرق بين «وردت مكاتبته» وبين «وردت علينا مكاتبته» ؛ فوردت علينا أعلى بالنسبة إلى صاحب المكاتبة الواردة؛ لتخصيصها بالورود على الرئيس بخلاف الورود المطلق. ومن ذلك الفرق بين «عرضت علينا مكاتبتك» وبين «وقفنا على مكاتبتك» فوقفنا أعلى بالنسبة إلى صاحب المكاتبة؛ لأن الوقوف عليها يكون بنفسه،

стр. 2975

والعرض يكون من غيره. ومن ذلك الفرق بين «وشكرت الله تعالى على سلامته» وبين «وتوالى شكري لله تعالى» ؛ فتوالى شكري أعلى بالنسبة إلى المكتوب إليه؛ لما فيه من معنى التكرار ومزيد الشكر المعدوق بالاحتفال. ومن ذلك الفرق بين «ورغبت إلى الله تعالى» وبين «وضرعت إلى الله تعالى» ؛ فضرعت أعلى من رغبت؛ لما في الضّراعة من مزيد التأكيد في الطّلب، بخلاف الرّغبة فإنها لا تبلغ هذا المبلغ. ومن ذلك الفرق بين «وقابلت أمره بالطاعة» وبين «وامتثلت أمره بالطاعة» ؛ فامتثلت أمره أعلى من قابلت أمره؛ لما في الامتثال من معنى الإذعان والانقياد، بخلاف المقابلة. ومن ذلك الفرق بين «وشفعت له» وبين «وسألت فيه» ؛ فالسؤال أعلى في حق المسؤول من الشّفاعة؛ لما «١» في الشفاعة من رفعة المقام المؤدّي إلى قبول الشفاعة. ومن ذلك الفرق بين «وخاطبت فلانا في أمره» وبين «وتحدّثت في أمره» ؛ فتحدّثت أشدّ في تواضع المتكلّم من خاطبت؛ لأن الخطاب من الألفاظ الخاصة التي لا يتعاطاها كلّ أحد بخلاف التحدّث. ومن ذلك الفرق بين «تشريفي بكذا» وبين «إسعافي بكذا» [وبين «إتحافي بكذا» ] «٢» فالإسعاف أعلى رتبة من التشريف لما فيه من دعوى الحاجة والفاقة إلى المطلوب، بخلاف التشريف، وإتحافي دون تشريفي؛ لأن

стр. 2976

الإتحاف قد لا يقتضي تشريفا. ومن ذلك الفرق بين قوله: «نزل عنده» وبين قوله: «نزل بساحته» ؛ فالساحة أعلى لما فيها من معنى الفسحة والاتساع. ومن ذلك الفرق بين «فيحيط علمه بذلك» وبين «فيعلم ذلك» ؛ فيحيط علمه أعلى من يعلم ذلك؛ لأن في قوله «فيحيط علمه بذلك» نسبته إلى سعة العلم؛ لما فيه من معنى الإحاطة بخلاف «فيعلم ذلك» . الأصل الخامس (أن يعرف مواقع الدّعاء في المكاتبات، فيدعو بكل دعاء في موضعه) ويتعلق النظر فيه بستة أوجه: الأوّل- أن يعرف مراتب الدّعاء ليوقعها في مواقعها ، ويوردها في مواردها، ويتأتّى ذلك في عدّة أدعية. (منها) الدّعاء بإطالة البقاء، والدّعاء بإطالة العمر؛ فالدعاء بإطالة البقاء أرفع من الدّعاء بإطالة العمر؛ وذلك أن البقاء لا يدلّ على مدّة تنقضي لأنه ضدّ الفناء، والعمر يدلّ على مدّة تنقضي؛ ولذلك يوصف الله تعالى بالبقاء ولا يوصف بالعمر. قال في «موادّ البيان» : ومن هنا جعل الدعاء بإطالة البقاء أوّل مراتب الدعاء وخصّ بالخلفاء، وجعل ما يليه لمن دونهم، ويتلوه الدعاء بالمدّ في العمر، فيكون دون الدعاء بالإطالة؛ لأن الوصف بطول الزمان أبلغ من الوصف بالمدّ فيه من حيث إن المدّ قابل للمدّة الطويلة والمدّة القصيرة؛ ولذلك صارت مرتبة الطّول أقرب إلى مرتبة البقاء من مرتبة المدّ. (ومنها) الدعاء بدوام النّعمة، والدعاء بمضاعفتها؛ فالدعاء بالمضاعفة أعلى؛ لأن الدوام غايته استصحاب ما هو عليه، والمضاعفة مقتضية للزيادة على ذلك. (ومنها) الدعاء بعزّ الأنصار، وبعزّ النّصر، وبعزّ النّصرة. وقد اصطلح

стр. 2977

كتّاب الزمان على أن جعلوا أعلاها الدعاء بعز الأنصار؛ لأن عزّ أنصاره عزّ له بالضرورة مع ما فيه من تعظيم القدر ورفعة الشأن؛ إذ الأنصار لا تكون إلا لملك عظيم أو أمير كبير. والدعاء بعزّ النصر أعلى من الدعاء بعزّ النّصرة؛ لما في الأوّل من معنى التذكير وهو أرفع رتبة من التأنيث. على أنه لو جعل الدعاء بعز النصر أعلى من الدعاء بعز الأنصار، لكان له وجه؛ لما في عزّ النصر من الغناء عن عزّ الأنصار. (ومنها) الدّعاء بعزّ الأحكام، والدعاء بتأييد الأحكام؛ فالدعاء بعزّ الأحكام أعلى؛ لأن المراد بالتأييد التقوية، فقد توجد القوّة ولا عزّ معها. وينبغي للكاتب أن يحترز في تنزيل كلّ أحد من المكتوب إليهم منزلته في الدعاء، فلا ينقص أحدا عن حقّه، ولا يزيده فوق حقّه، فقد قال في «موادّ البيان» : إن الملوك تسمح ببدرات المال ولا تسمح بالدّعوة الواحدة. الثاني- أن يعرف ما يناسب كلّ واحد من أرباب المناصب الجليلة من الدعاء فيخصّه به . فيأتي بالدعاء في المكاتبة للملوك بإطالة البقاء، ودوام السلطان، وخلود الملك، وما أشبه ذلك. ويأتي في المكاتبة إلى الأمراء بالدعاء بعزّ الأنصار، وعزّ النّصر، ومضاعفة النّعمة، ومداومتها وما شاكل ذلك. على أن ابن شيث قد ذكر في «معالم الكتابة» أن الدعاء بعزّ النّصر ومضاعفة الاقتدار كان في الدولة الأيوبية مما يختصّ بالسلطان دون غيره. ويأتي في المكاتبات للوزراء من أرباب الأقلام ومن في معناهم بالدعاء بسبوغ النّعماء، وتخليد السّعادة، ودوام المجد، وما يضاهي ذلك. ويأتي في المكاتبات للقضاة والحكّام بالدعاء بعزّ الأحكام، وتأييد الأحكام وما يطابق ذلك.

стр. 2978

ويأتي في المكاتبة إلى التّجّار بالدعاء بمزيد الإقبال، وخلود السعادة وشبه ذلك. ويأتي في المكاتبة في الإخوانيّات ومكاتبات النّظراء من الدعاء بما يقتضيه الحال بينهم من الودّ والإدلال، بحسب ما يراه الكاتب ويؤدّي إليه اجتهاده. قال في «موادّ البيان» : وقد كانوا يختارون في الدعاء للأدباء، أبقاك الله، وأكرمك الله. وفي الدعاء للابن والحرمة «أبقاك الله» و «أمتع بك» . أمّا أهل الكفر فقد اصطلحوا على الدعاء لهم بطول البقاء وما في معناه. أمّا جواز أصل الدعاء لهم فلما روي أنّ النبيّ، ﷺ ، استسقى فسقاه يهوديّ، فقال له: جمّلك الله، فما رؤي الشيب في وجهه حتّى مات، فدلّ على جواز الدعاء للكافر بما لا ضرر فيه على المسلمين ما لم تنضمّ إليه قوّة ونحو ذلك، بل ربما كان في طول بقائه حمل جزية أو غنيمة أو ثواب جهاد ونحو ذلك. وقد حكى أبو جعفر النحاس في «صناعة الكتّاب» أن الشافعيّ، ﵁، قال لنصرانيّ: أعزّك الله! فعوتب في ذلك، فقال.......... «١» ... واعلم أنه يجب مع ذلك أن يعرف مرتبة المكتوب إليه من الدعاء، فيدعو بعزّ الأنصار لواحد، ويدعو بعزّ النصر لمن دونه؛ لأن عزّ الأنصار مستلزم لعزّ النصر. على أنه لو قيل: إنّ عزّ النصر أعلى لكونه دعاء لنفس الشيء بخلاف الدعاء بعزّ الأنصار فإنه دعاء لشيء خارجيّ لكان له وجه. ويدعو بعز النّصرة لمن دون من يدعى له بعز النصر؛ لأن النصر مذكّر ورتبة التذكير أعلى من رتبة التأنيث. ويدعو بدوام النعمة لواحد ويدعو بمضاعفة النّعمة لمن دونه «٢» ؛ لأن

стр. 2979

الصيغة تقتضي مزيدا على القدر الحاصل، بخلاف الدّوام فإنه يقتضي استصحاب القدر الحاصل فقط، وعلى هذا النهج. قال في «معالم «١» الكتابة» : ولا يكتب عن السلطان إلى أحد ممن في ممالكه بلا زال، ولا برح، بل يختصّ ذلك بملك مثله. قال: ولا حرج في الكتابة بذلك عن السلطان إلى ولده إذا كان نائبا عنه في الملك. قال: وكذلك لا يدعو الأعلى للأدنى بلا زال، ولا برح. قلت: والذي استقرّ عليه الحال الكتابة عن السلطان بذلك لأكابر النّوّاب، ويكتب به أكابر الدّولة بعضهم إلى بعض. الثالث- أن يعرف ما يناسب كلّ حالة من حالات المكاتبات ، فيأتي لكل حالة بما يناسبها من الدّعاء. قال في «موادّ البيان» : يبغي أن تكون الأدعية دالّة على مقاصد الكتاب؛ فإن كان في الهناء كان بما راجت معرفته، وإن كان في العزاء كانت مشتقّة من وصفه، وكذلك سائر فنون المكاتبات، فإنه متى خرج الدعاء عن المناسبة وباين المقصود، خرج عن جادّة الصناعة وتوجّه اللوم على الكاتب، لا سيّما إذا أتى بما يضادّ المراد. كما حكى أبو هلال العسكريّ في «الصناعتين» أن بعضهم كتب إلى محبوبته: عصمنا الله وإيّاك مما يكره. فكتبت إليه: يا غليظ الطّبع، إن استجيب لك لم نلتق أبدا. ويختلف الحال في ذلك باختلاف حال المكاتبات؛ فتارة تكون باعتبار الشيء المكتوب بسببه. كما يكتب في معنى البشارة بجلوس الملك على تخت الملك: لا زال أمره! وأمتعه من البشائر بما يتوضّح على جبين الصّباح بشره، وما يترجّح على ميزان الكواكب قدره، وما ينفسح من أوقات أمن لا يختلف فيها زيده وعمره. وكما يكتب في البشرى بفتح: ولا زالت آيات النصر تتلى عليه من

стр. 2980

صحف البشائر، ونفائس الظّفر تجلى على سرّه في أسعد طائر، وفواتح الفتح تزهى به الأسرّة وتزهو بنوره المنابر. وكما يكتب في التهنئة بعافية، ولا برح في برد الصحة رافلا...... «١» بعزمه وحزمه كافلا، والإقبال لجنابه العالي بالهناء بعافيته واصلا. وتارة تكون باعتبار حال المكتوب إليه التي هو بصددها. كما يكتب لمن خرج إلى الغزو: وحفّه بلطفه فلا يخيب، وهيّأ له النصر والفتح القريب، وجعل على يديه دمار الكفّار حتّى لا يبقى لهم بشدّة بأسه من السلامة نصيب. وكما يكتب إلى من خرج إلى الصّيد: وأمتعه بصيوده، وجعل الأقدار من جنوده، وأراه من مصارع أعدائه بسيوفه ورماحه ما يراه من مصارع صيده ببزاته «٢» وفهوده. وكما يكتب لمن خرج في سفر: وقضى بقرب رجعته، وجعله كالهلال في مسيره سبب رفعته، وسكّن بقدومه أشواق أوليائه وأهل محبّته. وكما يكتب لمن خرج لتخضير «٣» البلاد: وألبس البلاد بقدومه أخضر الأثواب، وأحلّه أشرف محلّ وأخصب جناب. وتارة تكون باعتبار وظيفة المكتوب إليه التي هو قائم بها. كما يكتب إلى كافل المملكة: ولا زالت كفاية كفالته تزيد على الآمال، وتتقرّب إلى الله تعالى بصالح الأعمال، وتكفل ما بين أقصى الجنوب وأقصى الشّمال.
следующие страницы →