Полный текст (7 500 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
الإتحاف قد لا يقتضي تشريفا.
ومن ذلك الفرق بين قوله: «نزل عنده» وبين قوله: «نزل بساحته» ؛ فالساحة أعلى لما فيها من معنى الفسحة والاتساع.
ومن ذلك الفرق بين «فيحيط علمه بذلك» وبين «فيعلم ذلك» ؛ فيحيط علمه أعلى من يعلم ذلك؛ لأن في قوله «فيحيط علمه بذلك» نسبته إلى سعة العلم؛ لما فيه من معنى الإحاطة بخلاف «فيعلم ذلك» .
الأصل الخامس (أن يعرف مواقع الدّعاء في المكاتبات، فيدعو بكل دعاء في موضعه)
ويتعلق النظر فيه بستة أوجه:
الأوّل- أن يعرف مراتب الدّعاء ليوقعها في مواقعها
، ويوردها في مواردها، ويتأتّى ذلك في عدّة أدعية.
(منها) الدّعاء بإطالة البقاء، والدّعاء بإطالة العمر؛ فالدعاء بإطالة البقاء أرفع من الدّعاء بإطالة العمر؛ وذلك أن البقاء لا يدلّ على مدّة تنقضي لأنه ضدّ الفناء، والعمر يدلّ على مدّة تنقضي؛ ولذلك يوصف الله تعالى بالبقاء ولا يوصف بالعمر. قال في «موادّ البيان» : ومن هنا جعل الدعاء بإطالة البقاء أوّل مراتب الدعاء وخصّ بالخلفاء، وجعل ما يليه لمن دونهم، ويتلوه الدعاء بالمدّ في العمر، فيكون دون الدعاء بالإطالة؛ لأن الوصف بطول الزمان أبلغ من الوصف بالمدّ فيه من حيث إن المدّ قابل للمدّة الطويلة والمدّة القصيرة؛ ولذلك صارت مرتبة الطّول أقرب إلى مرتبة البقاء من مرتبة المدّ.
(ومنها) الدعاء بدوام النّعمة، والدعاء بمضاعفتها؛ فالدعاء بالمضاعفة أعلى؛ لأن الدوام غايته استصحاب ما هو عليه، والمضاعفة مقتضية للزيادة على ذلك.
(ومنها) الدعاء بعزّ الأنصار، وبعزّ النّصر، وبعزّ النّصرة. وقد اصطلح
стр. 2977
كتّاب الزمان على أن جعلوا أعلاها الدعاء بعز الأنصار؛ لأن عزّ أنصاره عزّ له بالضرورة مع ما فيه من تعظيم القدر ورفعة الشأن؛ إذ الأنصار لا تكون إلا لملك عظيم أو أمير كبير. والدعاء بعزّ النصر أعلى من الدعاء بعزّ النّصرة؛ لما في الأوّل من معنى التذكير وهو أرفع رتبة من التأنيث. على أنه لو جعل الدعاء بعز النصر أعلى من الدعاء بعز الأنصار، لكان له وجه؛ لما في عزّ النصر من الغناء عن عزّ الأنصار.
(ومنها) الدّعاء بعزّ الأحكام، والدعاء بتأييد الأحكام؛ فالدعاء بعزّ الأحكام أعلى؛ لأن المراد بالتأييد التقوية، فقد توجد القوّة ولا عزّ معها.
وينبغي للكاتب أن يحترز في تنزيل كلّ أحد من المكتوب إليهم منزلته في الدعاء، فلا ينقص أحدا عن حقّه، ولا يزيده فوق حقّه، فقد قال في «موادّ البيان» : إن الملوك تسمح ببدرات المال ولا تسمح بالدّعوة الواحدة.
الثاني- أن يعرف ما يناسب كلّ واحد من أرباب المناصب الجليلة من الدعاء فيخصّه به
. فيأتي بالدعاء في المكاتبة للملوك بإطالة البقاء، ودوام السلطان، وخلود الملك، وما أشبه ذلك.
ويأتي في المكاتبة إلى الأمراء بالدعاء بعزّ الأنصار، وعزّ النّصر، ومضاعفة النّعمة، ومداومتها وما شاكل ذلك. على أن ابن شيث قد ذكر في «معالم الكتابة» أن الدعاء بعزّ النّصر ومضاعفة الاقتدار كان في الدولة الأيوبية مما يختصّ بالسلطان دون غيره.
ويأتي في المكاتبات للوزراء من أرباب الأقلام ومن في معناهم بالدعاء بسبوغ النّعماء، وتخليد السّعادة، ودوام المجد، وما يضاهي ذلك.
ويأتي في المكاتبات للقضاة والحكّام بالدعاء بعزّ الأحكام، وتأييد الأحكام وما يطابق ذلك.
стр. 2978
ويأتي في المكاتبة إلى التّجّار بالدعاء بمزيد الإقبال، وخلود السعادة وشبه ذلك.
ويأتي في المكاتبة في الإخوانيّات ومكاتبات النّظراء من الدعاء بما يقتضيه الحال بينهم من الودّ والإدلال، بحسب ما يراه الكاتب ويؤدّي إليه اجتهاده. قال في «موادّ البيان» : وقد كانوا يختارون في الدعاء للأدباء، أبقاك الله، وأكرمك الله. وفي الدعاء للابن والحرمة «أبقاك الله» و «أمتع بك» .
أمّا أهل الكفر فقد اصطلحوا على الدعاء لهم بطول البقاء وما في معناه. أمّا جواز أصل الدعاء لهم فلما روي أنّ النبيّ، ﷺ ، استسقى فسقاه يهوديّ، فقال له: جمّلك الله، فما رؤي الشيب في وجهه حتّى مات، فدلّ على جواز الدعاء للكافر بما لا ضرر فيه على المسلمين ما لم تنضمّ إليه قوّة ونحو ذلك، بل ربما كان في طول بقائه حمل جزية أو غنيمة أو ثواب جهاد ونحو ذلك. وقد حكى أبو جعفر النحاس في «صناعة الكتّاب» أن الشافعيّ، ﵁، قال لنصرانيّ: أعزّك الله! فعوتب في ذلك، فقال.......... «١» ...
واعلم أنه يجب مع ذلك أن يعرف مرتبة المكتوب إليه من الدعاء، فيدعو بعزّ الأنصار لواحد، ويدعو بعزّ النصر لمن دونه؛ لأن عزّ الأنصار مستلزم لعزّ النصر. على أنه لو قيل: إنّ عزّ النصر أعلى لكونه دعاء لنفس الشيء بخلاف الدعاء بعزّ الأنصار فإنه دعاء لشيء خارجيّ لكان له وجه. ويدعو بعز النّصرة لمن دون من يدعى له بعز النصر؛ لأن النصر مذكّر ورتبة التذكير أعلى من رتبة التأنيث. ويدعو بدوام النعمة لواحد ويدعو بمضاعفة النّعمة لمن دونه «٢» ؛ لأن
стр. 2979
الصيغة تقتضي مزيدا على القدر الحاصل، بخلاف الدّوام فإنه يقتضي استصحاب القدر الحاصل فقط، وعلى هذا النهج. قال في «معالم «١» الكتابة» : ولا يكتب عن السلطان إلى أحد ممن في ممالكه بلا زال، ولا برح، بل يختصّ ذلك بملك مثله. قال: ولا حرج في الكتابة بذلك عن السلطان إلى ولده إذا كان نائبا عنه في الملك. قال: وكذلك لا يدعو الأعلى للأدنى بلا زال، ولا برح.
قلت: والذي استقرّ عليه الحال الكتابة عن السلطان بذلك لأكابر النّوّاب، ويكتب به أكابر الدّولة بعضهم إلى بعض.
الثالث- أن يعرف ما يناسب كلّ حالة من حالات المكاتبات
، فيأتي لكل حالة بما يناسبها من الدّعاء. قال في «موادّ البيان» : يبغي أن تكون الأدعية دالّة على مقاصد الكتاب؛ فإن كان في الهناء كان بما راجت معرفته، وإن كان في العزاء كانت مشتقّة من وصفه، وكذلك سائر فنون المكاتبات، فإنه متى خرج الدعاء عن المناسبة وباين المقصود، خرج عن جادّة الصناعة وتوجّه اللوم على الكاتب، لا سيّما إذا أتى بما يضادّ المراد. كما حكى أبو هلال العسكريّ في «الصناعتين» أن بعضهم كتب إلى محبوبته: عصمنا الله وإيّاك مما يكره. فكتبت إليه: يا غليظ الطّبع، إن استجيب لك لم نلتق أبدا.
ويختلف الحال في ذلك باختلاف حال المكاتبات؛ فتارة تكون باعتبار الشيء المكتوب بسببه. كما يكتب في معنى البشارة بجلوس الملك على تخت الملك: لا زال أمره! وأمتعه من البشائر بما يتوضّح على جبين الصّباح بشره، وما يترجّح على ميزان الكواكب قدره، وما ينفسح من أوقات أمن لا يختلف فيها زيده وعمره.
وكما يكتب في البشرى بفتح: ولا زالت آيات النصر تتلى عليه من
стр. 2980
صحف البشائر، ونفائس الظّفر تجلى على سرّه في أسعد طائر، وفواتح الفتح تزهى به الأسرّة وتزهو بنوره المنابر.
وكما يكتب في التهنئة بعافية، ولا برح في برد الصحة رافلا...... «١»
بعزمه وحزمه كافلا، والإقبال لجنابه العالي بالهناء بعافيته واصلا.
وتارة تكون باعتبار حال المكتوب إليه التي هو بصددها.
كما يكتب لمن خرج إلى الغزو: وحفّه بلطفه فلا يخيب، وهيّأ له النصر والفتح القريب، وجعل على يديه دمار الكفّار حتّى لا يبقى لهم بشدّة بأسه من السلامة نصيب.
وكما يكتب إلى من خرج إلى الصّيد: وأمتعه بصيوده، وجعل الأقدار من جنوده، وأراه من مصارع أعدائه بسيوفه ورماحه ما يراه من مصارع صيده ببزاته «٢» وفهوده.
وكما يكتب لمن خرج في سفر: وقضى بقرب رجعته، وجعله كالهلال في مسيره سبب رفعته، وسكّن بقدومه أشواق أوليائه وأهل محبّته.
وكما يكتب لمن خرج لتخضير «٣» البلاد: وألبس البلاد بقدومه أخضر الأثواب، وأحلّه أشرف محلّ وأخصب جناب.
وتارة تكون باعتبار وظيفة المكتوب إليه التي هو قائم بها.
كما يكتب إلى كافل المملكة: ولا زالت كفاية كفالته تزيد على الآمال، وتتقرّب إلى الله تعالى بصالح الأعمال، وتكفل ما بين أقصى الجنوب وأقصى الشّمال.
стр. 2981
وكما يكتب إلى قاض: وفصل بين الخصوم بأحكامه المسدّدة، وأقضيته التي بها قواعد الإسلام ممهّدة، وأبنية الشرع المطهّر وأركانه مشيّدة.
وكما يكتب إلى متصوّف: وأعاد من بركات تهجّداته، وأنار الليالي بصالح دعواته.
وتارة تكون باعتبار بلد المكتوب إليه وناحيته.
كما يكتب إلى نائب الشام: ولا زال النّصر حلية أيّامه وشامة شامه، وغمامة ما يحلّق على بلده المخصب من غمامه.
وكما يكتب إلى نائب حلب في زمن الحروب: ولا زال يعدّ ليوم تشيب فيه الولدان، ويصدّ دونه كلّ محارب بين الشّهباء «١» والميدان، ويعمّ حلب من حلى أيامه ما لا يفقد معه إلا اسم ابن حمدان، ونحو ذلك مما ينخرط في هذا السلك.
وتارة تكون باعتبار اسم المكتوب إليه أو لقبه.
كما يكتب إلى من لقبه سيف الدين: ولا زال سيفه في رقاب أعدائه مغمدا، وحدّه يذر كلّ ملحدا ملحدا.
وكما يكتب إلى من لقبه عزّ الدين: ولا زال عزّه دائما، والزمان في خدمته قائما، وطرف الدهر عن مراقبة سعادته نائما.
وكما يكتب إلى من لقبه شمس الدين: ولا زالت شمس سعادته مشرقة، وأغصان فضله بالعوارف مورقة، وعيون طوارق الغير عنه في كلّ زمن مطرقة.
وكما يكتب إلى من لقبه ناصر الدين: ونصر عزائمه، وشكر مكارمه، ووفّر من الحسنات مغانمه. إلى غير ذلك من الأمور التي ستقف على الكثير منها في
стр. 2982
الكلام على مقاصد المكاتبات إن شاء الله تعالى.
الرابع- أن يعرف مواضع الدعاء على المكتوب إليه
، ومن الذي يصرّح بذلك في المكاتبة إليه. وقد ذكر ابن شيث في «معالم الكتابة» أن الدّعاء على الأعداء في صدور الكتب كان من عوائد مكاتبة الأدنى إلى الأعلى، مثل:
وقصم، وأذلّ، وقهر، وخضد «١» . وكذلك المماثل والمقارب؛ فأما من الأعلى إلى الأدنى فلم يكن ذلك معروفا عند المتقدّمين، لا سيما إذا كان الكتاب عن السلطان. ثم قال: ولكن قد أفلت الحبل في ذلك الآن [إلى أن] قال: ولا يقال للأدنى غير كبت عدوّه، أو ضدّه، أو حسوده خاصة.
ومنها «٢» - أن يعرف ما كرهه الكتّاب من الدعاء فيتجنبه. وهو على ضربين:
الضرب الأوّل (ما كرهوه في المكاتبة إلى كل أحد)
قال في «موادّ البيان» : كانت عادتهم جارية أن يتجنّبوا من الأدعية مالا محصول له، كقولهم: جعلني الله فداك، وقدّمني إلى السّوء دونك؛ لما في ذلك من التصنّع والملق الذي لا يرضاه السلطان؛ لأن نفس الداعي لا تسمح باستجابته. ويؤيّد ما ذكره ما كتب به ابن عبد كان إلى بعض أصدقائه: جعلت فداك على الصحة والحقيقة، لا على مجرى المكاتبة ومذهب العادة. قال في «موادّ البيان» : وإنما يحسن ذلك من الخواصّ الذين يتحقّقون أن بقاءهم معذوق «٣» ببقاء رؤسائهم، وثبات نعمهم مقرون بثبات أيام سلاطينهم؛ لأنه يصدر عن عقائد مستحكمة من بذل الأنفس دونهم. وما ذهب إليه من كراهة ذلك قد نقل
стр. 2983
في «صناعة الكتّاب» مثله عن مالك «١» بن أنس، واحتجّ له بما روي عن الزبير ﵁ أنه قال للنبيّ ﷺ : «جعلت فداك- فقال له أما تركت أعرابيّتك بعد!» على أن بعضهم قد أجاز ذلك احتجاجا بقوله، ﷺ لسعد بن مالك يوم أحد «٢» : «ارم فداك أبي وأمّي» وبما روي عن ابن عباس، ﵄، أن النبيّ ﷺ قال له: «ألا أعلّمك كلمات ينفعك الله بهنّ؟ قال نعم جعلني الله فداك!» ولم ينكر عليه، ونحو ذلك؛ وفي معنى ذلك كلّ ما يجري هذا المجرى ونحوه.
الضرب الثاني (ما تختصّ كراهته بالبعض دون البعض، وهو نوعان)
النوع الأوّل- ما يختص بالرجال
، فمن ذلك ما ذكره في «موادّ البيان» أنهم كانوا لا يستحسنون الدعاء بالإمتاع نحو «أمتع الله بك» و «أمتعني الله بك» في حق الإخوان. ومما يحكى في ذلك أن محمد بن عبد الملك الزّيات، كتب إلى عبد الله بن طاهر في كتاب: وأمتع بك؛ فكتب إليه عبد الله بن طاهر [منسرح]
أحلت عمّا عهدت من أدبك؟ ... أم نلت ملكا فتهت في كتبك؟
أتعبت كفّيك في مكاتبتي ... حسبك مما «٣» يزيد في تعبك!
إنّ جفاء «٤» كتاب ذي مقة ... يكون في صدره: «وأمتع بك» .
стр. 2984
فأجابه محمد بن عبد الملك الزيّات معتذرا بقوله [منسرح]
كيف أخون الإخاء يا أملي؟ ... وكلّ شيء أنال من سببك!
إن يك جهل أتاك من قبلي، ... فعد بفضل عليّ من أدبك «١» .
على أن في كراهة الدعاء للإخوان بذلك نظرا فسيأتي في الكلام على ترتيب المكاتبات على سبيل الإجمال أن أمّ حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبيّ ﷺ [قالت] : اللهم أمتعني بزوجي رسول الله، ﷺ وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية- في حديث طويل يأتي ذكره هناك إن شاء الله تعالى.
أما الدعاء بالإمتاع للأتباع، فقد أجازه جماعة من محقّقي الكتّاب، محتجّين على ذلك بأنّه، ﷺ دعا لأبي اليسر: كعب بن عبيد «٢» الله بقوله «اللهمّ أمتعنا به» . قال ابن عفير: فكان آخر أهل بدر وفاة، مات سنة خمس وخمسين من الهجرة.
النوع الثاني- ما يختصّ بالنساء
. فقد ذكر «أبو جعفر النحاس» أنه لا يقال في مكاتبتهنّ «وأدام كرامتك» ولا «وأتمّ نعمته عليك» ولكن لديك، ولا «فضله عندك» ولا «وأدام سعادتك» . أما منع الدعاء لهنّ بالكرامة، فلما حكى محمد بن عمر المدائني أن بعض عمال زبيدة كتب إليها كتابا بسبب ضياع لها فوقّعت له على ظهر كتابه: أردت أن تدعو لنا فدعوت علينا، فأصلح خطأك في كتابك وإلّا صرفناك عن جميع أعمالك! فأدركه القلق، وجعل يتصفّح الكتاب ويعرضه على الكتّاب فلا يجد فيه شيئا، إلى أن عرضه على بعض أهل المعرفة فقال: إنما
стр. 2985
كرهت دعاءك في صدر كتابك بقولك: وأدام كرامتك؛ لأنّ كرامة النساء دفنهنّ- قال رسول الله ﷺ : «دفن البنات من المكرمات» فغير ذلك الحرف من كتابه وأعاده إليها فوقّعت له على ظهره- أحسنت ولا تعد- وأما كراهة «وأتمّ نعمته عليك» وإبدال ذلك بلفظ و «أتم نعمته لديك» ، فكأنه لما يلمح فيه من ذكر العلوّ على النساء. وأما منع «وأتمّ فضله عندك» ، أو «وأتم سعادتك» فيحتاج إلى تأمل.
الخامس- أن يتجنب الخلاف في الدعاء في فصول الكتاب
، ولا يوالي بين دعوتين منه [متفقين] . فأما الخلاف في الدعاء، فقال أبو جعفر النحاس:
هو مثل أن يقول: أطال الله بقاء سيّدي- بلفظ الغيبة، ثم يقول بعد ذلك:
وبلّغك أملك- بلفظ الخطاب. وأما الموالاة بين «١» دعوتين ولا يأتي بهما متفقتين، فقال في «موادّ البيان» : هو مثل «حرس الله الأمير أعزّه الله» ؛ ثم يقول في الفصل الذي بعده: أعزّه الله تعالى، وما أشبه ذلك.
السادس- أن يتجنب وقوع اللّبس في الدعاء
. فإذا ذكر الرئيس مع عدوّه مثلا، لم يدع للرئيس حينئذ، فإنه لو ذهب يقول وقد كان من عدوّ سيّدي- أبقاه الله- كذا، لاحتمل عود الدعاء إلى الرئيس وإلى عدوّه فيقع اللّبس. أما إذا ذكر الرئيس وحده كما إذا قال: وقد كنت عرّفت سيّدي- أبقاه الله- كذا، فإنه لا التباس.
الأصل السادس (أن يعرف ما يناسب المكتوب إليه من الألقاب فيعطيه حقّه منها) ويتعلق الغرض من ذلك بثلاثة أمور .
أحدها- أن يعرف ما يناسب من الألقاب الأصول
- المتقدّمة الذكر في
стр. 2986
المقالة الثالثة عند الكلام على الألقاب المصطلح عليها بحسب ذلك الزمان، كالمقام، والمقرّ، والجناب، والمجلس- في زماننا؛ فيعطي كلّ أحد من المكتوب إليهم ما يليق به من ذلك؛ فيجعل المقام لأكابر الملوك، والمقرّ لمن دونهم من الملوك، وللرّتبة العليا من أهل المملكة. والجناب للرتبة الثالثة من الملوك والرّتبة الثانية من أهل الدّولة. والمجلس للرتبة الرابعة من الملوك والرتبة الثالثة من أهل الدولة. ومجلس الأمير لمن دون ذلك من أهل الدولة على المصطلح المستقرّ عليه الحال.
الثاني- أن يعرف ما يناسب كلّ لقب من الألقاب الأصول من الألقاب والنّعوت التابعة لذلك
، فيتبع كلّ واحد من الأصول بما يناسبه من الفروع.
الثالث- أن يعرف مقدار المكتوب إليه
، فيوفّيه قسطه من الألقاب في الكثرة والقلّة بحسب ما يجري عليه الاصطلاح. فقد ذكر في «معالم الكتابة» أن السلطان لا يكثر في المكاتبة إليه من نعوته، بل يقتصر على الأشياء التي تكون فيه مثل العالم العادل. أما غير ذلك فيقع باللقبين المشهورين وهما نعته المفرد، ونعته المضاف إلى الدّين. وأنه في الكتابة عن السلطان كلّما زيد في النّعوت كان أمير؛ لأنها على سبيل التشريف من السلطان، ويجعل المضاف إلى الدين متوسّطا بين الألقاب لا في أوّلها.
الأصل السابع (أن يراعي مقاصد المكاتبات، فيأتي لكل مقصد بما يناسبه) ومدار ذلك على أمرين:
الأمر الأوّل- أن يأتي مع كل كلمة بما يليق بها
، ويتخير لكل لفظة ما يشاكلها. قال ابن عبد ربه «١» : وليكن ما تختم به فصولك في موضع ذكر البلوى بمثل: نسأل الله رفع المحذور، وصرف المكروه، وأشباه ذلك. وفي موضع
стр. 2987
ذكر المصيبة: إنّا لله وإنا إليه راجعون. وفي موضع ذكر النّعمة: الحمد لله خالصا، والشّكر لله واجبا، وما شاكل ذلك. قال في «موادّ البيان» : وإذا ذكر البلوى شفعها بالاستعانة بالله تعالى والرّجوع إليه فيها، وردّ الأمر إلى حوله وقوّته. قال ابن عبد ربه «١» : فإن هذه المواضع مما يتعيّن على الكاتب أن يتفقّدها ويتحفّظ فيها، فإن الكاتب إنما يصير كاتبا بأن يضع كلّ معنى في موضعه، ويعلّق كلّ لفظ على طبقه في المعنى.
ومما يلتحق بذلك أيضا أنه إذا ذكر الرئيس في أثناء المكاتبة، دعا له، مثل أن يقول عند ذكر السلطان: خلّد الله ملكه. وعند ذكر الأمير الكبير: عزّ نصره، أو: أعزّ الله تعالى أنصاره. وعند ذكر الحاكم: أيّد الله تعالى أحكامه، وما أشبه ذلك مما يجري هذا المجرى.
الأمر الثاني- أن يتخطّى التصريح إلى التلويح
والإشارة إذا ألجأته الحال إلى المكاتبة بما لا يجوز كشفه وإظهاره على صراحته، مما في ذكره على نصّه هتك ستر، أو في حكايته اطّراح مهابة السلطان، وإسماعه ما يلزم منه إخلال الأدب في حقه؛ كما لو أطلق عدوّه لسانه فيه بلفظ قبيح يسوءه سماعه. قال في «موادّ البيان» : فيحتاج المنشيء إلى استعمال التّورية «٢» في هذه المواضع، والتلطّف في العبارة عن هذه المعاني، وإبرازها في صورة تقتضي توفية حقّ السلطان في التوقير والإجلال والإعظام، والتنزيه عن المخاطبة بما لا يجوز إمراره على سمعه، وإيصال المعنى إليه من غير خيانة في طيّ ما لا غنى به عن علمه. قال: وهذا مما لا يستقلّ به إلا المبرّز في الصناعة، المتصرّف في تأليف الكلام.
الأصل الثامن (أن يعرف مقدار فهم كل طبقة من المخاطبين في المكاتبات من اللسان فيخاطب كلّ أحد بما يناسبه من اللفظ، وما يصل إليه فهمه من الخطاب) .
стр. 2988
قال أبو هلال العسكري في كتابه «الصناعتين» : أوّل ما ينبغي أن تستعمل في كتابك مكاتبة كل فريق على مقدار طبقتهم في الكلام وقوّتهم في المنطق. قال:
والشاهد على ذلك أن النبيّ ﷺ لمّا أراد أن يكتب إلى أهل فارس، كتب إليهم بما يمكنهم ترجمته فكتب إليهم: «من محمد رسول الله إلى كسرى أبرويز عظيم فارس، سلام على من اتّبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وأدعوك بدعاية الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافّة لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ
«١» فأسلم تسلم، وإن أبيت فإثم المجوس عليك» فسهّل رسول الله ﷺ الألفاظ غاية التسهيل حتّى لا يخفى منها شيء على من له أدنى معرفة بالعربيّة.
ولما أراد «٢» أن يكتب إلى قوم من العرب، فخّم اللفظ لما عرف من قوّتهم على فهمه، وعادتهم بسماع مثله؛ فكتب لوائل «٣» بن حجر الحضرميّ:
«من محمد رسول الله إلى الأقيال «٤» العباهلة «٥» من أهل «٦» حضر موت بإقامة الصلاة وإيتاء الزّكاة. على التّيعة «٧» الشاة، والتّيمة «٨» لصاحبها، وفي السّيوب «٩» الخمس، لا خلاط «١٠» ولا وراط «١١» ولا شناق «١٢» ولا شغار «١٣» ، ومن
стр. 2989
أجبى «١» فقد أربى، وكلّ مسكر حرام» .
وقد ذكر العسكريّ أيضا في باب الإطناب ما يحسن أن يكون شاهدا لذلك من القرآن الكريم- فقال: قد رأينا أنّ الله تعالى إذا خاطب العرب والأعراب، أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي كما في قوله تعالى خطابا لأهل مكة إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
«٢» وقوله: إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
«٣» وقوله: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
«٤» في أشباه كثيرة لذلك. وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم، جعل الكلام مبسوطا، كما في سورة طه وأشباهها، حتّى إنه قلّما تجد قصّة لبني إسرائيل في القرآن إلا مطوّلة مشروحة ومكررة في مواضع معادة، لبعد فهمهم، وتأخّر معرفتهم.
قال في «موادّ البيان» : فيجب على الكاتب أن يتنقّل في استعمال الألفاظ على حسب ما تقتضيه رتب الخطاب والمخاطبين، وتوجبه الأحوال المتغايرة، والأوقات المختلفة؛ ليكون كلامه مشاكلا لكلّ منها، فإنّ أحكام الكلام تتغيّر بحكم تغيّر الأزمنة والأمكنة ومنازل المخاطبين والمكاتبين.
قال: ولتحرّي الصّدر الأوّل من الكتّاب إيقاع المناسبة بين كتبهم وبين الأشياء المتقدّمة الذكر استعمل كتّاب الدولة الأمويّة من الألفاظ العربية الفحلة، والمتينة الجزلة، ما لم تستعمل مثله الدولة العباسيّة؛ لأن كتّاب الدولة الأمويّة
стр. 2990
قصدوا ما شاكل زمانهم الذي استفاضت فيه علوم العرب ولغاتها، حتّى عدّت في جملة الفضائل التي يثابر على اقتنائها، والأمكنة التي نزلها ملوكهم من بلاد العرب، والرجال الذين كانت الكتب تصدر إليهم؛ وهم أهل الفصاحة واللّسن والخطابة والشّعر.
أما زمان بني العباس، فإن الهمم تقاصرت عمّا كانت مقبلة على تطلّبه فيما تقدّم من العلوم المقدّم ذكرها، وشغلت بغيرها من علوم الدين؛ ونزل ملوكهم ديار العراق وما يجاورها من بلاد فارس، وليس استفاضة لغة العرب فيها كاستفاضتها في أرض الحجاز والشام. ومن المعلوم أن القوم الذين كانوا يكاتبون عنهم لا يجارون تلك الطبقة في الفصاحة والمعرفة بدلالات الكلام؛ فانتقل كتّابها من اللفظ المتين الجزل، إلى اللفظ الرّقيق السّهل، وكذلك انتقل متأخّر والكتّاب عن ألفاظ المتقدّمين إلى ما هو أعذب منها وأخفّ، للمعنى المتقدّم ذكره.
قال: وحينئذ ينبغي للكاتب أن يراعى هذه الأحوال، ويوقع المشاكلة بين ما يكتبه وبينها، فإذا احتاج إلى إصدار كتاب إلى ناحية من النواحي، فلينظر في أحوال قاطنيها؛ فإن كانوا من الأدباء البلغاء العارفين بنظم الكلام وتأليفه، فليودع كتابه الألفاظ الجزلة، التي إذا حلّيت بها المعاني زادتها فخامة في القلوب، وجلالة في الصّدور، وإن كانوا ممن لا يفرّق بين خاص الكلام وعامّه، فليضمّن كتابه الألفاظ التي يتساوى سامعوها في إدراك معانيها، فإنه متى عدل عن ذلك ضاع كلامه، ولم يصل معنى ما كتب فيه إلى من كاتبه؛ لأن الكلام البليغ إنما هو موضوع بإزاء أفهام البلغاء والفصحاء، فأما العوامّ والحشوة «١» ، فإنما يصل إلى أفهامهم الكلام العاطل من حلى النّظم، العاري من كسوة التأليف، فيجب على الكاتب أن يستعمل في مخاطبة من هذه صورته أدنى رتب البلاغة وأقربها من أفهام العامة والأمم الأعجميّة إذا كتب إليهم.
ثم قال: فأما الكتب المعتدّة عن السلطان، فإنّ منها كتب الفتوحات
стр. 2991
والسلامات ونحوها، وهي محتملة للألفاظ الفصيحة الجزلة، والإطالة القاضية بإشباع المعنى، ووصوله إلى أفهام كافّة سامعيه من الخاص والعام، ومنها كتب الخراج وجبايته وأمور المعاملات والحساب، وهي لا تحتمل اللفظ الفصيح، ولا الكلام الوجيز؛ لأنها مبنيّة على تمثيل ما يعمل عليه، وإفهام من لا يصل المعنى إلى فهمه إلا بالبيان الشافي في العبارة. ومنها مخاطبته السلطان عن نفسه، فيجب فيها مخاطبته على قدر مكانه من الخدمة من الألفاظ المتوسّطة، ولا يجوز أن يستعمل فيها الفصيحة التي لا تحتمل من تابع في حقّ متبوع؛ لما فيه من تعاطي التفاصح على سلطانه، وهو غير جائز في أدب الملوك، وكذلك لا يجوز فيه تعاطي الألفاظ المبتذلة الدائرة بين السّوقة؛ لما في ذلك من الوضع من السلطان بمقابلته إيّاه بما لا يشبه رتبته.
وأما الكتب الإخوانيّات النافذة في التّهاني والتّعازي، فإنها تحتمل الألفاظ الغريبة القويّة الأخذ بمجامع القلوب، الواقعة أحسن المواقع من النّفوس؛ لأنها مبنيّة على تحسين اللفظ، وتزيين النظم؛ وإظهار البلاغة فيها مستحسن واقع موقعه.
قلت: والذي تراعى الفصاحة والبلاغة فيه من المكاتبات عن الأبواب السلطانية في زماننا مكاتبات ملوك المغرب كصاحب تونس، وصاحب تلمسان، وصاحب فاس، وصاحب غرناطة من الأندلس، وكذلك القانات العظام من ملوك المشرق ومن يجري هذا المجرى، ممن تشتمل بلاده على العلماء بالبلاغة وصناعة الكتابة. ويظهر ذلك بالاستخبار عن بلادهم، وبالاطّلاع على كتبهم الصادرة عن ملوكهم إلى الأبواب السلطانية، بخلاف من لا عناية له بذلك كحكّام أصاغر البلدان وأصحاب اللّغات العجمية من الرّوم والفرنج والسّودان ومن في معناهم؛ فإنه يجب خطابهم بالألفاظ الواضحة، إلا أن يكون في بعض بلادهم من يتعاطى البلاغة من الكتّاب ووردت كتبهم على نهجها فإنه ينبغي مكاتبتهم على سنن البلغاء.
стр. 2992
الأصل التاسع (أن يراعي رتبة المكتوب عنه والمكتوب إليه في الخطاب، فيعبّر عن كل واحد منهما في كلّ مكاتبة بما يليق به، ويخاطب المكتوب إليه بما يقتضيه مقامه)
فأما المكتوب عنه، فيختلف الحال فيه باختلاف منصبه ورتبته.
فإن كان المكتوب عن خليفة، فقد جرت عادة من تقدّم من الكتّاب بالتعبير عنه في الكتب الصادرة عن أبواب الخلافة بأمير المؤمنين، مثل أن يقال: فجرى أمر أمير المؤمنين في كذا على كذا وكذا، وأوعز أمير المؤمنين إلى فلان بكذا، واقتضى رأي أمير المؤمنين كذا، وخرج أمر أمير المؤمنين بكذا، وتقدّم أمر أمير المؤمنين إلى فلان بكذا، وما شاكل ذلك. وربما عبّر عنه بالسلطان، مثل أن يقال في حقّ المخالفين: وحاربوا عساكر السلطان، أو ومنعوا خراج السلطان وما أشبه ذلك، يريدون الخليفة، على ما ستقف عليه في الكتب التي نوردها في المكاتبات عن الخلفاء فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وقال ابن شيث في «معالم الكتابة» : ويخاطب بالمواقف المقدّسة الشريفة، والعتبات العالية، ومقرّ الرحمة، ومحلّ الشرف. وذكر المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف» نحوه، فقال: ويخاطب بالديوان العزيز، والمقام الأشرف، والجانب الأعلى أو الشريف، وبأمير المؤمنين، مجرّدة عن سيّدنا ومولانا ومرّة غير مجرّدة، مع مراعاة المناسبة، والتسديد والمقاربة. قال: وسبب الخطاب بالديوان العزيز الخضعان عن مخاطبة الخليفة نفسه، وتنزيل الخطاب منزلة من يخاطب نفس الديوان، والمعنيّ به ديوان الإنشاء، إذ الكتب وأنواع المخاطبات إليه واردة وعنه صادرة.
وقد سبق في الكلام على الألقاب في المقالة الثالثة نقلا عن ابن حاجب النعمان في «ذخيرة الكتاب» إنكار هذه الاستعارات والمخترعات «١» ، وسيأتي في
стр. 2993
المكاتبة إلى الخلفاء ذكر ترتيبها إن شاء الله تعالى.
وإن كان المكتوب عنه ملكا، فقد جرت العادة أن يعبّر عنه بنون الجمع للتعظيم فيقال: فعلنا كذا، وأمرنا بكذا، واقتضت آراؤنا الشريفة كذا، وبرزت مراسيمنا بكذا، ومرسومنا إلى فلان أن يتقدّم بكذا، أو يتقدم أمره بكذا، وما أشبه ذلك. وذلك أن ملوك الغرب كانوا يجرون على ذلك في مخاطباتهم، فجرت الملوك على سننهم في ذلك. وفي معنى الملوك في ذلك سائر الرؤساء، من الأمراء، والوزراء، والعلماء، والكتّاب، ونحوهم من ذوي الأقدار العلية، والأخطار الجليلة، والمراتب السنيّة في الدّين والدنيا، ممّن يصلح أن يكون آمرا وناهيا، إذا كتبوا إلى أتباعهم ومأموريهم، إذ كانت هذه النون مما يختصّ بذوي التعظيم دون غيرهم. وشاهد ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ
«١» فدعاه دعاء المفرد لعدم المشاركة له في ذلك الاسم، وسأله سؤال الجمع لمكان العظمة، إلى غير ذلك من الآيات الواردة مورد الاختصاص له كما في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها
«٢» وقوله: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى «٣»
وقوله: نَحْنُ الْوارِثُونَ «٤»
وغير ذلك من الآيات. قال في «معالم الكتابة» : وقد أخذ كتّاب المغرب بهذا مع ولاة أمورهم في الجمع بالميم فخاطبوا الواحد مخاطبة الجمع مثل: أنتم، وفعلتم، وأمرتم، وما أشبه ذلك.
قلت: والأمر في ذلك عندهم مستمرّ إلى الآن. قال ابن شيث: وهو غير ما صوّر به عند غيرهم.
стр. 2994
وإن كان المكتوب عنه مرؤوسا بالنسبة إلى المكتوب إليه كالتابع ومن في معناه، فقال في «موادّ البيان» : ينبغي أن يتحفّظ في شأن الكتب النافذة عنه من الإتيان بنون العظمة وغيرها من الألفاظ التي فيها تعظيم شأن المكتوب عنه مثل أن يقول: أمرت بكذا، أو نهيت عن كذا، أو أوعزت بكذا، أو تقدّم أمري إلى فلان بكذا، أو أنهي إليّ كذا، أو خرج أمري بكذا، وما في معنى ذلك مما لا يخاطب به الأتباع رؤساءهم، بل يعدل عن مثل هذه الألفاظ إلى ما يؤدّي إلى معناها مما لا عظمة فيه، مثل أن يقول: وجدت صواب الرأي كذا ففعلته، ورأيت السياسة تقتضي كذا فأمضيته، وما أشبه ذلك، إن كان عرف الكتّاب على الخطاب بالتاء، وإلا قال: وجد المملوك صواب الرأي كذا ففعله، ورأى السياسة تقتضي كذا فأمضاه، وما يجري هذا المجرى.
وأما المكتوب إليه، فقال أبو هلال العسكريّ في كتابه «الصناعتين» :
ينبغي أن يعرف قدر المكتوب إليه من الرؤساء، والنّظراء، والعلماء، والوكلاء؛ ليفرّق بين من يكتب إليه «أنا أفعل كذا» ومن يكتب إليه «نحن نفعل كذا» (فأنا) من كلام الأشباه والإخوان، (ونحن) من كلام الملوك؛ ويفرّق بين من يكتب إليه «فإن رأيت أن تفعل كذا» وبين من يكتب إليه: (فرأيك) . قال في «موادّ البيان» : وذلك إنّ قولهم فإن رأيت أن تفعل كذا لفظ النّظراء والمساوين، بخلاف فرأيك، فإنه لا يكتبه إلا جليل معظّم؛ لتضمنها معنى الأمر والتقدير فر رأيك، بخلاف فإن رأيت، فإنه لا أمر فيه، إذ يقال: فإن رأيت أن تفعل كذا فافعله. على أنّ الأخفش قد أنكر هذا على الكتّاب؛ لأن أقل الناس يقول للسلطان: انظر في أمري، ولفظه لفظ الأمر ومعناه السؤال. وذكر مثله في «صناعة الكتّاب» عن النحويين. قال في «موادّ البيان» : وحجّة الكتّاب أن المشافهة تحتمل ما لا تحتمله المكاتبة؛ لأن المشافهة حاضر يحضر الإنسان لا يمكنه تقييده وترتيبه، والمكاتبة بخلاف ذلك، فلا عذر لصاحبها في الإخلال بالأدب. قال ابن شيث: وقد اصطلحوا على أن يكتب في أواخر الكتب:
стр. 2995
«وللآراء العالية فضل السموّ والقدرة إن شاء الله تعالى» . ودون ذلك: «وللرأي السامي حكمه» ودونه: «والرأي أعلى» . ودونه: «والرأي موفّق» وموفّقا بالرفع والنصب. ودونه: «ورأيه» للمجلس: «ورأيها» للحضرة. قال: وربما قالوا: «فإن رأى مولانا أن يكون كذا وكذا أمر به أو فعل» إلا أنها لا تقوم مقام قوله: والرأي أعلى. فأما لمن دونه فمحتمل. وذكر أنه كان مصطلحهم أن يقال في آخر كتب السلطان: «فاعلم ذلك واعمل به إن شاء الله تعالى» . وإن أعيان أصحاب الأقلام كانوا يكتبونه إلى من دونهم.
قلت: والذي استقرّ عليه الحال أن يكتب في مثل ذلك: «وللآراء العالية مزيد العلوّ» وأن تختم الكتابة للأكابر بمثل: «فنحيط علمه بذلك» ولمن دونهم: «فنحيط بذلك علما» وللأصاغر: «فليعلم ذلك ويعتمده» ونحو ذلك.
قال محمد بن إبراهيم الشيبانيّ: إن احتجت إلى مخاطبة الملوك والوزراء والعلماء والكتّاب والأدباء والخطباء وأوساط الناس وسوقتهم، فخاطب كلّا منهم على قدر أبّهته وجلالته وعلوّه وارتفاعه وفطنته وانتباهه. ولكل طبقة من هذه الطّبقات معان ومذاهب يجب عليك أن ترعاها في مراسلتك إيّاهم في كتبك؛ وتزن كلامك في مخاطبتهم بميزانه، وتعطيه قسمته، وتوفيّه نصيبه، فإنه متى أهملت ذلك وأضعته، لم آمن عليك أن تعدل بهم عن طريقتهم، وتسلك بهم غير مسلكهم، وتجري شعاع بلاغتك في غير مجراه، وتنظم جوهر كلامك في غير سلكه، فلا تعتدّ بالمعنى الجزل ما لم تكسه لفظا مختلفا على قدر المكتوب إليه؛ فإنّ إلباسك المعنى- وإن صح إذا أشرب «١» - لفظا لم تجربه عادة المكتوب إليه تهجين للمعنى، وإخلال لقدر المكتوب إليه، وظلم يلحقه، ونقص مما يجب له، كما أنّ في اتباع متعارفهم، وما انتشرت به عادتهم، وجرت به سنّتهم، قطعا لعذرهم، وخروجا عن حقّهم، وبلوغا إلى غاية مرادهم،
стр. 2996
وإسقاطا لحجّة أدبهم. قال ابن عبد ربه: فامتثل هذه المذاهب وأجر عليها القوم «١» .
قال في «موادّ البيان» : وذلك أن المعاني التي يكتب فيها وإن كان كلّ منها جنسا بعينه، كالتهنئة والتّعزية والاعتذار والعتاب والاستظهار ونحو ذلك، فإنه لا يجوز أن يخرج المعنى لكلّ مخاطب على صيغة واحدة من اللفظ، بل ينبغي أن يخرج في الصيغة المشاكلة للمخاطب، اللائقة بقدره ورتبته. ألا ترى أنك لو خاطبت سلطانا أو وزيرا بالتعزية عن مصيبة من مصائب الدنيا، لما جاز أن تبني الكلام على وعظه وتبصيره وإرشاده وتذكيره وحضّه على الأخذ بحظّ من الصبر، ومجانبة الجزع، وتلقّي الحادثات بالتسليم والرّضا؛ وإنما الصواب أن تبني الخطاب على أنه أعلى شانا، وأرفع مكانا، وأصحّ حزما، وأرجح حلما، من أن يعزّى؛ بخلاف المتأخّر في الرتبة، فإنه إنما يعزّى تنبيها وتذكيرا، وهداية وتبصيرا، ويعرّف الواجب في تلقّي السّرّاء بالشّكر، والضّرّاء بالصبر، ونحو ذلك.
وكذلك إذا كاتبت رئيسا في معنى الاستزادة والشّكوى، لا يجوز أن تأتي بمعناهما في ألفاظهما الخاصّة، بل يجب أن تعدل عن [ألفاظ] الشكوى إلى ألفاظ الشّكر، وعن ألفاظ الاستزادة إلى ألفاظ الاستعطاف والسّؤال في النّظر، لتكون قد رتّبت كلامك في رتبته، وأخرجت معناك مخرج من يستدعي الزيادة لا من يشكو التقصير.
قال ابن شيث في «معالم الكتابة» : ولا يخاطب السلطان في خلال الكتابة إليه بسيّدنا مكان مولانا، فإن «سيدنا» كأنها خصّصت بأرباب المراتب
стр. 2997
الدينية والدّيوانية، «ومولانا» تخصّ السلطان وحده، وإن كان من نعوت السلطان السيّد الأجلّ.
قال: على أن ذلك مخالف لمذهب المغاربة؛ فإنهم يعبّرون عن ولاة أمورهم بالسادة، ويعبّرون عن صاحب الأمر بسيّدنا، وكأن هذا كان في زمانه، وإلا فالمعروف عند أهل المغرب والأندلس الآن التعبير عن السلطان بالمولى، يقول أحدهم مولانا فلان. وأهل مصر الآن يطلقون السادة على أولاد الملوك.
وكذلك لو وقع واقع للسلطان فنصحته لم يجز أن تورد ذلك مورد التنبيه على ما أغفله، والإيقاظ لما أهمله، والتعريف من الصواب لما جهله؛ لأن ذلك من القبيح الذي لا يحتمله الرؤساء من الأتباع، ولكن تبني الخطاب على أنّ السلطان أعلى وأجلّ رأيا، وأصحّ فكرا، وأكثر إحاطة بصدور الأمور وأعجازها، وأن آراء خدمه جزء من رأيه، وأنهم إنما يتفرّسون مخايل الإصابة بما وقفوا عليه من سلوك مذهبه، والتأدّب بأدبه، والارتياض بسياسته، والتنقّل في خدمته، وإنّ مما يفرضونه في حكم الإشفاق والاهتمام، وما يسبغ عليهم من الإنعام، المطالعة بما يجري في أوهامهم، ويحدث في أفكارهم، من الأمور التي يتخيّلون أنّ في العمل بها مصلحة للدولة، وعمارة للمملكة، ليتصفّحه بأصالة رأيه التي هي أوفر وأثبت. فإن استصوبه أمضاه، وإن رأى خلافه ألغاه، وكان الرأي الأعلى ما يراه؛ إلى غير ذلك مما يجرى هذا المجرى.
قال ابن شيث في «معالم الكتابة» : ولا يقارن الكاتب السلطان في تكرار المواضع التي يقع الالتباس فيها بين الكاتب والمكتوب إليه؛ لأن هاء الضمير تعود عليهما معا لما تقدّم من ذكرهما، وإن كان في القرينة ما يدلّ على ذلك بعد الفكرة وإذا ابتدأ معهم بالمملوك لا يقال بعد ذلك العبد ولا الخادم، وإن كان ذلك جائزا مع غير السلطان.
قال: ولا بأس بتكرار الإشارة إلى السلطان في المواضع التي يجمل فيها الاشتراك بينه وبين المكتوب إليه، مثل أن يقال: وكان قد ذكر كذا وكذا،
стр. 2998
والضمير في كان يصلح لهما معا، فلا بدّ هنا من ذكر المملوك، إن كان الالتباس من جهة الكاتب، أو مولانا إن كانت الإشارة إلى السلطان.
الأصل العاشر (أن يراعي مواقع آيات القرآن والسّجع في الكتب، وذكر أبيات الشعر في المكاتبات)
أما آيات القرآن الكريم، فقد ذكر ابن شيث في «معالم الكتابة» أنها في صدر الكتب، قد يذكرها الأدنى للأعلى في معنى ما يكتب به، مثل قوله تعالى:
فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً «١»
وقوله تعالى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ «٢»
إلى غير ذلك من الآيات المناسبة للوقائع وإن كانت في أثناء الكتب، فقد استشهد بها جماعة من الكتّاب في خلال كتبهم مما رأيته.
وأما السجع، فقد ذكر ابن شيث: أنه لا يفرق فيه بين كتاب الأعلى للأدنى وبالعكس، وأنه بما يكتب عن السلطان أليق؛ لكن قد ذكر بعض المتأخّرين أن الكتابة بالسّجع نقص في حق المكتوب إليه، وقضيّته أنه لا يكتب به إلا من الأعلى للأدنى، إلا أن الذي جرى عليه مصطلح كتّاب الزمان تخصيصه ببعض الكتب دون بعض من الجانبين.
وأما الشعر فيورده حيث يحسن إيراده، ويمنعه حيث يحسن منعه، فليس كلّ مكاتبة يحسن فيها إيراد الشعر، بل يختلف الحال في ذلك بحسب المكتوب
стр. 2999
عنه والمكتوب إليه. فأما المكاتبات الصادرة عن الملوك والصادرة إليهم، فقد ذكر في «موادّ البيان» أنه لا يتمثل فيها بشيء من الشعر، إجلالا لهم عن شوب العبارة عن عزائم أوامرهم ونواهيهم والأخبار المرفوعة إليهم، بما يخالف نمطها ووضعها، ولأن الشعر صناعة مغايرة لصناعة الترسّل، وإدخال بعض صنائع الكلام في بعض غير مستحسن.
قلت: الذي ذكره عبد الرحيم بن شيث في كتابه «معالم الكتابة ومواضع الإصابة» أنه [يتمثّل] بالشعر في المكاتبات الصادرة عن الملوك دون غيرهم، وهو معارض لما ذكره في «موادّ البيان» . وكأنه في موادّ البيان يريد الكتب النافذة عن الملوك إلى من دونهم، أو ممّن دونهم إليهم. أما الملوك والخلفاء إذا كتبوا إلى من ضاهاهم في أبّهة الملك وقاربهم في علوّ الرتبة، فإنه لا يمنع التمثّل بأبيات الشعر فيها، تطريزا للنثر بالنّظم، وجمعا بين جنسي الكلام اللذين هما خلاصة مقاصده. وما زالت الخلفاء والملوك السالفة يخلّلون كتبهم الصادرة عنهم إلى نظرائهم في علوّ الرتبة بالأبيات الرقيقة الألفاظ، البديعة المعاني، للاستشهاد على الوقائع المكتوب بسببها، كما كتب أمير المؤمنين «عثمان بن عفّان» ﵁ حين تمالأ عليه القوم واجتمعوا على قتله إلى عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: (طويل)
فإن كنت مأكولا، فكن خير آكل ... وإلّا فأدركني ولمّا أمزّق
«١» ! وكما كتب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه! إلى معاوية بن أبي سفيان، في جواب كتاب له حين جرى بينهما التنازع في الخلافة، فقال في أثناء كتابه: وزعمت أنّي لكلّ الخلفاء حسدت، وعلى كلّهم بغيت؛ فإن يك ذلك كذلك فليست الجناية عليك، فيكون العذر إليك: (طويل)
стр. 3000
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
وعلى ذلك جرى كثير من خلفاء الدولتين الأموية والعبّاسية، كما حكى العسكريّ في «الأوائل» أن أهل حمص وثبوا بعاملها فأخرجوه، ثم وثبوا بعده بعامل آخر، فأمر المتوكّل إبراهيم بن «١» العباس أن يكتب إليهم كتابا يحذّرهم فيه ويختصر، فكتب.
أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين يرى من حقّ الله تعالى عليه فيما قوّم «٢» به من أود أو عدّل به من زيغ، أو لمّ به من شعث، ثلاثا يقدّم بعضهن أمام بعض، فأولاهن ما يستظهر به من عظة وحجّة، ثم ما يشفعه به من تحذير وتنبيه، ثم التي لا ينفع حسم الداء غيرها: (طويل)
أناة فإن لم تغن عقّب بعدها ... وعيد، فإن لم يجد؛ أجدت عزائمه!
وممن كان يكثر التمثّل بالشعر في المكاتبات من خلفاء بني العباس وتصدر إليه المكاتبات كذلك «الناصر لدين الله» حتّى يحكى أن الملك الأفضل، عليّ ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب دمشق حين تعصّب عليه أخوه الملك العزيز عثمان وعمّه الملك العادل أبو بكر، كتب إلى الناصر لدين الله يستجيشه عليهما كتابا يشير فيه إلى ما تعتقده الشّيعة من أنّ الحقّ في الخلافة كان لعليّ، وأن أبا بكر وعثمان ﵄، تقدّما عليه، إذ كان الناصر يميل إلى التشيّع، وكتب فيه: (بسيط)
مولاي، إنّ أبا بكر وصاحبه ... عثمان قد غصبا بالسّيف حقّ علي!
стр. 3001
فانظر إلى حظّ هذا الاسم كيف لقي ... من الأواخر ما لاقى من الأول!
فكتب إليه الناصر الجواب عن ذلك، وكتب فيه: (كامل)
وافى كتابك يا ابن يوسف ناطقا ... بالحقّ يخبر أنّ أصلك طاهر!
غصبوا عليّا حقّه إذ لم يكن ... بعد النّبيّ له بيثرب ناصر!
فاصبر فإنّ على الإله حسابهم ... وابشر فناصرك الإمام الناصر!
وعلى ذلك جرى الملوك القائمون على خلفاء بني العباس في مكاتباتهم أيضا. كما كتب أبو إسحاق الصابي عن معزّ الدولة بن بويه، إلى عدّة الدولة أبي تغلب كتابا يذكر له فيه خلاف قريبين له، لم يمكنه مساعدة أحدهما على الآخر، واستشهد فيه بقول المتلمس «١» : (طويل)
وما كنت إلا مثل قاطع كفّه ... بكفّ له أخرى فأصبح أجذما!
فلمّا استقاد الكفّ، بالكفّ، لم يجد ... له دركا في أن تبينا فأحجما
«٢» وعلى هذا النّهج جرى الحال في الدّولة الأيّوبية بالديار المصرية. كما كتب القاضي الفاضل عن السلطان صلاح الدين «يوسف بن أيّوب» إلى ديوان الخلافة ببغداد، عند قتل ابن رئيس الرّؤساء وزير الخليفة كتابا ليسلّي الخليفة عنه، وكان ممن أساء السيرة وأكثر الفتك، متمثّلا بالبيتين المقولين في أبي حفص الخلّال، وزير أبي العبّاس السّفّاح، وكان يعرف بوزير آل محمد: (كامل)
إنّ المكاره قد تسرّ، وربّما ... كان السّرور بما كرهت جديرا!
стр. 3002
إنّ الوزير وزير آل محمّد ... أودى، فمن يشناك كان وزيرا
وكما كتب القاضي «محيي الدين بن عبد الظاهر» عن «المنصور قلاوون» إلى صاحب اليمن في جواب تعزية أرسلها إليه في ولده الملك الصالح، مع تعريضه في أمر له بأن الحروب مما يشغل عن المصائب في الأولاد، مستشهدا فيه بقوله: (وافر)
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأهون ما تمرّ به الوحول!
وكما كتب صاحبنا الشيخ علاء الدين البيري، ﵀، عن «الظاهر برقوق» صاحب الديار المصرية، جوابا لصاحب تونس من بلاد المغرب، واستشهد فيه لبلاغة الكتاب الوارد عنه بقوله: (خفيف)
وكلام كدمع صبّ «١» غريب ... رقّ حتّى الهواء يكثف عنده!
راق لفظا، ورقّ معنى، فأضحى ... كلّ سحر من البلاغة عبده!
وعلى ذلك جرت ملوك المغرب من بني مرين وغيرهم. كما كتب بعض كتّاب السلطان أبي «الحسن المرينيّ» عنه إلى السلطان الملك الناصر «محمد بن قلاوون» صاحب الديار المصرية كتابا يخبره في خلاله أنّ صاحب بجاية «٢» خرج عن طاعته فغزاه، وأوقع به وبجيوشه ما قمعه، مستشهدا فيه بقوله:
(سريع)
إن عادت العقرب، عدنا لها ... وكانت النّعل لها حاضره
إلى غير ذلك من المكاتبات الملوكية التي لا تحصى كثرة. بل ربما وقع التمثيل بالشّعر في المكاتبات عن الخلفاء والملوك إلى من دونهم وبالعكس.
стр. 3003
كما حكى العسكريّ في «الأوائل» أن رافعا رفع كتابا إلى الرّشيد، وكتب في أسفله: (طويل)
إذا جئت عارا أو رضيت بذلّة، ... فنفسي على نفسي من الكلب أهون!
فكتب إليه الرشيد كتابا وكتب في أسفله: (طويل)
ورفعك نفسا طالبا فوق قدرها ... يسوق لك الحتف المعجّل والذّلّا
وبالجملة فمذاهب الناس في التمثّل بالشّعر في المكاتبات الملوكيّة مختلفة، ومقاصدهم متباينة بحسب الأغراض؛ ولذلك أورد الشيخ جمال الدين بن نباتة هذه المسألة في جملة أسؤولته، التي سأل عنها كتّاب الإنشاء بدمشق، مخاطبا بها الشيخ شهاب الدين محمودا الحلبيّ، وهو يومئذ صاحب ديوان الإنشاء بها فقال: ومن كره الاستشهاد في مكاتبة الملوك بالأشعار؟ وكيف تركها على ما فيها من الآثار؟
أما المكاتبات الإخوانيات الواقعة بالتّهاني، والتّعازي، والتّزاور، والتّهادي، والمداعبة، وسائر أنواع الرّقاع في فنون المكاتبات، فقد قال في «موادّ البيان» : إنه يجوز أن تودع أبيات الشعر على سبيل التمثّل وعلى سبيل الاختراع، محتجّا بأن الصّدر الأوّل كانوا يستعملون ذلك في هذه المواضع. وهذا الذي ذكره لا خفاء فيه، وكتب الرسائل المدوّنة من كلام المتقدّمين والمتأخّرين من كتّاب المشرق والمغرب شاهدة بذلك، ناطقة باستعمال الشعر في المكاتبات، وأثنائها ونهاياتها، ما بين البيت والبيتين فأكثر، حتّى القصائد الطّوال. وأكثر ما يقع من ذلك البيت المفرد والبيتان فما حول ذلك. كما استشهد القاضي الفاضل في بعض مكاتباته في الشوق بقوله: (طويل)
ومن عجبي أنّي أحنّ إليهم، ... وأسأل عنهم من أرى وهم معي!
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي!
وكما كتب أيضا لبعض إخوانه في جواب كتاب: (طويل)
стр. 3004
وكم قلت حقّا: ليتني كنت عنده! ... وما قلت إجلالا له: ليته عندي!
وكما كتب في وصف كتاب ورد عليه مستشهدا بقوله: (كامل)
وحسبته- والطّرف معقود به- ... وجه الحبيب بدا لوجه محبّه!
وكما كتب في كتاب تعزية بصديق مستشهدا فيه بقوله: (طويل)
وذاك الّذي لا يبرح الدّهر رزؤه «١» ، ... ولا ذكره ما أرزمت أمّ حائل.
إلى غير ذلك من المكاتبات التي لا يأخذها حصر، ولا تدخل تحت حدّ، مما ستقف على الكثير منه في الكلام على مقاصد المكاتبات، إن شاء الله تعالى.
الأصل الحادي عشر (أن يأتي في مكاتبته بحسن الاختتام)
ويرجع إلى معنيين، كما في حسن الافتتاح المقدّم ذكره.
المعنى الأوّل- أن يكون الحسن فيه راجعا إلى المعنى المختتم به
، إما بمعاطاة الأدب من المرؤوس إلى الرئيس ونحو ذلك، وإما بما يقتضي التعزير والتوقير من الرئيس إلى المرؤوس، كالاختتام بالدعاء ونحو ذلك، مما يقع في مصطلح كل زمن.
المعنى الثاني- أن يكون الحسن فيه راجعا إلى ما يوجب التحسين من سهولة اللفظ
، وحسن السّبك، ووضوح المعنى، وتجنّب الحشو، وغير ذلك من موجبات التحسين؛ كما كتب الصاحب بن عبّاد في آخر رسالة له: «لئن حنثت «٢» فيما حلفت، فلا خطوت لتحصيل مجد، ولا نهضت لاقتناء حمد، ولا سعيت إلى مقام فخر، ولا حرصت على علوّ ذكر» . قال أبو هلال
стр. 3005
العسكري: فهذه اليمين، لو سمعها عامر بن الظّرب، لقال هي اليمين الغموس لا القسم باللات والعزّى «١» ومناة الثالثة الأخرى، ونحو ذلك مما يجري هذا المجرى.
قلت: واعتبار هذه الأصول [الأحد عشر] «٢» بعد ما تقدّم اعتباره في الكلام على صنعة إنشاء الكلام وترتيبه في المقالة الأولى، من أنه لا يستعمل في كلامه ما أتت به آيات القرآن الكريم، من الاختصار، والحذف، ومخاطبة الخاصّ بمخاطبة العامّ، ومخاطبة العامّ بمخاطبة الخاصّ، ولا ما يختصّ بالشّعر من صرف ما لا ينصرف، وحذف ما لا يحذف، وقصر الممدود، ومدّ المقصور، والتقديم والتأخير، والإضمار في موضع الإظهار، وتصغير الاسم في موضع التعظيم، مثل دويهية، وما شاكل ذلك مما تقدّم التنبيه عليه في موضعه، فلا بدّ من اعتباره هنا.
الأصل الثاني عشر (أن يعرف مقادير قطع الورق، وسعة الطّرّة والهامش، وسعة بيت العلامة ومقدار ما بين السّطور وما يترك في آخر الكتاب)
أما مقدار قطع الورق، فقد تقدّم في المقالة الثالثة أنه يختلف باختلاف المكتوب إليهم عن السلطان، فكلّما عظم قدر المكتوب إليه، عظم مقدار قطع الورق؛ وربما روعي في ذلك قدر المكتوب عنه والمكتوب إليه جميعا.
стр. 3006
وأما طول الطّرّة «١» في أعلى الكتاب، فقد ذكر في «معالم الكتابة» أنها تطوّل فيما إذا كان الكتاب من الأعلى إلى الأدنى، وتكون متوسطة من الأتباع، وسيأتي أنّ المصطلح عليه في زماننا أن المكاتبات الصادرة عن السلطان تكون الطرّة فيها ما بين ثلاثة أوصال إلى وصلين، ومن النّواب ومن في معناهم تكون وصلا واحدا.
وأما مقدار سعة الهامش فقد سمعت بعض فضلاء الكتّاب يذكر أن الضابط فيه أن يكون ثلث عرض الدّرج المكتوب فيه.
وأما بيت العلامة فقد تقدّم أنه يكون مقدار نحو شبر في كتب السلطان، أما في غيره- حيث كانت العلامة تحت البسملة- فتكون نحو ثلاثة أصابع أو أربعة.
وأما سعة ما بين السطور فقد تقدّم أنها تكون بمقدار نصف بيت العلامة.
وذكر ابن شيث أنها ثلاثة أصابع أو أربعة.
وأما [ما يترك في] آخر الكتاب فقد ذكر ابن شيث أنه لا يترك في آخر المكاتبة شيئا.
وأما الخطّ فإنه كلّما غلظ القلم واتسعت السطور كان أنقص في رتبة
стр. 3007
المكتوب إليه وقد ذكر في «معالم الكتابة» أنّ الكتب الصادرة إلى السلطان لا يكون بين سطورها أكثر من إصبعين.
الطّرف الثاني (في بيان مقادير المكاتبات وما يناسبها من البسط والإيجاز، وما يلائم كلّ مكاتبة منها من المعاني)
ولتعلم أن المكاتبات على ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل (ما يكتب عن السلطان أو من في معناه من الرؤساء إلى الأتباع، وهي على ضربين)
الضرب الأوّل (ما يعمل فيه على الإيجاز والاختصار)
وقد استحسنوا الإيجاز في خمسة مواضع:
أحدها- أن يكون المكتوب عن السلطان في أوقات الحروب إلى نوّاب الملك
. قال في «حسن التوسل» : فيجب أن يتوخّى الإيجاز والألفاظ البليغة الدالة على القصد، من غير تطويل ولا بسط يضيع المقصد ويفصل الكلام بعضه من بعض. ولا يعمد في ذلك إلى تهويل لأمر العدوّ يضعف القلوب، ولا تهوين لأمره بحيث يحصل به الاغترار.
الثاني- أن يكون ما يكتب به عن السلطان خبرا يريد التورية به عنه
وستر حقيقته، كإعلامهم بالحوادث الحادثة على الملوك، والنوائب الملمّة بالدولة من هزيمة جيش، أو تغيير رسم، أو إحداثه، أو تكليف الرعيّة ما لا يسهل عليها تكليفه وما أشبه ذلك. قال في «موادّ البيان» : فيجب أن يقصد في ذلك الاختصار والإيجاز، ويعدل عن استعمال الألفاظ الخاصّة بالمعنى إلى غيرها مما يحتمل التأويل، ولا تنفر الأسماع عنه، ولا تراع القلوب به، من غير أن يحتمل كذبا
стр. 3008
صراحا «١» ؛ فإنه لا شيء أقبح بالسلطان، ولا أغمص لشأنه وقدره من أن يضمّن كتابه ما ينكشف للعامّة بطلانه. قال: وينبغي للكاتب أن يتخلّص من هذا الباب التخلّص الجيّد الذي يزيّن به الأثر، من غير تصريح بكذب، وأن يخرج الباطل في صورة الحق، ويعرّض سلطانه في ذلك للإحماد والتقريظ من حيث يستحقّ التأنيب والإذمام، فإن هذه سبيل البلاغة، وطريقة فضلاء الصّناعة؛ لأن الأمر الظاهر الحسن المجمع على فضله لا يحتاج في التعبير عن حسنه إلى كدّ الخاطر، وإتعاب الفكر، إذ الألكن «٢» لا يعجز عن التعبير عنه فضلا عن اللّسن «٣» ، وإنما الفضل في تحسين ما ليس بحسن، وتصحيح ما ليس بصحيح، بضروب من التمويه والتخييل، وإقامة المعاذير، والعلل المعفّية على الإساءة والتقصير، من حيث لا يلحق كذب صريح ولا زور مطلق. ولضيق هذا المقام وصعوبة مرتقاه، أورده الشيخ جمال الدين بن نباتة في جملة مسائله التي سأل عنها كتّاب الإنشاء بدمشق- فقال: وما الذي يكتب عن المهزوم إلى من هزمه؟.
الثالث- أن يكون المكتوب به عن السلطان أمرا أو نهيا
. قال في «موادّ البيان» : فحكمها حكم التوقيعات الوجيزة الجامعة للمعاني، الجازمة بالأمر أو النهي، اللهم إلا أن يكون الأمر أو النهي مما يحتاج إلى رسوم ومثل يعمل عليها، فيحتاج إلى الإطالة والتكرير، بحسب ما يؤمر به وينهى عنه دون الحذف والإيجاز.
الرابع- أن تكون الكتب المكتوبة عن السلطان باستخراج الخراج
وجباية الأموال وتدبير الأعمال. قال في «موادّ البيان» : فسبيلها أن ينصّ فيها على ما رآه السلطان ودبّره، ثم يختتم بفصل مقصور على التوكيد في امتثال أمره
стр. 3009
وإنفاذه؛ ولا يقتصر على ما تقدّم، إيجابا للحجّة، وتضييقا للعذر، وحسما لأسباب الاعتذار.
الخامس- أن يكون ما يكتب به عن السلطان إحمادا أو إذماما
، أو وعدا أو وعيدا أو استقصارا أو عذلا أو توبيخا. قال في «موادّ البيان» : فيجب أن يشبع الكلام ويمدّ القول، بحسب ما يقتضيه أمر المكتوب إليه، في الإساءة والإحسان، والاجتهاد والتقصير، لينشرح صدر المشمّر المحسن، وينبسط أمله ورجاؤه؛ ويرتدع المقصّر المسيء، ويرتجع عما يذمّ منه، ويتلافى ما فرّط فيه.
الضرب الثاني (ما يعمل فيه على البسط والإطناب)
وقد استحسنوا البسط في موضعين:
أحدهما- أن يكون ما يكتب به السلطان خبرا يريد تقرير صورته في نفوس العامة
، كالإخبار بالفتوحات المتجدّدة في إعلاء الدّين والسلطان. قال في «موادّ البيان» : فيجب أن يشبع القول فيها، ويبني على الإسهاب والإطناب وتكثير الألفاظ المترادفة، ليعرفوا قدر النّعمة الحادثة، وتزيد بصائرهم في الطاعة، ويعلو موضع سلطانهم من عناية الله تعالى به، فتقوى قلوب أوليائه، وتضعف قلوب أعدائه؛ لأنه لو كتب كتابا في فتح جليل ليقرأ في المحافل والمشاهد العامّة على رؤوس الأشهاد بين العامّة ومن يراد تفخيم السلطان في نفسه على صورة الاختصار، لأوقع كلامه في غير رتبته، ودلّ ذلك على جهله. وقد أوضح الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ، ﵀، هذا المقام في كتابه «حسن التوسل» فقال: وإذا كتب في التهاني بالفتوح فليس إلا بسط الكلام والإطناب في شكر نعمة الله تعالى، والتبرّي من الحول والقوّة إلا به، ووصف ما أعطى من النصر، وذكر ما منح من الثبات، وتعظيم ما يسّر من الفتح؛ ثم وصف ما بعد ذلك من عزم، وإقدام، وصبر، وجلد، عن الملك وعن جيشه مما حسن وصفه ولاق ذكره، وراق التوسّع فيه، وعذب بسط الكلام معه. قال: ثم كلّما اتسع
стр. 3010
مجال الكلام في ذكر الواقعة ووصفها، كان أحسن وأدلّ على السّلامة، وأدعى لسرور المكتوب إليه، وأحسن لتوقّع المنّة عنده، وأشهى إلى سمعه، وأشفى لغليل شوقه إلى معرفة الحال. قال: ولا بأس بتهويل أمر العدوّ، ووصف جمعه وإقدامه، فإنّ في تصغير أمره تحقيرا للظّفر به.
قال في «موادّ البيان» : ولا يحتجّ للإيجاز في كتب الفتوح بما كتب به كاتب المهلّب «١» بن أبي صفرة إلى الحجّاج في فتح الأزارقة، على ارتفاع خطره، وطول زمانه، وعظم صيته، من سلوكه فيه مسلك الاختصار؛ حيث كتب فيه:
«الحمد لله الذي كفى بالإسلام فقد ما سواه، وجعل الحمد متصلا بنعماه؛ وقضى أن لا ينقطع المزيد من فضله، حتّى ينقطع الشّكر من خلقه. ثم إنّا كنّا وعدوّنا على حالين مختلفين، نرى منهم ما يسرّنا أكثر مما يسوءنا، ويرون منا ما يسوءهم أكثر مما يسرّهم؛ فلم يزل ذلك دأبنا ودأبهم، ينصرنا الله ويخذلهم، ويمحّصنا ويمحقهم؛ حتّى بلغ الكتاب بناديهم أجله فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
«٢» .
فإنه إنما حسن في موضعه لمخاطبة السّلطان به، ولغرض كانت المكاتبة فيه. قال: فإن كتب مثل هذا الكتاب عن السلطان في مثل هذا الفتح أو ما يقاربه؛ ليورد على العامّة، ويقرّر في نفوسهم به قدر النعمة، لم يحسن موقعه،
стр. 3011
وخرج عن شرط البلاغة بوضعه إيّاه في غير موضعه، وذكر العسكريّ نحو ذلك في «الصناعتين» .
ثم قال في «حسن «١» التوسل» : وإن كان المكتوب إليه ملكا صاحب مملكة بمفرده، تعيّن أن يكون البسط أكثر، والإطناب والتهويل أبلغ، والشرح أتمّ. ثم قال: وإن اضطرّ أن يكتب مثل ذلك إلى ملك غير مسلم لكنّه غير محارب، فالحكم في ذلك أن يذكر من أسباب المودّة ما يقتضي المشاركة في المسارّ، وأنّ أمر هذا العدوّ مع كثرته أخذ بأطراف الأنامل، وآل أمره إلى ما آل.
ويعظّم ذكر ما جرى عليه من القتل والأسر، ويقول: إن تلك عوائد نصر الله تعالى لنا، وانتقامه ممّن عادانا.
وإن كان المكتوب إليه متّهما بممالأة العدوّ، كتب إليه بما يدل على التّقريع والتهكّم والتهديد في معرض الإخبار.
الثاني- أن يكون ما يكتب به عن السلطان في أوقات حركات العدوّ إلى أهل الثّغور
، يعلمهم بالحركة للقاء عدوّهم قال في «حسن «٢» التوسل» : فيجب أن يبسط القول في وصف العزائم، وقوّة الهمم، وشدّة الحميّة للدّين، وكثرة العساكر والجيوش وسرعة الحركة، وطيّ المراحل، ومعاجلة العدوّ، وتخييل أسباب النّصر، والوثوق بعوائد الله تعالى في الظّفر، وتقوية القلوب منهم، وبسط آمالهم، وحثّهم على التيقّظ، وحفظ ما بأيديهم، وما أشبه ذلك. ويبرز ذلك في أمثل كلام وأجلّه وأمكنه، وأقربه من القوّة والبسالة، وأبعده من اللّين والرقّة. ويبالغ في وصف الإنابة إلى الله تعالى واستنزال نصره وتأييده، والرّجوع إليه في تثبيت الأقدام، والاعتصام به في الصبر، والاستعانة به على العدوّ، والرغبة إليه في خذلانهم وزلزلة أقدامهم وجعل الدائرة عليهم، دون التصريح ببطلان حركتهم، ورجاء تأخّرهم، وانتظار العرضيّات في ضعفهم، لما في ذلك
стр. 3012
من إيهام الضّعف عن لقائهم، واستشعار الوهم والخوف منهم.
القسم الثاني (ما يكتب به عن الأتباع إلى السلطان والطّبقة العليا من الرؤساء، وهو على ضربين)
الضرب الأوّل (ما يعمل فيه على الإيجاز والاختصار)
وقد استحبّوا الإيجاز في ثلاثة مواضع:
أحدها- أن يكون ما يكتب به من باب الشكر على نعمة يسبغها سلطانه عليه
، وعارفة يسديها إليه. قال في «موادّ البيان» : فسبيله أن لا يبنيها على الإسهاب وتجاوز الحدّ، بل يبنيها على اللّفظ الوجيز، الجامع لمعاني الشّكر، المشتمل على أساليب الاعتراف والاعتداد، فإنّ إطناب الأصاغر في شكر الرؤساء داخل في باب الإضجار والإبرام، ولا سيّما إذا رجعوا إلى خصوصيّة وتقدّم خدمة. وكذلك لا يكثر من الثناء عليه؛ لأن ذلك من باب الملق الذي لا يليق إلا بالأباعد الذين لم يتقدّم لهم من المواتّ «١» والحرم»
ما يدلّ على صحّة عقائدهم، ولم يضف عليهم من النّعم ما يوجب خلوص نيّاتهم. أما إذا كان المثني أجنبيّا متكسّبا بالتقريظ والثناء، فإنه لا يقبح به الإيغال والإغراق فيهما. قال: وكذلك لا ينبغي للخاصة الإكثار من الدعاء، وتكريره في صدور الكتب عندما يجري ذكر الرئيس، فإنّ في ذلك مشقّة وكلفة يستثقلها الملوك.
والحكم فيما يستعمل من ذلك في الكتب شبيه بما يستعمل شفاها منه. ويقبح من خادم السلطان أن يشغل سمعه في مخاطبته إياه بكثرة الدعاء وتكريره.
الثاني- أن يكون ما يكتب به التابع إلى السلطان
ونحوه في سؤال حسن
стр. 3013
النظر وشكوى الفقر والخصاصة «١» . قال في «موادّ البيان» : فيبني القول على الإيجاز ويمزج الشكوى بالشّكر والاعتداد بالآلاء «٢» ، والرغبة في مضاعفة الإحسان والزيادة في البرّ، والإلحاق بالطّبقة الرابعة في إيلاء العوارف، فإن ذلك أعطف لقلب الرئيس، وأدعى إلى بلوغ الغرض. ولا يكثر شكوى الحال ورثاثتها، واستيلاء الخصاصة والفقر عليه، فإن ذلك يجمع إلى الإضجار والإبرام شكاية الرئيس بسوء حال مرؤسه، وقلة ظهور نعمته عليه، وذلك مما يكرهه الرؤساء ويذمّونه.
الثالث- أن يكون ما يكتب به التابع إلى المتبوع من باب التنصّل
والاعتذار عن شيء قرف به عند رئيسه. قال في «موادّ البيان» : فسبيله أن يبني كلامه على الاختصار، ويعدل عن الإسهاب والإطناب، ويقصد إلى النّكت التي تزيل ما عرض عنده من الشّبهة في أمره، وتمحو الموجدة السابقة إلى ضمير رئيسه. ولا يصرّح ببراءة الساحة عن الإساءة والتقصير، فإنّ ذلك مما يكرهه الرؤساء من أتباعهم؛ لأن عادتهم جارية بإيثار اعتراف الخدم بالتقصير والتّفريط، والإقرار بالمقروف به ليكون لهم في العفو عند الإقرار موضع منّة مستأنفة تستدعي شكرا، وعارفة مستجدّة تقتضي نشرا. أما إذا أقام التابع الحجة على براءته مما قرف به، فلا موضع للإحسان إليه في إقراره على منزلته والرضا عنه، بل يكون ذلك قدرا واجبا له، إن منعه إيّاه ظلمه وتعدّى عليه.
الضرب الثاني (ما يعمل فيه على البسط والإطناب)
وقد استحبّوا البسط هنا في موضع واحد؛ وهو ما إذا كان ما يكتب به
стр. 3014
التابع إلى السلطان واقعا في باب الإخبار بأحوال ما ينظر فيه من الأعمال، وما يجري على يديه من المهمّات. قال في «موادّ البيان» : فسبيله أن يوفّي حقّه في الشرح والبيان، ويسلك فيه طريقة يجمع فيها بين إيضاح الأغراض من غير هذر يضجر ويملّ، ولا اختصار يقصّر ويخلّ، وأن يقصد إلى استعمال الألفاظ السّهلة التي تصل معانيها إلى الأفهام من غير كلفة، ويتجنب ما يقع فيه تعقيد وتوعير أو إبهام، إلا أن يعرض له في المكاتبة ما يحتاج إلى التّورية والكناية كما تقدّم فيما إذا أطلق عدوّ لسانه في السلطان فإنه يحتاج إلى الكناية عنه على ما مرّ.
القسم الثالث (ما يكتب به إلى الأكفاء «١» والنّظراء، والطبقة الثانية من الرؤساء)
قال في «موادّ البيان» : وسبيل مكاتبتهم أن يؤتى فيها باللفظ المساوي للمعنى من غير إيجاز ولا إطناب؛ لأنها رتبة متوسطة بين الرّتبتين المتقدّمتين.
ولا يخفى أنّ ما ذكره إنما هو عند الوقوف مع حقائق المكاتبات. أما الإخوانيّات المطلقة، فإنها تكون في الطّول والقصر بحسب ما بين الصديقين من المودّة والقرب، وما يعلمه كلّ واحد منهما من خلق الآخر، وما توجبه دالّته عليه.
وسيأتي في مقاصد المكاتبات من أمثلة الأقسام الثلاثة ما يوضّح مقاصدها ويقرّب مآخذها إن شاء الله تعالى.
الطّرف الثالث (في أمور تختص بالأجوبة، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في بيان أيّ الأمرين من الابتداء والجواب أعلى رتبة وأبلغ في صناعة الكتابة)
وقد اختلف الكتّاب في ذلك، فذهب أكثر البلغاء إلى أن الكتب الجوابيّة
стр. 3015
أتعب مطلبا وأصعب مرتفى من الكتب الابتدائية، وأن فيها تظهر مهارة الكاتب وحذقه، لا سيما إذا كان الخطاب محتملا «١» للاعتذار والاعتلال عن امتثال الأوامر والنواهي، والتّورية عن نصوص الأحوال، والإعراض عن ظواهرها، قائدا إلى استعمال المغالطة، موجبا للانفصال عن الاحتجاج والإلزام، ونحو ذلك مما يؤدّي إلى الخلاص من المكاره.
واحتجّوا لترجيح ذلك بوجوه.
منها- أن المبتديء محكّم في كتابه، يبتديء بألفاظه كيف شاء، ويقطعها حيث يشاء، ويتصرّف في التقديم والتأخير، والحذف والإثبات والإيجاز والإسهاب؛ ويبني على أساس يؤسسه لنفسه، والمجيب ليس له تقديم ولا تأخير، وإنما هو تابع لغرض المبتديء، بان على أساسه.
ومنها- أنّ المجيب- إذا كان جوابه محتملا للإشباع والتوسّع- مضطرّ إلى اقتصاص ألفاظ المبتديء واتّباعها للإجابة عنها، وذلك يؤدّي إلى تصفّح كلام المبتديء والمجيب ويصل ما بين الكلامين، لأن الكلامين يتقابلان فلا تخفى رتبتهما والفاضل منهما من الرّذل، وهذا مرفوع عن المبتديء.
ومنها- أن تأليف الكلام وانتظامه واتّساقه والتئامه يقدر منها المبتديء على ما لا يقدر عليه المجيب؛ لأن الجواب يفصّل أجزاء الكلام ويبدّد نظامه ويقسّمه أقساما، لمكان الحاجة إلى استئناف القول من الفصل بعد الفصل بقول وأمّا كذا وأمّا كذا، فظهور الصورة المستحسنة، في المتصل أكثر من ظهورها في المنفصل.
أما إذا كان الجواب مقتضبا مبنيّا على امتثال مأمور، أو انتهاء عن منهيّ عنه، فإنه سهل المرام، قريب المتناول؛ لأنه إنما يشتمل على ذكر وصول الكتاب والعمل بما فيه.
следующие страницы →