Полный текст (7 500 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
الأوّل- صاحب أمحرا
«١» ، ملك ملوك الحبشة، ولقبه عندهم حطّي- بفتح الحاء وكسر الطاء المشدّدة المهملتين، سمة على كلّ من ملّك عليهم منهم.
قد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك في المقالة الثانية أنه نصرانيّ يعقوبيّ، يحكم على تسعة وتسعين ملكا، منهم سبعة مسلمون، وهم صاحب وفات، وصاحب دوارو، وصاحب أرابيني، وصاحب شرحا، وصاحب هدية، وصاحب بالي، وصاحب دارة، وأنه لولا أنّ معتقد دين النّصرانية لطائفة اليعاقبة أنه لا يصحّ تعمد معموديّ إلّا باتّصال من البطريرك، وأنّ كرسيّ البطريرك كنيسة الإسكندريّة فيحتاج إلى أخذ مطران بعد مطران من عنده، لشمخ بأنفه عن المكاتبة لكنه مضطرّ إلى ذلك.
قال في «التعريف» ورسم المكاتبة إليه:
أطال الله بقاء الحضرة العالية، الملك، الجليل، الهمام، الضّرغام، الأسد، الغضنفر، الخطير، الباسل، السّميدع «٢» ، العالم في ملّته، العادل في مملكته، المنصف لرعيّته، المستمع «٣» لما يجب في أقضيته، عزّ الملّة النّصرانية، ناصر الملّة المسيحيّة، ركن الأمّة العيسويّة، عماد بني المعموديّة، حافظ البلاد الجنوبيّة، متّبع الحواريّين، والأحبار «٤» الرّبّانيين، والبطاركة القدّسين، معظّم كنيسة صهيون، أوحد ملوك اليعقوبية، صديق الملوك والسلاطين، ويدعى له دعاء مفخّما يليق به [ولا يعلم له] «٥» وهذا دعاء وصدر يليقان به، ذكرهما في «التعريف» :
стр. 3782
وأظهر فضله «١» على من يدانيه من كلّ ملك هو بالتاج معتصب، ولكفّ اللّجاج بالعدل منتصب، ولقطع حجاج كلّ معاند بالحق معتصر أو للحقّ مغتصب.
صدرت هذه المفاوضة إلى حضرته العلية ومن حضرة القدس مسراها، ومن أسرة الملك القديم سراها، وعلى صفاء تلك السّريرة الصافية ترد وإن لم يكن بها غليل، وإلى ذلك الصديق الصّدوق [المسيحيّ] تصل، وإن لم تكن بعثت إلّا من تلقاء الخليل.
ولم يذكر القطع الذي يكتب إليه فيه. أما في «التثقيف» «٢» : فإنه ذكر أنه يكتب إليه في قطع الثلث بقلم التوقيعات ما نصه:
أطال الله بقاء الملك، الجليل، المكرّم، الخطير، الأسد، الضّرغام، الهمام، الباسل، فلان بن فلان، العالم في ملّته، العادل في مملكته، حطّي ملك أمحرا، أكبر ملوك الحبشان، نجاشيّ عصره، سند الملّة المسيحية، عضد دين النصرانية، عماد بني المعمودية، صديق الملوك والسلاطين، والدعاء، وتعريفه «صاحب الحبشة» .
قال: فإن كانت المكاتبة جوابا، صدّر الكتاب إليه بما صورته: ورد كتاب الملك الجليل، ويذكر بقية المكاتبة. ثم قال: وهذه المكاتبة هي التي استقرّ عليها الحال عند ما كتب جوابه في التاسع من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة.
وهذه نسخة جواب كتاب ورد عن صاحب الحبشة من سلطنة الملك
стр. 3783
المظفّر «١» صاحب اليمن، على الملك «الظاهر «٢» بيبرس» ﵀، بطلب مطران يقيمه لهم البطرك، مما كتب به القاضي محيي «٣» الدين بن عبد الظاهر ﵀، وهي:
ورد كتاب الملك، الجليل، الهمام، العادل في ملّته، حطّيّ ملك أمحرا أكبر ملوك الحبشان، الحاكم على ما لهم من البلدان، نجاشيّ عصره، صديق الملوك والسلاطين، سلطان الأمحرا، حرس الله نفسه، وبنى على الخير أسّه، فوقفنا عليه وفهمنا ما تضمّنه. فأما طلب المطران فلم يحضر من جهة الملك أحد حتّى كنا نعرف الغرض المطلوب، وإنما كتاب السلطان الملك المظفّر صاحب اليمن ورد مضمونه أنه وصل من جهة الملك كتاب وقاصد، وأنه أقام عنده حتّى يسيّر إليه الجواب. وأما ما ذكره من كثرة عساكره، وأن من جملتها مائة ألف فارس مسلمين، فالله تعالى يكثر في عساكر الإسلام. وأما وخم بلاده فالآجال مقدّرة من الله تعالى، ولا يموت أحد إلّا بأجله، ومن فرغ أجله مات.
واعلم أنّ العادة جرت أنه كلما كتب إليه كتاب عن الأبواب السلطانية كتب
стр. 3784
قرينه كتاب عن البطريرك. قال في «التعريف» : ولأوامر البطريرك عنده ما لشريعته من الحرمة، وإذا كتب كتابا فأتى ذلك الكتاب أوّل مملكته، خرج عميد تلك الأرض فحمل الكتاب على رأس علم، ولا يزال يحمله بيده حتّى يخرجه من أرضه، وأرباب الديانة في تلك الأرض، كالقسوس والشّمامسة حوله مشاة بالأدخنة، فإذا خرجوا من حدّ أرضهم تلقّاهم من يليهم أبدا كذلك في كلّ أرض بعد أرض حتّى يصلوا إلى أمحرا، فيخرج صاحبها بنفسه، ويفعل مثل ذلك الفعل الأوّل، إلّا أنّ المطران هو الذي يحمل الكتاب لعظمته لا لتأبّي الملك. ثم لا يتصرف الملك في أمر ولا نهي، ولا قليل ولا كثير، حتّى ينادى للكتاب، ويجتمع له يوم الأحد في الكنيسة، ويقرأ والملك واقف، ثم لا يجلس مجلسه حتّى ينفّذ ما أمره به.
الثاني- صاحب دنقلة
«١» قد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك أن دنقلة هي قاعدة مملكة النّوبة، وأنها كانت في الأصل يكون ملكها من نصارى النّوبة، ومعتقدهم معتقد اليعاقبة، وأنه ربما غلب عليها بعض المسلمين من العرب فملكها، وقد تقدّم ذكر المكاتبة إلى صاحبها إذا كان مسلما، أما إذا كان نصرانيا فقد ذكر في «التثقيف» أن المكاتبة إليه: هذه المكاتبة إلى النائب، الجليل، المبجّل، الموقّر، الأسد، الباسل، فلان، مجد الملّة المسيحية، كبير الطائفة الصليبيّة، غرس الملوك والسلاطين، والدعاء، وتعريفه «النائب بدنقلة» .
المقصد الرابع (في المكاتبة إلى ملوك الكفّار بالجانب الشّماليّ من الرّوم والفرنجة على اختلاف أجناسهم، وجميعهم معتقدهم معتقد الملكانيّة)
وجملة ما ذكر من المكاتبات في «التعريف» و «التثقيف» اثنتا عشرة مكاتبة:
стр. 3785
الأولى- مكاتبة الباب
، وهو بطريرك الملكيّة، القائم عندهم مقام الخليفة، والعجب من جعله في «التثقيف» بمنزلة القان عند التتار، والقان إنما هو بمنزلة ملكهم الأكبر، والباب ليس من هذا القبيل، بل إليه أمر الدّيانة حتّى في التحليل والتحريم.
وقد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك عند ذكر البطاركة أنهم كانوا يسمّون القسّيس ونحوه أبا، ويسمّون البطريرك أبا، فأحبّوا أن يأتوا «١» على البطريرك بسمة له تميّزه عن غيره من الآباء، فاختاروا له لفظ الباب، وأنه يقال فيه الباب والبابا ومعناه أبو الآباء، ثم لما غلب الروم على المملكة، وعلت كلمتهم على اليعاقبة، خصّوا اسم الباب ببطريركهم، فصار ذلك علما عليه، ومقرّه مدينة رومية على ما تقدّم هناك، ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التثقيف» ضاعف الله تعالى بهجة الحضرة السامية، الباب الجليل، القدّيس، الرّوحاني، الخاشع، العامل، بابا رومية، عظيم الملة المسيحيّة قدوة الطائفة العيسويّة، مملّك ملوك النّصرانية، حافظ الجسور والخلجان، ملاذ البطاركة والأساقفة والقسوس والرّهبان، تالي الإنجيل، معرّف طائفته التحريم والتحليل، صديق الملوك والسلاطين، والدعاء، وصدرت هذه المكاتبة.
قال في «التثقيف» : هذا ما وجدته مسطورا ولم يكتب إليه شيء في مدّة مباشرتي، ولا أدري في أيّ شيء كان يكتب إليه ولا عرفت تعريفه، ولم يتعرّض له المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف» جملة، ورأيت في بعض الدّساتير أنه لم يكتب إليه إلّا مرّة واحدة، وأن الكتابة إليه في قطع النصف مع المكاتبة المتقدّمة.
الثانية- المكاتبة إلى ملك الروم صاحب القسطنطينيّة
. قد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك أنها صارت آخرا إلى بني الأشكريّ، فصار الأشكري
стр. 3786
سمة لهم ملكا بعد ملك. قال في «التعريف» : وقد كان قبل غلبة الفرنج ملكا جليلا، يرجع إليه من عبّاد الصّليب سائر الملوك، ويفتقر إليه منهم الغنيّ والصّعلوك، وكتب التواريخ مشحونة بأخباره، وذكر وقائعه وآثاره، وأوّل من ألبس هامته الذّلّة، وأصار جمعه إلى القلّة، هارون الرشيد حين أغزاه أبوه المهديّ إيّاه، فأزال الشّمم من أنفه، وثنى جامح عطفه، فأما غزوات مسلمة بن عبد الملك ويزيد بن معاوية فإنها لم تبلغ فيه حدّ النّكاية، ولا أعظمت له الشّكاية، قال: وهذا الملك الآن كان السلطان (أزبك) قد كاد يبتزّ تاجه، ويعقم نتاجه، ويخل من جانب البحر المغلق رتاجه، فاحتاج إلى مداراته وبذل له نفائس المال، وصحب أيّامه على مضض الاحتمال، وكانت له عليه قطيعة مقرّرة، وجملة مال مقدّرة، ثم عميت علينا بعده منهم الأخبار، وتولّى بالدنيا الإدبار.
ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التعريف» : ضاعف الله تعالى بهجة الحضرة العالية، المكرّمة، حضرة الملك، الجليل، الخطير، الهمام، الأسد الغضنفر، الباسل، الضّرغام، المعرق، الأصيل، الممجّد، الأثير، الأثيل، البلالاوس، الرّيد أرغون، ضابط الممالك الرّوميّة، جامع البلاد الساحليّة، وارث القياصرة القدماء، محيي طرق الفلاسفة والحكماء، العالم بأمور دينه، العادل في ممالكه، معزّ النّصرانيّة، مؤيّد المسيحيّة، أوحد ملوك العيسوية، مخوّل التخوت والتّيجان، حامي البحار والخلبان، آخر ملوك اليونان، ملك ملوك السّريان، عماد بني المعموديّة، رضيّ الباب بابا رومية، ثقة الأصدقاء، صديق المسلمين، أسوة الملوك والسلاطين، ثم يكتب اسمه هنا ويدعى «١» له، ولم يذكر قطع الورق الذي يكتب إليه فيه.
وهذا دعاء وصدر يليقان به أوردهما في التعريف:
وجعل له من السّلامة «٢» يدا لا تزعزعه من أوطانه، ولا تنزعه من سلطانه،
стр. 3787
ولا توجب له إلّا استقرارا لتيجانه، واستمرارا بملكه على ما دارت على حصونه «١» مناطق خلجانه، ولا برحت ثمار الودّ تدنو من أفنائه، ومواثيق العهد تبوّيء «٢» له ما يسرّ به من إشادة معالم سلفه وشدّ بناء يونانه، أصدرناها، وشكره كجاره البحر لا يوقف له على آخر، ولا يوصف مثل عقده الفاخر، ولا يكاثر إلّا قيل: أين هذا القليل من هذا الزاخر؟
آخر له: ونظم سلكه، وحمى «٣» بحسن تأتّيه ملكه، وكفى محبّه هلكه، وأجرى «٤» بودّه ركائبه وفلكه، ووقاه كذب الكاذب وكفّ إفكه، وأشهد على ودّه الليل والنهار وما جنّ «٥» كافور هذا كافوره ولا مسك هذا مسكه.
قلت: هذا الدعاء والصدر وإن أورده في «التعريف» في جملة الأدعية له والصدور، فإنه منحطّ الرتبة عن المكاتبة السابقة، اللهم إلّا أن يخصّ هذا بحالة منابذة أو تهديد، ونحو ذلك.
وذكر في «التثقيف» أن الذي استقرّ عليه الحال في المكاتبة إليه أنه يكتب إليه في قطع النّصف ما نصه: ضاعف الله تعالى [بهجة] «٦» حضرة الملك الجليل، المكرّم، المبجّل، الأسد، الخطير، البطل، الباسل، الهمام، الضّرغام، فلان، العالم في ملّته، العادل في أهل مملكته، عزّ الأمة المسيحيّة، كبير الطائفة الصّليبيّة، جمال بني المعموديّة، صمصام الملوك اليونانيّة، حسام المملكة الماكصونيّة، مالك اليرغليّة والأملاحية، صاحب أمصار الرّوس والعلّان، معزّ اعتقاد الكرج والسّريان، وارث الأسرّة والتّيجان، الحاكم على
стр. 3788
الثّغور والبحور والخلجان، الضّوقس الأنجالوس الكمنينوس البالالوغس، صديق الملوك والسلاطين، ثم الدعاء. صدرت هذه المكاتبة إلى حضرته تشكر موالاته، (ومن هذه المادة) وتوضّح لعلمه السعيد.
ورأيت في بعض الدساتير أنه يختمها بقوله: فيحيط بذلك علما، والله تعالى يديم بهجته.
قال في «التثقيف» : وتعريفه «ضابط مملكة الروم» وذكر أن هذه المكاتبة هي المتداولة بديوان الإنشاء بين كتّابه، وأنه هو كتب بها إليه، ولم يتعرّض لإيراد المكاتبة التي ذكرها في «التعريف» ، بل أحال في معرفتها لمن أرادها على النظر فيه.
الثالثة- المكاتبة إلى حكّام جنوة
، وهم جماعة متفاوتو المراتب، وهم:
البودشطا، والكبطان، والمشايخ. ورسم المكاتبة إليهم على ما ذكره في «التثقيف» في قطع الثّلث:
صدرت هذه المكاتبة إلى حضرة البودشطا والكبطان الجليلين، المكرّمين، الموقّرين، المبجّلين، الخطيرين، فلان وفلان، والمشايخ الأكابر المحترمين، أصحاب الرأي والمشورة، الكمنون «١» بجنوة، أمجاد الأمّة المسيحية، أكابر دين النصرانية، أصدقاء الملوك والسلاطين، ألهمهم الله تعالى رشدهم، وقرن بالخير قصدهم، وجعل النصيحة عندهم، تتضمن إعلامهم كذا وكذا. وتعريفهم «الحكّام بجنوة» .
قال في «التثقيف» : والذي استقرّ عليه الحال آخرا في مفتتح سنة سبع وستين وسبعمائة إبطال المكاتبة إلى البودشطا والكبطان، بحكم أنهما أبطلا، واستقرّ [ت مكاتبة] الدّوج مكانهما بما نصه:
стр. 3789
صدرت هذه المكاتبة إلى الدّوج الجليل، المكرّم، المبجّل، الموقّر، الخطير، فلان، والمشايخ، والباقي على ما تقدّم ذكره.
قلت: هكذا هو في «التثقيف» بدال وواو وجيم، والمعروف إبدال الجيم في آخره كافا على ما سيأتي ذكره في الكلام على صاحب البندقية على الأثر.
واعلم أنه قد ذكر في «التثقيف» أنه كان لصاحب جنوة مقدّم على الشّواني بقبرس، وقيل إنه كان بالماغوصة، وأنه كتب إليه في رمضان جوابا عما ورد عنه في قطع العادة ما نصه:
وردت مكاتبة المحتشم، الجليل، المبجّل، الموقّر، الأسد، الباسل، فلان، مجد الملة المسيحية، كبير الطائفة الصّليبيّة، غرس الملوك والسلاطين، ثم الدعاء. وتعريفه «مقدّم الشّواني الجنويّة بقبرس» .
الرابعة- المكاتبة إلى صاحب البندقيّة
. قال في «التثقيف» : ورسم المكاتبة إليه على ما استقرّ عليه الحال عندما كتب إليه جوابه في شهر رجب سنة سبع وستين وسبعمائة، وهو يومئذ مركريادو في قطع الثلث:
وردت مكاتبة حضرة الدّوج، الجليل، المكرّم، الخطير، الباسل، الموقّر، المفخّم، مركريادو فخر الملة المسيحية، جمال الطائفة الصّليبية، دوج البندقيّة والمانسية، دوج كرال دين بني المعمودية، صديق الملوك والسلاطين، والدعاء. وتعريفه «صاحب البندقية» : ثم ذكر بعد ذلك نقلا عن خط القاضي ناصر الدين بن النشائي أنه كتب في الجواب إلى دوك البنادقة:
وردت مطالعة الدّوك الجليل، المكرّم، المبجّل، الموقّر، البطل، الهمام الضّرغام، الغضنفر، الخطير، مجد الملة النّصرانية، فخر الأمّة العيسويّة، عماد بني المعمودية، معزّ بابا رومية، صديق الملوك والسلاطين، دوك البنادقة، وديارقة، والرّوسا، والإصطنبوليّة. ثم قال: ولم يذكر تعريفه ولا قطع الورق الذي يكتب إليه فيه، ثم نقل عنه أيضا أن المكاتبة إلى دوك البندقيّة: هذه المكاتبة إلى حضرة المحتشم، الجليل، المبجّل، الموقّر، المكرم، المفخّم، الباسل،
стр. 3790
الضّرغام، فلان، عزّ الأمة المسيحيّة، جمال الطائفة العيسويّة، ذخر الملّة الصليبية، صديق الملوك والسلاطين. ثم قال: هكذا رأيته من غير ذكر تعريفه ولا القطع الذي يكتب إليه فيه. قال: وما يبعد أنه غير الأوّل ولم يزد على ذلك.
قلت: ومقتضى ما ذكره من جميع ذلك أن الدّوك غير الملك نفسه. على أن المكاتبة الأولى والثانية في الجواب متقاربتان. أما المكاتبة الثالثة فمنحطّة عن الأوّلتين. على أنه قد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك عند ذكر البندقيّة نقلا عن ابن «١» سعيد أن ملك البنادقة يقال له الدّوك بضم الدال المهملة وواو وكاف في الآخر، وهذا مما يحتاج إلى تحرير؛ فإن كان الدّوك هو الملك فتكون المكاتبة إليه اختلفت باختلاف الحال، أو باختلاف غرض الكتّاب، أو عدم اطّلاعهم على حقيقة الأقدار والوقوف مع ما يلقى إليهم من المزاحمة في كل وقت، وهو الظاهر.
الخامسة- المكاتبة إلى صاحب سنوب
«٢» ، من سواحل بلاد الروم، قبل أن تفتح ويستولي عليها التّركمان. قال في «التعريف» : وهي «٣» على ضفّة الخليج القسطنطينيّ، وملكها روميّ من بيت الملك القديم، من أقارب «٤» صاحب القسطنطينيّة. قال: ويقال إن أباه أعرق من آبائه في السلطان. قال: ولكن ليس
стр. 3791
ملكه بكبير، ولا عدده بكثير، ويكون بينه وبين أمراء الأتراك حروب، يكون في أكثرها المغلوب.
وذكر أنّ رسم المكاتبة إليه مثل متملّك سيس «١» فتكون على ما ذكره في مكاتبة متملك سيس:
صدرت هذه المكاتبة إلى حضرة الملك، الجليل، البطل، الباسل، الهمام، السّميدع «٢» ، الضّرغام، الغضنفر، فلان، فخر الملّة المسيحيّة، ذخر الأمة النّصرانية، عماد بني المعموديّة، صديق الملوك والسلاطين «٣» وهذا دعاء يليق به، ذكره في «التعريف» :
وكفاه شرّ ما ينوب، وروّح خاطره في الشّمال بريّا ما يهبّ من الجنوب، ووقاه سوء فعل يورث النّدم وأوّل ما يقرع السّنّ سنوب «٤»
السادسة- المكاتبة إلى صاحب البلغار والسّرب
. قد تقدّم في الكلام على المكاتبات إلى ملوك الإسلام بالجانب الشّماليّ نقلا عن «التعريف» «٥» ما يقتضي أنّ ملكها مسلم، وذكرت مكاتبته الإسلامية هناك، وعلى ذلك اقتصر في «التعريف» ، وتقدّم النقل عن «مسالك الأبصار» أنها صارت إلى ملوك النّصرانية، وعليه اقتصر في «التثقيف» وهو المراد هنا.
ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التثقيف» نقلا عن ابن النشائي «٦» في قطع الثلث ما نصه:
стр. 3792
أطال الله تعالى بقاء حضرة الملك، الجليل، المكرّم، المبجّل، الهمام، الضّرغام، الباسل، الدّوقس، الأنجالوس، الكمنينوس، فلان، عماد النّصرانية، مالك السّرب والبلغار، فخر الأمّة العيسوية، ذخر الملة المسيحية، فارس البحور، حامي الحصون والثّغور، والدعاء، أصدرنا هذه المكاتبة، وتعريفه «صاحب البلغار» .
واعلم أنه في «التثقيف» بعد أن أورد المكاتبة المتقدّمة لصاحب السّرب والبلغار، نقلا عن ابن النشائي، ذكر نقلا عنه أيضا أن المكاتبة إلى صاحب السّرب في قطع الثلث نظير متملّك سيس، فتكون المكاتبة إليه على ما تقدّم أنه الذي استقرّ عليه الحال في المكاتبة لمتملّك سيس:
صدرت هذه المكاتبة إلى حضرة الملك، الجليل، المكرّم، المبجّل، المعزّز، الهمام، الباسل، فلان، عزّ دين النّصرانية، كبير الطائفة الصّليبيّة، عماد بني المعموديّة، صديق الملوك والسلاطين، أدام الله نعمته، وحرس مهجته، تعلمه كذا وكذا، وتعريفه «صاحب السّرب» .
ثم قال: ولم أدر هل يجتمعان لشخص واحد تارة فيكون بهما اثنان تارة وواحد تارة أم لا. ثم قال: على أنه لو كان الأمر كذلك لكان يتعين أن يذكر مكاتبة صاحب البلغار وحده مفردا كما ذكر مكاتبة صاحب السّرب وحده مفردا.
قلت: كلا الأمرين محتمل، فيجوز أنهما كانا مجتمعين لواحد، وأنه كتب تعريفه بالإضافة إلى أحدهما استغناء به عن الآخر، أو أنه كتب إلى صاحب السّرب بمفرده، ولم يحطّ رتبته في قطع الورق عن رتبة من اجتمعاله، ولا يلزم من ذلك أنه كان يكتب لصاحب البلغار بمفرده لاحتمال أنه لم يكتب إليه شيء حينئذ، وبالجملة فهذا أمر راجع إلى النقل.
السابعة- المكاتبة إلى ملك رودس
. قال في «التعريف» : وهي جزيرة تقابل شطوط البلاد الرّوميّة. قال: وأهلها في البحر حراميّة، إذا ظفروا بالمسلم،
стр. 3793
أخذوا ماله، وأحيوه، وباعوه «١» أو استخدموه، وإذا ظفروا بالفرنجيّ، أخذوا «٢» ماله وقتلوه.
ورسم المكاتبة إليه مثل متملك سيس، إلّا أنه لا يقال فيه معزّ بابا رومية، وتختصر بعض ألقابه لأنه دونه، وحينئذ فيتجه أن تكون المكاتبة إليه:
صدرت هذه المكاتبة إلى حضرة الملك الجليل، البطل، الباسل، السّميدع، فلان، فخر الملة المسيحية، ذخر الأمة النّصرانية، صديق الملوك والسلاطين، أو نحو ذلك. على أنه في «التعريف» لم يذكر في المكاتبة إلى متملّك سيس، معزّ بابا رومية، فلم يكن ليحتاج أن يقول: إلّا أنه لا يقال فيه معزّ بابا رومية.
وهذا دعاء يليق به، ذكره في «التعريف» وهو:
قدّم الله له الأعذار، وكفاه قوامع «٣» الإنذار، وحذّره عاقبة البغي قبل أن لا ينفع الحذار.
آخر: فكّ الله من وثاقه كلّ مأسور، وأقال كلّ غراب له من الرّجوع وجناحه مكسور، وعصمه بالتّوبة مما اقترف، لا بالبحر ولو أنه سبعة أبحر، وسور مدينته ولو أنه مائة سور.
الثامنة- المكاتبة إلى صاحب جزيرة المصطكى
. قال في «التعريف» :
وهي جزيرة صغيرة «٤» لا تبعد مدّى من الإسكندريّة، وصاحبها صغير لا في مال ولا في رجال، وجزيرته ذات قحط لا يطرّ شاربها بزرع، ولا يدرّ حالبها بضرع، إلا أنها تنبت هذه الشجرة فتحمل «٥» منها وتجلب، وترسى السفن عليها بسببها وتطلب. قال: وفي ملكها خدمة لرسلنا إذا ركبوا ثبج البحر، وتجهيز لهم إلى حيث
стр. 3794
أرادوا، وتنجيز لهم إذا توجّهوا وإذا عادوا. ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التعريف» كالمكاتبة إلى صاحب جزيرة رودس المتقدّمة الذكر آنفا وهي:
صدرت هذه المكاتبة إلى حضرة الملك الجليل إلى آخر ما تقدّم.
وهذه أدعية «١» تليق به ذكرها في «التعريف» دعاء من ذلك: «وفّقه الله لطاعته، وأنهضه من الولاء بقدر طاقته» .
آخر: أطاب الله قلبه، وأدام إلينا قربه.
آخر: لا زال إلى الطاعة يبادر، وعلى الخدمة أنهض قادر، ومكانه تزمّ إليه ركائب السّفن بكل وارد وصادر.
التاسعة- المكاتبة إلى متملّك قبرس
. إنما قيل له متملّك قبرس لأنها كانت قد فتحها المسلمون، ثم تغلّب عليها النصارى وملكوها، فقيل لمن غلب عليها متملك ولم يقل له ملك، وذكر في «التثقيف» عن القاضي ناصر الدين بن النّشائي أن المكاتبة إليه [مثل] متملك سيس ولم يزد على ذلك، وحينئذ فتكون المكاتبة إليه مثل ما استقرّ عليه الحال في المكاتبة إلى متملّك سيس في قطع العادة:
صدرت هذه المكاتبة إلى حضرة الملك، الجليل، المكرّم، المبجّل، المعزّز، الهمام، الباسل، فلان، عزّ دين النصرانية، كبير الطائفة الصّليبية، عماد بني المعموديّة، صديق الملوك والسلاطين، أدام الله نعمته، وحرس مهجته.
وتعريفه «متملك قبرس» .
قال صاحب «التثقيف» : ولم أقف على مكاتبة إليه ابتداء ولا جوابا سوى ذلك، إلّا أنه كتب إليه عن الأمير الجاي اليوسفي عند وقوع الصلح في سنة اثنتين وستين وسبعمائة، يعني عند ما كان الجاي أتابك العساكر المنصورة.
العاشرة- المكاتبة إلى ملك مونفراد
. ذكر في «التثقيف» أنه كان بها ابن
стр. 3795
ملك إصطنبول، وأنه كتب إليه في سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة:
أصدرناها إلى حضرة الملك الجليل، المكرّم، البطل، الهمام، الأسد، الضّرغام، فلان، مجد النّصرانية، فخر العيسويّة، عماد بني المعموديّة، جمال الطائفتين الرومية والفرنجيّة، ملك مونفراد، وارث التاج، معزّ الباب، أدام الله بقاه، وحفظه ووقاه، وأورثه من أبيه تخته وتاجه وولّاه، تتضمن إعلامه كذا وكذا.
ثم قال: هذا ما وجدته مسطورا في رسم المكاتبة المذكورة، ولم يكتب إليه شيء في مدّة مباشرتي. ولم أدر ما تعريفه، ولا في أيّ قطع يكتب إليه. قال: والذي يظهر أنه يكتب إليه في قطع العادة، وأن يكون تعريفه «ملك مونفراد» .
الحادية عشرة- المكاتبة إلى صاحبة نابل
«١» وقد ذكر في «التثقيف» أنه كان اسم صاحبتها جوانا، وأنه كتب إليها في أواخر سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة ما صورته:
صدرت هذه المكاتبة إلى الملكة، الجليلة، المكرّمة، المبجّلة، الموقّرة، المفخّمة، المعزّزة، فلانة، العالمة في ملّتها، العادلة في مملكتها، كبيرة دين النّصرانية، بصيرة الأمّة العيسوية، حامية الثغور، صديقة الملوك والسلاطين. ثم الدعاء، تتضمّن إعلامها، وتعريفها «صاحبة نابل» ولم يذكر قطع الورق لمكاتبتها، ولا خفاء أنه يكتب إليها في قطع العادة لصغر مقامها.
قلت: فإن ولي مملكتها رجل، فينبغي أن يكتب إليه بهذه المكاتبة على التذكير أو أعلى من ذلك، لميزة الرجال على النساء. وهؤلاء جملة من تعرّض إلى مكاتبته في «التعريف» و «التثقيف» من ملوك الكفر، فإن اتفقت المكاتبة إلى أحد سواهم فليقس على من هو مثله منهم. ثم قد ذكر في «التثقيف» القنصل بكفا، وذكر أنها جارية في حكم جنوة، وأنه لم يكتب إليه شيء عن المواقف الشريفة، ولا خفاء في ذلك، فإن مقام القنصل دون أن يكاتب عن الأبواب السلطانية.
стр. 3796
الفصل الخامس من الباب الثاني من المقالة الرابعة
(في الكتب الواردة على الأبواب الشريفة السلطانية بالديار المصرية، ممن جرت العادة بمكاتبته إليها من أهل المملكة وغيرها من سائر الممالك المكاتبة عن هذه المملكة، وهي نوعان)
النوع الأوّل (المكاتبات الواردة عن ملوك المسلمين، وهي على قسمين)
القسم الأوّل- في الكتب الواردة عن أهل هذه المملكة
، بالديار المصرية، والبلاد الشامية، ممن يؤهّل للمكاتبة إلى الأبواب السلطانية، من النّواب وغيرهم من الأمراء، وأرباب الأقلام، من الوزراء، والعلماء ومن في معناهم، وهم على ضربين:
الضرب الأوّل (في المطالعات الواردة عن أكابر أهل الدولة بالديار المصرية والبلاد الشامية، من النوّاب ومن في معناهم)
قد جرت عادة من يكتب إلى الأبواب السلطانية من أهل هذه المرتبة، أن يكتب جميعهم كتبهم في قطع العادة، فإن كان بالديار المصرية فمن الورق البلديّ، وإن كان بالبلاد الشامية فمن الورق الشاميّ، وجميع ذلك في الورق الأبيض، إلّا نائب الشام نائب الكرك، فإنهما قد جرت العادة فيهما بأنهما يكتبان إلى الأبواب السلطانية في الورق الأحمر الشاميّ، شيء اختصّا به دون سائر أهل المملكة.
стр. 3797
ثم قد ذكر في «عرف التعريف» أن الملوك لا يكتب إليهم إلا «يقبّل الأرض» وينهي. ويختم الكتاب بما صورته: طالع المملوك بذلك وللآراء العالية مزيد العلوّ، أو أنهى المملوك ذلك وللآراء العالية مزيد العلوّ، والعنوان «الملكيّ الفلانيّ، مطالعة المملوك فلان» وحينئذ فالذي جرت به العادة في ذلك أن يبتديء الكاتب فيكتب فهرست الكتاب في رأس لدّرج من جهة وجهه، في عرض إصبع، في الجانب الأيمن «إلى الأبواب الشريفة» وفي الجانب الأيسر «بسبب كذا وكذا» ثم يقلب الدّرج ويكتب في ظاهره، بعد ترك ما كتب الفهرست في باطنه، العنوان، فيكتب: «الملكيّ الفلانيّ» في أوّل العنوان، و «مطالعة المملوك فلان» في آخره. ثم بعد ذلك يقلب الدرج، ويترك وصلا أبيض، ويكتب البسملة في رأس الوصل الثاني بعد خلوّهامش من الجانب الأيمن. ثم يكتب تحت البسملة ملاصقا لها ما صورته «الملكيّ الفلاني» بحيث يكون آخر الملكيّ الفلاني مسامتا لجلالة البسملة، بلقب السلطان، كأنه ينسب نفسه إلى سلطانه.
ثم يكتب صورة المكاتبة على سمت البسملة في سطر ملاصق للملكيّ الفلانيّ «يقبّل الأرض وينهي كذا وكذا» فإن كان ابتداء كتب وينهي أن الأمر كذا وكذا، ويأتي بمقاصد المكاتبة، فإن كانت فصلا واحدا ذكره وختم الكتاب بآخر كلامه، وإن كان الكتاب مشتملا على فصول أتى بالفصل الأول إلى آخره. ثم يخلّي بياضا قدر خمسة أسطر. ثم يسرد الفصول بعد ذلك فصلا فصلا، يخلّي بين كل فصلين قدر خمسة أسطر أيضا، ويقول في أوّل كل فصل «المملوك ينهي كذا وكذا» وإذا أتى على ذكر السلطان، قال: خلّد الله سلطانه، أو خلّد الله ظلّه، أو أتى على ذكر المرسوم الشريف، قال: شرّفه الله وعظّمه ونحو ذلك، وإذا سأل في أمر، قال:
والمملوك يعرض على الآراء الشريفة كذا وكذا، أو إن اقتضت الآراء الشريفة كذا فلها مزيد العلوّ، ولا يقال: يسأل الصدقات الشريفة، إلّا في أمر جليل أو شيء مهمّ، والعرض أبلغ في الأدب، ولا يلقّب أحدا بالجناب والمجلس ومجلس الأمير، وإذا ذكر كبيرا في الدولة كالنائب الكافل، ونائب الشام، أو نائب حلب، أو أمير كبير، قال: إن مملوك مولانا السلطان خلّد الله ملكه الأمير فلان الدين فلان
стр. 3798
الناصري مثلا، كافل الممالك الشريفة، أو نائب السلطنة الشريفة بالمملكة الشامية المحروسة، أو كافل المملكة الشامية المحروسة، أو نائب السلطنة الشريفة بحلب المحروسة، أو الأمير فلان الدين فلان الناصري مثلا، أو القاضي فلان الدين، أو ناظر الجيوش المنصورة بالأبواب الشريفة، وما يجري هذا المجرى؛ ولا يدعى في المطالعة لأحد. وإذا انتهت الفصول إلى آخرها، قال:
وقد جهّز المملوك بمطالعته هذه مملوكه فلانا السّيفيّ مثلا الماثل بها. وإن كان ثم مشافهة، قال: وقد حمّله مشافهة يسأل المسامع الشريفة سماعها إن اقتضت ذلك، أو ينهيها إلى المسامع الشريفة إذا رسم له بإنهائها، طالع بذلك، أو أنهى ذلك.
ثم قد جرت عادة النّوّاب بالبلاد الشامية أن يقدّموا في صدر المكاتبة ما اشتمل على أخبار البلاد الشرقية من مملكة إيران المجاورة لأواخر هذه المملكة، من تجدّد أمر، أو حركة عدوّ، أو حكاية حال مهمّة من أحوال تلك البلاد، مثل أن يقال في أوّل المكاتبة: وينهي أنّ قصّاده عادوا من البلاد الشرقية مخبرين بكذا وكذا، ويشرح الحال التي أخبر بها قصّاده.
وإن كان الخبر نقلا عن نائب من نوّاب الأطراف كالرّها «١» ونحوها، قال: إن مطالعة نائب فلانة وردت بكذا وكذا، ويذكر ما تضمنته ملخّصا- وإن كانت المطالعة جواب مثال شريف ورد فقط، قال: وينهي أن المرسوم الشريف شرّفه الله تعالى وعظّمه ورد على المملوك على يد فلان الدين فلان البريديّ بالأبواب الشريفة يتضمّن ما اقتضته المراسيم الشريفة، أو ما اقتضته الآراء الشريفة شرّفها الله تعالى وعظّمها، من كذا وكذا، ويذكر نصّ المثال الشريف حرفا حرفا. ثم يقال: وتفهّم المملوك ما رسم له به، وقابل المراسيم الشريفة- زاد الله تعالى
стр. 3799
شرفها- بتكرار تقبيل الأرض والامتثال، وتقدّم بكذا، إن كان الأمر مما نفذ، أو والذي ينهيه المملوك كذا وكذا إن كان الأمر قد توقّف.
ثم إن كان النائب عظيم القدر كنائب السلطنة الشريفة بالشام أو حلب، جعل بعد ما بين كل سطرين تقدير رأس إصبع، وإن كان دون ذلك جعل ما بينهما أقلّ من ذلك حتّى ينتهي في أقل الرتب إلى ملاصقة السطور بعضها ببعض.
وإن كانت المطالعة في أمر مهمّ كاستقرار نائب أو بشارة بفتح أو نحو ذلك، أتى بجميع الكتاب مسجّعا وإلّا فلا.
وهذه نسخة مطالعة عن نائب الشام ابتداء.
يقبّل الأرض، وينهي أنه ورد على المملوك مكاتبة نائب السلطنة الشريفة بحلب المحروسة، يذكر فيها أن قصّاده عادوا من جهة بلاد الشرق، وأخبروا أن العدوّ المخذول فلانا قد خرج عليه عدوّ من ورائه وقصد بلاده فكرّ راجعا إليه بعد أن كان قاصدا هذه الجهة، وأحبّ المملوك إحاطة الخواطر الشريفة بذلك.
المملوك ينهي أنّ مطالعة نائب الرّحبة المحروسة وردت على المملوك يخبر فيها أن فلانا التّركمانيّ قد عاد إلى الطاعة الشريفة، ولاذ بمراحم الأبواب العالية، وأنه ما كان حمله على ما وقع منه من عدم المقابلة إلّا الخوف من السّطوات الشريفة، وأنه يسأل كتابة أمان شريف له ولجماعته ومن يليه بأن يكونوا آمنين على أنفسهم، وأموالهم، وسائر ذات يدهم، وأنه إذا وصل إليه الأمان قصد الأبواب السلطانية، وتمثل بالمواقف الشريفة، وامتثل ما تبرز به الأوامر المطاعة في أمره وأمر جماعته. والمملوك ينظر ما يرد به الجواب الشريف في أمره لكاتب نائب الرّحبة المحروسة بما يعتمده في أمره.
المملوك ينهي أنه قد بلغ المملوك أنّ البحر مشغول بمراكب الفرنج، ولم يعلم إلى أيّ مكان يقصدون، وقد أخذ المملوك في الاحتراز على السواحل
стр. 3800
المذكورة بإقامة المركّزين، وأمرهم بالاحتراز والاحتفاظ، وقد عرض المملوك ذلك على الآراء العالية ليكون ذلك على الخواطر الشريفة، ويكاتب به النّواب بالبلاد المجاورة للبحر.
المملوك ينهي أن الأمير فلانا الفلانيّ، أحد أمراء الطبلخاناه «١» بدمشق المحروسة قد توفّي إلى رحمة الله تعالى، والمملوك يسأل الصّدقات الشريفة في استقرار إمرته باسم مملوك مولانا السلطان عز نصره، ولد المملوك فلان، إعانة له على الخدمة الشريفة، وجبرا لخاطر المملوك، فإن حسن ذلك بالآراء الشريفة، وإلّا فللرأي العالي مزيد العلوّ.
المملوك ينهي أن الأمير فلان الدين فلانا، أمير حاجب بالشام المحروس، كان قد برزت المراسيم الشريفة باستقراره في نيابة صفد المحروسة، وقد توجه إلى محلّ نيابته، والمملوك يعرض على الآراء الشريفة إن حسن بالرأي الشريف أن يستقرّ في الوظيفة المذكورة الأمير فلان الدين فلان، أحد الأمراء الطبلخاناه بدمشق المحروسة، فإنه كفء لذلك، أو يستقرّ من تبرز به الآراء الشريفة.
المملوك ينهي أن فلانا: أحد رجال الحلقة المنصورة بدمشق المحروسة، قد درج بالوفاة، وقد كتب المملوك مربّعة باسم فلان الدين فلان باستقراره على إقطاعه، وجهّزها إلى الأبواب الشريفة لتعرض على الآراء العالية، فإن حسن بالرأي الشريف إمضاؤها وإلّا فيستقرّ على إقطاعه من تبرز المراسيم الشريفة باستقراره، وقد جهّز المملوك هذه المطالعة على يد مملوكه فلان إلى الأبواب الشريفة.
طالع بذلك، إن شاء الله تعالى. ثم يكمل.
стр. 3801
وهذه نسخة مطالعة عن نائب»
الشام أيضا، في جواب مكاتبة شريفة وردت عليه وهي:
يقبّل الأرض وينهي أن المرسوم الشريف- شرّفه الله تعالى وعظّمه- ورد على المملوك على يد فلان الدين فلان البريديّ، بالأبواب الشريفة، يتضمّن أنّ المرسوم الشريف اقتضى الاجتهاد والاهتمام في حفظ السواحل والمواني، وإقامة الأيزاك «٢» والأبدال «٣» في أوقاتها على العادة، وإلزام أربابها بمواظبتها، وإلزام المنوّرين بالدّيدبانات «٤» والمناظر والمناور في الأماكن المعروفة، وتعهّد أحوالها وتفقّدها، وتقويم أحوالها بحيث تقوم أحوالها على أحسن العوائد وأكملها، ولا يقع على أحد درك بسببها، وأنّ المملوك يتقدّم باعتماد ما اقتضاه المرسوم الشريف من ذلك مع مضاعفة الاحتفال بذلك والمبادرة إليه، فوقف المملوك على المرسوم الشريف شرّفه الله تعالى وعظّمه، وتفهّم ما رسم له به، وقابل المراسيم الشريفة زاد الله تعالى شرفها بالامتثال، وتقدم باعتماد ما اقتضته المراسيم الشريفة من ذلك، وأخذ في حفظ السواحل والمواني، وإقامة الأيزاك والأبدال، وإلزام أربابها بمواظبتها، وإلزام المنوّرين بالدّيدبانات والمناظر [فقامت الأحوال] على أحسن العوائد، وجرت على أكمل القواعد، ولم يكن عند المملوك غفلة عما هو بصدده من ذلك، وقد أعاد المملوك فلان الدين فلانا البريدي المذكور بهذه المطالعة ليحصل الوقوف عليها. طالع بذلك.......
وهذه نسخة مطالعة تشتمل على ابتداء وجواب: يقبّل الأرض وينهي أنه قد
стр. 3802
حضر رسول من القان فلان بالمملكة الفلانية [وقصده التوجه] إلى الأبواب الشريفة، والمملوك يعرض على الآراء العالية أمره، فإن أذن له في التوجّه إلى أبوابه الشريفة، جهّزه المملوك إليها على العادة.
المملوك ينهي أن المرسوم الشريف شرّفه الله تعالى وعظّمه ورد على المملوك على يد فلان الدّين فلان المسفّر من الأبواب الشريفة، يتضمّن طلب فلان الفلانيّ، وحمله إلى الأبواب الشريفة محتفظا به، فبادر المملوك ما برزت به المراسيم الشريفة بالامتثال، وتقدّم بطلب فلان المذكور وسلّمه إلى فلان الدين المسفّر المذكور، وبعث معه من يحتفظ به في الطريق إلى حين وصوله إلى الأبواب الشريفة.
صورة وضع المطالعة من نوّاب السلطنة ومن في معناهم، إلى الأبواب الشريفة:
الجانب الأيمن الطرة الجانب الأيسر إلى الأبواب الشريفة بسبب كذا العنوان مطالعة المملوك الملكي الفلاني فلان الصدر بسم الله الرحمن الرحيم*
الملكي الظاهري مثلا يقبل الأرض وينهي أن المرسوم الشريف شرّفه الله تعالى وعظّمه، ورد على المملوك، على يد فلان الدين فلان البريديّ، ويكمل عليه إلى آخره.
الضرب الثاني (من المطالعات الواردة إلى الأبواب السلطانية عن أهل المملكة)
المطالعات الواردة من الولاة ومن في معناهم «١»
стр. 3803
القسم الثاني- في الكتب الواردة على الأبواب السلطانية
، عن أهل الممالك الإسلامية المكاتبة عن هذه المملكة. وحالها مختلف باختلاف حال مصطلح أهل البلاد وحال المكتوب عنه في رفعة القدر. وفائدة معرفة ذلك أنه إذا عرف الكاتب نصطلح كلّ مملكة في الكتابة، ظهر له ما هو وارد عن ملكها حقيقة وما هو مفتعل عليه، ولا يخفى ما في ذلك من كبير الفائدة، وعظيم النّفع، وارتفاع قدر الكاتب عند ملكه بإظهار الزّيف بمحكّ المعرفة.
ومن غريب ما وقع في هذا المعنى أنه ورد رسول من الشرق، في الأيام الظاهرية الشهيديّة برقوق سقى الله تعالى عهده، وأظهر لأهل الطّرقات أنه رسول من عند طقتمش صاحب بلاد أزبك، ورفعت بطاقته بالقلعة المحروسة بذلك، فأمر السلطان النائب الكافل وأكابر الأمراء بالخروج لملاقاته على القرب من القاهرة، فخرجوا وتلقّوه بالتعظيم، على أنه رسول طقتمش خان المقدّم ذكره، وأنزل بالميدان الكبير تعظيما لأمره، فلما عرض كتابه نظر فيه المقرّ البدريّ بن فضل الله، تغمّده الله تعالى برحمته، وهو يومئذ صاحب ديوان الإنشاء الشريف، فوجده غير جار على مصطلح كتب القانات في الورق والكتابة، فاستفسر الرسول المذكور عن ذلك ونوقش في قضيته، فأخبر أنه عن الحاكم بالقرم من أتباع طقتمش خان، فأنكر عليه ذلك، وحطّ رتبته عند السلطان وأهل دولته عما كان عليه، وعلا بذلك مقدار المقرّ البدريّ بن فضل الله المشار إليه عند السلطان، وشكر له ما كان من ذلك.
ويشتمل على أربعة مقاصد:
المقصد الأوّل (في الكتب الواردة عن أهل الشرق، وفيه أطراف)
الطرف الأوّل (الكتب الواردة عن القانات العظام من بني جنكز خان، ولها حالان)
الحال الأولى- ما كان الأمر عليه قبل دخولهم في دين الإسلام
.
стр. 3804
وكان الأمر يجري في كتابتهم مجرى المخاشنة، والتصريح بالعداوة، ولم أقف على مقادير قطع ورق كتبهم يومئذ ولا ترتيب كتابتها.
وهذه نسخة كتاب كتب به هولاكو «١» بن طوجي بن جنكز خان، المنتزع العراق من أيدي الخلفاء العباسيين، كتب به إلى الملك المظفّر «٢» قطز في سنة ثمان وخمسين وستمائة «٣» ، وهو:
من ملك الملوك شرقا وغربا القان الأعظم:
باسمك اللهمّ باسط الأرض ورافع السماء.
يعلم الملك المظفّر قطز الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذا الإقليم يتمتعون بأنعامه، ويقتلون من كان سلطانه بعد ذلك.
يعلم الملك المظفّر وسائر أمراء دولته وأهل مملكته بالديار المصرية وما حولها من الأعمال، أننا جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلّطنا على من أحلّ عليه غضبه، فسلّموا إلينا أموركم تسلموا، قبل أن ينكشف الغطاء فتندموا، وقد عرفتم أنّنا خرّبنا البلاد، وقتلنا العباد، فلكم منّا الهرب، ولنا خلفكم الطّلب،
стр. 3805
فما لكم من سيوفنا خلاص، خيولنا سوابق، وسيوفنا قواطع، وقلوبنا كالجبال، وعددنا كالرّمال، ومن طلب حربنا ندم، ومن قصد أماننا سلّم، فإن أنتم لشرطنا وأوامرنا أطعتم فلكم مالنا، وعليكم ما علينا، فقد أعذر من أنذر. وقد ثبت عندكم أنّنا كفرة، وثبت عندنا أنكم الفجرة، فأسرعوا إلينا بالجواب قبل أن تضرم الحرب نارها، وترميكم بشرارها، فلا يبقى لكم جاه ولا عزّ، ولا يعصمكم منّا جبل ولا حرز «١» ، فما بقي لنا مقصد سواكم، والسّلام علينا وعليكم، وعلى من اتّبع الهدى، وخشي عواقب الرّدى، وأطاع الملك الأعلى.
الحال الثانية- ما كان الأمر عليه بعد دخولهم في دين الإسلام
مع قيام العداوة بين الدولتين.
وكان من عادتهم «٢» في الكتابة أن يكتب بعد البسملة «بقوة الله تعالى» ثم يكتب بعد ذلك «بإقبال قان فرمان فلان» يعني كلام فلان.
ولهم في ذلك طريقتان.
إحداهما- أن يكتب بسم الله سطرا، ويكتب «الرحمن الرحيم» سطرا تحتها، ويكتب «بقوة الله» سطرا «وتعالى» سطرا آخر تحته، ثم يكتب تحت ذلك في الوسط بهامش من الجانبين «بإقبال قان» سطرا، وتحته «فرمان فلان» باسم السلطان المكتوب عنه سطرا آخر.
والطريقة الثانية- أن تكتب البسملة جميعها سطرا واحدا، ثم يكتب تحت وسط البسملة «بقوة الله تعالى» سطرا «وميامين الملّة المحمّدية» سطرا آخر، ثم يكتب تحت ذلك سطرا آخر بزيادة يسيرة من الجانبين «فرمان السلطان فلان» يعني كلام السلطان فلان.
ولم أقف على قطع الورق الذي كتب فيه حينئذ، والظاهر أنه في البغداديّ
стр. 3806
الكامل تعظيما لشأن المكتوب عنه عندهم. وبالجملة فإنّ الظاهر أنّ الكتب الواردة عنهم على نمط الكتب الواردة من هذه المملكة إليهم، جريا على قاعدة كتّاب هذه المملكة من أنّ الغالب مضاهاتهم لأكابر الملوك في كتبهم في الهيئة والترتيب شرقا وغربا.
وهذه نسخة كتاب على الطريقة الأولى، ورد عن السلطان «أحمد» صاحب مملكة إيران، من بني هولاكو المقدّم ذكره، وهو أوّل من أسلم منهم، كتب به إلى الملك المنصور «قلاوون» «١» صاحب الديار المصرية، تغمّده الله تعالى برضوانه، ورد مؤرّخا بأوسط جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وستمائة، ورأيت في بعض الدساتير أنه من إنشاء الفخر بن عيسى الموصليّ، وورد بخطه وهو:
بسم الله بقوّة الله الرحمن الرحيم تعالى بإقبال قان فرمان أحمد.
إلى سلطان مصر، أما بعد، فإنّ الله بسابق عنايته، ونور هدايته، قد كان أرشدنا في عنفوان الصّبا، وريعان الحداثة، إلى الإقرار بربوبيّته، والاعتراف بوحدانيته، والشهادة لمحمد، عليه أفضل الصلاة والسّلام، بصدق نبوّته، وحسن الاعتقاد في أوليائه الصالحين من عباده وبريّته فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام
«٢» فلم نزل نميل إلى إعلاء كلمة الدين، وإصلاح أمور الإسلام والمسلمين، إلى أن أفضى إلينا بعد أبينا الجليل، وأخينا الكبير، نوبة
стр. 3807
الملك، فأضفى علينا من جلابيب ألطافه ولطائفه، ما حقّق به آمالنا في جزيل آلائه وعوارفه، وجلّى هذه المملكة علينا، وأهدى عقيلتها إلينا، فاجتمع عندنا في قوريليان «١» المبارك- وهو المجتمع الذي تقدح فيه الآراء- جميع الإخوان والأولاد والأمراء الكبار، ومقدّمو العساكر، وزعماء البلاد، واتّفقت كلمتهم على تنفيذ ما سبق به حكم أخينا الكبير، في إنفاذ الجمّ الغفير، من عساكرنا التي ضاقت الأرض برحبها من كثرتها، وامتلأت الأرض رعبا من عظيم صولتها، وشديد بطشتها، إلى تلك الجهة بهمة تخضع لها صمّ الأطواد، وعزمة تلين لها الصّمّ الصّلاد، ففكّرنا فيما تمخّضت زبد عزائمهم عنه، واجتمعت أهواؤهم عليه، فوجدناه مخالفا لما كان في ضميرنا من اقتفاء الخير العامّ، الذي هو عبارة عن تقوية شعار الإسلام، وأن لا يصدر عن أوامرنا ما أمكننا إلّا ما يوجب حقن الدّماء، وتسكين الدّهماء، وتجري به في الأقطار، رخاء نسائم الأمن والأمان، ويستريح به المسلمون في سائر الأمصار، في مهاد الشّفقة والإحسان، تعظيما لأمر الله، وشفقة على خلق الله، فألهمنا الله تعالى إطفاء تلك النائرة «٢» ، وتسكين الفتن الثائرة، وإعلام من أشار بذلك الرأي بما أرشدنا الله إليه، من تقديم ما يرجى به شفاء مزاج العالم من الأدواء، وتأخير ما يجب أن يكون آخر الدواء، وأننا لا نحبّ المسارعة إلى هزّ النّصال للنّضال إلّا بعد إيضاح المحجّة، ولا نبادر لها إلّا بعد تبيين الحق وتركيب الحجّة، وقوّى عزمنا على ما رأيناه من دواعي الصّلاح، وتنفيذ ما ظهر لنا به وجه النجاح، إذ كان، الشيخ قدوة العارفين «كمال الدين عبد الرحمن» الذي هو نعم العون لنا في أمور الدين، فأرسلناه رحمة من الله لمن [لبّى] دعاه، ونقمة على من أعرض عنه وعصاه، وأنفذنا أقضى القضاة قطب الملة والدّين، والأتابك بهاء الدين، اللّذين هما من ثقات هذه الدولة الزاهرة ليعرّفوهم طريقتنا، ويتحقّق
стр. 3808
عندهم ما تنطوي عليه لعموم المسلمين جميل نيّتنا، وبيّنا لهم أنّا من الله تعالى على بصيرة، وأنّ الإسلام يجبّ «١» ما قبله، وأنه تعالى ألقى في قلوبنا أن نتّبع الحقّ وأهله، ونشاهد أنّ عظيم نعمة الله للكافّة بما دعانا إليه من تقديم أسباب الإحسان، أن لا يحرموها بالنظر إلى سائر الأحوال فكلّ يوم هو في شان، فإن تطلّعت نفوسهم إلى دليل تستحكم بسببه دواعي الاعتماد، وحجّة يثقون بها من بلوغ المراد، فلينظروا إلى ما ظهر من أمرنا مما اشتهر خبره، وعمّ أثره، فإنا ابتدانا بتوفيق الله بإعلاء أعلام الدّين وإظهاره، في إيراه كلّ أمر وإصداره، تقديما لناموس الشرع المحمديّ، على مقتضى قانون العدل الاحمديّ، إجلالا وتعظيما، وأدخلنا السرور، على قلوب الجمهور، وعفونا عن كل من اجترح سيّئة واقترف، وقابلناه بالصّفح وقلنا عفا الله عمّا سلف، وتقدّمنا بإصلاح أمور أوقاف المسلمين من المساجد والمشاهد والمدارس، وعمارة بقاع الدّين والرّبط الدّوارس، وإيصال حاصلها بموجب عوائدها القائمة إلى مستحقّيها بشروط واقفيها، ومنعنا أن يلتمس شيء مما استحدث عليها، وأن لا يغيّر أحد شيئا مما قرّر أوّلا، وأمرنا بتعظيم أمر الحجّاج وتجهيز وفدها، وتأمين سبلها، وتسيير قوافلها، وإنا أطلقنا سبيل التّجار المتردّدين إلى تلك البلاد ليسافروا بحسب اختيارهم على أحسن قواعدهم، وحرّمنا على العساكر والقراغولات «٢» والشّحاني في الأطراف التّعرّض لهم في مصادرهم ومواردهم، وقد كان قراغول صادف جاسوسا في زيّ الفقراء كان سبيله أن يهلك، فلم نهرق دمه لحرمة ما حرّمه الله تعالى وأعدناه إليهم. ولا يخفى عنهم ما كان في إنفاذ الجواسيس من الضرر العامّ للمسلمين، فإنّ عساكرنا طالما رأوهم في زيّ الفقراء والنّسّاك وأهل الصّلاح، فساءت ظنونهم في تلك الطوائف، فقتلوا منهم من قتلوا، وفعلوا بهم ما فعلوا، وارتفعت الحاجة
стр. 3809
بحمد الله إلى ذلك بما صدر إذننا به من فتح الطريق وتردّد التّجار، فإذا أمعنوا الفكر في هذه الأمور وأمثالها لا يخفى عنهم أنها أخلاق جبلّيّة طبيعية، وعن شوائب التّكلّف والتصنّع عريّة. وإذا كانت الحال على ذلك فقد ارتفعت دواعي المضرّة التي كانت موجبة للمخالفة، فإنها إن كانت طريقا للذّبّ والذود عن حوزة الإسلام، فقد ظهر بفضل الله تعالى في دولتنا النّور المبين، وإن كانت لما سبق من الأسباب، فمن يتحرّى الآن طريق الصّواب، فإنّ له عندنا لزلفى وحسن مآب.
وقد رفعنا الحجاب، وأتينا بفصل الخطاب، وعرّفناهم [طريقتنا و] ما عزمنا بنيّة خالصة لله تعالى على استئنافها، وحرّمنا على جميع العساكر العمل بخلافها، لنرضي الله والرسول، ويلوح على صفحاتها آثار الإقبال والقبول، وتستريح من اختلاف الكلمة هذه الأمّة، وتنجلي بنور الائتلاف، ظلمة الاختلاف، والغمّة، ويشكر سابغ ظلّها البوادي والحواضر، وتقرّ القلوب التي بلغت من الجهل الحناجر، ويعفى عن سالف الجرائر، فإن وفّق الله سلطان مصر إلى ما فيه صلاح العالم، وانتظام أمور بني أدم، فقد وجب عليه التّمسك بالعروة الوثقى، وسلوك الطريقة المثلى، بفتح أبواب الطاعة والاتّحاد، وبذل الإخلاص بحيث تعمر تلك الممالك وتيك البلاد، وتسكن الفتنة الثائرة، وتغمد السّيوف الباترة، وتحلّ العامّة أرض الهوينى «١» وروض الهدون «٢» ، وتخلص رقاب المسلمين من أغلال الذّلّ والهون. وإن غلب سوء الظن بما تفضّل به واهب الرحمة، ومنع معرفة هذه النعمة، فقد شكر الله مساعينا وأبلى عذرنا، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
«٣» والله تعالى الموفّق للرّشاد والسّداد، وهو المهيمن على البلاد والعباد، إن شاء الله تعالى.
стр. 3810
وهذه نسخة كتاب على الطريقة الثانية، كتب به عن السلطان «محمود غازان» صاحب إيران أيضا، إلى السلطان الملك الناصر «محمد «١» بن قلاوون» صاحب الديار المصريّة وما معها من البلاد الشامية، وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم*
بقوّة الله تعالى وميامين الملّة المحمّدية فرمان السلطان محمود غازان ليعلم السلطان الملك الناصر، أنه في العالم الماضي، بعض عساكرهم المفسدة دخلوا أطراف بلادنا، وأفسدوا فيها لعناد الله وعنادنا، كماردين «٢» ونواحيها، وجاهروا الله بالمعاصي فيمن ظفروا به من أهليها، وأقدموا على أمور بديعة، وارتكبوا آثاما شنيعة، من محاربة الله وخرق ناموس الشّريعة، فأنفنا من تهجّمهم، وغرنا من تقحّمهم، وأخذتنا الحميّة الإسلامية فجذبتنا إلى دخول بلادهم، ومقابلتهم على فسادهم، فركبنا بمن كان لدينا من العساكر، وتوجّهنا بمن اتفق منهم أنّه حاضر، وقبل وقوع الفعل منا، واشتهار الفتك عنا، سلكنا سنن سيّد المرسلين، واقتفينا آثار المتقدّمين، واقتدينا بقول الله لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل
«٣» وأنفذنا صحبة يعقوب السكرجي جماعة من القضاة، والأئمة الثّقات، وقلنا هذا نذير من النذر الأولى أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة
«٤» فقابلتم ذلك بالإصرار، وحكمتم عليكم وعلى المسلمين بالإضرار، وخالفتم سنن الملوك، في حسن السّلوك، وصبرنا على تماديكم في غيّكم، وخلودكم إلى بغيكم، إلى أن نصرنا الله، وأراكم في أنفسكم قضاه
стр. 3811
أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله
«١» وظننّا أنهم حيث تحقّقوا كنه الحال، وآل بهم الأمر إلى ما آل، أنهم تداركوا الفارط من أمرهم، ورتقوا ما فتقوا بغدرهم، ووجّه إلينا وجه عذرهم، فإنهم ربما سيّروا إلينا حال دخولهم إلى الدّيار المصرية، رسلا لإصلاح تلك القضية، فبقينا بدمشق غير مثحثحين «٢» ، وتثبّطنا تثبّط المتمكّنين، فصدّهم عن السعي في صلاح حالهم التّواني، وعلّقوا نفوسهم عن اليقين بالأماني، ثم بلغنا بعد عودنا إلى بلادنا أنهم ألقوا في قلوب العساكر والعوامّ، وراموا جبر ما أوهنوا من الإسلام، أنهم فيما بعد يلقوننا على حلب والفراه، وأنّ عزمهم مصرّ على ذلك لا سواه، فجمعنا العساكر وتوجهنا للقاهم، ووصلنا الفرات مرتقبين ثبوت دعواهم، وقلنا لعلّ وعساهم، فما لمع لهم بارق، ولا ذرّ شارق، فقدمنا إلى أطراف حلب، وعجبنا من تبطّيهم غاية العجب، وفكرنا في أنه متى تقدّمنا بعساكرنا الباهرة، وجموعنا العظيمة القاهرة، ربّما أخرب البلاد مرورها، وبإقامتهم فيها فسدت أمورها، وعمّ الضرر العباد، والخراب البلاد، فعدنا بقيا عليها، ونظرة لطف من الله إليها. وها نحن الآن مهتمّون بجمع العساكر المنصورة، ومشحذون «٣» غرار عزائمنا المشهورة، ومشتغلون بصنع المجانيق «٤» وآلات الحصار، وعازمون بعد الإنذار وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
«٥» وقد سيّرنا حاملي هذا الكتاب الأمير الكبير ناصر الدين علي خواجا، والإمام العالم ملك القضاة جمال الدين موسى بن يوسف، وقد حمّلنا هما كلاما شافهنا هما به،
стр. 3812
فلتثقوا بما تقدّمنا به إليهما فإنهما من الأعيان، المعتمد عليهما في الديوان، كما قال الله تعالى فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين
«١» فلتعدّوا لنا الهدايا والتّحف، فما بعد الإنذار من عاذر، وإن لم تتداركوا الأرض فدماء المسلمين وأموالهم مطلولة بتدبيرهم، ومطلوبة عند الله في طول تقصيرهم.
فليمعن السلطان لرعيّته النظر في أمره، فقد قال ﷺ «من ولّاه الله أمرا من أمور هذه الأمّة فاحتجب دون حاجتهم وخلّتهم، احتجب دون حاجته وخلّته وفقره» . وقد أعذر من أنذر، وأنصف من حذّر، والسّلام على من اتبع الهدى- في العشر الأوسط «٢» من شهر رمضان سنة سبعمائة- بجبال الأكراد، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على سيدنا [محمد] المصطفى وآله وصحبه وعترته الطاهرين.
قلت: وقد تقدّم جواب هذين الكتابين في الكلام على المكاتبات إلى القانات ببلاد الشّرق من بني جنكز خان فلينظر هناك.
الطرف الثاني (في المطالعات الواردة إلى الأبواب السلطانية عن أهل الشرق
من الملوك والحكّام بالبلاد أتباع القانات ومن في معناهم) «٣»
الطرف الثالث (في رسم المكاتبات الواردة عن صاحب اليمن إلى هذه المملكة)
وعادة مكاتبته أن يحذو حذو الديار المصرية، فيما يكتب إليه عنها، فيبتديء المكاتبة بلفظ: أعزّ الله تعالى أنصار المقام الشريف، العالي، المولويّ،
стр. 3813
السلطانيّ، الفلانيّ بلقب السلطنة، ثم يقول أصدرها من مكان كذا، ويذكر المقصد، ويختم بالدعاء ونحوه، ويكتبون في قطع الشاميّ الكامل بقلم الثلث.
وهذه نسخة كتاب عن الملك الأشرف «إسماعيل» صاحب اليمن، إلى الملك الظاهر «برقوق» «١» صاحب الديار المصرية، في شهور سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، على يد القاضي برهان «٢» الدين المحلّي، تاجر الخاص، والطواشي افتخار الدين فاخر دوادار الملك الأشرف صاحب اليمن المذكور، وهو:
أعزّ الله تعالى أنصار المقام الشريف العالي السلطانيّ الظاهريّ، وزاده في البسطة والقدرة، وضاعف له موادّ الاستظهار والنّظر العزيز، وجعل الظّفر مقرونا براياته أينما يمّمت ما بينهما تمييز، ومحبوبا إلى عساكره المنصورة حيث توجّهت وفتح ببركة أيّامه كلّ مقفل ممتنع بأمر وجيز، ولا زال ممتثل الأوامر والمراسم، رافلا في أردان العزّ والمكارم، ممدودا على الأمة [منه] ظلّ المراحم، بمنّه وكرمه.
أصدرها إليه من زبدة زبيد «٣» المحروسة معربة عن صدق ولائه، متمسّكة بوثيق أسباب آلائه، ناشرة طيب ثنائه، مترجمة ناظمة لمنثور الكتاب الكريم الظاهريّ الوارد على يد المجلس العالي البرهانيّ، بتاريخ ذي الحجّة عظّم الله بركاتها، سنة سبع وتسعين وسبعمائة، أحسن الله خاتمتها، فتلقّيناه باليدين،
стр. 3814
ووضعناه على الرأس والعين، واستدللنا به على شريف همّته، وصفاء مودّته، وتأكيد أخوّته، وسألنا الله تعالى أن يمتّعنا ببقاء دولته القاهرة، وينشر في المشارق والمغارب أقلامه الزاهرة، ففضضنا ختامه، فوجدنا فيه من نشر السّلم الأريج أذكاه، ومن أنوار ما مجّه القلم الشريف ما يخجل منه نوّار الربيع وبهاه، فانشرحت به الصّدور، وتزايد به السّرور، وقرّت به الأعين، وكثر التهجد به لمّا استعذبته الألسن، وامتثلنا المرسوم الشريف في تعظيم المجلس العالي ذي الجلالتين، برهان الدّين إبراهيم بن عمر المحلّي، ومراعاته في جميع أموره وسرعة تجهيزه، على أنّا نجلّه ونبجّله، ونوجب حقّه ولا نجهله، فهو عندنا كما كان في عهد الوالد المرحوم الملك الأفضل، بل أمكن وأفضل، فهو لدينا المكين الأمين، وجهّزنا له المتجر السعيد الظاهريّ، وبرزت مراسمنا إلى النّواب بثغر عدن المحروس أن لا يعترض في عشور ونول، وحملناه على ظهور مراكبنا عزيزا مكرّما، وعرّفناه أن لا يصرف على الحمل السعيد ولا الدّرهم الفرد، وذلك قليل منّا لاجل غلمان بابكم الشريف شرّفه الله تعالى وعظّمه، وجهّزنا الهديّة السعيدة المباركة المتقبّلة، صحبته هو والأمير الأجلّ الكبير الافتخاري، افتخار الدين فاخر الدّوادار، وصارت بأيديهما بأوراق مفصّلة، للمقام الشريف والأمراء الأجلّاء الكبراء، وصحبتهما نفر من المعلّمين البازداريّة، برسم حمل الطيور للصيد السعيد، والمهتاريّة للصافنات الجياد، على أنّا لو أهدينا إلى جلال المقام الشريف الظاهريّ أعزّ الله أنصاره بمقدار همّته الشريفة العالية، ورتبته المنيفة السامية، لا ستصغرت الأفلاك الدائرة، والشّهب السائرة، واستقلّت السبعة الأقاليم تحفه، والأرض وما أقلّته طرفه، ولم نرض أن نبعث إليه الأنام مماليك وخولا، ونجبي إليه ثمرات كلّ شيء قبلا، ولو رام محبّ المقام هذه القضية، لقصر عنه حوله، ولم يصل إليه طوله، ولكنه يرجع إلى المشهور، بين الجمهور، فوجدنا العمل يقوم مقام الاعتقاد «١» ، وليس على المستمرّ على الطاعة سوى الاجتهاد، والمخلص في
стр. 3815
الولاء محمول على قدرته لا على ما أراد، فوثق بهذه القضيّة، وأنفذ إلى المقام الشريف على يد موصّلها هذه الهديّة، راغبا إلى إنعامه في بسط عذره، وحمله على شروط المحبّة طول دهره، وتصريفه بين أوامره الممتثلة، ومراسيمه المتقبّلة.
والمسؤول الإتحاف بالمهمّات والمراسيم الشريفة شرّفها الله تعالى وعظّمها.
ونوضّح لعلمه الكريم ما أفاء الله به علينا من النّصر الذي خفقت بنوده، وأشرقت سعوده، وبرقت سيوفه في رقاب المارقين، واطّردت في راياته المآرب فتناولها باليمين نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
«١» وفتح القلاع والمصانع، والاستيلاء على المرابع والمزارع، واستئصالنا شأفة «٢» المارقين، واسترجاع حصن قاف المحروس بعد طول مكثه تحت يد العرب، فكم من كميّ مقتول، وأسير مكبول، وحصان ترك سبيلها، وربّ حصان كثر عليه عويلها، فخرّبنا المعاقل، وأطلقنا العقائل، وأوطنّاهم الحميم وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم
«٣» وغير ذلك مما أرسلنا على يد المجلس البرهاني والأمير افتخار الدين، فاخر الدّوادار، لقضاء بعض الحوائج الطارئة من الديار المصرية «ألف وأربعمائة وسبعون قطعة من أصناف البهار، وسبع قطع حرير» والمستمدّ من إحسان المقام الشريف العالي، بروز أمره الأشرف العزيز النافذ المطاع، أنفذه الله تعالى شرقا وغربا، وأمضاه بعدا وقربا، في قضاء حوائجهما وسرعة تجهيزهما وقفولهما إلى يمن اليمن، وعزّ تعزّ قريبا.
وبعد، فإنّ الجلالة والاحترام بهما دوام الموالاة، وتوفير الحرمات، بل هي أعظم الكرامات، والمسؤول من المقام الشريف الظاهريّ أعز الله تعالى أنصاره، وضاعف اقتداره، بروز أمره الأشرف إلى النّوّاب بمصر المحروسة، وثغر
стр. 3816
الإسكندرية، والشام، بالجلالة والاحترام، لكافّة غلماننا الواردين إلى الديار المصريّة، ومن انتسب إلينا من تاجر وغيره، مسافرا كان أو مقيما، وأن يعار في مهمّاته، جلالة تفيّأ ظلالها، ويشمله إقبالها، كما سبق للوالد المرحوم المقدّس الملك المجاهد، تغشّاه الله برحمته، بل نرجو فوق ذلك مظهرا، إن شاء الله، فثمّ خطوط ناصريّة من السلطان حسن والملك الصالح لخدّامنا القدماء، لمّا أرسلوا إلى الإسكندرية ودمشق، كتب لهم مربّعات ومثالات شريفة، ولا غرو أن يبدي المستعطي ما في ضميره إلى المعطي، والاشتهار بما بيننا وبين المقام الشريف من الأخوّة الممهّدة، والمصافاة المؤكّدة، والمودّات المحكمة، والأسباب الثابتة، أوجب ذلك، وحسن الظنّ الجميل نطق به لسان الحال، في هذا الاسترسال. ولم يخف عن المقام الشريف أنّ لله عوارف يجذب بها القلوب إليه، ولطائف خفيّة يستدلّ بها المحبّ عليه، وتعاطي كأس الوداد، يدلّ على حسن الاعتقاد، ولذلك نطق اللّسان، وكتب البنان، بما افترض على عباده الرحمن، فقال في محكم كتابه المبين ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين
«١» ومحبّ المقام الشريف يقدّم الكتاب، ويسأل الجواب، بالإذن الشريف، ليعتمد بعد الله عليه في حجّ البيت الحرام، عند تيسير الله تعالى لذلك، فقد حسّن ظنّه بذلك، وركن إليه لقضاء الفرض والتبرّك بالمشاعر العظام، فلا زالت أيّام المقام الشريف على منابر الدنيا تتلى، وآيات الشكر لله سبحانه على استقراره في الملك العقيم تملى. جميع هذا الخطاب مقدّمة الإيجاب بالإذن بالحج، وتسفير المحمل في كل عام، إلى بيت الله الحرام، فحاجّ اليمن تعذرت عليه الطّرقات، ولم يطق حمل النّفقات، ونرجو من الله تعالى أن يفتح ببركة أيامه الشريفة، وشمول الفكر الشريف، بحلّ عقدة هذه الأسباب، إنه هو الكريم الوهّاب، بمنّه وكرمه.
وأمّا ما نعتقده من أمانة المجلس البرهانيّ فإنها متينة، وشواهدها من أقواله
стр. 3817
وأفعاله مبينة، خصوصا في المقام الشريف، واستمالته للقلوب بالعبارات اللطيفة، فقد نظم معاقد الائتلاف، وتزايد بشرحه الأنس في محاورته والاختلاف، ولولا المهمّ الشريف لا ستوقفناه عندنا عاما كاملا من بعد هذا التاريخ، ليملي علينا آيات المقام الشريف، شرّفه الله تعالى وعظّمه. وعلى لسانه ما يبديه في المواقف الشريفة شفاها إن شاء الله تعالى.
في سابع جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، أحسن الله تعالى ختامها، والحمد لله أوّلا وآخرا، وباطنا وظاهرا.
قلت: أما إمام الزيدية «١» باليمن فلم أقف له على مكاتبة، وإن كان المقرّ الشهابيّ ابن فضل الله قد أشار في كتابه «التعريف» إلى أنه ورد عنه مكاتبة إلى الأبواب السلطانية الناصرية (محمد بن «٢» قلاوون) يستجيشه على صاحب اليمن، والغالب على الظنّ أنّ مكاتبته أعرابية، كما أن إمارته أعرابيّة؛ إذ لا اعتناء لأهل البادية وعربان الوادي بفنّ الإنشاء جملة، وإنما يكتب عنهم بحسب ما يقتضيه حالهم، على أن فيما يأتون به مقنعا من الفصاحة والبلاغة بكل حال، إذ عنهم قد علم اللسان وعليهم فيه يعوّل.
الطرف الرابع (في الكتب الواردة إلى الأبواب السلطانية عن ملوك الهند)
قد تقدّم أن المكاتبة إلى صاحب الهند تشبه المكاتبة إلى القانات العظام بإيران وتوران «٣» وتقدّم أن الكتب الواردة عن القانات المذكورين تكون في معنى الكتب الصادرة إليهم في قطع الورق والترتيب، من حيث إن الغالب جريان العادة
стр. 3818
في الأجوبة بأن تكون على نمط الكتب الواردة، وحينئذ فيكون مقتضى ذلك أن الكتب الواردة من صاحب الهند في هيئة الكتب الصادرة إليه في قطع الورق وغيره، فتكون في البغداديّ الكامل بقلم مختصر الطّومار «١» بالطّغراء والخطبة المكتتبتين بالذهب، إلى ما يجري مجرى ذلك مما تقدّم ذكره في المكاتبات إلى القانات.
قلت: ولم أقف على صورة مكاتبة من ذلك ولا على نسخة شيء ورد، لكن قد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك في المقالة الثانية عند ذكر مملكة الهند أن من جملة ممالك الهند مملكة تعرف بالسّيلان «٢» ، وقد رأيت في تذكرة (محمد «٣» بن مكرّم) التي جمعها في وقائع ديوان الإنشاء بالديار المصرية، أنه في سنة اثنتين وثمانين وستمائة، وصل كتاب من صاحب السّيلان هذه في صفيحة ذهب رقيقة، عرض ثلاثة أصابع، في طول نصف ذراع، وحوله مدوّرة (حلقة) داخلها شبيه بالخوص «٤» أخضر، عليه كتابة تشبه الخط الروميّ أو القبطيّ، فطلب من يقرأه فلم يوجد، فسئل الرسل عما هو مكتوب فيها، فقيل: إنه سيّر رسوله رومان ورفيقه، وقصد أن يسيّر معهما الهديّة إلى الباب الشريف، فقيل له: ما لهم طريق. فقال لهم: سافروا إلى (هرمز) «٥» فحضروا إليها، وذكروا أنّ مضمون الكتاب السّلام، والدعاء للسلطان، وأنّ بلاد السّيلان مصر، وبلاد مصر السّيلان، وأنه ترك صحبة صاحب اليمن مرّة واحدة، وتعلق بمحبة مولانا السلطان خلّد الله
стр. 3819
ملكه، وسأل أن يحضر رسول من عند مولانا السلطان إلى عنده صحبة رسله، ورسول آخر إلى عدن ينتظر حضورهم من تلك الجهة على تلك الطريق، وأن عنده الجواهر والّلآليء والفيلة والقماش الكثير من البزّ وغيره، وكذلك البقّم والقرفة وجميع ما يطلب الكارم، وأن عنده في كل سنة عشرين مركبا يسيّرها إليه، فيطلق مولانا السلطان التّجّار إلى البلاد، وأن رسول صاحب اليمن حضر في هذه السنة يتسلم التّقادم والفيلة حتّى يسافروا إلى اليمن فردّه، ولم يعطه شيئا، وأنه يعبّي التّقادم والفيلة إلى أبواب مولانا السلطان، وأنّ بمملكة سيلان سبعا وعشرين قلعة، وبها معادن الجوهر والياقوت ومغاص اللؤلؤ، ولم يزد على ذلك. ورأيت في كتاب «الذيل» على تاريخ ابن الأثير نحو ذلك، وفيه ذكر البلاد التي مرّت عليها رسل صاحب السّيلان في طرقها.
المقصد الثاني (في المكاتبات الواردة عن ملوك الغرب)
والعادة الجارية في الكتب الواردة عنهم أن تكون على نمط واحد في الورق، مع تقارب الحال في الترتيب، وتكون كتبهم في طومار واحد، في عرض نحو شبرين، في طول نحو ثلاثة أشبار، والبسملة بعد بياض نحو شبر وثلاثة أصابع مطبوقة من أعلى الطّومار، وعرض سبعة أصابع مطبوقة عن يمين البسملة، والسّطور منحطّة الأوائل مرتفعة الأواخر حتّى يصير البياض الذي في أعلاها في آخر سطر البسملة قدر شبر فقط، وبين كلّ سطرين قدر عرض إصبع ونصف إصبع، وكلّ سطر ينقص عن الذي فوقه قليلا من جهة اليمين على التدريج، حتى يكون السطر الآخر قطعة لطيفة في زاوية الطّومار التي على اليسار من أسفل، ثم يكتب بحاشية الطّومار من أسفله آخذا من آخر السطر الأخير، ويكون بين ذلك وبين الكتابة الأصلية قدر رأس خنصر، ويبتديء السطر الأوّل منها بقطعة لطيفة منحطّة الأوّل مرتفعة الآخر ثم السطر الثاني قطعة أطول من ذلك، ولا يزال كذلك حتّى يكمل السطر فيكتب أسطرا كاملة، إلّا أنه في أوّل كلّ سطر ينقصه قليلا عن الذي
стр. 3820
قبله حتّى يكون السطر الأخير قدر الأنملة في زاوية الطومار من جهة البسملة، ويكون بين كتابة الأصل وبين كتابة الحاشية قدر إصبعين بياضا إلى سمت البسملة، أسطرا متضايقة حتّى ينتهي إلى آخر الكلام، ويكتب في آخره بقلم الثلث: وكتب في التاريخ المؤرّخ، ويزاد فيه هاء مشقوقة راجعة إلى الخلف.
وفيه جمل:
الجملة الأولى (في المكاتبة الواردة عن صاحب تونس)
وعادة مكاتبته أن تفتتح بلفظ: «من عبد الله الفلاني» بلقب الخلافة الخاصّ به، «أمير المؤمنين ابن فلان» . ويقال في كل من آبائه أمير المؤمنين إن كان قد ولي الخلافة ويدعى له «إلى أخينا فلان» ويؤتى بالسلام والتحية، ثم يتخلص بالبعديّة إلى المقصد، ويختم الكتاب.
وهذه نسخة كتاب عن المتوكل على الله أحمد «١» بن أبي عبد الله بن أبي بكر، إلى السلطان الملك الظاهر «٢» (برقوق) صاحب مصر، جوابا عن كتابه إليه. وهو:
من عبد الله، المتوكل على الله، أمير المؤمنين «أحمد» ابن مولانا الأمير أبي عبد الله، ابن مولانا أمير المؤمنين أبي يحيى أبي بكر، ابن الأمراء الراشدين، أعلى الله به كلمة الإسلام، وضاعف نوافل سيفه من عبدة الأصنام، وغضّ عن جانب عزّه عيون حوادث الأيّام.
إلى أخينا الذي لم نزل نشاهد من إخائه الكريم، في ذات الرّبّ الرحيم،
следующие страницы →