← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

الإسكندرية، والشام، بالجلالة والاحترام، لكافّة غلماننا الواردين إلى الديار المصريّة، ومن انتسب إلينا من تاجر وغيره، مسافرا كان أو مقيما، وأن يعار في مهمّاته، جلالة تفيّأ ظلالها، ويشمله إقبالها، كما سبق للوالد المرحوم المقدّس الملك المجاهد، تغشّاه الله برحمته، بل نرجو فوق ذلك مظهرا، إن شاء الله، فثمّ خطوط ناصريّة من السلطان حسن والملك الصالح لخدّامنا القدماء، لمّا أرسلوا إلى الإسكندرية ودمشق، كتب لهم مربّعات ومثالات شريفة، ولا غرو أن يبدي المستعطي ما في ضميره إلى المعطي، والاشتهار بما بيننا وبين المقام الشريف من الأخوّة الممهّدة، والمصافاة المؤكّدة، والمودّات المحكمة، والأسباب الثابتة، أوجب ذلك، وحسن الظنّ الجميل نطق به لسان الحال، في هذا الاسترسال. ولم يخف عن المقام الشريف أنّ لله عوارف يجذب بها القلوب إليه، ولطائف خفيّة يستدلّ بها المحبّ عليه، وتعاطي كأس الوداد، يدلّ على حسن الاعتقاد، ولذلك نطق اللّسان، وكتب البنان، بما افترض على عباده الرحمن، فقال في محكم كتابه المبين ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين «١» ومحبّ المقام الشريف يقدّم الكتاب، ويسأل الجواب، بالإذن الشريف، ليعتمد بعد الله عليه في حجّ البيت الحرام، عند تيسير الله تعالى لذلك، فقد حسّن ظنّه بذلك، وركن إليه لقضاء الفرض والتبرّك بالمشاعر العظام، فلا زالت أيّام المقام الشريف على منابر الدنيا تتلى، وآيات الشكر لله سبحانه على استقراره في الملك العقيم تملى. جميع هذا الخطاب مقدّمة الإيجاب بالإذن بالحج، وتسفير المحمل في كل عام، إلى بيت الله الحرام، فحاجّ اليمن تعذرت عليه الطّرقات، ولم يطق حمل النّفقات، ونرجو من الله تعالى أن يفتح ببركة أيامه الشريفة، وشمول الفكر الشريف، بحلّ عقدة هذه الأسباب، إنه هو الكريم الوهّاب، بمنّه وكرمه. وأمّا ما نعتقده من أمانة المجلس البرهانيّ فإنها متينة، وشواهدها من أقواله

стр. 3817

وأفعاله مبينة، خصوصا في المقام الشريف، واستمالته للقلوب بالعبارات اللطيفة، فقد نظم معاقد الائتلاف، وتزايد بشرحه الأنس في محاورته والاختلاف، ولولا المهمّ الشريف لا ستوقفناه عندنا عاما كاملا من بعد هذا التاريخ، ليملي علينا آيات المقام الشريف، شرّفه الله تعالى وعظّمه. وعلى لسانه ما يبديه في المواقف الشريفة شفاها إن شاء الله تعالى. في سابع جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، أحسن الله تعالى ختامها، والحمد لله أوّلا وآخرا، وباطنا وظاهرا. قلت: أما إمام الزيدية «١» باليمن فلم أقف له على مكاتبة، وإن كان المقرّ الشهابيّ ابن فضل الله قد أشار في كتابه «التعريف» إلى أنه ورد عنه مكاتبة إلى الأبواب السلطانية الناصرية (محمد بن «٢» قلاوون) يستجيشه على صاحب اليمن، والغالب على الظنّ أنّ مكاتبته أعرابية، كما أن إمارته أعرابيّة؛ إذ لا اعتناء لأهل البادية وعربان الوادي بفنّ الإنشاء جملة، وإنما يكتب عنهم بحسب ما يقتضيه حالهم، على أن فيما يأتون به مقنعا من الفصاحة والبلاغة بكل حال، إذ عنهم قد علم اللسان وعليهم فيه يعوّل. الطرف الرابع (في الكتب الواردة إلى الأبواب السلطانية عن ملوك الهند) قد تقدّم أن المكاتبة إلى صاحب الهند تشبه المكاتبة إلى القانات العظام بإيران وتوران «٣» وتقدّم أن الكتب الواردة عن القانات المذكورين تكون في معنى الكتب الصادرة إليهم في قطع الورق والترتيب، من حيث إن الغالب جريان العادة

стр. 3818

في الأجوبة بأن تكون على نمط الكتب الواردة، وحينئذ فيكون مقتضى ذلك أن الكتب الواردة من صاحب الهند في هيئة الكتب الصادرة إليه في قطع الورق وغيره، فتكون في البغداديّ الكامل بقلم مختصر الطّومار «١» بالطّغراء والخطبة المكتتبتين بالذهب، إلى ما يجري مجرى ذلك مما تقدّم ذكره في المكاتبات إلى القانات. قلت: ولم أقف على صورة مكاتبة من ذلك ولا على نسخة شيء ورد، لكن قد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك في المقالة الثانية عند ذكر مملكة الهند أن من جملة ممالك الهند مملكة تعرف بالسّيلان «٢» ، وقد رأيت في تذكرة (محمد «٣» بن مكرّم) التي جمعها في وقائع ديوان الإنشاء بالديار المصرية، أنه في سنة اثنتين وثمانين وستمائة، وصل كتاب من صاحب السّيلان هذه في صفيحة ذهب رقيقة، عرض ثلاثة أصابع، في طول نصف ذراع، وحوله مدوّرة (حلقة) داخلها شبيه بالخوص «٤» أخضر، عليه كتابة تشبه الخط الروميّ أو القبطيّ، فطلب من يقرأه فلم يوجد، فسئل الرسل عما هو مكتوب فيها، فقيل: إنه سيّر رسوله رومان ورفيقه، وقصد أن يسيّر معهما الهديّة إلى الباب الشريف، فقيل له: ما لهم طريق. فقال لهم: سافروا إلى (هرمز) «٥» فحضروا إليها، وذكروا أنّ مضمون الكتاب السّلام، والدعاء للسلطان، وأنّ بلاد السّيلان مصر، وبلاد مصر السّيلان، وأنه ترك صحبة صاحب اليمن مرّة واحدة، وتعلق بمحبة مولانا السلطان خلّد الله

стр. 3819

ملكه، وسأل أن يحضر رسول من عند مولانا السلطان إلى عنده صحبة رسله، ورسول آخر إلى عدن ينتظر حضورهم من تلك الجهة على تلك الطريق، وأن عنده الجواهر والّلآليء والفيلة والقماش الكثير من البزّ وغيره، وكذلك البقّم والقرفة وجميع ما يطلب الكارم، وأن عنده في كل سنة عشرين مركبا يسيّرها إليه، فيطلق مولانا السلطان التّجّار إلى البلاد، وأن رسول صاحب اليمن حضر في هذه السنة يتسلم التّقادم والفيلة حتّى يسافروا إلى اليمن فردّه، ولم يعطه شيئا، وأنه يعبّي التّقادم والفيلة إلى أبواب مولانا السلطان، وأنّ بمملكة سيلان سبعا وعشرين قلعة، وبها معادن الجوهر والياقوت ومغاص اللؤلؤ، ولم يزد على ذلك. ورأيت في كتاب «الذيل» على تاريخ ابن الأثير نحو ذلك، وفيه ذكر البلاد التي مرّت عليها رسل صاحب السّيلان في طرقها. المقصد الثاني (في المكاتبات الواردة عن ملوك الغرب) والعادة الجارية في الكتب الواردة عنهم أن تكون على نمط واحد في الورق، مع تقارب الحال في الترتيب، وتكون كتبهم في طومار واحد، في عرض نحو شبرين، في طول نحو ثلاثة أشبار، والبسملة بعد بياض نحو شبر وثلاثة أصابع مطبوقة من أعلى الطّومار، وعرض سبعة أصابع مطبوقة عن يمين البسملة، والسّطور منحطّة الأوائل مرتفعة الأواخر حتّى يصير البياض الذي في أعلاها في آخر سطر البسملة قدر شبر فقط، وبين كلّ سطرين قدر عرض إصبع ونصف إصبع، وكلّ سطر ينقص عن الذي فوقه قليلا من جهة اليمين على التدريج، حتى يكون السطر الآخر قطعة لطيفة في زاوية الطّومار التي على اليسار من أسفل، ثم يكتب بحاشية الطّومار من أسفله آخذا من آخر السطر الأخير، ويكون بين ذلك وبين الكتابة الأصلية قدر رأس خنصر، ويبتديء السطر الأوّل منها بقطعة لطيفة منحطّة الأوّل مرتفعة الآخر ثم السطر الثاني قطعة أطول من ذلك، ولا يزال كذلك حتّى يكمل السطر فيكتب أسطرا كاملة، إلّا أنه في أوّل كلّ سطر ينقصه قليلا عن الذي

стр. 3820

قبله حتّى يكون السطر الأخير قدر الأنملة في زاوية الطومار من جهة البسملة، ويكون بين كتابة الأصل وبين كتابة الحاشية قدر إصبعين بياضا إلى سمت البسملة، أسطرا متضايقة حتّى ينتهي إلى آخر الكلام، ويكتب في آخره بقلم الثلث: وكتب في التاريخ المؤرّخ، ويزاد فيه هاء مشقوقة راجعة إلى الخلف. وفيه جمل: الجملة الأولى (في المكاتبة الواردة عن صاحب تونس) وعادة مكاتبته أن تفتتح بلفظ: «من عبد الله الفلاني» بلقب الخلافة الخاصّ به، «أمير المؤمنين ابن فلان» . ويقال في كل من آبائه أمير المؤمنين إن كان قد ولي الخلافة ويدعى له «إلى أخينا فلان» ويؤتى بالسلام والتحية، ثم يتخلص بالبعديّة إلى المقصد، ويختم الكتاب. وهذه نسخة كتاب عن المتوكل على الله أحمد «١» بن أبي عبد الله بن أبي بكر، إلى السلطان الملك الظاهر «٢» (برقوق) صاحب مصر، جوابا عن كتابه إليه. وهو: من عبد الله، المتوكل على الله، أمير المؤمنين «أحمد» ابن مولانا الأمير أبي عبد الله، ابن مولانا أمير المؤمنين أبي يحيى أبي بكر، ابن الأمراء الراشدين، أعلى الله به كلمة الإسلام، وضاعف نوافل سيفه من عبدة الأصنام، وغضّ عن جانب عزّه عيون حوادث الأيّام. إلى أخينا الذي لم نزل نشاهد من إخائه الكريم، في ذات الرّبّ الرحيم،

стр. 3821

قبلة صفاء لم تغيّرها يد بعد ولا انتزاح، ونثابر من حفظ عهده، والقيام بحقّ ودّه، على ما يؤكّد معرفة الخلوص من لدن تعارف الأرواح، ونبادر لما يبعث القلوب على الائتلاف، والأمن بفضل الله من عوائق الاختلاف؛ وإن شحطت الدار وتناءت الصّور والأشباح. ونعترف بما له من مزيد الإعظام، بمجاورة البيت الحرام، والقيام بما هنالك من مطالع الوحي الكريم ومشاعر الصّلاح، ونجتلي من أنوائه الكريمة الشريفة، ومطالعه العالية المنيفة، وجوه البشائر رائقة الغرر والأوضاح. ونستهدي ما يسرّنا من أنبائه، ممّن يرد من تلقائه، حتّى من أنوار الصّباح وسفراء الرّياح، ونبتهل إلى الله بالدعاء أن يخبرنا عنه، ويطلعنا منه، على ما يقرّ عيون الفوز ويشرح صدور النجاح- السلطان الجليل الطاهر، الملك الأعظم «الظاهر» ، جمال الدين والدنيا، مؤيّد كلمة الله العليا، سيف الملّة المرهوب المضاء، بيد القضاء، وركنها الباسق العلاء، في أوج عزّها المنداح للفضاء، المشهود له من لدن حلّ التمائم، ولوث العمائم، بالشّهامة التي ترعب الأسد في أجمها، وتستخدم له سائر الأمم، تركها وعربها وعجمها، المختار للقيام بحقّه بين عباده، في أرضه وبلاده، الفائز من جوار بيت الله ومقام خليله، ومشرع الحجيج إليه وتيسير سبيله، بما أحرز له سعادة الدارين، وعزّ المقامين، كوكب السعد الذي شقيت به أعداوه، وبدر الدين الذي استضاءت به أنحاؤه، ميزان العدل لإنصاف الحقوق، وشمس الهداية النيّرة الغروب والشّروق، (أبي سعيد «١» برقوق) وصل الله له رتبة راقية يتبوّأ محلّها، ونعمة باقية يتفيأ ظلّها، وعزّة واقية تسم وجوه أعدائه خسفها وذلّها، بمنّه وكرمه. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد حمد الله ناظم الشّمل وقد راب نثره وشتاته، وجابر الصّدع وقد اتسعت عن الجبر جهاته، ورادّ الأمر وقد أعيا ذهابه وفواته، وواصل الحبل وقد استولى انقطاعه وانبتاته، العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرّة مما تكنّه أرضه

стр. 3822

وسمواته، الذي قرن بالعسر يسرا، وجعل لكل شيء قدرا، فلا تتحرّك ذرّة إلّا بإذنه ولا يكون في ملكه إلّا ما تنفّذه أحكامه وإرادته. والصلاة والسّلام الأكملين، على سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي صدعت بالحق آياته، وقامت بحجّة دعواه معجزاته، ونطقت بأنه رسول الله على لسان وحيه الصادق الأمين كلماته، المبعوث بالملّة السّمحة، ومن أزكاها حجّ بيت الله المقدّسة أركانه وحجراته، المعظّمة عند الله حرماته، المغفورة لمن سبقت له الحسنى بحجّه سيّئاته، وعلى آله وأصحابه الذين قضوا ﵃ وهم أولياء دينه الكريم وولاته، وأنصار حزبه المفلح وحماته، وليوث دفاعه في صدور الأعداء وكماته، والرضا عن الإمام المهديّ القائم بهذه الدعوة الموحّديّة قيام من خلصت لله نيّاته، وصدقت في ذاته دعواته، وصمّمت لإظهار دينه القويم عزماته، وصلة الدعاء لهذا المقام الأحمديّ المتوكّل الفاروقيّ، بنصر تمضي به في صدور أعدائه شباته، وعزّ يطّرد به استقلاله وثباته، وسعد تطيب به أيامه المتصلة وأوقاته، وتطول به حياته. فإننا كتبنا لسلطانكم- كتب الله لكم من إسعاده ما يتكفّل بعزّه ونصره، ويتضمّن إطالة زمنه المبارك وعصره، ويقوم بحفظ قطره الشريف ومصره- من حضرتنا العلية «تونس» كلأها الله تعالى، ووجوه نصر الله العزيز لدينا وضّاحة الأسرّة متبلّجة الصّور، وآيات فتحه المبين ولله المنّة محكمة السّور، وأحاديث الشّكر على نعمه سبحانه مسلسلة الخبر، وبشرنا بما منّ الله به عليكم قد عمل بمقتضاه من تحت «١» إيالتنا الكريمة من البشر. وإلى هذا فموجبه إليكم بعد تقريب حبّ شرعت في ملّة الوفاء قواعده، وقبل في عقد الصّفاء شاهده، واستقلّ بصلة الخلوص عائده، وثبت في مرسوم الصّداقة الصادقة زائده، إعلامكم أنّا علم الله من حين اتّصل بنا خبركم الذي جرّه القدر المقدور، وجرى به في أمّ الكتاب

стр. 3823

الحكم المسطور، لم نزل نتوجّه إلى الله تعالى في مظانّ قبول الدّعاء، ورفع النّداء، بأن يجبركم بفضله من حيث صدع، ويصلكم بخيره إثر ما قطع، ويعطيكم من نعمته أضعاف ما منع، إلى أن دارك الله بلطفه وأجاب، وتأذن بفضله في قبول الدعاء بظهر الغيب وهو مستجاب، فردّ عليكم ملككم، وصرف إليكم ملككم، فأخذ القوس باريها، وفوّق «١» السهم مقرطسها وراميها، وأنفذ القضايا حكمها ومفتيها، وإذا كان العويل يفضي إلى النّجدة، والبلا يقضي بالجدّة، والفرج يدافع في صدر الشّدّة، فلا جرم غفر الله للأيّام ما اقترفت، لمّا أنابت واعترفت، وهل هو إلّا التمحيص الإلهيّ أراكم الله من باطن الضّرّاء سرّاءكم، وأجزل من جانب الغمّاء «٢» نعماءكم، والتّبر بعد السّبك يروق النواظر خلاصة نضاره، والبدر بعد السّرار تتألّق أشعّة أنواره. ولما جاءنا بنصركم البشير، وطلع من ثنيّة الهناء بأكمام السّرور إلينا يشير، هززنا له أعطاف الارتياح، وتلقينا منه وارد التّهاني والأفراح، وحمدنا الله لكم على ما منّ به من الفوز والنّجاح، ورأينا أنّ تهنئتكم به من فروضنا المؤكّدة، وعهودنا المجدّدة، وأنه لا يقوم به عنّا هنالكم، ويؤدّي ما يجب منه بين يدي كرسيّ جلالكم، إلّا من له من ديار الملوك، قرب الأدب والسّلوك، فاقتضى نظرنا الجميل أن عيّنّا له شيخ دولتنا المستشار، وعلمها الذي في مهمّاتها إليه يشار، فلان. وقد كان منذ أعوام يتطارح علينا في أن نخلّي للحجّ سبيله، ونبلّغه من ذلك مأموله، ويد الضّنّة لا تسمح به طرفة عين، ونفس الاغتباط لا تجيب فيه دواعي البين، إلى أن تعيّن من تهنئتكم الكريمة ما عيّنه، وسهّل شأنه علينا وهوّنه، فوجّهناه والله تعالى يسعد وجهته، ويجعل حجّته لقبول الأعمال حجّته. وحمّلناه من أمانة الحبّ ما يلقي إليكم، ومن حديث الشّوق ما يقصّ أخباره عليكم، ومن طيّب الثّناء ما يفضّ ختامه بين يديكم، وأصحبناه برسم إصطبلاتكم الشريفة ما

стр. 3824

يسّر الحبّ سبيلها، وأوضح الخلوص دليلها، ورجونا من فضلكم على نزارتها قبولها، إذ لو كانت الملوك تهادى على قدر جلالها، لما اتّسعت لذلك خزائن أموالها، لكنّها عنوان الحبّ السليم، حسب ما اقتضاه الحديث النبويّ الكريم. وفي أثناء شروعنا في ذلك، وسلوكنا منه أيمن المسالك، وصل إلينا كتابكم الكريم، تعرف النواظر في وجوه بشائره نضرة النّعيم، فاطّلعنا منه على ما راق العيون وصفا ونعتا، وعبر للخلوص سبيلا لا ترى القلوب فيها عوجا ولا أمتا «١» ، ولله هو من كتاب كتب من البيان كتائب، واستأثر بفلك الإجادة فأحرز به سعادة الكاتب، فقسما بالقلم وما سطّر! والحبر وما حبّر! لو رآه عبد «٢» الحميد لتركه غير حميد، أو بصر به لبيد «٣» لأعاده في مقام بليد، ولو قصّ على قسّ إياد فصاحته لنزّله عن منبر خطابته بعكاظ، أو سحب على سحبان وائل ذيل بلاغته لأراه كيف يتولّد السّحر الحلال بين المعاني الرائقة والألفاظ. ولما استقرينا من فحواه، وخطابه الكريم ونجواه، تشوّقكم لأخبار جهادنا، وسروركم بما يسنّيه الله من ذلك ببلادنا، رأينا أن نتحف أسماعكم منه بما قرّت به

стр. 3825

أعين الإسلام، وأثلج صدور اللّيالي والأيّام؛ وذلك أنّا من حين صدر من عدوّ الملّة في الجزيرة ما صدر، حسب ما جرّه محتوم القدر، لم نزل نبيح لأساطيلنا المنصورة حرمه وحماه، ونطرق طروق الغارة الشّعواء بلاده وقراه، ونكتسح بأيدي الاستلاب ما جمعت بها يداه، إلى أن ذاقوا من ذلك وبال أمرهم، وتعرّفوا عاقبة مكرهم. وكان من جزائرهم المعترضة شجا في حلوق الخطّار، ومتجشّمي الأخطار، وركّاب البحار، من الحجّاج والتّجار، جزيرة «غودش» وبها من أعداء الله جمّ كثير، وجمع كبير، فأرسلنا عليهم من أسطولنا المنصور غربانا نعقت عليهم بالمنون، وعرّفت المسلمين بركة هذا الطائر الميمون، وشحنّاها عددا وعددا، واستمددنا لها من الله ملائكة سمائه مددا، فسارت تحت أجنحة النّجاح إليها، وتحوم إلى أن رمت مخالب مراسيها عليها، فلما نزلوا بساحتها، وكبّروا تكبيرة الإسلام لإباحتها، بهت الذي كفر، وودّ الفرار والحين يناديه: أين المفرّ؟ فلما قضى السيف منهم أوطاره، وشفى الدّين من دمائهم أواره، وشكر الله من المسلمين أنصاره، عمدوا إلى ما تخطّاه السيف من والد وولد، ومن أخلد إلى الأرض من رجالهم عن المدافعة فلم يعترضه بالقتل منهم أحد، فجمعوا منه عددا ينيف بعد الأربعمائة على الأربعين، وجاؤوا بهم في الأصفاد مقرّنين، وامتلأت بغنائمهم والحمد لله أيدي المسلمين، وانقلبوا فرحين بما آتاهم الله مستبشرين، إلى أن دخلوا حضرتنا العليّة بسلام آمنين. فعرّفناكم بهذا الفتح لتأخذوا بحظّكم من شكر الله عليه، وتتوجّهوا في مثله بصالح أدعيتكم إليه، وهو يطلعنا ويطلعكم على ما يسرّ النفوس ويهنّيها، ويجلو وجوه البشائر ويبديها، بمنّه وكرمه، والسّلام العطر المحيا الجميل المحيّا عائد عليكم ورحمة الله وبركاته. الجملة الثانية (في المكاتبات الواردة عن صاحب «تلمسان» من بني عبد الواد) ورسم مكاتبته فيما وقفت عليه في المكاتبة الواردة على صاحب

стр. 3826

الديار المصرية أن يبتدأ الكتاب بقوله: إلى الحضرة الفلانية حضرة فلان- بالألقاب المعظّمة المفخّمة ثم يدعى له بما يناسب الحال، ويؤتى بخطبة، ثم بالسلام، ويقع الخطاب في أثناء الكتاب بالإخاء بلفظ الجمع، ويختم بالدعاء المناسب. كما كتب عبد «١» الرحمن بن أبي موسى بن يغمراسن، إلى السلطان الملك الناصر (محمد بن قلاوون) في سنة خمس وعشرين وسبعمائة: إلى الحضرة العالية السامية، السنيّة، الماجدة، المحسنة، الفاضلة، المؤيّدة، المظفّرة، المنصورة، المالكة، حضرة السلطان، الملك، الجليل، الفاضل، المؤيّد، المنصور، المظفّر، المعظّم، ناصر الإسلام، ومذلّ عبدة الأصنام، الذي أيّده الله بالبراهين القاطعة، والأنوار المنيرة الساطعة، الأعلى، الأوحد، الأكمل، الأرفع، الأمجد، الأسمى، الأسرى، ذي المجد الظاهر، والشّرف الباهر، الملك الناصر، ابن السلطان، الملك، الجليل، العادل، الفاضل، المؤيّد، المظفّر، الأعلى، الأوحد، الأكمل، الأرفع، الأمجد، الأسنى، الأسمى، ناصر الإسلام والمسلمين، ومعلي كلمة الموحّدين، المقدّس، المرحوم، ذي المجد المشهور، والفخر المنشور، والذكر المذخور، الملك المنصور، أدام الله علوّ قدره في الدّنيا والآخرة، وأسبغ عليه نعمه باطنة وظاهرة، وجعل وجوه محاسنهم في صفحات الدهر سارّة سافرة، وصفقة أعدائهم خائبة خاسرة. وبعد حمد الله الذي أظهر الأمر العليّ الناصريّ وأيّده، وبسط في قول الحق وفعله لسانه ويده، وسدّد نحو الصّواب منحاه كلّه ومقصده، والصلاة التامة المباركة على سيدنا محمد رسوله المصطفى، الذي خصّه الله بعموم الدّعوة

стр. 3827

وأفرده، وقرن ذكره بذكره فأبقاه أبد الدّهر وخلّده. والرّضا عن آله الكرام، وصحابته الأعلام، الذين حفظوا بالتوقير والتعزير مغيبه ومشهده، وكانوا عند استلال السّيوف، ومجال الحتوف، عدده المظفّر وعدده. والدعاء لذلكم المقام الشريف بسعد يطيل في شرف الدين والدنيا مدده وأمده. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، من أخيكم، البرّ بكم، الحريص على تصافيكم، عبد الرحمن بن أبي موسى بن يغمراسن. وإنا كتبناه إليكم كتب الله لكم أنجح المقاصد وأرجحها، وأثبتها عزّا وأوضحها، من حصن «تلمسان» حرسها الله تعالى، ولا ناشيء بفضل الله تعالى إلّا ما عوّد من بشائر تحثّ جيادها، ومسارّ يتطاول إلى المزيد اعتيادها- وإلى هذا أعلى الله كلمتكم، وأمتع المسلمين بطول بقائكم، فإنا نعرّفكم بوصول كتابكم الخطير الأثير، فتلقيناه بما يجب من التكريم والتعظيم، وتتبّعنا فصوله، واستوعبنا فروعه وأصوله، وتحقّقنا مقتضاه ومحصوله، وعلمنا ما انطوى عليه من المنن والإفضال، واشتمل عليه من التفصيل والإجمال، ومن أعظم ذلك إذنكم لنا في أداء فرض الحجّ المبرور وزيارة سيد البشر، الشفيع في المحشر، الذي وجبت له نبوّته، ومثنّى الغيب عليه منسدل، وآدم صلوات الله عليه في طينته منجدل، وعلم الله أننا لم تزل آمالنا متعلقة بتلكم المشاعر الكريمة، وقلوبنا متشوّقة إلى تلكم المشاهد العظيمة، فلنا في ذلك نيّات صادقة التّحويم، وعزمات داعية التصميم، وكان بودّنا لو ساعدنا المقدار، وجرى الأمر على ما نحبّه من ذلك ونختار، أن نمتّع برؤية المواطن التي تقرّ أبصارا، ويتشفّى بها إيرادا وإصدارا، ولعلّ الله تعالى ينفعنا بخالص نيّاتنا، وصادق طويّاتنا، بمنه وكرمه. وقد وجب شكركم علينا من كلّ الجهات، واتصلت المحبة والمودّة طول الحياة، غير أنّ في قلوبنا شيئا من ميلكم إلى غيرنا واستئناسكم، ونحن والحمد لله أعلم الناس بما يجب من حقوق ذلكم المقام الشريف، ولنا القدرة على القيام بواجبكم، والوفاء بكريم حقكم، وليس بيننا وبين بلادكم من يخشى والحمد لله من كيده، ولا يبالى بهزله ولا جدّه، وقد توجّه إلى بابكم الشريف قرابتنا الشيخ

стр. 3828

الصالح الحسيب الأورع الأكمل الزاهد أبو زكريّا يحيى ابن الشيخ الصالح المرابط المقدّس المرحوم أبي عبد الله محمد بن جرار الواديّ، وهو من أهل الدّين والخير، وقد شافهناه بما يلقيه إلى ذلكم المقام الشريف من تقرير الودّ والإخاء، والمحبّة والصّفاء، مما يعجز عنه الكتاب، فالمقام الشريف يثق إلى قوله ويعامله بما يليق ببيته ودينه. وغرضنا أن تعرّفوه بجميع ما يصلح لذلكم المقام الشريف مما في بلادنا، ويصلكم إن شاء الله في أقرب الأوقات، على أحسن الحالات، ولكم بذلك علينا المنّة العظمى، والمزيّة القصوى، والله تعالى يبقي ذلكم المقام الشريف محروس المذاهب، مشكور المناقب، إن شاء الله تعالى. الجملة الثالثة (في المكاتبات الواردة عن صاحب «فاس» إلى الأبواب السلطانية، بالديار المصرية) وعادة كتبهم أن تفتتح بلفظ «من عبد الله فلان أمير المسلمين» . وأوّل من كتب منهم أمير المسلمين «يوسف بن «١» تاشفين» حين استولى على المغرب، قبل بني مرين، خضوعا أن يتلقّب بأمير المؤمنين مضاهاة للخلفاء. وهو: من عبد الله عليّ «٢» أمير المسلمين، وناصر الدّين، المجاهد في سبيل ربّ العالمين، ملك البرّين، ومالك العدوتين «٣» ، أبي سعيد «٤» ، ابن مولانا أمير

стр. 3829

المسلمين، المجاهد في سبيل ربّ العالمين، ملك البرّين، وسلطان العدوتين، القائم لله بإعلاء دين الحق، أبي يوسف يعقوب «١» بن عبد الحق، منح الله التأييد مقامه، وفسّح لفتح معاقل الكفر وكسر جحافل الصّفر أيّامه. إلى السلطان، الجليل، الكبير، الشهير، العادل، الفاضل، الكامل، الحافل، الملك، الناصر، المجاهد، المرابط، المثاغر، المؤيّد، المظفّر، المنصور، الأسعد، الأصعد، الأرقى، الأوقى، ناصر الدنيا والدين، وقامع البغاة والمعتدين، مفيد الأوطار، مبيد الكفّار، هازم جيوش الأرمن والفرنج والكرج والتّتار، ماليء صدور البراريّ والبحار، حامي القبلتين، خديم الحرمين، غيث العفاة، عون العناة، مصرّف الكتائب، مشرّف المواكب، ناصر الإسلام، ناشر الأعلام، فخر الأنام، ذخر الأيّام، قائد الجنود، عاقد البنود، حافظ الثغور، حامي الجمهور، نظام المصالح، بقيّة السّلف الصالح، ظهير الخلافة وعضدها، وليّ الإمامة وسندها، عاضد كلمة الموحّدين، وليّ أمير المؤمنين، أبي المعالي (محمد) ابن السلطان، الكبير، الجليل، الشهير، الشهيد، الخطير، العادل، الفاضل، الكامل، الحافظ، الحافل، المؤيّد، المظفّر، المعظّم، المبجّل، المكبّر، الموقّر، المعزّز، المجاهد، المرابط، المثاغر، الأوحد، سيف الدين (قلاوون) أدام الله فضل عزمه الماضي بتأييده، وأدار الأفلاك بتشييد ملكه الشامخ وتمهيده، وطهّر أرجاءه من أرجاس المنافقين، وأدناس المارقين، بما يريق عليها من دمائهم، فما كلّ متطهّر يجزيء عنه غسل مائه أو تيمّم صعيده. سلام كريم، طيّب عميم، أرج الشّميم، متضوّع النّسيم، تستمدّ الشمس

стр. 3830

باهر سناه، ويستعير المسك عاطر شذاه، يخصّ إخاءكم العليّ، ووفاءكم الوفيّ، ورحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله الذي أيّد المؤمنين، على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين، وعرّف الإسلام وأهله من السّرّ العجيب، والصّنع الغريب، ما فيه عبرة للسامعين والنّاظرين، حكمة عجزت عن فهم سرّها المكتوم، وقصرت عن كنهها المختوم، ألباب عبيده القاصرين. والصلاة والسّلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي أرشد به الحائدين الحائرين، وأرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه برغم الجاحدين الكافرين، وعلى آله وصحبه الذين هاجروا إليه وبلادهم هجروا، والذين آووا من أوى إليهم ونصروا، والذين جاهدوا في الله فصبروا، ففازوا بذكر المهاجرين والأنصار وأجر المجاهدين الصابرين، وصلة الدعاء لحزب الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها بفضل لا يزالون معه لأعدائهم قاهرين، وسعد لا ينفكّون له بآمالهم ظافرين، ونصر من عند الله وما النّصر إلّا من عند الله وهو خير الناصرين. فإنا كتبنا لكم- كتب الله لكم مجدا مديد الظّلال، وعضدا حديد الإلال «١» ، وسعدا جديد السّربال- من منصورة «تلمسان» حرسها الله تعالى، والصنائع الرّبّانيّة تكيّف العجائب، وتعرّف العوارف الرغائب، وتشنّف الأسماع بما تسمعها من إجزال المنوح والمواهب، وتفوّف الرّقاع بما تودعها من أحاديث الفتوح الغرائب، والحمد لله على ما يسّر من المآرب، وسهّل من المواهب، وإخاؤكم الصادق مبرور الجوانب، مأثور المناقب، مشرق الكواكب، مغدق السحائب، نامي المراتب، سامي المراقب، والله تعالى يبقيه في ذاته، ويقيه من صرف الدهر وأذاته. وإلى هذا وصل الله لكم سعدا جديدا، وجدّا سعيدا، ومجدا حميدا،

стр. 3831

وحمدا مجيدا، فقد وصل كتابكم الأثير، المزري بالمسك النّثير، فاجتلينا منه روضة جادها البيان فأمرعها «١» ، ورادها البنان فوشّعها، واجتنينا من غصون سطوره ثمرات وداد ما أينعها، إنباء عما تلقّاه الإخاء الكريم من قبل الشيخ الأجل، أبي عبد الله محمد بن الجرّاح مما عنّا تحمّل، وفي إلفائه وأدائه بحضرتكم الكريمة أحسن وأجمل، وهو ما كان عليه عزم مولاتنا الوالدة ألحقها الله تعالى رضوانه، وبوّأها جنانه، من حجّ البيت المحرّم، وزيارة [القبر] المعظّم المكرّم، والصلاة بالمسجد الحرام ومسجد النبيّ ﷺ ، وثالثها في شدّ الرحال للمسجد الأقصى ونعم المغتنم، وقضاء النّسك بتلك المناسك والمشاهد، والتبرّك بتلك المعالم المنيفة والمعاهد، وما وصف مع ذلك بهذا الجانب الغربيّ، ورصف من أمر قتالنا لكلّ مارق أبيّ وكافر حربيّ، وما منحنا الله من نصر لقلوب أهل الإيمان مبهج، ولصدور عبدة الصّلبان محرج، وأن الإخاء الكريم حصل له بذلك أبهى ابتهاج، وحلّ منه محلّ القبول الذي انتهج له من اقتفى سبيل القصد أنهى انتهاج، فعقد العزم على تلقّي الوافد من تلقائنا، والوارد رجاء أداء فرض الحجّ من أرجائنا، بتسهيل سبيله، وتيسير ارتحاله إلى بيت الله ورسوله، وأنه متى وقع الشّعور بمقدم المولاة رحمها الله تعالى على بلاده، وقربها من جهاته المجودة من جود جوده بعهاده، يقدّم للخروج من يتلقّى ركابها، ويعتمد بالبرّ والتكريم جنابها، حتّى تحمد وجهتها الشريفة بجميل نظره وإيابها، وقام عنّا بما نودّه من برّها، وساهم فيما تقدّمه إلى الله من صالح أجرها. وقد قابلنا هذا الفضل من الشّكر بأجزله، ومن البرّ بأحفاه وأحفله، وحصل لدينا بإزائه سليم ودّه وكريم إخائه، من تخليص ولائه، وتمحيص صفائه، منّا ما يزال عهده الأنيق في نهائه، وعقده الوثيق في ازدياده ونمائه، وغصنه الوريق في رونق غلوائه، ولئن كانت المولاة الوالدة قدّس الله روحها، وبرّد ضريحها، قد وافت بما قدّمت عند الله من صالح

стр. 3832

العمل، وماتت على ما أبرمته في قصد البيت الشريف في نيّة وأمل، إذ كانت رحمة الله تعالى عليها قد تأهّبت لذلك، واعتدّت لسلوك تلك المسالك، وأداء ما فرض الله من السّعاية والمناسك، وعلى الله إجزال ثوابها، وعنده نحتسب ما ألمّ فآلم من مصابها- فإنّ لدينا ممّن يمتّ بحرمة المحرم إلينا، ويلزم بحقّ التربية علينا، من يقوم عندنا مقامها، ويروم من ذلك المقصد الشريف مرامها، وسنوردها إن شاء الله تعالى على تلكم البقاع، ونوردها من تلكم الأقطار والأصقاع، ما يجمل بحسن نظركم مورده ومصدره، ويطّابق في جميل اعتنائكم وحفيل احتفالكم خبره ومخبره، بفضل الله وعونه. وأما تشوّق ذلكم الإخاء، لمواصلة الكتب بسارّ الأنباء، فإنّ من أقربها عهدا وأعذبها حديثا يهادى ويهدى، ما كان من أمر العاقّ قاتل أبيه، الحالّ من إقليم تلمسان وممالكها بالمحلّ النّبيه، وذلك أنّ أسلافه بني زيّان، كانوا قد استولوا على هذه المملكة في سالف الزّمان، ولم يزل بينهم وبين أسلافي المحتوين على ملك المغرب الأقصى وقائع توردهم الحمام، وتذيقهم الموت الزّؤام، فيدعون المنازعة، ويعودون للموادعة، ثم لم يلبثوا أن ينكثوا، ولم يصبروا أن يغدروا، إلى أن كان من حصار عمّنا المقدّس المرحوم أبي يعقوب قدّس الله تربته إيّاهم، فأكثر موتهم وكدّر محياهم، وتمادى بهم الحصار تسع سنين، وما كانوا غير شرذمة قليلين، وهنالكم اتصلت بينكما المراسلة، وحصلت الصّداقة والمواصلة، ثم حمّ موته، وتمّ فوته، رحمة الله تؤمّه، ورضوانه يشمله ويعمّه، فنفّس خناقهم، وعاد إلى الإبدار محاقهم، وصرف القائم بعده عنهم الحين، عما كان هو ﵀ قد طوّعه من بلاد مغراوة «١» وتحين، فاتّسعت عليهم المسالك، وملكوا ما لم يكن فيه لأوائلهم طمع من الممالك. لكنّ هذا الخائن وعمّه كانا ممن أسأرته الفتن، وعمّ

стр. 3833

به فيها غوامر المحن، فسلكا مسلك أسلافهما في إذاعة المهادنة، والرّوغان عن الإعلان بالمفاتنة. ولما سوّل الشيطان لهذا العاقّ قتل والده، والاستيلاء على طارفه وتالده، لم يقدّم «١» عملا على إشخاص إرساله بحضرة مولانا المقدّس أبي سعيد، قدّس الله مثواه، وجعل الجنة مأواه، في السّلم راغبا، وللحكم بموادعته طالبا، فاقتضى النظر المصلحيّ حينئذ موافقته في غرضه، وإن كان باطنه على مرضه، فقوي أمره، وضري ضرّه، وشري شرّه، ووقد تحت الرّماد جمره، وسرى إلى بلاد جيرانه الموحّدين داؤه، وطال عليهم تضييقه واعتداؤه، واستشعر ضعفهم عن مدافعته، ووهنهم عن مقاومته ومنازعته، فبغى وطغى، ولم يدر أنّ من فوقه سقب «٢» السماء رغا، وباطن جماعة من عرب أفريقيّة المفسدين وجرّوه بحبل الأطماع إليها، وأقام على بجاية «٣» عشرين سنة يشدّ على بجاية «٤» الحصار، ويشنّ على أحواز تونس الغار، حتّى كان من هزيمة جيشه لصاحبها ما كان، بممالأة منهم ومن غيرهم من وراتيه (؟) كابن اللّحياني، وابن الشهيد، وابن عمران، فأدّى ذلك صاحبها السلطان أبا يحيى أعزّه الله تعالى أن بعث إلينا وزيره في طلب النّصرة رسولا، وأوفد علينا أعزّ ولده أبا زكريّا في إذهاب المضرّة عنه دخيلا، فخاطبنا إذ ذاك هذا الخائن العاقّ مبصّرين، وبقوله تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما «٥» مذكّرين، فما زادته الموعظة إلّا أشرا، ولا أفادته التذكرة إلّا

стр. 3834

بطرا، وحين ذكّر فلم تنفعه الذّكرى، وفكّر فلم يتيسّر لليسرى، امتثلنا فيه أمر الله تعالى المرتب على قوله فإن بغت إحداهما على الأخرى «١» فأزمعنا قدعه «٢» ، وأجمعنا ردّه وردعه. وفي أثناء ذلكم وصل إلينا أيضا سلطان الأندلس مستغيثا على النصارى أعداء الله جيرانه على طاغيتهم، المصرّ على عداوته وعداوتهم؛ فجهّزنا معه ولدنا عبد الواحد في أربعة آلاف من الأبطال، وأمددناهم بما كفاهم من الطعام والعدّة والمال، فأجاز من سبتة إلى الخضراء «٣» عجلا، ولم يقدّم على منازلة جبل الفتح عملا، وكان هذا الجبل الخطير شأنه منذ استولى عليه العدوّ قصمه الله في سنة تسع وستين شجا في لهوات أهل العدوتين، وغصّة لنفوس الساكنين بالجهتين، لإطلاله عليهما، وإرساله جوارح جواريه إليهما، تحطف من رام العبور ببحر الزّقاق، وما يقرب الملجأ إلى هذا المعقل المستقرّ من اللّحاق، فكم أرمل وأيتم، وأثكل «٤» وأيّم- فأحاطت به العاديات السوابح برّا وبحرا، وأذاقت من به من أهماج الأعلاج شرّا وحصرا، إلى أن أسلموا للمسلمين قهرا وقسرا، ومنح الله حزبه المؤمنين فتحا ونصرا، وسمع الطاغية الغادر إجابة الله تعالى بأمره، فطار بما قدر عليه من حشوده وجنوده إلى إغاثته ونصره، فوصله بعد ثمانية أيام، من تسليمه للإسلام، فنزل بخيله ورجله «٥» إزاءه، وأقسم بمعبوده لا يبرح فناءه، حتّى يعيد إليه دينه، أو يلقى منونه دونه، فأكذب الله زعمه، وأوهن عزمه، وأحنث «٦» يمينه، وأقلع بعد شهرين وأيام مدلجا، وأسرع العود إلى مستقرّه واسأله كيف نجا، وكان ذلك سبب إنابته للسّلم وانقياده، وإجابته لترك ما كان له على أصحاب «غرناطة» من معتاده، وكانوا يعطونه ما ينيف على الأربعين ألفا من

стр. 3835

الذهب في العام، ضريبة ألزمهم الطاغية أداءها في عقد مصالحته أيّ إلزام، فسمناه تركها وإسقاطها، وألزمناه فيما عقدناه له من السّلم أن يدع اشتراطها، والحمد لله الذي أعزّ بنا دين الإسلام، وأذلّ رقاب عبدة الأصنام، وقد اعتنينا بتحصين حصن هذا الجبل تتميما لها وتكميلا، وابتدأنا من تحصين أسواره وأبراجه بما يغدو على جبينه تاجا وإكليلا. وكنا في هذه المدة التي جرت بها هذه الأحوال، وعرت فيها هذه الأهواء والأهوال، منازلين أخانا الممتنع «بسجلماسة» «١» من بعض بلاد القبلة، ومحاولين من إزاحة ضرّه، والإراحة من شرّه، ما فيه الصلاح والفلاح على التفصيل والجملة، لعثايته في الفساد، ودعايته إلى العناد، ومعاضدته صاحب «تلمسان» ، ومساعدته على البغي والعدوان، فسهّل الله افتتاحها، وعجّل من صنائعه الجميلة منها مباحها، وذلك بعد تسليم جبل الفتح بثلاثة أشهر ونصف، ويسّر الله تعالى في ذلك من بدائع الصنائع ما يقصر عنه كلّ نعت ووصف. وفي خلال تلكم المنازلة، وحال تلكم المحاولة، لاحت للخائن التّلمسانيّ فرصة، جرّع منها غصّة، إذ ظنّ أنّا عنه مشغولون، وفي أمر ما عرض من سجلماسة وجبل الفتح معتملون، فخرج من بلده على حين غفلة بالعزيمة والجدّ، إلى حصن ماوربرت «٢» الذي هو بين بلاده وبلادنا كالحدّ، فوجد هنالك ولدنا الأسعد تاشفين، في ثلّة من بني مرين، آساد العرين، فلما نذروا به ثاروا إليه مسرعين، فنكص على عقبه ولم ير له جنّة أوقى من هربه، وعاد لذلك ثانية، فلم تكن عساكرنا عن طرده وانية، بل ردّته في الحافرة، وأنشدته بلسان حالها الساخرة (سريع) . إن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النعل لها حاضره

стр. 3836

ولما فرغنا والحمد لله من تلكم الشّواغل، وأرغنا من الخائن التّلمساني ترك ما هو فيه من إثارة الفتن واغل، فأعرض وأشاح، وما لاحت عليه مخيلة فلاح، نهدنا نحو أرضه، لنجزيه بقرضه، بجيوش يضيق عنها فسيح كلّ مدى، وخيول تذر الأكم للحوافر سجّدا، تنقضّ على الأقران أمثال الأجادل، وتقضّ الجنادل من حوافرها بأصلب من الجنادل، فكلفنا بتسلّم منازله فمنزلا، وتسنّم معاقله معقلا فمعقلا، وجلّ رعاياه تقرّ بفضلنا، وتفرّ من جوره إلى عدلنا، ومن تمسّك منهم بحبله، أو سلك من الغيّ في سبله، قاده السيف برغمه، واستنزله على حكمه، والعفو مع ذلك يؤمّهم، والإحسان يشملهم ويعمّهم، حتّى لم يبق إلّا معقله الأشب، ومنزله الذي رأى أنه عن عين الشّوائب محتجب، قد شمخ أنفا حميّا، وصافح كفّا للثّريّا، ولم يرض لها منه عمائم إلّا الغمائم، ولا لأنامل شرفاته خواتم، إلّا النّجوم العواتم، فنزلنا بساحه، وأقبلنا على كفاحه، وجعلنا نقذفهم من حجارة المجانيق، بأمثال النّيق، ومن كيزان النّفظ الموقدة، بأمثال الشّهب المرصدة، ومن السّهام العقّارة، بأمثال العقارب الجرّارة، حتّى غدت جدرانهم مهدومة، وجسومهم مكلومة، وثغور شرفاتهم في أفواه أبراجهم مهتومة، وظلّت الفعلة تشيّد إزاء أبراجهم أبراجا، وتمهّد منها لتسوير أسوارهم أدراجا، وللمعاول في أسافلها إعوال، وللعواسل على أعاليها أعمال، وللأشقياء مع ذلك شدّة وجلد، وعدّة وعدد، وحدّة ولدد، يقاتلون حميّة، وينازلون بنفوس أبيّة، وحجارة المجانيق «١» تشدخ هامهم، وبنات الكنائن تزلزل أقدامهم، وهم في مثل ذلك لازمون إقدامهم، إلى أن اشتدّت أزمتهم فلم يجدوا لها من فارج، وأحاطت بهم الأوجال من خارج، وهدمت أبراجهم الشّواهق، وردمت حفائرهم والخنادق، وأخذت الكماة في العروج إلى البروج، والحماة في السّباق إلى الأنفاق، والرماة في النّضال بالنّصال، فمن مرتق سلّما، غير متّق مؤلما، ومشتغل بالنّقب، غير

стр. 3837

محتفل بشابور الحجارة المنصبّ، وأفرج المضيق، وانتهج الطّريق، واقتحمته أطلاب الأبطال، وولجته أقيال القبائل وولّى الأشقياء الأدبار، وعاذوا بالفرار، وبدت عليهم علامات الإدبار، وسابقوا إلى الأبواب، فكان مجيئهم من أقوى الأسباب، وقتل منهم الزّحام، من أسأره الهدم والحسام، فتملّكنا ما دارت عليه الأسوار الخارجة، كفرار السبع والملعب، وجميع الجنان والعروش التي ما انفكّ الشقيّ يجتهد في عمارتها ويتعب، وأعلنّا بالنّداء أن كلّ من جاءنا هاربا، ووصل إلينا تائبا، منحناه العفو، ومحونا عنه الهفو، وأوردناه من إحساننا الصّفو، فتبادروا عند ذلك يتساقطون من الأسوار، تساقط جنيّات الثّمار، فرادى ومثنى، آئبين إلى الحسنى، فيسعهم الصّفح، ويحسبهم المنّ والمنح. ولما رأى الخائن قلّة من بقي معه، وشاهد تفرّق من ذلك الموقف جمعه، أمر بسراح من في قبضته وسجنه، واعتقدهم عونا له فكانوا أعون شيء على وهيه ووهنه، واعتمد الناس في بقيّة يومهم السّور تتوسّع أنقابه، وتتخرّق أبوابه، إلى أن جنّهم الليل، وحاق منهم بالأعداء الويل، ولزم كلّ مركزه، ولم يكن الليل ليحجبه من عمله ولا يحجزه، وبات الفرّار إلينا يهربون، ومن كل نفق يتسرّبون؛ فلما ارتفع الضّياء، ومتع «١» الضّحاء، أمرنا ولدينا يعقوب وعبد الواحد، ووزيرنا القاعد له بالمراصد، بأن زحفوا إليها، مع أطلابنا تحت راياتنا المنصورة عليها، فرجفت قلوبهم، ووجبت جنوبهم، ولم يكن إلّا كلا حتّى امتطيت تلك الصّهوة، وتسنّمت فيها الذّروة، وتسلّمت بيد العنوة، وفصمت عراها عروة عروة، وأنزلوا من صياصيهم «٢» ، وتمكّنت يد القهر من نواصيهم، وحقّت عليهم كلمة العذاب من معاصيهم، وفرّ الشّقيّ إلى فناء داره، في نفر من ذويه وأنصاره، وفيهم ولداه مسعود وعثمان، ووزيره موسى بن عليّ معينه على البغي والعصيان، وعبد الحق بن

стр. 3838

عثمان الخائن الغادر، وابن أخيه العامل بعمله ثابت بن عامر، فتكنّفهم هنالك أولياء دولتنا العلية، فأوردوهم ويوسف ولد الشقيّ السالب حياض المنيّة، ونبذت بالعراء أجسامهم، وتقدّمنا للحين، بأن يمدّ على الرعيّة ظلّ التأمين، ويوطّأ لهم كنف التهدئة والتسكين، ويوطّد لهم مهاد العافية، وتكفّ عنهم الأكفّ العادية، حتى لا تمتدّ إليهم كفّ منتهب، ولا يلتفت نحوهم طرف مستلب، ومن انتهب شيئا أمر بردّه، وصدّ عن قصده- وكمل لنا والحمد لله بالاستيلاء على هذا القطر جميع البلاد، الداخلة في ولاية بني عبد الواد، ونسخت منها دولتهم، ومحيت من صحيفتها دعوتهم، وعوّض الرّعايا من خوفهم أمنا، ومن شؤمهم يمنا، وشملتهم كلمتنا الراقية، المنصورة بكلمة الله الباقية، وفي ذلك معتبر لأهل اليقين، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين. والحمد لله على هذه النعمة التي أفاضت على النّعم جلالا، والصّنيعة التي بهرت الصنائع جمالا، وأضفت على المسلمين من الصّلاح والعافية سربالا. وقد رأينا من حقّ هذا الإنعام الجسيم، والصّنع الرائق الوسيم، أن نتبع العفو بعد المقدرة، بالإحسان لمن أسلف لنا غمطه «١» أو شكره، [فمننّا] «٢» على قبائل بني عبد الواد، وأضفينا عليهم صنوف الملابس نساء ورجالا، وأوسعنا لهم في العطاء مجالا، وأفعمنا لهم من الحباء سجالا، وأقطعنا لهم من بلاد المغرب حاطها الله تعالى ما هو خير من بلادهم، وحبوناهم منها بما كفل بإحساب مرادهم، وإخصاب مرادهم، وخلطناهم بقبائل بني مرين، وحطناهم باتّحاد الكلمة من تقوّل المتقوّلين، وتزوير المزوّرين، وأعددنا منهم لأوان الجهاد أوفر عدد، وأعتدنا من فرسانهم ورجالهم لطعان الأعادي أكبر مدد، وأزيل عن الرّعايا بهذه البلاد الشّرقيّة إصرهم «٣» ، وأزيح عنهم بتوخّي العدل فيهم جورهم ووزرهم، وخفّفنا عنهم ما آد

стр. 3839

من المغارم، وهاد من المكارم، فانشرحت صدورهم، وصلحت أمورهم. والحمد لله الذي ثلّ محالّ الباغين ومجالهم، وأورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم، وأخذهم بما احتقبوا من المآثم، واكتسبوا من الجرائم واستحلّوا من المحارم، وأباحوا من المسكرات، وأذاعوا من المنكرات، وطالما أصبح ربعهم معدن الفسوق، وموطن العقوق، ومقطن إضاعة الحقوق، لا سيّما في أيام المسرور بهناته، المغرور بما سوّل له الشيطان وأملى له من ترّهاته، المشهور بقتل أبيه، المأثور من مثالبه ومعايبه بما لم يأت الدّهر له بشبيه، ولقد طبّقت الآفاق معاصيه، وبلغت أخبار خيانته من بأطراف المعمور وأقاصيه، ولكنّ الله تعالى أملى له ليكثّر مآثمه، حتّى إذا شاء أخذه أخذ القرى وهي ظالمة. والحمد لله الذي طهّر بأيدينا هذه الأرجاء من أرجاسه، ورحض «١» عنها بأيدينا أوضار أدناسه وأنجاسه، وأتاح لأهلها بهلاك هذا المريد المراد، وأراح منه ومن شيعته البلاد والعباد، ولو لم «٢» يكن إلّا ما نال الحجّاج من تعنّيه وتعدّيه، وطال عليهم من تعرّضه لهم وتصدّيه، حتّى حجز عن الحجاز الشريف قصّاده، وحجر بقطع السبيل عن بيت الله الحرام من أراده، فكم سلب الحجّاج، وسدّ عليهم المسالك والفجاج، وفرّق فريقهم، وعوّق طريقهم. والآن بحمد الله حقّت الحقائق، وارتفعت العوائق، وصحّ العليل، ووضح السبيل، وتسهّل المرام، وتيسّر القصد إلى البيت الحرام، مكان ترده الزّوّار عليكم أرسالا، ووفود الأبرار للسّلم خفافا وثقالا، يأتون من كلّ فجّ عميق، ويقضون ما يقضون من مناسكهم، آمنين في مسالكهم، إلى البيت العتيق، وهكذا أيضا خلا وجهنا لجهاد الرّوم، ولإعداد من يغزونهم في عقر دارهم للقصد المروم، وأن نجدّد من هذا العمل بجزيرة الأندلس حماها الله تعالى ما لسلفنا بها سلف، ونبدّد من شمل عبّاد الصليب ما لخلفهم بفضل الله تعالى خير خلف، فعمل الجهاد، بهذه البلاد، هو

стр. 3840

الفضيلة التي لنا الله سبحانه ذخرها، والحسنة التي في صحائف أعمالنا سطرها، وبجيوشنا المنصورة عزّ دين الإسلام بهذا المغرب الغريب، وبسيوفنا المشكورة والله المشكور ذلّ بها الصّليب، أوزعنا الله تعالى شكر آلائه، وأمتعنا بتواتر نعمائه، بمنّه وفضله. وأنهينا لعلمكم الكريم هذه الأنباء السارّة، والآلاء الدّارّة، لما ذكرتم من تشوّفكم لاستطلاعها، وسطّرتم من تشوّقكم لاستماعها، ولعلمنا أنكم تسرّون بقطع دابر الباغين، وتستبشرون بحسم أدواء الطاغين، وتؤثرون الإخبار بائتلاف الكلمة على أعداء الله الكافرين إيثار الحامدين لفعل الله تعالى في إظهار دينه الشاكرين. لا زلتم تشرع نحوكم البشائر، وتفرع بذكركم المنابر، وترفع لاجتلاء آثار أمركم الستائر، واستجلاء أخبار سيركم الباهرة النّواظر، وتجمع لسجاياكم السنيّة العلاء، ومزاياكم العليّة السّناء، ثواقب المناقب وقول خير المفاخر، إن شاء الله. والسّلام الأتمّ، الأضوع الأنمّ، يخصّ إخاءكم الأوفى، ورحمة الله وبركاته. قلت: جواب هذا الكتاب [تقدّم] في الكلام على المكاتبات عن الأبواب السلطانية في المكاتبات إلى الملوك. وهذه نسخة كتاب ورد من أبي «١» الحسن المرينيّ صحبة الهدايا، والحرّة الحاجّة في شهر رمضان المعظّم سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، ونصّه بعد البسملة: من عبد الله عليّ أمير المسلمين، ناصر الدين، المجاهد في سبيل ربّ العالمين، ملك البرّين، مالك العدوتين، ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، ملك البرّين، وسلطان العدوتين، أبي سعيد، ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، ملك البرّين، وسلطان العدوتين،

стр. 3841

أبي «١» سعيد، ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، ملك البرّين، وسلطان العدوتين، أبي يوسف «٢» يعقوب بن عبد الحق، منح الله التأييد مقامه، وفسح لفتح معاقل الكفر وكسر جحافل الصّفر أيّامه. إلى السلطان الجليل، الكبير، الشهير، العادل، الفاضل، الكامل، الكافل، الملك الناصر، المجاهد، المرابط، المؤيّد، المنصور، الأسعد، الأصعد، الأرقى، الأوقى، الأمجد، الأنجد، الأفخم، الأضخم، الأوحد، الأوفى، ناصر الدين، عاضد كلمة المسلمين، محيي العدل في العالمين، فاتح الأمصار، حائز ملك الأقطار، مفيد الأوطار، مبيد الكفّار، هازم جيوش الأرمن والفرنج والكرج والتّتار، خادم الحرمين، غيث العفاة، مصرّف الكتائب، مشرّف المواكب، ناصر الإسلام، ناشر الأعلام، فخر الأنام، ذخر الأيّام، قائد الجنود، عاقد البنود، حافظ الثّغور، حائط الجمهور، حامي كلمة الموحّدين، أبي المعالي، محمد ابن السلطان، الجليل، الكبير، الشهير، الشهيد، الخطير، العادل، الفاضل، الكافل، الكامل، الحافظ، الحافل، المؤيّد، المكرّم، المبجّل، المكبّر، الموقّر، المعزّر، المعزّز، المجاهد، المرابط، المثاغر، الأوحد، الأسعد، الأصعد، الأوفى، الأفخم، الأضخم، المقدّس، المرحوم، الملك المنصور، سيف الدنيا والدّين، قسيم أمير المؤمنين. أبقى الله ملكه موصول الصّولة والاقتدار، محميّ الحوزة حاميا للدّيار، حميد المآثر المأثورة والآثار، عزيز الأولياء في كلّ موطن والأنصار. سلام كريم، زاك عميم، تشرق إشراق النهار صفحاته، وتعبق عن شذا الروض المعطار نفحاته، يخصّ إخاءكم العليّ، ورحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله الذي وسع العباد منّا جسيما، وفضلا جزيلا، وألهمهم الرّشاد بأن أبدى لهم من آثار قدرته، على مقدار وحدته، برهانا واضحا ودليلا،

стр. 3842

وألزم أمّة الإسلام، حجّ بيته الحرام، من استطاع إليه سبيلا، وجعل تعظيم شعائره من تقوى القلوب، ومثابات محطّ الأوزار والذّنوب، فما أجزل نعمته منيلا، وأجمل رحمة ربّه مقيلا، والصلاة والسّلام على سيدنا ومولانا محمد المصطفى من أفضل العرب فصيلة، في أكمل بقاع الأرض فضيلة، وأكرمها جملة وتفصيلا، المجتبى لختم الرسالة، وحسم أدواء الضّلالة، فأحسب الله به النبوّة تتميما والرسالة تكميلا، المخصوص بالحوض المورود، والمقام المحمود، يوم يقول الظالم يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا «١» المبوّإ من دار هجرته، ومقرّ نصرته، محلّا ما بين بيته ومنبره فيه روضة من رياض الجنّة لم يزل بها نزيلا، والرضا عن آله الأبرار، وأصحابه الأخيار، الذين فضّلتهم سابقة السعادة تفضيلا، وأهّلتهم العناية [بأمر الدّين إلى أن يوسعوا الأحكام برهانا ودليلا، فإنا نحيط علم] «٢» الإخاء الأعزّ ما كان من عزم مولاتنا الوالدة قدّس الله روحها، ونوّر ضريحها، على أداء فريضة الحجّ الواجبة، وتوفية مناسكه اللازبة، فاعترض الحمام، دون ذلك المرام، وعاق القدر، عن بلوغ ذلك الوطر، فطوي كتابها، وعجّل إلى مقرّ الرحمة بفضل الله مآبها، وعلى الله أجرها، وعنده يحتسب ذخرها، وإنّ لدينا من نوجب إعظامها، ونقيمها بحكم البرّ مقامها، وعزمها إلى ما أمّلته مصروف، وأملها إلى ما كانت أمّته موقوف، وهي محلّ والدتنا المكرّمة، المبرورة الأثيرة، الموقّرة، المبجّلة، المفضّلة، المعزّزة، المعزّرة، المعظّمة، المطهّرة، أسنى الله مكانتها، وسنّى من هذا القصد الشريف لبانتها، وقد شيّعناها إلى حجّ بيت الله الحرام، والمثول بحول الله تعالى ما بين زمزم والمقام، والفوز من السّلام، على ضريح الرسالة، ومثابة الجلالة، بنيل السّول والمرام، لتظفر بأملها المرغوب، وتنفر بعد أداء فرضها لأكرم الوجوب.

стр. 3843

وحين شخص لذلكم الغرض الكريم، موكبها، وخلص إلى قصد الحرم العظيم، مذهبها، والكرامة تلحفها، والسلامة إن شاء الله تكنفها، أصحبناها من حور دولتنا وأحظيائها، ووجوه دعوتنا العليّة وأوليائها، من اخترناه لهذه الوجهة الحميدة الأثر، والرّحلة السعيدة الورد إن شاء الله تعالى والصّدر، من أعيان بني مرين أعزّهم الله تعالى والعرب، وأولاد المشايخ أولي الديانة والتقوى المالئين دلاء القرب، إلى عقد الكرب، وكلّ من له أثرة مشهورة، وشهرة بالمزايا الراجحة والسّجايا الصالحة مأثورة، وقصدهم من أداء فرض الحجّ قصدها، ووردهم إن شاء الله تعالى من منهل بركاته الجمّة وردها، وهكذا سيّرنا من تحف هذه البلاد إليكم ما تيسّر في الوقت تسييره، وإن تعذّر في كثير مما قصدناه ولهذا الغرض أردناه تيسيره، لطول المغيب عن الحضرة، والشّغل بتمهيد البلاد التي فتحها الله علينا في هذه السّفرة، وعيّنّا لإيرادها لديكم، وإيفادها عليكم، أبا إسحاق ابن الشيخ أبي زكريّا يحيى بن عثمان السّويدي، وأمير الركب الحسن بن عمران وغيرهم، كتب الله سلامتهم، ويمّن ظعنهم وإقامتهم. ومقام ذلك الإخاء الكريم يسنّي لهم من اليسرى والتسهيل القصد والسّول، ويأمر نوّاب ماله من الممالك، وقوّام ما بها من المسالك، لتكمل العناية بهم في الممرّ والقفول. ومعظم قصدنا من هذه الوجهة المباركة إيصال المصحف العزيز الذي خططناه بيدنا، وجعلناه ذخيرة يومنا لغدنا، إلى مسجد سيدنا ومولانا، وعصمة ديننا ودنيانا، محمد رسول الله ﷺ بطيبة «١» زادها الله تشريفا، وأبقى على الأيام فخرها منيفا، رغبة في الثواب، وحرصا على الفوز بحظّ من أجر التلاوة فيه يوم المآب. وقد عيّنّا بيد محلّ الوالدة المذكورة فيه، كرّم الله جبهتها، ويمّن وجهتها،

стр. 3844

من المال ما يشترى به في تلكم البلاد المحوطة من المستغلّات ما يكون وقفا على القرأة فيه، مؤبّدا عليهم وعلى غيرهم من المالكيّة فوائده ومجانيه. والإخاء الكريم يتلقّى من الرّسل المذكورين ما إليهم في هذه الأغراض ألقيناه [ويأمر] بإحضارهم لأدائهم بالمشافهة ما لديهم أو عيناه، ويوعز بإعانتهم على هذا الغرض المطلوب، وييسّر لهم أسباب التوصل إلى الأمل والمرغوب، وشأنه العون على الأعمال الصالحة ولا سيما ما كان من أمثال هذا إلى مثل هذه السّبل الواضحة، وشكر بادراتكم موطّد الأساس، مطّرد القياس، متجدّد مع اللّحظات والأنفاس، والله يصل للإخاء العليّ نضرة أيّامه، ويوالي نصرة أعلامه، ويبقي الثّغور القصيّة، والسّبل السّريّة، منوطة بنقضه وإبرامه، محوطة بمعاضدة أسيافه وأقلامه، والسّلام الكريم العميم، يخصّ إخاءكم الأعزّ، ورحمة الله وبركاته- وكتب في يوم الخميس المبارك الخامس والعشرين من ربيع الأوّل عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة. وهذه نسخة كتاب عن السلطان عثمان «١» بن أبي العباس المرينيّ، في العشر الأوسط «٢» من شعبان سنة أربع وثمانمائة، وهو: من عبد الله ووليّه عثمان أمير المسلمين، المجاهد في سبيل ربّ العالمين، سلطان الإسلام والمسلمين، ناشر بساط العدل في العالمين، المقتدي بآثار آبائه الكرام، المقتفي سننهم الحميدة في نصرة الإسلام، المعمل نفسه العزيزة في التهمّم بما قلّده الله من أمور عباده، وحياطة ثغوره وبلاده، سيف الله المسلول على أعدائه، المنتشر عدله على أقطار المعمور وأنحائه، ظلّ الله تعالى في أرضه، القائم بسنّته وفرضه، عماد الدنيا والدّين، علم الأئمة المهتدين، ابن

стр. 3845

مولانا السلطان المظفّر القان الخليفة الإمام، ملك الملوك الأعلام، فاتح البلدان والأقطار، ممهّد الأقاليم والأمصار، جامع أشتات المحامد، ملجإ الصادر والوارد، الملك الجواد، الذي حلّت محبّته في الصدور محلّ الأرواح في الأجساد، أمير المسلمين، المجاهد في سبيل ربّ العالمين، أبي العبّاس ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل ربّ العالمين، أبي سالم، ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل ربّ العالمين، أبي الحسن ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل ربّ العالمين، أبي سعيد، ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل ربّ العالمين، أبي يوسف يعقوب «١» بن عبد الحق، وصل الله تعالى أسباب تأييده وعضده، وقضى باتصال عرف تجديد سعده، وأناله من جميل صنعه ما يتكفّل بتيسير أمره وبلوغ قصده. إلى محلّ أخينا الذي نؤثر حقّ إخائه الكريم، ونثني على سلطانه السعيد ثناء الوليّ الحميم، ونشكر ما له فينا من الحبّ السليم، والودّ الثابت المقيم، السلطان الجليل، الماجد الأصيل، الأعزّ الخطير المثيل، الشهير الأمجد الأرفع، الهمام الأمنع، السّريّ الأرضى، المجاهد الأمضى، الأوحد الأسنى، المكين الأحمى، خديم الحرمين الشّريفين، حائز الفخرين المنيفين، ناصر الدّنيا والدّين، محيي العدل في العالمين، الأجدّ، الأودّ، المكين، الأخلص، الأفضل، الأكمل، أبي السّعادات فرج، ابن السلطان الجليل، الأعزّ المثيل، الخطير الأصيل، الأرفع، الأمجد، الشهير، الهمام، الأوحد، الأسمى، الأسرى، الأرضى، المجاهد، الأمضى، خديم الحرمين الشريفين، حائز الفخرين المنيفين، الأفضل، الأكمل المبرور، المقدّم المرحوم، أبي سعيد (برقوق) «٢» بن أنص، وصل الله تعالى لسلطانه المؤيّد جدّا لا يعجم عوده، وعزّا لا يميل عموده،

стр. 3846

ونصرا يملأ قطره بما يغصّ به حسوده، وعضدا يأخذ بزمام أمله السنيّ فيسوقه ويقوده. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله على سبوغ نعمائه، وترادف لطفه وآلائه، الذي عرّفنا من ولائكم الكريم ما سرّنا من اطراد اعتنائه، وأبهج النّفوس والأسماع من صفاء ولائه، ومواصلة صفائه، والصلاة والسّلام الأكملين على سيدنا ومولانا محمد خاتم رسله وأنبيائه، ومبلّغ رسالاته وأنبائه، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، واللّواء المعقود، فأكرم بمقامه وحوضه ولوائه، والرضا عن آله وصحبه وأوليائه، الذين هم للدّين بدور اهتدائه ونجوم اقتدائه، وصلة الدعاء لمقامكم الكريم بدوام عزّه واعتلائه، واقتبال النصر المبالغ في احتفاله واحتفائه، وحياطة أنحائه وأرجائه، وتأييد عزماته وآرائه. فإنا كتبنا إليكم كتب الله لكم سعدا سافرا، وعزما ظافرا، من حضرتنا العلية بالمدينة البيضاء كلأها الله تعالى وحرسها، ونعم الله سبحانه لدينا واكفة السّجال، وولاؤه ﷻ سابغ الأذيال، وخلافتكم التي نرعى بعين البرّ جوانبها، ونقتفي في كل منقبة كريمة سيرها الحميدة ومذاهبها- وإلى هذا وصل الله سعدكم ووالى عضدكم، وكتابنا هذا يقرّر لكم من ودادنا ما شاع وذاع، ويؤكّد من إخلاصنا إليكم ما تتحدّث به السّمّار فتوعيه جميع الأسماع، وقد كان انتهى إلينا حركة عدوّ الله وعدوّ الإسلام، الباغي بالاجتراء على عباده سبحانه بالبؤس والانتقام، الآخذ فيهم بالعيث والفساد، الساعي بجهده في تهديم الحصون وتخريب البلاد، وتعرّفنا أنه كان يعلّق أمله الخائب بالوصول إلى أطراف بلادكم المصرية، وانتهاز الفرصة على حين غفلة من خلافتكم العلية، والحمد لله الذي كفى بفضله شرّه، ودفع نقمته وضرّه، وانصرف ناكصا على عقبه، خائبا من نيل أربه. ولقد كنّا حين سمعنا بسوء رأيه الذي غلبه الله عليه، وما أضمر لخلق الله من الشرّ الذي يجده في أخراه ظلّه يسعى بين يديه [عزمنا على] أن نمدّكم من عساكرنا المظفّرة بما يضيق

стр. 3847

عنه الفضا، ونجهّز لجهتكم من أساطيلنا المنصورة ما يحمد في إمداد المناصرة ويرتضى، فالحمد لله على أن كفى المؤمنين القتال، وأذهب عنهم الأوجال، ويسّر لهم الأعمال، وهيّأ لخلافتكم السنيّة وللمسلمين هناء يتضمّن السلامة لكم ولهم على تعاقب الأعوام والسّنين. وبحسب ما لنا فيكم من الودّ الذي أسّست المصافاة بنيانه، والحبّ الذي أوضح الإخلاص برهانه، وقع تخيّرنا فيمن يتوجّه من بابنا الكريم لتفصيل مجمله، وتقرير ما لدينا فيه على أتمّ وجه الاعتقاد وأكمله، على الشيخ، الأجل، الشريف، المبارك، الأصيل، الأسنى، الحظيّ، الأعز، الحاج، المبرور، الأمين، الأحفل، الأفضل، الأكمل؛ أبي عبد الله محمد، ابن الشيخ الأجلّ، الأعزّ، الأسنى، الأوجه، الأنوه، الأرفع، الأمجد، الآثر، الأزهى، الشريف، الأصيل، المعظّم المثيل، الأشهر، الأخطر، الأمثل، الأجمل، الأفضل، الأكمل، المرضيّ، المقدّس، المرحوم أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن نفيس الحسني العراقي، وصل الله تعالى سعادته، وأحمد على حضرتكم السّنيّة وفادته، حسب ما يفي بشرح ما حمّلناه نقله، ويكمل بإيضاحه لديكم يقظته ونبله، إن شاء الله تعالى، وهو يديم سعادتكم، ويحفظ مجادتكم، ويسني من كل خير إرادتكم، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الجملة الرابعة (في عادة الكتب الواردة عن صاحب الأندلس) والرسم في ذلك أن يكتب «الأبواب الشريفة» ويصفها، ثم يقول: «أبواب السلطان الفلاني» ويصفه، ويذكر ألقابه، ثم يدعو له، ثم يقول: «سلام كريم» ويصفه، من فلان، ويذكر السلطان المكتوب عنه، ثم يقول: أما بعد حمد الله، ويأتي بخطبة في المعنى تشتمل على التحميد، والتصلية على

стр. 3848

النبي ﷺ ، والرّضا عن الصحابة ﵃، ثم يقول: فإنا كتبنا إليكم، ويأتي على ما يناسب المقام، ثم ينخرط في سلك المقصود إلى آخره ويختم بالدعاء. وهذه نسخة كتاب كتب به عن أمير المسلمين السلطان أبي «١» عبد الله محمد ابن أبي الحجّاج يوسف بن نصر بن الأحمر، صاحب غرناطة- من الأندلس، إلى السلطان الملك الأشرف «شعبان «٢» بن حسين» ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون، إنشاء الوزير أبي عبد الله بن «٣» الخطيب، صاحب ديوان إنشائه، يشير فيه إلى حادثة الفرنج بالإسكندرية، الواقعة في سنة سبع وستين وسبعمائة، إلّا أنه وهم في لقبه الملوكيّ فلقبه المنصور. وهي: الأبواب الشريفة التي تعنو لعزّة قدرها الأبواب، وتعتزي «٤» إلى نسب عدلها الحكمة والصّواب، وتناديها الأقطار البعيدة مفتخرة بولائها، واصلة السبب

стр. 3849

بعلائها، فيصدر بما يشفي الجوى منها الجواب. فإذا حسن مناب عن أئمة الهدى، وسبّاق المدى، كان منها عن عمومة النّبوّة النّوّاب، وإذا ضفت على العفاة بغيرها أثواب الصّلات «١» ، ضفت منها على الكعبة المقدّسة الأثواب- أبواب السلطان الكبير، الجليل الشهير، الطاهر الظاهر، الأوحد الأسعد، الأصعد الأمجد، الأعلى العادل، العالم «٢» العامل الكامل الفاضل، الكافل، سلطان الإسلام والمسلمين، رافع ظلال العدل على العالمين، جمال الإسلام، علم الأعلام، فخر الليالي والأيّام، ملك البرّين والبحرين، إمام «٣» الحرمين، مؤمّل الأمصار والأقطار، وعاصب تاج الفخار، هازم الفرنج والتّرك والتتار، الملك المنصور أبي الفتوح شعبان، ابن الأمير الرفيع المجادة، الكريم البنوّة والولادة. الطاهر الظاهر، الكبير الشّهير، المعظّم الممجّد الأسمى، الموقّر الأعلى، فخر الملّة، سيف الأمّة، تاج الإمارة، عزّ الإسلام، جمال الأيّام «٤» ، قمر الميادين، أسد أجمة لدين، سمام الطّغاة والمعتدين، المقدّس المظفّر، الأمير أبي «٥» عليّ حسين، ابن السلطان الكبير، الشهير، ملك الإسلام «٦» والمسلمين، والد السلاطين، [سيف خلافة الله في العالمين، وليّ أمير المؤمنين، وظهير الدين] «٧» سلطان الحجّ والجهاد، وكاسي الحرم الأمين، قامع المعتدين، قاهر الخوارج والمتمرّدين، ناصر السنّة، محيي الملّة، ملك البرّين والبحرين، مقيم رسوم الحرمين الشريفين، العادل «٨» ، العالم، العامل، الطاهر الظاهر، الأسعد،

стр. 3850

الأصعد الأوحد، الأعلى المنصور، المؤيّد المعان، المرفّع المعظّم، المبجّل المؤمّل، المجاهد المرابط، الغازي، أبي «١» عبد الله محمد بن قلاوون، الصالحيّ أبقاه الله، وفلق الصباح «٢» يشهد بكماله، وخدمة الحرمين الشريفين، طراز مذهب على حلّة أعماله، ومسوّرات الإسلام، آمنة على طول الأيام، من إهماله، ولا زال ركنا للدّين الحنيف، تتزاحم على مستلمه الشريف، شفاه أمّاله. سلام كريم، برّ عميم، كما استودعت الرياض أسرارها صدر النسيم، وأرسلت مطالع الفجر أنهارها، من بحر الصبّاح الوسيم، يسري من الطّيب، والحمد المطيل «٣» المطيب، في الصّوان الكريم، ويقف موقف «٤» الأدب والفهامة، بما استحفظ من الأمانة إلى محل «٥» الإمامة، وقوف الحفيظ العليم، يعتمد مشارع تلك الأبواب الشارعة إلى الفضل العميم، المقابلة لذمام وسائل الإسلام بالصّدر المشروح، والبرّ الممنوح، والقلب السليم. من معظّم سلطانه، ومجلّ شانه، المفتخر بالانتظام في سلك خلصانه «٦» ، أمير المسلمين بالأندلس، عبد الله الغني «٧» بالله، محمد بن يوسف بن إسماعيل بن فرج بن نصر، بلّغه الله من رضاه أقصى سؤله، وأعانه على جهاد عدوّ الله وعدوّ رسوله. أما بعد حمد الله جاعل قلادة الإسلام، على الدوام، آمنة من الانخرام،

стр. 3851

والانتثار «١» ، مفصّلة النّظام، بخرز «٢» المآثر العظام، والآثار، معرّف أهلها، في حزن البسيطة وسهلها عوارف الصّنع المثار، وإقالة العثار، القويّ العزيز، الذي لا يغالب قدره بالاحتشاد والاستكثار، ولا يبدّل غيبه المحجوب، بعد ما عيّن حكمه الوجوب «٣» ، في خزائن الاستئثار «٤» ، حتّى تظهر خبيئة عنايته بأوليائه، المعترفين بآلائه، بادية للأبصار، فيما قرب وبعد من الأعصار، ورحمته عند الاستغاثة به والانتصار، في مختلف الأقطار والأمصار، الوليّ الذي لا تكدّر هبات فضله شروط الاعتصار «٥» ، ولا تشين خطب حمده ضرائر الاقتصار والاختصار. والصلاة والسّلام «٦» على سيدنا محمد رسوله، نخبة الأكوان، وسرّ الدّهور والأزمان، وفائدة الأدوار، نور الله المتميّز باختصاصه، واستصفائه واستخلاصه، قبل خلق الظّلمات «٧» والأنوار، ورحمته الوارفة الشاملة، الهامية الهاملة، على الهضاب والوهاد والنّجاد والأغوار، أقرب عوالم الشّهادة والخلق، إلى حضرة الحقّ، على تعدّد الرّتب وتفاضل الأطوار، منقذ الناس من البوار، ومبوّئهم من جوار الله خير الجوار، نبيّ الرحمة والجهاد والغوار، المنصور على الأحزاب عند ما استداروا بمثوى نبوّته على الأطم والأسوار دور السّوار، الواعد عن ربه بظهور دينه الحقّ على الأديان فمهما أوقدوا نار «٨» الحرب تكفّل الله لهم بإطفاء النار وإخماد الأوار. والرّضا عن آله وأصحابه حماة الذّمار، ومقتحمي الغمار، وباذلي كرائم «٩»

стр. 3852

الأموال من دونه ونفائس الأعمار، القائمين في سماء ملّته للاهتداء بسننهم، والاقتداء بسننهم، مقام النجوم الهادية والأقمار، ما صقلت مداوس «١» النّسيم سيوف الأنهار، وخجل الورد من تبسّم البهار، وغازلت عيون زهر المجرّة عيون الأزهار، وطرد أدهم الليل أشهب النهار. والدّعاء لتلك الأبواب، المتعدّدة الحجّاب، المعوّدة باجتلاء غرر الفتوح، والمطالع المشيدة المصانع على العزّ الممنوح، والأواوين، المؤيّدة الدّواوين، بالملائكة والرّوح، بإعلاء المظاهر والصّروح، وإنارة الله تعالى بأهلّة تلك السّروج ساحات تلك السّروح «٢» ، ولا زالت أقلام بشائرها تأتي على سورة الفتح بأكمل الشّروح. فإنا كتبناه لمثابتكم السلطانية دار العزّ «٣» الأحمى، والملك الأشرف الأسمى، والصّيت البعيد المرمى، كتب الله لها من عنايته- وقد فعل- أوفر مقاسم النّعمى، وجعل غيث نوالها الأهمى، وحظّ جلالها من الله الأنمى، ودامت كواكب سعودها تمزّق جلابيب الظّلما، وأخبار بأسها وجودها، وسعادة وجودها، تهديدها على البعد ركائب الدّأما، وترفرف برياح ارتياحها أجنحة بنات الما. من منزلنا المحبور، بسعادة سلطانكم المنصور، وخزي عدوّه المدحور، بحمراء غرناطة، دار ملك الجهاد بجزيرة ثغر «٤» الأندلس، والى الله عنها الدّفاع، وأنار بمشكاة نوره، الذي وعد بإتمامه الأعلام منها والأيفاع، ووصل لها بشرف مخاطبتكم الارتفاع والانتفاع، حتّى تشفع بتهانيكم الأوتار وتوتر «٥» الأشفاع، وآلاء الله لدينا، بنعمة دين الإسلام علينا، قد أخجلت اللسان الشّكور، وإن استنفدت الرّواح والبكور، والثّقة بالله في هذا الثغر الغريب قد كثّرت العدد المنزور، والحقّ

стр. 3853

الصّريح «١» قد كافح الزّور، والتّوطين على الشهادة قد شرح الصّدور، واقتطع في الجنة المنازل والدّور، والمعرفة بمقام تلك الأبواب الشريفة عقيدة «٢» لا تبدّل وأدواح علائها حمائم الحمد بها تتهدّل، ومحافل ثنائها تتراكم في سمائها الألوّة «٣» والمندل، [والحال ما علمتم: بحر زاخر الأمواج، وعدوّ وافر الأفواج] «٤» وحرم لولا اتّقاء الله مقتحم السّياج «٥» ، وجياد ضمّرتها مصابرة الهياج، وداء على الأيّام متوقّع الاهتياج، وعدد إلى الإصراخ «٦» والإنجاد عظيم الاحتياج فالنفوس إلى الله تجهّز «٧» وتسلّم، والصّبيان في المكاتب تدرّب على مواقف الشهادة وتعلّم، والألسنة بغير شعار الإسلام لا تنبس غالبا ولا تتكلّم، إلّا أنّ عادة الخبير اللّطيف، تخفيف «٨» الذّعر المطيف، ونصر النّزر الضعيف، على عدد التضعيف، والحال تزجى بين الحرب والسّلم، والمكالمة والكلم، وتأميل الجبر، وارتقاب عاقبة الصّبر، على حماة الدّبر. وإلى هذا فإننا اتّصل بنا ما رامت الرّوم «٩» من المكيدة التي كان دفاع الله من دونها سدّا، والملائكة جندا، والعصمة سورا، والرّوح الأمين مددا منصورا، وأنها استنفدت الوسع في احتشادها، حتّى ضاقت اللّجج عن أعوادها، وبلغت المجهود في استنفادها «١٠» ، حتّى غصّ كافر البحر بكفّارها، يصيح بهم التأليب،

стр. 3854

ويذمّرهم الصليب، وقد «١» سوّل لهم الشيطان كياد ثغر الإسكندرية شجا صدورهم، ومرمى آمال غرورهم «٢» ، ومحوّم قديمهم، ومتعلّل غريمهم، ليهتموا ثغر «٣» الإسلام بصدمتها، ويقودوا جنائب «٤» الساحل في رمّتها، ويرفعوا عن دينهم المعرّة، ويتلقّفوا في القدس كرة الكرّة، ويقلّصوا ما امتدّ من ظلال الإسلام، ويشيموا «٥» سيوف التغلّب على الشام، ويحولوا بين المسلمين وبين محطّ أوزارهم، وحجّهم ومزارهم، وبيت ربّهم، الذي يقصدونه من كل فجّ عميق، ويركبون إليه نهج كلّ طريق، وقبر نبيّهم الذي يطفئون بزيارته من الشّوق كلّ حريق، ويكحلون الجفون بمشاهدة آثاره عن بكاء وشهيق، وشوق بذلك الحبيب خليق، ويقطعوا حبل المسلمين حتّى «٦» لا يتأتّى بلوغ فريق ولا غرض تشريق، والله من ورائهم محيط، وبدمائهم مشيط، وبعباده بصير، ولدينه الحقّ وليّ ونصير، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون* «٧» فما هو إلّا أن صمأ «٨» جرادهم، وخلص إليها مرادهم، وفاض عليها بحرهم، وعظم من المحاولة أمرهم، حتّى اشترك الشّرك بعض أسوارها، ونال النهب مستطرف ديارها، وظنّت أنها الوهية التي لا ترفع، والمصيبة التي غلّتها لا تنقع، واشتعل «٩» الباس، وذعر الناس، وأرى الشّدّة من تدارك «١٠» بالفرج، وأعاد إلى السّعة من الحرج، وأنشأ ريح النّصر عاطرة الأرج، ونصر حزب الإسلام من

стр. 3855

لا غالب لمن ينصره، وحصر العدوّ «١» من كان العدوّ يحصره، وظهر الحقّ على الباطل، والحالي بزينة الله على العاطل، فخرج العدوّ الخاسر عما حازه والسّيوف ترهقه حيث تلفيه، والسّهام تثبته وتنفيه، وغرماء كرّة الإسلام تستقضي «٢» منه دينها وتستوفيه، والخزي قد جلّل سباله الصّهب، وحنّاءالدّماء قد خضبت مشيخته الشّهب، والغلب قد أخضع رقابه الغلب، فكم من غريق أردته دروعه، لمّا حشي بالرّوع روعه، وطعين نظمت بالسّمهريّ «٣» ضلوعه، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين، وأحقّ الله الحقّ بكلماته وقطع دابر الكافرين، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين «٤» فأيّ رحمة منشورة ضفت على الإسلام ظلالها، وخطّة نعمة اتّسع نطاقها ورحب مجالها، ومجلى صنيعة راق عيون المؤمنين جمالها، فاهتزّت «٥» بها الأرض وربت، وبشكر الله ﷻ أعربت، واستبشرت النّفوس، وذهب البوس، وضفا بمنّة الله اللّبوس، وظهرت عناية الله بمقامكم، وإقالة عثرة الإسلام في أيّامكم، فما كان الله سبحانه ليضيع لكم خدمة الحرمين، وإنّها للوسيلة الكبرى، والذّريعة إلى سعادة الدنيا والأخرى، وهي عهدة الله التي يصونها من كل اهتضام، وقلادته التي ما كان «٦» يتركها بغير نظام. وكان من لطائف هذا الفتح الذي أجزل البشرى، وأوسع أعلام الإسلام نشرا، وروده بعد أن شفيت العلّة، ونصرت الملّة، وبعد أن جفا الدهر وتجافى، وعادى ثمّ صافى، وهجر ووافى، وأمرض ثم عافى، فلو ورد مقدّمه قبل تاليه، ونقده متأخّرا «٧» عن كاليه، أو كانت أواخره بعيدا ما بينها وبين أواليه،
следующие страницы →