← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

في الآخر) ، وهم الذين كان منهم بنو أيّوب ملوك مصر بعد الفاطميين. قال في العبر: هم من بني إيران بن أشور، بن سام، بن نوح، قال المقر الشهابي ابن فضل الله في كتابه «التعريف» : ويقال في المسلمين الكرد، وفي الكفار الكرج، وحينئذ فيكون الكرد والكرج نسبا واحدا. الثامنة عشرة- الكنعانيّون (بفتح الكاف وسكون النون وفتح العين المهملة وضم الياء المثناة تحت المشدّدة) ، وهم الذين كان منهم جبابرة الشام من ولد كنعان بن حام، بن نوح. التاسعة عشرة- اللّمان (بلام مفتوحة وميم بعدها ألف ونون) ، وهم الذين كانوا قصدوا سواحل الشام في الدولة الأيّوبيّة ومواطنهم في شمالي البحر الروميّ غربا بشمال. قال في العبر: وهم من ولد طوبال، بن يافث، بن نوح. العشرون- النّبط (بفتح النون والباء الموحدة وطاء مهملة في الآخر) ، وهم أهل بابل من العراق في الزمن القديم، وإليهم تنسب الفلاحة النّبطيّة لابن وحشيّة «١» . قال ابن الكلبيّ: هم من بني نبيط. بن ماس، بن إرم، بن سام، بن نوح. وقال ابن سعيد: هم من بني نبيط، بن أشور، بن سام، بن نوح. الحادية والعشرون- الهند وضبطه معروف. في الإسرائيليات أنهم من ولد دادان، بن رعما، بن كوش، بن حام، ونقل الطبريّ عن ابن إسحاق أنهم من بني كوش، بن حام، بن نوح من غير واسطة.

стр. 422

الثانية والعشرون- الأرمن (بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة وفتح الميم ونون في الآخر) وهم أهل أرمينية الذين بقاياهم ببلاد سيس، قيل هم من ولد قهويل، بن ناحور، بن تارخ، وهو آزر، وتارخ أبو إبراهيم ﵇. الثالثة والعشرون- الأشبان (بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الباء الموحدة وألف ثم نون) قيل هم من ولد ماشح، بن يافث، بن نوح. وعند الإسرائيليين من ولد ياوان وهو يونان بن يافث، وعند آخرين أنهم من شعوب بني عيصو بن إسحاق؛ وقال الطبريّ: أشك أنهم من ولد رعويل بن عيصو بن إسحاق، وهو قريب من الذي قبله. الرابعة والعشرون- اليونان ؛ وهم الأمة الذين كان منهم الحكماء شرقيّ الخليج القسطنطينيّ، وهم من ولد يونان، وهو ياوان، بن يافث، بن نوح. وقال البيهقي: هم من ولد يونان، بن خلجان، بن يافث. وشذّ الكنديّ فقال: يونان، بن عابر، بن شالخ، بن أرفخشذ، بن سام بن نوح؛ فجعل يونان أخا لقحطان أبي عرب اليمن. وقال: إنه خرج من بلاد العرب مغاضبا لأخيه قحطان فنزل شرقيّ الخليج القسطنطينيّ؛ وردّ عليه أبو العباس الناشي بقوله: تخلّط يونانا بقحطان ضلّة ... لعمري لقد باعدت بينهما جدّا ثم اليونانية على ثلاثة أصناف: اللّطينيّون، وهم بنو لطين بن يونان، والإغريقيّون، وهم بنو إغريقن بن يونان، واللّكيم، وهو بنو اللكيم بن يونان، وهي أصل الروم فيما يقال على ما تقدّم. الخامسة والعشرون- زويلة ، (بضم الزاي وفتح الواو وسكون الياء المثناة تحت وفتح اللام وهاء في الآخر) وهم أهل برقة في القديم، ومنهم الطائفة الذين وصلوا صحبة جوهر المعزّيّ باني القاهرة المنسوب إليهم باب زويلة بالقاهرة، يقال إنهم من بني حوبلا بن كوش بن حام بن نوح.

стр. 423

السادسة والعشرون- يأجوج ومأجوج ، وضبطهما معروف. قيل إنهم من ولد ماغوغ، بن يافث، بن نوح؛ وقيل من ولد كومر، بن يافث. النوع الثالث عشر المعرفة بمفاخرات الأمم ومنافراتهم، وما جرى بينهم في ذلك من المحاورات والمراجعات والمناقضات؛ وفيه مقصدان المقصد الأوّل في بيان وجه احتياج الكاتب إلى ذلك لا خفاء أنه يتعين على الكاتب معرفة المفاخرات الواقعة بينهم، من معرفة «١» وجوه الافتخار التي يمدح بمثلها: مما يستعان بمثله على المدح والإطراء الواقع في الولايات وما يفضّل به كل واحد من البلغاء على خصمه، وما يرد عليه من الأجوبة المبطلة له لينسج على منوال ذلك فيما يرد عليه من المخاطبات، والمكاتبات عند دعاية ضرورته إليه، واحتياجه إلى إيراده. المقصد الثاني في ذكر أنموذج من المفاخرات والمنافرات ينسج على منواله فأمّا المفاخرات، فمنها ما روي أنه لما وفد على رسول الله ﵌، وفد بني تميم سنة الوفود بعد فتح مكة، فيهم عطارد بن حاجب، بن زرارة، بن عدس التميميّ، وقيس بن عاصم، وقيس بن الحارث، ونعيم بن زيد، وعتبة ابن حصن بن حذيفة بن بدر، والأقرع بن حابس، في لفّهم ولفيفهم، ودخلوا المسجد ونادوا رسول الله ﵌، من وراء حجراته أن اخرج إلينا يا محمد، فتأذّى رسول الله ﵌، من صياحهم فخرج إليهم- فقالوا: يا محمد جئناك

стр. 424

لنفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا- قال «قد أذنت لخطيبكم فليقل» فقام عطارد ابن حاجب «١» فقال: «الحمد لله الذي له علينا الفضل، وهو أهله، الذي جعلنا ملوكا، ووهب لنا أموالا عظاما نفعل منها المعروف، وجعلنا أعزّ أهل المشرق وأكثره عددا، وأشدّه عدّة؛ فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا برؤوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددناه، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام ولكنا تنحّينا عن الإكثار، وأقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا» ثم جلس. فقال رسول الله ﵌، لثابت بن قيس الخزرجيّ «٢» : «قم فأجب الرجل في خطبته» فقام ثابت بن قيس فقال: «الحمد لله الذي السّموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيّه علمه ولم يكن شيء قطّ إلا من فعله؛ ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا واصطفى من خير خلقه رسولا، أكرمه نسبا، وأصدقه حديثا وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه؛ وكان خيرة من العالمين؛ ثمّ دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسنهم وجوها، وخير الناس فعالا؛ ثم كان أوّل الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعاه رسول الله ﵌ نحن فنحن أنصار الله، ووزراء رسول الله، نقاتل الناس حتّى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله متّع بماله ودمه،

стр. 425

ومن كفر جاهدناه في الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا؛ أقول هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم» . فقام الزبرقان بن بدر التميمي «١» فقال: نحن الكرام فلا حيّ يفاخرنا ... منّا الملوك وفينا تنصب البيع وكم قسرنا من الأحياء كلّهم ... عند النّهاب وفضل العزّ يتّبع ونحن نطعم عند القحط مطعمنا ... من الشّواء إذا لم يونس القزع «٢» وهي أبيّات. فقال رسول الله ﵌، لحسّان بن ثابت «قم فأجب الرجل فيما قال» فقال حسان ﵁: إنّ الذّوائب من فهر وإخوتهم ... قد بيّنوا سنّة للنّاس تتّبع يرضى بها كلّ من كانت سريرته ... تقوى الإله وكلّ الخير يصطنع قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوّهم ... أو حاولوا النّفع في أشياعهم نفعوا سجيّة تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرّها البدع إن كان في الناس سبّاقون بعدهم ... فكلّ سبق لأدنى سبقهم تبع لا يرقع الناس ما أوهت أكفّهم ... عند الدّفاع ولا يوهون ما رقعوا أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفاوتت الأهواء والشّيع وهي أبيّات. ويروى أن الزبرقان بن بدر قال: أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا ... إذا اختلفوا عند احتضار المواسم فإنّا فروع الناس في كلّ موطن ... وأن ليس في أرض الحجاز كدارم وإنا بدور «٣» العالمين إذا انتخوا ... ونضرب رأس الأصيد المتفاقم

стр. 426

وإنا لنا المرباع في كلّ غارة ... نغير بنجد أو بأرض الأعاجم فقام حسّان بن ثابت فأجابه فقال: هل المجد إلا السّودد العود والنّدى ... وجاه الملوك واحتمال العظائم نصرنا وآوينا النبيّ محمّدا ... على أنف راض من معدّ وراغم نصرناه لمّا حلّ وسط ديارنا ... بأسيافنا من كلّ باغ وظالم جعلنا بنينا دونه وبناتنا ... وطبنا له نفسا بفيء المغانم ونحن ضربنا الناس حتّى تتابعوا ... على دينه بالمرهفات الصّوارم ونحن ولدنا من قريش عظيمها ... ولدنا نبيّ الخير من آل هاشم بني دارم لا تفخروا إنّ فخركم ... يعود وبالا عند ذكر المكارم هبلتم علينا تفخرون وأنتم ... لنا خول من بين ظئر وخادم؟ فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم ... وأموالكم أن تقسموا في المقاسم فلا تجعلوا لله ندّا وأسلموا ... ولا تلبسوا زيّا كزيّ الأعاجم فلما فرغ حسّان من قوله، قال الأقرع بن حابس: وأبي! إن هذا الرجل مراد، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواته أعلى من أصواتنا؛ فأسلموا وأحسن رسول الله ﵌، جوائزهم. ففي هذا الوفد نزل إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» . قلت: وهذه مكابرة ظاهرة، وتجاهل فاحش من بني تميم، حيث طلبوا المفاخرة مع رسول الله ﵌، وكلّ العرب على اختلاف شعوبهم. وتتابع قبائلهم معترفون لبني هاشم بالسّبق في الشرف، والتقدّم في الفضل، مع ما

стр. 427

فضّل الله تعالى به رسوله ﵌، وخصّه به من رفيع الشّرف الذي لم يبلغه نبيّ مرسل، ولا ملك مقرّب. وقد تعرّض أبو نواس في بعض أشعاره لمدح بني تميم، وبالغ في فخرهم فأفحش، فقال: خزيمة خير بني خازم ... وخازم خير بني دارم ودارم خير تميم وما ... مثل تميم في بني آدم ونقضه عليه الشيخ فتح الدين بن سيّد الناس اليعمري «١» ، فقال ﵀ فأجاد القول، وفاز بالقدح المعلّى فقال: محمّد خير بني هاشم ... فمن تميم وبنو دارم؟ وهاشم خير قريش وما ... مثل قريش في بني آدم! وهو مأخوذ من قول الأوّل: قريش خيار بني آدم ... وخير قريش بنو هاشم وخير بني هاشم أحمد ... رسول الإله إلى العالم وإليه ينظر قول ابن عرسية: لله ممّا قد برا صفوة ... وصفوة الخلق بنو هاشم وصفوة الصّفوة من بينهم ... محمد النّور أبو القاسم ولقد أنصف إسحاق بن إبراهيم الموصليّ حيث قال: إذا مضر الحمراء كانت أرومتي ... وقام بنصري خازم وابن خازم عطست بأنف شامخ وتناولت ... يداي الثّريّا قاعدا غير قائم

стр. 428

فإنه جعل مضر التي هي أرومة رسول الله ﵌، أصل فخره وقعدد سؤدده فأصاب الفخر في قوله، وفاز بالشرف في شعره. قال المولى صلاح الدين الصّفدي ﵀ في شرح لامية العجم «١» «وإنما ذكر خازما لأنه مولى خزيمة بن خازم التميمي، وإنما نزل أبوه الموصل فنسب إليها» . ومن لطيف ما يحكى أن معاوية بن أبي سفيان كان جالسا وعنده جماعة من الأشراف «٢» ، فقال معاوية «من أكرم الناس أبا وأمّا، وجدّا وجدّة، وعمّا وعمّة، وخالا وخالة؟» - فقام النّعمان بن العجلان الزّرقيّ بعد ما أخذ بيد الحسن فقال «هذا أبوه عليّ بن أبي طالب، وأمّه فاطمة، وجدّه رسول الله ﵌، وجدّته خديجة، وعمّه جعفر، وعمته أم هانيء ابنة أبي طالب، وخاله القاسم، وخالته زينب، فهذا هو الشرف الذي لا يدانى والفضل الذي لا يبارى» «٣» . وقريب من ذلك ما يحكى أنه جرى بين عبد الله بن الزبير وبين معاوية كلام طويل في آخره- «فقال ابن الزبير: ما مثلي يهارش «٤» ، ولكن عندك من قريش والأنصار، ومن ساكني الحجون والآطام «٥» من إن سألته حملك على

стр. 429

محجّة أبين من ظهر الجفير «١» - قال: ومن ذلك- قال هذا؟ يعني أبا الجهم بن حذيفة- «٢» فقال معاوية تكلّم يا أبا الجهم- فقال أعفني- فقال عزمت عليك لتقولن- قال: نعم: امّك هند، وأمه أسماء بنت أبي بكر، وأسماء خير من هند، وأبوك أبو سفيان وأبوه الزّبير ومعاذ الله أن يكون أبو سفيان مثل الزبير، وأما الدنيا فلك، وأما الآخرة فله إن شاء الله تعالى. ومن ذلك ما حكاه ابن الكلبي. قال: قال كسرى للنّعمان بن المنذر يوما هل في العرب قبيلة تشرف على قبيلة؟ قال نعم- قال فبأيّ شيء؟ قال: من كانت له ثلاثة آباء متوالية رؤساء، ثم اتصل ذلك بكمال الرابع فالبيت من قبيلته فيه وينسب إليه- قال فاطلب ذلك فطلبه فلم يصبه إلا في آل حذيفة بن بدر «٣» ، وآل حاجب بن زرارة، وآل ذي الجدّين «٤» ، وآل الأشعث بن قيس ابن كندة «٥» - قال فجمع هؤلاء الرهط ومن تبعهم من عشائرهم وأقعد لهم الحكّام والعدول، وقال ليتكلم كل رجل منكم بمآثر قومه وليصدق، فكان حذيفة بن بدر الفزاريّ أوّل متكلم، وكان ألسن القوم؛ فقال: قد علمت العرب أن فينا الشرف الأقدم والأعزّ الأعظم، ومأثرة للصنيع الأكرم- فقال من حوله ولم ذاك يا أخا فزارة؟ فقال ألسنا الدعائم التي لا ترام، والعز الذي لا يضام؟ قيل صدقت. ثم قام شاعرهم فقال:

стр. 430

فزارة بنت العزّ والعزّ فيهم! ... فزارة قيس حسب قيس نضالها لها العزّة القعساء والحسب الذي ... بناه لقيس في القديم رجالها فهيهات قد أعيا القرون التي مضت ... مآثر قيس مجدها وفعالها وهل أحد إن هزّ يوما بكفّه ... إلى الشّمس في مجرى النّجوم ينالها فإن يصلحوا يصلح لذاك جميعها ... وإن يفسدوا يفسد من الناس حالها ثم قام الأشعث الكنديّ، وإنما أذن له أن يقوم قبل ربيعة وتميم لقرابته من النعمان بن المنذر، فقال: قد علمت العرب أنا نقاتل عديدها الأكثر، وزحفها الأكبر، وإنا لغياث الكرات، ومعدن المكرمات- قالوا ولم يا أخا كندة؟ قال لأنا ورثنا ملك كندة فاستظللنا بأفيائه، وتقلدنا منكبه الأعظم، وتوسطنا بحبوحه الأكرم، ثم قام شاعرهم، فقال: إذا قست أبيات الرّجال ببيتنا ... وجدت لنا فضلا على من يفاخر فمن قال كلّا أو أتانا بخطّة ... ينافرنا فيها فنحن نخاطر تعالوا قفوا كي يعلم الناس أيّنا ... له الفضل فيما أورثته الأكابر ثم قام بسطام الشّيبانيّ «١» فقال «قد علمت العرب أنا بناة بيتها الذي لا يزول، ومغرس عزّها الذي لا يحول، قالوا ولم يا أخا شيبان؟ - قال لأنا أدركهم للثار، وأضربهم للملك الجبّار، وأقومهم للحكم، وألدهم للخصم؛ ثم قام شاعرهم فقال: لعمري بسطام أحقّ بفضلها ... وأوّل بيت العزّ عزّ القبائل فسائل (أبيت اللّعن) عن عزّ قومها ... إذا جدّ يوم الفخر كلّ مناقل ألسنا أعزّ الناس قوما ونصرة ... وأضربهم للكبش بين القبائل وقائع عزّ كلّها ربعيّة ... تذلّ لها عزّا رقاب المحافل

стр. 431

إذا ذكرت لم ينكر الناس فضلها ... وعاذ بها من شرّها كلّ وائل وإنا ملوك الناس في كلّ بلدة ... إذا نزلت بالناس إحدى الزّلازل ثم قام حاجب بن زرارة التميمي، فقال: قد علمت معدّ أنّا فرع دعامتها، وقادة زحفها- قالوا: ولم ذاك يا أخا بني تميم؟ قال لأنا أكثر الناس عديدا، وأنجبهم طرّا وليدا، وأنّا أعطاهم للجزيل، وأحملهم للثقيل؛ ثم قام شاعرهم فقال: لقد علمت أبناء خندف «١» أننا ... لنا العزّ قدما في الخطوب الأوائل وأنا كرام أهل مجد وثروة ... وعزّ قديم ليس بالمتضائل فكم فيهم من سيّد وابن سيّد ... أغرّ نجيب ذي فعال ونائل فسائل (أبيت اللعن) عنّا فإنّنا ... دعائم هذا الناس عند الجلائل ثم قام قيس بن عاصم السعديّ فقال: لقد علم هؤلاء أنّا أرفعهم في المكرمات دعائم، وأثبتهم في النائبات مقادم؛ قالوا: ولم ذاك يا أخا بني سعد؟ قال لأنا أدركهم للثار، وأمنعهم للجار، وأنا لا ننكل إذا حملنا، ولا نرام إذا حللنا. ثم قام شاعرهم فقال: لقد علمت قيس وخندف أننّا ... وجلّ تميم والجميع الذي ترى بأنّا عماد في الأمور وأننا ... لنا الشّرف الضّخم المركّب في الندى وأنا ليوث الناس في كلّ مأزق ... إذا جزّ بالبيض الجماجم والطّلى «٢» فمن ذا ليوم الفخر يعدل عاصما ... وقيسا إذا مرّت ألوف إلى العلا فهيهات قد أعيا الجميع فعالهم ... وقاموا بيوم الفخر مسعاة من سعى فقال كسرى حينئذ: ليس منهم إلا سيد يصلح لموضعه؛ وأسنى حباءهم، وأعظم صلاتهم، وكرّم مآبهم.

стр. 432

قال أبو عبيدة: كانت العرب تعدّ البيوتات المشهورة بعظم القدر والشرف: تعدّ بيت هاشم بن عبد مناف، وتعدّ أربعة، أوّلها بيت آل حذيفة ابن بدر، وبيت آل زرارة الدارمييّن: بيت بني تميم، وبيت آل ذي الجدّين: عبد الله بن عمرو بن الحارث بن هشام: بيت بني شيبان، وبيت بني الدّيّان من بني الحارث بن كعب بيت اليمن. قال: فأما كندة فلا يعدّون في البيوتات إنما كانوا ملوكا. واعلم أن المفاخرة قد تكون بحقيقة الحسب. وقد تقوم فيها الفصاحة واللّسن مقام الحسب: كقول أبي تمام الطائي يفتخر: أنا ابن الذّين استرضع المجد فيهم ... وسمّي فيهم وهو كهل ويافع مضوا وكأن المكرمات لديهم ... لكثرة ما وصّوا بهنّ شرائع فأيّ يد في المجد مدّت فلم يكن ... لها راحة من مجدهم وأصابع هم استودعوا المعروف محفوظ مالنا ... فضاع وما ضاعت لدينا الودائع وقوله أيضا: جرى حاتم في حلبة منه لو جرى ... بها القطر شأوا قيل أيّهما القطر؟ فتى ذخر الدّنيا أناس ولم يزل ... لها باذلا فانظر لمن بقي الذّخر فمن شاء فليفخر بما شاء من ندى ... فليس لحيّ غيرنا ذلك الفخر جمعنا العلا بالجود بعد افتراقها ... إلينا كما الأيام يجمعها الشّهر قال في شرح اللامية: وعند أكثر الناس أن أبا تمام كان أبوه نصرانيا يقال له تدرس العطار، من جاسم: قرية من قرى حوران من الشام، فغير اسم أبيه واندس في بني طيىء؛ وذكر صاحب الأغاني أن رجلا قال لجرير: من أشعر الناس؟ قال: قم حتّى أعرفك الجواب، فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطية، وقد أخذ عنزا له فاعتقلها وجعل يمصّ ضرعها، فصاح به اخرج يا أبت، فخرج شيخ دميم، رثّ الهيئة. وقد سال لبن العنز على لحيته، فقال ترى هذا؟ قال نعم. قال أو تعرفه؟ قال لا. قال هذا أبي، أو تدري لم كان

стр. 433

يشرب من ضرع العنز؟ قال لا، قال مخافة أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه، ثم قال اشعر الناس من فاخر بهذا الأب ثمانين شاعرا وقارعهم فغلبهم. قال الصلاح الصفديّ: ما هذه إلا وقاحة عظيمة من جرير في مفاخرته أولئك الشعراء وهذا أبوه، لكنه تغفر له هذه الوقاحة باعترافه لذلك الرجل، وإظهار بخل أبيه. وربما كان الافتخار بالتورية والتعريض بالأمور المقتضية للشرف، بحيث يظن السامع حقيقة الافتخار والشرف بمجرد السماع، فإذا عرف المقصد تبين له خلاف ذلك، كقول أبي الحسن الجزار: «١» الاقل للّذي يسأل ... عن قومي وعن أهلي لقد تسأل عن قوم ... كرام الفرع والأصل يريقون دم الأنعام ... في حزن وفي سهل وما زالوا لما يبدو ... ن من باس ومن بذل يرجّيهم بنو كلب ... ويخشاهم بنو عجل وقوله أيضا: إنّي لمن معشر سفك الدّماء لهم ... دأب، وسل عنهم من ربّ تحقيق تضيء بالدّم إشراقا قواضبهم ... فكلّ أيامهم أيّام تشريق وعلى هذا المنهج ما حكاه بعضهم، قال: وجدت على قبر مكتوبا: أنا ابن من كانت الريح طوع أمره، يحبسها إذا شاء، ويطلقها إذا شاء، قال فعظم في عيني، ثم التفتّ إلى قبر آخر قبالته فإذا عليه مكتوب: لا يغترّ أحد بقوله، فما كان أبوه إلا بعض الحدّادين، يحبس الريح في كيره إذا شاء، ويرسلها إذا

стр. 434

شاء؛ قال: فعجبت منهما يتسابّان ميتين. فإذا طرق السمع شيء من ذلك ظنّ السامع أنه في غاية الفخر والشرف حتّى يعلم حقيقته؛ وأشباه ذلك ونظائره كثيرة، وليس هذا موضع استيعاب القول في المفاخرة الحقيقية ولا غيرها. وأمّا أيام المنافرة وهي المحاكمة في الحسب، فمن ذلك ما يحكى أن الأعشى أتى علقمة، بن علاثة، بن عوف، بن الأحوص، بن جعفر، بن كلاب «١» ، وهو يريد سلامة ذو فائش «٢» الحميري من التبابعة، فسأل الأعشى علقمة أن يتليه أي يجيره، فقال له علقمة: أتليك على بني الأحوص- قال لا يقنعني- قال: فعلى بني كلاب- قال لا يقنعني- قال: فليس عندي أكثر من هذا؛ فأتى عامر بن الطّفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب «٣» ، قال قد أتليك على الجنّ والإنس، ثم أتى سلامة فانصرف من عنده بحبائه. وكان عامر وعلقمة المذكوران لمّا أسنّ أبو براء وهو عامر بن مالك، بن جعفر، بن ملاعب الأسنّة، تنازعا في الرياسة، فقال علقمة: كانت لجدّي الأحوص وإنما صارت لعمك بسببه، وقد قعد عمّك عنها وأنا استرجعتها فأنا أولى بها منك، فشري الشرّ بينهما وسارا إلى المنافرة، وقدم الأعشى على «٤» تفيئة ذلك فصار هو ولبيد مع عامر، وصار مع علقمة الحطيئة، والسّندريّ «٥» ، وتنافرا.

стр. 435

فقال عامر لعلقمة: والله إني لأكرم منك حسبا، وأثبت منك نسبا، وأطول منك قصبا. فقال علقمة: والله لأنا خير منك ليلا ونهارا. فقال عامر: والله لأنا أحب إلى نسائك أن أصبح فيهنّ منك. فقال علقمة: أنافرك إني لبرّ، وإنك لفاجر، وإني لولود، وإنك لعاقر، وإني لعفّ، وإنك لعاهر؛ وإني لواف، وإنك لغادر. فقال عامر: أنت رجل ولود وأنا رجل عقيم وقد وفيت لبني عمرو بن تميم. وقد زعموا أني غدرت بهم وهم كاذبون؛ ولكني أنافرك: أنا أنحر منك للّقاح، وخير منك في الصبّاح، وأطعم منك في السنة الشّياح «١» . فقال علقمة: أنت رجل تقاتل والناس تزعم أني جبان؛ ولأن تلقى العدو وأنا أمامك أعزّ لك من أن تلقاهم وأنا خلفك؛ وأنت رجل جواد والناس يزعمون أني بخيل ولست كذلك، وأنت تعطي العشيرة إذا ألمّت؛ ولكني أنافرك: أنا خير منك أثرا، وأحدّ منك بصرا، وأشرف منك ذكرا. فقال عامر: أنت رجل فان، وليس لبني الأحوص فضل على بني مالك في العدد، وبصري ناقص وبصرك صحيح، ولكني أنافرك أني أسمى منك سمّة، وأطول منك قمّة، وأحسن منك لمّة، وأجعد منك جمّة، وأسرع منك رحمة، وأبعد منك همّة. فقال علقمة: أنت رجل جسيم وأنا رجل قضيف «٢» ، وأنت جميل وأنا قبيح، ولكني أنافرك بآبائي وأعمامي.

стр. 436

فقال عامر: آباؤك أعمامي، ولم أكن لأنافرك فيهم؛ ولكني أنافرك: أنا خير منك عقبا، وأطعم منك جدبا. فقال علقمة: قد علمت أن لك عقبا وقد أطعمت طيبا؛ ولكني أنافرك أني خير منك، وأولى بالخير منك. فقال عامر: إني والله لأركب منك في الحماة، وأقتل منك للكماة، وخير منك للموالاة. فقال بعض بني خالد بن جعفر، وكانوا يدا مع بني الأحوص على بني مالك بن جعفر: إنك لن تطيق عامرا، ولكن قل له أنافرك لخيرنا، وأقربنا للخيرات. فقال علقمة: له ذلك. فقال عامر: عير «١» وتيس وعنز فأرسلها مثلا نعم على مائة من الإبل إلى مائة يعطاها الحكم أيّنا ينفر عليه صاحبه أخرجها ففعلوا، ووضعوا بها رهنا من أبنائهم على يدي رجل يقال له خزيمة بن عمرو بن الوحيد فسمّي الضمين، وصارت علما عليه إلى الآن، وخرج علقمة ومن معه من بني خالد وعامر فيمن معه من بني مالك وقد أتى عامر بن الطفيل عمّه عامر بن مالك بن جعفر وهو أبو براء، فقال: يا عماه أعنّي- فقال: يا ابن أخي سبّني، فقال: لا أسبّك وأنت عمي- قال: فسبّ الأحوص- فقال عامر: ولا أسبّ والله الأحوص وهو عمي، فقال: ولكن دونك بعلي «٢» فإني قد ربعت فيها أربعين مرباعا فاستعن بها على منافرتك. وجعلا منافرتهما إل أبي سفيان بن حرب بن أمية فلم يقل بينهما شيئا، وكره ذلك لحالهما وحال عشيرتهما، وقال لهما أنتما كركبتي

стр. 437

البعير الأدرم «١» ، وأبى أن يقضي بينهما، فانطلقا إلى أبي جهل بن هشام، فأبى أن يقضي بينهما، فوثب مروان بن سراقة، بن قتادة، بن عمرو، بن الأحوص وكان مع علقمة فقال: يا لقريش بيّنوا الكلاما ... إنّا رضينا منكم الأحكاما فبيّنوا إذ كّنتم الحكّاما ... كان أبونا لهم إماما وعبد عمرو منع الفئاما «٢» ... في يوم فخر معلم إعلاما يحسن فيه الكرّ والإقداما ... ودعلج «٣» أقدمه إقداما لولا الذي أجشمتهم إجشاما ... لا تّخذتهم مذحج أنعاما فأبوا أن يقولوا بينهما شيئا، فأتيا غيلان بن سلمة بن معتب الثقفي «٤» فردّهما إلى حرملة بن الأشعر المري، فردّهما إلى هرم بن قطبة بن سنان الفزاري «٥» ، وإنهما ساقا الإبل معهما حتى أشتت وأربعت لا يأتيان أحدا إلا هاب أن يقضي بينهما، فوعدهما هرم إلى العام القابل، فأتيا للوعد، وقال لبيد وكان مع عامر يومئذ يرتجز: يا هرم، وأنت أهل عدل ... هل يذهبنّ فضلهم لفضلي «٦» إن يفخر الأحوص يوما قبلي ... ليذهبنّ أهله بأهلي لا تجمعنّ شكلهم وشكلي ... ونسل آبائهم ونسلي قد علموا أنّا كرام الأصل

стр. 438

وقال أيضا: إنّي امرؤ من مالك بن جعفر ... علقم قد نافرت غير منفر نافرت سقبا من سقاب العرعر «١» فقال قحافة بن عوف بن الأحوص بن جعفر: نهنه إليك الشّعر يا لبيد ... واصدد فقد ينفعك الصّدود ساد أبونا قبل أن تسودوا ... سوددكم صغيره زهيد ثم قال: إني إذا ما نسي الحياء ... وضاع يوم المشهد اللّواء أنمى وقد حقّ لي النّماء ... إلى كهول ذكرها سناء إذ لا تزال حلوة كوماء ... مبقورة لسقبها رغاء لم ينهنا عن نحرها الصّفاء ... لنا عليكم سورة «٢» ولاء المجد، والسّودد، والعطاء ثم قال: أنتم عزلتم عامر بن مالك ... في سنوات مضر الهوالك يا شرّ أحياء وشرّ هالك وكان السندري مع علقمة فارتفع صوته، فقيل من ذا؟ فقال: أنا لمن أنكر صوتي السّندريّ ... أنا الفتى الجعد الطّوال الجعفريّ من ولد الأحوص أخوالي غنيّ

стр. 439

فقال عامر للبيد: أجبه! فرغب عن إجابته، وكان السندريّ يقال لجدته عيساء، وكانت أمة لفاختة ابنة جعفر بن كلاب، امرأة شريح بن الأحوص، فوقع عليها شريح فولدت له زبّان، ويزيد، وشهابا، فقال لبيد: لمّا دعاني عامر لأسبّهم ... أبيت وإن كان ابن عيساء ظالما ألا أيّنا ما كان شرّا لمالك ... فلا زال يلقى في الحياة الملاوما لكيلا يكون السّندريّ نديدنا ... وأشتم أعماما عموما عماعما «١» وأنشر من تحت القبور أبوّة ... كراما هم شدّوا عليّ التّمائما لعبت على أكتافهم وحجورهم ... وليدا وسمّوني وليدا وعاصما بلى أيّنا ما كان شرّا لمالك ... فلا زال في الدّنيا ملوما ولائما ووثب الحطيئة فقال: ما يحسن الحكّام بالفصل بعدما ... بدا سابق ذو غرّة وحجول؟ حتّى أتى على قصيدة كاملة، ثم قال: يا عام «٢» قد كنت ذا باع ومكرمة ... لو أنّ مسعاة من جاريته أمم «٣» وأقام القوم على ذلك أياما، فأرسل هرم إلى عامر فأتاه سرّا لا يعلم به أحد، فقال: يا عامر كنت أحسب أن لك رأيا، وأن فيك خيرا، وما حبستك هذه الأيام إلا لتنصرف عن صاحبك؛ أتنافر رجلا لا تفخر أنت ولا قومك إلا بآبائه، فما الذي أنت به خير منه؟ فقال عامر: أنشدك الله والرحم أن لا تفضّل عليّ علقمة، فو الله لئن فعلت لا أفلح بعدها أبدا! هذه ناصيتي لك فاجززها واحتكم في مالي، فإن كنت لا بدّ فاعلا فسوّ بيني وبينه- فقال انصرف فسوف أرى رأيي: فخرج عامر وهو لا يشك أنه سيفضله عليه؛ ثم أرسل إلى علقمة

стр. 440

سرّا، وقال له مثل ما قال لعامر، فردّ عليه علقمة بما ردّ به عامر وانصرف وهو لا يشك أنه ينفّر عامرا عليه؛ ثم إن هرما أرسل إلى أخيه وبني أخيه: إني قائل غدا بين هذين الرجلين مقالة، فإذا فرغت فليطرد بعضكم عشر جزائر فلينحرها عن علقمة، وليطرد بعضكم مثلها فلينحرها عن عامر، وفرّقوا بين الناس أن لا يكون لهم جماعة. وأصبح هرم فجلس مجلسه وأقبل الناس، وأقبل علقمة وعامر حتّى جلسا، فقال لبيد: يا هرم ابن الأكرمين منصبا ... إنّك قد وليت أمرا معجبا فاحكم وصوّب رأي من تصوّبا ... إنّ الّذي كنت عليه ترتبا «١» لخيرنا خالا وأمّا وأبا ... وعامر خيرهما مركّبا وعامر أدنى لقيس نسبا فقال هرم: إنكما يا بني جعفر قد تحاكمتما عندي وأنتما كركبتي البعير الفحل تقعان الأرض معا، فليس منكما واحد إلا وفيه ما ليس في صاحبه، وكلاكما سيّد كريم، فعمد بنو هرم وبنو أخيه إلى تلك الجزر فنحروها حيث أمرهم هرم، وفرّقوا بين الناس، ولم يفضّل هرم واحدا منهما على صاحبه، وكره أن يجلب بذلك شرّا على الفئتين، وهما ابنا عم؛ فلما رأى ذلك الأعشى، خرج وهو يقول: شاقك من قتلة أطلالها ... بالشّطّ فالوتر إلى حاجر وقد رآها وسط أترابها ... في الحيّ ذي البهجة والثّامر إذ هي مثل الغصن هيّالة ... تروق عيني ذي الحجا الزائر كدمية صوّر محرابها ... بمذهب في مرمر مائر تشفي غليل النّفس لاه بها ... حوراء تسبي نظر النّاظر عهدي بها في الحيّ قد سربلت ... هيفاء مثل المهرة الضّامر

стр. 441

ممشوقة القدّ غلاميّة ... موصوفة بالخلق الطّاهر قد نهد الثّدي على نحرها ... في مشرق ذي صبح نائر لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر حتّى يقول الناس ممّا رأوا ... يا عجبا للميّت النّاشر علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر والفارس الخيل بخيل إذا ... ثار غبار الكبّة الثّائر سدت بني الأحوص لم تعدهم ... وعامر ساد بني عامر إنّ الّذي فيه تماريتما ... بيّن للسّامع والنّاظر حكّمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزّاهر لا يأخذ الرّشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر فأعجب الدهر متى سوّيا؟ ... كم ضاحك من ذا ومن ساخر؟ فاقن حياء أنت ضيّعته ... مالك بعد الشّيب من عاذر ولست بالأكثر منهم حصىّ ... وإنّما العزّة للكاثر أقول لمّا جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر! علقم لا تسفه ولا تجعلن ... عرضك للوارد والصّادر قد قلت قولا فقضى بينكم ... واعترف المنفور للنّافر وعاش هرم حتّى أدرك خلافة عمر ﵁، فقال: يا هرم أيّ الرجلين كنت مفضّلا لو فعلت؟ فقال: لو قلت ذلك اليوم يا أمير المؤمنين، عادت جذعة «١» ، ولبلغت شعفات هجر «٢» - فقال عمر ﵁: «نعم مستودع السّرّ أنت يا هرم! مثلك فليستودع العشيرة أسرارهم، وإلى مثلك فليستبضع القوم أحكامهم» . قال أبو عبيدة: ومات علقمة بحوران وهو والي عمر بن الخطاب. وأما

стр. 442

عامر بن الطّفيل فأصابته دعوة رسول الله ﵌، فأصابته الغدّة ومات في بيت سلوليّة، فقال: أغدّة كغدّة البعير وموت في بيت سلوليّة «١» ؟ وفي هذه القصة مقنع في المنافرة عن غيرها، وفي كتاب «الريحان والريعان» لبعض الأندلسيين جملة من هذه المفاخرات والمنافرات. النوع الثالث عشر «٢» المعرفة بأيام الحروب الواقعة؛ وفيه ثلاثة مقاصد المقصد الأوّل في وجه احتياج الكاتب إلى ذلك قد ذكر في «حسن التوسل» : أن الكاتب يحتاج إلى معرفة أيّام العرب، وتسمية الأيام التي كانت بينهم، ومعرفة يوم كل قبيلة على الأخرى، وما جرى بينهم من الأشعار، والمناقضات، وذكر فارس مشهور، أو ملك مذكور، أو واقعة معينة لشخص خاصّ، وما ادّعاه كل منهم لنفسه أو ليومه: لما في ذلك من العلم بما يستشهد به من واقعة قديمة، أو يرد عليه في مكاتبة من ذكر يوم مشهور، أو فارس معيّن، ونحو ذلك مما مضى عليه أمر الجاهلية، أو حدث في الإسلام؛ فإن الكاتب إذا لم يكن عارفا بالوقائع، عالما بما جرى منها، لم يدر كيف يجيب عما يرد عليه من مثلها، ولا ما يقول إذا سئل عنها. المقصد الثاني في ذكر أيام من ذلك ترشد إلى معرفة المقصد منه ومن أشهرها ذكرا، وأعظمها حربا: يوم خزاز (خزاز اسم جبل بين البصرة ومكة كانت الواقعة عنده فعرفت به) ؛ وكانت الحرب فيه بين بني

стр. 443

ربيعة الفرس، وهو ربيعة نزار، وبين قبائل اليمن؛ وكانت الغلبة فيه لبني ربيعة، فقتلوا من قبائل اليمن خلقا كثيرا، وكان قائد ربيعة كليب بن ربيعة ملك بني وائل (واسمه وائل وكليب لقب عليه) وهو من ربيعة الفرس، وكان قد ملّك على بني معدّ وقبائل جموع العرب وهزمهم وعظم شأنه، وبقي زمانا من الدهر، ثم داخله زهو شديد، وبغى على قومه فصار يحمي عليهم مواقع السّحاب، ولا يرعى حماه، ويقول: وحش أرض كذا في جواري، فلا يصاد؛ ولا ترد إبل مع إبله، ولا توقد نار مع ناره؛ وبقي كذلك حتّى قتله جسّاس بن مرّة الوائليّ أيضا؛ ولما قتل كليب توالت الحروب بسبب قتله بين بني تغلب، وبين بكر ابني وائل؛ وكان قائد بني تغلب مهلهل أخو كليب، وقائد بني بكر مرّة أبو جسّاس المقدّم ذكره؛ فكان بينهم يوم عنيزة «١» ، وتكافأ فيه الفريقان، ثم كان بينهم يوم واردات «٢» ، وانتصر فيه بنو تغلب على بكر، ثم كان بينهم يوم الحنو «٣» ، وانتصرت فيه بكر على تغلب، ثم كان بينهم يوم العصيّات «٤» ، وانتصرت فيه تغلب على بكر، وأصيب بنو بكر حتّى ظنوا أنهم قد بادوا، ثم كان بينهم يوم قضّة «٥» ، وهو يوم التحالق كثر فيه القتل بين الفريقين، في أيام أخر لم يشتدّ فيها القتال. ومن أيام غيرهم المشهورة يوم عين أباغ «٦» . وعين أباغ موضع يقال له ذات الخيار؛ وكان الحرب فيه بين غسّان ولخم، وكان قائد غسّان الحارث الذي طلب أدرع امريء القيس، وقيل غيره، وكان قائد لخم

стр. 444

المنذر بن ماء السماء بغير خلاف؛ وفي هذا اليوم قتل المنذر، وانهزمت لخم، وتبعتهم غسّان إلى الحيرة وأكثروا فيهم القتل. ويوم مرج حليمة «١» ، وكان بين غسّان ولخم أيضا؛ وكان من أعظم الأيام وأشدّها حربا، بلغت الجيوش فيه عددا كثيرا، وعظم الغبار حتّى قيل إن الشمس احتجبت وظهرت الكواكب التي في غير جهة الغبار. ويوم الكديد «٢» ، وكان بين كنانة وسليم، وانتصرت فيه سليم على كنانة، وقتل فيه ربيعة بن مكدّم فارس كنانة؛ وبه يضرب المثل في الشجاعة «٣» ؛ وكان يعقر على قبره في الجاهلية، ولم يعقر على قبر غيره. ويوم الكلاب الأوّل؛ والكلاب موضع بين البصرة والكوفة؛ وكان بين الأخوين: شراحيل وسلمة ابني الحارث بن عمرو الكنديّ؛ وشراحيل هو الأكبر وكان معه بكر وائل وغيرهم، وسلمة الأصغر، وكان معه تغلب وائل وغيرهم، واشتدّ القتال بينهم، وانتصر سلمة وتغلب على شراحيل وبكر، وانهزم شراحيل وتبعته خيل أخيه فقتلوه. ويوم الكلاب الثاني، وكان بين بكر ووائل «٤» . ويوم أوارة «٥» ، (وأوارة اسم جبل) وكانت الحرب فيه بين المنذر ابن امريء القيس ملك الحيرة، وبين منذر وائل بسبب الحيرة، وظفر فيه المنذر، وأقسم أنه لا يزال يذبحهم حتّى يسيل دمهم من رأس أوارة إلى حضيضه، وبقي يذبحهم والدم يجمد فسكب عليه ماء حتّى سال الدم من رأس الجبل إلى حضيضه، وبرّت يمينه. ويوم رحرحان، (ورحرحان اسم واد

стр. 445

بالحجاز) «١» وكانت الحرب فيه بين الأحوص بن جعفر بن كلاب، وبني دارم، وبني ماويّة، وبني معبد بن زرارة، وبني تميم؛ وانهزمت فيه بنو تميم ومن معهم، وأسر معبد بن زرارة؛ وقصد أخوه لقيط بن زرارة أن يستفكّه فلم يقدر، وعذّبوا معبدا حتّى مات. ويوم شعب جبلة، وشعب جبلة هضبة حمراء بين الشّريف والشّرف «٢» . وكان من شأنه أنه لما انقضت وقعة رحرحان المتقدّمة، ومضى لها سنة، وذاك في العام «٣» الذي ولد فيه رسول الله ﵌، استنجد لقيط بن زرارة التميمي بني ذبيان لثأر أخيه فأنجدته، وتجمعت بنو تميم غير بني سعد، وخرجت معه بنو أسد، وسار بهم لقيط إلى بني عامر وبني عبس في طلب ثأر أخيه معبد، فأدخلت بنو عامر وبنو عبس أموالهم في شعب جبلة، فحضرهم لقيط فخرجوا عليه من الشّعب وكسروا جمائع لقيط وقتلوا لقيطا، وأسروا أخاه حاجب بن زرارة، وانتصرت بنو عامر وبنو عبس نصرا عظيما؛ وقتل أيضا من بني ذبيان وبني تميم ومن بني أسد جماعة مستكثرة؛ وكان هذا اليوم من أعظم أيامهم. ويوم ذي قار، وهو أقرب الوقائع المشهورة في الجاهلية عهدا، وكان في سنة أربعين من مولد رسول الله ﵌؛ وقيل عام بدر. وكان من حديثه أن كسرى أبرويز غضب على النعمان بن المنذر ملك الحيرة، فحبسه فهلك في الحبس؛ وكان النّعمان قد أودع حلقته (وهي السّلاح والدّروع) عند هانيء بن مسعود البكري «٤» ، فأرسل أبرويز يطلبها من هانيء، فقال هذه أمانة، والحرّ لا يسلم أمانته؛ وكان أبرويز لما أمسك النعمان جعل مكانه في ملك الحيرة إياس بن قبيصة الطائيّ، فاستشار أبرويز إياسا، فقال إياس: المصلحة التغافل عن هانيء بن مسعود حتّى يطمئنّ ونتبعه

стр. 446

فندركه- فقال أبرويز: إنه من أخوالك لا تألوه نصحا- فقال إياس: رأي الملك أفضل؛ فبعث أبرويز الهزبران «١» في ألفين من الأعاجم، وبعث ألفا من بهراء، فلما بلغ بكر بن وائل خبرهم أتوا مكانا من بطن ذي قار، فنزلوه ووصلت إليهم الأعاجم، واقتتلوا ساعة فانهزمت الأعاجم هزيمة قبيحة؛ فيروى أن النبي ﵌، خبر بذلك أصحابه، فقال «اليوم أوّل يوم انتصف فيه العرب من العجم وبي نصروا» . ولأبي عبيدة مصنّف مفرد في أيام العرب «٢» ، وقد أورد منها ابن عبد ربه في كتاب «العقد» جملة مستكثرة، وفي آخر كتاب الأمثال للميداني نبذة محرّرة من ذلك، وليس بنا حاجة إلى استيعابها هنا. وأما الحروب الواقعة في صدر الإسلام، فمنها وقعة الجمل، وكانت بين عليّ كرم الله وجهه، ومعه أهل الكوفة، وبين عائشة أمّ المؤمنين ﵂، وكانت راكبة يومئذ على جمل اسمه عسكر وبه عرفت الوقعة، وقتل بين الفريقين خلق كثير، وكانت النّصرة فيه لعليّ ومن معه. ومنها وقعة صفّين، وكانت بين عليّ كرم الله وجهه ومعه أهل العراق، وبين معاوية بن أبي سفيان، ومعه أهل الشام، وكان ابتداؤها في سنة ست وثلاثين، وكان مدّة مقامهم بصفّين مائة وعشرة أيام أوقعوا فيها وقعات كثيرة؛ قيل تسعين وقعة؛ وكانت عدّة القتلى بينهم فيما يقال من أهل الشام خمسة وأربعين ألفا، ومن أهل العراق ستة وعشرين ألفا، منهم ستة وعشرون من أهل بدر؛ وكان عمّار بن ياسر مع عليّ ﵁، وقاتل حتّى قتل، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﵌، قال: «يقتل عمّارا الفئة الباغية» ومضت

стр. 447

عليهما مدّة، وعليّ ﵁ على العراق، ومعاوية على الشام ومصر، إلى أن قتل عليّ ﵁. ولا حاجة بنا إلى الخوض في أكثر من ذلك، فإن ذلك محمول على اجتهادهم، والإمساك عما شجر بينهم واجب. ومنها وقعة مرج راهط «١» ؛ وكان من حديثها أنه لما هلك يزيد بن معاوية، كان سعيد بن بحدل على قنّسرين، فوثب عليه زفر بن الحارث فأخرجه منها وبايع عبد الله بن الزّبير، فلما قعد زفر على المنبر، قال: الحمد لله الذي أقعدني مقعد الغادر الفاجر، وحصر «٢» ، فضحك الناس من قوله؛ وكان حسّان بن بحدل على فلسطين، والأردنّ، فاستعمل على فلسطين روح ابن زنباع الجذاميّ، ونزل هو الأردنّ، فوثب ناتل بن قيس الجذامي على روح ابن زنباع فأخرجه من فلسطين وبايع ابن الزبير؛ وكان النعمان بن بشير على حمص فبايع لابن الزبير، وكان الضّحّاك بن قيس على دمشق، فجعل يقدّم رجلا ويؤخر أخرى، فقدم عليه مروان بن الحكم فقال الضّحّاك هل لك أن تقدم على ابن الزبير ببيعة أهل الشام، قال نعم ووافق على ذلك بنو أمية، واليمانيون؛ فلما فشا ذلك أرسل الضحاك إلى بني أمية تصدر إليهم؛ وقال لمروان وعمرو بن سعيد: اكتبوا إلى حسان بن بحدل فيسير من الأردن حتّى ينزل الجابية، ونسير نحن من هنا حتّى نلقاه فننظر هناك رجلا ترضونه؛ فلما استقلت رايات الضحاك من دمشق، قالت القيسية لا نصحبك دعوتنا إلى بيعة ابن الزبير، وهو رجل هذه الأمة، فلما بايعناك خرجت تابعا لهذه الأعراب بني كلب، فأجابهم إلى إظهار بيعة ابن الزبير، وسار حتّى نزل مرج راهط، وأقبل حسان حتّى لقي مروان، فسار مع مروان حتّى لقوا الضحاك، وهم نحو من

стр. 448

سبعة آلاف، والضحاك في نحو ثلاثين ألفا، واقتتلوا، فقتل الضحاك وقتل معه أشراف من قريش. المقصد الثالث في كيفية استعمال الكاتب ذكر هذه الوقائع في كلامه لا يخفى أن الكاتب المترشح للكتابة إذا كان «١» من المعرفة بأيام الحرب، والعلم بتفاصيل أخبارها، ومن يعدّ من فرسان حروبها، ومصاقع خطبائها، ومفلقي شعرائها، وما جرى بينهم في ذلك من الخطب والأشعار والمناقضات، كان مستعدّا لما يستشهد به من واقعة قديمة، أو يرد عليه في مكاتبة، أو شعر: من ذكر أيام مشهورة، أو ذكر فارس معيّن؛ كما قال أبو تمام الطائي يمدح بني شيبان: إذا افتخرت يوما تميم بقوسها ... وزادت على ما وطّدت من مناقب فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم ... عروش الّذين استرهنوا قوس حاجب يشير إلى أن حاجب بن زرارة التميميّ وفد على كسرى في سنة جدب، فقال الحاجب من أنت؟ قال رجل من العرب، فلما دخل على كسرى قال له من أنت؟ قال سيد العرب؛- قال ألم تقل بالباب إنك رجل من العرب-؟ قال كنت بالباب رجلا منهم فلما حضرت بين يدي الملك سدتهم؛ فملأ فمه درّا، وشكا إليه محل الحجاز، وطلب منه حمل ألف بعير برّا، على أن يعيد قيمتها،- فقال وما ترهنني على ذلك؟ قال قوسي، فاستعظم همته وقال قبلت، وأعطاه حمل ألف بعير برّا، ومات حاجب فأحضر بنوه المال بعد موته وطلبوا منه قوس أبيهم فافتخرت تميم بذلك. فأشار أبو تمام في بيتيه إلى هذه المنقبة، يقول: يا بني شيبان في يوم ذي قار أبدتم جيوش كسرى الذي استرهن قوس حاجب.

стр. 449

وكما قال أبو نصر «الفتح بن خاقان» «١» في خطبة كتابه «قلائد العقيان» : لو جاوره كليب ما طرق حماه، أو استجار به أحد من الدهر حماه، أو كان بوادي الأخرم، لطاف به ربيعة وأحرم، أو استنجده الكنديّ ما كساه الملاءة، أو كان حاضرا بسطام «٢» لما خرّ على الألاءه «٣» . وكما قلت في المفاخرة بين السيف والقلم عند التعرض لذكر المقرّ الزيني أبي يزيد الدوادار الذي من أجله وضعت «فلو لقيه فارس عبس لولّى عابسا. أو طرق حمى كليب لبات من حماه آيسا، أو قارعه ربيعة بن مكدّم لعلا بالسيف مفرقه، أو نازله بسطام لبدّد جمعه وفرّقه» . إلى غير ذلك مما يجري هذا المجرى وينتظم في هذا السلك. قال في «حسن التوسل» : وإذا لم يكن صاحب هذا الفن عارفا بكل يوم من هذه الأيام، عالما بما جرى فيها، لم يدر كيف يجيب عما يرد عليه من مثلها، ولا ما يقول إذا سئل عنها. قال: وحسبه ذلك نقصا في صناعته، وقصورا عما يتعين عليه «٤» من معرفته وحسن الجواب عنه عند السؤال عنه. وأما الوقائع التي وردت في حوادث خاصة بأقوام فقد قال الوزير «ضياء الدين بن الأثير» ﵀ في «المثل السائر» : إنها كالأمثال في الاستشهاد بها وذكر لها أمثلة، منها قوله من كتاب: ولا يعدّ البرّ برّا حتّى يلحق الغيّب بالحضور، ويصل من لم يصله بجزاء ولا شكور؛ فزنة الغائب بالشاهد من

стр. 450

كرم الإحسان، ولهذا نابت شمال رسول الله عن يمين عثمان. يشير إلى أنّ النبي ﵌، في بيعة الحديبية «١» كانّ قد أرسل عثمان بن عفّان ﵁ إلى مكة في حاجة، ولم يحضر البيعة، فضرب رسول الله ﵌، بيده الشّمال على اليمين وقال «هذه عن عثمان وشمالي خير من يمينه» . ومنها قوله من تقليد لبعض الملوك من ديوان الخلافة: «وإذا استعنت بأحد على عملك فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدإ حاله، فإن الأحوال تنتقل بنقل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب بالرّبيع بن زياد. يشير بذلك إلى أنّ عمر بن الخطاب ﵁ استدعى أبا موسى الأشعريّ ومن يليه من العمال وكان منهم الربيع بن زياد الحارثيّ «٢» ، فذهب الربيع بن زياد إلى بعض موالي عمر وسأله عما يروج عنده وينفق عليه، فأشار إلى خشونة العيش فمضى، ولبس جبّة صوف، وعمامة رثاء، وخفّا مطابقا، وحضر بين يديه في جملة العمّال، فصوّب عمر نظره وصعّده فلم يقع إلا عليه، فأدناه وسأله عن حاله، ثم أوصى أبا موسى الأشعريّ به. ومنها قوله في معارضة كتاب القاضي الفاضل إلى ديوان الخلافة يعدّد فيه مساعي الملك الناصر «صلاح الدين يوسف بن أيوب» وما قاساه في الفتوح من الأهوال وهو: ومن جملتها ما فعل الخادم في الدولة المصرية، وقد قام بها منبر وسرير، وقالت منا أمير ومنكم أمير، فردّ الدّعوة العباسيّة إلى معادها،

стр. 451

وأذكر المنابر ما نسيته بها من زهو أعوادها. يشير بذلك إلى ما تقدّم من اجتماع الأنصار في اليوم الذي مات فيه النبي ﵌، في سقيفة بني ساعدة إلى سعد بن عبادة، وكيف ذهب إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، وقال الحباب بن المنذر: منّا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر ﵁: لا، ولكنّا الأمراء وأنتم الوزراء. إلى غير ذلك مما يجري هذا المجرى وينتظم في هذا السّلك: النوع الرابع عشر في أوابد العرب وهي أمور كانت العرب عليها في الجاهلية، بعضها يجري مجرى الديانات، وبعضها يجري مجرى الاصطلاحات والعادات، وبعضها يجري مجرى الخرافات، وجاء الإسلام بإبطالها، وهي عدّة أمور: منها الكهانة، وكان موضوعها عندهم الإخبار عن أمور غيبية بواسطة استراق الشياطين السمع من السماء، وإلقاء ما يستمعونه من الغيبيّات إليهم. وقد كان في العرب قبل البعثة عدّة كهنة تعتمد العرب كلامهم، ويرجعون إلى حكمهم فيما يخبرون به. ومن عجيب أخبارهم في ذلك أن هند ابنة عتبة بن ربيعة كانت تحت الفاكه بن المغيرة المخزومي، وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس من غير إذن، فخلا البيت يوما فاضطجع الفاكه هو وهند فيه، ثم نهض الفاكه لبعض حاجته، وأقبل رجل ممن كان يغشى البيت فولجه فلما رآها ولّى هاربا وأبصره الفاكه فأقبل إلى هند فركضها «١» برجله وهي نائمة فانتبهت- فقال من ذا الذي خرج من عندك- فقالت لم أر أحدا وأنت الذي أنبهتني- فقال لها اذهبي إلى بيت أبيك فأقيمي عنده! وتكلم الناس فيها- فقال له أبوها إنك قد رميت ابنتي

стр. 452

بأمر عظيم، فحاكمني إلى بعض كهّان اليمن، فخرجا في جماعة من قومهما إلى كاهن من كهّان اليمن ومعهما هند ونسوة أخر، فلما شارفوا بلاد الكاهن، قالت هند لأبيها: إنكم تأتون بشرا يصيب ويخطىء ولا آمنه أن يسمني ميسما يكون عليّ سبّة- فقال أبوها سأختبره لك فصفّر لفرسه حتّى أدلى، فأدخل في إحليله حبة حنطة وشدّ عليها بسير، فلما دخلوا على الكاهن، قال له عتبة: إنا قد جئناك في أمر وقد خبأت لك خبأ أختبرك به فانظر ما هو فقال ثمرة في كمرة- فقال أريد أبين من هذا- فقال حبة برّ، في إحليل مهر- فقال له انظر في أمر هؤلاء النّسوة، فجعل يدنو من إحداهنّ فيضرب بيده على كتفها ويقول انهضي حتى دنا من هند فقال لها: انهضي غير رسحاء «١» ولا زانية ولتلدنّ ملكا اسمه معاوية؛ فنهض إليها الفاكه فأخذ بيدها، فجذبت يدها من يده. وقالت إليك عنّي! فو الله لأحرص على أن يكون من غيرك، فتزوّجها أبو سفيان ابن حرب فولدت له معاوية، فكان من أمره ما كان إلى أن انتهت به الحال إلى الخلافة. وقد أخبر جماعة من الكهنة بمبعث النبي ﵌ قرب ظهوره منهم سطيح «٢» الكاهن وغيره. ولما بعث النبي ﵌، حرست السماء ومنعت الشياطين من استراق السمع كما أخبر تعالى بقوله: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً «٣» . ومنها الزّجر والطّيرة: وهما في معنى واحد؛ وأصله أنهم كانوا إذا أرادوا فعل أمر أو تركه زجروا الطير حتّى يطير؛ فإن طار يمينا كان له حكم، وإن طار

стр. 453

شمالا كان له حكم، وإن طار أماما كان له حكم، وإن طار من فوق رأسه كان له حكم، ومن ثمّ سميت الطّيرة أخذا من اسم الطير، وأكثر ما عوّلوا عليه من ذلك الغراب، ثم تعدّوه إلى غير الطير من الحيوان، ثم جاوزا ذلك إلى ما يحدث في الجمادات من كسر أو صدع أو نحو ذلك؛ وربما انتهى بعض الزجر إلى حدّ الكهانة. وممّا يحكى من زجر الطير أن رجلا من لهب: وهم بطن من العرب يعرفون بالعيافة، خرج في حاجة له، ومعه سقاء من لبن فسار صدر يومه فعطش فأناخ ليشرب فإذا غراب فنعب فأثار راحلته، ثم سار حتّى كان وقت الظهيرة أناخ ليشرب، فنعب الغراب وتمرّغ في التراب، فضرب الرجل السّقاء بسيفه فإذا فيه ثعبان عظيم فقتله. ثم سار فإذا غراب واقع على سدرة فصاح به فوقع على سلمة، فصاح به فوقع على صخرة فانتهى إليها، فأثار من تحتها كنزا، فلما رجع إلى أبيه قال له ما صنعت؟ قال سرت صدر يومي فأنخت لأشرب فنعب الغراب- فقال: أثر راحلتك وإلا فلست بابني- قال فعلت- قال ثم ماذا؟ قال سرت حتّى وقت الظهيرة فأنخت لأشرب فنعب الغراب، وتمرّغ في التراب- فقال اضرب السّقاء وإلا فلست بابني. قال فعلت، فوقع على صخرة قال أثر ما تحتها وإلا فلست بابني، قال فعلت، فوجدت كنزا. وقد وردت السّنّة بإبطال حكم الزجر والطّيرة بقوله ﵌ «أقرّوا الطّير في وكناتها» وقوله ﵌ «ولا عدوى ولا طيرة» واستحسن ﵌، الفأل فقال «ويعجبني الفأل وهي الكلمة الطّيّبة أسمعها» . وقد فرق العلماء بين الفأل والطيرة، بأن الطيرة تقصد والفأل يأتي من غير قصد. ومنها الميسر: وهو ضرب من القمار كانوا يقتسمون به لحم الجزر التي يذبحونها بحسب قداح يضربونها، لكل قدح منها نصيب معلوم، وهي أحد عشر قدحا: سبعة منها لها حظ إن فازت وعليها غرم إن خابت بقدر مالها من الحظ عند الفوز، وأربعة منها تثقّل بها القداح لا حظّ لها إن فازت، ولا غرم

стр. 454

عليها إن خابت فأما السبعة التي لها الحظ إن فازت وعليها الغرم إن خابت، فأوّلها الفذّ: وهو قدح في صدره حزّ واحد، وله نصيب واحد في الأخذ والغرم. والثاني التّوأم، وفي صدره حزّان، وله نصيبان في الأخذ والغرم. والثالث الضّريب (ويسمّى الرقيب) وفيه ثلاثة حزوز، وله ثلاثة أنصباء. والرابع الحلس وفيه أربعة حزوز وله أربعة أنصباء. والخامس النافس وفيه خمسة حزوز، وله خمسة أنصباء. والسادس المسبل، ويسمّى المصفح أيضا، وفيه ستة حزوز وله ستة أنصباء. والسابع المعلى، وفيه سبعة حزوز، وله سبعة أنصباء، وهو أوفرها حظّا، ولذلك يضرب به المثل في الحظ فيقال قدحه المعلى. وأما الأربعة التي تثقّل بها القداح فهي السّفيح، والمنيح، والمضعّف، والوغد، وكان طريقهم في ذلك أن القوم يجتمعون فيشترون جزورا فينحرونها ويفصّلونها على عشرة أجزاء، ويستهمون فيها على سبعة أنصباء لا أكثر، وتسمى الأنصباء فيها الأيسار، فإن كانوا أقلّ من سبعة وأراد أحدهم قدحين أو أكثر، أخذ وكان له فوزها، وعليه غرمها؛ فإذا جزؤا الجزور على ذلك، أتوا برجل يسمونه الحرضة «١» ، من شأنه أنه لم يأكل لحما قطّ بثمن، ويؤتى بالقداح فتشدّ مجموعة في قطعة جلد تسمى الرّبابة، ثم يلفّ الحرضة على يده اليمنى ثوبا، لئلا يجد مس قدح له مع صاحبه هوى فيحابيه في إخراجه، ثم يؤتى بثوب أبيض يسمى المجول، فيبسط بين يدي الحرضة، ويقوم على رأسه رجل يسمى الرّقيب، ويدفع ربابة القداح إلى الحرضة، وهو محوّل الوجه عنها، فيأخذ الرّبابة التي تجمع فيها القداح، ويدخل يده تحت الثّوب فينكر القداح فإذا نهد فيها قدح يناوله دفعة إلى الرقيب، فإذا كان مما لا حظّ له، ردّ إلى الرّبابة فإن خرج بعده المسبل مثلا أخذ الثلاثة الباقية وغرم الذين

стр. 455

خابوا ثلاثة أنصباء من جزور آخر، وعلى ذلك أبدا يفعل بمن فاز ومن خاب، فربما نحروا عدّة جزر، ولا يغرم الذين فازوا من ثمنها شيئا، وإنما الغرم على الذين خابوا، وكان عندهم أنه لا يحل للخائبين أن يأكلوا من ذلك اللحم شيئا؛ فإن فاز قدح الرجل فأرادوا أن يعيدوا قدحه ثانية على خطإ فعلوا ذلك به؛ وقد نظم الصاحب إسماعيل بن عبّاد أسماء القداح التي لها النصيب فوزا وغرما في أبيات فقال: إن القداح أمرها عجيب ... الفّذّ والتّوأم والرّقيب والحلس ثم النافس المصيب ... والمصفح المشتهر النّجيب ثم المعلى حظّه الرّغيب ... هاك فقد جاء بها الترتيب ومنها الأزلام: وهي ضرب من الطّيرة، كانوا إذا أرادوا فعل أمر ولا يدرون ما الأمر فيه، أخذوا قداحا مكتوبا على بعضها افعل، لا تفعل، وعلى بعضها نعم، وعلى بعضها لا، وعلى بعضها خذ، وعلى بعضها سر، وعلى بعضها سريع، فإذا أراد أحدهم سفرا مثلا أتى سادن الأوثان، فيضرب له بتلك القداح ويقول: اللهم أيّها كان خيرا له فأخرجه! فما خرج له عمل به، وإذا شكّوا في نسب رجل أجالوا القداح وفي بعضها مكتوب صريح، وفي بعضها مكتوب ملحق؛ فإن خرج الصريح أثبتوا نسبه، وان خرج الملحق نفوه. وإن كان بين اثنين اختلاف في حق سمىّ كل منهما له سهما وأجالوا القداح فمن خرج سهمه فالحق له وقد نهى الله تعالى عن ذلك بقوله وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ «١» . ومنها البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. فأما البحيرة، فكانت الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن عمدوا إلى الخامس منها ما لم يكن ذكرا فشقّوا أذنها وتركوها، فلا يجزّ لها وبر، ولا يحمل عليها

стр. 456

شيء ولا يذكر عليها إن ذكّيت اسم الله تعالى، وتكون ألبانها للرجال دون النساء. وأما السائبة فكان الرجل يسيّب الشيء من ماله: بهيمة أو عبدا، فيكون حراما أبدا وتكون منافع ذلك للرجال دون النساء. وأما الوصيلة فكانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن عمدوا إلى السابع فإن كان ذكرا ذبح، وإن كان أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرا وأنثى قيل وصلت أخاها فحرما جميعا، وكانت منافعهما ولبن الأنثى منهما للرجال دون النساء. وأما الحام، فكان الفحل إذا صار من أولاده عشرة أبطن، قالوا حمى ظهره، فيترك، ولا يحمل عليه شيء، ولا يركب، ولا يمنع ماء، ولا مرعى؛ وقد أخبر الله تعالى ببطلان ذلك بقوله: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ «١» . ومنها إغلاق الظهر: كان الرجل منهم إذا بلغت إبله مائة عمد إلى البعير الذي كملت به مائة فأغلق ظهره بأن ينزع شيئا من فقراته ويعقر سنامه كي لا يركب ليعلم أن إبل صاحبه قد أمأت «٢» . ومنها التّفقئة، والتّعمية. كان الرجل إذا بلغت إبله ألفا فقأ عين الفحل: وهي التفقئة، فإن زادت على ذلك فقأ العين الأخرى وهي التعمية، ويزعمون أن ذلك يدفع العين عن الإبل قال الشاعر: وهبتها وأنت ذو امتنان ... تفقأ فيها أعين البعران ومنها نكاح المقت: وهو نكاح زوجة الأب- وكان من شأنهم فيه أن

стр. 457

الرجل إذا مات قام أكبر ولده، فألقى ثوبه على امرأة أبيه فورث نكاحها، فإن لم يكن له فيها حاجة يزوّجها بعض إخوته بمهر جديد، فكانوا يتوارثون النكاح كما يرثون المال، فأنزل الله تعالى لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً «١» ، وحرم زوجة الأب بقوله وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا «٢» ومن ثمّ سمّي نكاح المقت. ومنها رمي البعرة: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها، دخلت حفشا (يعني خصّا) ولبست شرّ ثيابها ولم تمسّ طيبا حتّى تمضي عليها سنة، ثم يؤتى بدابة: حمار أو شاة أو طير، فتفتضّ به أي تتمسّح به فقلما تفتضّ بشيء إلا مات، ثم تخرج بعد ذلك فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع ما شاءت من طيب أو غيره فنسخ الإسلام ذلك بقوله تعالى وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً «٣» . ومنها وأد البنات (وهو قتلهنّ) . كانوا يقتلونهنّ خشية العار؛ وممن فعل ذلك قيس بن عاصم المنقريّ، وكان من وجوه قومه ومن ذوي المال، وكان سبب ذلك أن النعمان بن المنذر أغزاهم جيشا فسبوا ذراريّهم فأناب القوم وسألوه فيهم فقال النعمان: كل امرأة اختارت أباها ردّت إليه، وكل من اختارت صاحبها تركت معه، فكلهنّ اخترن آباءهنّ إلا ابنة لقيس بن عاصم فإنها اختارت صاحبها عمرو بن الجموح، فنذر قيس أنه لا يولد له ابنة إلا قتلها فكان يقتلهنّ بعد ذلك. وورد القرآن بإعظام ذلك بقوله وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ «٤» . ومنها قتل الأولاد خشية الإملاق والفاقة، فكان الرجل منهم يقتل ولده مخافة أن يطعم معه إلى أن نهى الله تعالى عن ذلك بقوله وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ

стр. 458

خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً «١» . ومنها حبس البلايا؛ كانوا إذا مات الرجل يشدّون ناقته إلى قبره ويقبلون برأسها إلى ورائها ويغطّون رأسها بولية «٢» وهي البرذعة فإذا أفلتت لم تردّ عن ماء ولا مرعىّ، ويزعمون أنهم إذا فعلوا ذلك حشرت معه في المعاد ليركبها قال أبو زبيد: «٣» . كالبلايا رؤوسها في الولايا ... ما نحات السّموم حرّ الخدود ومنها الهامة- كانوا يزعمون أن الإنسان إذا قتل ولم يطالب بثأره، خرج من رأسه طائر يسمّى الهامة، وصاح: اسقوني اسقوني حتى يطالب بثأره؛ قال ذو الأصبع: «٤» . يا عمرو إلّا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حتّى تقول الهامة اسقوني «٥» ومنها تأخير البكاء على المقتول للأخذ بثأره- كان النساء لا يبكين المقتول منهم حتّى يؤخذ بثأره، فإذا أخذ به بكينه حينئذ، قال الشاعر: من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النّساء حواسرا يندبنه ... يلطمن حرّ الوجه بالأسحار ومنها تصفيق الضالّ- كان الرجل منهم إذا ضلّ في الفلاة، قلب ثيابه وحبس ناقته وصاح في أذنها كأنه يومىء إلى إنسان وصفّق بيديه قائلا: الوحا

стр. 459

الوحا النّجاء النّجاء هيكل الساعة الساعة، إليّ إليّ عجّل، ثم يحرّك ناقته فيزعمون أنها تهتدي إلى الطريق حينئذ. قال الشاعر: وآذن بالتّصفيق من ساء ظنّه ... فلم يدر من أيّ اليدين جوابها يريد إذا ساء ظنّه بنفسه حين يضلّ. ومنها الغول- كانوا يزعمون أن الغول تتراءى لأحدهم في الفلاة فيتبعها فتستهويه، وربما ادّعى أحدهم أنه قابلها وقاتلها قال تأبط شرّا: ألا من مخبر فتيان فهم» ... بما لا قيت عند رحا بطان بأنّي قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصّحيفة صحصحان «٢» فقلت لها كلانا نضو أرض ... أخو سفر فخلّي لي مكاني فشدّت شدّة نحوي فأهوت ... لها كفّي بمصقول يماني فأضربها بلا دهش فخرّت ... صريعا لليدين وللجران ومنها ضرب الثور ليشرب البقر- كانوا يزعمون أنّ الجنّ تركب الثّيران فتصدّ البقر عن الشرب، فيضربون الثور ليشرب البقر؛ قال الشاعر: كذاك الثّور يضرب بالهراوى «٣» ... إذا ما عافت البقر الظّماء ومنها تعليق سنّ الثّعلب وسنّ الهرّة وحيض السّمرة- كانوا يزعمون أن الصبيّ إذا خيف عليه نظرة أو خطفة فعلّق عليه شيء من ذلك، سلم من آفته، وأن الجنية إذا أرادته لم تقدر عليه؛ قالت امرأة تصف ولدا: كانت عليه سنّة من هرّة ... وثعلب والحيض حيض السّمرة

стр. 460

ومنها تعليق كعب الأرنب- كانوا يعلّقونه على أنفسهم، ويزعمون أنه وقاية من العين والسّحر، قائلين إن الجنّ تنفر من الأرنب لكونها تحيض قال الشاعر: ولا ينفع التّعشير إن حمّ واقع ... ولا ودع يغني ولا كعب أرنب ومنها تعليق الحليّ على السليم (وهو الملسوع) - كانوا إذا لسع فيهم إنسان علقّوا عليه الحليّ من الأساور وغيرها، ويتركونه سبعة أيام ويمنع من النوم فيفيق، قال النابغة: يسهّد من وقت العشاء سليمها ... لحلي النّساء في يديه قعاقع ومنها وطء المقاليت القتلى- كانوا يزعمون أن المرأة المقلات (وهي التي لا يعيش لها ولد) إذا وطئت قتيلا شريفا بقي أولادها، قال بشر بن أبي خازم: يظلّ مقاليت النّساء يطأنه ... يقلن ألا يلقى على المرء مئزر ومنها مسح الطارف عين المطروف- كانوا يزعمون أن الرجل إذا طرف عين صاحبه فهاجت فمسح الطارف عين المطروف سبع مرات يقول في كل مرة: بإحدى جاءت من المدينة، باثنتين جاءتا من المدينة، بثلاث جئن من المدينة إلى سبع سكن هيجانها. ومنهاكيّ السليم من الإبل ليبرأ الجرب منها- كانوا يزعمون أن الإبل إذا أصابها عرّ (وهو الجرب) فكووا صحيحا إلى جانبه ليشمّ رائحته بريء، وربما زعموا أنه يؤمن معه العدوى، قال النابغة: وكلّفتني ذنب امرىء وتركته ... كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع ومنها ذهاب الخدر من الرجل- كانوا يقولون إن الرجل إذا خدرت رجله فذكر أحبّ الناس إليه ذهب عنه الخدر، قالت أمرأة من كلاب:
следующие страницы →