← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أوّل من أخرج الغناء العربيّ جرادة «١» جارية ابن جدعان فيما قاله العسكريّ. وفيه نظر فإن الغناء معهود من عهد عاد حتّى كان من جملة مغنّياتهم الجرادتان اللتان يضرب بهما المثل فيقال «غنّته الجرادتان» «٢» . أوّل من علم الجواري المنمنمات الغناء إبراهيم الموصليّ، وكان الناس بمكة لا يعلّمون الجارية الحسناء الغناء. النساء أوّل امرأة خفضت «٣» هاجر أمّ إسماعيل؛ وذلك أنها حين تغيّرت عليها سارة لتسرّي إبراهيم ﵇ بها حلفت لتقطعنّ شيئا من جسدها فأشار عليها إبراهيم. أن تخفضها، وتثقب أذنيها، وتجعل فيهما قرطين ففعلت فزادت حسنا. أوّل امرأة اكتحلت بالإثمد زرقاء اليمامة «٤» ، وكانت تنظر مسيرة ثلاثة أيام. أوّل امرأة تنبأت سجاح التميمية التي تزوّجها مسيلمة الكذّاب. أوّل امرأة لبست المصبّغات «٥» في الإسلام شميلة زوج عباس، وهي أوّل من عبأت «٦» الطّيب.

стр. 492

الموت والدفن أوّل امرأة حملت في نعش زينب بنت جحش زوج النبي ﵌. أوّل من دفن بالبقيع «١» عثمان بن مظعون، وهو أوّل من مات من المهاجرين بالمدينة. أوّل من دفن بقرافة «٢» مصر رجل اسمه عامر فقال عمرو بن العاص: عمرت والله. أمور تنسب للجاهلية أوّل من حرّم الخمر في الجاهلية الوليد بن المغيرة «٣» ، وقيل قيس بن عاصم «٤» ، ثم جاء الإسلام بتقريره. أوّل من حرّم القمار في الجاهلية الأقرع بن حابس التميمي «٥» ؛ ثم جاء الإسلام بتقريره. أوّل من رجم في الزنا في الجاهلية ربيع بن حدّان «٦» ؛ ثم جاء الإسلام بتقريره في المحصن. أوّل من حكم أن الولد للفراش في الجاهلية أكثم بن صيفيّ «٧» حكيم

стр. 493

العرب، ثم جاء الإسلام بتقريره. أوّل من قطع في السرقة في الجاهلية الوليد بن المغيرة، ثم جاء الإسلام بتقريره. أوّل من سنّ الدية مائة من الإبل عبد المطلب جدّ النبيّ ﵌؛ وذلك أنه نذر إن ولد له عشرة ذكور ليذبحنّ العاشر فولد له عشرة، وكان عاشرهم عبد الله أبو النبي ﵌، فرام ذبحه، فعارضه قريش في أمره، وأشير عليه بأن يقرع بينه وبين الإبل حتّى تخرج القرعة على الإبل، فأقرع بينه وبين عشرة فخرجت القرعة عليه، ثم زاد عشرة بعد عشرة وهي تقع عليه حتّى بلغ مائة من الإبل فوقعت القرعة عليها فنحرها، فكان النبي ﵌، يقول «أنا ابن الذّبيحين» يعني إسماعيل وعبد الله، ثم جاء الإسلام بتقريرها. أوّل من أوقد النار بالمزدلفة حتّى يراها من بالموقف قصيّ بن كلاب، فهي توقد إلى الآن. أوّل من أهدى البدن «١» إلى البيت إلياس بن مضر. أوّل من أظهر التوحيد بمكة قبل البعثة قسّ بن ساعدة. أوّل من خضب بالوسمة «٢» من قريش عبد المطلب. أوّل من نسّأ النسيء، وسيّب السوائب، وجعل الوصيلة والحامي «٣» عمرو بن لحيّ وهو أبو خزاعة «٤» .

стр. 494

الضرب الثاني من النبذ التاريخية التي لا يسع الكاتب جهلها، نوادر الأمور ولطائف الوقائع والماجريات العراقة وشرف الآباء قال الثعالبي: أشرف «١» الأنبياء في النبوّة يعني تواصل الآباء فيها يوسف ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇؛ وشاهد ما قاله أن النبي ﵌، يقول «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» ولا يخفى أن إخوته ﵈ في هذه الرتبة في العراقة. أعرق الأكاسرة في الملك شيرويه بن أبرويز بن أردشير بن بابك ملك ابن ملك ابن ملك ابن ملك. أعرق الناس في صحبة النبي ﵌، محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق بن أبي قحافة ﵃، أربعتهم رأوا النبي ﵌، وصحبوه. أعرق الخلفاء في الخلافة المنتصر، بن المتوكل، بن المعتصم، بن الرشيد، بن المهديّ، بن المنصور في آبائه خمسة آباء خلفاء وهو سادسهم فيها؛ وفي معناه أخواه المعتمد والمعتز؛ أما عبد الله بن المعتز وإن زاد أبا في

стр. 495

الخلافة فإنه لم تمض عليه مدّة تعتبر ولذلك لا يعدّه أكثر المؤرّخين في جملة الخلفاء. أعرق الناس في الملك والخلافة جميعا باعتبار الأصول والحواشي من الذكور والإناث يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان. أما من جهة الخلافة فهو خليفة، وأبوه خليفة، وجدّه خليفة، وجدّ أبيه خليفة، وعمومته خلفاء. وأما من جهة الملك فأمه شاهر بنت فيروز، بن يزدجرد، بن شهريار، وأمّها من بنات شيرويه بن أبرويز، وأمّ شيرويه مريم بنت قيصر، وأمّ فيروز بنت خاقان ملك الترك. أعرق الوزراء في الوزارة أبو عليّ الحسين، بن القاسم، بن عبيد الله ابن سليمان بن وهب، وأخوه أبو جعفر محمد بن القاسم؛ فإن القاسم وزّر للمقتدر ومحمد وزّر للقائم وأباهما القاسم وزّر للمعتضد ثم للمكتفي بعده، وعبيد الله وزّر للمعتضد، وسليمان وزّر للمهتدي وبعده للمعتمد فكلّ من الحسين ومحمد وزير ابن وزير ابن وزير ابن وزير يعني في آبائه ثلاثة وزراء، وهو الرابع فيها. أعرق الناس في القتل عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوّام بن خويلد، قتل عمارة وأبوه حمزة جميعا يوم قديد «١» في حرب الإباضيّة، وقتل مصعب بدير الجاثليق «٢» في الحرب بينه وبين عبد الملك، وقتل الزّبير بوادي السّباع في توبة الجمل «٣» ، وقتل العوّام في حرب الفجار «٤» ، وقتل خويلد في

стр. 496

حرب خزاعة «١» . قال الثعالبيّ: ولا يعرف في العرب والعجم ستّة مغبونون في نسق واحد إلا آل الزبير. أعرق الناس في الفقه إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة، كان كل من إسماعيل وحماد فقيها وأبو حنيفة الإمام الأعظم. أعرق الناس في القضاء بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ﵁، كان بلال قاضيا على البصرة، وأبو بردة قاضيا على الكوفة، وأبو موسى قاضيا لأمير المؤمنين عمر ﵁. أعرق الناس في حجابة الخلفاء العبّاس بن الفضل بن الرّبيع، فإن العباس حجب الأمين، والفضل حجب الرشيد قبل أن يتقلد عنه الوزراة، والربيع حجب المنصور والمهديّ؛ وفي ذلك يقول أبو نواس من أبيات: ساد الرّبيع وساد فضل بعده ... ونمت بعبّاس الكريم فروع عبّاس عبّاس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضل والرّبيع ربيع أعرق الناس في الشعر سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت بن المنذر بن حرام، ستّة كلّهم شعراء على نسق؛ ثم كانت العراقة في الشعر بعده مع زيادة آباء لمتوّج، بن محمود، بن مروان، بن يحيى، بن مروان، بن الحبوب، بن مروان، بن سليمان، بن يحيى، بن أبي حفصة: مولى عثمان بن عفان ﵁؛ عشرة على نسق.

стр. 497

الغايات من طبقات الناس أشرف الناس في الأمّة نسبا الحسن والحسين ﵉، رسول الله ﵌ جدّهما، والقاسم بن رسول الله ﵌ خالهما، وعليّ بن أبي طالب أبو هما، وفاطمة بنت رسول الله ﵌ أمهما، وخديجة بنت خويلد جدّتهما. أشرف النساء في النسب والصّهر فاطمة؛ رسول الله ﵌ أبوها، وخديجة أمها، وعليّ بن أبي طالب زوجها، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ولداها. أشرف الناس في المصاهرة عبد الله بن عمرو بن عثمان، تزوّج إليه أربعة من الخلفاء: تزوّج الوليد بن عبد الملك بنته عبدة، وسليمان بن عبد الملك بنته عائشة، ويزيد بن عبد الملك بنته أمّ سعيد، وهشام بن عبد الملك بنته رقيّة؛ قال الثعالبي ولا يعرف رجل له أربعة أختان خلفاء إلا هو. غرائب أمور تتعلق بالخلفاء أمرأة ولدها رسول الله ﵌، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة والزبير؛ وهي حفصة ابنة محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان؛ أبوها محمد المدبّج، وأمها خديجة بنت عثمان بن عروة بن الزبير، وأم عروة أسماء بنت أبي بكر، وأمّ المدبّج فاطمة بنت الحسين بن عليّ، وأمّ الحسين فاطمة بنت رسول الله ﵌، وأمّ فاطمة بنت الحسين أمّ اسحاق بنت عبيد الله، وأمّ عبد الله بن عمرو زينب بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب، فهي من ولد كل من المذكورين. أربع نسوة في الإسلام ولدت كل واحدة منهنّ خليفتين: فاطمة بنت رسول الله ﵌، ولدت الحسن والحسين، وقد بويع لهما بالخلافة، وولادة بنت العباس العبسية زوجة عبد الملك بن مروان ولدت له الوليد وسليمان، وهما خليفتان، وساهر بنت فيروز بن يزدجرد زوجة الوليد بن عبد الملك

стр. 498

ولدت له يزيد وإبراهيم فولّيا الخلافة، والخيزران ولدت للمهديّ موسى الهادي وهارون الرشيد. امرأة لها اثنا عشر محرما «١» كل منهم خليفة، وهي عاتكة بنت يزيد بن معاوية، يزيد أبوها، ومعاوية بن أبي سفيان جدّها، ومعاوية بن يزيد أخوها، وعبد الملك بن مروان زوجها، ومروان بن الحكم حموها، ويزيد بن عبد الملك ابنها، والوليد وسليمان وهشام أبناء عبد الملك أولاد زوجها «٢» . ومثلها من بني العباس زبيدة بنت جعفر بن المنصور؛ جدّها المنصور، وأخو جدّها السفّاح، وزوجها الرشيد، وعمّها المهدي، وابنها الأمين، وأبناء زوجها المأمون والمعتصم والواثق والمتوكّل. خليفة سلّم عليه بالخلافة عمّه وعم أبيه وعمّ جدّه، وهو هارون الرشيد سلم عليه سليمان بن المنصور، والعباس بن محمد عمّ أبيه المهديّ، وعبد الصمد بن عليّ عم جدّه أبي جعفر المنصور. خليفة سلم عليه من أهل بيته سبعة كل منهم ابن خليفة، وهو المتوكل؛ سلم عليه أحمد بن الواثق، وأحمد بن المعتصم، وسليمان بن المأمون، وعبد الله بن الأمين، وأبو محمد «٣» بن الرشيد، والعباس بن الهادي، ومنصور ابن المهدي. خليفة قبّل هو وابنه يد خليفة فأجاز ابنه بجائزة ثم قبل المقبلّة يده هو وابنه يد المقبّل أوّلا وهو خليفة فأجاز ابنه بمثل تلك الجائزة، وهو المعتصم وقف لإبراهيم بن المهدي أيام خلافته ثم نزل المعتصم فقبّل يده ثم أدنى منه ابنه هارون فقبل يده، وقال يا أمير المؤمنين عبدك هارون ابني فأمر له بعشرة

стр. 499

آلاف درهم، فلما استخلف المعتصم وقف له إبراهيم بن المهدي ثم ترجل في ذلك الموضع بعينه وقبّل يده وأدنى منه ابنه هبة الله فقبّل يده، وقال: يا أمير المؤمنين عبدك هبة الله ابني فأمر له بعشرة آلاف درهم. قال الصولي: ولا يعرف مثل ذلك لخليفتين وابنيهما. خليفة جرت أموره كلها على ثمانية، وهو المعتصم، فهو الثامن من خلفاء بني العباس، ومولده سنة ثمان وسبعين ومائة، وعمره ثمان وأربعون سنة، وكان ثامن أولاد الرشيد، وملك ثمان سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، وخلف ثمانية بنين، وثمان بنات، وثمانية آلاف دينار، وثمانية وعشرين ألف درهم، وثمانية عشر ألف دابة، وله ثمان فتوحات، وتوفي لثمان بقين من شهر ربيع الأول ومن ثمّ سميّ المثمّن. خليفة له عشرة أولاد وعشرة إخوة، وعشرة أولاد إخوة، وهو مروان بن الحكم فأولاده العشرة: عبد الملك، ومعاوية، وعبد العزيز، وقسّ، وعمر، ومحمد، وعبيد الله، وعبد الله، وأيوب، وداود. وإخوته «١» : عبد الواحد، وعبد الملك، وعبد العزيز، وسعيد بنو الحارث بن الحكم، وحرب، وعثمان، وعمر بنو عبد الرحمن بن الحكم، ويوسف، وسليمان، ويحي، بنو يحي بن الحكم. ليلة ولد فيها خليفة، ومات فيها خليفة، وولي فيها خليفة؛ وهي ليلة السبت لأربع بقيت من ربيع الأوّل سنة سبعين ومائة؛ ولد فيها المأمون، ومات فيها الهادي، واستخلف فيها الرشيد؛ ولا يعهد مثل ذلك في زمن من الأزمان. خليفتان أحدهما ابن الآخر بين قبريهما بعد كبير؛ وهما الرشيد

стр. 500

والمأمون، قبر الرشيد بطوس «١» وقبر المأمون بطرسوس «٢» . خليفة ركب البريد، وهو موسى الهادي، مات أبوه المهديّ وهو نائبه على جرجان، فكتب إليه الرشيد بالخبر والبيعة ووجه إليه الخاتم والبردة والقضيب فركب البريد وأتى إلى بغداد بعد ثلاثة عشر يوما من موت المهديّ، ولا يعرف خليفة ركب البريد غيره. خليفتان اسم كل منهما جعفر قتل كل منهما في يوم الأربعاء وهما المتوكل والمقتدر. خليفة ولي الخلافة ستين سنة متوالية؛ وهو المستنصر بالله الفاطميّ خليفة مصر على أن الثعالبي في «لطائف المعارف» قال: استقرّت ولاية معاوية ابن أبي سفيان أربعين سنة عشرون منها إمارة وعشرون منها خلافة. خليفة كانت خلافته يوما أو بعض يوم، هو عبد الله بن المعتز، بويع بعد خلع المقتدر، فلما كان من الغد حاربه غلمان المقتدر وعاونهم العامّة فهرب واختفى ثم ظفر به. أربعة إخوة ولي كل منهم الخلافة، وهم الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام أولاد عبد الملك بن مروان. لم يل الخلافة من أبوه حيّ سوى أبي بكر الصدّيق والطائع لله وكلاهما اسمه أبو بكر. لم يل الخلافة من أبواه هاشميّان سوى الحسن بن عليّ من فاطمة ومحمد الأمين ابن الرشيد من زبيدة. لم يل الخلافة من اسمه العباس سوى أمير المؤمنين المستعين بالله أبي

стр. 501

الفضل العباس بن المتوكل على الله محمد خليفة العصر، على كثرة هذا الاسم في أولاد الخلفاء العباسيين وكونه اسم جدّهم الأكبر. قلت: وقد أخبرني أمير المؤمنين المستعين المشار إليه أن تسميته العباس كانت برؤيا رآها الشيخ بدر الدين البهنسي «١» بمكة المشرفة، رأى العباس بن عبد المطلب ﵁ في النوم، وهو يقول له: قل لولدي محمد، (يعني المتوكل على الله) إذا ولد له ولد يسميه العباس؛ وسيأتي ذكر ذلك في الكلام على العهد الذي أنشأته قبل ولايته الخلافة بنحو ثمان سنين امتحانا للخاطر، في جملة العهود في المقالة الخامسة. (أعجوبة) قال الصّوليّ «٢» : الناس يرون أن كل سادس يقوم بأمر الدّين منذ أوّل الإسلام لا بد أن يخلع: النبي ﵌، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، والحسن فخلع. ثم معاوية، ويزيد، ومعاوية، ومروان، وعبد الملك، وعبد الله بن الزبير فخلع. ثم الوليد بن عبد الملك، وسليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد، وهشام، والوليد بن يزيد فخلع. ثم كان منهم يزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد، ومروان بن محمد وهو آخرهم ولم يكن بعده من بني أمية من يتم العدد بهم ستة فألغي. ثم كانت الدولة العباسية فكان السفّاح، والمنصور، والمهديّ، والهادي، والرشيد، والأمين فخلع. ثم المأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل، والمنتصر، والمستعين فخلع. ثم المعتز، والمهتدي، والمعتمد، والمعتضد، والمكتفي، والمقتدر فخلع في فتنة المعتز. ثم ردّ إلى الخلافة ثم قتل؛ ولم يعتدّ بخلافة ابن المعتز لخلعه في يومه. قال صاحب «رأس مال

стр. 502

النديم» «١» والثعالبي في «لطائف المعارف» : ثم القاهر، ثم الراضي، ثم المتقي، ثم المستكفي، ثم المطيع، ثم الطائع فخلع. قال الصلاح الصفدي: ثم القادر، والقائم، والمقتدي، والمستظهر، والمسترشد، والراشد فخلع. ثم المقتفي، والمستنجد، والمستضيء، والناصر، والظاهر، والمستعصم فخلع وقتل أيام هولاكو عند استيلائه على بغداد. قلت: هذا غلط فاحش من الصلاح الصفديّ لا يليق بمثله فإنه أسقط قبل المستعصم المستنصر وهو السادس. وقد ذكر الشيخ شمس الدين بن نباتة في تاريخ الخلفاء أنهم لما بايعوا المستنصر المذكور خلعوه ثم أعادوه فرارا من التطير بخلع السادس، وحينئذ فيكون من بعد المستنصر المستعصم المذكور ثم المستنصر أحمد، الذي أتى به الظاهر بيبرس وتوجه إلى الديار المصرية، ثم الحاكم أحمد، ثم ابنه المستكفي سليمان، ثم ابنه المستعصم أحمد، ثم الواثق إبراهيم فخلع، ثم المعتضد أبو بكر بن المستكفي، ثم ابنه المتوكل، ثم المستعصم زكريا، ثم الواثق عمر، ثم المستعين أبو الفضل العباس خليفة العصر أدام الله أيامه وهو الخامس والله تعالى أعلم بمن يكون السادس وما يكون من أمره «٢» . قال الصلاح الصفدي: وكذلك العبيديّون المعروفون بالفاطميين كان منهم بالمغرب عبيد الله المهديّ، والقائم بأمر الله، والمنصور، والمعزّ باني القاهرة بالمغرب ثم بمصر والعزيز، والحاكم فقتلته أخته. ثم الظاهر، والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظافر فخلع وقتل، ثم الفائز، والعاضد وهو آخرهم. قال وكذلك بنو أيوب في ملك مصر أوّلهم صلاح الدين، ثم ولده العزيز، وأخوه الأفضل بن صلاح الدين، والعادل الكبير أخو صلاح الدين، والكامل ولده، والعادل الصغير فخلع. ثم كان منهم الصالح

стр. 503

نجم الدّين أيوب، ثم المعظم توران شاه، ثم أم خليل شجرة الدّر، ثم الأشرف موسى وهو الرابع ولم يكن منهم من يكمّل الستة. قال: وكذلك دولة الأتراك ملوك مصر أوّلهم المعز أيبك، وابنه المنصور، والمظفر قطز، والظاهر بيبرس، وابنه السعيد بركة، وأخوه العادل سلامش فخلع، وملك السلطان الملك المنصور قلاوون. قلت: ثم ابنه الأشرف خليل، ثم المعظّم بيدرا ولم يعتدّ به لخلعه من يومه، كما لم يعتدّ بابن المعتز في الخلفاء، ثم الناصر محمد بن قلاوون، ثم العادل كتبغا، ثم المنصور لاچين، ثم المظفر بيبرس الجاشنكير فخلع، ثم المنصور أبو بكر بن الناصر محمد، ثم الأشرف كچك بن الناصر محمد، ثم الناصر أحمد بن الناصر محمد، ثم الصالح إسماعيل بن الناصر محمد، ثم الكامل شعبان بن الناصر محمد، ثم المظفر حاجي بن الناصر محمد فخلع، ثم الناصر حسن بن الناصر محمد، ثم الصالح صالح بن الناصر محمد، ثم المنصور محمد بن المظفر حاجي، ثم الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر محمد، ثم ابنه المنصور علي، ثم الصالح حاجي بن الأشرف شعبان فخلع، ثم الظاهر برقوق، ثم الناصر فرج سلطان العصر وهو الثاني والله أعلم بمن يكون السادس. غرائب تتعلق بالملوك ملك ملّك وهو في بطن أمه؛ وهو سابور ذو الأكتاف أحد ملوك الفرس، مات أبوه وهو حمل ولم يكن له ولد سواه، فعقدوا التاج على رأس أمه على أن يكون من في بطنها هو الملك كائنا من كان. فلما وضعته ملّكوه. ثلاثة من ملوك فارس ابن وأب وجدّ اسمهم واحد. وهو بهرام بن بهرام بن بهرام؛ ومثلهم من ملوك غسان من العرب الحارث بن الحارث بن الحارث. قال الثعالبي: وهذا التناسق لا يقع إلا في الأكابر والرؤساء وقد جاء من هذا النمط في سادات الإسلام الحسن بن الحسن بن الحسن السبط.

стр. 504

ملكان إسلاميان أوّل اسم كل واحد منهما عين قتل كل واحد منهما ثلاثة ملوك أوّل اسم كل واحد منهم عين: أحدهما عبد الملك بن مروان قتل عمرو بن سعيد وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، والثاني أبو جعفر المنصور اسمه عبد الله، قتل أبا مسلم الخراساني واسمه عبد الرحمن وعمه عبد الرحمن بن علي وعبد الجبار بن عبد الرحمن والي خراسان. قال الثعالبي: أربعة في الإسلام قتل كلّ واحد منهم أكثر من الف الف رجل، وهم الحجاج بن يوسف، وأبو مسلم الخراساني، وبابك» ، والبرقعي. قلت: وقد وقع لتيمور كوركان المعروف بتمرلنك صاحب ما وراء النهر على رأس الثمانمائة من الهجرة ما هو أكثر من ذلك، فإنه قد فتح من الهند إلى الخليج القسطنطيني، وقتل من كل إقليم من الخلق مالا يحصى حتى كان يبني بالرؤوس في كل مدينة يفتحها منارا. غرائب تتعلق بسراة الناس ثلاثة بنو أعمام في زمن واحد، كل منهم سيد جليل، لم يصلح للإمامة أو الرياسة ثم كان لكل منهم ابن اسمه محمد كذلك، وهم عليّ بن عبد الله ابن عباس وابنه محمد وعليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب وابنه محمد، وعليّ بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وابنه محمد. قال الجاحظ: وهذا من غرائب ما يتفق في العالم، فإن هذا امر لم يشاركهم فيه أحد. أب وابن تقارب ما بينهما من العمر تقاربا شديدا وهما عمرو بن العاص

стр. 505

وابنه عبد الله كان بينهما في السن ثلاث عشرة سنة. قال الثعالبي: ولا يعهد مثل ذلك. أخوان تباعد ما بينهما في السن تباعدا شديدا وهما موسى بن عبيدة الرّبذي «١» المحدّث وأخوه عبد الله كان بينهما في السن مائة سنة ولم يعرف مثل ذلك في غيرهما. أربعة إخوة كل واحد منهم أسنّ من الآخر بعشر سنين، وهم أولاد أبي طالب كان طالب أسنّ من عقيل بعشر سنين، وعقيل أسنّ من جعفر بعشر سنين، وجعفر أسنّ من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بعشر سنين. ثلاثة إخوة ولدوا في سنة واحدة وقتلوا في يوم واحد وسنّ كل واحد منهم اثنان وأربعون سنة، وهم مزيد، وزياد، ومدرك أولاد المهلّب بن أبي صفرة «٢» ؛ وهذه من غرائب النوادر. رجل مكث عشر سنين لا يولد له إلا رجل ولا يموت له إلا أنثى، وهو المهلّب بن أبي صفرة في غير أولاده الثلاثة المذكورين. أربعة رجال في الإسلام لم يمت كل منهم حتى رأى من ولده وولد ولده أكثر من مائة فيما قاله الثعالبي وغيره، وهم أنس بن مالك خادم رسول الله ﵌، وخليفة بن براء السعديّ، وعبد الرحمن بن عمر الليثي، وجعفر بن سليمان الهاشمي، ومنهم من يذكر بدله أبا بكرة مولى النبي ﵌. خمسة إخوة تباعدت قبورهم أشدّ تباعد، وهم بنو العباس بن عبد المطلب: قبر عبد الله بالطائف، وقبر عبيد الله بالمدينة، وقبر معدّ بافريقية، وقبر الفضل بالشام، وقبر قثم بسمرقند.

стр. 506

قاض قضى في الإسلام خمسا وسبعين سنة وهو شريح بن الحارث الكنديّ استقضاه عمر على الكوفة فبقي بها خلافة عمر وما بعدها إلى تمام المدّة المذكورة لم يتعطل منها سوى ثلاث سنين امتنع فيها من القضاء في فتنة ابن الزبير. أوصاف جماعة من المشاهير «من كان من الخلفاء أصلع» قال الثعالبي: كان الصّلع في عمر، وعثمان، وعليّ، ومروان بن الحكم، وعمر بن عبد العزيز؛ قال ثم انقطع الصلع من الخلفاء. «من كان في غاية الطول» ، كان عمر بن الخطاب ﵁ كأنّه راكب والناس يمشون لطوله، وكان عديّ بن حاتم إذا ركب تكاد رجلاه تخط في الأرض، وكذلك جرير بن عبد الله البجليّ، وكان قسّ بن ساعدة في نهاية الطول والجسامة، وكان عبد الله بن زياد إذا رآه الرائي وهو ماش، ظن أنه راكب لطوله، وكان عليّ بن عبد الله بن عبّاس في غاية من الطّول، وكان أبوه عبد الله أطول منه، وجدّه العباس أطول من أبيه؛ ويقال إن جبلة بن الأيهم الغسّاني كان طوله اثني عشر شبرا. «من كان في غاية القصر» قال الثعالبي: كان عبد الله بن مسعود ﵁ شديد القصر يكاد الجلوس يوازونه من قصره، وكان إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قصيرا دحداحا، وكان الحطيئة الشاعر مفرط القصر، ولذلك لقّب بالحطيئة، وكان ذو الرّمة الشاعر قصيرا جدا؛ ورأيت في بعض التواريخ أن كثيّر عزّة كان طوله ثلاثة أشبار؛ وكان العباس بن الحسن في غاية من القصر وفيه قيل: لا تنظرنّ إلى العبّاس من قصر ... وانظر إلى الفضل والمجد الذي شادا إنّ النّجوم نجوم الجوّ أصغرها ... في العين أبعدها في الجوّ إصعادا

стр. 507

«من عرف بالدهاء من العرب» معاوية بن أبي سفيان، زياد بن أبيه، عمرو بن العاص، المغيرة بن شعبة، قيس بن سعد بن عبادة، عبد الله بن بديل الخزاعي. «من نسب منهم إلى الحمق» عامر بن كريز، معاوية بن مروان بن الحكم، بكّار بن عبد الملك بن مروان، العاص بن هشام، عبد الله بن معاوية بن أبي سفيان، سهل بن عمرو وأخوه سهيل، العاص بن سعيد بن العاص. «المؤلفة قلوبهم في أوّل الإسلام» قال الثعالبي: هم من قريش أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزّى، وهبّار بن الأسود، والحارث بن هشام، وحكيم بن حزام، وصفوان بن أميّة، وأنس بن عديّ. ومن فزارة عيينة بن حصن. ومن تميم الأقرع بن حابس. ومن بني سليم العبّاس بن مرداس. ومن ثقيف العلاء بن الحارث. «من أصيبت عينه» أبو سفيان بن حرب، ذهبت عينه يوم الطائف ثم عمي بعد ذلك. الأشعث بن قيس، ذهبت عينه يوم اليرموك، المغيرة بن شعبة كذلك الأشتر النخعيّ، جرير بن عبد الله البجلي، عديّ بن حاتم، عتبة بن أبي سفيان، المختار بن أبي عبيد، الأحنف بن قيس، المهلّب بن أبي صفرة، طاهر بن الحسين، عمرو بن الليث الصّفّار. «من سملت عيناه من الخلفاء والملوك» أما من الخلفاء فالقاهر «١» ، والمتقي «٢» ، والمكتفي «٣» ؛ وأما من الملوك فهرمز بن أنو شروان أحد الملوك

стр. 508

الأكاسرة، صمصام الدولة بن بويه «١» ، منصور بن نوح بن منصور السامانيّ «٢» . «من كان مكفوف البصر من أشراف الناس» زهرة بن كلاب بن كعب «٣» ؛ عبد المطلب بن هشام؛ العبّاس بن عبد المطلب؛ الحكم بن العاص؛ أبو سفيان بن حرب؛ الحارث بن العبّاس بن عبد المطلب؛ مطعم ابن عديّ بن نوفل بن عبد مناف؛ أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة؛ عتبة بن مسعود الهذليّ «٤» ، عبد الله بن عبيد الله بن عتبة؛ أبو أحمد بن جحش بن مسعود الأسديّ؛ جابر بن عبد الله الأنصاري؛ عبد الله ابن أرقم «٥» ، البراء بن عازب «٦» ؛ حسّان بن ثابت؛ أبو أسيد الساعدي؛ قتادة بن دعامة «٧» ؛ دريد بن الصّمّة الجشميّ، عزمة بن نوفل الزّهري؛ الفاكه بن المغيرة المخزوميّ «٨» ؛ جذيمة بن حازم النهشلي؛

стр. 509

أبو العباس الشاعر «١» ؛ عليّ بن زيد بن جدعان «٢» ؛ المغيرة بن مقسم الضبيّ؛ الترمذيّ الكبير الحافظ الفقيه؛ منصور الشاعر المصريّ «٣» ؛ ابن سيدة اللّغويّ؛ أبو العلاء المعرّي؛ بشّار بن برد؛ أبو البقاء العكبريّ «٤» ؛ أبو العيناء هشام بن معاوية الضرير النحويّ الكوفيّ؛ أبو القاسم السّهيلي صاحب الروض الأنف؛ أبو القاسم الشاطبيّ «٥» ؛ الصرصريّ الشاعر «٦» ؛ أبو الحسن عليّ بن عبد الغني الحصري «٧» ؛ أبو عبد الله بن خلصة المغربي النحوي؛ أبو عبد الله بن الخيّاط «٨» . أصحاب العاهات من الملوك من ملوك اليونان الإسكندر، كان أحنف «٩» . ومن ملوك الفرس أنو شروان كان أعور، يزدجر كان أعرج. ومن ملوك العرب جذيمة الوضّاح، كان

стр. 510

أبرص، النّعمان بن المنذر، كان أحمر العينين والشّعر. ومن الخلفاء عبد الملك بن مروان أبخر «١» ، يزيد بن عبد الملك أفقم «٢» ، هشام بن عبد الملك أحول، مروان الحمار «٣» أشقر أزرق، موسى الهادي شفته العليا متقلصة، حتّى كان أبوه المهديّ قد رتّب له خادما يلازمه متى غفل وفتح فاه قال: موسى أطبق، إبراهيم بن المهديّ كان أسود سمينا يلقّب بالتّنّين. ومن أشراف قريش وغيرهم أبو طالب أعرج، وأبو جهل أحول، أبو لهب كذلك، وكذلك زياد، وعديّ بن زيد. الأحنف بن قيس، أحنف متراكب الأسنان، صعل الرأس «٤» ، مائل الذّقن. والرّبيع بن زياد أبرص، وكذلك الحارث بن حلزّة. وأيمن بن خريم، والحسن بن قحطبة، وكان عبيدة السّلمانيّ أصمّ، وكذلك ابن سيرين والكميت الشاعر، والمرقّش الأكبر الشاعر أجدع. أصحاب النوادر ابن أبي عتيق «٥» ، أشعب الطّمع «٦» ، أبو الغصن جحا «٧» ، أبو العبر «٨» ،

стр. 511

أبو العنبس «١» ، ابن الجصاص «٢» مزيد المدنيّ «٣» . أجواد الإسلام عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أميّة، عبد الله بن عامر بن كريز، حمزة بن عبد الله بن الزبير بن العوّام، عمر «٤» بن عبيد الله بن معمر التيميّ، خالد بن عبد الله بن خالد بن أسد بن العاص. قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، عتّاب بن أبي ورقاء الحنظليّ، أسماء بن خارجة بن حصن بن بدر الفزاريّ، عبد الله بن أبي بكرة مولى رسول الله ﵌. الطّلحات المعروفون بالجود طلحة الفيّاض- وهو طلحة بن عبيد الله أحد العشرة؛ وطلحة الجود- وهو طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي؛ وطلحة الدراهم- وهو طلحة ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق؛ وطلحة الخير- وهو طلحة ابن الحسن بن عليّ بن أبي طالب؛ وطلحة الندى- وهو طلحة بن عبد الله بن عوف الزّهري؛ وطلحة الطّلحات- وهو طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعيّ. أزواد الركب ثلاثة من قريش وهم: مسافر بن أبي عمرو بن أميّة،

стр. 512

وزمعة «١» بن الأسود بن المطلب بن عبد العزّى بن قصيّ، والمغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم: سمّوا بذلك لأنهم لم يتزوّد معهم أحد في سفر قطّ لجودهم. من اشتهر عند أهل الأثر بلقبه غسيل الملائكة، وهو حنظلة بن أبي عامر الأنصاريّ أصيب يوم أحد فأخبر النبي ﵌ أن الملائكة غسّلته. قتيل الجن، هو سعد بن عبادة، بال في جحر فقتله الجن. مصافح الملائكة، هو عمران بن حصين «٢» . حميّ الدّبر، هو عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح «٣» ، حمته النحل إلى أن كان الليل. ذو الشّهادتين هو خزيمة بن ثابت الأنصاري، شهد لرسول الله ﵌ بقضاء دين اليهوديّ حين أخبر النبيّ ﵌ أنه وفّاه، اعتمادا على خبر النبي ﵌، فجعل ﵌ شهادته بشهادتين. ذو العين، هو قتادة بن النعمان، أصيبت عينه يوم أحد فردّها رسول الله ﵌؛ ذو اليدين هو عبيد بن عبد عمرو الخزاعيّ كان يعمل بيديه معا. ذو العمامة، هو أبو أحيحة «٤» سعيد بن العاص بن أميّة، كان إذا لبس عمامته لم يلبس قرشيّ عمامته حتّى ينزعها. ذو الثّديّة، كانت إحدى يديه مخدجة «٥» كالثدي، كان رأس الخوارج. ذو الثّفنات «٦» ، كان يقال ذلك

стр. 513

لعليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، ولعليّ بن عبد الله بن عباس، لما علا أعضاء السّجدات منهما من شبه ثفنات العبير. ذو السّيفين، هو أبو الهيثم بن التّيّهان، سمّي بذلك لتقلّده في الحرب بسيفين. سيف الله، هو خالد بن الوليد. أسد الله، هو حمزة بن عبد المطلب. ذات النّطاقين، هي أسماء بنت أبي بكر، سميت بذلك لأنها شقّت نطاقها للسّفرة في الليلة التي هاجر النبي ﵌ هو وأبوها إلى المدينة. عروة الصّعاليك، هو عروة بن الورد، كان إذا شكا إليه أحد أعطاه فرسا ورمحا وقال له: إن لم تستغن بذلك فلا أغناك الله. سليك «١» المقانب، هو سليك بن سلكة، كان أعدى الناس حتّى إن الفرس لا يدركه. طفيل الأعراس، رجل من غطفان، وقيل هو من موالي عثمان بن عفّان ﵁، كان يتتبّع الأعراس فيأتيها من غير دعوة وإليه تنسب الطّفيليّة. أشجّ «٢» بني أمية هو عمر بن عبد العزيز. جبار بني العباس هو هارون الرشيد: لأنه أغزى ابنه القاسم الروم فقتل منهم خمسين ألفا، وأخذ منهم خمسة آلاف دابّة بالسّروج واللّجم الفضّة، وأغزى عليّ بن عيسى بن ماهان بلاد التّرك فقتل منهم أربعين ألفا، وغزا هو بنفسه بلاد الروم ففتح هرقلة، وأخذ الجزية من ملك الروم. بنات طارق، هنّ بنات العلاء بن طارق بن أمية بن عبد شمس، سمّين بجدّهنّ، يضرب بهنّ المثل في الحسن والشرف. بنات الحارث، هنّ بنات الحارث بن هشام، يضرب بهنّ المثل في الحسن وغلوّ المهر. من كان فردا في زمانه بحيث يضرب به المثل في أمثاله كان الإسكندر، في طوفان الأرض، وكسرى أنو شروان، في العدل، وزرقاء اليمامة، في حدّة النظر، وحاتم الطائيّ، في الكرم، وكعب بن مامة،

стр. 514

في الإيثار، وأرسطا طاليس، في الحكمة، وبقراط في الطب، وقسّ بن ساعدة، في الفصاحة، وسحبان وائل، في البلاغة، وعمرو بن الأهتم، في البيان، وباقل «١» ، في العيّ، وأبو بكر الصدّيق ﵁، في معرفة الأنساب، وعمر بن الخطاب ﵁، في قوّة الهيبة، وعثمان بن عفان ﵁، في التّلاوة، وعليّ بن أبي طالب ﵁ في القضاء، ومعاوية في كثرة الاحتمال، وأبو عبيدة بن الجرّاح، في الأمانة، وأبو ذرّ، في صدق اللهجة، وأبيّ بن كعب، في القرآن، وزيد بن ثابت، في الفرائض، وابن عباس، في تفسير القرآن، وعمرو بن العاص، في الدّهاء، وأبو موسى الأشعريّ، في سلامة الباطن، والحسن البصريّ، في الوعظ والتذكير، ووهب ابن منبّه، في القصص، وابن سيرين، في تعبير الرؤيا، ونافع «٢» ، في القراءة، وأبو حنيفة، في القياس في الفقه، وابن إسحاق، في المغازي، ومقاتل «٣» ، في التأويل، والكلبي «٤» ، في قصص القرآن، وابن الكلبيّ الصغير «٥» ، في النسب، وأبو الحسن المدائني «٦» ، في الأخبار، ومحمد بن جرير الطبريّ، في علوم الأثر، والخليل بن أحمد، في العروض، وفضيل بن عياض «٧» ، في

стр. 515

العبادة، ومالك بن أنس، في العلم، والشافعيّ، في فقه الحديث، وأبو عبيدة «١» ، في الغريب، وعليّ بن المديني «٢» ، في علل الحديث، ويحيى بن معين «٣» ، في رجال الحديث، وأحمد بن حنبل، في السّنّة، والبخاري، في نقد الصحيح، والجنيد «٤» ، في التصوّف، ومحمد بن نصر المروزيّ «٥» ، في الاختلاف، وأبو عليّ الجبّائي، في الاعتزال، وأبو الحسن الأشعريّ، في علم الكلام، وأبو القاسم الطبراني «٦» ، في عوالي الحديث، وعبد الرزاق «٧» ، في ارتحال الناس إليه، وابن منده «٨» ، في سعة الرحلة، وأبو بكر الخطيب «٩» ، في سرعة القراءة، وابن حزم «١٠» ، في مذهب الظاهر، وسيبويه، في النحو، وأبو الحسن البكري السيري، في الكذب، وإياس بن معاوية، في

стр. 516

الذكاء والتفرّس، وعبد الحميد، في الكتابة والوفاء، وأبو مسلم الخراسانيّ، في علوّ الهمة والحزم، وإسحاق الموصليّ النديم، في الغناء، وأبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني، في المحاضرة، وأبو معشر «١» ، في النّجوم، والرازي، في الطّب، وعمّار بن حمزة «٢» ، في التّيه، والفضل بن يحيى، في الجود، وجعفر بن يحيى، في التوقيع، وابن زيدون «٣» ، في سعة العبارة، وابن القرّية «٤» ، في البلاغة، والجاحظ، في الأدب والبيان، والحريريّ، في المقامات، والبديع الهمذاني، في الحفظ، وأبو نواس، في المجون والخلاعة، وابن حجّاج الشاعر «٥» ، في سخف الألفاظ، والمتنبي، في الحكم والأمثال شعرا، والزمخشريّ، في تعاطي العربية، والنّسفي «٦» ، في الجدل، وجرير الشاعر، في الهجاء الخبيث، وحمّاد الراوية «٧» ، في شعر العرب، والأحنف بن قيس، في الحلم، والمأمون، في حبّ العفو،

стр. 517

والوليد «١» في شرب الخمر، وعطاء السّلميّ «٢» ، في الخوف من الله تعالى، وابن البوّاب «٣» ، في الكتابة، والقاضي الفاضل «٤» ، في الترسّل، والعماد الكاتب «٥» ، في الجناس، وأشعب، في الطمع، وأبو نصر الفارابي، في معرفة كلام القدماء ونقله وتفسيره، وحنين بن إسحاق، في ترجمة اليوناني إلى العربي، وابن سينا، في الفلسفة وعلوم الأوائل، والإمام فخر الدّين الرازي، في الاطّلاع على العلوم؛ والجاحظ في سعة العبارة، والسيف الآمديّ «٦» ، في التحقيق، والنصير الطّوسي «٧» ، في معرفة المجسطي، وابن الهيثم «٨» ، في الرياض ونجم الدين الكاتبي «٩» ، في المنطق، وابن

стр. 518

الأعرابي «١» ، في الاطلاع على اللغة، وأبو العيناء، في الأجوبة المسكتة، ومزيد «٢» ، في البخل، والقاضي أحمد بن أبي دواد «٣» ، في المروءة وحسن التقاضي؛ وابن المعتز، في التشبيه، وابن الرّومي، في التطيّر، والصولي في الشّطرنج، والغزالي، في الجمع بين المعقول والمنقول، وأبو الوليد بن رشد، في تلخيص كتب الأقدمين الفلسفية والطبية، ومحيي الدين بن عربي، في علوم التصوّف، وجابر بن حيان في علم الكيمياء. غرائب اتفاق اتفاقية جليلة- ولد النبي ﵌ يوم الاثنين، وبعث يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وتوفّي يوم الاثنين. اتفاقية أخرى- قتل عبد الله بن زياد الحسين بن عليّ ﵉ يوم عاشوراء، وقتله الله على يد إبراهيم بن الأشتر في يوم عاشوراء. أخرى- قال عبد الملك بن عمير الليثيّ «٤» : رأيت في قصر الإمارة بالكوفة رأس الحسين بن عليّ بين يدي عبد الله بن زياد على ترس، ثم رأيت فيه رأس عبد الله بن زياد بين يدي المختار بن أبي عبيد، ثم رأيت فيه رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير، ثم رأيت فيه رأس مصعب بين يدي عبد الملك بن مروان. قال: فحدّثت بهذا عبد الملك بن مروان فتطير منه ففارق مكانه.

стр. 519

أخرى- قال الصولي: حدّثني الحسين بن يحيى الكاتب أنه لما ولي المعتز لم تمض مدّة لطيفة حتّى أحضر الناس وأخرج المؤيد «١» وقيل اشهدوا أنه دعي فأجاب، وليس به أثر؛ ثم مضت مدّة شهر فأحضر الناس وأخرج المستعين وقال: إن منيته أتت عليه، وها هو لا أثر به فاشهدوا؛ ثم خلع المعتز، واستخلف المهتدي؛ ولم يمض إلا مديدة حتّى أخرج المعتزّ ميتا وقال: أشهدوا، أنه قد مات حتف أنفه ولا أثر به؛ ثم لم تكمل السنة حتّى استخلف المعتمد فأخرج المهتدي ميتا وقال: اشهدوا أنه قد مات حتف أنفه من جراحته، فتعجب الناس من تلاحقهم في مدة يسيرة. عبرة- مات المكتفي بالله عن مائة ألف ألف دينار، ولما غسّل لم توجد مجمرة بيخر فيها إلا مجمرة من خزف أحمر، وكان فيما خلف ألوف من مجامر الذهب والفضة. قال أحمد بن أبي دواد: لقد شددت لحيي «٢» المأمون، والمعتصم، والواثق، بعد موتهم، فلم أجد خرقة أشدّ بها لحيي واحد منهم إلا ما أخرقه من الدراريع «٣» التي تكون عليّ. لطيفة- في سنة ثلاث وثمانين ومائتين أمر المعتضد بردّ فاضل سهام المواريث على ذوي الأرحام، وأبطل ديوان الموايث، وكتب بذلك إلى الآفاق. لطيفة- في سنة أربع وثمانين ومائتين أخبر المنجمون بغرق أكثر الأقاليم بسبب كثرة الأمطار وزيادة الأنهار فتحفّظ الناس من ذلك فقلّت الأمطار حتى استسقوا ببغداد مرّات. غريبة- ذكر ابن سينا في المقالة الأولى من كتابه الشفاء أنه نزل

стр. 520

بجرجان صاعقة من الهواء فنشبت في الأرض، ثم نبت نبوة الكرة وسمع الناس لذلك صوتا عظيما هائلا فحفروا عليها فإذا هي قطعة من حديد تقدير مائة وخمسين منّا «١» ، وهي أجزاء جاورشيّة «٢» صغار مستديرة، التصق بعضها ببعض، فكتب محمود بن سبكتكين «٣» ، صاحب خراسان بإنفاذه إليه أو قطعة منه فتعذر نقله لثقله فحاولوا كسر قطعة منه فلم تعمل فيه الآلات، فعولج كسره فقطع منه قطعة لطيفة، وحملت إليه فرام أن يطبع منها سيفا فتعذر عليه. لطيفة أخرى- في سنة إحدى عشرة وخمسمائة جاء سيل عظيم فغرّق مدينة سنجار من بلاد الجزيرة، وهدم المنازل، وأغرق خلقا كثيرا. ومن غريب ما حكي أن السيل حمل مهدا فيه صبيّ صغير، فتعلق المهد بشجرة زيتون، وغاض الماء، وبقي المهد معلقا بالشجرة فسلم الصغير. أعجوبة- في سنة ستين وأربعمائة كان بمصر وفلسطين زلزلة عظيمة، طلع فيها الماء من رؤوس الآبار، وزال البحر عن الساحل مسيرة يوم، فنزل الناس إلى أرض البحر يلتقطون ما انكشف البحر عنه مما في أرضه فرجع الماء عليهم فأهلك منهم خلقا كثيرا. ثم في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة وقع ببلاد الشام زلزلة عظيمة خربت شيزر، وحماه، وحمص، وحصن الأكراد، وطرابلس وأنطاكية، وغيرها من البلاد التي حولها، ووقعت الأسواق والقلاع حتّى تداركها نور الدين الشهيد «٤» ﵀ بالعمارة.

стр. 521

فائدة- في سنة اثنتين وخمسمائة قلع المقتفي الخليفة باب الكعبة، وعمل عوضه بابا مصفّحا بالفضة المذهبة، وعمل لنفسه من الباب الأوّل تابوتا ليدفن فيه. نادرة- في سنة خمس وستين وسبعمائة وقع ثلج عظيم بالشام فكسر الأشجار وقطع الطرق لا سيما بعكبراء وما حولها. أخرى- في سنة سبعين وسبعمائة ظهر بالشام جراد عظيم لم يسمع بمثله، وامتدّ من مكة إلى الشام، وعظم بحوران حتّى أكل الأشجار، والأخشاب، وأبواب الدور، وما وصل إليه من الأصبغة والقماش، وسدّت أعين الماء خوفا من أن يفسدها، وكان من شأنه بعجلون أنه امتلأت منه المدينة وغلّقت الأسواق، وطبّقت أبواب الدكاكين والطاقات، وسدّت الأبواب وحضروا لصلاة الجمعة فملأ عليهم الجامع، وترامى على الخطيب على المنبر حتّى شغله عن الخطبة، وكذلك حيّر الناس حتّى خرجوا من الجامع يخبّون فيه خبّا إلى الركب، وأنتنت لكثرة ما قتل منه حتّى صار أهل البلد يشمّون القطران ليغطّي رائحته وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ «١» . أخرى- في سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة رأى أهل الشام في السماء بعد مغيب الشّفق حمرة عظيمة من جهة الشمال، ثم اشتدّت الحمرة حتّى صارت كالنار الموقدة وانتشرت في السماء حتّى كاد يغطي ثلثها، وعمّ بلاد الشام حتّى كان بدمشق، وبعلبكّ وحلب، وقاقون، والرملة، والقدس، وطرابلس، حتّى خاف جميع أهل هذه البلاد على أنفسهم الهلاك، وضرعوا إلى الله تعالى، وابتهلوا إليه، فكشف الله عنهم بعد نصف الليل. قلت: وقد رأيت مثل هذه الآية العظيمة بمصر في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة: وهو أنه ظهرت حمرة عظيمة من جهة الغرب فوق حمرة النار، وجاء

стр. 522

من وراء تلك الحمرة برق ساطع. فصار كلما لمع البرق داخل تلك الحمرة يخال الناظر أنها نار لا محالة حتّى داخلني منه أنه عذاب قد صبّ على الناس، ثم انقشع بعد العشاء بقليل فلذلك لم يننبه له أهل مصر. وبالجملة فوقائع الدهر وعجائبه أكثر من أن تحصر، ولا يحتمل هذا الموضع أكثر من هذا القدر. واللّيالي كما علمت حبالى ... مقربات يلدن كلّ عجيب المقصد الثاني في بيان وجه استعمال الكاتب ذلك في خلال كلامه لا يخفى أن الكاتب إذا عرف أحوال المتقدّمين وسيرهم، وأخبارهم، ومن برع منهم، صار عنده علم بما لعله يسأل عنه، واعتداد لما يرد عليه من ذكر واقعة بعينها أو يحتجّ عليه به من صورة قديمة: ليكون على يقين منها، مع ما يحتاج إلى إيراده في خلال مكاتباته ورسائله: من ذكر من حسن الاحتجاج بذكره في أمر من الأمور أو حالة من الحالات، كما كتب به البديع الهمذانيّ إلى أبي الحسين بن فارس «١» وقد بلغه أنه ذكر في مجلسه فقال: إن البديع قد نسي حق تعليمنا إياه، وعقّنا، وشمخ بأنفه عنا، والحمد لله على فساد الزمان، وتغير نوع الإنسان؛ فكتب إليه: «نعم أطال الله بقاء الشيخ الإمام، إنه الحمأ المسنون، وإن ظنّت الظنون، والناس لآدم، وإن كان العهد قد تقادم، وارتكبت الأضداد، واختلط الميلاد. والشيخ يقول فسد الزمان، أفلا يقول متى كان صالحا؟ أفي الدولة العباسية، وقد رأينا آخرها وسمعنا أوّلها؟ أم المدّة المروانية، وفي أخبارها «لا

стр. 523

تكسع الشّول بأغبارها» ؟ «١» أم السنين الحربية، والسيف يغمد في الطّلا «٢» ، والرّمح يركز في الكلا، وميت جحر في الفلا، والحرّتان وكربلا؟ أم البيعة الهاشمية، وعليّ يقول: ليت العشرة منكم برأس، من بني فراس؟ أم الأيام الأمويّة، والنفير إلى الحجاز، والعيون إلى الأعجاز؟ أم الإمارة العدويّة، وصاحبها يقول: وهل بعد البزول إلا النزول؟ أم الخلافة التيمية «٣» ، وصاحبها يقول: طوبى لمن مات في نأنأة «٤» الإسلام؟ أم على عهد الرسالة ويوم الفتح قيل اسكتي يا فلانة، فقد ذهبت الأمانة؟ أم في الجاهلية ولبيد يقول: ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب أم قبل ذلك وأخو عاد يقول: بلاد بها كنّا وكنّا نحبّها ... إذ النّاس ناس والزّمان زمان «٥» أم قبل ذلك، ويروى لآدم ﵇: تغيّرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مسودّ قبيح! أم قبل ذلك والملائكة تقول: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ؟ «٦» وما فسد الناس، ولكن اطّرد القياس، ولا ظلمت الأيام، إنما امتدّ الإظلام؛ وهل يفسد الشيء إلا عن صلاح، ويمسي المرء إلا عن

стр. 524

صباح؟ ولعمري! لئن كان كرم العهد كتابا يرد وجوابا يصدر إنه لقريب المنال، وإني على توبيخه لي لفقير إلى لقائه، شفيق على بقائه، منتسب إلى ولائه، شاكر لآلائه» . والغاية القصوى في ذلك ما كتب به ذو الوزارتين «أبو الوليد بن زيدون» ﵀ على لسان محبوبته ولّادة بنت محمد بن عبد الرحمن الناصر إلى إنسان استمالها عنه إلى نفسه وهي: أما بعد أيها المصاب بعقله، المورّط بجهله، البيّن سقطه، الفاحش غلطه، العاثر في ذيل اغتراره، الأعمى عن شمس نهاره، الساقط سقوط الذّباب على الشراب، المتهافت تهافت الفراش في الشّهاب، فإن العجب أكذب، ومعرفة المرء نفسه أصوب؛ وإنك راسلتني مستهديا من صلتي ما صفرت منه أيدي أمثالك، متصدّيا من خلّتي لما قدعت فيه أنوف أشكالك، مرسلا خليلتك مرتادة، مستعملا عشيقتك قوّادة، كاذبا نفسك في أنك ستنزل عنها إليّ، وتخلف بعدها عليّ: ولست بأوّل ذي همّة ... دعته لما ليس بالنائل! ولا شكّ أنها قلتك إذ لم تضنّ بك. وملّتك إذ لم تغر عليك، فإنها أعذرت في السّفارة لك، وما قصّرت في النيابة عنك، زاعمة أن المروءة لفظ أنت معناه، والإنسانية اسم أنت جسمه وهيولاه، قاطعة أنك انفردت بالجمال، واستأثرت بالكمال واستعليت في مراتب الخلال، حتّى خيّلت أنّ يوسف ﵇ حاسنك فغضضت منه، وأن امرأة العزيز رأتك فسلت عنه وأن قارون أصاب بعض ما كنزت، والنّطف «١» عثر على فضل ما

стр. 525

ركزت، وكسرى حمل غاشيتك «١» ، وقيصر رعى ماشيتك والإسكندر قتل دارا في طاعتك، وأردشير جاهد ملوك الطوائف بخروجهم عن جماعتك، والضحاك استدعى مسالمتك وجذيمة الأبرش تمنّى منادمتك، وشيرين قد نافست بوران «٢» فيك، وبلقيس غايرت الزّبّاء عليك، وأن مالك بن نويرة إنما أردف لك، وعروة بن جعفر إنما رحل إليك، وكليب بن ربيعة إنما حمى المرعى بعزّتك، وجسّاسا إنما قتله بأنفتك، ومهلهلا إنما طلب ثأره بهمّتك، والسّموءل إنما وفي عن عهدك، والأحنف إنما اجتبى في بردك، وحاتما إنما جاد بوفرك، ولقي الأضياف ببشرك، وزيد بن مهلهل إنما ركب بفخذيك، والسّليك بن السّلكة إنما عدا على رجليك، وعامر بن مالك إنما لاعب الأسنّة بيديك، وقيس بن زهير إنما استعان بدهائك، وإياس بن معاوية إنما استضاء بمصباح ذكائك، وسحبان وائل إنما تكلم بلسانك، وعمرو بن الأهتم إنما سحر ببيانك، وأن الصلح بين بكر وتغلب تمّ برسالتك، والحمالات في دماء عبس وذبيان أسندت إلى كفالتك، وأن احتيال هرم لعامر وعلقمة حتّى رضيا كان عن إشارتك، وجوابه لعمر، وقد سأله عن أيهما كان ينفّر وقع بعد مشورتك، وأن الحجاج تقلد ولاية العراق بجدّك، وقتيبة فتح ما وراء النهر بسعدك، والمهلّب أوهن شوكة الأزارقة بأيدك، وأفسد ذات بينهم بكيدك، وأن هرمس أعطى بيلينوس «٣» ما أخذ منك، وأفلاطون أورد على أرسطا طاليس ما حدّث عنك، وبطليموس سوّى الإصطرلاب بتدبيرك، وصوّر الكرة على تقديرك، وأبقراط علم العلل والأمراض بلطف حسّك، وجالينوس عرف طبائع

стр. 526

الحشائش بدقّة حدسك، وكلاهما قلّدك في العلاج، وسألك عن المزاج، واستوصفك تركيب الأعضاء، واستشارك في الدّاء والدواء، وأنك نبحت لأبي معشر طريق الفضاء، وأظهرت جابر بن حيّان على سر الكيمياء، وأعطيت النظّام أصلا أدرك به الحقائق، وجعلت للكندي رسما استخرج به الدقائق، وأن صناعة الألحان اختراعك، وتأليف الأنقار توليدك وابتداعك، وأن عبد الحميد بن يحيى باري أقلامك، وسهل بن هارون مدوّن كلامك، وعمرو بن بحر مستمليك، ومالك بن أنس مستفتيك، وأنت الذي أقام البراهين، ووضع القوانين، وحدّ الماهيّة، وبيّن الكيفية والكمية، وناظر في الجوهر والعرض، وميز الصحة من المرض، وحلّ المعمّى، وفصل بين الأسم والمسمّى، وضرب وقسّم، وعدّل وقوّم، وصنف الأسماء والافعال، وبوّب الظّرف والحال، وبنى وأعرب، ونفى وتعجب، ووصل وقطع، وثنّى وجمع، وأظهر وأضمر، وابتدأ وأخبر، واستفهم وأهمل، وقيد وأرسل، وأسند وبحث ونظر، وتصفّح الأديان، ورجّح بين مذهبي ماني وغيلان «١» ، وأشار بذبح الجعد «٢» ، وقتل بشّار بن برد «٣» ، وأنك لو شئت خرقت العادات، وخالفت المعهودات، فأحلت البحار عذبة، وأعدت السّلام رطبة، ونقلت غدا فصار أمسا، وزدت في العناصر فكانت خمسا، وأنك المقول فيك «كلّ الصّيد في جوف الفرا» «٤» ، والمقول فيك:

стр. 527

ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد والمعنيّ بقول أبي تمام: فلو صوّرت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطّباع والمراد بقول أبي الطيّب: ذكر الأنام لنا فكان قصيدة ... كنت البديع الفرد من أبياتها فكدمت في غير مكدم «١» ، واستسمنت ذا ورم، ونفخت في غير ضرم، ولم تجد لرمح هزّا، ولا لشفرة مجزّا «٢» ، بل رضيت من الغنيمة بالإياب، وتمنّت الرجوع بخفّي حنين، لأني قلت لها: لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب «٣» وأنشدت: على أنّها الأيام قد صرن كلّها ... عجائب حتّى ليس فيها عجائب ونخرت «٤» وكفرت، وعبست وبسرت «٥» ، وأبدأت وأعدت، وأبرقت وأرعدت،

стр. 528

وهممت ولم أفعل، وكدت وليتني، ولولا أن للجوار ذمّة، وللضّيافة حرمة، لكان الجواب في قذال الدّمستق «١» ، والنعل حاضرة إن عادت العقرب، والعقوبة ممكنة إن أصرّ المذنب؛ وهبها لم تلاحظك بعين كليلة عن عيوبك ملؤها حبيبها وحسن فيها من تودّ، وكانت إنما حلّتك بحلاك، ووسمتك بسيماك، ولم تعرك شهادة، ولا تكلّفت لك زيادة، بل صدقت سنّ بكرها فيما ذكرته عنك، ووضعت الهناء مواضع النّقب فيما نسبته إليك، ولم تكن كاذبة فيما أثنت به عليك، فالمعيديّ تسمع به خير من أن تراه «٢» ، هجين القذال «٣» ، أرعن السّبال «٤» ، طويل العنق والعلاوة، مفرط الحمق والغباوة، جافي الطبع، سيّء الإجابة والسمع، بغيض الهيئة، سخيف الذّهاب والجيئة، ظاهر الوسواس، منتن الأنفاس، كثير المعايب، مشهور المثالب، كلامك تمتمة، وحديثك غمغمة، وبيانك فهفهة «٥» ، وضحكك قهقهة، ومشيك هرولة، وغناك مسألة، ودينك زندقة، وعلمك مخرقة: مساو لو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلّا بالطّلاق حتّى إن باقلا موصوف بالبلاغة إذا قرن بك، وهبنّقة «٦» مستحقّ لاسم

стр. 529

العقل إذا أضيف إليك، وأبا غبشان «١» محمود منه سداد الفعل إذا نسب إليك، وطويسا «٢» مأثور عنه يمن الطائر إذا قيس عليك، فوجدك عدم، والاعتناء بك ندم، والخيبة منك ظفر، والجنة معك سقر، كيف رأيت لؤمك لكرمي كفاء! وضعتك لشرفي وفاء! وأنّي جهلت أن الأشياء إنما تنجذب إلى أشكالها، والطير إنما تقع على آلافها، وهلّا علمت أن الشرق والغرب لا يجتمعان، وشعرت أن ناري المؤمن والكافر لا تتراءيان، وقلت الخبيث والطيب لا يستويان، وتمثلت: عمرك الله كيف يلتقيان وذكرت أني علق لا يباع ممن زاد، وطائر لا يصيده من أراد، وغرض لا يصيبه إلا من أجاد، فما أحسبك إلا قد كنت تهيأت للتهنية، وترشحت للترفية، لولا أن جرح العجماء جبار «٣» للقيت ما لقي من الكواعب يسار «٤» ، فما همّ إلا بدون ما هممت به، ولا تعرّض إلا لأيسر مما تعرضت له؛ أين ادّعاؤك رواية الأشعار، وتعاطيك حفظ السّير والأخبار؛ أما ثاب لك قول الشاعر:

стр. 530

بنو دارم أكفاؤهم آل مسمع ... وتنكح في أكفائها الحبطات «١» وهلّا عشّيت ولم تغترّ، وما أمنّك أن تكون وافد البراجم «٢» ، أو ترجع بصحيفة المتلمّس «٣» ، أو أفعل بك ما فعله عقيل بن علّفة «٤» بالجهنيّ الذي جاء خاطبا، فدهن استه بزيت وأدناه من قرية النمل؛ ومتى كثر تلاقينا، واتّصل ترائينا؟ فيدعوني إليك ما دعا ابنة الخسّ «٥» إلى عبدها من طول السّواد، وقرب الوساد؛ وهل فقدت الأراقم فأنكح في جنب «٦» أو عضلني همام بن مرّة «٧» ، فأقول زوج من عود، خير من قعود «٨» ، ولعمري لو بلغت هذا المبلغ لارتفعت عن هذه الحطّة، وما رضيت بهذه الخطّة، فالنار ولا العار، والمنيّة ولا الدّنيّة، والحرة تجوع ولا تأكل بثدييها: فكيف وفي أبناء قومي منكح ... وفتيان هزّان الطّوال الغرانقة «٩»
следующие страницы →