← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

وصعد من درجات الترقّي على أبناء جنسه أعلاها، فنزّه نفسه عن مشاركة الناس، وتقشّف بين أهله في المأكل واللّباس، وترك الزواج والنّكاح، واشتغل بعبادته التي لازم عليها في المساء والصّباح، وألقى نفسه إلى الغاية في الاطّراح، وساح بخاطره في الفكرة وإن لم يكن بجسده قد ساح، وارتاض بترك الشّهوات مدّة زمانه، واطّرح الملاذّ لتعلو درجته بين أهله برفعة مكانه، واشتمل من علوم طائفته على الجانب الوافر، وعرف من أوامرهم ونواهيهم ما تقرّ به منهم العين والناظر، وطلب من الربّ الرؤوف الرحيم القوّة على أعماله، وسأل الإله أن يزيّن لأهل ملّته ما يأتي به من أقواله وأفعاله، فوقع اختيارهم عليه، وسألوا صدقاتنا الشريفة إلقاء أمرهم إليه. فرسم بالأمر الشريف- لا زال إحسانه إلى سائر العالم واصلا، وجوده لكل طائفة بارتياد أكفائها شاملا- أن يقدّم حضرة القدّيس المؤتمن جرجس المشار إليه على الطائفة اليعقوبية، من الملة النصرانية، بالديار المحروسة والجهات الجاري بها العادة، ويكون بطريركا عليهم على عادة من تقدّم في ذلك ومستقر قاعدته إلى آخر وقت، قائما بما يجب عليه من أمور هذه الملّة، باذلا جهده في سلوك ما ينبغي مما ينظم عليه أمره كلّه، فاصلا بينهم بما يعتقدونه من الأحكام، متصرفا على كل أسقفّ وقسّ ومطران في كل نقض وإبرام، مالكا من أمور القسّيسين والرّهبان والشّمامسة الزّمام، مانعا من يروم أمرا لا يسوّغه وضع ولا تقرير، جاعلا نظره عليه منتقدا بالتحرّز في التخيير، زاجرا من يخرج منهم عن اتباع طريق الشريعة المطهّرة التي يصح بها عقد الذّمّة، ملزما بسلوكها في كل ملمة فإن ذلك من الأمور المهمّة، آمرا من في الدّيرة من الرّهبان بمعاملة المارّين بهم والنازلين عليهم بمزيد الإحسان ومديد الإكرام، والقيام بالضّيافة المشروطة من الشّراب والطّعام. وليتحدّث في قسمة مواريثهم إذا ترافعوا إليه، وليجعل فصل أمور أهل طائفته من المهمّات لديه، وليشفق على الكبير والصغير، وليتنزّه عن قليل متاع الدنيا والكثير، وليزهد في الجليل قبل الحقير. وفي اطّلاعه على أحكام

стр. 5462

دينه ما يكفيه في الوصيّة، وما يرفعه بين أبناء جنسه في الحياة الدنيويّة، والاعتماد على الخط الشريف أعلاه الله أعلاه. وهذه نسخة توقيع لبطرك اليعاقبة، وهي: أما بعد حمد الله على أن جعل من إحسان هذه الدولة لكلّ ملّيّ وذمّيّ نصيبا، وفوّق إلى أهداف الرّعاية سهما فسهما ما منها إلا ما شوهد مصيبا، والصلاة على سيدنا محمد الذي أحمد الله له سرى في صلاح الخلائق وتأويبا- فإنه لمّا كان من سجايا الدولة القاهرة النظر في الجزئيّات والكلّيّات من أمور الأمّة، وتجاوز ذلك إلى رعاية أهل الذمّة؛ لا سيّما من سبقت وصية سيد المرسلين عليهم من القبط الذين شرّفهم رسول الله- ﷺ بوصلته منهم بأمّ «١» إبراهيم ولده ﵇، وقبول هديّتهم التي أبقت لهم مزيّة على ممرّ الأيّام؛ وكانوا لا بدّ لهم من بطريك يحفظ سوامهم، ويضبط خواصّهم وعوامّهم، ويجمع شمل رهبانهم، ويراعي مصالح أديانهم، ويحرّر أمور أعيادهم ومواسمهم في كل كنيس، ويدعو للدولة القاهرة في كل تقديس، وتجعل له الخيرة في ضبط أمور البيع والدّيرة واختيار الأساقفة والكهّان، وحفظ النواميس المسيحيّة في كل قربان؛ ولا يصلح لذلك إلا من هو بتول، وكلّ خاشع عامل ناصب يستحقّ بذلك أنّ هذا الأمر إليه يؤول. ولما كان البطريرك فلان هو المجمع على صلاحيته للبطركية على شعبه، والتقدمة على أبناء المعموديّة من شيعته وصحبه، لما له من علم في دينه، ومعرفة بقوانينه، وضبط لأفانينه، وعقل يمنعه عن التظاهر بما ينافي العهود، ويلافي الأمر المعهود- اقتضى جميل الاختيار أنه رسم بالأمر الشريف- لا برح يضع كلّ شيء في موضعه من الاستحقاق، ويبالغ في الإرفاد لأهل الملل والإرفاق- أن يباشر بطركيّة جماعة اليعاقبة بالديار المصريّة، على عادة من تقدّمه في هذه الرتبة، ومن ارتقى قبله إلى هذه الهضبة.

стр. 5463

فليباشر أمر هذه الطائفة، وليجعل معونته بهم طائفة، وليضبط أمورهم أحسن ضبط وأجمله، وأتمّه وأكمله، وليأخذهم بما يلزمهم من القيام بالوظائف المعروفة، والعهود المألوفة، وليلزمهم بما يلزمهم شرعا من كفّ عن تظاهر ممنوع، أو تعاطي محذور منكور الشرور والشروع، أو تنكّب عن طريق الاستقامة، وكما أنّهم عدلوا عن الإسلام لا يعدلون عن السّلامة. وأمّا أمور الدّيرة والكنائس فأمرها إليك مردود، فاجر فيها على المعهود، وأقم فيها عنك من يحسن النّيابة، ومن يجمل الإنابة، ومن يستجلب الدعاء لهذه الدولة القاهرة في كل قدّاس، ويعدّد التقدّس والأنفاس؛ وعلى رهبان الأديرة للمساجد والجوامع وظائف لا تمنع ولا تؤخّر، ولا تحوج أحدا منهم أنّه بها يذكّر؛ وليشرط على أهلها أنهم لا يأوون طليعة الكفّار، ولا من يحصل منه إلا خير وإلا يحصل الإضرار، وليأمرهم بحسن الجوار، والقيام بما هو موظّف عليهم للمسلمين السّفار وغير السّفّار؛ هذه نبذة من الوصايا مقنعة، ولو وسّع القول لكان ذا سعة؛ وفي البطريرك من النّباهة ما يلهمه الصّواب، والله يجعل حسن الظنّ به لا ارتياء فيه ولا ارتياب، بمنّه وكرمه!، والاعتماد...... الخ. وهذه نسخة توقيع لبطرك اليعاقبة، وهي: أما بعد حمد الله الذي خصّ كلّ ملّة منّا بمنّة، وأقام بأوامرنا على كلّ طائفة من نرضاه فنحقّق بإحساننا ظّنّه، وجعل من شيمنا الشريفة الوصية بأهل الكتاب عملا بالسّنّة، والشهادة بوحدانيّة التي نتّخذ بينها وبين الشّكّ والشّرك من قوّة الإيمان جنّة، وندّخر أجورها فنسمو بها يوم العرض «١» إلى أعلى غرف الجنّة، والصلاة والسلام على نبيّه محمد أكرم من أرسله إلى الأمم فأنال كلّا من البرايا يمنه، وأعظم من بعثه فشرع الدين الحنيف وسنّه، وعلى آله وأصحابه الذين لم

стр. 5464

تزل قلوب المؤمنين بهم مطمئنة- فإنّ لدولتنا القاهرة العوارف الحسان، والشّيم الكريمة والعطايا والإحسان، والفواضل التي للآمال منها ما يربي عليها ويزيد، والمآثر التي بحر برّها الوافر المديد، ولكل ملّة من نعمها نوال جزيل، ولكلّ فرقة من مواهبها جانب يقتضي التخويل ولا يقضي بالتحويل، ولكلّ طائفة من يمنها ومنّها منائح طائفة بمزيد التنويل، ولكل أناس من معدلتها نصيب يشمل الملل، وعادة معروف تواترت مع أنها خالصة من السّامة والملل، سجيّة سخية بنا شرفت، ومزيّة مرويّة منّا ألفت؛ وإنّ من أهل الكتاب لطائفة كثرت بأبوابنا الشريفة عددا، واستصفت من مناهل جودنا موردا، وانتظمت في سلك رعايانا فأضحى سبب فضلنا لها مؤكّدا، وكانت الملّة المسيحية، والفرقة اليعقوبيّة، لا بدّ لها بعد موت بطريكها من إقامة غيره، وتقديم من يرتضى بفعله وقوله وسيره، لتقتدي به في عقد أمورها وحلّها، وتحريمها وتحليلها ووصلها وفصلها، وتهتدي به في معتقدها، وتركن إلى ما يذكره من مجموع أحكام الإنجيل ومفردها، وينتصب للفصل بين خصومها بما يقتضيه عرفانه، ويظهر لأهل ملّته بيانه، حتّى لا تجد في أمر دينها إلا ما تريده، وبما نديمه لها من استمرار الهدنة تبدي دعاءها وتعيده، فإنّ سيدنا محمدا ﷺ أمرنا أن نستوصي بأهل الكتاب خيرا، ونحن نسلك من اتّباع شريعته المطهّرة ما نحسن فيه- إن شاء الله- سيرة يسيرة وسيرا. ولما كانت الحضرة السامية، الشيخ، الرئيس المبجّل، المكرّم، الفاضل، الكافي، الثّقة، عماد بني المعموديّة، كنز الطائفة الصليبيّه، اختيار الملوك والسلاطين، فلان- أطال الله بقاءه، وأدام على أهل طائفته ارتقاءه،- ممن اتفق على شكره أبناء جنسه، واستوجب أن يرقى إلى هذه الرّتبة بنفسه، واشتهر بمعرفة أحوال فرقه، وهجر الأهل والوطن في تهذيب خلقه، وحرّم في مدّة عمره النكاح، وسار في المهامه والقفار وساح، وأضحى خميص «١» البطن

стр. 5465

خاوي الوفاض، قد ترك الطيّبات وهجر التّنعّم وارتاض؛ واعتمد في قوله على الإله، وسأل الرّبّ أن يبلّغه في أهل ملّته ما تمنّاه. فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يجمع الفرق على الدعاء لأيّامه الشريفة، ويديم للأقربين موادّ مواهبه المألوفة- أن يقدّم الشيخ فلان على الملّة النصرانية اليعقوبيّة، ويكون بطريركا عليها على عادة من تقدّمه، ومستقرّ قاعدته، بالديار المصريّة والثّغور المحروسة، والجهات التي عادته بها، إلى آخر وقت، [فليتولّ ذلك] «١» سالكا من طرق النزاهة ما يجب، فاصلا بين النصارى بأحكام دينه التي لا تخفى عنه ولا تحتجب، مالكا أزمّة كل أسقفّ [وقومس] «٢» ومطران، مرجّحا بين القدّيس والقسّيس والشّمّاس والرّهبان، لتصبح أحكام كبيرهم وصغيرهم به منوطة، ومواريثهم مقسومة بشرعته التي هي لديهم مبسوطة، ويقف كلّ منهم عند تحريمه وتحليله، ولا يخرج في شرعتهم عن فعله وقوله ولا يقدّم منهم إلا من رضي بتأهيله؛ وليأمر كلّ قاص منهم ودان، ومن يتعبّد بالدّيرة والصّوامع من الرجال والنّسوان، برفع الأدعية بدوام دولتنا القاهرة التي أسدت لهم هذا الإحسان، ويلزم كلّا منهم بأن لا يحدث حادثا، ويكرم نزل من قدم عليه راحلا أو لابثا؛ فإن هذه الولاية قد آلت إليه، وهو أدرب بما تنطوي شروطها عليه، والله تعالى يجعل البهجة [لديه] «٣» مقيمة [والنعمة عليه مستديمة] «٤» ؛ والخطّ الشريف أعلاه، حجة بموجبه وبمقتضاه، إن شاء الله تعالى.

стр. 5466

وهذه وصية لبطرك اليعاقبة أوردها في «التعريف» قال: ويقال في وصيّة بطرك اليعاقبة مثل ما في وصيّة بطرك الملكيّه، إلا فيما ينبّه عليه. ويسقط منه قولنا: «واعلم بأنّك في المدخل إلى شريعتك طريق إلى الباب» إذ كان لا يدين بطاعة الباب «١» الذي هو رأس الملكانيّين، وإنما هو رأس اليعاقبة نظيره للملكانيّين، ويقال مكان هذه الكلمة «واعلم بأنك في المدخل إلى شريعتك قسيم الباب وأنتما سواء في الأتباع، ومتساويان فإنّه لا يزداد مصراع على مصراع» . ويسقط منه قولنا: «وليتجنّب البحر «٢» وإيّاه من اقتحامه فإنّه يغرق» وثانية هذه الكلمة إذا كان ملك اليعاقبة مغلغلا [في الجنوب] «٣» ولا بحر، ويبدل بقولنا: «وليتجنّب ما لعلّه ينوب، وليتوقّ ما يأتيه سرّا «٤» من تلقاء الحبشة حتّى إذا قدر فلا يشمّ أنفاس الجنوب؛ وليعلم أنّ تلك المادّة وإن كثرت مقصّرة، ولا يحفل بسؤدد السّودان فإنّ الله جعل آلة الليل مظلمة وآية النهار مبصرة» ثم يختم بالوصية بالتقوى كما تقدّم، ونحو هذا والله أعلم. النوع الثاني (ما هو خارج عن حاضرتي مصر والقاهرة: من وظائف الديار المصريّة مما يكتب لأربابها. وهي ثلاث جهات) الجهة الأولى (ثغر الإسكندريّة، والوظائف فيها على ثلاثة أصناف) الصنف الأوّل (وظائف أرباب السّيوف وبها وظيفة واحدة وهي النّيابة) وقد تقدّم في الكلام على ترتيب وظائف الديار المصرية أنّها كانت أوّلا

стр. 5467

ولاية، إلى أن طرقها الفرنج في سنة سبع وستّين وسبعمائة، فاستقرّت من حينئذ نيابة، يكتب لنائبها تقليد في قطع الثلثين ب «الجناب العالي» مع الدّعاء بمضاعفة النّعمة. وهذه نسخة تقليد بنيابة ثغر الإسكندريّة: الحمد لله على نعم باسمة الثّغر، مسفرة الفجر، رافعة القدر. نحمده حمدا يشرح الصّدر، ويطلع طلوع البدر، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تحالف من يحالفها، وتخالف من يخالفها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ رابط في سبيل الله وجاهد، وكابد في الجهاد أعداء الدّين وكايد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين خاضوا في غمرات الدّجى كلّ غمر؛ وندبوا لحماية الدّين [فكانوا ليوم] «١» كريهة وسداد ثغر. أمّا بعد، فإنّ الاهتمام بالثّغور هو أولى ما إليه حمد، وعلى مصالحها اعتمد؛ وكان ثغر الإسكندريّة المحروس هو المفترّ عن أحسن الثّنايا، والمخصوص من الحياطة بأتمّ المزايا، والذي كم شفت «٢» شفاهه من سقم عند ارتشاف، والذي المثاغر به والمرابط كم له بالحسنات من ائتلاف، وكانت المصلحة تقتضي أن لا يختار له إلا كلّ كامل الأوصاف، كافل بما تستدعيه مصلحة أهله من إنصاف، ذو عزم يمضي والسّهام مستودعة في الكنائن، ويقضي بالعدل المزيل للشّوائب والشّوائن، ومن له حزم يسدّ ثغر المعايب دون كلّ ملاحظ ومعاين، وله سياسة تحفظ بمثلها الثّغور، وتصان الأمور، وله بشاشة تستجلب النّفور، وتوفّق ما بين الألسنة من أولي الودّ والصّدور، وله حياطة بينما يقال: هذا جانبه دمث إذ يقال: هذا جانبه صعب ممتنع، وبينما يقال ليقظته للمصلحة: هذا سحاب [جهام] «٣» إذ يقال هذا سيل مندفع.

стр. 5468

ولما كان فلان هو مستوعب هذه الصّفات، ومستودع هذه الأسماء والسّمات، وإليه بهذه المناقب يشار، وهو ساحب أذيال هذا الفخار- اقتضى حسن الرأي الشريف أن تفوّض إليه السلطنة الشريفة بثغر الإسكندرية المحروس، تفويضا يمضي في مصالحه لسانه وقلمه، ويصرّف بين الأوامر والنّواهي إشاراته وكلمه، ويزيّن مواكبه بطلعته، ويزيد مهابته ببعد صيته واشتهار سمعته. فليباشر هذه الوظيفة مجمّلا مواكبها، مكمّلا مراتبها، موثّلا «١» بقواعد الأمن أرجاءها وجوانبها، ناشرا لواء العدل على عوالمها، قابضا بالإنصاف لمظلوم رعيّتها على يد ظالمها، معليا منار الشرع الشريف بمعاضدة حكّامه والانقياد إلى أحكامه، والوقوف في كل أمر مع نقضه وإبرامه، وليحرس جوانب هذا الثغر ويحميها، وليصن عوارضه وما فيها ومن فيها، وليكلأه برّا وبحرا، وليرخ عليه من ذبّه «٢» سترا فسترا، ولينجح لسافرته «٣» طلبا، وليبلّغهم من العدل والإحسان أربا، ويجمل معاملة من وجد منهم في سفره نصبا، واتخذ سبيله في البحر عجبا. والرعيّة فهم طراز الممالك، وعنوان العمارة الذي من شاهده في هذا الثغر علم ما وراء ذلك؛ وأحسن إليهم وارأف بهم، وبلّغهم من عدل هذه الدولة غاية أربهم؛ وأمور الخمس والديوان فلها قواعد مستقرّة، وقوانين مستمرّة؛ فاسلك منها جددا واضحا؛ وابتغ لها علما لائحا؛ وغير ذلك فلا يكاد على فهمك يخفى، من تقوى الله التي بها تكفّ عين المضارّ وتكفى؛ والله تعالى يلهمك صوابا، ولا يجعل بين حجاك وبين المصالح حجابا، بمنّه وكرمه!.

стр. 5469

الصنف الثاني (من الوظائف التي يكتب بها بثغر الإسكندرية- الوظائف الدينية، وكلها تواقيع، وفيها مرتبتان) المرتبة الأولى «١» (ما يكتب منها في قطع الثلث ب «الساميّ» بالياء، وفيها وظائف) الوظيفة الأولى (القضاء) وهو الآن مختصّ بالمالكيّة، وقاضيها يتحدّث في نفس المدينة وظاهرها، ليس له ولاية فيما هو خارج عنها. وهذه نسخة توقيع بقضاء ثغر الإسكندريّة المالكيّ، كتب به للشيخ «وجيه الدين محمد بن عبد المعطي الإسكندريّ المالكيّ» وهي: الحمد لله رافع قدر من نوّه العلم بذكره، ونوّر التّقى مواقع فكره، ونبّه الورع على رفعة قدره، وأشرق به منصب الحكم العزيز إشراق الأفق بطلوع بدره، وأضاءت بنور أحكامه غوامض القضايا الشرعيّة إضاءة الدّجى بغرّة فجره، وقضى له دوام الإصابة في الاجتهاد بإحراز أجريه إذا كان أحد قسمي الاجتهاد مقتضيا لأجره، ومليء صدره بأنواع العلوم الدينية فوسّع له الشرع الشريف صدر مجلسه وأعدّ له مجلس صدره، وزخر من خاطره بحر العلم فارتوت رياض الخواطر بأنوار فرائد درّه وأسفر وجه الدين بنور علمه وعمله: فقام هذا مقام السّرور في أساريره وناب هذا مناب الشّنب «٢» في ثغره. نحمده حمدا يزيد قدر النّعم تنويها، ويسوّغ في المحامد تعظيما لمسدي

стр. 5470

المنّة وتنزيها، وينهض بشكر التوفيق في اختصاص منصب الحكم بمن كان عند الله وجيها. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تفترّ ثغور الإسلام بإدامتها، وتبنى قواعد الإيمان على إقامتها، وتشيم بوارق النصر على جاحدها من أثناء غمامتها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أنارت الآفاق بملّته، ودارت أداة التشبيه بين أنبياء بني إسرائيل وعلماء أمّته، وضاهى شرعه شمس الظهيرة في وضوح أحكامه وظهور أدلّته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين عملوا بما علموا، وجاهدوا أعداء الله فما ضعفوا لذلك ولا ألموا، وقضوا بالحق بين أمّته فلا المقضيّ لهم أثموا ولا المقضيّ عليهم ظلموا، صلاة لا تزال لها الأرض مسجدا، ولا يبرح ذكرها متهما في الآفاق ومنجدا، وسلم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّ أولى من قلّد الحكم وإن نأى به الورع عن توقّعه، وخطب للقضاء وإن أعرض به الزّهد عن طلابه وتتبّعه، ودعي إليه إذ الإجابة عليه متعيّنة، ووضعت مقاليده بحكم الاستحقاق [في يديه] «١» إذ أولويّته البيّنة لا تحتاج إلى بيّنة- من عقدت على تعيّنه لهذا المنصب الجليل الخناصر، ودعت إلى استدعائه إليه فضائله الثابتة القواعد وزهادته الزاكية الأواصر، ودلّت عليه علومه دلالة الأضواء، على لوامع الشّهب، ونبّهت عليه فنونه تنبيه الأنواء، على مواقع السّحب، وشهد بورعه المتين، تفقّهه واعتزاله، وأنبأ عن نهوضه بنصرة الدين، قوّة جداله الذي هو جلاد مثله ونزاله، وتبحّر في أنواع العلوم حتّى جاوز البحر بمثله ولكنّه العذب الزّلال، وشغل نفسه بالتنوّع في الفنون فكان التحلّي بعبادة الله ثمرة ذلك الاشتغال، ومشى على قدم الأئمة العلماء من أسلافه فلم يشقّ في ذلك المضمار غباره، ونشأ على طريقة العلم والعمل: فنهاره بالانقطاع إليه ليله وليله بالاشتغال بهما نهاره.

стр. 5471

ولما كان فلان هو الذي خطبته هذه الرتبة السنيّة لنفسها، وتشوّقت إلى الإضاءة بطلوعه في أفقها تشوّق المطالع إلى الإضاءة بطلوع شمسها، وأثنى لسان القلم على فضائله وهو يعتذر من الاختصار، واقتصرت البلاغة على اليسير من التعريض بوصفه وطالب ما لا يحصر معذور في الاقتصاد والاقتصار، وعيّن لما تعيّن عليه من مصالح الأمة وذلك يقضي لمثله من أهل الورع أن يجيب، وطلب لعموم مصالح الإسلام التي ما ينبغي لمثله من أنصار السّنّة أن يتأخّر عن مثلها أو يغيب، وكان ثغر الإسكندرية المحروس من المعاقل التي يفترّ عن شنب النصر ثغرها، ومن أركان الدين التي يغصّ بأبطالها بحرها، وهي مأوى صلحاء «١» الجهاد الذين سهام ليلهم «٢» أسبق إلى العدا من سهامهم، وموطن العلماء من أهل الاجتهاد الذين يعدل دم الشهداء مداد أقلامهم؛ وهي داره التي تزهى به نواحيها، وموطن رباطه الذي يوم وليلة منه في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نخصّ منصب حكمها بعالم أفقها المنير، وزاهد ثغرها الذي ما شام برقه بصر عدوّ إلا وانقلب اليه خاسئا وهو حسير، وأن نفوّض إليه منصب القضاء والحكم العزيز بثغر الإسكندريّة المحروس، على قاعدة من تقدّمه فيه، نظرا في عموم ذلك الثغر [المحروس به] «٣» إلى من انعقد إجماع أئمة عصره ومصره على سعة علمه ووفور ورعه وكمال فضله. فليباشر هذا المنصب الذي ملاك أمره العلم والتّقى، ونظام حكمه العدل والورع وهما أكمل ما به يرتقى، وليحكم بما أراه الله من قواعد مذهبه المحكمة، وأحكام إمامه التي هي بمصالح الدّين والدنيا محكّمة، وليقض بأقوال إمام دار الهجرة التي منها صدرت السنّة إلى الآفاق، وعنها أخذت ذخائر العلم التي تزكو على كثرة الإنفاق، وبها حمى الأحكام الدينية موطّأ الأكناف، وفيها

стр. 5472

استقام عمود الملّة ممدود الطّرف على سائر الأطراف، فليل من ذلك وغيره جميع ما كان يليه من تقدّمه، وتقتضيه قواعد ولايته التي أمضينا فيه لسانه وقلمه. فأمّا ما يدخل تحت هذا الإجمال من آداب القضاء وقواعده، وأدواته وعوائده: من تخصيص الحكم بأوقاته، ومساواته بين الخصمين في إنصافه وإنصاته، واجتناب الحكم في الأوقات المقتضية لتركه، وتوقّي نقض الأحكام التي نظمها عدم مخالفة النص والإجماع في سلكه، فإنه مكتف بالإجمال عن تفصيلها، مكتف عن ذكر كثيرها بالإيماء إلى قليلها، إذ هو أدرى بأوضاعها شرعا وعرفا، وأدرب بما قد يشذّ منها عن ألمعيّته أو يخفى، وملاك الوصايا تقوى الله تعالى وهي من خصائص نفسه، وفواتح ما ابتدأ الورع بإتقان درسه، والله تعالى يؤيد حكمه، ويعلي علمه، بمنّه وكرمه! والاعتماد [على الخطّ الشريف أعلاه] إن شاء الله تعالى. واعلم أنه كان فيما تقدّم قد وليها قاض شافعيّ. وهذه نسخة توقيع بقضائها، كتب به للقاضي «علم الدين الإخنائي» الشافعي، في ثامن شعبان سنة ثلاثين وسبعمائة، وهي: الحمد لله الذي رفع لنا في كل ثغر علما، وأجرى لنا في جوار كلّ بحر ما يضاهيه كرما، وجعل من حكّام دولتنا الشريفة من يعرف بنسبه الإسنائي «١» بل السّنائي أنه يمحو من الظّلم ظلما. نحمده على أن زادنا نعما، ووفّر للأحكام الشرعيّة بنا قسما، وأغلى قيما، فأضحت تنافس الدّرّ الثمين قيما، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نجرّد لإقامتها سيفا وقلما، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي جعل

стр. 5473

الله له شريعة ماذيّة «١» ودينا قيما، ونصب من أئمة أتباعه كلّ علم يهدي أمما، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة باقية ما بقيت الأرض والسّما، وسلّم تسليما. وبعد، فإنّ أولى الثّغور بأن لا يزال به علم مرفوع، وعلم مصون حجابه الممنوع، وعمل يمشي به أئمة الأمة على طريقه المشروع، ثغر الإسكندرية- حماها الله تعالى- فإنها من دار الملك في أعزّ مقام، ومن مجاورة البحر في موطن جهاد تخفق به الأعلام، وغالب من فيها إما فقيه يتمسّك بالشريعة الشريفة في علوّ علومه، أو ربّ مال له وقوف بمجلس الحكم العزيز ينتصف من خصام خصومه؛ ولم تزل وظيفة القضاء بها آهلة الصدور، كاملة البدور، متهلّلة بما لا يفوت الشّنب كبارق الجزع «٢» إذا حكى إيماض الثّغور؛ وكان لها مدّة قد خلت ونحن نفكّر فيمن يكون سدادا لثغرها، وكافيا فيما يهمّ في الأحكام الشرعية من أمرها، وكافلا من الحق الذي أمر الله به بما يقي النفوس، وقائما في مدارسها بما يزيد معالمها إشادة في الدروس، حتّى أجمعت آراؤنا الشريفة على من يحسن عليه الإجماع وتحسم به دواعي النّزاع، ويحسد علمه علم الشمس لما علا عنها من كرة الارتفاع، ومن يتضوّع بنشر العدل في يمنى كفّه القلم، وإذا وقفت به الركائب قالت: يا ساري القصد هذا البان والعلم؛ وكان المجلس الساميّ القضائيّ العلميّ الإسنائي الشافعي، أدام الله علوّه هو العلم المنشور، والعلم المشهور، والمراد بما تقدّم من وصف مشكور، فاقتضت مراسمنا المطاعة أن تناط به من الأحكام الشرعية القضايا، وأن يبسم هذا الثغر بحكمه عن واضح الثّنايا. فلذلك رسم بالأمر الشريف، العاليّ المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ،

стр. 5474

الناصريّ: زاده الله شرفا، وضاعف له تصرّفا- أن يفوّض إليه القضاء بمدينة إسكندرية- حماها الله تعالى- على عادة من تقدّمه وقاعدته المستقرّة إلى آخر وقت، على أنه يستنيب عنه في تحمّله وفيما شاء منه من هو موصوف بصفته، موثوق بدينه وعلمه ومعرفته؛ ولينتصب في مجلس الحكم العزيز لمن ينتصف، وليعمل بما يرضينا من مراضي الله تعالى فإنّ للعيون أن تنظر وللألسنة أن تصف، ولينظر في أمر الشهود فإنّ الأحكام الشرعية على شهادتهم تبنى، وليحترز من الوكلاء فإنّ منهم من يجعل الظنّ يقينا واليقين ظنّا، ولينظر في أمور الأيتام ويتصرّف في أموالهم بالحسنى، وليقم الحدود، على مقتضى مذهبه، وليعوّل في العقود، على من لا يخاف معه امرؤ على إلحاق في نسبه، وغير هذا مما إليه مرجعه، وإليه ينتهي مفترقه ومجتمعه وبحكمه يفصل أمره أجمعه، وليتخذ الله تعالى عليه رقيبا، ويعلم أنه سيرى كلّ ما يعمله عند الله قريبا؛ وتقوى الله هي التي نتخذ معه عليها عهدا مسؤولا ورجاء مأمولا، وقولا عند الله وملائكته وأنبيائه مقبولا، ونقلّده منها على كل مخالف سيفا مسلولا، ونحن نرغب إلى الله أن يوفّقه في حكمه، ويعينه على كل ما يملى من الوصايا بما هو مليّ به من عمله وعلمه، والخط الشريف أعلاه، حجة فيه. قلت: وكان قد استحدث بالإسكندرية قاض حنفيّ في الدولة الأشرفية «شعبان بن حسين» يولّى من الأبواب السلطانية رفيقا للقاضي المالكيّ بها، يتحدّث في الأحكام في القضايا بمذهبه خاصّة، وأمر مودع الأيتام ونظر الأوقاف، وغير ذلك من متعلّقات قضاء القضاة مختصّ بالمالكي، ثم صارت بعد ذلك تارة يولّى بها حنفيّ كذلك، وتارة تشغر منه. فإن وليها حنفيّ، كتب له في قطع الثّلث كما يكتب للقاضي المالكيّ، وليس بها الآن شافعيّ إلا نائبا عن المالكيّ، ولا حنبليّ بها أصلا.

стр. 5475

الوظيفة الثانية (الحسبة بثغر الإسكندرية) ومحتسبها يمضي تحدّثه فيما يختص به قاضيها، وليس له نوّاب فيما هو خارج عن ذلك من البلاد. وهذه نسخة توقيع بالحسبة بثغر الإسكندرية. الحمد لله الذي جعل المناصب في أيّامنا الزاهرة محفوظة في أكفائها، مضمونة لمن تقاضت [له] «١» من الإقبال ر [دّ] «٢» جفائها، معدوقة في مالها إلى من زانها بمعرفته الحسنة [وحسن بهائها، مخصوصة] «٣» بمن دلّت كفاءته وكفايته على أنه أولى بتقرّبها وأحقّ باصطفائها. أحمده على نعمه التي لم تخيّب في إحساننا أملا، ولم تضيّع سعي من أحسن [العمل] «٤» في مصالح دولتنا إنّ الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة هي أشرف ما فاه به اللّسان، وأفضل ما تعبّد به الإنسان، وأرفع ما ملكت به في الدنيا والآخرة عظام الرّتب الحسان، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أحلّ الطيّبات وأباحها، وأزال الشّبهات وأزاحها، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين تمسّكوا بأحكامه، ووقفوا مع ما شرع لهم من حلال دينه وحرامه، وحافظوا على العمل بسنّته بعده محافظتهم عليها في أيّامه، صلاة يتوقّد سراجها، ويتأكّد بها انتساق السنّة وانتساجها، وسلم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّ أولى من رجع فيه حقّ منصبه إلى نصابه، وردّ به واجب رتبته إلى من جعلته سوابق سيرته أولى به، وتقاضت له سيرته عواطف كرمنا، ونهضت نزاهته باستطلاع ما غاب عنه من عوارفنا ونعمنا، وأغنته أوصافه عن تجديد ثناء يستعاد به برّنا القديم، ويستدام له به فضلنا العميم، وتستدرّ به

стр. 5476

أخلاف كرمنا الذي تساوى في عمومه الظاعن والمقيم- من زان التقى أوصافه، وكمّلت العفّة معرفته وإنصافه، وتولّت الديانة نظره فيما عدق به من مصالح الرعايا خصوصا وعموما، وتكفلت الخبرة من اعتباره لأمور الأقوات بأن جعل لكل منها في الجودة حدّا معلوما، وباشر ما فوّض إليه فجمع بين رضا الله تعالى ورضا خلقه، وعوّل عليه في حسبة أعزّ الثغور لدينا فتصبح الرعايا فيما بسط لهم من رزقه. ولما كان فلان هو الذي أضاءت أوصافه وهل تنكر الإضاءة للسّراج، وتشوّفت إليه رتبته فلم يكن لها إلّا إليه ملاذ وإلا عليه معاج، فسلك من السّير أرضاها لربّه، ومن الأحوال أجمعها لأمن عاقبته وسلامة غبّه «١» ، ومن الاجتهاد في مصالح الرعايا ما يضاعف شكره على احتسابه، ومن الخيرة ما يعرّف كلّا ... «٢» ... فليستمرّ في ذلك على عادته التي ناضلت عنه فأصابت، وقاعدته التي دعت له عواطف نعمنا فأجابت، وليزد في التحذير والتحقيق ما استطاع، ويناقش حتى يستقرّ على الصحة فيما يباع أو يبتاع، ويقابل على الغشّ بما يردع متعاطيه، ويزجر صانع الأعمال الفاسدة عن استدامتها ومن يوافقه على ذلك ويواطيه، ويثمّر أموال الأحباس بملاحظة أصولها، والمحافظة على ريعها ومحصولها، وإمضاء مصارفها على شروط واقفيها إن علمت ومزية «٣» ما قدّم من شكره والثناء عليه؛ وملاك ذلك جميعه تقوى الله تعالى وهي أخصّ ما قدّم من أوصافه، والرّفق بالرّعايا وإنّه من أحسن حلى معرفته وإنصافه، والخير يكون إن شاء الله تعالى.

стр. 5477

الوظيفة الثالثة (نظر الصادر) وموضوعها التحدّث في قدر مقرّر يؤخذ من تجّار الفرنج الواردين إلى الإسكندرية، وعليه مرتّبات لناس مخصوصين من أهل العلم والصلاح، ينفق عليهم بمقادير معلومة من متحصّل هذه الجهة. وهذه نسخة توقيع بنظر الصادر والوارد، أنشأته عن السلطان الملك الناصر «فرج بن الظاهر برقوق» للقاضي ناصر الدين «محمد الطّناحي» إمام المقام الشريف السلطانيّ، في منتصف شهر صفر سنة أربع وثمانمائة «١» ، وهي: الحمد لله الذي جعل من سلطاننا الناصر لأخصّ وليّ أعزّ ناصر، وخصّه من فائض كرمنا المتتابع ومنّنا المترادف بأكرم وارد وأبرّ صادر، وبوّأه من فضلنا المنيف أفضل مبوّأ: فتارة تأتمّ به الملوك وتارة يخطب الكافّة على رؤوس المنابر. نحمده على أن جعلنا نتّبع في الولايات نهج الصّواب ونقتفيه، وآثرنا من أثرة الأبوة بأعلى مواقع الاجتباء والولد سرّ أبيه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي أذلّ طغاة الكفر بقمع آناف كبرائهم، وألزمهم الصّغار بمال يؤخذ من أقوياء أغنيائهم فيفرّق في ضعفاء المسلمين وفقرائهم، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي ندب إلى مبرّة أهل الفضل وذويه، ورغّب في رعاية المودّة للآباء بقوله: «إنّ من أبرّ البرّ برّ الرجل أهل ودّ أبيه» صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين عدقت بهم مهمّات فقاموا بحقّها، ووكلت إليهم جلائل الولايات، فأحرزوا بجميل التأثير قصب سبقها، صلاة يبقى على مدى الأيام

стр. 5478

حكمها، ولا يتغيّر على مرّ الزمان رسمها، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإن من كريم سجايانا التي جبلنا عليها، وشريف شيمنا التي يجذبنا طيب العنصر إليها، أن نخصّ أخصّ الأولياء بأسنى الولايات، ونتحف أصفى الأصفياء بنهاية غيره في البدايات، ونرفع قدر من لم يزل ظهره للملوك محرابا، وننوّه بذكر من رغبت فيه الوظائف فعدلت إليه عن سواه إضرابا. وكان المجلس الساميّ، القاضويّ، العالميّ، العامليّ، الفاضليّ، الكامليّ، البارعيّ، البليغيّ، الماجديّ، الأوحديّ، الأثيريّ، الأثيليّ، العريقيّ، الأصيليّ، الخطيبيّ، الناصريّ، مجد الإسلام، بهاء الأنام، شرف الرؤساء، أوحد الكبراء، صدر الأعيان، جمال الخطباء، جلال النّظّار، صفوة الملوك والسلاطين، أبو عبد الله محمد، ابن المجلس الساميّ، الجماليّ، المرحوم عبد الله الطّناحي، إمام المقام الشريف: أدام الله تعالى رفعته- قد طالت في المخالصة قدمته، ووفرت من صدق الموالاة قسمته، فرفع على الابتداء خبره، ونصب على [المدح] «١» تقدّمه فحمد في الاختيار أثره؛ وكانت وظيفتا نظر الصادر وخطابة الجامع الغربيّ بثغر الإسكندرية المحروس- حرسه الله تعالى وحماه وصان من طروق العدوّ المخذول حماه- من أرفع الوظائف قدرا، وأميزها رتبة وأعلاها ذكرا- اقتضى حسن الرأي الشريف أن نسند ولايتهما إليه، ونعتمد في القيام بمصالحهما عليه. فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت آراؤه مسدّدة، ونعمه على الأولياء في كلّ حين مجدّدة- أن يستقرّ المشار إليه في الوظيفتين المذكورتين عوضا عمن كانتا بيده، بما لهما من المعلوم، ويفسح له في الاستنابة على عادة من تقدّمه في ذلك: استنادا إلى أمانته التي بلغت به من العفّة منتهاها، وكفايته التي عجز المتكلّفون عن الوصول إلى مداها، وفصاحته التي أعجزت ببراعتها

стр. 5479

الخطباء الأماثل، وبلاغته التي قضت بالعيّ على قسّ إياد وحكمت بالفهاهة «١» على سحبان وائل. فليتلقّ ما أسند إليه بيده الطّولى وباعه المديد، وليقابل هذه النعمة الحفيلة بالشّكر فإنّ الشكر مستلزم للمزيد، عالما أنّ نظر الصادر يقدّمه أهل الثغر على عامّة الوظائف ما دقّ منها وما جلّ، ويتبرّك المرتّبون عليه بما يأخذونه من راتبه وإن قلّ؛ فليحسن النظر فيه وردا وصدرا، ويميّز ريعه بحسن النظر فيه حتّى يقول المعاند: ما أحسن هذا نظرا! والجامع الغربيّ فهو أجلّ جوامع الثغر الإسكندريّ قدرا، وأعظمها في الأقطار صيتا وأسيرها في الآفاق ذكرا، يحضر الجمعة فيه أهل الشّرق والغرب، ويلمّ بخطبته سكّان الوهاد والهضب؛ فليرق منبره رقيّ من خطبه المنبر لخطبته، وعلم علوّ مقامه فقابله بعلوّ رتبته؛ ويشنّف الأسماع بوعظه، ويشج القلوب بلفظه، ويحيي العقول بتذكيره، ويبك العيون بتحذيره، وليعد للجامع ما تعوّده من الإسعاد، ويجدّد ما درس من معالم خطابته حتّى يقال: هذا ابن المنيّر «٢» قد عاد؛ وعماد الوصايا تقوى الله فهي ملاك الأمور كلّها، وعليها مدار أحوال الدّنيا والآخرة في عقدها وحلّها؛ وهاتان مقدّمتا خير فليكن لنتيجتهما يرتقب، ولا يقطع بالوقوف معهما رجاءه «فأوّل الغيث قطر ثم ينسكب» والاعتماد على الخط الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه، حجة فيه بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.

стр. 5480

الصنف الثالث (من الوظائف التي يكتب بها بثغر الإسكندريّة المحروس، الوظائف الدّيوانية، وهي على طبقتين) الطبقة الأولى (من يكتب له في قطع الثلث ب «المجلس الساميّ» بالياء وهو ناظر المباشرة بها، وعنه يعبّر بناظر الإسكندرية، دون ناظر الأصل «١» المقدّم ذكره في جملة الوظائف الديوانية بالحضرة) وموضوع هذه الوظيفة التحدّث في الأموال السلطانية بالإسكندريّة مما يتحصّل من المأخوذ من تجار الفرنج، وسائر المتاجر الواصلة برّا وبحرا بالقبض والصّرف والحمل إلى الأبواب السلطانية. وهذه نسخة توقيع بنظر ثغر الإسكندرية، كتب به للقاضي «جمال الدين ابن بصّاصة» وهي «٢» : الحمد لله الذي أضحك الثّغور بعد عبوسها، وردّ إليها جمالها وأنار أفقها بطلوع شموسها، وأحيا معالم الخير فيها وقد كادت أن تشرف على دروسها، وأقام لمصالح الأمّة من يشرق وجه الحق ببياض آرائه، وتلتذّ الأسماع بتلاوة أوصافه الجميلة وأنبائه. نحمده حمد من أسبغت عليه النّعماء، وتهادت إليه الآلاء، وخطبته لنفسها العلياء، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ترفع قدر قائلها وتعليه، وتعزّ جانب منتحلها وتدنيه، وأن محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ رابط وجاهد، وأكرم رسول جنح للسّلم بأمر ربّه فهادن وعاهد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وأشياعه وحزبه.

стр. 5481

وبعد، فأحقّ من ماس في أردية الرياسة عطفا، واستجلى وجوه السعادة من حجب عزّها فأبدت له جمالا ولطفا؛ واصطفته الدولة القاهرة لمهمّاتها لمّا رأته خير كافل، وتنقّل في مراتبها السنيّة تنقّل النيّرين في المنازل «١» . ولما كان فلان أدام الله رفعته ممن أشارت إليه هذه المناقب الجليلة، وصارت له إلى كل سؤال نعم الوسيلة، رسم بالأمر الشريف- لا زال...... أن يستقرّ في نظر ثغر الإسكندرية المحروس ويباشر هذا المنصب المبارك بعزماته الماضية، وهممه العالية، برأي لا يساهم فيه ولا يشارك: ليصبح هذا الثغر بمباشرته باسما حاليا، وتعود بهجته له بجميل نظره ثانيا، وينتصب لتدبير أحواله على عادته، ويقرّر قواعده بعالي همّته، ويجتهد في تحصيل أمواله وتحصين ذخائره، واستخراج زكاته وتنمية متاجره، ومعاملة التّجار الواردين إليه بالعدل الذي كانوا ألفوه منه، والرّفق الذي نقلوا أخباره السارّة عنه؛ فإنهم هدايا البحور، ودوالبة الثغور، ومن ألسنتهم يطّلع على ما تجنّه الصدور، وإذا بذر لهم حبّ الإحسان نشروا له أجنحة مراكبهم كالطّيور؛ وليعتمد معهم ما تضمّنته المراسيم الشريفة المستمرّة الحكم إلى آخر وقت، ولا يسلك معهم حالة توجب لهم القلق والتّظلّم والمقت، وليواصل بالحمول إلى بيت المال المعمور، وليملأ الخزائن السلطانية من مستعملات الثغر وأمتعته وأصنافه بكل ما تستغني به عن الواصل في البرور والبحور، وليصرف همّته العالية إلى تدبير أحوال [المتاجر بهذا الثغر بحيث ترتفع رؤوس أموالها وتنمي، وتجود سحائب فوائدها وتهمي، وليراع أحوال] «٢» المستخدمين في مباشراتهم، ويكشف عن باطن سيرهم في جهاتهم، ليتحقّقوا أنه مهيمن عليهم، وناظر بعين الرأفة إليهم؛ فتنكفّ يد الخائن منهم عن الخيانة، وتتحلّى أنامل الأمين بمحاسن الصّيانة؛ وليطالع بالمتجدّدات في الثغر المحروس، ليرد الجواب عليه منا بما يشرح

стр. 5482

الصّدور [ويطيّب النفوس] وليتناول من المعلوم على ذلك في غرّة كل شهر ما يشهد به الديوان المعمور؛ والله تعالى يتولّاه ويعضّده، ويؤيده ويسدّده، بمنّه وكرمه!. قلت: وربما كتب لناظرها توقيع مفتتح ب «أما بعد حمد الله» في قطع الثلث. وهذه نسخة توقيع بنظر ثغر الإسكندرية، وهي: أما بعد حمد الله مفيض حلل إنعامنا على من أخلص في طاعتنا الشريفة قلبه ولسانه، ومولي فضل آلائنا العميمة على من أرهف في مصالحنا عزمه وبنانه، ومحلّي رتب عليائنا الشريفة بمن أشرق في سماء المعالي بدره وإنسانه، وأينعت في غصون الأمانيّ قطوفه وأفنانه، ومبلّغ أقصى غاية المجد في أيامنا الزاهرة بمن تبتسم بجميل نظره الثغور، وتعتصم بحميد خبره وخبرته الأمور، وتشرق من جميل تدبيره البدور، وتعتمد على هممه الأيام والدهور، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الهادي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، والناشر لواء العدل بسننه الواضح وشرعه القويم، والمنجز لمن اقتفى سبله أوفى تكريم، وأوفر حظّ عظيم، وعلى آله وأصحابه ما اهتدى بهديهم ذوو البصائر والأبصار، وارتدى بأرديتهم المعلمة مقتفي الآثار- فإنّ أولى من أسندنا إلى نظره الجميل رتبة عزّ ما زالت طيور الآمال عليها تحوم، وعدقنا بتدبيره الجليل منصب سيادة ما برحت الأمانيّ له تروم، واعتمدنا على همّته العلية فصدّق الخبر الخبر، وركنّا إلى حميد رأيه فشهد السمع وأدّى النظر «١» . ولما كان فلان هو الذي اتّسق في ذروة هذه المعالي، وانتظم به عقد هذه

стр. 5483

اللّآلي، وحوى بفضيلة اللسان والبيان ما لم تدركه المرهفات والعوالي؛ فما حل ذروة عزّ إلا وحلّاها بنظره الجليل، ولا رقي رتبة سيادة إلا وأسفر في ذروتها وجه صبحه الجميل، ولا عدق بنظره كفاية رتبة إلا وكان لها خير كفيل. فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال ينتصي «١» للرتب العلية خير منجد وممير «٢» ، ويمتطي للمناصب السنيّة نعم المولى ونعم النصير- أن يستقرّ ... ... فإنه القويّ الأمين، والمتمسّك من تقوى الله تعالى ومراقبته بالسبب المتين، والمستند بجميل كفايته، وحميد ديانته، إلى حصن حصين، والمستذري «٣» بأصالته وإصابته إلى الجنّة الواقية والحرم الأمين؛ فليقدّم خيرة الله تعالى في مباشرة الوظيفة المذكورة بعزم لا ينبو، وهمّة لا تخبو، وتدبير يتضاعف على ممرّ الأيام ويربو، ونظر لا يعزب عن مباشرته فيه مثقال ذرّة إلا وهي من خاطره في قرار مكين، وضبط لا تمتدّ معه يد لامس [إليها] «٤» إلا ويجد من مرهفه ما يكفّ كفّها عن الخيانة بالحقّ المبين، وليضاعف همّته في مصالح هذه الجهة التي عدقناها بنظره السعيد، وليوفّر عزمته فإن الحازم من ألقى السمع وهو شهيد؛ والوصايا كثيرة ومثله لا يدلّ عليها، والتنبيهات واضحة وهو- وفقه الله- أهدى أن يرشد إليها؛ والله تعالى يوفّقه في القول والعمل، ويصلح بجميل تدبيره وحميد تأتّيه كلّ خلل، بمنّه وكرمه!.

стр. 5484

الطبقة الثانية (من يكتب له في قطع الثلث ب «المجلس السامي» بغير ياء أو «مجلس القاضي» وفيها وظيفتان) الوظيفة الأولى ((كتابة الدّرج) وصاحبها هو الذي يقوم بالإسكندرية مقام كاتب السرّ بالأبواب السلطانية في قراءة المكاتبة على النائب، وكتابة الأجوبة وما يجري مجرى ذلك. وهذه نسخة توقيع من ذلك: رسم بالأمر الشريف- لا زال شاملا فضله، كاملا عدله، هاملا بالإحسان وبله، متّصلا بالجميل حبله، ملاحظا بعين العناية للبيت الزاكي فرعه الطيّب أصله، معليا نجمه إلى أسنى المراتب التي لا ينبغي أن يكون محلّها إلا محلّه- أن يستقرّ فلان في كتابة الدّرج بثغر الإسكندرية المحروس على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته، بالمعلوم الشاهد به الديوان المعمور إلى آخر وقت: لأصالته المعرقة، وغصون نسبه المورقة، وآدابه الجمّة، وفضيلته التي أبدى بها علمه، وكتابته التي حلّت المهارق، وأبدت من الجواهر ما تتمنّى لمسه المفارق، وتذوي لنضارته أزاهر الروض النّضير، وتتفرّد في الحسن فلا تجد لها من نظير، وتبرز كالعقود في أجياد الترائب، وتنشيء كتبا تغني عن الكتائب؛ مع ماله من رآسة أثبتت معاليه، ونفاسة أضحت بجواهرها الأوصاف حالية، وصدارة توالت منه فاستوجب بها مزيد الحسنى المتوالية؛ قد خوّل في كرم الأصل فلا غرو أن أمسى نجيبا، ودعا بديع اللفظ ولطيف المعنى فغدا كلّ منهما لأمره طائعا وبالإذعان مجيبا، وعلا كوكبه فأضحى في الرّفعة بعيدا وإن كان في مرأى العين قريبا، وزكا من أكابره إلى كل فريد في سؤدده، واحد في علاه يفوق الجمع في عدده؛ فهو إنسان عين زمانه، ومالك زمام الإنشاء ومصرّف عنان بنانه، ومبرز الحسنات بسفارته المقبولة وإطلاق بيانه، فلا غرو أن استوجب منّا ما يقضي له

стр. 5485

بالمزيد، واستحقّ باتّباع أصله العالم التقيّ إدراك ما يريد، وتحلّى بمناقبه ومآثره، ونقل عن عفافه ومفاخره. فليستمرّ في ذلك على أجمل عوائده، وأجزل فوائده، سالكا في ذلك طرائقه الحميدة، ومناهجه ومناهج أسلافه السّديدة، مبرزا من خطّه ما يخجل به الطّروس، ويسرّ بمزاياه النفوس، وينظم كالعقود، ويلوح للأبصار حسن رونقه [المشهود] «١» ؛ والله تعالى يجعل إحساننا لدى بيته الكريم مستمرّا، وامتناننا العميم عنده مستقرّا، وثغر العناية به مفترّا، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى. الوظيفة الثانية (نظر دار الطّراز بثغر الإسكندريّة) وهذه نسخة توقيع بذلك، كتب بها لصلاح الدين بن علاء الدّين عليّ بن البرهان، سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، من إنشاء الشريف شهاب الدين كاتب الإنشاء، وهي: رسم بالأمر الشريف- لا زال إيثاره، يكرم من غدا صلاحه لحلّة العلى طرازا، واختياره، يقدّم للمناصب الجليلة من ورث من أبيه نهضة واحترازا- أن يستقر فلان في كذا: لكفايته المعروفة المحقّقة، ودرايته المألوفة بركاتها الموفّرة وحركاتها الموفّقة، وديانته التي منها الأكابر على ثقة، وأمانته التي تعتمد الحقّ مستدعية ومنفقة، وصيانته التي هي للواصل حافظة وعلى الحاصل مشفقة. فليباشر هذه الوظيفة التي كانت في سالف الزمان إلى الحكّام تضاف، وللعلماء الأعلام عليها نظر وإشراف، ومنها يسدل على أوليائنا لباس الإنعام وترسل أجناس الإتحاف، وتسربل الكعبة البيت الحرام في كلّ عام بجلبابها المحكم النّسج المعلم الأطراف، وليصن ذهبها عند صرفه وقبضه، وليزن

стр. 5486

خزّها «١» بتقريب مشوبه وتحرير محضه، وليبن عن حسن التدبير في إبرام حريرها ونقضه، وليستجلب رجالها وصنّاعها، وليجنّب أحوالها ضياعها، وليستجد أصنافها وأنواعها، وليتفقّد أكنافها وبقاعها، حتّى يظهر في أعمالها آثار الصلاح، وتشكر مباشرته التي هي محمودة الانتهاء مسعودة الافتتاح؛ والله يقرن رجاءه بالإرباح، ويؤذن له حيث سلك بإصابة الصواب والفلاح، بمنه وكرمه!. قلت: ودار الطّراز هذه هي التي تعمل فيها المستعملات السلطانية: مما يحمل إلى خزانة الخاصّ الشريف من الأقمشة المختلفة الصّفات: من الحرير والمقترح المخوّص بالذهب، والتّفاصيل المنقوشة بضروب النقوش المختلفة، وغير ذلك من رقيق الكتّان وغيره مما لا يوجد مثله في قطر من أقطار الأرض؛ ومنه «٢» تتّخذ الأقمشة التي يلبسها السلطان وأهل دوره، ومنه تعمل الخلع والتشاريف التي يلبسها أكابر الأمراء وأعيان الدولة وسائر أهل المملكة، ومنه تبعث الهدايا والتّحف إلى ملوك الأقطار. وقد كان يكتب لناظر هذه الدار توقيع عن الأبواب السلطانية خارج عن توقيع ناظر الإسكندرية على ما تقدّم ذكره. أما الآن فقد صار ذلك تحت نظر ناظر الإسكندرية يتحدّث فيه كما يتحدّث في سائر أمورها، ومرجع الكلّ إلى ناظر الخاصّ بالأبواب السلطانية. الجهة الثانية (مما هو خارج عن حاضرتي مصر والقاهرة بالديار المصرية- بلاد الرّيف) والمراد بالرّيف في أصل اللغة موضع المياه والزّرع. وقد تقدّم أنّ ريف الديار المصريّة وجهان:

стр. 5487

الوجه الأوّل (الوجه القبلي، وهو المعبّر عنه بالصّعيد) وقد تقدّم في المقالة الثانية في الكلام على المسالك والممالك أنّه ينقسم إلى صعيد أعلى، وصعيد أسفل. وقد كانت ولايته العامّة في الزمن المتقدّم يعبّر عن صاحبها ب «والي الولاة بالوجه القبليّ» ثم استقرّت نيابة سلطنة على حدّ تقدمة العسكر بغزّة في رتبة المكاتبة، في الأيّام الظاهرية «برقوق» وهي على ذلك إلى الآن، ونائبها يكتب له تقليد بنيابة السلطنة بها في قطع النصف. وهذه نسخة تقليد شريف من ذلك، من إنشاء الشريف «شهاب الدين» كاتب الإنشاء، وهي: الحمد لله الذي رحم بتعاهد نظرنا البلاد والعباد، وحسم بموارد زواجرنا موادّ الفساد، وأحمد في هذا الوجه لنا الآثار ووطّأ بنا المهاد، وأفرد آراءنا بجميع المصالح على الجمع والإفراد، وأولى بنا الرعية الخير في استرعاء من يبذل في صيانتهم الاجتهاد، وأعلى بنا كلمة العدل فهي تنشر وتذاع وأوهى بنا كلمة الظّلم فهي تقهر وتذاد، وأجلى بانتقامنا فئة الضلال فلها عن ملكنا الشريف اندفاع وانطراد «١» . نحمده على أن قرن بآرائنا السّداد، ونشكره على أن ضمّن اصطفاءنا حسن الارتياد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تقوم حجّتها، يوم يقوم الأشهاد، وتدوم بهجتها، علما للإرشاد، ونشهد أنّ سيد البشر محمدا عبده ورسوله الذي فضل العالم وساد، وأجزل المكارم وجاد، وهدى بشرعه من حاد، وأردى بردعه من حادّ، وأجرى بجوده النفع حيث كان وأبدى ببأسه القمع لمن كاد، وأخمد بأسيافه الباطل فباد، وجعل لأنف مخالفه الإرغام ولجيش مجانفه «٢» الإرعاد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأنجاب الأنجاد، صلاة

стр. 5488

لها تضاعف وتعداد، وبفتكاتهم للنوائب إخماد، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد فإنّ الله تعالى لما أعلى هممنا وأصعدها، ووفّى عزائمنا من النصر موعدها، وأسعف بملكنا الرعية وأسعدها، وضاعف بنا لديهم النّعمة وجدّدها، وأوضح بنا سبل المعدلة وجدّدها، وأنجح بسلطاننا آمال الخليقة وأنجدها- لم نخل من ملاحظتنا أدنى الأقطار ولا أبعدها، ولم نغفل من ممالكنا ناحية إلا نحاها فضلنا وقصدها فأقرّ بها الصالحات وخلّدها، وأثرّ بها المسامحات «١» وأبّدها، ونصر الشريعة وأيّدها، وسدّ الذّريعة بأفعال حزم سدّدها، ووطّن أهلها ووطّدها، وأورد من بها موارد الأمن لما وردها. ولما واجه إقبالنا في هذه الأيّام الوجه القبليّ، وصعد إلى الصعيد الأعلى ركابنا العليّ، لمحنا بلاده وتعدّدها، وتعيّن ملاحظته وتأكّدها، وكثرة السّلّاك لسبله، والملّاك لخوله «٢» ، والورّاد لنهله، والوفّاد من قبله؛ وهو منهج التّجار في التوجه من أبوابنا الشريفة والجواز، وباب اليمن والحجاز؛ وفي الحقيقة هذا المجاز يتعين له الحفظ وفيه الاحتراز، وبه كراسيّ منها السّيارة تمتار وعلى سواها من البلاد تمتاز، وبه مراكز ولاة ينفرد كلّ منها عن الآخر وينحاز، وهي: إطفيح، والبهنسى، والأشمونين، ومنفلوط، وسيوط، وإخميم، وقوص. وهذه الأقاليم مجتمعة متفرّقة، وحدود بعضها ببعض متعلّقة، وبها إقطاعات مقدّمي الألوف والطّبلخاناه والمماليك والحلقة، وإليها تردّد الرّكّاضة «٣» والمرتزقة، وربّما أخاف المفسدون من بعضها سبله وقطع طرقه، فاتّهم البريّ، وسلم الجريّ، ولبّس على من هو عن الخيانة عريّ؛ فرأينا أن ننصب بهذه الأقاليم

стр. 5489

والي ولاة يجوس بنفسه خلالها، ويدوس بخيله سهلها وجبالها، ويفجأ [مفسديها، ويبغت معتديها] «١» ، ويخمد نفاقها، ويحمد وفاقها، وينصف ضعافها، ويذهب خلافها، ويزيل شكواها، ويكفّ عدواها، ويصلح فسادها، ويوضّح سدادها، ويوصّل حقوقها، ويستأصل عقوقها، ويواصل طروقها، ويقابل بالعقاب فسوقها، ويمنع باهتمامه أهواءها، ويشفي بحسامه أدواءها. ولما كان المجلس الساميّ، الأميريّ، الحساميّ هو الذي عرف أحوالها وخبرها، وولي من أقاليمها ما علم به مصالحها واعتبرها، وعهدت منه الأمانة والكفاية، وتحقّقت نهضته في كل عمل ويقظته في كل ولاية- اقتضى حسن الرأي الشريف أن تفوّض إليه نيابة السلطنة الشريفة بهذه الأعمال المذكورة والأقاليم كلّها، وأن ينتضي فيها حسامه الذي ينبغي أن يرتضى وينتضى لمثلها، وأن يحلّ محلّه إذ اخترناه لأعلى رتب الولاة وأجلّها، وأن نصل أسباب النعمة لديه بهذه النعم التي كلّ ولاية فرع لأصلها. فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت أيامه الشريفة تخصّ الرتب العلية بأهلها، وتشمل ذوي الاهتمام بإحسانها وفضلها- أن يفوّض إلى المشار إليه ولاية الولاة بالوجه القبليّ. فليباشر ذلك بهمّة تمضي في البلاد عزائمها، ونهضة تسير إلى دانيها وقاصيها صوارمها، وشهامة يدهش المتمردين قادمها، ويفقد موادّ الفساد من حسامها حاسمها. ونحن نرسم له بأمور يلازمها، ونوصيه بوصايا يداومها؛ أن يكون بتقوى الله تعالى عاملا، وللنّصح باذلا، وللشريعة معظّما، ولمراقبة الله تعالى مقدّما، وللحقّ متّبعا، وإلى الخير مسرعا، وللمؤمنين مؤمّنا، وللمنافقين موهّنا، وللرّعايا موطّنا، وللنزّاهة مظهرا ومبطنا، وعن الأبرياء كافّا، وعن الأتقياء عافّا، وعن

стр. 5490

الأموال منزّها، وإلى ما يصلح الأعمال من صالح الأعمال «١» موجّها، وليغد في الأمور متثبّتا، ولذوي الفجور مشتّتا، ولسماع حجج الخصوم منصتا، ولا يجعل لحلوله الأقاليم حينا مؤقّتا، بل يدخل المدينة على حين غفلة من أهلها، وليبغت بحلوله هذه النواحي ليعلم ما هم عليه من ترك الفواحش أو فعلها، وليقم بكل جهة من يعلمه بما يحتاج إلى علمه، ويبكّر له بما يفتقر أهل البلاد إلى السّتر عنه وكتمه، وليلحظ المحارس والأدراك «٢» ، وليجعل لكل شارد من بطشه أسرع إدراك- وقد رسمنا لولاة الأعمال المذكورة ومن فيها من نوّاب الأمراء والمشايخ بهذه الصورة وأن لا يجيروا مفسدا ولا يؤوه، ولا ينزلوا خائنا ولا يحووه، ولا يستروا مختفيا ولا يخبوه، ولا يحلّوا نازحا ولا يوطّنوه، بل يحضروه ولا يؤخّروه، ويمسكوه ولا يتركوه، ويسلموه ولا يحموه؛ ومن خالف هذا المرسوم، أو اعتمد غير هذه الرّسوم، فهو لنفسه ظلوم، وقد برئت منه الذّمة، وزالت عنه الحرمة، وزلّت قدمه، وذهب ماله ودمه؛ وقرئت مراسيمنا بذلك هنالك على منابر الجوامع، وسمعها كلّ سامع، وهم لك على امتثال أوامرنا مساعدون، وعلى اجتناب نواهينا معاضدون، وللإصلاح ما استطاعوا مريدون وقاصدون؛ فلا تمكّن أحدا من العربان ولا من الفلّاحين أن يركب فرسا، فإنما يعدّها للخيانة مختلسا، ولا يكون لها مرتبطا ولا محتسبا؛ وكن لهم ملاقيا مراقبا، فمن فعل ذلك فانتقم منه بما رسمنا معاقبا؛ ولا تمكّنهم من حمل السلاح ولا ابتياعه، ولا استعارته ولا استيداعه، وتفقّد من بالأقاليم من تجّاره وصنّاعه؛ فخذ بالقيمة ما عند التجّار، واقمع بذلك نفس الفجّار، وأضرم نار العذاب على من أضرم لعمل ذلك النار؛ وأمر كلّ فئتين متعاديتين بالمصالحة، وأكفف بذلك يد المكافحة، وحلّف بعضهم لبعض بعد تحليف أكابرهم لنا

стр. 5491

على السّيرة الحميدة والنّيّة الصالحة، وخذهم في الجنايات بالعدل والمشاححة «١» ، وفي المطالبات بالرّفق إن لم تكن مسامحة، واحملهم على محجّة الحق الأبلج والشريعة الواضحة. وإذا رفعت إليك شكوى فأزلها، أو سئلت إقالة عثرة لذي هيئة فأقلها، أو وجب حدّ فأقمه لحينه، أو ارتبت في أمر فتروّ حتّى تهتدي ليقينه، ولا تعتقل إلا من أجرم جرما يوجب الاعتقال والحبس، ولا تسرع إلى ما تخشى فيه اللّبس، واعمل على براءة الذّمّة، واجهد أن لا يكون أمرك عليك غمّة، ولا ترجّح للهوى على خصم خصمه، ولا تظلمه فإنّ الظّلم ظلمة، وخف نقمة الله فهي أعظم نقمة، ولا تأخذك على البريء غلظة ولا قسوة كما لا ينبغي أن تأخذك في الجريء رأفة ولا رحمة؛ والله تعالى يرفع لك بالطاعة رتبا، وينجح لك بالخدمة طلبا، ويبلّغ بك في الإصلاح أربا، ويردّ بك أمر كل مفسد مخيّبا، ويوضح لك من الهداية مغيّبا، وينزل بك من الخيرات صيّبا؛ والخطّ الشريف أعلاه حجة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى. وهذه نسخة تقليد بنيابة السلطنة بالوجه القبليّ أيضا، من إنشاء الشريف شهاب الدين، كتب به «لعلاء الدين المرادي» وهي: الحمد لله الذي جعل إقبالنا مسفر الوجوه، ونوالنا مبلّغا كلّا من الأولياء ما يؤمّله من القرب من أبوابنا الشريفة ويرجوه، وإفضالنا يوفّر أقسام النّعم لمن وفّر دواعيه على طاعتنا فلا يزال استحقاقه يعيّنه ويدعوه، وإجمالنا ينجز وعود التقديم لمن تعدّدت خدمه فلا يتجاوزه التكريم ولا يعدوه. نحمده على أن جعل إنعامنا يهب الجزيل ويحبوه، ونشكره على أن أقامنا نحقّ الحق فنرفعه فيدمغ الباطل ويعلوه.

стр. 5492

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة هي خير ما ينطق به الإنسان ويفوه، لا يبرح اللسان يكرّر إخلاصها ويتلوه، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي رفع الله ببعثته عن هذه الأمة كلّ مكروه، وحمى بشرعته الدين الحنيف فلا يلمّ به التبديل ولا يعروه، وأفاض ببركاته في كل وجه ما يوسع الخير ويدرّه ويمنع الشّر ويذروه، صلى الله عليه وعلى آله الذين هم عترته وأقربوه، وصحبه الذين استمعوا قوله واتّبعوه، صلاة لا يزال وافدها يتبع سبيل الإجابة ويقفوه، ويصل إلى محل القبول ولا يجفوه، وسلّم تسليما كثيرا. أما بعد، فإنّ الله تعالى لما قرن آراءنا بالسّداد، وأحسن بنا النظر في صلاح البلاد ومصالح العباد، لم نزل نرفع أقدار المخلصين بمزيّة الاختيار والارتياد، ونجمعهم في صعيد الإحسان ونحلّهم رتب الإصعاد، وندني منهم من له تامّ اهتمام وشادّ اجتهاد، ونميز منهم من حسن حالا بالجمع والإفراد. والولاية على الولاة بالوجه القبليّ من أهم ما يلمح، وأعمّ ما يختار له من للحق ينصر وللخلق ينصح؛ إذ بهذا الوجه عيون البلدان، ووجوه العربان، وكراسيّ الأقاليم الحسان، ومراكز الولايات التي تحلّ دائرة السّوء بأهل العدوان، وإقطاعات الجند والأمراء، والخواصّ الشريفة التي على عمارتها إجماع الآراء، وعليه تتردّد التّجّار، وإليه بالميزة يشار، ومنه تتعدّد المنافع فيتعيّن أن ندفع عنه المضارّ، ونلقي أموره لمن ينتقى حزمه وعزمه ويختار. ولمّا كان فلان هو الذي له ولايات اقتضت تقديمه، وسبقت منه سوابق خدم أجزلت تكريمه، وما زال في الشام عليّ الهمّة حسن الشّيمة، وطهّر البرّ من كل فاجر، ورأى أن التّقوى أربح المتاجر، وأعذب للرعية من المعدلة الموارد فصدر من أبوابنا إلى أحمد المصادر- اقتضى حسن الرأي الشريف أن نجعل له من إقبالنا النصيب الوافر، فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا برح يزيد الأقدار علاء ويظهرها من تكريمه في أحسن المظاهر- أن تفوّض إليه نيابة السلطنة الشريفة بالوجه القبلّي وجميع نواحيه، على عادة من تقدّمه في ذلك

стр. 5493

ومستقرّ قاعدته إلى آخر وقت. فليتلقّ هذه الولاية المباركة بقبول حسن، وليوقظ جفن سيفه الذي لم يعرف الوسن، وليتّق الله ربّه في السّرّ والعلن، وليحكم بما شرع الله وسنّ، وليجتهد في إحماد العواقب وإخماد الفتن، ليسكن من تردّد إليها أو سكن. وليلاحظ هذه الأقاليم بعزائمه السّيّارة، وليحافظ على سلوك سيرته السارة، وليستطلع من كل بلد أخباره، ويتتبّع من كل وال آثاره؛ وإن رأى منكرا أزاله، أو وجد مبطلا أذاله أو حقّا أداله؛ وليعظّم أحكام الشرع وحكامه، وليجعله إمامه ليسعى نوره أمامه، وليطالعنا بما تتعيّن فيه المطالعة، ويراجع أوامرنا فيما تجب فيه المراجعة، وليستجلب لأيامنا الأدعية النافعة، وليباشر بنفسه الأمور التي هي له راجعة، وليراع في القضايا المصلحة الجامعة، ولتكن حمايته للمؤمنين واقية وفتكته بالمجرمين واقعة، وليسع الرعايا بالمعدلة الواسعة، ويمنع المجترئين بالأخذة الرابية والهيبة الرادعة، ولا يمكّن أحدا من العربان بجميع الوجه القبليّ أن يركب فرسا ولا يقتنيه، ويكف بذلك الأيدي المعتدية فإنّ المصلحة لمنعهم من ركوبها مقتضية، وليقم الحرمة والمهابة، وليدم قيامه في الخدمة وانتصابه، وليرهف حدّ عزمه ويمضيه، ويجرّد سيف الانتقام على المفسدين وينتضيه؛ ومن وجده من العربان خالف المرسوم الشريف من منعه من ركوب الخيل كائنا من كان ضرب عنقه، وأرهقه من البطش بما أرهقه: ليرتدع به أمثاله، ولا يتّسع لأحد في الشرّ مجاله. وقد كتبنا إلى سائر ولاة الأقاليم بمساعدته، وأمرناهم بمعاونته ومعاضدته، وأكّدنا عليهم في المبادرة إلى ما يراه من جميع الأمور من غير تهاون ولا تقصير ولا فتور، حتّى لا تفوت مصلحة عن وقتها، ولا تزال جموع المعتدين معاجلة بكبتها؛ وقد حذّرنا العربان من مخالفة ما رسمنا بالتعرّض لما يوجب هلاك نفوسهم، وقطع رؤوسهم. وليقرأ هذا المرسوم الشريف على المنابر بجميع نواحي الوجه القبلي لتمتثل مراسمه، ويتلقّى بالقبول قادمه، وليقفوا عنده، ويقفوا رشده، ويرهبوا من

стр. 5494

الشرّ وعيده ويستنجزوا من الخير وعده؛ وهو- بحمد الله- ما برح مهذّبا، وبأكمل الآداب مؤدّبا، وبما يفعله إلى رضا الله تعالى ورضانا مقرّبا؛ والله تعالى يجعله مختارا مجتبى، ويوزعه شكر منحنا الذي أجزل له الحبا، وخصّ به هذا العمل الجليل فضاعف خصبه واهتزّ وربا، ويطلعه مباركا ميمونا حيث حلّ قيل له: مرحبا، ويصعد به هذه الرتبة ويهبه توفيقا مستصحبا، ويمهّد به الطرق للسالكين حتّى يتلو عليه لسان التأمين: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً* «١» ؛ والخطّ الشريف أعلاه، حجة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى. وهذه نسخة تقليد شريف بنيابته أيضا، من إنشاء المقرّ الشهابيّ بن فضل الله، وهي: الحمد لله مطلق التصرّف فيما كان ممنوعا، ومنطق المتصرّف ليكون قوله الصواب مسموعا، وموسّع نطاق المصرف في جميع ما تعيّن أن يكون له مجموعا. نحمده حمدا يعذب ينبوعا، وينبت بمزيد الشكر زروعا، ويدرّ ضروعا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تتفرّع فروعا، وتسكّن جموعا وتسكّت جموعا، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أقوى لأهل الطّغيان ربوعا، وأجرى لعيون الزّرد عليهم دموعا، وأغرى القسيّ بالحنين إليهم وروعا، وأسقط على لبّاتهم «٢» طيور السّهام وقوعا، ومهّد البلاد بقتلاهم فآمن من خاف وأطعم من تشكّى جوعا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تعمّ درع الفجر بشفقها المخلّق صدوعا، وسلم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّه لا يستقيم نجاح الأمور، ويستدام صلاح الجمهور، إلا بتفقّد

стр. 5495

أحوال ولاتهم، وتعهّد سلوك الرعايا مع رعاتهم، وردّ مجموع كلّ عمل إلى من لا يبيت طرفه في مصالحهم مملوءا من الوسن، ولا يقرّ له في التنقّل في مهماتهم جواد في رسن، ولا تهدأ سيوفه في الأغماد ما برقت بارقة فتن، ولا يشرب الماء إلا ممزوجا بدم ولا يبيت [إلا] «١» على دمن؛ وكانت الديار المصرية المحروسة أحوج شيء إلى هذا الموصوف، وأكثر اضطرارا إلى ما تشام له في صلاح رعاياها لوامع سيوف؛ والوجه القبليّ بها هو الجامع ما يزيد على السّبعة الأقاليم، الحائز من أهل الحضر والبادية لكلّ ظاعن ومقيم؛ قد امتدّ حتّى كاد لا ينتهي إلى آخر، ولا يلتهي بما يكنفه من برّ مقفر وبحر زاخر، قد جاور بالأودية العميقة الحوت في الماء وجاوره في السماء برفعة الجبال، وتطاول حتّى اتصل طرفاه الجنوبيّ بالجنوب والشّماليّ بالشّمال، وحوت مجاريه من النيل المبارك ما مدّ الرّزق الممتدّ، وأمدّ المدّ المبيضّ على عنبرة ثراها المسودّ؛ وهو الوجه الذي تعرف في كوثر نيله نضرة النّعيم، ويبهر حسنا من أوّل قطرة تقع من مرآه الجميل على وسيم، قد حال فيه الماء محمرّا كأنما يشرب ندى ورد الخدود، وحلا كأنما ضرب الضّرب «٢» في لمى ريقه المورود، وكان لا ينهض بأعبائه، ويردّ بالغيظ متقرّحة عيون رقبائه، ويمنع كلّ منسر منسر يحذر أن ينتهب وذيل «٣» خبائه، إلا من تقدّمت له درب يتعلّم في جليل الخطوب من مضائها السّيف المذرّب، ويقتدي في دقيق التلطّف بسياستها القلم المجرّب؛ وكان فلان هو الذي تتهادى كفايته الأعمال، ويتعادى نفعه والسّحب فلا يدرى لمن منهما التروّي ولمن الارتجال؛ وقد ولي الأعمال البهنساويّة وهي في هذا الوجه الجميل أبهج صورة، وأبهى فيما تكثر منافعه المشهورة، فأضحى المغلّ في

стр. 5496

بيادره يتبادر، والإقبال يتكاثر إقباله والمحل يتنازر، ومزدرعاتها تعرف سيماها في وجوهها من أثر سجود الليل كزرع أخرج شطأه «١» فاستازر، فاقتضى حسن رأينا الشريف أن نطلق تصرّفه فيما جاوره من الأعمال، وأن نشغل له يمينا باليمين وشمالا بالشّمال. فخرج الأمر الشريف العالي- لا زال يؤيّد عزّ الدين ظهورا، ويتمّ له في أعماله نورا- أن يكون فلان كاشفا» ووالي الولاة بالوجه القبليّ بأجمعه: معطّله ومزدرعه، وبرّه وبحره، وعامره وقفره، وأهل حضره وباديته، وأصحاب زرعه وماشيته، على عادة من تقدّمه وقاعدته في ذلك، ليأمن المقيم والسالك، ويجمع على الطاعة من قبله هنالك، وينتظم عقد عقائدهم المتهالك، ويقوي الله أجره، والشرع الشريف يكون نهيه وأمره، والحكّام والأحكام هما ما هما فليحفظ زمامهما، ولينفّذ إلى الأغراض سهامهما، وليوصّل الحقوق إلى أربابها، ويسهّل المطالب على طلّابها، ولينصف إنصافا لا يشتكى معه حيف، وليقم المهابة حتّى لا يقدر على التعدّي طارق طيف، وليجرّد عزائمه فإنّ من العزائم ما هو أمضى من السّيف، وليحسن قرى النّيل القادم في كل قرية فإنّه ضيف. فعليك بما نأمرك به من تعبئة صفوف الجسور لأمداده، والاستعداد لمجرّ عوالي صواريه ومجرى جياده؛ وتفقّد قبل قدومه طريقه، واترك عن ريّ البلاد تعويقه، وأقم الجسور، فهي قيام الجسور، واحفر التّراع «٣» فإنها تراعى، وأسفر له عن عرائس قراها المجلوّة وجوها كلّما قسن له إصبعا يقيس ذراعا،

стр. 5497

واقطع بإيصال حقّ كلّ ناحية إليها من الماء منازعة الخصوم، ونبّئهم أنّ الماء قسمة بينهم لكلّ منهم شرب يوم معلوم، ولا تدع [به أحدا] «١» من أهل المفاسد، ومن جرت لهم بسوابق الفتن عوائد، ومن يتعزّز بربّ جاه، ومن لا «٢» يكون له إلى حماية اتّجاه، ومن خرج بوجهه للشرّ مصرّحا، أو لباب عقاب مستفتحا، أو وقف على درب أو قطع طريق، أو توعّد أهل رفاق أو أهل فريق، أو أقدم على ضرر أحد في نفس أو مال، أو خشيت له عاقبة في بداية أو مال، أو نزل في بلد أمير ليتغطّى بجناحه، أو ترامى إلى عصبة يحمل منهم حدّ سلاحه؛ فسلّ عليهم سيفك الماضي، وأحسن إلى الناس إذا خشيت أن تسيء إليهم التقاضي؛ ومن أمسكته منهم فأمض حكم الله فيهم، وأقم الحدود على متعدّيهم، وطهّر الأرض بماء السّيوف من أنجاسهم، وعلّق منهم أناسا بحبل الوريد إلى مدارج أنفاسهم، واصلب منهم على الجذوع من تناوح الرياح بسعفهم، وأوثق منهم بالسّلاسل والأغلال من لا تقتضي جرائمهم إيصالهم في المقابلة إلى حدّ تلفهم، وأكرم قدوم من يرد عليك من الكارم «٣» ، وقرّر بحسن تلقّيك أنك أوّل ما قدّمناه لهم من المكارم، فهم سمّار كلّ نادي، ورفاق كلّ ملّاح وحادي؛ ولا بدّ أن يتحدّث السّمّار، وتتداول بينهم الأسمار؛ فاجعل شكرنا دأب ألسنتهم، ومننا حلية أعناقهم، ومنحنا سببا لاستجلاب رفاقهم؛ فهم من موادّ الإرفاق، وجوادّ ما يحمل من طرف الآفاق؛ وقد بقي من بقايا أهل العقائد الفاسدة، والمعاقد البائدة، من يتعيّن إقعاد قائمهم، والتيقّظ لمتيقّظهم والنوم عن نائمهم. ونحن ننبّهك على هذه الدّقائق، ونوقفك على أطرافها ولك رأيك إذا حقّت الحقائق؛ وطالع أبوابنا العالية بما أشكل عليك، تتنزّل أنوار هدانا أقرب من رجع نفسك إليك، وأقدر حقّ هذه النّعمة فإنّنا أوليناك منها ما لا يضاهى، وولّيناك من بلادنا قبلة

стр. 5498

ترضاها، وتولّيناك حيث وجّهت وجهك شطر المسجد الحرام، ونوّعت لك أرواح الحجاز وأنت في مصر وريفها العامّ؛ والله تعالى يديم منك سيفا يروع مهزّه، ويؤيّد بك الدّين فإنه بك يقوم جاهه ويدوم عزّه؛ والاعتماد على الخط الشريف أعلاه، إن شاء الله تعالى. الوجه الثاني (من وجهي الديار المصرية البحريّ، وهو الشّماليّ) وكانوا في الزمن القديم يخصّونه باسم الرّيف، مثل اختصاص الوجه القبليّ بالصعيد. وأرباب الولايات فيه على ضربين «١» : الضرب الأوّل (أرباب السيوف) وتختصّ الكتابة منهم الآن عن الأبواب السّلطانية بنائب السلطنة بالوجه البحريّ، ومقرّه مدينة دمنهور من البحيرة. وكان في الزمن المتقدّم يكتفى في البحيرة بواليها، وكذلك في كلّ من سائر الأعمال بالوجه البحريّ، وفوق الكلّ ولاية عامّة، يعبّر عن صاحبها بوالي الولاة، وربما [زيد] «٢» بالوجه البحريّ، وربّما عبّر عنه بالكاشف. ثم استقرّت نيابة في رتبة تقدمة العسكر بغزّة في أيام الظاهر برقوق، على ما تقدّم ذكره في المسالك والممالك في المقالة الثانية. وهذه نسخة تقليد تصلح لنائب الوجه البحريّ، مما كان كتب به المقرّ الشهابيّ بن فضل الله لوالي الولاة بها، وهي: الحمد لله الذي أقام بنا كاشفا لكلّ شكوى، كاسفا بال كلّ عدوى، عارفا

стр. 5499

بنهاية كلّ دعوى، عاطفا بعدلنا إلى إزاحة كل لأوى «١» ، وإزالة كلّ بلوى. نحمده وهو أهل الحمد والتّقوى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نأمن بها الدانية والقصوى، ونؤمن بها على السّرّ والنّجوى، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أشرف من مهّد له جنّة المأوى، وأشرف به على شرف المثوى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين فطم بشريعته نفوسهم عمّا تهوى، وفطر فطنهم عليها حتّى لا تضلّ ولا تغوى، صلاة ترتوي بفائضها السّحب ما تروى، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد فإن من سجايا أيّامنا أن نكشف كلّ كرب، ونحسن إلى رعايا بلادنا إحسانا ينوّع في كلّ ضرب، ونديم الأمن حتّى لا ندع سوى النّيل قاطع طريق أو خارجا على درب، ونجرّد من المهابة سيفا يخشى من قربه، وطيفا يبيت به طير الكرا متململا على جنبه، وخوفا لبابه من الخصائص المحمّدية أنه يتقدّم إلى قلوب الأعداء مسيرة شهر [جيش] «٢» رعبه؛ وكانت الديار المصرية المحروسة هي التي لا يحمد سواها ذو وجهين، ولا يوجد لها في جانبيها مماثل في شيئين؛ والوجه البحريّ أوسعهما عرضا، وأقربهما من الرّيّ أرضا، وأصدقهما للبارق المحمرّ ومضا، وأجمعهما للذّهب مذاهب وللفضّة إفضا، وأثبتهما وطأة لمجرى النيل إذا أقبل في تيّاره يتدافع واشتدّت خيله ركضا؛ وهو الوجه المتهلّل بشرا، المتضوّع بطيب رياحه نشرا، المتزيّن بمدائنه أكثر مما زيّنه في مقاصيره قيصر وفي مدائنه كسرى، المتثنّي بعروس كلّ قرية زفّ بها النّيل في مسرى، وبه الثغور التي لا تشام لها بروق، والمحارس التي ما لعادية إليها طروق، وله من البحرين حاجزان، ومن الجانبين برّ مقفر وريف مقمر متبارزان، وفيه من الشّعوب والقبائل في الحضر والبادية من لا يؤمن منه باتره، ولا يخمد بغير ما يراق من دم مفسديهم ثائره. وكان لا يقوم بها «٣» كلّ القيام، ويجمع فرائدها

стр. 5500

المشذّرة في أكمل نظام، إلا من تقلّبت الأمور بقلبه كلّ التقليب، وجرّدت النّوب عزمه في النوائب فجرّدت سيفا يحمد في التجريب، ولم يزل منذ بلغ الحلم أميرا مطاعا، ومندوبا لا يفرق في المهمّات إذا طارت نفوس الأنظار شعاعا، وأوقدت الأسنّة سواعا، وهماما لو أومض البرق ساعة بؤسه لارتعدت فرائصه زمعا «١» لا إزماعا، أو قابله الرّيح المعتدل عند أحكامه لأطبقت الأمم على أنه لا يماثله في العدل قطعا وأجمعت على تفرّده إجماعا. وكان فلان هو العليّ همما، الجزل مداومة الجزيل ديما، المليّ بما لا يقدر على مثل دفعه البحر متدفّقا وهمي الغمام منسجما؛ وقد حمدنا له في كلّ ما باشره أثرا، وأخمدنا بجميل ملاحظته كلّ برّ ضرا، فباشر الوجه القبليّ فملأ عين الناظر المتوسّم، وعمّ سروره حتّى غامزه جاره الوجه البحريّ ببنانه المخضّب وضاحكه بثغره المتبسّم، فلما تنقّل فيهما استقرار (؟) الوجهين وما والاهما، وعرف في وجهه نضرة النعيم بما أولاهما، وأخصب جانباهما، وجدّ بهذا كلّه ثم جدّ بهذا فطاب الواديان كلاهما، فاقتضى حسن الرأي الشريف أن لا يخلو الوجهان معا من نظره الجليّ الجميل، وأن يجلو عليه محاسنهما الكاملة ليفارق على وجه جميل ويواصل على وجه جميل. فخرج الأمر الشريف- لا زال يختار عليّا، ويختال كلّ غمام يرتضي له وليّا- أن يكون والي الولاة بالوجه البحريّ جميعه، متفرّدا بأفراده ومجموعه، ومحكّما في قبائله وجموعه، وبعيده وقريبه، وبديعه وغريبه؛ وكلّ ما هو داخل فيه، عائد إلى أعماله وراجع إلى متوليه، على عادة من تقدّم وقاعدته فيما يليه، وهي ما يذكر من الأعمال: الغربيّة، الشّرقية، البحيرة، المنوفيّة، إبيار، أشمون، قليوب. ولا أمر ولا نهي إلّا إليه راجع، وله في متجدّدات الأمور مراجع، ولا أرباب تصريف إلا وله عليهم تصرّف، ولا صاحب جدّ ولا حدّ إلّا
следующие страницы →