Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.
стр. 5531
وبعد، فإنّ أولى من عظم شانه، وكرم مكانه، وثبت إمكانه، وأنبت في منابت الرماح قلمه الّذي هو ترجمانه، وبسطت في تشييد الممالك يده وأطلق لسانه- من كان علامة العلم، وغدا بالنشاط في كبره فتيّ السّنّ كهل الحلم، الذي فاق جلالة ونسبا، واستعلى همّة وأدبا، وعرف بالديانة الّتي طار صيتها في الآفاق شرقا ومغربا، والهمّة الّتي سواء عليها أحملت قلما أم انتضت قضبا.
ولما كنت أيّها المجلس الفلاني- أدام الله تأييدك، وتسديدك وتمهيدك، وكبت حسودك، وضاعف صعودك- أنت المعنيّ بهذه المآثر، المنضّدة عليك هذه الجواهر، الدالة على مناقبك هذه المفاخر، الذي وجدناك على الانتقاد تزيد استخلاصا، وتعدو على السّبك خلاصا، فلذلك خرج الأمر الشريف أن توزّر، وتحمى موارد آرائك لتستغزر، ويكون لك الحكم في المملكة الشامية عموما، وتتصرّف في معاملاتها مجهولا ومعلوما، على أكمل قواعد الوزراء وأتمها، وأجملها وأعمّها، متصرّفا في الكثير والقليل، والحقير والجليل، تعزل وتولّي من شيت، وتكفي وتستكفي من ارتضيت. ونحن نوصيك بالرّفق الّذي هو أخلق، والعدل الّذي تستدرّ به سحب الأموال وتستغدق، والحقّ فإن كل القضايا به تتعلّق، ويمن السياسة فإن الرياسة بها تكمل وتعدق؛ وإيّاك والغرض الذي هو يهوي بصاحبه، ويرديه في عواقبه؛ واتّق الله الّذي لا تتم الصالحات إلا بتقواه، واحذر أن تكون مع من ضلّ سبيله واتبع هواه؛ والله تعالى ينجح رجاءك ويوضّح منهجك، ويعلي درجك، ويلقّنك إذا خاصمت واختصمت حججك، إن شاء الله تعالى.
الطبقة الثالثة (من يكتب له مرسوم شريف، وهي على مرتبتين)
المرتبة الأولى (من يكتب له في قطع النصف وهو نائب قلعة دمشق)
إن كان مقدّم ألف كما كان أوّلا، كتب له ب «المجلس العالي» . أو
стр. 5532
طبلخاناه كما هو الآن، كتب له ب «السامي» بغير ياء «١» وبالجملة فإنه يكتب له مفتتحا ب «الحمد لله» .
وهذه نسخة مرسوم شريف بنيابة قلعة دمشق المحروسة، من إنشاء المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله ﵀، وهي:
الحمد لله مشرّف القلاع، ومصرّف رجالها في الامتناع، ومعرّف من جادلها أنّ الشّمس عالية الارتفاع.
نحمده حمدا يشنّف الأسماع، ويشرّف الإجماع، وتحلّق في صعوده الملائكة أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها لما بقي من قلاع الكفر الاقتلاع، واستعادة ما قرّ معهم من قرى وضاع من ضياع، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الّذي حمى به درّة الإسلام من الارتضاع، وصان به حوزة الحق أن تضاع، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة دائمة ما أسبل للّيل ذيل وامتدّ للشّمس شعاع، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن للحصون حواضر كما للبلاد، وحواضن تضمّ بقاياها ضمّ الأمّهات للأولاد، ومعاقل يرجع إليها إذا نابت النّوب الشّداد، ومعاقد يعتصم من منعتها بجبال ويتمسك بأطواد؛ وقلعة دمشق المحروسة هي الّتي تفتخر بقايا البقاع «٢» بالاتصال بسببها، والتّمسّك في الشدائد بذيل حسبها؛ لا يهتدى في السلّم والحرب إلا بمنارها، ولا يقتدى في التسليم والامتناع إلا بآثارها، ولا يستقى إلا بما يفيض على السّحب من فيض أمطارها؛ قد ترجّلت لتبارز، وتقدّمت لتناهز، ودلّت بقواها فما احتجبت من سجوف الجبل بحجاب ولا احتجزت من الغمام بحاجز، بل ألقت إلى قرار الماء حجلها «٣» ، وأثبتت في
стр. 5533
مستنقع الموت رجلها، وكشفت للحرب العوان قناعها، وأشعلت أبنيتها من الذهب شعاعها، وأشغلت أفنيتها البروق أن تطاول باعها، أو تحاول ارتفاعها؛ قد جاورت قبّتها الزّرقاء أختها السّماء، وجاوزت بروجها منطقة البروج اعتلاء، وهي معقل الإسلام يوم فزعهم، وأمن قلوبهم أعاذها الله من جزعهم؛ وقد نزل العدوّ عليها ونازلها زمانا بجموعه وأعانه عليه قوم آخرون، وأقدموا وتقدّموا وهم متأخّرون، وطاولوها فكانت حسرة عليهم، ونكالا لما خلفهم وما بين يديهم، وثبّت الله بها أقدام بقيّة القلاع، وقوّى بعزائمها إقدام من فيها على الامتناع؛ وقلعة الجبل «١» المحروسة وإيّاها كالاختين، وهي لها ثانية اثنين، وكلتاهما لكرسيّ ملكنا الشريف منزل سعيد، ومتنزّه يودّ صفيح الأفلاك لو ترامى إليه من مكان بعيد.
فلمّا رسمنا بنقل من كان في النيابة الشريفة بها في منازلها من مكان إلى مكان، وقدّمناه أمامها كما يهتزّ في قادمة الرمح السّنان، واتّخذنا من بروق عزائمه لبعض ثغورها الضاحكة شنبا، ومن هممه المتّصلة المدد بها ما نمدّ منها إلى سمائها سببا- اقتضى رأينا الشريف أن نعوّل في أمرها المهم، وبرّها الذي به مصالح كثير من ممالكنا الشريفة تتم، ونحلّي مشارفها بمن تضاحك البروق سيوفه في ليل كلّ نقع مدلهم، ونحمي حماها برجل تمنع مهابته حتّى عن نقل الأسنة (؟) طارق الطّيف أن يلم؛ وهو الّذي لا تزعزع له ذرا، ولا يناخ لبادرة سيله في ذرا، ولا يقدر معه الأسد أن يبيت حول غابه مصحرا، ولا الطّير أن يحلّق إليه إلا ماسحا بجناحه على الثّرى، ولا أدلجت إليه زمر الكواكب إلا تقاعست فلا تستطيع السّرى.
وكان فلان هو حامي هذا الحمى، ومانع ما يحلو في الثّغور من موارد اللّمى، وغيور الحيّ فلا تبرز له إلا من عقائل المعاقل قاصرات الطّرف كالدّمى، وحافظ ما استودع من مصون، واستجمع من حصون، واستجهر من
стр. 5534
موارد تردها من زرد الدروع عيون، ويفرّق منها المجانيق سحائب ممطرة بالمنون، فصمّم رأينا الشريف على اختياره ليوقّل «١» صهوة هذا الجواد، ويوفّي ما يجب لهذه العقيلة من مرتمق لحظ ومرتمى فؤاد، ويبحث من الشغف بها عن أمل آمل أو مراد مراد، ويعجب من عقيلتها المصونة أن أبراجها تتبرّج وما لنعماها إنعام ولا لسعادها إسعاد.
فرسم بالأمر الشريف العالي المولويّ، السّلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ- أعلاه الله وشرفه، وأدام في الأرض ومن عليها تصرّفه- أن تفوّض إليه النيابة بقلعة دمشق المحروسة: على عادة من تقدّمه وقاعدته، ومقاربته ومباعدته، وتخلّيه ومساعدته، وكل ما جرت به العوائد في رجائها ورجالها، ومالها ومآلها؛ وهذه نيابة شريفة، وسحابة مطيفة، ونعمة تقابل برعايتها، وتكتم نوافجها «٢» بإذاعتها؛ وتقوى الله حلية عنقها، وحلّة أفقها، ومجرى المجرّة إجلالا في طرقها.
فعليك بحفظها ليلا ونهارا، وتفقّد أحوال من فيها سرّا وجهارا، وفتح بابها وغلقها مع الشمس، وتصفّح ما بها من لبس، وتتبّع أسبابها كما في النفس، والتّصدّي لملازمة الخدمة الشريفة في أبوابنا العالية ببابها، والأخذ في أدوات حفظها بمجامع أطرافها دون التمسك بأهدابها، والتّجسّس على من يلمّ فيها جفنه بكرى وما أثقله مناما، وإلزام كلّ واحد بما يلزمه من الوظائف في ليله ونهاره، وإدلاجه وابتكاره، ومن عليه في هذا المعقل إشراف من شرفاته أو تسوّر على أسواره، وإظهار الرّهج «٣» والصّيت والسمعة بالاهتمام في كلّ ليلة بزفاف عروسها، وضرب الحرس لنواقيسها، والإعلان لصباح الخير لنا في صبحاتها والدعاء الصّالح في تغليسها «٤» ، وصيانة ما فيها من حواصل، أو يصل إليها من
стр. 5535
واصل، وما فيها من دخائر، وما في خزائنها العالية من مدد البحر الزّاخر، وما تشتمل عليه دار الضّرب من أموال تضرب للهبات برسمنا، وأموال الناس الّتي حملت إليها لتشرّف نقودها باسمنا، وخزائن السلاح المنصورة وما يستكثر فيها من عدد، وما يستغزر من مدد، والمجانيق الّتي تخطر منها كلّ خطّارة كالفنيق «١» ، وتصعد ومرماها إلى السماء كأنّما تخطفه الطّير أو تهوي به الرّيح في مكان سحيق، شائلة عقاربها، آفلة بالأعمار كواكبها، والحدوج «٢» والقسيّ والرايات وغير ذلك من سلاح، أو دروع تردّ السّهام على أعقابها وتحني قامات العوالي وتضيّق صدور الصّفاح. والبحريّة «٣» وغيرهم من رجال هذه القلعة المحروسة من نجوم آفاقها، وغيوم إرعادها وإبراقها، وديمها إذا أسبلت المسالمة ذيولها وأعوانها إذا شمّرت الحرب عن ساقها. وبقيّة المستخدمين وأرباب الصنائع الذين هم عمارة أوطانها، وأمارة العناية بها من سلطانها، فكل ذلك مذخور لمنافع الإسلام، وما ريش السّهم لأنّه في كل ساعة يرمى ولا طبع السيف لأنه في كل بارقة يشام؛ فاحفظ لأوقاتها تلك الموادّ المذخورة، والحظ هؤلاء الرجال فإنهم ظهر العساكر المنصورة، وخذ بقلوبهم وأوصل إليهم حقوقهم، واجمع على طاعتنا الشريفة متفرّقهم وأكرم فريقهم؛ ومنهم المماليك السلطانية وهم إخوانك في ولائنا، والذين تشركهم في آلائنا، وبالغ في حفظ المعتقلين في سجونها، ولفظ المعتقدين خلافا في مكنونها؛ ونحن نعيذها بالله أن نقول: تفقّدها بالترميم والإصلاح، ولكنّا نامرك أن تتعهّدها بما تتعهّده من الزّين الملاح؛ ولك من معاضدة من في ذلك الإقليم، من لك برأيه طريق مستقيم،
стр. 5536
ومن تراجعه فيما أشكل عليك من الأمور، وتجد به في طاعتنا الشريفة نورا على نور، واتبع مراسمنا المطاعة فهي شفاء لما في الصّدور؛ والوصايا كثيرة، والله تعالى يجعلك على بصيرة، ويتولّاك بما فيه حسن السّيرة، وصلاح السريرة؛ والاعتماد ... «١» .
وهذه نسخة مرسوم شريف بنيابة قلعة دمشق المحروسة، كتب بها لحسام الدين «لاجين الإبراهيميّ» «٢» من إنشاء الشريف شهاب الدين، ﵀، وهي:
الحمد لله الّذي صان الحصون بانتضاء الحسام، وزان الملك بارتضاء ذوي اليقظة من الأولياء والاهتمام، وأبان سبيل السّعادة لمن أحسن بفروض الطاعة وأجمل القيام.
نحمده على أن جعل نعمنا لأصفيائنا وافرة الأقسام، ونشكره على أن أقبل عليهم بأوجه إقبالنا الوسام، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لعقود إخلاصها انتظام، ولسعود اختصاصها التئام، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الّذي منحه الإجلال والإعظام، ومدحه بالإفضال والإكرام، ورجّحه بمزايا الفضل على جميع الأنام، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه بدور التمام، ورضي عن أصحابه الذين لهم صدق الاعتزام، صلاة ورضوانا لهما تجديد ومزيد وتأييد ودوام، وسلم تسليما كثيرا.
وبعد: فإن آلاءنا لا تزال تختار الأكفاء، وآراءنا لا تبرح تمنح ذوي
стр. 5537
المناصحة الإصفاء، ونعماءنا تديم لملابس إجلالها على أولى الخدم الإفاضة والإضفاء، وتفي بوعود جودها لمن أدام لمناهج المخالصة الاقتفاء.
ولما كان فلان هو الّذي عرفت له في مهمّاتنا خدم سالفة، وألفت منه همّة عليه خصّته بكلّ عارفة، وخوّلناه نعمنا الواكفة، وأهلناه لاستحفاظ الحصون فساعده توفّر التوفيق وساعفه، ونقّلناه في الممالك فسار سيرة حميدة اقتضت لمواهبنا لديه المضاعفة- اقتضى حسن الرأي الشريف أن نرفع محلّه بأعزّ القلاع، ونطلعه بأفق سعدها أيمن إطلاع، ونندبه لضبطها فيحسن له فيها الاستقرار ويحمد منها له الاستيداع.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت صدقاته تحقّق الأطماع، وهباته تفيض ملابسها الّتي ليس لها انتزاع- أن يستقرّ في نيابة قلعة دمشق ...
فليباشر النيابة بالقلعة المذكورة باذلا الاجتهاد، مواصلا للعزم والسّداد، عاملا بالحزم في كّل إصدار وإيراد، كافلا منها بحسن الاعتماد، حافظا حواصلها من الضّياع، مقرّرا أحوالها على أجمل الأوضاع، وليأخذ رجالها بالائتلاف على الخدمة والاجتماع، وليحرّضهم على المبادرة إلى المراسيم والإسراع؛ وليطالع من أمورها بما يتعين عليه لأبوابنا العالية في المطالعة ويجب لعلومنا الشريفة عليه الاطّلاع، وليراجع كافل الممالك الشامية بما جعلنا لآرائه فيه الإرجاع، وليكن له إلى إشارته إصغاء واستماع، وإلى سبيل هديه اقتفاء واتّباع، وليقف عند ما يتقدّم به إليه فبذلك يحصل له الرّشد والانتفاع، والله تعالى يجددّ عليه سوابغ نعمنا الّتي جادت بأجناس وأنواع، ويجرّد في نصرتنا حسامه الّذي من بأسه الأعداء ترهب وترتاع، ويديم له ولجميع الأولياء من صدقات دولتنا الشريفة الإمتاع؛ والخط الشريف أعلاه، حجة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
وهذه وصية نائب قلعة أوردها في «التعريف» :
стр. 5538
وعليه بحفظ هذه القلعة الّتي زفّت إليه عقيلتها الممنّعة، وجليت عليه سافرة ودونها السماء بالسّحب مقنّعة، وسلّمت إليه مفاتيحها، وخواتيم الثّريّا أقفال، وأوقدت له مصابيحها، وفتائل «١» البروق لا تشبّ لقفّال. فليبدأ بعمارة ما دعت الحاجة إليه من تجديد أبنيتها، وتشييد أقبيتها، وشدّ عقودها، وعدّ ما لا يحصى [في الذخائر] «٢» من نقودها، [وتنبيه أعين رجالها والكواكب قد همّت برقودها] «٣» ، والأخذ بقلوب من فيها، وتدارك بقية ذمائهم وتلافيها، وجمعهم على الطاعة، وبذر الإحسان فيهم إذا عرف أرضا تزكو فيها الزراعة، والتّمادي لهم: فربّ رجال تجزى عن عدّة سنين في ساعة، وتحصين هذا الحصن المنيع بما يدّخر في حواصله، ويستمد بعمارة البلاد المختصة به من واصله، وما يكون به من المجانيق الّتي لا ترقى عقاربها «٤» ، ولا توقى منها أقاربها، ولا تردّ لها مضارب، ولا يكفّ من زبانى «٥» زبانيتها كلّ ضارب، ولا يخطيء سهمها، ولا يخفى بين النجوم نجمها، ولا يعرف ما في صندوقها [المقفل] «٦» ، من البلاء المرسل، ولا ما في فخذها المشمّر السّاق من النشاط الّذي لا يكسل؛ وغيرها من الرايات الّتي في غيرها لا تشدّ، ولسوى خيرها لا تعقد، وما يرمى فيها من السهام الّتي تشقّ قلب الصّخر، وتبكي خنساء كلّ فاقدة على صخر «٧» ؛ وكذلك قسيّ اليد الّتي لا يد بها ولا قبل، وكنائن السّهام الّتي كم أصبح رجل وبه منها مثل الجبل؛ وما يصان من اللّبوس «٨» ، ويعدّ للنعيم والبوس، وما يمدّ
стр. 5539
من الستائر الّتي هي أسوار الأسوار، ولمعاصم عقائل المعاقل منها حلّى سوى كلّ سوار؛ وهي الّتي تلاث لثمها على مباسم الشّرفات، وتضرب حجبها على أعالي الغرفات، وسوى هذا مما تعتصم به شوامخ القلال، ويتبوّأ به مقاعد للقتال؛ فكلّ هذا حصّله وحصّنه، وآحسبه وحسّنه، وأعدّ منه في الأمن لأوقات الشدائد، واجر فيه على شأو من تقدّم وزد في العوائد؛ وهكذا ما يدّخر من عدد أرباب الصنائع، ومدد التحصين المعروف بكثرة التّجارب في الوقائع، والأزواد والأقوات، وما لا يزال يفكّر في تحصيله لأجل بعض الأوقات؛ وكن من هذا مستكثرا، وله على ما سواه مؤثرا، حتى لا تزال رجالك مطمئنّة الخواطر، طيّبة القلوب ما عليها إلا السّحب المواطر؛ واعمل بعادة القلاع في غلق أبواب هذه القلعة وفتحها، وتفقّد متجدّدات أحوالها في مساء كلّ ليلة وصبحها، وإقامة الحرس، وإدامة العسس، والحذار ممّن لعلّه يكون قد تسوّر أو اختلس، وتعرّف أخبار من جاورك من الأعداء حتى لا تزال على بصيرة، ولا تبرح تعدّ لكلّ أمر مصيره، وأقم نوب الحمام الّتي قد لا تجد في بعض الأوقات سواه رسولا، ولا تجد غيره مخبرا ولا سواه مسؤولا، وطالع أبوابنا العالية بالأخبار، وسارع إلى ما يرد عليك منها من ابتداء وجواب، وصبّ فكرك كلّه إليها وإلى ما تتضمّنه من الصواب.
المرتبة الثانية (من المراسيم الّتي تكتب بحاضرة دمشق لأرباب السيوف- ما يكتب في قطع الثلث، وفيها وظيفتان)
[الوظيفة] الأولى- شدّ الدواوين بدمشق
. وصاحبها يتحدّث فيما يتحدّث فيه شادّ «١» الدواوين بالديار المصرية، وقد تقدّم.
стр. 5540
وهذه نسخة مرسوم شريف بشدّ الدّواوين بدمشق:
الحمد لله الّذي أرهف لمصالح دولتنا القاهرة من الأولياء، سيفا ماضيا، وجرّد لمهمّات خدمتنا الشريفة من الأصفياء، عضبا يغدو الملك عن تصرّفه الجميل راضيا، وجدّد السّعود في أيامنا الزاهرة لمن لا تحتاج هممه في عمارة البلاد المحروسة متقاضيا.
نحمده على نعمه الّتي تستغرق المحامد، وتستوجب الشّكر المستأنف على الحامد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مجاهد لأعدائها، مجاهر لإعلائها، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أشرف الأنبياء قدرا، وأوّلهم في الرتبة مكانة وإن كان آخرهم عصرا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين نهضوا بما أمروا، وعمروا الدّين قبل الدنيا فلم تتمكن الأياّم من [نقض] «١» ما عمروا، صلاة يتأرّج نشرها، ويتبلّج بشرها، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن أولى من عدق «٢» به من مهماتنا الشريفة أعمّها نفعا، وأحسنها في عمارة البلاد وقعا، وأكثرها لخزائن الأموال تحصيلا وجمعا، وأجمعها لمصالح الأعمال، وأضبطها لحواصل الممالك الّتي إذا أعدّ منها جبالا تلا عليها لسان الإنفاق: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ
«٣» ، من زانت عزمه نزاهته، وكمّلت قوّته في الحقّ خبرته ونباهته، وكان من أولياء دولتنا المعدّين لشدّ أركانها، وإشادة بنيانها، والنّهوض بمصالحها المتنوّعة، ونشر كلمة عدلها الّتي تغدو بالأدعية الصالحة مبسوطة وبالأثنية العاطرة متضوّعة.
ولما كان فلان هو الّذي أشير إلى محاسنه، ونبّه على إبريز فضله المظهر من معادنه، مع صرامة تخيف اللّيوث، ونزاهة تعين على عمارة البلاد الغيوث،
стр. 5541
وخبرة بإظهار المصالح الخفية وفيّة، وبإبراز معادن الأموال من وجوهها الجليّة مليّة، ومعرفة تعمّ البلاد بين الرغبة والرهبة، وتجعل مثل ما يودع فيها بالبركة والنماء مثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبّة- اقتضت آراؤنا الشريفة أن ننبّه على حسن اعتنائنا بأمره، واعتمادنا بما قدّمه من أسباب إسناء رتبته ورفعة قدره؛ فلذلك رسم- زاد الله في علائه- أن يفوّض إليه...............
فليباشر ذلك مظهرا من مصالح الدولة القاهرة ما كان في ضمير كفايته مكنونا، مبرزا من تثمير الأموال وتعمير الأعمال ما يحقّق به من خصب البلاد بمشيئة الله تعالى ما كان مظنونا، مواليا إلى الخزائن المعمورة من حمول تدبيره ما يمسي به طائر تصرّفه ميمونا، وسبب توقفه مأمونا. وليكن النّظر في عمارة البلاد هو المهمّ المقدّم لديه، والأمر الّذي يتعين توفّر اهتمامه عليه، فليجتهد في ذلك اجتهادا يظهر أثره، ويجتنى ثمره، ويحمد ورده وصدره، وتتفرّع عنه أنواع المصالح، وتترتّب عليه أسباب المناجح؛ وملاك ذلك بسط المعدلة الّتي هي خير للبلاد من أن تمطر أربعين يوما، واعتماد الرّفق الّذي لا يضرّ معه البأس قوما، ولا يجلب على فاعله مع الحزم لوما، ولا يطرد عمن أنامه العدل في مهاد الدّعة نوما؛ وليصرف إلى استجلاب الأموال وموالاة حملها همّة ناهضة، وعزمة إلى ما قرب ونأى من المصالح راكضة، وقوّة بأسباب الحزم آخذة وعلى أعنّة التدبير قابضة، وفيما خبرناه من عزائمه المشكورة، وسيرته الّتي ما برحت بين أولياء دولتنا القاهرة مشهورة، ما يكتفى به عن الوصايا المؤكّدة، ويوثق به فيما عدق به من الأمور المسدّدة؛ لكن تقوى الله تعالى أولى الوصايا وأوّلها، وأحقّ ما تليت عليه تفاصيلها وجملها؛ فليقدّم تقوى الله بين يديه، ويجعلها العمدة فيما اعتمد فيه عليه، بعد الخط الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه.
الوظيفة الثانية- شدّ المهمّات
. وصاحبها يتحدّث فيما يطلب للأبواب السلطانية من المستعملات وغيرها. وقد ذكر في «التثقيف» أنّ عادته أن يكون
стр. 5542
مقدّم ألف «١» وهذه نسخة توقيع بشدّ المهمات بدمشق، وهي:
الحمد لله الّذي شدّ عرى المصالح من الأولياء بكل ذي أيد «٢» ، وكلّ من هو في المهمات أبطش بعمرو من زيد، ومن له تدبير كم أغنى باقتناصه لشوارد الأمور عن حبالة صيد.
[وبعد] «٣» فإن أحق من استخلص لاستخلاص الأموال، واختير لصونها من الاختزال وحفظها من الاختلال، وأهّل قلمه وكلمه: هذا للتمثيل وهذا للامتثال، وفوّض إليه التّصرّف في الترغيب والترهيب، والاجتهاد في التّمييز والتّحرير والتّوفير إذ كلّ مجتهد مصيب- من اشتهر بأنه ذو حزم لا يني، وعزم عن المصالح لا ينثني، واحتفال بالأحوال الّتي منها نكر لمن يجني وشكر لمن يجتني، وله نباهة يدرك بها كلّ إيهام وكلّ إبهام، ويطلع [بها] «٤» على فلتات ألسنة الأقلام، ويفهم بها مقاصد كلّ من هو من الجنّة في كلّ واد يهيم، ولا يخفى عليه جرائر الجرائد ولا مخازي المخازيم «٥» ؛ وفيه رحمة كم أصبح بها وهو الأتقى، ولم يأت قساوة يكون بها هو المنبتّ «٦» الذي لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى؛ وكم ساس الأمور ودبّرها فأحسن فيها السياسة وأجمل التدبير، واستخرج [الشّيء الكثير] «٧» بالتخويف اليسير، حتّى جمع حسن تدبير واسترعا، وصنع حسنا وأحسن صنعا.
стр. 5543
ولما كان فلان هو لهذا الأمر الجليل المسترعى، واسمه في أوّل مدارج التّنويه والتّنويل خير مستدعى، وفيه من جميل الأوصاف ما يرضي حسن الاقتراح وقد خبر أمور الكتبه، وقد علم من أحوالهم ما هو أحرى لهم بالتّجربة، وعرف خفايا المعاملات معرفة تامّة، وأحاط بجزئيات الجهات وكلّيّاتها إحاطة خاصّة وعامّة- اقتضى حسن الرّأي المنيف، أن رسم بالأمر الشريف- لا برح يشدّ عضد كلّ مهتمّ من الأولياء بأخي كل عزم، ويجعل له سلطانا لا يكل مصلحة إلى حزم ذي حزم- أن يفو- ض إليه شدّ- المهمات بالشام المحروس.
فليضبط الأمور ضبطا مستوعبا، ولينتصب لذلك انتصابا مترتّبا، وليحترز منفّذا ومصرّفا، ومسرعا ومستوقفا، ومتى ظهر حقّ يتمسك به تمسّك الغريم «١» ، ولا يحاب فيه ذا بأس قويّ ولا ذا منهج إلى المنع والدّفع غير قويم؛ وما من جهة إلا ولها شروط صوب الصّواب، ولا يعتمد على غير الحقّ منكّبا عن ترويج الكتاب، ولتكن الحمول مسيّرة، والمتخرّجات متوفّرة، وجهات الخاصّ مقرّرة، إذ الضّمّان لا ينتظر لهم نظرة إلى ميسرة «٢» ، فإنهم سوس المعاملات، وكواسر الجهات، ومنهم يحفظ أو يضاع، وبهم يترقّى أو ينحطّ الارتفاع، وجهات المقطعين الواجب له أن يجعل عليها واقية باقية، ولتحم لهم حتّى لا يتطاول إلى ذروتها امتداد الأيدي المختزلة ولا خطا العدوان الرّاقية، وليصرف وجهه بحفظه إلى مراقبة من في باب الشّدّ «٣» من مقدّمين ومن رسل يأكلون أموال الناس بالباطل، ويبيعون الآجل بالعاجل، ويخيفون العامّ والخاص، وكل منهم يروم الغناء وهو رقّاص.
هذه زبدة من الوصايا مقنعة، وعزمات غنيّة عن تكثير في القول أو توسعة؛ والله تعالى يكون له ويعينه، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
стр. 5544
الصنف الثاني (من الوظائف بدمشق الوظائف الدينية، وجميع ما يكتب فيها تواقيع، وهي على مرتبتين)
المرتبة الأولى (ما يكتب في قطع النصف ب «المجلس العاليّ بالياء» مفتتحا ب «الحمد لله»
وبذلك يكتب للقضاة الأربعة بحاضرة دمشق.
وهذه نسخة توقيع بقضاء الشافعية بدمشق المحروسة، كتب به لقاضي القضاة «بهاء الدين أبي البقاء السّبكي» «١» وهي:
الحمد لله الّذي أقرّ أحكام الشّرع الشريف، في أيامنا الزاهرة على أكمل القواعد، وأمرّ مدار الحكم المنيف، في دولتنا القاهرة على أجمل العوائد، وأمضى فصل القضاء في ممالكنا الشامية بيد إمام غنيت فضائله عن الشواهد، وأمته الأئمّة لاقتباس الفوائد، وعدقت أحكام الملّة منه بمجاهر في الحق مجاهد، مسدّد في الدّين سهم اجتهتاد رمى به شاكلة «٢» الصّواب عن أثبت يد وأشدّ ساعد.
نحمده على نعمه الّتي حلّت مناصب الدين في ممالكنا الشريفة بأكفائها، وعلّت رتب العلم في دولتنا القاهرة باستقرار من جعلته فضائله غاية اختيارها ونهاية اصطفائها، ودلّت على اعتنائنا بتنفيذ أحكام من أتعبت سيرته الجميلة من سهد في اتّباعها وجهد في اقتفائها، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا تزال أعلامنا بها تنتصر، وأيّامنا على الجهاد لتكون كلمتها
стр. 5545
هي العليا تقتصر، وأقلامنا لنشر دعوتها في الآفاق تسهب ولا توجز وتطنب ولا تختصر، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أشرف من قضت أمّته بالحقّ فعدلت، وتلقّت عنه أحكام ملّته ففاقت بذلك الأمم وفضلت، وحكمت بما أراها الله من شرعته فما مالت عن سننه القويم ولا عدلت، صلّى الله عليه وعليه آله وصحبه الذين أسلموا لله فسلموا، وعملوا في دين الله بما علموا، وبذلوا النفوس في طاعته فما استكانوا لما أصابهم في سبيل الله ولا ألموا، صلاة نؤدّي بها من أمر الله المفترض، ونرغم بإقامتها الذين في قلوبهم مرض، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن أولى من تنقّل في رتبه السّنيّة، ووطّدت له بمصر والشّام قواعد سيرته السّريّة، وأطلقت جياد اليراعة في إمضاء حكمه في المملكتين مثاني أعنتها وأنطقت صعاد البراعة في أعلاء بهائه فيهما [السنة] «١» أسنتها وأردنا أن نردّه إلى أعزّ الممالك علينا لنقرّ عينها، وقصدنا أن نعيده إلى رتبته بها لنوفّي باستعادته دينها، واخترنا أن نجدّد لهذه الوظيفة سالف عهده، وأن نريه اعتتناءنا بأمر منصبه الّذي لم يله مثله من الأئمّة من بعده، وعلمنا أنّ الديار المصرية قد اختصت بفضائله زمنا طويلا، وأن البلاد الشّاميّة قد ألفت من أحكامه ما لم ترد به بديلا- من ظهرت فضائله ظهور نعته، وتهادت فوائده رفاق الآفاق: من علماء زمانه وأئمة وقته، وعلمت أوصاف الصّدور الأول من علمه وورعه وسمته «٢» ، ونشرت الأيام من علومه ما لم يطوبل تطوى إليه المراحل، ونقلت الأقلام من فنونه ما روى فيروى به السّمع الظّامي ويخصب به الفكر الماحل، وألفت الأقاليم من حكمه ما غدت به بين مسرور بإشراقه، ومروّع بفراقه، فمن أقضية مسدّدة، وأحكام مؤيّدة، وأقوال منزّهة عن الهوى، وأحوال صادرة عن زهادة محكمة القواعد ونزاهة مجتمعة القوى، وإصابة دالّة على ما وراءها من علم وورع، وإجابة في الحقّ تحيا بها السّنن وتموت البدع، وشدّة في الدّين تصدع
стр. 5546
في كل حكم بالحقّ وإن صدع، وعدل لا يستلان جانبه، وحزم لا يستزّل صاحبه، ولا يستنزل راكبه، وقوة في الحقّ تمنع المبطل من الإقدام عليه، ولين في الله يفسح للحقّ مجال القول بين يديه، ومجالس غدت بالعلم طيّبة الأرج، وفضائل يحدّث فيها عن موادّ فكره عن البحر ولا حرج؛ وبدائع تضرب إلى استماعها أكباد الإبل، وبدائه تهرم الأيام وعمر شبابها مقتبل.
ولما كان المجلس العاليّ- أدام الله نعمته- هو الّذي ورد على أبوابنا العالية ونور ولائه يسعى بين يديه، وصدر الان عنها وحلل آلائنا تضفو عليه، وأقام في خدمتنا الشريفة معدودا في أكرم من بها قطن، وعاد إلى الشّام مجموعا له بين مضاعفة النّعم والعود إلى الوطن، وهو الّذي تختال به المناقب، وتختار فضله العواقب، ويشرق قلمه بالفتاوى إشراق النّهار، وتغدق منافعه إغداق السّحب بالأمطار، وتحدق الطّلبة به إحداق الكمامة بالثّمر والهالات بالأقمار؛ وهو شافي عيّ كلّ شافعيّ، ودواء ألم كل ألمعيّ؛ طالما جانب جنبه المضاجع سهادا، وقطع اللّيل ثم استمدّه لمدد فتاويه مدادا، وجمع بين المذهبين نظرا وتقليدا، والمذهبين من القولين قديما وجديدا، وسلك جميع الطّرق إلى مذهب إمامه، وملك حسانها فأسفر له كلّ وجه تغطّى من أوراق الكتب بلثامه، وانفتحت بفهمه للتصانيف أبواب شغلت «القفّال» «١» أقفالها، ونفحت نفحات ما (للماورديّ» مثالها، ومنحت حللا يفخر «الغزاليّ» إذا نسج على منواله سربالها؛ فلو أدركه «الرّافعيّ» لشرح «الوجيز» »
من لفظه، وأملى
стр. 5547
أحكام المذاهب من حفظه، وصدّر المسائل بأقواله، وأعدّ لكلّ سؤال وارد حجّة من بحثه وبرهانا من جداله؛ فله في العلم المرتقى الّذي لا يدرك، والمنتهى الّذي لا ينازع في تفرّده ولا يشرك، والغاية الّتي أحرزها دون غيره فلولا المشقة لم تترك، وهو الّذي ما زال بهذه الرتبة مليّا، وبما عدق بذمّته من أحكامها وفيّا، وبكلّ ما يرضي الخليقة عنه من أحوالها قائما وكان عند ربّه مرضيّا، وبأعبائها مستقلّا من حين منحه الله العلم ناشئا وآتاه الحكم صبيّا. وما برح تدعوه التّقوى فيجيبها، ويترك ما لا يريب نفسه تنزيها عمّا يريبها؛ فكم فجّر بالبلاد الشّاميّة من علمه عيونا، وغرس بها من أفنان فضله فنونا، وكان لها خير جار ترك لها ما سواها، وأكرم نزيل نوى بالوصول إليها مصلحة دينه فلم يضيّع الله له نيّته الّتي نواها، وألف قواعد أهلها وعوائدهم، وعرف بحسن اطلاعه ما جبل الله عليه غائبهم وشاهدهم، وعدوه من النّعم المقبلة عليهم، واقتدوا في محبّته بالذين تبوّأوا الدّار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم؛ ثم قدم إلى الدّيار المصرية وما كان قدومه إلا علينا، ووفد إليها بحسن مودّته ومحبته اللّتين ما وفد بهما إلا إلينا، فرأينا منه إماما لا يحكم في توليته الحكم بالهوى، ولا ينوى في تقليده القضاء غير مصلحة المسلمين «ولكلّ امري ما نوى» ؛ وهو- بحمد الله- لم يزل بقواعد هذا المنصب خبيرا، وبعوائد هذه الرتبة بصيرا، وبإجرائها على أكمل السّنن وأوضح السّنن جديرا، وبإمضاء حكم الله الّذي يحقّق إيجاد الحقّ فيه للأمة أنّه من عند الله وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
«١» ، مع ما تكمّلت به فضائله من الوقوف مع الحقّ المبين، والتّحلّي بالورع المتين، والتّخلّي للعبادة الّتي أصبح من اتصف بها مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين.
فلذلك رسم بالأمر الشريف الأشرفيّ النّاصريّ- لا زال علم العلم في
стр. 5548
أيامه مرفوعا، وألم الجهل بما خص الله به دولته من الائمة الأعلام مدفوعا- أنّ يفوّض إلى المشار إليه قضاء القضاة الشافعيّة، ونظر الأوقاف بدمشق المحروسة وأعمالها بالبلاد الشامية، وما هو مضاف إلى ذلك من الصدقات والتّداريس والتصدير وغير ذلك، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته ومعلومه.
فليقابل هذا التقليد السعيد بيد زيد في الحقّ تمكّنها، وعلى الخير تمرّنها، وفي العدل انبساطها، وفي أحكام الله تعالى بحسن المعاضدة على الحقّ قوّتها واحتياطها، وليمض على ما ألف من سيرته الّتي زان العلم أوصافها، وزان الورع اتّصافها، وحلّى العدل مفاخرها، وأحيا التّقى مآثرها، وتناقلت رفاق الآفاق أحكامها، واستصحبت من هدايا هداها ما تتحف به حكّامها؛ وفيما نعت من محاسنه ما يغني عن الوصايا المجدّدة، والإشارات المردّدة؛ لكن الذكرى بتقوى الله تنفع المؤمنين، وترفع المتّقين، وتجمع مصالح الدنيا والدين؛ فلجعلها خلقه ما استطاع، ولير حكمها هو الحكم المتبع وأمرها هو الأمر المطاع؛ والاعتماد.. «١» . رابع عشر المحرم سنة خمس وسبعين وسبعمائة.
قلت: ولم أقف على تفويض لقاض من كتابة من تقدّم سوى تفويض واحد، من إنشاء المقر الشّهابيّ «٢» بن فضل الله، كتبه لقاضي القضاة «شهاب الدين ابن المجد عبد الله» بالشام المحروس، على مذهب الإمام الشافعيّ. وهذه نسخته:
الحمد لله على التّمسّك بشرائعه، والتّنسّك بذرائعه، والتّوسّل إلى الله بتأييد أحكام شارعه، والتوصل به إلى دين يقطع به من الباطل أعناق مطامعه.
نحمده حمدا يأخذ من الخير بمجامعه، ويضاهي الغمام في عموم
стр. 5549
منافعه، ويباهي السيف بقلم الشرع في قهر عاصيه وحماية طائعه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تؤدّي للإيمان أمانة ودائعه، وتهدي إلى صيانة مشارعه، وتقيم من العلماء كلّ شهاب تقسم الأنوار بلوامعه، وتقسم الأبصار ببدائعه، وتجول الفتاوى في صدره الفسيح وتتجوّل في شوارعه، وترهف منهم للحكم العزيز كل قلم يدلّ السهم على مواقعه، وينبّه الرمح من مقاتل الأعداء على مواضعه، ويسري غمامه إلى الأعداء بصواعقه وإلى الأولياء بهوامعه، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الّذي أسعد الأمة بطالعه، وأصعد الأئمة في مطالعه، وأسعف الملّة بما أبقى الله فيها من حسن صنائعه ويمن طلائعه، ومن شريعته الّتي أمن حبلها الممدود من جذب قاطعهع، وكفي شر قاطعه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة [تتوالى إليه توالي] «١» العذب إلى منابعه؛ وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن الله لما أقامنا لحماية شرعه الشريف أن يستباح حماه، أو يباح لأحد من حكّامه أن يركب هواه، أو يتعدّى حدوده في سخطه أو رضاه، أو يحدث في أمره ما ليس منه إلا أن يكون ردّا على سواه [جعلنا] «٢» نجدّ على إقامة مناره أن يطمس، وإدامة مبارّه أن يقلع منارها أو يبخس، استدامة لتأبيس «٣» حكّامه، وتأييد أحكامه، لأنّه سحائب أنواء يعمّ الربيع ربوعها، ومشكاة أنوار يكاثر الصّباح لموعها، وأفاويق وفاق تنيم به الأمّة ضروعها، وشجرة مباركة إسلامية زكت أصولها ونمت فروعها، شكرا لله على ما خصّنا به: من تحصين ممالك الإسلام، وتحسين مسالك دار السلام، لنمنع المحن أن تسام، وبروق الفتن أن تشام، ووجوه الفتوى أن تتزين إلّا بشامة الشّام، غبطة بأن الله جعل للإسلام منها ما هو خير وأبقى، وأشرف وأتقى، وأعظم بلد تتشعّب بالمذاهب طرقا، وتودّ المجرّة لو وقفت بها على الشريعة نسقا، تتزاحم في مركزها
стр. 5550
الأعلام، وتتضافر على الجهاد في الله بالجلاد والجدال تارة بالسيوف وتارة بالأقلام. ودمشق حرسها الله هي أمّ ذلك الإقليم، ومدده الّذي يحنو على مشارعها حنّو الوالدة على الفطيم، وتنبت بها فوائد لا تأمن معها الغواني حتّى تلمس «جانب العقد النّظيم» ؛ وهي دار العلم، ومدار الحكم، وموطن علماء تتعاقب فيها كواكبهم، وتتناوب سحائبهم، وتتناهى إلى حكمها العزيز الشكوى وتنفصل بحكم حاكمها الدعوى، ويمتدّ جنناح طيلسانه على رضوى «١» ويحلق البرق وراء فهمه ولا يبلغ غايته القصوى، ويطول قلمه على السيف المشهّر «٢» ، ويرفرف سجلّه على الشرع المطهّر؛ كم حلّت في صدوره صدور، وكم طلعت منهم شموس وبدور، وكم حمدت منهم أمور عاقبة ولله عاقبة الأمور، كم أداء درس بهم ذكر، وكم أدب نفس شكر، كم بهم مجد رسخ، وجدّ لملّة ممالاة نسخ، كم أقضية لهم بالحق وصلت، وقضيّة للحقّ فصلت، ومهنة من غلبهم اللاحق حصلت، كم سجلّ صاحب هذا المنصب حامل علمه المنشور، ومصباح ديمه الحافلة على ممرّ الدّهور، بشرف مدرّس علم يطلع من محرابه، ونسّاك حلم يبدو بدره التّمام خلف سحابه، ومجلس إفادة، انعقد عليه فيه الإجماع؛ ومحفل ساد ة، كان فيهم واسطة عقد الاجتماع.
[ولما] «٣» تزلزلت قدم منابره، وانتهك حجاب ضمائره، واستزلّه الشيطان بكيده المتين، وأضلّه على علمه المبين، وسبق القلم الشّرعيّ، بما هو كائن، ومضى الحكم القطعيّ، بما هو من تصرّفه بائن- تردّد الاختيار الشريف فيمن نحلّي جيده بتقليدها، ونؤهّل يراعه لتسليم مقاليدها، وصوّبنا صواب النّظر فيها مصرا وشاما، واستشرفنا أعلاما، وتيقنّا لأقوى ما يكون [لها] «٤» قواما، وابتكرنا أنه لا يصلح إلا من كان لحلّة المجد طرازا، ويزيد العمل إليه اعتزاء والعلم به
стр. 5551
اعتزازا، إلى أن أجمع رأينا العالي على من لا ينكر ذو قدم ولا قدم ولا قلم، أنه السابق، ولا يجحد ربّ علم ولا عمل ولا علم، أنه الباسق، ولا يشكّ أنّ من فوائده يستمدّ المطر ومن توقّد ذهنه يقدح زناد البارق، ولا يرتاب البحر أن فرائده ما يطوّق العنق ويشنّف الأذن ويتوّج المفارق، ولا يمارى في فضله الّذي لو طلب له مثيل لم يصب، ولو ادّعى الكوكب السّاري أنّه له شبيه لمسّه النّصب، أو تلفّتت أعناق القنا إلى قلمه لأيقنت أنها كلّ على القضب؛ وهو الّذي أفنى عمره في تحصيل العلم اشتغالا، وجدّ في الطّلب لصالح العمل وإن تغالى، وبقي فقيه قوم ما جدّ منهم مثله ماجد، ولا جادت يد كريم منهم تمتدّ بما هو جائد، ودرج أقرانه إلى الله وخلّي دونهم شرعا لا يردّ واردا، وخلّف بعدهم سهما في الكنانة واحدا.
وكان المجلس العاليّ- أدام الله تأييده- هو الّذي تختال به المناقب، وتختار فضائله العواقب، وتشرق بقلمه الفتاوى إشراق النّهار، وتغدق منافعه إعداق السّحب بالأمطار، وتحدق به الطّلبة إحداق الكمامة بالثّمر والهالات بالأقمار، وهو شافي عيّ كلّ شافعيّ، ودواء ألم كل المعيّ، طالما جانب جنبه المضاجع سهادا، وقطع الليل ثم استمدّه لمدد فتاويه مدادا، وجمع بين المذهبين نظرا وتقليدا، والمذهبين من القولين قديما وجديدا، وسلك جميع الطرق إلى مذهب إمامه، وملك حسانها فأسفر له كل وجه تغطّى من أوراق الكتب بلثامه، وانتفتحت [بفهمه] «١» للتصانيف أبواب شغلت «القفّال» أقفالها، ونفحت له نفحات ما «للماورديّ» مثالها، وسفحت ديم غزار يسقي «المزنيّ» سجالها، ومنحت حللا يفخر «الغزالي» إذا نسج على منواله سربالها.
فرسم بالأمر الشريف- لا زال يجدّد ملابس فضله، ويقلّد كلّ عمل لصالح أهله- أن يفوّض إليه قضاء قضاة الشافعية بدمشق المحروسة وأعمالها وجندها وضواحيها، وسائر الممالك الشامية المضافة إليها والمنسوبة لها
стр. 5552
والمحسوبة فيها، يولّى ذلك ولاية صحيحة شرعية، على عادة من تقدّمه وقاعدته المرعيّة، مع ما هو مضاف إلى من كان قبله من تدريس المدارس، تفويضا لا ينافسه فيه منافس، ولا يجالسه في درسه إلا من ارتضى من النجوم أن يجالس؛ وأذنّا له أن يستنيب عنه من لا يخجل عند الله ولا عندنا باستنابته، ولا يداخله ظنّ في خلاص ذمته بإنابته إلى الله في نيابته؛ على أنّه يتفقد أعمالهم، ويتصفّح أحوالهم: فمن نقل إليه ثقاته أنه على طريق مستقيم أقرّه، وإلا صرفه ثم لا يكون له إلى عمله كرّة؛ وهو القائم بحجّة الشرع الشريف وحجة الله عليه قائمة، وعليه إن قصّر- والعياذ بالله- في أموره تعود اللائمة؛ وأنت تعلم أنّا ما كنّا نعرفك عيانا، وإنّما وصفت لنا حتى كأنّا نراك وسمعت بما نحن عليه حتى كأنّك ترانا؛ فشيّد لمن شيّد لك شكرهم أركانا، وأعلى ذكرهم لمجدك بنيانا، وجعل لك قدرهم الجميل منّا سلطانا، وأقم بحسن سلوكك على ما قالوا فيك برهانا، واعرف لهم حقّ معروفهم وجازهم عن حسن ظنّهم بالحسنات إحسانا.
ونحن نوصيك بوصايا تشهد لنا يوم القيامة عليك ببلاغها، ويعترض منها في الحلوق شجا: فأيّ الرجال يقدر على مساغها، فإن قمت بها كان لنا ولك في الأجر اشتراك، وإن أضعت حقوقها فالله يعلم أننا أخرجنا هذه الأمانة من عنقنا وقلّدناك؛ والله وملائكته بيننا وبينك شهود على ما أوليناك وما ولّيناك؛ فعليك بتقوى الله في السّرّ والإعلان، والعمل بما تعلمه سواء رضي فلان أو سخط فلان، والانتهاء إلى ما يقتضيه عموم المصالح، وإمضاء كل أمر على ما أمر الله به رسوله ﷺ وكان عليه السّلف الصّالح، وإقامة حدود الله ولا تتعدّ حدوده، وقمع البدع لإظهار الحق لا لإثارة فتنة مقصودة؛ فقد علمت ما أنكرته أنت وأمثالك من الأئمة العلماء على من تقدّمك من تسرعه في مثل ذلك، وتطلّعه إلى مطالب سقط دونها في مهاوي المهالك؛ فإيّاك إيّاك أن تتّبع في هذا النّحو سبله، أو «تنه عن خلق وتأتي مثله» والصدقات الحكمية على مادّة المساكين، وجادّة الشّاكين، ففرّقها على
стр. 5553
أهلها، واجمع لك الحسنات عند الله بتبديد شملها، ولا تبق منها بقية تبقى معرّضة لأكلها، فلو أراد واقفوها- ﵏ أنها تبقى مخزونة، لما سمحوا ببذلها؛ وبقيّة الأوقاف شارف في أمورها، وشارك الواقفين- ﵏ في أجورها، وخص الأسارى- أحسن الله خلاصهم- بما يصل به إحسانك إليهم، ويضع عنهم إصرهم والأغلال الّتي كانت عليهم.
والأيتام- جبرهم الله-: منهم الطّفل والمميّز والمراهق ومن لم يملك رشده، أو من يحتاج أن يبلغ في جواز التصرّف أشدّه؛ وكلّ هؤلاء فيهم من لا يعلم من يضرّه ممن ينفعه، ولكن الله يعرّفه وفي أعماله يرفعه؛ فاجتهد أن تكون فيهم أبا برّا، وأن تتّخذ فيهم عند الله أجرا، وأن تعامل في بينك بمثل ما عاملتهم إذا انقلبت إلى الدّار الأخرى، واحفظ أموالهم أن تنتهكها أجرة العمّال، وترجع في قراضها إلى ما يجحف برؤوس الأموال؛ ومثّل أعمالك [المعروضة] «١» على الله في صحائفها المعروضة، واحذر من المعاملة لهم إلا بفائدة ظاهرة ورهن مقبوضة.
والجهات الدّينيّة هي بضاعة حفظك، ووداعة لحظك، فلا تولّ كلّ جهة إلا من هو جامع لشرطها؛ قائم بموازين قسطها.
والشهود هم شهداء الحقّ، وأمناء الخلق، وعلى شهاداتهم تبنى الأحكام؛ فإيّاك والبناء على غير أساس ثابت فإنّه سريع الانهدام؛ ومنهم من يشهد في قيمة المثل ويتعين أن يكون م ن أهل البلد الأمثل، لأنه لا يعرف القيمة إلّا من هو ذو سعة مموّل؛ ومنهم من أذن له في العقود فامنع منهم من للتسهل بسبب من الأسباب، وما تمهّل إشفاقا لاختلاط الأنسال والأنساب، يقبل بالتعريف ما يخلو من الموانع الشرعية من كان، ولا يحسن في تزويجه يمسك إمساكا بمعروف ولا يسرح تسريحا بإحسان؛ وهؤلاء مفاسدهم أكثر من أن
стр. 5554
تحصى، والبلاء بهم أكبر من أن يستقصر أو يستقصى؛ فاعتبر أحوالهم اعتبارا جليّا، وفكّر في استدراك فارطهم فكرا مليّا؛ ومن لم يكن له من العلم والدّين ما يوضّح له المشتبهات، فإيّاك وتركه فربّ معتقد «١» أنه يطأ وطأ حلالا وقد أوقعه هذا ومثله في وطء الشّبهات؛ ومنهم من يعمد إلى التّحليل، ويرتكب منه محذورا غير قليل، وهو بعينه نكاح المتعة «٢» الذي كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ النّهي عنه، وقام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ محذّرا منه؛ فاحسم هذه المادّة الرّديّة الّتي تؤلم عضوا فيسري إلى سائر الأعضاء ألمها، ويبقى في كثير من الذّراريّ المولودة من هذه الأنكحة الفاسدة ثلمها.
والرّسل والوكلاء بمجلس الحكم العزيز ومن يلمزك «٣» في الصّدقات، وما نزل في أمور ما يريدون بها تقليد حكمك بل ما يقضون به الأوقات؛ فلا تدع ممن تريد منهم إلا كلّ مشكور الطريق، مشهور القصة بين الخصوم بطلب التوفيق.
والمكاتيب هي سهاخمك النّافذة، وأحكامك المؤاخذة؛ فسدّد مراميها، ولا تردفها ما عرض عليك من الأحكام حتى لا يسرع الدخول فيها؛ والمحاضر هي محل التّقويّ، فاجتهد فيها اجتهادا لا تذر معه ولا تبقي.
وأما قضايا المتحاكمين إليك في شكاويهم، والمحاكمين في دعاويهم، فأنت بهم خبير، ولهم ناقد بصير؛ فإذا أتوك لتكشف بحكمك لأواءهم «٤» ،
стр. 5555
فاحكم بينهم بما أراك الله ولا تتّبع أهواءهم؛ وقد فقّهك الله في دينه، وأوردك من موارد يقينه، ما جعله لك نورا، وجلاه لك سفورا، وأقامه عليك سورا، وعلّمك ما لم تكن تعلم منه أمورا؛ فإن أشكل عليك أمر فردّه إلى كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ وإجماع أصحابه فإن لم تجد فعندك من العلماء من تجعل الأمر بينهم شورى، ولأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كتاب «١» كتبه إلى بعض القضاة، فاعمل بمقتضاه، واعلم بأنّ الله تعالى قد ارتضاك لخلقه فاعمل على رضاه.
والأئمة العلماء هم إخوانك في الدّين، وأعوانك على ردع المبتدعين، ولسانك في المحفل وجناحك إذا جلسوا ذات الشمال وذات اليمين؛ فنزّلهم منازلهم الّتي أحلّهم الله في شرفاتها، وبوّأهم رفيع غرفاتها، وتألّف خواطرهم فإنّك تنظر إلى كثير من الأمور في صفاء مصافاتها.
ومن نسب إلى خرقة الفقر «٢» وأهل الصلاح هم أولياء الله المقرّبون، وأحبّاؤه الأقربون، فعظّم حياتهم، وجانب محاباتهم، فما منهم وإن اختلفت أحوالهم إلا من هو على هدى مبين، واحرص أن تكون لهم حبّا يملا «٣» قلوبهم فإنّ الله ينظر إلى قوم من قلوب قوم آخرين.
وانتصب للدروس الّتي تقدّمت بها على وافد الطلبة فإنّ الكرم لا يمحقه الالتماس، والمصباح لا يفني مقله كثرة الاقتباس، والغمام لا ينقصه توالي المطر ولا يزيده طول الاحتباس، والبحر لا يتغيّر عن حاله وهو لا يخلو عن الورّاد في عدد الأنفاس.
стр. 5556
والوصايا كثيرة وإنّما هذه نبذة جامعة، وبارقة لامعة، ومنك يستفاد بساط القول، وانبساط الطّول؛ ولهذا يكتفى بما فيك، والله تعالى يكفيك، ويحصي حساب أعمالك الصّالحة ليوفيك، حتّى تجد فلا يتخلّف بك السير، وتستعدّ ليختم لك بخاتمة الخير، والاعتماد على الخط الشريف.
قلت: وهذه نسخة توقيع بقضاء، أنشأته بدمشق للقاضي «شرف الدّين مسعود» «١» وهي:
الحمد لله الّذي شيّد أحكام الشّرع الشريف وزاد حكّامه في أيّامنا شرفا، ورفع منار العلم على كلّ منار وبوّأ أهله من جنّات إحساننا غرفا، وأباح دم من ألحد فيه عنادا أو وجّه إليه طعنا، وأوجب الانقياد إليه بقوله تعالى: إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا
«٢» ، وألهم الصواب في اختيار من لم يزل لهذه الرتبة معدّا ومن رجالها معدودا، وصرف وجه إقبالنا إلى من ارتضيناه للمسلمين حاكما فأصبح بنظرنا مسعودا.
نحمده حمد من اعتنى بالقيام بشرائع الإسلام وتعظيم شعائره، ونصح للرّعيّة فيمن ولّاه عليهم وأعطى منصب الشرع حقّه بتقديم أكابره. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يقضى لصاحبها بالنّجاة من النّار، ويسجّل لقائلها بالثبوت في ديوان الأبرار، وأن محمدا عبده ورسوله الّذي شرط الإيمان بالرضا بحكمه وأوجب طاعته أمرا ونهيا واستجابة وتحكيما، فقال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً
стр. 5557
مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
«١» ، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين نحن بسيرهم مهتدون، وبآثارهم مقتدون، وعلى آله وصحبه الغرّ الكرام الذين قضوا بالحقّ وبه كانوا يعدلون، صلاة لا يختلف في فضلها اثنان، ولا يتنازع في قبولها خصمان، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فلما كانت مرتبة الشرع الشريف هي أعلى المراتب، ومنصب حكّامه في الورى أرفع المناصب، إليه تنتهي المخاصمات فيفصلها ثم لا تعدوه، ويحكم فيه على الخصم فيذعن لحكمه ثم لا يشنوه «٢» ، بل يتفرّق الخصمان وكلّ منهما بما قضي له وعليه راض، ويقول المتمرّد الجائر لحاكمه: قد رضيت بحكمك فاقض فيّ ما أنت قاض؛ وناهيك برتبة كان النبيّ ﷺ هو المتصدّي للقيام بواجبها، والخلفاء الراشدون- رضوان الله عليهم- محافظين على أداء رواتبها؛ ثم اختصّ بها العلماء الذين هم ورثة الأنبياء من الخليقة، واستأثروا بها دون غيرهم من سائر الناس فهم أهلها على الحقيقة؛ إذ لا يؤهّل لهذه الرتبة إلا من ارتقى إلى درجات الكمال، واتّصف بأحسن الأوصاف واحتوى على أنفس الخصال، وتضلّع من العلم الشريف بما يرويه، وفاق في العقل والنقل بما يبحثه ويرويه.
ولما كان المجلس الفلانيّ هو عين هذه القلادة وواسطة عقدها، وقطب دائرتها وملاك حلّها وعقدها؛ إذ هو «شريح» الزمان ذكرا، و «أبو حامد» سيرة و «أبو الطّيّب» «٣» نشرا؛ لا جرم ألبسته أيّامنا الزاهرة من الحكم ثوبا جديدا، وأفاض عليه إنعامنا نحلة نعقبها- إن شاء الله تعالى- مزيدا.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت الشريعة المطهّرة بمناصرته في أعزّ
стр. 5558
صوان، وحكّامها بمعاضدته في أعلى درجة وأرفع مكان- أن يفوض إليه ...
فليباشر هذه الوظيفة مباشرة مثله لمثلها، وليعمل بما يعلمه من أحكامها فهو ابن بجدتها «١» والخبير بمسالك وعرها وسهلها؛ فهو الحاكم الّذي لا يساوى، والإمام الّذي يقتدى به في الأحكام والفتاوى؛ فعليه بالتأنّي في الأحكام، والتّثبّت فيما يصدر عنه من النّقض والإبرام؛ ولينظر في الأمر قبل الحكم المرّة ثم الأخرى، ويكرّر النّظر في ذلك ولو أقام شهرا، ويراجع أهل العلم فيما وقف عليه ويشاورهم فما ندم من استشار، ويقدّم استخارة الله تعالى في سائر أموره فما خاب من استخار، وليدر مع الحق كيف دار، ويتّبع الصّواب أنّى توجّه ويقتفي أثره حيث سار؛ وإذا ظهر له الحقّ قضى به ولو على ابنه وأبيه، وأعزّ أصدقائه وأخصّ ذويه، غير مفرّق في فصل القضاء بين القويّ والضّعيف، والوضيع والشّريف، ولا مميّز في تنفيذ الحكم بين الغنيّ والفقير، والسّوقة والأمير، وليسوّبين الخصوم حتّى في تقسيم النظر إليهم، كما في موقف الحكم وسماع الدّعوى وردّ الأجوبة فيما لهم وعليهم، وليستخلف من النوّاب من حسنت لديه سيرته، وحمدت عنده طريقته، ويوص كلّا منهم بما نوصيه به ويبالغ في تأكيد وصيته، ويستحضر السر في قوله ﷺ : «ألا كلّكم راع وكلكم مسؤول عن رعيّته» . وليمعن النّظر في أمر الشهود الذين تترتب على شهادتهم أمور الدنيا والفروج والأموال، ويتفقّد أمرهم في كل وقت ولا يغفل عنهم في حال من الأحوال، ويحملهم من الطرائق على أحسن وجهها؛ وأحقّهم بإمعان النظر شهود القيمة والعمائر، الذين يقطع بقولهم في أملاك الأيتام والأوقاف مما تنفر عنه القلوب وتنبو عنه الضمائر.
والوكلاء «٢» والمتصرّفون فهم قوم فضل عنهم الشرّ فباعوه، واستحفظوا
стр. 5559
الودّ فلم يرعوا حقه وأضاعوه؛ فهم آفة أبواب القضاة بلا نزاع، كيف وهم الضّباع الضّارية والذّئاب الجياع. وما تحت نظره من أوقاف المدارس والأسرى والصّدقات، وغيرها مما يقصد به واقفوه وجه البر وسبيل القربات، يحسن النظر في وجوه مصارفها، مع حفظ أحوالها الّذي هو أغيا مراد واقفها.
وأهل العلم أبناء جنسه الذين فيهم نشأ ومنهم نجم، وجنده الذين يقصدونه بالفتاوى فيما قضى وحكم، فليوفّر لهم الإحسان، ويصنع معهم من المعروف ما يبقى ذكره على ممرّ الأزمان؛ ومثله لا يحتاج إلى كثرة الوصايا، وثوقا بما عنده من العلم بالأحكام والمعرفة بالقضايا؛ لكن عليه بتقوى الله ومراقبته يكن له مما يتبوّءه ظهيرا، ويسترشده في سائر أموره يجعل له من لدنه هاديا ونصيرا؛ والله تعالى يبلّغ واثق أمله من كرمنا مراما، ويوطّيء له المهاد ببلد حسنت مستقرّا ومقاما، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة توقيع بقضاء قضاة المالكية بالشام، من إنشاء الشيخ شهاب الدّين محمود الحلبيّ تغمّده الله برحمته، وهي:
الحمد لله جاعل المذاهب الشّرعيّة في أيامنا الشريفة زاهية بأركانها الأربعة «١» ، مستقرّة على النّظام الّذي غدت به قواعد الحجّة محكمة ومواقع الرحمة متّسعة، فإذا خلا ركن من مباشرة أقمنا من تكون القلوب على أولويّته مجتمعة، وانتقينا له من الأتقياء من تغدو به الأمّة حيث كانت منتفعة، واستدعينا إليه من تغدو الأدعية الصالحة لنا بتفويض الحكم إليه مرتفعة، الّذي خصّ مذهب «إمام دار الهجرة» «٢» بكل إمام هجر في التّبحّر فيه دواعي السّكون
стр. 5560
وبواعث الدّعة، وجمّل منصب حكمه بمن كمل بعلوم الدين فخره فإذا حكم غدت الأقضية لحكمه منفّذة وإذا قضى أضحت الأحكام لأقضيته متّبعة.
نحمده على نعمه التي جعلت مهمّ الشّرع الشريف لدينا كالاستفهام الّذي له صدر الكلام، وبمثابة النّيّة المقدّمة حتّى على تكبيرة الإحرام، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أثبت الإخلاص حكمها، وأحكم الإيمان علمها، وأبقى اليقين على صفحات الوجوه والوجود وسمها المشرق واسمها، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الّذي أخذ الله ميثاق النّبيين في الإقرار بفضله، وأرسله بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ*
«١» ، وخصّه بالكتاب الذي أخرس الأمم عن مجاراته فلو اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ
«٢» ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين تمسكوا بسننه وسنّته، وأوضحوا شرعه الشريف لمن تلقّاه بعدهم من أئمة أمته، صلاة لا تزال بقاع الإيمان لأحكامها منبتة، وأنواء الإيقان لأوامها مقلتة «٣» ؛ وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنه لما كانت الأحكام الشرعية تتوقف على ملاحظة قضاء قضاتها في غالب الأمور، وتستند إلى مراجعة أصول حكّامها في أكثر مصالح الجمهور، لم يكن بد من مراعاة أصولها الّتي إنّما تنوب الفروع عنها، وتدبّر أحوال أحكام حكّامها الّتي تنشأ أقضية النوّاب منها؛ ولذلك لمّا أصبح منصب قضاء القضاة على مذهب الإمام «مالك بن أنس» ﵁ بالشّام المحروس لضعف مباشره الممتدّ، في حكم الخالي، وتعطل بعجزه المشتدّ، مما ألف به قديما حال حكمه الحالي، وتمادى ذلك إلى أن ترقّى الناس منه إلى درجة اليقين، وتناهى الحكم فيه إلى أن يعين أن يرتاد من يتعين لمثله من الأئمّة المتّقين، لئلا يخلو
стр. 5561
هذا المذهب من قاضي قضاة يقيم مناره، ويديم أنواره، ويرفع شعاره، ويحيي مآثر إمامه وآثاره، ويؤمن كمال أفقه أن يعاود سراره «١» ؛ وكان المجلس الساميّ، القاضويّ، الفخريّ، هو الّذي لا يعدوه الارتياد، ولا يقف دونه الانتقاء والانقياد، ولا تتجاوزه الإصابة في الاجتهاد: لما عليه من علم جعله مخطوبا للمناصب، وعمل تركه مطلوبا للمراتب الّتي لا تذعن لكلّ طالب، وتقّى أعاده مرتقيا لكلّ أفق لا يصلح له كلّ شارق «٢» ، وورع فتح له أبواب التّلقّي بالاستدعاء وإن لم تفتح لكلّ طارق؛ وهو هجر الكرافي تحصيل مذهب «إمام دار الهجرة» إلى أن وصل إلى ما وصل، وأنفق مدّة عمره في اقتناء فوائده إلى أن حصل من الثّروة بها على ما حصل، فسارت فتاويه في الآفاق، ونمت بركات فوائده الّتي أنفقها على الطّلبة فزكت على الإنفاق- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نبّقي فخر هذا المنصب الجليل بفخره، وأن نخصّ هذا المذهب النبيل بذخره، وأن نحلّي جيده بمن نقلنا إلى وشام «٣» الوسام ما كان من حسن شنب العلم مختصّا بثغره.
فرسم بالأمر الشريف- لا زال لأحكام الشرع مقيما، وللنظر الشريف في عموم مصالح الإسلام وخصوصها مديما، أن يفوّض إليه......... لما تقدّم من تعيّنه لذلك، وتبيّن من أنه لحكم الأولوية بهذه الرتبة من مذهب الإمام مالك مالك.
فليل هذه الوظيفة حاكما بما أراه الله من مذهبه، مراعيا في مباشرتها حقّ الله في الحكم بين عباده وحقّ منصبه، مجتهدا فيما تبرأ به الذمة من الوقوف مع حكم الله في حالتي رضاه وغضبه، واقفا في صفة القضاء على ما نصّ فيه من شروطه وأوضح من قواعده وشرح من أدبه، ممضيا حقوق رسول الله ﷺ فيما
стр. 5562
يقتضيه رأي إمامه، متوّجا الحكم بنصوصه المجمع عليها من أئمة مذهبه في نقض كلّ أمر وإبرامه، جاريا في ذلك على قواعد أحكام هذا المذهب الّذي كان مشرقا في ذلك الأفق بجماله وزينه، واقفا في ذلك جميعه مع رضا الله تعالى فإنّه في كلّ ما يأتي ويذر بعينه، والله تعالى يسدّده في قوله وعمله، ويبلّغه من رضاه نهاية سوله وغاية أمله، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة توقيع بقضاء قضاة الحنابلة، كتب بها للقاضي علاء الدّين «منجّى التنوخي» وهي:
الحمد لله الّذي رفع بعلاء الدّين قضاء قضاته، وأوضح الهدى في القيام في توليتهم بمفترضاته، وأعلى منار الشّرع بما أوقفهم عليه من أحكامه ووفّقهم له من مرضاته.
نحمده حمدا نستعيد من بركاته، ونستعيذ به أن نضلّ في ضوء مشكاته، ونستعين عليه بربّ كل حكم يمدّنا قلبه بسكونه وقلمه بحركاته، ويثبت من جميل محضره لدينا ما يرفع مسّ شكاته، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يستودع إخلاصها في قلوب تقاته، وتفوّض أحكامها إلى ثقاته، ويحمى سرحها من أبطال الجلاد والجدال بكل مشتاق إلى ملاقاته، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أفضل من حكم بما أنزل الله من آياته، وجاهد في الله برأيه وراياته، وشرع من الدّين ما ينّجي المتمسك به من غواياته، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين أقام شرعه منهم بكماته، وجعل حكمهم دائم النّفوذ أبدا بأقلام علمائه وسيوف حماته، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فمنصب الحكم الّذي به تفصل الأمور، وتنفرج له الصدور، وتتسدّد أقلام حكّامه سهاما، وتفيض غماما، وتتعلّم منه الأسود زئيرا، ويطول السيف صليلا والرمح صريرا، وتنتصب بين يدي حكّامه الأقدام، وتنتصف على
стр. 5563
أحكامه الخصام «١» ، وتنكّس الرؤوس لهيبته إطراقا، وتغضّ المقل فما تدير جفونا ولا تقلّب أحداقا، ويجري بتصريفه قلم القضاء، ويجاري مرهفه البروق فتقرّ له بالمضاء؛ وقد شيّد الله مبانيه في ممالكنا الشريفة مصرا وشاما على أربعة أركان، وجمع في قضائه الأئمّة الأربعة لتكمل بهم فصول الزمان؛ ومذهب الإمام أبي عبد الله «أحمد بن حنبل» ﵁ هو بالسّنّة النبوية الّطراز المذهب، وطريقة السلف الصالح في كلّ مذهب؛ وقد تجنّب من سلف من علمائه التّأويل في كثير، ووقف مع الكتاب والسّنّة وكلّ منهما هو المصباح المنير.
وكانت دمشق المحروسة هي مدار قطبهم، ومطلع شموسهم ونجومهم وشهبهم، وأهلها كثيرا ما يحتاجون إلى حاكم هذا المذهب في غالب عقد كل بيع وإيجار، ومزارعة في غلال ومساقاة في ثمار، ومصالحة في جوائح «٢» سماويّة لا ضرر فيها ولا ضرار «٣» ، وتزويج كلّ مملوك أذن له سيّده بحرّة كريمة، واشتراط في عقد بأن تكون الامرأة في بلدها مقيمة، وفسخ إن غاب زوجها ولم يترك لها نفقة ولا أطلق سراحها، وبيع أوقاف داثرة لا يجد أرباب الوقف نفعا بها ولا يستطيعون إصلاحها.
فلما استأثر الله بمن كان قد تكمّل هذا المنصب الشريف بشرفه، وتجمّل منه ببقيّة سلفه، حصل الفكر الشريف فيمن نقلده هذه الأمانة في عنقه، ونهنّيء هذا المنصب بطلوع هلاله في أفقه، إلى أن ترجح في آرائنا العالية المرجّح
стр. 5564
المرجّى، وتعيّن واحدا لمّا ابتلي الناس بالقضاء كان المنجّى ابن المنجّى؛ طالما تطرّزت له الفتاوى بالأقلام، والتفّت به حلقة إمام، وخاف في طلب العلم من مضايقة اللّيالي فما نام- اقتضى حسن الرأي الشريف أن يفوّض إليه قضاء القضاة بالشام المحروسة على مذهب الإمام الربانيّ «أحمد بن حنبل» الشيبانيّ، ﵁.
فليحكم في ذلك بما أراه الله من علمه، وآتاه من حكمه، وبينه له من سبل الهدى، وعيّنه لبصيرته من سنن نبيّه ﷺ التي من حاد عنها فقد جار واعتدى، ولينظر في أمور مذهبه ويعمل بكل ما صحّ نقله عن إمامه، وأصحابه من كان منهم في زمانه ومن تخلّف عن أيّامه؛ وقد كان- ﵀ إمام حقّ نهض وقد قعد الناس تلك المدّة، وقام نوبة المحنة وقام «سيّد تيم» «١» ﵁ نوبة الرّدّة، ولم تهبّ به زعازع «المرّيسيّ» «٢» وقد هبّت مريسا «٣» ، ولا «ابن أبي دواد» «٤» وقد جمع كلّ ذود وساق له من كلّ قطر عيسا؛ ولا نكث عهد ما قدّم إليه «المأمون» في وصيّة أخيه من المواثق، ولا روّعه صوت «المعتصم» وقد صبّ عليه عذابه ولا سيف «الواثق» ؛ فليقفّ على أثره، وليقف بمسنده على
стр. 5565
مذهبه كله أو أكثره، وليقض بمفرداته وما اختاره أصحابه الأخيار، وليقلّدهم إذا لم تختلف عليه الأخبار، وليحترز لدينه في بيع ما دثر من الأوقاف وصرف ثمنه في مثله، والاستبدال بما فيه المصلحة لأهله، والفسخ على من غاب مدّة يسوغ في مثلها الفسخ وترك زوجة لم يترك لها نفقة، وخلّاها وهي مع بقائها في زوجيّته كالمعلّقة، وإطلاق سراحها لتتزوّج بعد ثبوت الفسخ بشروطه الّتي يبقى حكمها به حكم المطلّقة، وفيما يمنع مضارّة الجار، وما تفرّع على قوله ﷺ :
«لا ضرر ولا ضرار» ، وأمر وقف الإنسان على نفسه وإن رآه سوى أهل مذهبه، وطلعت به أهلّة علماء لولاهم لما جلا الزمان جنح غيهبه. وكذلك الجوائح الّتي يخفّف بها عن الضعفاء وإن كان لا يرى بها الإلزام، ولا تجري إلا مجرى المصالحة دليل الالتزام. وكذلك المعاملة الّتي لولا الرّخصة عندهم فيها لما أكل أكثر الناس إلا الحرام المحض، ولا أخذ قسم الغلال والمعامل هو الّذي يزرع البذر ويحرث الأرض، وغير ذلك مما هو [محيط] «١» بمفرداته الّتي هي للرفق جامعة، وللرعايا في أكثر معايشهم وأسبابهم نافعة، وإذا استقرّت الأصول كانت الفروع لها تابعة؛ والخط الشريف أعلاه، إن شاء الله تعالى.
المرتبة الثانية «٢» (من تواقيع الوظائف الدينية بدمشق
، ما يكتب في قطع الثلث مفتتحا ب «الحمد لله» إن علت رتبة المتولّي أو ب «أمّا بعد حمد الله» إن انحطت رتبته عن ذلك ب «المجلس السامي» وفيها وظائف)
الوظيفة الأولى- قضاء العسكر
. وبها أربعة قضاة من المذاهب الأربعة، كما بالديار المصرية.
الوظيفة الثانية- إفتاء دار العدل بدمشق
. وبها أربعة: من كل مذهب
стр. 5566
واحد، كما بالديار المصرية.
الوظيفة الثالثة- الحسبة «١»
وهذه نسخة توقيع بالحسبة الشريفة:
الحمد لله مجدّد النّعم في دولتنا الشريفة لمن ضفت عليه ملابسها، ومضاعف المنن في أيامنا الزاهرة لمن سمت به نفائسها، ومولي الآلاء لمن بسق غرسها لديه فزهت بجماله ثمراتها وزكت مغارسها.
نحمده على نعمه الّتي تؤنس بالشكر أوانسها، وتؤسّس على التّقوى مجالسها؛ ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة استضاء بنور الإيمان قابسها، واجتنى ثمر الهدى غارسها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أشرف من أشرقت به معالم التوحيد فعمر دارسها، وأشرق دامسها، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين قلوبهم مشاهد الذّكر وألسنتهم مدارسها، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن أولى من أمضي له ما كان به أمر ورسم، وجدّد له من المناصب الدّينية ما عرف به من قبل ووسم، وأثبت لترقّيه ما حتم له به من المراتب السنية بمقتضى الاستحقاق وحكم- من رقمت أوامرنا له حلّة منصب يجدّدها الإحسان، وأمرت له مراسمنا بوظيفة تؤكّد عوارفنا الحسان، وأثّلت [له] «٢» نعمنا منصبا أعدّ له من كمال الأهليّة أكمل ما يعدّه لذلك الإنسان.
ولما كان فلان هو الذي تحلّى من إحساننا بما يأمن [معه] «٣» سعيد رتبته [من] «٤» العطل «٥» ، واتّسم من برّنا وامتناننا بما هو في حكم المستقر له وإن ألوى به الدّهر ومطل- اقتضى إحساننا أن نجدّد له مواقع النّعم، ونشيّد من رجائه مواضع ما شمله من البرّ والكرم، ونري من عدق بنا رجاء أمله أنّنا نتعاهد سقيا
стр. 5567
آمال الأولياء والخدم.
فلذلك رسم ... - لا زال برّه شاملا، وبدره في أفق الإحسان كاملا- أن يفوّض إليه نظر الحسبة ويستمرّ في ذلك على حكم التوقيع الشريف الّذي بيده:
لما سبق من اختياره لذلك واصطفائه، وادّخاره لهذا المنصب من كفاة أعيانه وأعيان أكفائه، ولما تحلّى [به] من رياسة زانته عقودها، وتكمّل له من أصالة ضفت عليه حبرها وسمت به برودها «١» ، وتجمّل به من نزاهة أشرقت في أفق صعودها إلى الرتبة الجليلة سعودها، واتّصف به من كمال معرفة نجّزت له به من مطالب المناصب وعودها.
فليباشر ذلك معطيا هذه الوظيفة من حسن النّظر حقّها، محقّقا بجميل تصرّفه تقدّم أولويّته وسبقها، وليكن لأمر الأقوات ملاحظا، وعلى منع ذوي الغدر من الاحتكار المضيّق على الضّعفاء محافظا، وعلى الغشّ في الأقوات مؤدّبا، ولإجراء الموازين على حكم القسط مرتّبا، ولمن يرفع الأسعار لغير سبب رادعا، ولمن لا يزعه الكلام من المطفّفين «٢» بالتّأديب وازعا، ولقيم الأشياء محرّرا، ولقانون الجودة في المزروع والموزون مقرّرا، ولذوي الهيئات بلزوم شرائط المروءة آخذا، وعلى ترك الجمع والجماعات لعامة الناس مؤاخذا، ولتقوى الله تعالى في كلّ أمر مقدّما، وبما يخلّصه من الله تعالى لكل ما تقع به المعاملات بين الناس مقوّما؛ وفي خصائص نفسه ما يغنيه عن تأكيد الوصايا، وتكرار الحثّ على تقوى الله تعالى الّتي هي أشرف المزايا؛ فليجعلها شعار نفسه، ونجيّ أنسه، ومسدّد أحواله الّتي تظهر بها مزيّة يومه على أمسه؛ والخط الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه، حجّة بمقتضاه.
стр. 5568
وهذه نسخة توقيع بنظر الحسبة الشريفة، من إنشاء المقرّ الشّهابي بن فضل الله، مضافا إلى نظر أوقاف الملوك، وهي:
الحمد لله مثيب من احتسب، ومجيب المنيب فيما اكتسب.
نحمده حمدا رسب الأدب صرب الطرب «١» ، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة ظاهرة الحسب، طاهرة النسب، ونشهد أن سيّدنا محمدا عبده ورسوله أفضل من انتدى وانتدب، وأدّب أمّته فأحسن الأدب، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة يكتتم أجرها فيكتتب، ويستتم بها كل صلاح [ويغتنم بها كلا فلاح] «٢» ، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ الحسبة الشريفة هي قانون جوادّ «٣» الأوضاع، ومضمون موادّ الإجماع، تجمع إلى الشريعة الشريفة سياسة يرهب جدّها، ويرهف حدّها، وتخشى الرعايا سطوات مباشرها، وتتنحّى عما تصبّه سيول بوادرها؛ وأصحابها الآلة الّتي هي أخت السّيف في التّأثير، ولكلّ منهما سطوة تخاف لا فرق بينهما إلّا ما بين التّأنيث والتّذكير «٤» ، وله التّصرّف المطلق، والتّعرّف الّذي يفتح من الحوانيت على أربابها كلّ باب مغلق، ولركوبه في المدينة زينة يحشر لها النّاس ضحى، ورهبة يغدو بها كلّ أمين لشأنه مصلحا؛ وإليه الرجوع في كلّ تقويم، وهو المرجوّ في كلّ أمر عظيم؛ وهي بدمشق- حرسها الله تعالى- من أجلّ المناصب الّتي تتعلّق [عو] «٥» اليها بيد متولّيها وتؤمل منازل البدور، وإنّ ربّها ترجع إلى تصريفه أزمّة الأمور، وينتجع سحابه الهطل غمامة الجمهور، وتحيا به سنّة عمريّة «٦» لولاها لضاقت رحاب المعاملات، وضاعت بالغشّ المعايش
стр. 5569
المتداخلات، وظهر الغبن في غالب ما يشرى ويباع، وانتشر التطفيف [الذي] يزيل راجحة الميزان ونوّ «١» الزّرّاع؛ ولكم ناب بحسن تدبيره عن الغمام، ونظر في الدّقيق والجليل للخاصّ والعام، طالما انحطّ به سعر غلا أن يقوّم، ووجد من الأقوات صنف لا يوجد ولو بذل من الشمس دينار والبدر درهم.
وكان المجلس السّاميّ، والقضائيّ الأجلّيّ، والكبيريّ، الصّدريّ، الرّئيسيّ، العالميّ، الكافليّ، الفاضليّ، الأوحديّ، الأثيريّ، الماجديّ، الأصيليّ، العماديّ، مجد الإسلام، شرف الرؤساء، بهاء الأنام، جمال الصّدور، فخر الأعيان، خالصة الدّولة، صفوة الملوك السّلاطين: أدام الله علوّه، هو الّذي ربّته السّيادة على وسادها، ولبّته السّعادة إلى مرادها، وبنت العلياء قواعدها على عماده، وثنت المراتب أعناقها متشوّفة إلى حسن اعتماده، وباشر الجامع المعمور خصوصا والأوقاف الشّاميّة عموما فعمرها، وكثّر أعدادها وأنمى من بركات نظره متحصلاتها وثمرها، وشيد في كلّ منها مواطن عبادة، وملتقى حلقة ومدار سبحة ومفرش سجّادة، وأبى الله أن يقاس به أحد والجامع الفاروق وللّذين أحسنوا الحسنى وزيادة؛ فأوجب له جميل نظرنا أن نضاعف له الأجر في كلّ عمل إليه ينتسب، ونزيده في رزقه سعة: من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب؛ فرأينا أنّه أحقّ أن يقلّد من أمور الحسبة الشريفة حكمها المصرّف، وحكمها المعرّف، ويقام فيها بهدي من تقدّمه في تقرير أمورها على أثبت القواعد، وتقدير مصالحها على أجمل ما جرت به العوائد، ويطهّر أقواتها من الدّنس فيما يحضر على الموائد، وإخافة الأعناق من مضاربه الّتي تقطع ما غفا السيف عنه من مناط القلائد.
فرسم بالأمر الشّريف العالي- لا زالت بمراسيمه تتلقّى كلّ رتبة، وتتوقّى
стр. 5570
الدنايا بمن يقوم بالحسبة- أن يفوّض إليه النّظر على الحسبة الشّريفة بدمشق وما معها من الممالك الشامية المضافة إليها، بالمعلوم المستقر، الشاهد به الديوان المعمور إلى آخر وقت: مضافا إلى ما هو بيده: من نظر الأوقاف المبرورة بالشّام، وأوقاف الملوك، خلا نظر الجامع المعمور إلى آخر وقت بحكم إفراده لمن عين له، تفويضا يضمّه إلى ربائب كنفه، ويعمّه بمواهب شرفه، ويحلّه في أعلى غرفه، ويحلّيه بما يحسد الدّرّ ما رمى من صدفه.
فاتّق الله في أحوالك، وانتق من يجمع عليه من النوّاب في أعمالك، وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر، فمنك المنكر لا يعرف والمعروف منك لا ينكر، واعتبر أحوال أرباب المعايش اعتبارا يصلح للناس أقواتهم، ويرغد أوقاتهم، ولا تدع صاحب سلعة يتعدّى إلى غير ما أحلّه الله له من المكاسب، ولا صاحب معيشة يقدم على تخلّل خلل في المآكل والمشارب، واقصد التّسوية بالحقّ فإنه سواء فيه البائع والمشتري، ولا فرق بين الرّخيص والثمين، وأقم الموازين بالقسط حتّى لا تتمكن كفّاتها أن تتحامل ولا تتحمل، ولا يستطيع قلبها أن يميل مع من يتموّل، ولا يقدر لسانها أن يكتم الشهادة بالحقّ وإن كان مثقال حبّة من خردل، واجعل لك على أهل المبايعات حفظة لتظلّ أعمالهم لك تنسخ، وتفقّد الأسواق مما يتولّد فيها من المفاسد فإنّ الشّيطان ربّما باض في الأسواق وفرّخ. وأرباب الصنائع فيهم من يدلّس، وفقهاء المكاتب «١» منهم من لعرضه يدنّس، والقصّاص غالبهم يتعمّد الكذب في قصصه، وأهل النّجامة «٢» كم منهم من لعب مرّة بعقل امرأة وأمات رجلا بغصصه، وآخرون ممن تضلّ بهم العقول، وتظلّ حائرة فيهم النّقول، وكثير ممن سوى هؤلاء يدك مبسوطة عليهم، وأحكامك محيطة بهم من خلفهم وبين يديهم؛ فقوّم منهم من مال، وقلّد مالكا ﵁ فيما رآه من المعاقبة تارة بإنهاك الجسد وتارة بإفساد المال؛ فربّما
следующие страницы →