Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.
стр. 5566
واحد، كما بالديار المصرية.
الوظيفة الثالثة- الحسبة «١»
وهذه نسخة توقيع بالحسبة الشريفة:
الحمد لله مجدّد النّعم في دولتنا الشريفة لمن ضفت عليه ملابسها، ومضاعف المنن في أيامنا الزاهرة لمن سمت به نفائسها، ومولي الآلاء لمن بسق غرسها لديه فزهت بجماله ثمراتها وزكت مغارسها.
نحمده على نعمه الّتي تؤنس بالشكر أوانسها، وتؤسّس على التّقوى مجالسها؛ ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة استضاء بنور الإيمان قابسها، واجتنى ثمر الهدى غارسها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أشرف من أشرقت به معالم التوحيد فعمر دارسها، وأشرق دامسها، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين قلوبهم مشاهد الذّكر وألسنتهم مدارسها، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن أولى من أمضي له ما كان به أمر ورسم، وجدّد له من المناصب الدّينية ما عرف به من قبل ووسم، وأثبت لترقّيه ما حتم له به من المراتب السنية بمقتضى الاستحقاق وحكم- من رقمت أوامرنا له حلّة منصب يجدّدها الإحسان، وأمرت له مراسمنا بوظيفة تؤكّد عوارفنا الحسان، وأثّلت [له] «٢» نعمنا منصبا أعدّ له من كمال الأهليّة أكمل ما يعدّه لذلك الإنسان.
ولما كان فلان هو الذي تحلّى من إحساننا بما يأمن [معه] «٣» سعيد رتبته [من] «٤» العطل «٥» ، واتّسم من برّنا وامتناننا بما هو في حكم المستقر له وإن ألوى به الدّهر ومطل- اقتضى إحساننا أن نجدّد له مواقع النّعم، ونشيّد من رجائه مواضع ما شمله من البرّ والكرم، ونري من عدق بنا رجاء أمله أنّنا نتعاهد سقيا
стр. 5567
آمال الأولياء والخدم.
فلذلك رسم ... - لا زال برّه شاملا، وبدره في أفق الإحسان كاملا- أن يفوّض إليه نظر الحسبة ويستمرّ في ذلك على حكم التوقيع الشريف الّذي بيده:
لما سبق من اختياره لذلك واصطفائه، وادّخاره لهذا المنصب من كفاة أعيانه وأعيان أكفائه، ولما تحلّى [به] من رياسة زانته عقودها، وتكمّل له من أصالة ضفت عليه حبرها وسمت به برودها «١» ، وتجمّل به من نزاهة أشرقت في أفق صعودها إلى الرتبة الجليلة سعودها، واتّصف به من كمال معرفة نجّزت له به من مطالب المناصب وعودها.
فليباشر ذلك معطيا هذه الوظيفة من حسن النّظر حقّها، محقّقا بجميل تصرّفه تقدّم أولويّته وسبقها، وليكن لأمر الأقوات ملاحظا، وعلى منع ذوي الغدر من الاحتكار المضيّق على الضّعفاء محافظا، وعلى الغشّ في الأقوات مؤدّبا، ولإجراء الموازين على حكم القسط مرتّبا، ولمن يرفع الأسعار لغير سبب رادعا، ولمن لا يزعه الكلام من المطفّفين «٢» بالتّأديب وازعا، ولقيم الأشياء محرّرا، ولقانون الجودة في المزروع والموزون مقرّرا، ولذوي الهيئات بلزوم شرائط المروءة آخذا، وعلى ترك الجمع والجماعات لعامة الناس مؤاخذا، ولتقوى الله تعالى في كلّ أمر مقدّما، وبما يخلّصه من الله تعالى لكل ما تقع به المعاملات بين الناس مقوّما؛ وفي خصائص نفسه ما يغنيه عن تأكيد الوصايا، وتكرار الحثّ على تقوى الله تعالى الّتي هي أشرف المزايا؛ فليجعلها شعار نفسه، ونجيّ أنسه، ومسدّد أحواله الّتي تظهر بها مزيّة يومه على أمسه؛ والخط الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه، حجّة بمقتضاه.
стр. 5568
وهذه نسخة توقيع بنظر الحسبة الشريفة، من إنشاء المقرّ الشّهابي بن فضل الله، مضافا إلى نظر أوقاف الملوك، وهي:
الحمد لله مثيب من احتسب، ومجيب المنيب فيما اكتسب.
نحمده حمدا رسب الأدب صرب الطرب «١» ، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة ظاهرة الحسب، طاهرة النسب، ونشهد أن سيّدنا محمدا عبده ورسوله أفضل من انتدى وانتدب، وأدّب أمّته فأحسن الأدب، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة يكتتم أجرها فيكتتب، ويستتم بها كل صلاح [ويغتنم بها كلا فلاح] «٢» ، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ الحسبة الشريفة هي قانون جوادّ «٣» الأوضاع، ومضمون موادّ الإجماع، تجمع إلى الشريعة الشريفة سياسة يرهب جدّها، ويرهف حدّها، وتخشى الرعايا سطوات مباشرها، وتتنحّى عما تصبّه سيول بوادرها؛ وأصحابها الآلة الّتي هي أخت السّيف في التّأثير، ولكلّ منهما سطوة تخاف لا فرق بينهما إلّا ما بين التّأنيث والتّذكير «٤» ، وله التّصرّف المطلق، والتّعرّف الّذي يفتح من الحوانيت على أربابها كلّ باب مغلق، ولركوبه في المدينة زينة يحشر لها النّاس ضحى، ورهبة يغدو بها كلّ أمين لشأنه مصلحا؛ وإليه الرجوع في كلّ تقويم، وهو المرجوّ في كلّ أمر عظيم؛ وهي بدمشق- حرسها الله تعالى- من أجلّ المناصب الّتي تتعلّق [عو] «٥» اليها بيد متولّيها وتؤمل منازل البدور، وإنّ ربّها ترجع إلى تصريفه أزمّة الأمور، وينتجع سحابه الهطل غمامة الجمهور، وتحيا به سنّة عمريّة «٦» لولاها لضاقت رحاب المعاملات، وضاعت بالغشّ المعايش
стр. 5569
المتداخلات، وظهر الغبن في غالب ما يشرى ويباع، وانتشر التطفيف [الذي] يزيل راجحة الميزان ونوّ «١» الزّرّاع؛ ولكم ناب بحسن تدبيره عن الغمام، ونظر في الدّقيق والجليل للخاصّ والعام، طالما انحطّ به سعر غلا أن يقوّم، ووجد من الأقوات صنف لا يوجد ولو بذل من الشمس دينار والبدر درهم.
وكان المجلس السّاميّ، والقضائيّ الأجلّيّ، والكبيريّ، الصّدريّ، الرّئيسيّ، العالميّ، الكافليّ، الفاضليّ، الأوحديّ، الأثيريّ، الماجديّ، الأصيليّ، العماديّ، مجد الإسلام، شرف الرؤساء، بهاء الأنام، جمال الصّدور، فخر الأعيان، خالصة الدّولة، صفوة الملوك السّلاطين: أدام الله علوّه، هو الّذي ربّته السّيادة على وسادها، ولبّته السّعادة إلى مرادها، وبنت العلياء قواعدها على عماده، وثنت المراتب أعناقها متشوّفة إلى حسن اعتماده، وباشر الجامع المعمور خصوصا والأوقاف الشّاميّة عموما فعمرها، وكثّر أعدادها وأنمى من بركات نظره متحصلاتها وثمرها، وشيد في كلّ منها مواطن عبادة، وملتقى حلقة ومدار سبحة ومفرش سجّادة، وأبى الله أن يقاس به أحد والجامع الفاروق وللّذين أحسنوا الحسنى وزيادة؛ فأوجب له جميل نظرنا أن نضاعف له الأجر في كلّ عمل إليه ينتسب، ونزيده في رزقه سعة: من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب؛ فرأينا أنّه أحقّ أن يقلّد من أمور الحسبة الشريفة حكمها المصرّف، وحكمها المعرّف، ويقام فيها بهدي من تقدّمه في تقرير أمورها على أثبت القواعد، وتقدير مصالحها على أجمل ما جرت به العوائد، ويطهّر أقواتها من الدّنس فيما يحضر على الموائد، وإخافة الأعناق من مضاربه الّتي تقطع ما غفا السيف عنه من مناط القلائد.
فرسم بالأمر الشّريف العالي- لا زالت بمراسيمه تتلقّى كلّ رتبة، وتتوقّى
стр. 5570
الدنايا بمن يقوم بالحسبة- أن يفوّض إليه النّظر على الحسبة الشّريفة بدمشق وما معها من الممالك الشامية المضافة إليها، بالمعلوم المستقر، الشاهد به الديوان المعمور إلى آخر وقت: مضافا إلى ما هو بيده: من نظر الأوقاف المبرورة بالشّام، وأوقاف الملوك، خلا نظر الجامع المعمور إلى آخر وقت بحكم إفراده لمن عين له، تفويضا يضمّه إلى ربائب كنفه، ويعمّه بمواهب شرفه، ويحلّه في أعلى غرفه، ويحلّيه بما يحسد الدّرّ ما رمى من صدفه.
فاتّق الله في أحوالك، وانتق من يجمع عليه من النوّاب في أعمالك، وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر، فمنك المنكر لا يعرف والمعروف منك لا ينكر، واعتبر أحوال أرباب المعايش اعتبارا يصلح للناس أقواتهم، ويرغد أوقاتهم، ولا تدع صاحب سلعة يتعدّى إلى غير ما أحلّه الله له من المكاسب، ولا صاحب معيشة يقدم على تخلّل خلل في المآكل والمشارب، واقصد التّسوية بالحقّ فإنه سواء فيه البائع والمشتري، ولا فرق بين الرّخيص والثمين، وأقم الموازين بالقسط حتّى لا تتمكن كفّاتها أن تتحامل ولا تتحمل، ولا يستطيع قلبها أن يميل مع من يتموّل، ولا يقدر لسانها أن يكتم الشهادة بالحقّ وإن كان مثقال حبّة من خردل، واجعل لك على أهل المبايعات حفظة لتظلّ أعمالهم لك تنسخ، وتفقّد الأسواق مما يتولّد فيها من المفاسد فإنّ الشّيطان ربّما باض في الأسواق وفرّخ. وأرباب الصنائع فيهم من يدلّس، وفقهاء المكاتب «١» منهم من لعرضه يدنّس، والقصّاص غالبهم يتعمّد الكذب في قصصه، وأهل النّجامة «٢» كم منهم من لعب مرّة بعقل امرأة وأمات رجلا بغصصه، وآخرون ممن تضلّ بهم العقول، وتظلّ حائرة فيهم النّقول، وكثير ممن سوى هؤلاء يدك مبسوطة عليهم، وأحكامك محيطة بهم من خلفهم وبين يديهم؛ فقوّم منهم من مال، وقلّد مالكا ﵁ فيما رآه من المعاقبة تارة بإنهاك الجسد وتارة بإفساد المال؛ فربّما
стр. 5571
أطغى الغنى والمصباح فربما قطّب...... «١» ...... وثمّ من لا يستقيم حتّى يؤدّب، ومن لا يلمّ على شعث وأيّ الرّجال المهذّب «٢» ؛ وفيك من الألمعية نور باهر، وكوكب زاهر؛ فلا حاجة إلى أن تلقي الوصايا أقلامها أيّها يكفلك، ولا تنبّهك على زينة العفاف فيها وهو حللك؛ والله تعالى يوفّق اعتمادك، ويوفّر من التّقوى زادك؛ والاعتماد على الخط الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه، حجة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
الوظيفة الرابعة- وكالة بيت المال المعمور .
وهذه نسخة توقيع بوكالة بيت المال، من إنشاء القاضي تاج الدين البارنباريّ «٣» ، للقاضي نجم الدين أبي الطّيّب «٤» .
الحمد لله الّذي جعل الطّيّبات للطّيّبين، وهدى بالنّجم المنير السّبيل المبين، وعدق بأئمة الدّين مصالح المسلمين، وآتانا بتفويضنا إليه، وتوكّلنا عليه، شرفا في الشّأن وقوّة في اليقين.
نحمده على أن أعان بخيره وهو خير معين، ونشكره على أن بصّرنا في الإرادات، بالملائكة المقرّبين، ونصرنا في الولايات، بالقويّ الأمين، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة أنوارها في القلب مشرقة على
стр. 5572
الصّفحات والجبين، وأذكارها على اللّسان جعلت الإنسان من صالح المؤمنين، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله هادي المهتدين، وموّضح شرعة الإحسان للمحسنين، و «أبو الطّيّب» «١» و «أبو القاسم» كنّي بأولاده المطهّرين، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين منهم من كان من السّابقين الأوّلين، ومنهم من كان مهيبا للكفر يهين، ومنهم من تزوّج بابنتي «٢» الرسول ولم يتّفق ذلك لغيره من سالف السنين، ومنهم من كان الخير ملء يديه: فشمول البركة بشماله وذو الفقار في اليمين، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فأكرم التفويض ما صادف محلّا، وأبرك الولايات ما وجد قدرا معلّى، وأحسن الإحسان ما أصبح به الحال محلّى، وأسنى الأنجم ما أشرق في مطلعه وتجلّى، وأحقّ [الولاة] «٣» بإعلاء منصبه من أقبلت عليه وجوه الإقبال حين تولّى، وأولى [الولايات] «٤» بإجمال النّظر وإمعانه، في تشييد شانه، وتمكين مكانته ومكانه، وحفظ حوزته من سائر أركانه- وكالة بيت المال المعمور الّتي بها تصان الأرض المقيسة، ومنها تستبصر الآراء الرئيسة، وبها يؤمن الاستيلاء على المحالّ والأبنية من كلّ جائر، وبها تزاد قيم المبيعات مما هو لبيت المال ما بين عامر وداثر، وإلى متولّيها تأتي الرغبات ممن يبتاع أرضا، وبه تمضى المصالح وتقضى، وبه يظهر التمييز في الثّمن الأرضى؛ وهي في الشّام فخيمة المقدار، كريمة الآثار، مرضيّة بالربح في كل أرض بيّنة المصالح في كلّ بناء دائرة بالنجح في كل دار؛ فلا يشيم برقها، ويتوّج فرقها، ويوفّيها حقّها، إلّا من له علم وتبصرة، وعرفان أوضح الطريق وأظهره، وحسن رأي فيما
стр. 5573
آثره وأثّره، وصدارة ورد بها منهل الكرام البررة.
وكان فلان هو ذو السّؤدد العريق، والباسق في الدّوح الوريق، والمنتسب إلى أعزّ فريق، والطّيّب أصلا وفرعا على التّحقيق، والإمام في علومه الّتي أصّلت التّفريع ووصلت التّفريق، والموفّق فيما يأتي ويذر والله وليّ التّوفيق، قد أشرق بدمشق نجمه نورا، وابتسم البرق الشّاميّ به سرورا، وتصدّر بمحافلها فشرح صدورا، وابتنى له سؤددا وجعل مكارم الأخلاق عليه سورا، تلقى بمحضره المسائل فتلقى منه وليّا مرشدا، وتذكر لديه المباحث فتجد على ذهنه المتوقدّ هدى، وإذا اضطرب قول مشكل سكن بإبانته وهدا؛ إن تأوّل أصاب في تأويله، وإن نظر في مصلحة كان رأيه في السّداد موافقا لقيله، وقد استخرنا الله تعالى- وهو نعم الوكيل- في توكيله.
فلذلك رسم بالأمر الشريف أن يفوّض إليه..........
فليأت هذا المنصب المنصبّ وبل بركته من بابه، وليخيّم في فسيح رحابه، ولينعم بجنّاته في جنابه، وليحرّر ما يباع من أملاك بيت المال بشروطه ولوازمه المسطورة في كتابه، وليردع من استولى على أرض باغتصابه، فليس لعرق ظالم حقّ: وهو إما بناء بإنشائه وإمّا غراس بإنشابه، وما يرتجع إلى بيت المال المعمور من أرض وعقار، وروضات ذات غراس وأنهار، وقرّى وما يضاف إلى ذلك من آثار؛ فليحرّر مجموعه، وليسلك في ذلك الطريقة المشروعة، وليشفق إشفاق المتّقين الماهدين لمآلهم، ولينصح لنا وللمسلمين فهو وكيل بيت مالهم. ومن مات ولا وارث له من عصبة أو كلالة «١» ، فإنّ لبيت المال أرضه وداره وماله.
стр. 5574
وقد وكلنا إليك هذا التقليد وقلّدناك هذه الوكالة، ووالدك- ﵀ كانت مفوّضة إليه قديما فلذلك أحيينا بك تلك الأصالة.
واعلم- أعزك الله- أنّ الوصايا إن طالت فقد طاب سبحها، وإن أوجزت فقد كفى لمعها ولمحها؛ وعلى الأمرين فقد أنارها هنا بالتوفيق صبحها، وحسن بالتصديق شرحها، وأطرب من حمام أقلامها صدحها، والتّقوى فهي أوّلها وآخرها وختمها وفتحها، والله تعالى يسقي بك كلّ قضبة [ذوى] صيحها «١» ، والخير يكون إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة توقيع شريف بوكالة بيت المال بالشّام أيضا:
الحمد لله كافي من توكّل عليه، ومحسن مآل من فوّض أمره إليه، ومجمّل مآب من قدّم رجاءنا عند الهجرة إلى أبوابنا بين يديه، ومقرّ عين من أسهر في استمطار عوارفنا بكمال الأدوات ناظريه.
نحمده على نعمه الّتي جعلت سعي من أمّ كرمنا، مشكورا، وسعد من قصد حرمنا، مشهورا، وإقبال من أقبل إلى أبوابنا العالية محقّقا يتقلّب في نعمنا محبورا، وينقلب إلى أهله مسرورا، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة نعتضد فيها بالإخلاص ونعتصم، ونتمسّك في الدّنيا والآخرة بعروتها، التي لا تنفصم، ونوكّل في إقامة دعوتها، سيوفنا الّتي لا تزال هي وأعناق جاحديها تختصم، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي أضاءت شريعته، فلم تخف على ذي نظر، وأنارت ملّته، فأبصرها القلب قبل البصر، وعمّت دعوته، فاستوى في وجوب إجابتها البشر، واختصت أمّته، بعلماء يبصرون من في طرفه عمى ويظهرون حقّ من في باعه قصر، صلّى الله عليه وعلى آله الذين عملوا بما
стр. 5575
علموا، وعدلوا فيما حكموا، وحفظوا بالحقّ بيوت أموال الأمّة فاشترك أهل الملّة فيما غنموا، صلاة توكّل الإخلاص بإقامتها، وتكفّل الإيمان بإدامتها، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد: فإن أهمّ ما صرفت إليه الهمم، وأعمّ ما نوجب في اختيار الأكفاء له براءة الذّمم، وأخصّ ما اتّخذنا الاستخارة فيه دليلا، وأحقّ ما أقمنا عنّا فيه من أعيان الأمّة وكيلا، لا يدع حقّا للأمّة ما وجد إليه سبيلا- أمر بيت مال المسلمين الذي هو مادّة جهادهم، وجادّة جلادهم، وسبب استطاعتهم، وطريق إخلاصهم في طاعتهم، وسداد ثغورهم، وصلاح جمهورهم، وجماع ما فيه إتقان أحوالهم واستقرار أمورهم؛ ومن آكد مصالحه وأهمّها، وأخصّ قواعده وأعمّها، وأكمل أسباب وفوره وأتمّها، الوكالة الّتي تصون حقوقه أن تضاع، وتمنع خواصّه أن تشاع، وتحسن عن الأمّة في حفظ أموالها المناب، وتتولّى لكلّ من المسلمين فيما فرض الله لهم الدعوى والجواب؛ ولذلك لم نزل نتخيّر لها من ذخائر العلماء من زان الورع سجاياه، وكمّل العلم مزاياه، وانعقد الإجماع على كماله، وقصرت الأطماع عن التّحلّي بجمال علمه: وهل يبارى من كان علمه من جماله.
ولما كان المجلس الساميّ، الشّيخيّ، الفلانيّ، هو الّذي ظهرت فضائله وعلومه، ودلّ على بلوغ الغاية منطوق نعته ومفهومه، وحلّى علمه بالورع الّذي هو كمال الدين على الحقيقة، وسلك طريقة أبيه في التّفرّد بالفضائل فكان بحكم الإرث من غير خلاف صاحب تلك الطّريقة، مع نسب لنسيب ما مرّ حلاله، وتقّى ما ورثه من أبيه عن كلالة، وثبات في ثبوت الحقّ لا تستفزّه الأغراض، وأناة في قبول الحكم لا تحيل جواهره الأعراض، ووقوف مع الحقّ لا يبعده إلى ما [لا] «١» يجب، وبسطة في العلم بها يقبل ما يقبل ويجتنب ما
стр. 5576
يجتنب، وتحقيق تجري الدّعاوى الشرعيّة على محجّته، وإنصاف لا يضرّ خصمه معه كونه ألحن «١» منه بحجّته، مع وفادة إلى أبوابنا العالية تقاضت له كرمنا الجمّ، وفضلنا الّذي خصّ وعمّ- اقتضت آراؤنا الشريفة أن يرجع إلى وطنه مشمولا بالنّعم، مخصوصا من هذه الرتبة بالغاية الّتي يكبو دونها جواد الهمم، منصوصا على رفعة قدره الّتي جاءت هذه الوظيفة على قدر، مداوما [لشكر أبوابنا] «٢» على اختياره لها بعد إمعان الاختبار وإنعام النّظر.
فرسم بالأمر الشريف أن تفوّض إليه وكالة بيت المال المعمور بالشّام المحروس.
فليرق هذه الرتبة الّتي هي من أجلّ ما يرتقى، ويتلقّ هذه الوكالة الّتي مدار أمرها على التّقى وهو خير ما ينتقى، ويباشر هذه الوظيفة التي مناط حكمها في الورى الّذي لا تستخفّ صاحبه الأهواء ولا تستفزّه الرّقى، ولينهض بأعبائها مستقلّا بمصالحها، متصدّيا لمجالس حكمها العزيز لتحرير حقوق بيت المال وتحقيقها، متلقّيا ما يرد من أمر الدّعاوى الشرّعية الّتي يبتّ مثلها في وجهه بطريقها، منقّبا عن دوافع ما يثبت له وعليه، محسنا عن بيت المال الوكالة فيما جرّه الإرث الشرعيّ إليه، مستظهرا في المعاقدة بما جرت به العادة من وجوه الاحتراز، مجانبا جانب الحيف في الأخذ والعطاء بأبواب الرّخص وأسباب الجواز، منكّبا في تشدّده عن طريق الظّلم الّذي من تحلّى به كان عاطلا، سالكا في أموره جادّة العدل فإنّه سيّان من ترك حقّه وأخذ باطلا، مجتهدا في تحقيق ما وضح من الحقوق الشرعية وكمن، متتبّعا ما غالت الأيام في إخفائه فإنّ الحقّ لا يضيع بقدم العهد ولا يبطل بطول الزّمن.
وفي أوصافه الحسنة، وسجاياه الّتي غدت بها أقلام أيّامنا لسنة، وعلومه التي أسرت إليها أفكاره والعيون وسنة، ما يغني عن وصايا يطلق عنان اليراعة
стр. 5577
في تحديدها، أو قضايا ينطق لسان البراعة في توكيدها؛ ملاكها تقوى الله وهي سجيّة نفسه، ونجيّة أنسه، وحلية خلاله المعروفة في يومه وأمسه؛ فليقدّمها في كلّ أمر، ويقف عند رضا الله فيها لا رضا زيد ولا عمرو؛ والله الموفق بمنّه وكرمه.
[الوظيفة الخامسة- الخطابة] «١»
وهذه نسخة توقيع بالخطابة بالجامع الأموي، كتب بها لزين الدّين الفارقيّ «٢» ، من إنشاء الشيخ شهاب الدّين محمود الحلبيّ:
الحمد لله رافع الّذين أوتوا العلم درجات، وجاعل أرجاء المنابر بفضائل أئمّة الأمّة أرجات، وشارح الصّدور بذكره بعد أن كانت من قبل المواعظ حرجات، الّذي زان الدّين من العلماء بمن سلّمت له فيه الإمامة، وصان العلم من الأئمة المتقين بمن أصحب «٣» له جامح الفضل يصرّف كيف شاء زمامه، ووطّد ذروة المنبر الكريم لمن يحفظ في هداية الأمّة حقّه ويرعى في البداية بنفسه ذمامه، ووطّأ صدر المحراب المنير لمن إذا أمّ الأمّة أرته خشية الله أنّ وجه الله الكريم أمامه.
نحمده على ما منحنا من صون صهوات المنابر إلا عن فرسانها، وحفظ درجات العلم إلا عمّن ينظر بإنسان السّنّة وينطق بلسانها، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة لا تزال أفواه المحابر، تثبت طروسها، وأنواء المنابر، تنبت غروسها، وألسنة الإخلاص تلقي على المسامع من صحف الضّمائر دروسها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي شرّفت المنابر أوّلا برقيّه إليها، وآخرا بذكر اسمه الكريم عليها؛ فهي الرّتبة الّتي يزيد تبصرة على ممرّ الدّهور
стр. 5578
بقاؤها، والدّرجة الّتي يطول إلا على ورثة علمه ارتقاؤها، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الّذين ذكّرهم بأيام الله فذكروها، وبصّرهم بآلاء الله فشكروها، وعرّفهم بمواقع وحدانيّته فجادلوا بسنّته وأسنّته الذين أنكروها، صلاة لا تبرح لها الأرض مسجدا، ولا يزال ذكرها مغيرا في الآفاق ومنجدا، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّه لمّا كانت الخطابة من أشهر شعائر الإسلام، واظهر شعار ملّة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، شرعها الله تعالى لإذكار خلقه بنعمه، وتحذير عباده من نقمه، وإعلام بريّته بما أعدّ لمن أطاعه في دار كرامته من أنواع كرمه، وجعلها من وظائف الأمة العامّة، ومن قواعد وراثة النّبوّة التامة؛ يقف المتلبّس بها موقف الإبلاغ عن الله لعباده، ويقوم النّاهض بفرضها مقام المؤدّي عن رسول الله- ﷺ إلى أمّته عن مراد الله ورسوله دون مراده، ويقيمها في فروض الكفايات على سنن [سبله] «١» ، ويستنزل بها موادّ الرحمة إذا ضنّ الغيث على الأرض بوبله؛ وكان المسجد الجامع بدمشق المحروسة هو الّذي سارت بذكره الأمثال، وقيل هذا من أفراد الدّهر الّتي وضعت على غير مثال، قد تعيّن أن نرتاد له بحكم خلوّه من الأئمة من هو مثله فرد الآفاق، وواحد العصر عند الإطلاق، وإمام علماء زمانه غير مدافع عن ذلك، وعلّامة أئمّة أوانه الّذي يضيء بنور فتاويه ليل الشّكّ الحالك، وناصر السّنّة الّذي تذبّ علومه عنها، وحاوي ذخائر الفضائل الّتي تنمي على كثرة إنفاقه على الطّلبة منها، وشيخ الدّنيا الّذي يعقد على فضله بالخناصر، ورحلة «٢» الأقطار الّذي غدت نسبته إلى أنواع العلوم زاكية الأحساب طاهرة الأواصر، وزاهد الوقت الذي زان العلم بالعمل، وناسك الدّهر الّذي صان الورع بامتداد الفضائل وقصر الأمل، والعابد الّذي أصبح حجّة العارف وقدوة السّالك، والصّادع بالحقّ الّذي لا يبالي من أغضب
стр. 5579
إذا رضي الله ورسوله بذلك.
ولما كان فلان هو الّذي خطبته لهذه الخطابة علومه الّتي لا تسامى ولا تسام، وعيّنته لهذه الإمامة فضائله الّتي حسنت بها وجوه العلم الوسام، حتّى كأنّها في فم الزمن ابتسام، وألقى إليه مقاليدها كماله الّذي صدّ عنها الخطّاب، وسدّ دونها أبواب الخطاب، وقيل: هذا الإمام الشافعيّ أولى بهذا المنبر وأحرى بهذا المحراب- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نحلّي أعطاف هذا المنبر بفضله الذي يعيد عوده رطيبا، ويضمّخ طيبا منه ما ضمّ خطيبا، وأن نصدّر بهذا المحراب من نعلم أنّه لدى الأمّة مناج لربّه، واقف بين يدي من يحول بين المرء وقلبه.
فلذلك رسم......- لا زال يولّي الرّتب الحسان، ويجري بما أمر الله به من العدل والإحسان- أن تفوّض إليه الخطابة والإمامة بجامع دمشق المحروس على عادة من تقدّمه.
فليرق هذه الرّتبة الّتي أمطاه الله ذروتها، وأعطاه الفضل صهوتها، وعيّنه تفرّده بالفضائل لإذكار الأمّة عليها، ورجّحه لها انعقاد الإجماع على فضله حتّى كادت للشوق أن تسعى إليه لو لم يسع إليها، حتّى تختال منه بإمام لا تعدو مواعظه حبّات القلوب، لأنها تخرج من مثلها، ولا تدع خطبه أثرا للذّنوب، لأنّها توكّل ماء العيون بغسلها، ولا تبقي نصائحه للدّنيا عند المغترّ بها قدرا، لأنّها تبصّره بخداعها، ولا تترك بلاغته للمقصّر عن التّوبة عذرا: فإنّها تحذّره من سرعة زوال الحياة وانقطاعها، ولا تجعل فوائده لذوي النّجدة والبأس التفاتا إلى أهل ولا ولد لأنّها تبشّره بما أعدّ الله لمن خرج في سبيله، ولا تمكّن زواجره من نشر الظلم أن يمدّ إليه يدا لأنّها تخبره بما في الإقدام على ذلك من إغضاب الله ورسوله.
فليطل- مع قصر الخطبة- للظّالم مجال زجره، وليطب قلب العالم العامل بوصف ما أعدّ الله له من أجره، وليجعل خطبه كلّ وقت مقصورة على
стр. 5580
حكمه، مقصودة في وضوح المقاصد بين من ينهض بسرعة إدراكه أو يقعد به بطء فهمه؛ فخير الكلام ما دلّ ببلاغته، وإن قلّ، وإذا كان قصر خطبة الرجل وطول صلاته مئنّة «١» من فقهه فما قصّر من حافظ على حكم السّنة فيهما ولا أخلّ.
[وهذه] نسخة توقيع بالخطابة بالجامع الأمويّ، كتب به للقاضي «تقيّ الدّين السبكي» «٢» .
الحمد لله الّذي جعل درجات العلماء آخذة في مزيد الرّقيّ، وخصّ برفيع الدرجات من الأئمة الأعلام كلّ تقيّ، وألقى مقاليد الإمامة لمن يصون نفسه النّفيسة بالورع ويقي، وأعاد إلى معارج الجلال، من لم يزل يختار حميد الخلال، وينتقي، وأسدل جلباب السّؤدد على من أعدّ للصّلاة والصّلات من قلبه وثوبه كلّ طاهر نقيّ.
نحمده على أن أعلى علم الشّرع الشّريف وأقامه، وجعل كلمة التّقوى باقية في أهل العلم إلى يوم القيامة، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة عدل «٣» قيّد الفضل بالشكر وأدامه، وأيّد النّعمة بمزيد الحمد فلا غرو أن جمع بين الإمامة والزّعامة، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي أعلى الله به عقيرة مرتّل الأذان ومدرج الإقامة، وأغلى ببركته قيمة من تمسّك بسبيل الهدى ولازم طريق الاستقامة، صلّى الله عليه وعلى آله الذين عقدوا عهود هذا الدّين وحفظوا نظامه، وعلى أصحابه الذين ما منهم إلا من اقتدى بطريقه فاهتدى إلى
стр. 5581
طرق الكرامة، صلاة لا تزال بركاتها تؤيّد عقد اليقين وتديم ذمامه، وسلّم تسليما كثيرا.
أمّا بعد، فإن من شيم دولتنا الشريفة أن ترفع كلّ عالي المقدار مكانا عليّا، وتجعل له من اسمه وصفته قولا مسموعا وفعلا مرضيّا، وتوطّد له رتب المعالي وتزيد قدره فيها رقيّا، وتكسوهم من جلباب السّؤدد مطرفا «١» مباركا وطيّا، وتطلق لسان إمامه بالمواعظ الّتي إذا تعقّلها أولو الألباب خرّوا لطاعة ربّهم سجّدا وبكيّا.
ولما كان المجلس العالي هو الّذي أعزّ أحكام الشريعة الشّريفة وشادها، وأبدى من ألفاظه المباركة المواعظ الرّبّانيّة وأعادها، وأذاع فيها أسرار اليقين وزادها، وأصلح فسادها، وقوّم منادها «٢» ؛ وكيف لا وقد جمع من العلوم أشتاتا، وأحيا من معالم التّقى رفاتا، وأوضح من صفات العلماء العاملين بهديه وسمته هديا وسماتا، فلذلك خرج الأمر الشريف الصالحيّ العماديّ..........
قلت: وهذه نسخة توقيع بخطابته أيضا، أنشأته للشّيخ «شهاب الدين بن حاجّي» .
الحمد لله الّذي أطلع شهاب الفضائل في سماء معاليها، وزيّن صهوات المنابر بمن قرّت عيونها من ولايته المباركة بتواليها، وجمّل أعوادها بأجلّ حبر لو تستطيع فرق قدرتها لسعت إليه وفارقت- خرقا للعادة- مبانيها، وشرّف درجها بأكمل عالم ما وضع بأسافلها قدما إلا وحسدتها على السّبق إلى مسّ قدمه أعاليها.
стр. 5582
نحمده على أن خصّ مصاقع «١» الخطباء من فضل اللّسن بالباع المديد، وقصر الجامع الأمويّ على أبلغ خطيب يشيب في تطلّب مثله الوليد، وأفرد فريد الدّهر باعتبار الاستحقاق برقيّ درج منبره السّعيد، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تخفق على مواكب الصّفوف أعلامها، وتتوفّر من تذكير آلاء الله تعالى أقسامها، ولا تقصّر عن تبليغ المواعظ حبّات القلوب أفهامها، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ نبه القلوب الغافلة من سناتها، وأيقظ الخواطر النّائمة من سباتها، وأحيا رميم الأفئدة بقوارع المواعظ بعد مماتها، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين علا مقامهم، ففاتت أعقابهم الرّؤوس، ورفعت في المجامع رتبهم، فكانت منزلتهم منزلة الرّئيس من المرؤوس، صلاة لا تزال الأرض لها مسجدا، ولا يبرح مفترق المنابر باختراق الآفاق لاجتماعها موردا.
وبعد، فإنّ أولى ما صرفت العناية إليه، ووقع الاقتصار من أهمّ المهمّات عليه- أمر المساجد الّتي أقيم بها للدّين الحنيف رسمه، وبيوت العبادات الّتي أمر الله تعالى أن ترفع ويذكر فيها اسمه؛ لا سيّما الجوامع الّتي هي منها بمنزلة الملوك من الرّعيّة، وأماثل الأعيان من بين سائر البريّة؛ ومن أعظمها خطرا، وأبينها في المحاسن أثرا، وأسيرها في الآفاق النّائية خبرا، بعد المساجد الثلاثة التي تشدّ الرّحال إليها، ويعوّل في قصد الزيارة عليها- جامع دمشق الّذي رست في الفخر قواعده، وقامت على ممرّ الأيام شواهده، وقاوم الجمّ الغفير من الجوامع واحده، ولم تزل الملوك تصرف العناية إلى إقامة شعائر وظائفه، وتقتصر من أهل كلّ فنّ على رئيس ذلك الفنّ وعارفه؛ فما شغرت به وظيفة إلا اختاروا لها الأعلى والأرفع، ولا وقع التّردّد فيها بين اثنين إلّا تقيّلوا «٢» منهما الأعلم والأروع؛ خصوصا وظيفة الخطابة الّتي كان النّبيّ ﷺ للقيام بها
стр. 5583
متصدّيا، وعلم الخلفاء مقام شرفها بعد فباشروها بأنفسهم تأسّيا.
ولما كان المجلس العاليّ، القاضويّ، الشّيخيّ، الكبيريّ، العالميّ، الفاضليّ، الأوحديّ، الأكمليّ، الرّئيسيّ، المفوّهيّ، البليغيّ، الفريديّ، المفيديّ، النّجيديّ، القدويّ، الحجّيّ، المحقّقيّ، الورعيّ، الخاشعيّ، النّاسكيّ، الإماميّ، العلّاميّ، الأثيليّ، العريقيّ، الأصيليّ، الحاكميّ، الخطيبيّ، الشّهابيّ، جمال الإسلام والمسلمين، شرف العلماء العاملين، أوحد الفضلاء المفيدين، قدوة البلغاء المجتهدين، حجّة الأمّة، عمدة المحدّثين، فخر المدرّسين، مفتي المسلمين، معزّ السنة، قامع البدعة، مؤيّد الملّة، شمس الشّريعة، حجّة المتكلّمين، لسان المناظرين، بركة الدّولة، خطيب الخطباء، مذكّر القلوب، منبّه الخواطر، قدوة الملوك والسّلاطين، وليّ أمير المؤمنين «أبو العبّاس أحمد» أدام الله تعالى نعمته: هو الّذي خطبته هذه الخطابة لنفسها، وعلمت أنّه الكفء الكامل فنسيت به في يومها ما كان من مصاقع الخطباء في أمسها؛ إذ هو الإمام، الذي لا تسامى علومه ولا تسام، والعلّامة الّذي لا تدرك مداركه ولا ترام، والحبر الّذي تعقد على فضله الخناصر، والعالم الّذي يعترف بالقصور عن مجاراة جياده المناظر، والحافظ الذي قاوم علماء زمانه بلا منازع، وعلّامة أئمّة أوانه من غير مدافع، وناصر السّنّة الذي يذبّ بعلومه عنها، وجامع أشتات الفنون الّتي يقتبس أماثل العلماء منها، وزاهد الوقت الّذي زان العلم بالعمل، وناسك الدّهر الّذي قصّر عن مبلغ مداه الأمل، ورحلة الأقطار الّذي تشّد إليه الرّحال، وعالم الآفاق الّذي لم يسمح الدّهر له بمثال- اقتضى حسن الرأي الشريف أن نرفعه من المنابر على عليّ درجها، ونقطع ببراهينه من دلائل الإلباس الملبّسة داحض حججها، ونقدّمه على غيره ممن رام إبرام الباطل فنقض، وحاول رفع نفسه بغير أداة الرّفع فخفض.
فلذلك رسم بالأمر الشّريف العاليّ، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، المنصوريّ، المعزّيّ- لا زال يرفع لأهل العلم راسا، ويحقّق لذوي الجهل من بلوغ المراتب السّنيّة ياسا- أن يفوّض إلى المجلس العالي المشار إليه خطابة
стр. 5584
الجامع المذكور بانفراده، على أتمّ القواعد وأكملها، وأحسن العوائد وأجملها.
فليرق منبره الّذي عاقب فيه رامحه الطّالع أعزل غيره الغارب، وليتبوّأ ذروة سنامه الأرفع من غير شريك له ولا حاجب، وليقصد بمواعظه حبّات القلوب، ويرشق شهاب قراطيسها المانعة فإنّها الغرض المطلوب، وليأت من زواجر وعظه بما يذهب مذهب الأمثال السائرة، ويرسلها من صميم قلبه العامر فإنّ الوعظ لا يظهر أثره إلّا من القلوب العامرة، ويقابل كلّ قوم من التذكير بما يناسب أحوالهم على أكمل سنن، ويخصّ كلّا من أزمان السّنة بما يوافق ذلك الزّمن؛ والوصايا كثيرة وإنّما تهذيب العلم يغني عنها، وتأديب الشريعة يكفي مع القدر اليسير منها؛ وتقوى الله تعالى ملاك الأمور وعنده منها القدر الكافي، والحاصل الوافي؛ والله تعالى يرقّيه إلى أرفع الذّرى، ويرفع على الجوزاء مجلسه العالي: «وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا» .
الوظيفة السادسة- التّداريس الكبار بدمشق المحروسة.
وهذه نسخة توقيع بتدريس المدرسة الرّيحانية، كتب به لقاضي القضاة «عماد الدين الطّرسوسيّ» «١» الحنفيّ، عوضا عن جلال الدّين الرّازيّ. كتب بسؤال بعض كتّاب الإنشاء، وهي:
الحمد لله الّذي جعل عماد الدّين عليّا، وأحكم مباني من حكم فلم يدع عصيّا، وقضى في سابق قضائه لإمضاء قضائه أن لا يبقي عتيّا.
نحمده على ما وهب به من أوقات الذّكر بكرة وعشيّا، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تنبّه بالعلم بوحدانيّته من كان غبيّا، وتكبت لمقاتل سيوف العلماء من كان غويّا، ونشهد أنّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله الّذي كان
стр. 5585
عند ربّه رضيّا، وعلى ذبّه عمّا شرع من الدين مرضيّا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة لا يزال فضل قديمها مثل حديثها مرويّا، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فلّما كانت رتب العلم هي الّتي يتنافس عليها، ويتطاول إلى التّنقّل إليها، ويختار منها ما كسي بمباشرة المتقدّم ملابس الجلال، وآن له أن ينتقل إليه البدر بعد الهلال، وكانت المدرسة الرّيحانيّة بمحروسة دمشق هي ريحانة المجالس، وروضة العلم الزّاكية المغارس، وبحر الفوائد الّذي يخرج الفرائد، ومسرح العلماء الّذي قد آن أن يظفر به منهم من الألف زائد.
ولمّا توفّي من آلت إليه، وعالت مسألتها إلّا عليه، وكان ممّن قد ولي الأحكام استقلالا، وكان لبصر الدّنيا جلاء وللدّين جلالا، لم تكن إلّا لمن ينسى به ذلك الذّاهب، وينسب إليه علم مذهبه كلّه وإن كان لا يقتصر به على بعض المذاهب، ويعرف من هو وإن لم يصرّح باسمه، ويعرف من «١» هو وإن لم يذكر بعلاء قدره العليّ وعلمه، ولا يمترى «٢» أنّه خلف «أبا حنيفة» فيمن خلف، وحصل على مثل ما حصل عليه القاضي «أبو يوسف» «٣» وذهب ذلك في السّلف الأوّل مع من سلف، وأعلم بجداله أنّ «محمد بن الحسن» ليس من أقران أبي الحسن، وأنّ «زفر» «٤» لم يرزق طيب أنفاسه في براعة اللّسن، وأنّ «الطّحاويّ» «٥» ما طحا به «قلب إلى الحسان طروب» و «القاضي
стр. 5586
خان» «١» لديه منه الأنبوب، وتلقّب «شمس الأئمة» لما طلع علم أنّه قد حان من شمس النّهار غروب، و «الرّازيّ» لما جاء تيقّن أنّه يروزه «٢» عن علم الجيوب، و «المرغينانيّ» مسّ ولم يرغن «٣» له في مطلوب، و «الثّلجيّ» «٤» ما برّد لطالب غلّه، و «الخبّازيّ» «٥» لم يوجد عنده لطعام فضلة، و «الهندوانيّ» «٦» ما أجدى في جلاد الجدال ولا هزّ نصله؛ ولم يزل يشار إليه والتّقليد الشريف له بالحكم المطلق بما تضمّنه من محاسن أوصافه شاهد، ودست الحكم على على كيوان شائد، ومدارس العلم تسرّ من حبّه، ما حنيت عليه من محاريبها الأضالع، ومجالس القضاء تظهر بقربه، ما لم يكن تدانى إليه المواضع.
وكان الجناب الكريم، العاليّ، القضائيّ، الأجلّيّ، الإماميّ، الصّدريّ، العالميّ، العامليّ، العلّاميّ، الكامليّ، الفاضليّ، الأوحديّ، المفيديّ، الورعيّ، الحاكميّ، العماديّ، ضياء الإسلام، شرف الأنام، صدر الشّام، أثير الإمام، سيد العلماء والحكّام، رئيس الأصحاب، معزّ السّنة، مؤيّد الملّة،
стр. 5587
جلال الأئمّة، حكم الملوك والسلاطين، خالصة أمير المؤمنين، أبو الحسن عليّ بن الطّرسوسيّ الحنفيّ، قاضي القضاة بالشّام- نشر ملاءة مذهبه، وحلّى بجلوسه للحكم طرفي النّهار إضاءة مفضّضه وتوشيع مذهبه، طالما ساس الرّعيّة بحكمه، وساد نظراءه في معرفة العلوم الشّرعيّة بعلمه وحكمه، وسار مثل فضله في الأقطار وضوء الشّمس مرد شعاعه، فطال إلى السّماء وقصر الأفق الممتدّ على طول باعه، وفاض فيض الغمام وما اكتال البحر بكيله ولا صار مثل صاعه، وعرضت عليه هذه المدرسة الّتي لم يكن لغيره أن يحبى ريحانتها، ولا أن تؤدّى إلى يد سواه فيودع أمانتها، فآثرها على أنّه ترك المدرسة المقدّميّة المتقدّم له درسها، المعظّم به في كلّ حين غرسها، ليوسّع بها على الطالب مذهبه، ويفرغ لها ساعة من أوقاته المنتهبة، ويهب [لها] «١» من حقّه الّذي هو في يده ما لو شاء ما وهبه.
فرسم بالأمر الشريف- لا زال يقرّب الآماد، ويرضي القوم وأقضاهم عليّ وأثبتهم طودا العماد- أن يفوّض إليه تدريس المدرسة الرّيحانية المعيّنة أعلاه، على عادة من تقدّمه وقاعدته إلى آخر وقت، بحكم تركه للمقدّمية ليهبّ عليه روحها وتهب له السّعادة ريحها؛ ولها من البشرى بعلمه ما تميس به ريحانة ريحها سرورا، وتميد وقد أكنّت جبلا من العلم وقورا، وتمتدّ وقد نافحت في مسكة اللّيل عبيرا، وفي أقحوانة الصّباح كافورا؛ وما نوصي مثله- أجلّ الله قدره- بوصية إلا وهو يعلمها، ويلقّنها من حفظه ويعلّمها؛ ومن فصل قضائه تؤخذ الآداب، وتنفذ سهام الآراء والآراب. وتقوى الله بها باطنه معمور، وكلّ أحد بها مأمور؛ وما نذكّره بها إلّا على سبيل التّبرّك بذكرها، والتّمسّك بأمرها.
والفقهاء والمتفقّهة هم جنده؛ وبهم يجدّ جدّه، [فليجعلهم له في المشكلات عدّة، وليصرف في] «٢» الإحسان إليهم جهده؛ والله تعالى يعينه على ما ولي،
стр. 5588
ويعيّنه لكلّ علياء لا يصلح أن يحلّها إلّا عليّ. وسبيل كلّ واقف عليه العمل به بعد الخطّ الشريف أعلاه.
الوظيفة السابعة- التصادير بدمشق المحروسة .
وهذه نسخة توقيع أنشأته لقاضي القضاة «بدر الدّين محمد» ابن قاضي القضاة بهاء الدّين أبي البقاء «١» ، وولده جلال الدّين محمد، بإعادة تصديرين كانا باسمهما، بالجامع الأمويّ بدمشق: أحدهما انتقل إليهما عن سلفهما، والثاني بنزول، وخرج عنهما عند استيلاء «تنم» «٢» نائب الشّام على الشّام في سنة اثنتين وثمانمائة، ثم أعيد إليهما في شوّال من السنة المذكورة، في قطع الثّلث، وهي:
الحمد لله الّذي جعل بدر الدّين في أيّامنا الزاهرة متواصل رتب الكمال، متردّدا في فلك المعالي بأكرم مساغ بين بهاء وجلال، منزّها عن شوائب النّقص.
في جميع حالاته: فإما مرتقب الظهور في سراره، أو متّسم بالتمام في إبداره، أو آخذ في الازدياد وهو هلال.
نحمده على أن أقرّ الحقوق في أهلها، وانتزع من الأيدي الغاصبة ما اقتطعته الأيام الجائرة بجهلها، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تحمي قائلها من شوائب التّكدير، وتصون منتحلها من عوارض الإصدار إذا ورد أصفى
стр. 5589
مناهل التصدير، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ اقتفت أمّته آثاره واتّبعت سننه، وأكرم رسول دعا إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه أئمّة الحقّ وأعلام الهدى، وحماة الدّين وكفاة الرّدى، صلاة يبقى على مدى الأيّام حكمها، ولا يندرس على ممرّ اللّيالي رسمها، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من رعيت له الحقوق القديمة، وحفظت له مساعيه الكريمة، وخلّدت عليه النّعم الّتي حقّ لها أن تكون بأهلها مقيمة، من كرم أصلا وطاب فرعا، وزكا منبعا وعذب نبعا، ووقع الإجماع على فضله المتواتر فأعدق الحكم بتفضيله قطعا، ومن إذا تكلّم فاق بفضله نثر اللّالي، وإذا قدر قدره انحطّت عن بلوغ غايته المعالي، وإذا طلع بدره المضيء من أفق مجلسه الموروث عن أبيه وأعمامه قال: ليت أشياخي «١» شهدوا هذا المجلس العالي، ومن إذا جلس بحلقته البهيّة غشيته من الهيبة جلالة، وإذا أطافت به هالة الطّلبة والمستفيدين قيل: ما أحسن هذا البدر في هذه الهالة!، ومن تتيه طلبته على أكابر العلماء بالانتماء إليه، وتشمخ نفوس تلامذته على غيره من المتصدّرين بالجلوس بين يديه، ومن إذا أقام بمصر طلع بالشّام بدره، ولو أقام بالشّام بقي بمصر على الّدوام ذكره.
وكان المجلس العاليّ، القاضويّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، الأفضليّ، الأكمليّ، الأوحديّ، البليغيّ، الفريديّ، المفيديّ، النّجيديّ، القدويّ، الحجّيّ، المحقّقيّ، الإماميّ، الأصيليّ، البدريّ، جمال الإسلام والمسلمين، شرف العلماء العاملين، أوحد الفضلاء المفيدين، قدوة البلغاء،
стр. 5590
حجة الأدب، عمدة المحدّثين، فخر المدرّسين، مفتي الفرق، أوحد الأئمّة، زين الأمّة، خالصة الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين، أبو عبد الله، محمد ابن المجلس العاليّ، القاضويّ، الكبيريّ، المرحوميّ، البهائيّ، أبي البقاء الشّافعيّ، السّبكيّ، ضاعف الله تعالى نعمته: هو عين أعيان الزّمان، والمحدّث بفضله على ممرّ اللّيالي وليس الخبر كالعيان، ما ولي منصبا من المناصب الدّينيّة إلّا كان له أهلا، ولا أراد الانصراف من مجلس علم إلّا قال له مهلا، ولا استبدل به في وظيفة إلّا نسب مستبدله إلى الحيف، ولا صرف عن ولاية إلّا قال استحقاقه: كيف ساغ ذلك لمتعاطيه فكيف وكيف.
وكان ولده المجلس السّاميّ، القضائيّ، الكبيريّ، العالميّ، الفاضليّ، الكامليّ، البارعيّ، الأصيليّ، العريقيّ، الجلاليّ، ضياء الإسلام، فخر الأنام، زين الصدور، جمال الأعيان، نجل الأفاضل، سليل العلماء، صفوة الملوك والسلاطين، خالصة أمير المؤمنين، أبو «١» محمد بلّغ الله تعالى فيه [عارفيه] «٢» غاية الأمل، وأقرّ به عين الزّمان كما أقرّبه «٣» عين أبيه وقد فعل، قد أرضع لبان العلم وربّي في حجره، ونشأ في بيته ودرج من وكره، وكمل له سؤدد الطّرفين: أبا وأمّا، وحصل على شرف المحتدين: خالا وعمّا؛ لم يقع عليه بصر متبصّر إلّا قال: نعم الولد، ولا تأمّله صحيح النّظر إلّا قال: هذا الشّبل من ذاك الأسد، ولا رمى والده إلى غاية إلّا أدركها، ولا أحاط به منطقة طلبة إلا هزّها للبحث وحرّكها، ولا اقتفى أثر أبيه وجدّه في مهيع فضل إلّا قال قائله:
أكرم بها من ذرّيّة ما أبركها! واتّفق أن خرج عنهما ما كان باسمهما من وظيفتي التّصدير بالجامع
стр. 5591
الامويّ المعمور بذكر الله تعالى بدمشق المحروسة: المنتقلة إحداهما إليهما عن سلفهما الصّالح قدما، والصّائرة الأخرى بطريق شرعيّ معتبر وضعا وثابت حكما- اقتضى حسن الرّأي الشريف أن يحفظ لهما سالف الخدمة، ويرعى لهما قديم الولاء فالعبرة في التّقديم عند الملوك بالقدمة.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال لذوي البيوت حافظا، وعلى الإحسان لأهل العلم الشّريف على ممرّ الزمان محافظا- أن يعاد ذلك إليهما، ويوالى مزيد الإحسان عليهما؛ فليتلقّيا ذلك بالقبول، ويبسطا بالقول ألسنتهما فمن شمله إنعامنا الشريف حقّ له أن يقول ويطول؛ وملاك أمرهما التّقوى فهي خير زاد، والوصايا وإن كثرت فعنهما تؤخذ ومنهما تستفاد؛ والله تعالى يقرّ لهما بهذا الاستقرار عينا، ويبهج خواطرهما بهذه الولاية إبهاج من وجد ضالّته فقال:
هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا
«١» والاعتماد في ذلك على الخطّ الشّريف أعلاه الله تعالى أعلاه، حجّة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
الوظيفة الثامنة- النّظر .
وهذه نسخة توقيع بنظر البيمارستان النّوريّ «٢» ، كتب بها لمن لقبه «شهاب الدّين» وهي:
رسم......- لا زال يطلع في سماء المناصب السّنيّة من ذوي الأصالة والكفاية شهابا، ويوزع المستحقّين بجهات البرّ شكره إذ اختار لهم من أهل النّهضة من ارتدى العفاف جلبابا، ويودع صحائف الأيّام ذكره الجميل حين أحيا قربات الملوك السّالفين بانتخاب من يجدّد لهم بحسن المباشرة ثوابا- أن يحمل «مجلس الأمير» فلان: أعزّه الله تعالى فيما هو بيده من نظر البيمارستان النّوريّ بدمشق المحروسة، على حكم التّوقيع الكريم والولاية الشّرعية اللّذين
стр. 5592
بيده، واستقراره في ذلك بمقتضاهما استقرارا يبسط في هذا المنصب يده ولسانه، ويظهر شهاب عدله الّذي يحرق من الجور شيطانه، ويبرز من مباشرته ما عرف جوهره بحسن الانتقاء وإبريزه بحسن الانتقاد، ومن تأثيره ما تبلغ به الأنفس المراد بأوسع مراد، ويبدي من تدبيره، ما ينتج تمييز الوقف وتثميره.
فليباشر ذلك على عادة مباشرته الحسنة، وليسلك فيها ما عهد من طريقته المستحسنة، محصّلا من المفردات ما يصرفها لمستحقّها وقت الحاجة إليها، مثابرا على حسن معالجة المضرور الّذي لا تقدر يده من العجز عليها، مواصلا فعل الخير باستمرار صدقات الواقف ليشاركه في الأجر والثّواب، مستجلبا له من الدعاء ولنا بمشاركته في الأمر بالعمل بسنّته إلى يوم المآب، ضابطا أموال هذه الجهة بتحرير الأصول والمطلق والحساب والحسّاب، متقدّما إلى الخدّام والقومة بحسن الخدمة للعاجز والضّعيف، مؤكدا عليهم في أخذهم بالقول اللّيّن دون الكلام العنيف، ملزما لهم بجودة الخدمة ليلا ونهارا، مؤاخذا لهم بما يخلّون به من ذلك إهمالا وإقصارا، متقدّما إلى أرباب وظائف المعالجة ببذل النّصيحة، واستدراك الأدواء المسقمة بإتقان الأدوية الصّحيحة؛ وليتفقّد الأحوال بنفسه: ليعلم أهل المكان أنّ وراءهم من يقابلهم على التّقصير، وليبذل في ذلك جهده فإنّ الاجتهاد القليل يؤثر الخير الكثير. والوصايا كثيرة وعنده من التّأدّب بالعلم وحسن المباشرة ما فيه كفاية، وفي أخلاقه من جميل المآثر وما حازه في البداية ما ينفعه في النّهاية؛ ولكن تقوى الله هي السّبب الأقوى، والمنهل الّذي من ورده يروى؛ فليجعلها له ذخيرة ليوم المعاد، ومعقلا عند الخطوب الشّداد؛ والله تعالى يبلّغه من التوفيق الأمل والمراد، بمنّه وكرمه!، والاعتماد......... إن شاء الله تعالى.
стр. 5593
الصنف الثالث (من تواقيع أرباب الوظائف بحاضرة دمشق- تواقيع أرباب الوظائف الدّيوانيّة، وفيها مرتبتان)
المرتبة الأولى (ما يكتب في قطع النصف ب «المجلس العالي» وهي على ضربين)
الضرب الأوّل «١» (تواقيع الوزارة بالمملكة الشّاميّة على ما استقرّ عليه الحال)
فقد ذكر في «التعريف» أنّه يكتب بالشام للصاحب [عز] «٢» الدين أبي يعلى «حمزة بن القلانسيّ» «٣» ﵀ ب «الجناب العالي» لجلالة قدره، وسابقة خدمه، وعناية من كتب له بذلك. لكنّه لم يبيّن مقدار قطع الورق لذلك. ولا يخفى أنه كتب به في قطع الثّلثين، على القاعدة في أنّه يكتب للجناب في قطع الثّلثين. وقد ذكر بعد ذلك أنّ الّذي استقرّ عليه الحال أنّه يكتب للوزير بالشّام «المجلس العالي» بالدعاء، كما كتب للصّاحب أمين الدّين أمين الملك.
[وفيه وظائف:
الوظيفة الأولى- ولاية تدبير الممالك الشامية] «٤» .
وهذه نسخة توقيع للصاحب «أمين الملك» المذكور بتدبير الممالك الشّاميّة والخواصّ «٥» الشريفة والأوقاف المبرورة، من إنشاء الصّلاح
стр. 5594
الصّفديّ «١» ، وهي:
الحمد لله الّذي جعل وليّ أيّامنا الزّاهرة، أمينا، وأحلّه من ضمائرنا الطاهرة، مكانا أينما توجّه وجده مكينا، وخصّه بالإخلاص لدولتنا القاهرة، فهو يقينا يقينا، وعضّد بتدبيره ممالكنا الشّريفة فكان على نيل الأمل الّذي لا يمين يمينا، وزيّن به آفاق المعالي فما دجا أمر إلّا كان فكره فيه صحيحا مبينا، وجمّل به الرّتب الفاخرة فكم قلّد جيدها عقدا نفيسا ورصّع تاجها درّا ثمينا، وأعانه على ما يتولّاه فهو الأسد الأسدّ الّذي اتخذ الأقلام عرينا.
نحمده على نعمه الّتي خصّتنا بوليّ تتجمّل به الدّول، وتغنى الممالك بتدبيره عن الأنصار والخول «٢» ، وتحسد أيّامنا الشّريفة [عليه] «٣» أيّام من مضى من الدّول الأول، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة نستمطر بها صوب الصّواب، ونرفل منها في ثوب الثّواب، ونعتدّ برّها واصلا ليوم الفصل والمآب، ونشهد أنّ محمدا عبده الصّادق الأمين، ورسوله الّذي لم يكن عن الغيب بضنين، وحبيبه الّذي فضل الملائكة المقرّبين، ونجيّه الّذي أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى حجّة على الملحدين، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين صحبوا ووزروا، وأيّدوا حزبه ونصروا، وعدلوا فيما نهوا وأمروا، صلاة تكون لهم هدى إذا حشروا، وتضوّع لهم عرفهم في العرف وتطيّب نشرهم إذا نشروا، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدّين.
وبعد، فإنّ أشرف الكواكب أبعدها دارا، وأجلّها سرى وأقلّها سرارا، وأعلاها منارا، وأطيب الجنّات جنابا ما طاب أرجا وثمارا، وفجّر خلاله كلّ نهر «يروع حصاه حالية العذارى» ، ورنّحت معاطف غصونه سلاف النّسيم فتراها
стр. 5595
سكارى، ومدّت ظلال الغصون فتخال أنّها على وجنات الأنهار تدبّ عذارا.
وكانت دمشق المحروسة لها هذه الصّفات، وعلى صفاها تهبّ نسمات هذه السّمات، لم يتّصف غيرها بهذه الصّفة، ولا اتّفق أولوا الألباب إلّا على محاسنها المختلفة؛ فهي البقعة الّتي يطرب لأوصاف جمالها الجماد، والبلد الذي ذهب بعض المفسّرين إلى أنّها إرم ذات العماد، وهي في الدّنيا أنموذج الجنّة الّتي وعد المتّقون، ومثال النّعيم للّذين عند ربّهم يرزقون، وهي زهرة ملكنا، ودرّة سلكنا؛ وقد خلت هذه المدّة ممّن يراعي تدبيرها ويحمي حوزتها ويحاشيها من التّدمير ويملأ خزائنها خيرا يجلى، إذا ملأنا ساحتها خيلا ورجلا- تعيّن أن ننتدب لها من جرّبناه بعدا وقربا، وهززناه مثقّفا وسللناه عضبا، وخبأناه في خزائن فكرنا فكان أشرف ما يدّخر وأعزّ ما يخبى؛ كم نهى في الأيّام وأمر، وكم شدّ أزرا لمّا وزر، وكم غنيت به أيّامنا عن الشّمس وليالينا عن القمر، وكم رفعنا راية مجد تلقّاها عرابة «١» فضله بيمين الظّفر، وكم علا ذرا رتب تعزّ على الكواكب الثّابتة فضلا عمن يتنقّل في المباشرات من البشر، وكم كانت الأموال جمادى وأعادها ربيعا غرّد به طائر الإقبال وصفر.
و [لما] «٢» كان [الصاحب أمين الملك] «٣» هو معنى هذه الإشارة، وشمس هذه الهالة وبدر هذه الدّارة، نزل من العلياء في الصّميم، وفخرنا بأقلامه الّتي هي سمر الرّماح كما فخرت بقوسها تميم، وحفظت الأموال في دفاتره الّتي
стр. 5596
يوشّيها فأوت إلى الكهف والرّقيم «١» ، وقال لسان قلمه: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
«٢» ، وعقيم الزّمان أن يجيء بمثله «إنّ الزمان بمثله لعقيم» ، وتشبّه به أقوام فبانوا وبادوا، وقام منهم عبّاد العباد فلمّا قام عبد الله كادوا- أردنا أن تنال الشّام فضله كما نالته مصر فما تساهم فيه سواهما، ولا يقول لسان الملك لغيره:
حللت بهذا حلّة ثم حلّة ... بهذا فطاب الواديان كلاهما
فلذلك رسم بالأمر الشّريف أن يفوّض إليه تدبير الممالك الشّريفة، ونظر الخواصّ الشريفة والأوقاف المبرورة على عادة من تقدّمه في ذلك.
فليتلقّ هذه الولاية بالعزم الّذي نعهده، والحزم الّذي شاهدناه ونشهده، والتّدبير الّذي يعترف الصواب له ولا يجحده، حتى يثمّر الأموال في أوراق الحسّاب، وتزيد نموّا وسموّا فتفوق الأمواج في البحار وتفوت القطر من السّحاب، مع رفق يكون في شدّته، ولين يزيد مضاء حدّته، وعدل يصون مهلة مدّته؛ والعدل يعمّر، والغدر يدمّر، ولا يثمّر، بحيث إنّ الحقوق تصل إلى أربابها، والمعاليم تطلع بدور بدرها كاملة كلّ هلال على أصحابها، والرّسوم لا تزداد على الطّاقة في بابها، والرّعايا يجنون ثمر العدل في أيّامه متشابها؛ وإذا أنعمنا على بعض أوليائنا بنحل «٣» فلا يكدّر وردها بأنّ تؤخّر، وإذا استدعينا لأبوابنا بمهمّ فليكن الإسراع إليه يخجل البرق المتألّق في السّحاب المسخّر؛ فما أردناك إلّا لأنّك سهم خرج من كنانة، وشهم لا ينهي إلى الباطل عيانه وعنانه؛ فاشكر هذه النعمة على منائحها، وشنّف الأسماع بمدائحها، متحقّقا أنّ في
стр. 5597
النّقل، بلوغ العزّ والأمل، وأنّه لو كان في شرف المأوى بلوغ منى «لم تبرح الشّمس يوما دارة الحمل» ؛ فاستصحب الفرح والجذل، بدل الفكر والجدل.
الوظيفة الثانية- كتابة السّرّ بالشّام .
ويعبّر عنها بصحابة ديوان الإنشاء الشّريف بدمشق. وشأنه هناك شأن كاتب السّرّ بالأبواب السّلطانيّة.
وهذه نسخة توقيع بصحابة ديوان الإنشاء بالشّام، كتب بها لفتح الدّين ابن الشّهيد «١» ، من إنشاء القاضي ناصر الدّين بن النّشائيّ، في مستهلّ ذي القعدة سنة أربع وستّين وسبعمائة، وهي:
الحمد لله مجزل المنّ والمنح، ومرسل سحائب العطاء السّمح، ومعمل فكرنا الشّريف في انتخاب من أورى زند الخير بالقدح، ومنقّل السّرّ بين الأفاضل من صدر إلى صدر بحمّى يصون له السّرح، ويغني مشهور ألفاظه عن الشّرح، ومجمّل بناء الدّين، بما سكن به من صميم الفضل المبين، وما اقترن بأبوابه من حركة الفتح.
نحمده على نعم عاطرة النّفح، ونشكره على منن عالية السّفح، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تنجّي قائلها من حرّ الجحيم وتقيه شرّ شرر ذلك اللّفخ، وتخطب بها ألسنة الأقلام على منابر الأنامل فتنشيء عندها من مطربات الورق على غصون الأوراق هديل الصّدح، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي بلّغ الرّسالة وأدى الأمانة وعامل الأمّة بالنّصح، وأزال عنهم التّرح وأمنه الله على أسرار وحيه فكان أشرف أمين خصّه الله في محكم آياته بالمدح، وجعله أعظم من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فلم تأخذه في الله لومة لائم
стр. 5598
ممّن لحا «١» وممّن لم يلح، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل الوفاء والصّفاء والصّفاح والصّفح، والّذين جاهدوا في الله حقّ جهاده بالنّفس والمال والكدّ والكدح، ورفعوا أعلامهم المظلّلة، ونصبوا أقلامهم المعدّلة؛ فكم لهم في المشركين من جراح لا تعرف الجرح، وذادوا عن حوزة الدّين، بإراقة دم الكفّار المتمرّدين، فحسن منهم الذّبّ والذّبح، وكانوا فرسان الكلام، وأسود الإقدام، الّذين طالما خسأت بهم كلاب الشّرك فلم تطق النّبح، صلاة دائمة باقية الصّرح، ما اقترن النّظر باللّمح، وما هطل السّحاب بالسّح «٢» ، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من خطبت المناصب العليّة، محاسنه الجليلة الجلية، ورغبت المراتب الّتي هي بالخير حريّة، في جميل حالته الّتي هي بعقود المفاخر حليّة، وسحبت سحائب الإقبال الوابليّة، ذيول فضائله الفاضليّة، واكتسب العلوم الفرعيّة والأصليّة، من مجاميع فنونه الّتي تعرب عن أنواع الفوائد الجمليّة والتّفصيليّة- من شهدت المفاخر بأنّه لم يزل الشّهيد لها وابن الشّهيد، وحمدت المآثر الّتي هو الشّهير بها فما عليها في جميل الأدوات من مزيد، وتشيّدت مباني معاليه الّتي اقترن باب خيرها منه بالفتح المبين، وتمهّدت معاني أماليه بالتّخيّل اللّطيف واللّفظ المتين، وتعدّدت أوصاف شيمه فهي لمحاسن الدّهر تزيد وتزين، وغدا من الكاتبين الكرام والكرام الكاتبين، الذين تضح باطّلاعهم مراصد المقاصد وتبين. طالما اتّسق عقد نظمه المتين، وبسق غصن قلمه المثمر بالدّين، وأضاف إلى أدب الكتاب حلية العلماء المتقنين، وارتقب أفعال الجميل الّتي استوجب بها حسن التّرقّي إلى أعلى درجات المتّقين، وقلّد أجياد الّطروس جواهر ألفاظه الّتي تفوق الجوهر عن يقين؛ فهي بنضار خطّه مصوغة أبهج صياغة، وفي طريق الإنشاء سالكة نهج
стр. 5599
البلاغة، وكذا بحار الفضائل واردة مناهلها المساغة؛ كم أعرب كلمه الطّيّب، عن سحّ سحاب الصّواب الصّيّب، وكم أغنى في المهمّات بكتبه، عن جيش الكتائب وقضبه «١» ، وكم هزأت صحائفه بالصّفائح وكم أغنت راشقات فكره الثابتة العلم عن سهو السّهم الرّائح، وكم تشاجرت أقلامه البيض الفعال هي وسمر الرّماح فكان نصرها اللّائح، وكم تعارض نشر وصفه وشذا الطّيب فألفى الزّمان ثناءه هو الفائح، وكم اشتمل على أنواع من النّفاسة فاستوجب منّا منّا يقضي له بأجزل المنى والمنائح.
ولما كان المجلس العاليّ، القاضويّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، العالميّ، الفاضليّ، الكامليّ، الأوحديّ، الأثيريّ، الرّئيسيّ، البليغيّ، المفيديّ، المجيديّ، الأصيليّ، العريقيّ، العابديّ، الزّاهديّ، المؤتمنيّ، الفتحيّ، جمال الملوك والسّلاطين، وليّ أمير المؤمنين، محمد بن الشّهيد، أدام الله نعمته، هو الّذي أعرب القلم عن صفاته، وأطرب المسامع ما أدّاه اليراع عن أدواته، ورام البنان أن يستوعب بيان شكره فلم يدرك شأو غاياته، وتسارعت بدائع البدائه من أفكاره فسابقت جريان يراعه في أبياته، وراقت أماليه، لناقلي ألفاظه ومعانيه، فشكر السّمع والفهم بها هبّات هباته؛ فآدابه مشهورة، وعلومه مذكورة، وتحلّيه بمذاهب الصّوفية ارتاضت به نفسه الخيّرة الخبيرة، وإخلاصه في عبادة الله تعالى حسنت به منه السّيرة والسّريرة، وصيانته للأسرار الشّريفة استحق بها إسناد أمرها إليه، وإيداع غوامضها لديه، والتّعويل في حفظها وفي لفظه للفظها عليه- اقتضى حسن الرّأي الشّريف أن نجتبيه لما تحقّقنا منه من ذلك، ونخصّه بصحابة ديوان الإنشاء الشّريف في أجلّ الممالك، ونجعل قدمه ثابتة الرّسوخ، والصّعود في مشيخة الشّيوخ، ليسلك فيها أحسن المسالك.
فلذلك رسم بالأمر الشريف [العاليّ] »
الأشرفيّ، النّاصريّ- لا زال
стр. 5600
لأبوابه الشريفة فتح في الخير يقدمه النّصر، ولسحابه منح ما يعرف مدد أمداده القصر- أن تفوّض إليه صحابة ديوان الإنشاء الشّريف، ومشيخة الشيوخ بالشام المحروس، على عادة من تقدّمه وقاعدته ومعلومه الشاهد به الدّيوان المعمور إلى آخر وقت.
فليباشر ذلك بوافر عفافه، ووافي إنصافه، ومشهور أمانته، ومشكور صيانته، كاتما للأسرار، كاتبا للمبارّ، ليكون من الأبرار، عالقا مصالح الأنام بإرشاد رأيه وصوابه ضابطا أحوال ديوانه، متحرّيا في كثير الأمور وقليلها: فإن الكتاب يظهر من عنوانه، محرّرا لما يملي معتبرا لما يكتب، مجمّلا للمطالعات الكريمة بفكره المتسرّع وتصوّره الأرتب، حافظا أزمّة ما يصدر من مثال وما يرد في المهمّات الشّريفة فهو أدرى وأدرب بما على ذلك يترتّب، محافظا كعادته على دينه، لازما لصدق يقينه، خافضا لأهل الخير جناحه، مانحا لهم نجاحه، معاملا للفقراء بكرم نفس بالله غنيّة، ملاحظا لأحوالهم بالقول والفعل والعمل والنّيّة، محترما لكبيرهم، حانيا على صغيرهم، مفكّرا فيما يعود نفعه عليهم، راكنا في الباطن والظّاهر إليهم، معنيا لهم بالاشتغال بالعبادة، مسلّكا لهم الطّريق إلى الله فإنّها الطريق الجادّة، مستجلبا لدعواتهم الصّالحة، مستفيدا من متاجر بركاتهم الرّابحة. والوصايا كثيرة ومن نور إفادته تقتبس، ومن مشهور مادّته تلتمس، وملاكها التّقوى وهي أول كلّ أمر وآخره، وبملازمتها تتمّ له مفاخره؛ والله تعالى يحرسه في السّرّ والنّجوى، ويظهر بارشاده للمعاني والبيان كلّ نجوى، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة توقيع بكتابة السّرّ بالشّام، كتب به للقاضي «شرف الدّين عبد الوهّاب» «١» بن فضل الله، عند ما رسم بنقله من القاهرة إلى دمشق، في ذي
стр. 5601
الحجّة سنة إحدى عشرة وسبعمائة، من إنشاء الشّيخ شهاب الدّين «محمود الحلبيّ» وهي:
الحمد لله الّذي خصّ دولتنا الشّريفة برعاية الذّمم، وحفظ ما أسلف الأولياء من الطّاعات والخدم، وإدامة ما أسدته إلى خدم أيّامنا الزّاهرة من الآلاء والنّعم، وإفاضة حلل اعتنائها، التي هي أحبّ إلى من شرف بولائها، من حمر النّعم، وأبقى عوارفها على من لم يزل معروفا في صون أسرارها بسعة الصّدر وفي تدبير مصالحها بصحّة الرّأي وفي تنفيذ مراسمها بطاعة اللّسان والقلم.
نحمده على نعمه الّتي ما استهلّت على وليّ فأقلع عنه غمامها، ولا استقرّت بيد صفيّ فانتزع من يده حيث تصرّف زمامها، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة لا نزال نعتصم بحبلها المتين، ويتلقّى عرابة «١» إخلاصنا راية فضلها باليمين، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أكرم مبعوث إلى الأمم، بالإحسان والكرم، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الّذين كرمت أنسابهم، وأضاءت لهم وجوههم وأحسابهم، فرفلوا في حلل ما اكتسوه من سننه، واكتسبوه من سننه، فحسن منها اكتساؤهم واكتسابهم، صلاة لا تزال لها الأرض مسجدا، ولا يبرح ذكرها مغيرا في الآفاق ومنجدا، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من خوّلته مكارمنا الإقامة حيث يهوى من وطنه، وبوّأته نعمنا الجمع بين ذمام برّنا وبين ما فارقه من سكنه، وملّكته عواطفنا، زمام التّصرّف حيثما أمكن من خدمتنا الشريفة، وعرّفته عوارفنا، أنّ مكانته عندنا على حالها حيث أدّى ما عدق به من وظيفة- من لم يزل قلمه لسان مراسمنا، وعنان ما نجريه في الآفاق من سوابق مكارمنا، وترجمان أوامرنا، وخطيب آلائنا التي غدت بها أعطاف التّقاليد من جملة منابرنا.
стр. 5602
ولمّا كان المجلس العالي: هو الّذي لم يبرح صدره خزانة أسرارنا، وفكره كنانة إعلاننا في المصالح وإسرارنا، وخاطره مرآة آرائنا، ويراعه مشكاة ما يشرق: من أنوار تدبيرنا، أو يبرق: من أنواء آلائنا؛ ينطق قلمه في الأقاليم عن ألسنة أوامرنا المطاعة، وينفذ كلمه عن مراسمنا في ديوان الإنشاء بما تقابله أقلام الجماعة بالسّمع والطّاعة؛ وكانت سنّه قد علت في خدمتنا إلى أن رأينا توفير خاطره على البركات، عن كثير ممّا يتبع ركابنا الشريف من لوازم الحركات، وأن نعفيه مما يلزم الإقامة بأبوابنا الشريفة من كثرة المثول بين يدينا، وأن نقتصر به على أخفّ الوظيفتين إذ لا فرق في رتبة السّرّ بين ما يصدر عنّا أو ما يرد إلينا.
فرسم بالأمر الشّريف، العاليّ، المولويّ، السّلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ، أن يكون فلان صاحب ديوان الإنشاء الشّريف بالشام المحروس، بمعلومه الشّاهد له به الديوان المعمور بالأبواب العالية، عوضا عن أخيه المجلس الساميّ، القضائيّ، المحيويّ «يحيى «١» بن فضل الله» ويستمرّ أخوه القاضي «محيي الدّين» المذكور مع جملة الكتّاب بديوان الإنشاء الشّريف بالشّام المحروس، بالمعلوم الشّاهد به الدّيوان المعمور.
فليباشر هذه الرّتبة الّتي تأثلت به قواعدها وعن تقريره وتحريره أخذ كلّ من كان بأنواعها وأوضاعها عليما؛ فإنّه لم يخرج عن أخيه شيء وصل إليه، ولا فوّض له إلّا ما هو بحكم عموم الأولويّة والأوّليّة في يديه؛ وأمّا ما يتعلّق بذلك من وصايا تبسط، وقواعد تشرط، فإنّها منه استفادها من رقّمها، وعنه ارتوى بها ورواها من تعلّمها؛ ونحن نعلم من ذلك ما لا يحتاج إلى أن يزداد فيه يقينا، ولا أن نزيده بذكره معرفة وتمكينا؛ والاعتماد........
قلت: ومن غريب ما وقع: أنّه كتب للمقرّ الشّهابيّ بن فضل الله بكتابة السّر بالشّام، حين وليها بعد انفصاله من الديار المصرية توقيع مفتتح ب «أمّا بعد
стр. 5603
حمد الله» من إنشاء المولى «تاج الدّين بن البارنباري» وكأنّه إنّما كتب بذلك عند تغيّر السلطان الملك النّاصر «محمد بن قلاوون» عليه «١» ، على ما هو مذكور في الكلام على كتّاب السّر في مقدّمة الكتاب.
وهذه نسخة توقيع بكتابة السّر بالشّام المحروس:
أمّا بعد حمد الله منقّل الشّهب في أحبّ مطالعها، ومعلي الأقدار بتصريف الأقدار ورافعها، ومبهج النّفوس بمعادها إلى أوطانها ومواضعها، وممضي مشيئته في خليقته بالخيرة فيما يشاء لطالعها، والشّهادة له بالوحدانيّة الآخذة من القلوب بمجامعها، والصّلاة على سيدنا محمد الّذي بصّر الأمّة بهديها ومنافعها، وصان شرعته الشريفة تلو الملل بنسخ شرائعها، وعلى آله وصحبه الّذين استودعوا أسرار الملّة فحفظوا نفيس ودائعها- فإنّ ممالكنا الشريفة هي سواء لدينا في التّعظيم، وأولياء دولتنا الشريفة يتنقّلون فيها في منازل التّكريم؛ وعندنا من «فضل الله» رعاية للعهد القديم، وتأكيد لأسباب التّقديم، فلا غضاضة لمن نقلناه من أبوابنا إليها، ولا وهن يطرأ على علوّ المراتب ويعتريها، حيث صدقاتنا دائمة، وثغور إقبالنا باسمة، ومراسمنا لمساعدة الأقدار في الأيّام حاكمة؛ و «الشّهاب» لو لم يسر في سمائه، لما اهتدى الناظرون بضيائه، والدّرّة لو مكثت في صدفها، لما حظيت في العقود بشرفها.
وكان المجلس العاليّ، القضائيّ، الشّهابيّ، قد أقام في خدمتنا الشريفة بالأبواب العالية حافظا للأسرار، قائما بما نحبّ ونختار؛ ثم لمّا أخذ حظّه من القرب من أيدينا الشّريفة: رأينا أنّ عوده إلى أوطانه، وأهله من تمام إيمانه، وأنّ مرجعه إلى
стр. 5604
محلّه، من نعيم الله عليه وفضله؛ وما سار إلّا والإقبال يزوّده، والاستقبال به وأهل بيته يسعده ويصعده.
فلذلك رسم بالأمر الشّريف أن ينقل إلى كتابة الإنشاء الشّريف بدمشق المحروسة، وأن يكون متحدّثا عن والده، على ما كان عليه بالديار المصرية وليقرّر له من المعلوم كذا وكذا.
فليسر إلى دار كرامته، وليستقرّ في موطن إقامته، قرير العين، مملوء اليدين، مسرورا برفع المحلّ في المملكتين؛ وليكن لوالده- أعزّه الله تعالى- عضدا، وليصبح له في مهماتنا الشريفة ساعدا ويدا، وليضح به اليوم برّا ليجد رضا الله غدا؛ فإنّ والده بركة الممالك، وله قديم هجرة، وسالف خدمة، وحسن طويّة، فنحن نرعاه لذلك، والمهمّات الشريفة يتلقّاها بنفسه، وليصدر فصول المطالعة مدبّجة على عادته في تدبيج طرسه، وليستعن بالله فهو وليّ الإعانة، وليعتمد على الرّفق في أمره فما كان الرّفق في شيء إلّا زانه؛ وما بعد عنّا، من كان بعيدا بالصورة قريبا بالمعنى، والله تعالى يزيده منّا منّا، والخطّ الشريف أعلاه حجّة فيه، إن شاء الله تعالى.
الوظيفة الثالثة- نظر الجيوش بالشّام .
وشأن صاحبها كتابة المربّعات «١» التي تنشأ من الشّام، وتنزيل المناشير الشريفة الّتي تصدر إليه.
وهذه نسخة توقيع شريف من ذلك، كتب به «لموسى بن عبد الوهاب» من إنشاء السيّد الشريف شهاب الدّين، وهي:
الحمد لله الّذي جعل إحساننا عائدا بصلاته، وفضلنا يجمع شمل الإسعاد بعد شتاته، وعواطفنا تنبّه جفن الإقبال من إغفائه وسناته.
стр. 5605
نحمده على أن نصر بنا جيش الإسلام في أرجاء ملكنا الشّريف وجهاته، وجعل البركة واليمن بأمرنا في حالتي محوه وإثباته، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة زادت في جزاء المخلص وحسناته، وأضحت نورا يسعى بين يديه إلى رحمة ربّه وإلى جنّاته، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الّذي أظهر الله به واضح آياته، وأصبح النّشر عابقا من نشر راياته، ومحا الفترة «١» بهديه وسرّ سرائر أوليائه وأكمد قلوب عداته، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ما تأرّج النّسيم في هبّاته، وأبهج العطاء بجزيل هباته، وسلّم تسليما.
وبعد، فإنّ من النّعم ما إذا عادت أقرّت العيون، وحققت الآمال والظّنون، ورفعت الأقدار وإن لم يزل رفيعا محلّها، وجمعت المسارّ الممتدّ على الأفئدة ظلّها، وعمرت ربوع الإحسان، وغمرت بمنائحها الحسان، كهذه النّعمة الّتي تلقّت الإقبال من حافل غمامه، وجمعت شمل التّقديم مشفوعا بإكرامه، وأعادت سماء التّكريم هادية بقطبها، مشرقة الأرجاء بنور ربّها، وسفرت بدورها بمن هو أولى باجتلائها، وتهيّأت رتبها لمن هو جدير باعتلائها؛ وحقيق بأن تعود المواهب بعد فترتها، وأن تقبل عليه وجوه المنائح بعد لفتتها، لتصبح كواكب الإسعاد كأنّها ما أفلت، وعطايا التّخويل كأنّها ما انتقلت، ويعود عليه اليوم كأمسه، ويرجع أفق العوارف الجسام مشرقا ببدر الاجتباء وشمسه.
ولمّا كان فلان هو الّذي حسنت في الخدم الشّريفة آثاره، وحمد إيراده في المهمّات الشريفة وإصداره، وشكره شامه ومصره، وسما في كلّ جهة حلّها محلّه وقدره، وتحقّقت منه رآسة قضت له بإبداء النّعم وإعادتها، وأن تجري له الدّولة من الإكرام على أجمل عادتها، وأن ترعى له حقوق ألفها حديثا وقديما، وتنشر عليه ظلال الفضل حتّى لا يفقد منها على طول المدى تكريما.
следующие страницы →