Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.
стр. 5601
الحجّة سنة إحدى عشرة وسبعمائة، من إنشاء الشّيخ شهاب الدّين «محمود الحلبيّ» وهي:
الحمد لله الّذي خصّ دولتنا الشّريفة برعاية الذّمم، وحفظ ما أسلف الأولياء من الطّاعات والخدم، وإدامة ما أسدته إلى خدم أيّامنا الزّاهرة من الآلاء والنّعم، وإفاضة حلل اعتنائها، التي هي أحبّ إلى من شرف بولائها، من حمر النّعم، وأبقى عوارفها على من لم يزل معروفا في صون أسرارها بسعة الصّدر وفي تدبير مصالحها بصحّة الرّأي وفي تنفيذ مراسمها بطاعة اللّسان والقلم.
نحمده على نعمه الّتي ما استهلّت على وليّ فأقلع عنه غمامها، ولا استقرّت بيد صفيّ فانتزع من يده حيث تصرّف زمامها، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة لا نزال نعتصم بحبلها المتين، ويتلقّى عرابة «١» إخلاصنا راية فضلها باليمين، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أكرم مبعوث إلى الأمم، بالإحسان والكرم، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الّذين كرمت أنسابهم، وأضاءت لهم وجوههم وأحسابهم، فرفلوا في حلل ما اكتسوه من سننه، واكتسبوه من سننه، فحسن منها اكتساؤهم واكتسابهم، صلاة لا تزال لها الأرض مسجدا، ولا يبرح ذكرها مغيرا في الآفاق ومنجدا، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من خوّلته مكارمنا الإقامة حيث يهوى من وطنه، وبوّأته نعمنا الجمع بين ذمام برّنا وبين ما فارقه من سكنه، وملّكته عواطفنا، زمام التّصرّف حيثما أمكن من خدمتنا الشريفة، وعرّفته عوارفنا، أنّ مكانته عندنا على حالها حيث أدّى ما عدق به من وظيفة- من لم يزل قلمه لسان مراسمنا، وعنان ما نجريه في الآفاق من سوابق مكارمنا، وترجمان أوامرنا، وخطيب آلائنا التي غدت بها أعطاف التّقاليد من جملة منابرنا.
стр. 5602
ولمّا كان المجلس العالي: هو الّذي لم يبرح صدره خزانة أسرارنا، وفكره كنانة إعلاننا في المصالح وإسرارنا، وخاطره مرآة آرائنا، ويراعه مشكاة ما يشرق: من أنوار تدبيرنا، أو يبرق: من أنواء آلائنا؛ ينطق قلمه في الأقاليم عن ألسنة أوامرنا المطاعة، وينفذ كلمه عن مراسمنا في ديوان الإنشاء بما تقابله أقلام الجماعة بالسّمع والطّاعة؛ وكانت سنّه قد علت في خدمتنا إلى أن رأينا توفير خاطره على البركات، عن كثير ممّا يتبع ركابنا الشريف من لوازم الحركات، وأن نعفيه مما يلزم الإقامة بأبوابنا الشريفة من كثرة المثول بين يدينا، وأن نقتصر به على أخفّ الوظيفتين إذ لا فرق في رتبة السّرّ بين ما يصدر عنّا أو ما يرد إلينا.
فرسم بالأمر الشّريف، العاليّ، المولويّ، السّلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ، أن يكون فلان صاحب ديوان الإنشاء الشّريف بالشام المحروس، بمعلومه الشّاهد له به الديوان المعمور بالأبواب العالية، عوضا عن أخيه المجلس الساميّ، القضائيّ، المحيويّ «يحيى «١» بن فضل الله» ويستمرّ أخوه القاضي «محيي الدّين» المذكور مع جملة الكتّاب بديوان الإنشاء الشّريف بالشّام المحروس، بالمعلوم الشّاهد به الدّيوان المعمور.
فليباشر هذه الرّتبة الّتي تأثلت به قواعدها وعن تقريره وتحريره أخذ كلّ من كان بأنواعها وأوضاعها عليما؛ فإنّه لم يخرج عن أخيه شيء وصل إليه، ولا فوّض له إلّا ما هو بحكم عموم الأولويّة والأوّليّة في يديه؛ وأمّا ما يتعلّق بذلك من وصايا تبسط، وقواعد تشرط، فإنّها منه استفادها من رقّمها، وعنه ارتوى بها ورواها من تعلّمها؛ ونحن نعلم من ذلك ما لا يحتاج إلى أن يزداد فيه يقينا، ولا أن نزيده بذكره معرفة وتمكينا؛ والاعتماد........
قلت: ومن غريب ما وقع: أنّه كتب للمقرّ الشّهابيّ بن فضل الله بكتابة السّر بالشّام، حين وليها بعد انفصاله من الديار المصرية توقيع مفتتح ب «أمّا بعد
стр. 5603
حمد الله» من إنشاء المولى «تاج الدّين بن البارنباري» وكأنّه إنّما كتب بذلك عند تغيّر السلطان الملك النّاصر «محمد بن قلاوون» عليه «١» ، على ما هو مذكور في الكلام على كتّاب السّر في مقدّمة الكتاب.
وهذه نسخة توقيع بكتابة السّر بالشّام المحروس:
أمّا بعد حمد الله منقّل الشّهب في أحبّ مطالعها، ومعلي الأقدار بتصريف الأقدار ورافعها، ومبهج النّفوس بمعادها إلى أوطانها ومواضعها، وممضي مشيئته في خليقته بالخيرة فيما يشاء لطالعها، والشّهادة له بالوحدانيّة الآخذة من القلوب بمجامعها، والصّلاة على سيدنا محمد الّذي بصّر الأمّة بهديها ومنافعها، وصان شرعته الشريفة تلو الملل بنسخ شرائعها، وعلى آله وصحبه الّذين استودعوا أسرار الملّة فحفظوا نفيس ودائعها- فإنّ ممالكنا الشريفة هي سواء لدينا في التّعظيم، وأولياء دولتنا الشريفة يتنقّلون فيها في منازل التّكريم؛ وعندنا من «فضل الله» رعاية للعهد القديم، وتأكيد لأسباب التّقديم، فلا غضاضة لمن نقلناه من أبوابنا إليها، ولا وهن يطرأ على علوّ المراتب ويعتريها، حيث صدقاتنا دائمة، وثغور إقبالنا باسمة، ومراسمنا لمساعدة الأقدار في الأيّام حاكمة؛ و «الشّهاب» لو لم يسر في سمائه، لما اهتدى الناظرون بضيائه، والدّرّة لو مكثت في صدفها، لما حظيت في العقود بشرفها.
وكان المجلس العاليّ، القضائيّ، الشّهابيّ، قد أقام في خدمتنا الشريفة بالأبواب العالية حافظا للأسرار، قائما بما نحبّ ونختار؛ ثم لمّا أخذ حظّه من القرب من أيدينا الشّريفة: رأينا أنّ عوده إلى أوطانه، وأهله من تمام إيمانه، وأنّ مرجعه إلى
стр. 5604
محلّه، من نعيم الله عليه وفضله؛ وما سار إلّا والإقبال يزوّده، والاستقبال به وأهل بيته يسعده ويصعده.
فلذلك رسم بالأمر الشّريف أن ينقل إلى كتابة الإنشاء الشّريف بدمشق المحروسة، وأن يكون متحدّثا عن والده، على ما كان عليه بالديار المصرية وليقرّر له من المعلوم كذا وكذا.
فليسر إلى دار كرامته، وليستقرّ في موطن إقامته، قرير العين، مملوء اليدين، مسرورا برفع المحلّ في المملكتين؛ وليكن لوالده- أعزّه الله تعالى- عضدا، وليصبح له في مهماتنا الشريفة ساعدا ويدا، وليضح به اليوم برّا ليجد رضا الله غدا؛ فإنّ والده بركة الممالك، وله قديم هجرة، وسالف خدمة، وحسن طويّة، فنحن نرعاه لذلك، والمهمّات الشريفة يتلقّاها بنفسه، وليصدر فصول المطالعة مدبّجة على عادته في تدبيج طرسه، وليستعن بالله فهو وليّ الإعانة، وليعتمد على الرّفق في أمره فما كان الرّفق في شيء إلّا زانه؛ وما بعد عنّا، من كان بعيدا بالصورة قريبا بالمعنى، والله تعالى يزيده منّا منّا، والخطّ الشريف أعلاه حجّة فيه، إن شاء الله تعالى.
الوظيفة الثالثة- نظر الجيوش بالشّام .
وشأن صاحبها كتابة المربّعات «١» التي تنشأ من الشّام، وتنزيل المناشير الشريفة الّتي تصدر إليه.
وهذه نسخة توقيع شريف من ذلك، كتب به «لموسى بن عبد الوهاب» من إنشاء السيّد الشريف شهاب الدّين، وهي:
الحمد لله الّذي جعل إحساننا عائدا بصلاته، وفضلنا يجمع شمل الإسعاد بعد شتاته، وعواطفنا تنبّه جفن الإقبال من إغفائه وسناته.
стр. 5605
نحمده على أن نصر بنا جيش الإسلام في أرجاء ملكنا الشّريف وجهاته، وجعل البركة واليمن بأمرنا في حالتي محوه وإثباته، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة زادت في جزاء المخلص وحسناته، وأضحت نورا يسعى بين يديه إلى رحمة ربّه وإلى جنّاته، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الّذي أظهر الله به واضح آياته، وأصبح النّشر عابقا من نشر راياته، ومحا الفترة «١» بهديه وسرّ سرائر أوليائه وأكمد قلوب عداته، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ما تأرّج النّسيم في هبّاته، وأبهج العطاء بجزيل هباته، وسلّم تسليما.
وبعد، فإنّ من النّعم ما إذا عادت أقرّت العيون، وحققت الآمال والظّنون، ورفعت الأقدار وإن لم يزل رفيعا محلّها، وجمعت المسارّ الممتدّ على الأفئدة ظلّها، وعمرت ربوع الإحسان، وغمرت بمنائحها الحسان، كهذه النّعمة الّتي تلقّت الإقبال من حافل غمامه، وجمعت شمل التّقديم مشفوعا بإكرامه، وأعادت سماء التّكريم هادية بقطبها، مشرقة الأرجاء بنور ربّها، وسفرت بدورها بمن هو أولى باجتلائها، وتهيّأت رتبها لمن هو جدير باعتلائها؛ وحقيق بأن تعود المواهب بعد فترتها، وأن تقبل عليه وجوه المنائح بعد لفتتها، لتصبح كواكب الإسعاد كأنّها ما أفلت، وعطايا التّخويل كأنّها ما انتقلت، ويعود عليه اليوم كأمسه، ويرجع أفق العوارف الجسام مشرقا ببدر الاجتباء وشمسه.
ولمّا كان فلان هو الّذي حسنت في الخدم الشّريفة آثاره، وحمد إيراده في المهمّات الشريفة وإصداره، وشكره شامه ومصره، وسما في كلّ جهة حلّها محلّه وقدره، وتحقّقت منه رآسة قضت له بإبداء النّعم وإعادتها، وأن تجري له الدّولة من الإكرام على أجمل عادتها، وأن ترعى له حقوق ألفها حديثا وقديما، وتنشر عليه ظلال الفضل حتّى لا يفقد منها على طول المدى تكريما.
стр. 5606
فلذلك رسم بالأمر الشّريف ... «١» ... لا زال ... «٢» ... أن يستقرّ ... «٣» ... تجديدا لملابس سعده، وتأكيدا لقواعد مجده، وترديدا للفضل الّذي حلا منهل ورده، ورعاية لخدمه الّتي أكبّت عليها السيوف والأقلام، وشكرت تأثيرها جنودنا- نصرها الله تعالى- بمصر والشّام؛ ولما له من حسن سمت زاده وقاره، وأصل صالح طابت منه ثماره.
فليستقرّ في هذه الوظيفة المباركة: عالما أنّ لسان القلم أمسك عن الوصايا لأنه خبر هذه الوظيفة فرعا وأصلا، وألفت منه ناظرا علا قدرا وكرم محتدا وفصلا، وهو بحمد الله أدرى بسلوك منهاجها القويم، وأدرب باقتفاء سننها المستقيم؛ والخير يكون، والاعتماد في ذلك على الخطّ الشّريف إن شاء الله تعالى أعلاه، حجّة بمقتضاه.
المرتبة الثانية (من مراتب أرباب التّواقيع الديوانية بدمشق
- من يكتب له في قطع الثلث ب «المجلس الساميّ» بالياء مفتتحا ب «الحمد لله» إن علت رتبته وإلا ب «أما بعد» ، وتشتمل على وظائف) منها- نظر الخزانة العالية «٤» ، وشأنها هناك نظير الخزانة الكبرى بالديار المصرية في القديم، ونظير خزانة الخاصّ الآن.
وهذه نسخة توقيع بنظر الخزانة العالية:
أمّا بعد حمد الله على نعمه الّتي خصّت المناصب السنية في أيّامنا الزّاهرة بكلّ كفء كريم، وجعلت على خزائن الأرض من أولياء دولتنا القاهرة كلّ حفيظ عليم، وأفاضت ظلّ إنعامنا على من إذا أنعم النّظر في حقّ ذوي البيوت القديمة كان أحقّ بالتّقديم، والصّلاة على سيدنا محمد أفضل من حباه بفضله العميم،
стр. 5607
واجتباه لهداية خلقه إلى السّنن القويم، وجعل سلامة الصّلاة المقبولة من النقص مقرونة بالصلاة عليه والتّسليم- فإنّ أولى من رجّحه لخدمتنا الاختيار، وقدّمه في دولتنا الاختبار، وأخلصه حسن نظرنا الشّريف رتبة أبيه من قبل، وأغدق له سحاب برّنا صوب إحسان فلم يصبه طلّ بل وبل- ومن حمد سيره وسيره، وشكر في طاعتنا ورده وصدره، وزان الأصالة بالنباهة، والرّاسة بالوجاهة، والمعرفة بالنّزاهة، وجمع بين [الظّلف] «١» والاطّلاع، والتّضلّع من العفّة والاضطلاع، والصّفات الّتي لو تخّيرها لنفسه لم يزدها على ما فيه من كرم الطّباع.
ولما كان نظر الخزانة العالية بدمشق المحروسة رتبة لا يرقى إليها من الأكفاء إلا من ومن، ولا يقدّم لها من الأولياء إلا من تعيّن من رؤساء العصر وفضلاء الزّمن، وكان فلان هو الّذي عيّنه لها ارتياد الأكفاء، واصطفي هو من أهل الصّفاء، وتقدّم من وصف محاسنه ما لا يروّع تمام بدره وظهوره بالنّقص والاختفاء.
فلذلك رسم بالأمر الشّريف أن يفوّض إليه نظر الخزانة المذكورة.
فليباشر ذلك مباشرة من يحقّق في كفايته وفضيلته التّأميل، ويظهر حسن نظره الّذي هو كالنهار لا يحتاج إلى دليل، وليجر على جميل عادته في النهوض في خدمتنا بالسّنّة والفرض، ويضاعف اجتهاده الّذي بمثله جعل من اختير على خزائن الأرض؛ وهو يعلم أنّ هذه الرتبة مآل الأموال، وذخائر الإسلام الّتي هي مادة الجيوش وموارد الإفضال؛ فليعمل في مصالحها فكره ودأبه، وإذا كان حسن نظرنا الشريف قد جعله المؤتمن عليها: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ
«٢» وفي سيرته الّتي عرفت، وصفاته الّتي إن وصفت فما
стр. 5608
أنصفت، ما يغني عن تفاصيل الوصايا وجملها، وإعادة مزايا التأكيد: قولها وعملها؛ لكن ملاكها الصّيانة الّتي هو بها موصوف، والتّقوى التي هو بها معروف؛ والاعتماد على الخط الشّريف أعلاه.
ومنها- صحابة ديوان النّظر، وصحابة ديوان الجيش ونحو ذلك من الوظائف الديوانية بدمشق.
قلت: هذا إن كتب من الأبواب الشّريفة السّلطانية، وإلّا فالغالب كتابة ذلك عن نائب السّلطنة بدمشق.
الصنف الرابع (من الوظائف بدمشق وظائف المتصوّفة ومشايخ الخوانق، وفيها مرتبتان)
المرتبة الأولى (ما يكتب في قطع الثّلث ب «المجلس السّاميّ» بالياء، مفتتحا ب «الحمد لله» وبذلك يكتب لشيخ الشّيوخ بالشّام، وهو شيخ الخانقاه الصّلاحية، المسماة بالشميصاتية) «١»
وهذه نسخة توقيع بذلك، وهي:
الحمد لله الّذي اختار لعمارة بيوته أولياء يحبّونه ويحبّهم، وأصفياء حفّهم برحمته فاجتهدوا في طاعته فازداد قربهم، وأتقياء زهدوا في الدّنيا وأبدلوا الفاني بالباقي وطاب في مورد الصّفاء شربهم.
نحمده حمد من جعل حبّ الله دثاره، وملابس التّقوى شعاره، ونشكره والشّكر لمزيد النّعم أمارة، وللقلوب الدّاثرة عمارة، ونشهد أن لا إله إلّا الله
стр. 5609
وحده لا شريك له شهادة مخلص في التّوحيد، يتبوّأ بها جنان الخلد ويخلص من سماع قول جهنّم: هل من مزيد «١» ، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أسرى به إلى حضرة أنسه، وحظيرة قدسه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين منهم من سبق الأمّة بشيء وقر «٢» في صدره، ومنهم من دلّت واقعة سارية على علوّ شأنه ورفعة قدره، صلاة لا تزال الأرض لها مسجدا، ولا يبرح ذكرها مغيرا في الآفاق ومنجدا، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أحقّ من عومل بالتّقديم، وأجدر من يخصّ بالتّكريم، من كان قدره في الأولياء عظيما، وذكره في الآفاق بين أهل المعرفة قديما، وتجريده عن الدنيا مشهورا، وسعيه على قدم الطاعة مشكورا، وشهوده لمقام الكمال مستجليا، واستجلاؤه لموادّ الأنس مستمليا؛ فهو في هذه الطائفة الجليلة سريّ المقدار، معروف الصفة في حلية الأولياء ومناقب الأبرار، والمتقدّم من الإمامة في مجمع الأخيار.
ولما كان المجلس الساميّ، الشّيخيّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، الأوحديّ، الزّاهديّ، الورعيّ، الأصيليّ، الفلانيّ، جلال الإسلام والمسلمين، وشرف الصّلحاء في العالمين، شيخ الشّيوخ، قدوة السّالكين، معتقد الملوك والسّلاطين، أعاد الله تعالى من بركاته: هو المقصود من هذه العبارة، والملحوظ بهذه الإشارة- اقتضى حسن الرّأي الشريف أن يخصّ في الدنيا بالتّعظيم، ويميّز في هذه الأمّة بالتّكريم.
فلذلك رسم بالأمر الشّريف- لا زال له من جنود اللّيل «٣» جيش لا تطيش
стр. 5610
سهامه، ومن فرسان المحاريب مدد لا تزلّ في ملاقاة الرّجال أقدامه- أن يستقرّ في كذا.
فليقابل هذه النعمة بالسّرور، وليتأثّل هذه الفضيلة بحمد الله الشّكور، وليواظب على وظيفة الدعاء بدوام أيّامنا الزّاهرة، وليستمطر جزيل الفضل من سحائب جودنا الماطرة، وليبسط يده في عمل المصالح، وليستمرّ على السّعي الحسن والعمل الصّالح؛ فإنّ هذه البقعة مأوى القادم والقاطن، وتسمو على أمثالها من المواطن؛ وليكن لأسرارهم موقّرا، ولأقواتهم المعينة على الطّاعة ميسّرا؛ والله تعالى يجعل خلواته معمورة، وأفعاله مبرورة؛ والاعتماد في ذلك على الخطّ الشّريف.
قلت: هذا إن وليها شيخ من مشايخ الصّوفية، على عادة الخوانق. وقد يليها كاتب السّرّ بالشّام، فيكتب تقليده بكتابة السّرّ في قطع النّصف «بالمجلس العالي» على عادة كتّاب السّرّ، ويشار في تقليده إلى بعض الألفاظ الجامعة بين المقامين، ويضاف إلى ألقاب كتابة السّرّ بعض ألقاب الصّوفية المناسبة لهذا المقام. على أنّه ربّما كتب بولايتها عن نائب السّلطنة بالشّام لكاتب السّرّ أو غيره.
المرتبة الثانية (من يكتب له في قطع العادة مفتتحا ب «رسم» )
وهذه نسخة توقيع من ذلك، وهي:
رسم بالأمر الشّريف- لا زالت أوامره تحلّ القربات محلّها، ومراسمه تسند الرّتب الدّينية لمن إذا خصّوا بمواقعها كانوا أحقّ بها وأهلها- أن يرتب فلان في كذا: إذ هو أولى من خصّ بمواطن العبادة، ونصّ بترفيه الأسرار على التّحلّي بإفاضة الإفادة، ووفّر كدّه على اجتلاء وجوه المعارف من أفق المراقبة، وجمع خاطره لاجتناء ثمرة الأنس من أفنان الطّاعات النّابتة في رياض
стр. 5611
المحاسبة، مع تمسّكه بعلوم الشريعة الّذي [خلص] «١» معرفته من الشّوائب، وأحيا الدّجى من اقتبال شبيبة ظلامه إلى أن تشيب منه الذّوائب، ونفع متعدّ إلى كلّ طالب فضل وملتمس، ودين باهر من مصباح مشكاة العلم والعمل لكلّ باغي نور ومقتبس.
فليستقرّ شيخا بالمكان الفلانيّ: لتعمر أرجاؤه بتهجّده، وتشرق خلواته بتعبّده، وتعذب موارده بأوراده، وتطلع مجالسه نجوم معرفته البازغة من أفق إيراده؛ ولتغدو هذه البقعة روضة أفكار، وقبلة أذكار، ومراقي دعوات، ومرافيء بركات، تستنزل بين صلوات مقبولة وخلوات، وليتناول المعلوم المستقرّ له ترفيها لسره، وتنزيها لفكره، وإعانة على الانقطاع بهذه البقعة الّتي تتصل به أسباب السّعادة في أرجائها، وتخصيصا لها منه بإمام تقى لو كان لبقعة أن تجتني بركته لكان منتهى رجائها، وليرفع من الأدعية الصالحة لأيّامنا المباركة ما لا تزال مواطن القبول لنفحاته المترقّبة متلقّية، وما لا تبرح النفوس لخشيته المانعة متوقّية؛ والاعتماد على الخطّ الشّريف أعلاه، حجة بمقتضاه.
قلت: هذا إن كتب عن الأبواب السّلطانية؛ وإلّا فالغالب كتابة ذلك عن نائب السلطنة بالشّام.
النوع الثاني (من وظائف دمشق ما هو خارج عن حاضرتها)
وقد تقدّم في المقالة الثانية: أنّ لدمشق أربع صفقات، وهي: الغربية، والشّرقية، والقبلية، والشّمالية.
فأما الصّفقة الغربية
«٢» : وهي المعبّر عنها بالسّاحليّة والجبليّة، على ما
стр. 5612
تقدّم فيها، ففيها من وظائف أرباب السيوف عدّة وظائف، وتولّي فيها الأبواب السّلطانية.
منها- نيابة القدس
. وقد تقدّم أنّها كانت في الزّمن المتقدّم ولاية صغيرة يليها جنديّ، ثم استقرّت نيابة طبلخاناه، في سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وأنّ العادة جرت أن يضاف إليها نظر الحرمين: حرم الخليل ﵇، وحرم القدس، والّذي يكتب له مرسوم في قطع الثّلث ب «السّاميّ» بالياء.
ومنها- نيابة قلعة الصّبيبة
. وقد تقدّم أنّها من أجلّ القلاع وأمنعها، وأنّه كان يليها نائب مفرد من أجناد الحلقة «١» أو مقدّميها عن نائب دمشق، ثم أضيفت إلى والي بانياس، ثم استقرّت في سنة أربع عشرة وثمانمائة في الدولة الناصرية «فرج» نيابة.
ومنها- نيابة قلعة عجلون
. وقد تقدّم أنّها على صغرها حصن حصين، مبنيّة على جبل عوف «٢» ، بناها أسامة بن منقذ، أحد أمراء السّلطان صلاح الدّين «يوسف بن أيّوب» في سلطنة العادل أبي بكر، وأنّه كان مكانها راهب اسمه عجلون، فسمّيت به. ثم استقرّت في الدولة الناصرية «فرج» في سنة أربع عشرة وثمانمائة إمرة طبلخاناه.
وقد تقدّم أوّل هذا القسم ما يكتب للمقدّمين، وما يكتب للطّبلخاناه، وما يكتب للعشرات.
أمّا أرباب الوظائف الدّينيّة.
فمنها- مشيخة الخانقاه الصّلاحية بالقدس
. وتوقيعها يكتب في قطع
стр. 5613
الثلث مفتتحا ب «الحمد لله» .
ومنها- خطابة القدس
، وتوقيعها كذلك.
ومنها- مشيخة حرم الخليل
، وتوقيعها في العادة يكتب مفتتحا ب «رسم» .
وأمّا الصّفقة القبليّة
«١» ، فالّتي يولّى بها من الأبواب السّلطانية نيابة صرخد. وقد تقدّم في الكلام على ترتيب المملكة الشّامية أنّه قد يجعل فيها من يقرب من رتب السّلطنة، وحينئذ: فإن وليها مقدّم ألف، كان مرسومه في قطع النّصف ب «المجلس العالي» ، وإن وليها أمير طبلخاناه، كان مرسومه في قطع النّصف أيضا، ب «السّاميّ» بالياء.
وأما الصّفقة الشّرقية «٢» فالنّيابات بها على طبقتين:
الطبقة الأولى (ما يكتب به مرسوم شريف في قطع النّصف، وهو ما يليه مقدّم ألف أو طبلخاناه، وفيها نيابات)
النيابة الأولى- نيابة حمص .
وقد تقدّم أنّها كانت نيابة جليلة، كان يليها في الدّولة النّاصرية «محمد بن قلاوون» مقدّم ألف، وأنه ذكر في «التّثقيف» أنّها صارت الآن طبلخاناه.
وحينئذ: فإن كان بها مقدّم ألف، كان مرسومه في قطع النّصف ب «المجلس العالي» ، وإن كان طبلخاناه، كان مرسومه في قطع الثّلث ب «المجلس الساميّ» بالياء.
стр. 5614
وهذه نسخة مرسوم شريف بنيابة السلطنة بحمص:
الحمد لله مقدّر كلّ أجل إلى حين، ومقرّر أمور الممالك في عباده الصّالحين، الذي جعل بنا أولياءنا من الرّابحين، وحفظ ما استرعانا من أمور عباده بولاية النّاصحين.
نحمده على اختيار لا يصل إليه قدح القادحين، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة نكون بها في غمرات الحروب على السّوابح «١» سابحين، ونشهد أنّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله أكرم المانحين، وأعظم الفاتحين، وأشرف من ولّى الأعمال الكفاة الوفاة المكافحين، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة لا تزال فيها الحفظة على أعمالنا مماسين ومصابحين، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ مراسيمنا الشّريفة وإن تأخّر وقتها إلى أجل معدود، وأمد ممدود، ومضت أيّام وليال ولها باب مسدود، وعمل سببه غير مشدود- فإنّا كالسّيف يتلاهى إذا صمّم لا يرجع، وكالغمام تتمادى مدد مدّه ثم يجود فلا يقلع، ولم نزل منذ فوّض الله أمور بلاده إلينا، وصرّف أمور جمهور عباده بيدينا، نرى أن نحمي غاباتها بأشدّ الأسود، ونرمي غاياتها بمن هو لأمر ما يسود، ونحوط جنباتها بمن لا يستبيح حرمه إلا الوفود، ونحطّ ركائب رعاياها منه على من هو المقصود، وننيب إلى ما يترجّح من مصالحهم لدينا، ونستنيب لمن يترجّى الحسنى إذا عرضت متجدّدات أمورهم علينا، وإذا انفرد بحكم لا يظنّ إلّا أنّه بمسمع من أذنينا، ومرأى من عينينا، لأنّ نوّاب الممالك الشريفة فروع عدلنا الشّريف ونحن أصلها، وأسباب إحسان بأوامرنا المطاعة قطعها ووصلها.
وكانت حمص المحروسة من أكبر الممالك القديمة، والمدن العظيمة؛ تغرق الأقاليم في مدّها، وتمتدّ عساكرها فتعدّ حماة حماة من جندها؛ وهي من
стр. 5615
الشّام المحروس في ملتقى مواكبه، ومجرّ عواليه ومجرى سوابقه ومجمع كتائبه؛ طالما كان بها الحرب سجالا، وطالما سابقت بها الرّجال آجالا؛ وكان لنا بها في الحرب يومان عوّضنا الله أدناهما بما حفظت المعارك، وضاقت الأرض بدماء القتلى ففاض إلى السّماء ما التقى بالشفق من [تلك المسالك] «١» ، واتّصلت بالبرّ والبحر من جانبيها، واتّصفت بأنّها مهبّ الرّياح، ومركز الرّماح، لما يهبّ لنا من بشرى النصر ويخفق من عصائبنا المنصورة عليها.
فلمّا تطاول الأمد على خلوّها ممّن ينوب عن السّلطنة الشّريفة في أحكامها، ويؤوب إلى تسديد مرامي سهامها، لم تزل آراؤنا العالية تجول فيمن يصلح أن يقّدم قدمه إلى رتبتها العليّة، ويجرّد منها عزائمه المشرفيّة، ويجمع بها على طاعتنا الشّريفة من فيها من العساكر المنصورة، والقبائل المشهورة، والطّوائف المذكورة، ويبسط بساط العدل في كافّة جنودها ورعاياها فإنّها بهؤلاء محروسة وبهؤلاء معمورة- فرأينا أنّ أولى من حكم في عاصيها والمطيع، واتّخذ لسوريا السّور المنيع، من هو الموثوق بما أمضت السيوف من هممه، وأرضت التّجارب من سوابق خدمه، وطارت سمعة شكره في الآفاق، وطابت أثنيته فجاءت بما يعرف من الطّرب لإسحاق «٢» ؛ وكان قد تقدّمت له في عينتاب «٣» ، نيابة كم أصابه فيها رجل بالعين ثم إنّه من العين تاب، وقام بين أيدي كفلاء ممالكنا الشريفة حاجبا، وفهم من أحكامهم الّتي تلقّوها منّا ما أصبح لها صاحبا، فما للنّيابة إحكام أحكام إلّا وهو به عالم، ولا تولية حكم إلا وقد استحقّها لقرب ما بين الحاجب والحاكم.
стр. 5616
وكان فلان هو المرتضى للبس هذه المفاخر، والمنتظر الّذي كم ترك الأوّل فيه للآخر- فاقتضت مراسيمنا المطاعة أن يزان جيده بهذا التقليد، وتلقى إليه المقاليد، وتمدّ يد هذه الرتبة لتلقّيه، وتخضع عنق هذه المرتبة لترقيّه، وتحوّل إليه هذه النّعمة الّتي ألحقت قدره بالأكفاء، وأهّلت هممه للاكتفاء، وشرّفت مكانه، بما أجمعت عليه آراؤنا الشريفة له من الاصطفاء، وأحسنت به الظّنّ لمّا رأت نيّته الجميلة ممثّلة من خاطره في مرآة الصّفاء.
فرسم بالأمر الشّريف- لا زال مرفوعا به كلّ علم، ممنوعا به حمى كلّ حرم- أن تفوّض إليه نيابة السّلطنة الشّريفة بحمص المحروسة وأعمالها، وجندها وعمّالها، وعساكرها وعشائرها، وعامرها وغامرها، وأوّلها وآخرها، ودانيها وقاصيها، وكلّ ما في حدودها الأربعة، وداخل في جهاتها الممنّعة، على أكمل ما جرت به عوائد من تقدّمه، واستقرّت عليه القواعد المتقدّمة.
فاتّق الله في أمورك، واجعل الشّرع الشّريف مشكاة نورك، وعظّم حكّامه، ونفّذ أحكامه، فهم أمنع سورك، واعدل فهو قرار خواطر جمهورك، وتيقّظ لسداد سداد ثغورك، وارفق لتطلق به نطق نطاق شكورك؛ وأقم الحدود فإنّها زيادة في أجورك. وأمّا العساكر المنصورة، فجمّل بهم في خدمتنا الشريفة مواكبك، وكمّل بعزائمهم مضاربك، ولا تستخدم منهم إلا من يسرّك أن تراه في يوم العرض، وتعقد هوادي جياده السماء بالأرض، واحم أطراف بلادك من عادية الرّجال، واحفظ جانبيها من تخطّف الغارات فسر قيامها [لا يدفعه] «١» غير احتيال، واهتمّ بالجهاد تحت صناجقنا «٢» المنصورة لأعداء الله متى أجمعوا، وضرّسهم بأنياب أسنّتك فأنت صاحب العصا وهي تتلقّف ما صنعوا، وعمّر
стр. 5617
بلادها بملاحظتك الجميلة، ونمّ أمورها فهي قوام الجنود وهم إلى الثقة في النّصر الوسيلة، وسارع إلى ما ترد به مراسمنا الشّريفة عليك لنهديك إلى صراط مستقيم، وعجّل البريد فإنّك تعلم به ما لست بعليم؛ وبقيّة الوصايا لا حاجة إليها لما تعرفه من قديم، والله تعالى يمتّعك بكلّ خلق كريم؛ والخطّ الشريف أعلاه ...
النيابة الثانية- نيابة الرّحبة «١»
وهذه نسخة بنيابتها:
الحمد لله الّذي أمدّنا بنصره، وشمل بجود سلطاننا أهل عصره، وأيّده بجنود أوّلها متّصل بأوّل عراقه وآخرها بآخر مصره، وفرّق بسهامه الأعداء في حواصل الطير بين حضنه وخصره.
نحمده حمدا يقوم بشكره، ويحافظ على حسن ذكره، ويستعاذ به إلّا ممّا يدمّر على العدا من عواقب مكره، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة ترغم من جادله بكفره، وتمزّقه بين كل ناب سيف وظفره، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أرسله مقيما لأمره، ومديما في الجهاد لإعمال بيضه وسمره، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه حملة سرّه، ونقلة هديه بأسره، صلاة باقية في الوجود بقاء دهره، راقية ارتقاء زهره.
وبعد، فإنّ الثغور بسدادها، والبحور بأمدادها، والنّحور لا تحلّى بأحسن من حلية نجادها، والممالك المحروسة لا تحرس إلا بشهب خرصانها «٢» ، ولا تسقى بأنقع مما تطلّه من الدّماء سحب فرسانها، والفرات لا تحمى مواردها إلا
стр. 5618
بأمثال سيوفها القواضب، ولا تمنع مخاوضها «١» إلّا بدم خاضب، والحصون لا يرضى بها كلّ منجنيق غضبان إلا بوصال مغاضب، والقلاع لا تتطلّع عيون ديادبها «٢» إلا لمن ماء الكرى في جفونه ناضب، والمعاقل لا تسمح بعقائلها إلّا لمن هو على خطبتها مواظب؛ وكانت الرّحبة- حرسها الله تعالى- هي أوسع مكان رحابا، وأدنى إلى مطر سحابا، وأوثق ما أغلق على البلاد بابا، وأقرب ما سمع حرّاسها في السماء دعاء مجابا، قد ملئت سماؤها حرسا شديدا وشهبا، ومدّت كواكب الدلو واستقت من الغمام قلبا «٣» ، وعدّت ما وراء المجرّة فعمّيت دونها المسالك، وحسبت لملك ونسبت إلى مالك؛ ومالك- لا أعني إلّا ابن طوق «٤» - خازنها، ومنزل أمن وفي غاب الأسد مساكنها؛ وقد وقفت لبغداد في فم المضيق، وهمّت بلاد العدا أن تخوض الفرات إليها فقالت: ما لك إليّ طريق؛ قد افترّ في وجه العساكر المنصورة ثغرها الضّاحك، وردّ قرن الشمس فرعها المتماسك.
فلما أغمد حسامها المسلول، وأقلع غمامها وكلّ هدب بالبكاء عليه مبلول- اقتضى رأينا الشريف أن نجدّد لعروسها زفافا، ولبيوتها أفوافا، ولسيوفها جلاء، ولسقوفها إعلاء، ونولّيها لمن تكون همّته فيها جديدة الشّباب، أكيدة الأسباب، ليكون أدعى لمصالحها، وأرعى لمناجحها، وأوعى لما يجمعه سمعه من مصالحها، وأسعى في حماية مماسيها ومصابحها؛ وكان فلان هو أصلب من في كنائننا الشريفة عودا، وأنجز وعودا، وأصدق رعودا، وأيمن إذا طلع نجمه
стр. 5619
في أفق سعودا.
فرسم بالأمر الشريف أن تفوّض إليه نيابة الرّحبة المحروسة، على عادة من تقدّمه وقاعدته؛ [فليتول ذلك] «١» مقدّما تقوى الله والعمل بما شرع، واتّباع مراسمنا الشريفة فمثله من اتّبع، وحماية أطرافها، من كل طارق إلا طارقا يطرق بخير، وصيانة أكنافها، من كل عصابة محلّقة إلى جوّها كالطّير، وحفظها من عادية كلّ أفّاك وسفّاك، وبادية أعراب وأتراك، وكلّ فارس فرس وراكب بعير، وكلّ وقفة محاصر وحقطة «٢» مغير، وجانبي برّ وبحر: في أحدهما المسالك تعمى والآخر لا يعام، وصاحبي سرّ وجهر: هذا تخشى له عاقبة كلام وهذا معاقبة كلام.
وليتخطّف من الأخبار ما تلمع لدينا بوارقه، ويتقطّف من الأقوال ثمراتها ولا يدع كلّ ما تجمعه حدائقه، وليجعل له من المناصحين طلائع ما منهم إلّا من هو في انتهاب الأخبار أبو الغارات، ومن إذا ألجمه الخوف كان له في لمع البروق إشارات، وليتّخذ من الكشّافة من يسبق قبل أن يرتدّ إليه طرفه، ومن الخيّالة من لا يرتدّ عن وقذ «٣» الرّماح طرفه، ومن القصّاد من لا يطوي عنه خبرا، ومن الدّيادب من يعيره وقلّ أن تعار العيون نظرا، وليحفظ التّجار في مذاهبهم غدوّا ورواحا، ومساء وصباحا، وليستوص بهم خيرا فإنّهم طالما ازدانت بهم صدور الخزائن على امتلائها انشراحا، وليأخذ منهم ما لبيت المال فكم وجدوا بعطائه أرباحا، وليوصّل إلى أرباب القرارات «٤» ما لهم من مقرّر معلوم، وليعطهم ما تصدّقنا به عليهم وهو مشكور وإلّا أعطاهم وهو مذموم،
стр. 5620
وليعمّر البلاد بتوطين أهل القرى، وإنامتها بالعدل ملآنة الجفون من الكرى، وليكن للفرات متيقّظا لئلا يطغى بها التّيّار، ويغلب بمدّها المخمر على سكرها من السّكر الخمار، ويقوى على سدّها قبل أن لا يقدر على مقاواة البحار، ويتفقّد مبانيها فإنّها من أسنى ما تتفقّده الأبصار، وليغلق زروعها لتكون:
كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ
«١» ، وليعفّ فإنّ العفاف هو الغنى، وليؤمّن من يليه فإنّ الأمان هو المنى، وليقرّ ما استقرّ بيننا وبين القوم من صلح أكّدت أواخيه، وأصبح كلّ من أهل الجانبين لا يفرّ من أخيه، ولا يرخّص لأحد فيما ينقضه لا في عاجل أمر ولا في تراخيه، حتّى إذا كشفت الحرب عن ساقها، وشدّت عقد نطاقها، فليكن بحسب مراسمنا الشريفة اعتماده في شنّ كلّ غارة، وسنّ كلّ ماض مرهفا غراره «٢» ، وجوس خلال ديار العدا واختطاف كلّ قمر من دارة؛ والمحرقات «٣» التي لا تحرق نباتا حتى تشبّ في ضلوعهم، والعيّارة «٤» فهي الزّلازل الّتي تتساقط منها مباني ربوعهم، وموالاة البعوث: فإنّ كلّ بعث يتكفّل بشتات جموعهم؛ والعمل بكلّ ما ترد به مراسمنا العالية، والمواصلة بكتبه الّتي
стр. 5621
نرفض ما سوى أخبارها المتوالية، وإرسال كل بريد وحمام تحلّق بهما: إمّا ريح ظاهرة وإمّا ريح عادية؛ والله تعالى يقرب له الغايات المنادية، بمنّه وكرمه!.
النيابة الثالثة- نيابة مصياف «١»
وهذه نسخة مرسوم بنيابتها:
الحمد لله الّذي صرّف ممالكنا الشّريفة في الممالك، وشرّف بنا كلّ حصن لا تعرض له المجرة في المسالك، وعرّف بالتّربية في خدمة أبوابنا العالية إلى أين ينتهي السّالك.
نحمده على نعمه الّتي نعتدّ بها الحمد من ذلك، ونرغب أن نلقى الله على أداء الأمانة فيها كذلك، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فيما هو مالك، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي أضاء به كلّ حال حالك، وأنجى به من مهاوي المهالك، وجمع به من الأمّة ما وهى وهي كالعقد المتهالك، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة يجد بها قائلها في الدار الآخرة كلّ هناء هنالك، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ النظر في أمور الممالك هو أوّل ما يقدّمه الملك، وأولى ما يتقدّم إليه من سلك؛ ومملكة بيت الدّعوة هي من أجلّ ما تفرّدت به ممالكنا الشّريفة، وامتدّت به في الأماكن المخيفة، وأرسلت من قلاعها من يقتلع العدا بوثوبه، ويسابق السّهم إلى مطلوبه، ويتعبّد بموالاتنا الّتي ورثها عن سلفه في طاعة أئمّتهم، وعلموا بها أن الدّولة العلوية ما انقضت حتّى انتقلت إلينا الولاية على شيعتهم، وأن الملك الإسماعيليّ فينا قد انحصر ميراثه، وأن كلّ من مات من الخلفاء الفاطميّين- ﵏ نحن ورّاثه؛ فهم بهذا يبذلون نفوسهم في الطاعة الشّريفة الّتي يرونها فرضا عليهم، ويبلغون بنا أعلى مراتب الإيمان:
стр. 5622
لأنهم إذا رأوا منكرا أزالوه بيديهم؛ كم هجموا على عدوّ من أعداء الله هجمة طيف!، وكم استطالوا بسكّين لا يتطاول إلى مباراتها سيف!، وكم أوقدوا لهم بارقة عزم فقيل: هذه سحابة صيف!، وكم ورّدوا بالدّماء خدّا غدا ينادي: يا كرام الورد ضيف!. وكانت مصياف- حرسها الله تعالى- هي كرسيّ هذه المملكة، وقلعتها هي الّتي بذوائب الجوزاء متمسّكة؛ واقتضت مراسمنا المطاعة نقل النائب بها إلى ما رسمنا به الآن، فخلت ممّن يترقّى فيها إلى أعزّ مكان، واحتاجت إلى من تغنى به عما يقال: من اعتقال رمح وتجريد سنان.
فحصل الفكر الشريف فيمن نقلّده هذه النّيابة، ويتقلد أمر هذه العصابة، ويتصرّف في أمورها بمقتضى ما ترد به مراسمنا المطاعة، ويعلم أنّه من شيعتنا:
لأنّه داعينا في هذه الجماعة؛ فرأينا أنّ أحقّ [الناس بها] «١» من قدّمه ولاؤه، وعظّمه انتماؤه، ونبّه عليه اهتمام هممه الّتي لا تشابهها الكواكب في سيرها، وعزائمه الّتي طالما كان بها في خدمتنا الشريفة «يظلّ بموماة «٢» ويمسي بغيرها» ؛ ولم تزل به مساعيه حتّى وصل إلى المزيد، وأسرع له الشّيب في طاعتنا الشّريفة: لأنّه في كلّ وقت [كان] «٣» يسمع قعقعة لجام البريد؛ وكان فلان هو الّذي أشار إليه القول بوصفه، ودلّ عليه ثناؤه بعرفه.
فرسم أن تفوّض إليه النيابة بمصياف وأعمالها، على عادة من تقدّمه وقاعدته. فليقدّم تقوى الله تعالى فيما ولّيه، ولينشر جناح عدلنا الشريف على من يليه، وليعمل بالأحكام الشّرعية في كل ما يقضيه، وليسلك في أهلها أوضّح المراشد، وليبيّن لهم أنّه يدعوهم إلى سبيل الرشاد إلا ما ادعاه راشد، وليوصّل إلى المجاهدين أرزاقهم الّتي هي أثمان نفوسهم، وثمار ما دنّى القطاف من رؤوسهم. وأهل من مات أو يموت منهم على طاعتنا الشّريفة فكن عليهم
стр. 5623
متعطّفا، ومن طلب منك الإنصاف فكن له منصفا، وافعل معهم أحسن الأسوة، وقل لهم عنا: إنّ الصّدقات الشّريفة قد استجابت لكم يا أهل الدّعوة، وخذ بقلوبهم، لتزداد من حبّهم، وقل للمجاهدين: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
«١» ، والأموال فصنها من الضّياع، وعمارة البلاد عليك بها فإنّ القلعة لا تكون إلا بالمدينة والمدينة لا تكون إلا بالضّياع، وامتثال مراسمنا الشّريفة وكلّ ما يرسم به سارع إلى اعتماده، وطائفة المجاهدين لا تدع منهم إلا من هو معتدّ لجهاده؛ والكتمان الكتمان! فبه تنال المطالب، وتدرك المآرب؛ وعليك بقمع المفسدين، وردع المعتدين، وإقامة الحدود: فإنّ بها أقام الله هذا الدّين؛ ونحن نغتني بما فيك من المعرفة، وبما أنت عليه- بحمد الله تعالى- من كمال كلّ صفة، عن استيعاب الوصايا الّتي لم تبرح سجاياك بها متّصفة، والله تعالى يزيدك من كلّ نوع أشرفه؛ والخط الشريف أعلاه......
وأما الصّفقة الشّمالية
«٢» ، فالذي يولّى بهذه الصّفقة عن الأبواب السلطانية، نيابة بعلبك فقط. وقد تقدّم في الكلام على ترتيب المملكة الشّامية أنّها كانت أوّلا إمرة عشرة، ثم صارت طبلخاناه، وأن نائب الشّام يولّي بها، وربما ولّيت من الأبواب الشّريفة السّلطانية، وحينئذ فيكون مرسوم نائبها في قطع الثّلث ب «المجلس الساميّ» بالياء.
وهذه نسخة مرسوم بنيابة بعلبكّ:
أما بعد حمد الله على أمل حقّق مناه، وصدّق غناه، وفرّق عليه سحب
стр. 5624
اعتناء أورق به عوده وطاب جناه، والصلاة والسلام على نبيّه سيدنا محمد الّذي كمّل بناه، وعلى آله وصحبه ما شيّد معقل فخار مبناه- فإنّ من أعظم مدن الشّام القديمة، ودور الملك الّتي ذهب من يحلّها من الملوك وبقيت آثاره مقيمة، مدينة بعلبكّ وهي الّتي تحصّن الإسلام بقلعتها، وتحصّل الرعب في قلوب الأعداء [بمنعتها] «١» ، بنيت على عهد سليمان «٢» بن داود ﵉ وأتقن بنّاؤها، وهالت أسوارها حتّى نسب إلى صنعة الجنّ بناؤها، ودعمت السّماء عمدها، فطالت شرفها حتّى كادت تخضخض في سجل السحاب يدها، وجمعت محاسن في سواها لا توجد، وتقرّر بملكها من الملوك: تارة سعيدا وتارة أمجد، وما خلت من علماء عظيمي الشان، وصلحاء يلمّهم الجبلان:
سيس «٣» ولبنان؛ وهي باب دمشق المفتوح، وسحاب الأنواء المسفوح بالسّفوح، وباب البروق الّتي آلت أنّها بأسرارها لا تبوح، ومآب السّفارة الّتي تغدو محمّلة أوقار «٤» ركائبها وتروح؛ ولها العين المسبّلة الرّواتب، والجبال الرّاسية الوقار لمفرقها الشّائب، العالية الذّرى [كأنها متلفّعة] «٥» من قطع السّحائب؛ و [لما] «٦» كان من فيها الآن ممّن لا تستغني الدولة القاهرة عن قربه، ولا تستثني أحدا معه في تجريده سيفه المشهور من قربه، أجلنا الرّأي في كفء لعروسها، ومماثل لمركز تأوّد غروسها، فلم نجد أدرى بأحوالها، وأدرب بما يؤلّف على الطّاعة قلوب رجالها، كمن استقرّ به فيها مع أبيه الماضي- ﵀ الوطن [ونالا منه الوطر] «٧» ، ومرت [عليهم فيه] «٨» سنون وأيامّ هتف
стр. 5625
بها داعي قصر؛ ولا غني [عنه] «١» مع ماله من ولايات صحب فيها الناس وفارقهم على وجه جميل، ورافقهم ثم انصرف وانصرفوا عنه وما ذمّه في النّازلين نزيل؛ وكان فلان هو المتوقّد الشّهاب، المتوفّل في تلك الهضاب، المشكور قولا ودينا، المشهور بوضع كلّ شيء في موضعه شدّة ولينا.
فلذلك رسم......- لا زال إحسانه أحمد واختياره مقدّما- أن يرتّب في نيابة بعلبكّ على عادة من تقدّمه وقاعدته، مبتدئا حسن النظر في الأمور العامة، لا يدع ظلامة، ولا يدعّ «٢» سالك طريق إلى سلامة، ولا يعدّ سمعا إلا لسماع شكر لا ملامة، ولينظر في المظالم نظرا ينجلي به سدفها «٣» ، وليشكر العشير توطيا يوطأ به هدفها، وليلاحظ الأمور الديوانية، بما ينمّي به أموالها، ويندّي بسحابه المتدفّق أحوالها. والأوقاف فليشارك واقفيها في إحسانهم، وليجر حسناتها على ما كانت عليه في زمانهم، وليكن لها نعم الكفيل في دوام المحافظة وليتفقّد ما فيها من الحواصل والزّردخاناه «٤» مما يذخر لوقته، ويؤخّر لفرط الشّغف به لا لمقته. ومن أهمّ ما يحتفظ به قلوب الرجال، وعمارة الأسوار فإنها للفرسان المقاتلة مجال، وعليها تنصب المجانيق وتتخطّف الآجال. وأمّا الشّريعة المطهّرة: فإنّ من تعدّى غرق أو أوشك أن يغرق، واتّباع أوامرها: وإلّا ففيم يعذّب من يعذّب ويحرق من يحرق؛ وتقوى الله تعالى هي الوصيّة الجامعة، والتّذكرة الّتي ترتدّ بها الأبصار خاشعة؛ وليفهم هذه الوصايا ولا يخرج شيئا منها من قلبه، وليتبيّن معانيها ليكون بها على بيّنة من ربّه؛ والله تعالى يكشف عنه غطاء حجّته، ويزعه عما يأخذه ويؤاخذه من نيّته، إن شاء الله تعالى.
стр. 5626
الصنف الثاني «١» (ممّن [هم] «٢» خارج دمشق: ممّن يولّى عن الأبواب السلطانية- أمراء العربان، وهم على طبقتين:)
الطبقة الأولى (من يكتب له منهم تقليد في قطع النّصف ب «المجلس العالي» وهو أمير آل فضل «٣» خاصّة: سواء كان مستقلا بالإمارة أو شريكا لغيره فيها)
وقد تقدّم في الكلام على ترتيب المملكة الشامية نقلا عن «مسالك الأبصار» أنّ ديارهم من حمص، إلى قلعة جعبر، إلى الرّحبة، آخذين على شقّي الفرات وأطراف العراق «٤» وهذه نسخة تقليد بإمره آل فضل: كتب به للأمير شجاع الدين «فضل بن عيسى» عوضا عن أخيه مهنّا، عندما خرج أخوه المذكور مع قرا سنقر الأفرم ومن معهما من المتسحبين «٥» ، وأقام [هو] «٦» بأطراف البلاد ولم يفارق الخدمة،
стр. 5627
في شهور سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، من إنشاء الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ، وهو:
الحمد لله الّذي منح آل فضل في أيّامنا الزاهرة بحسن الطاعة فضلا، وقدّم عليهم بقديم الإخلاص في الولاء من أنفسهم شجاعا يجمع لهم على الخدمة ألفة وينظّم لهم على المخالصة شملا، وحفظ عليهم من إعزاز مكان بيتهم لدينا مكانة لا تنقض لها الأيام حكما ولا تنقص لها الحوادث ظلّا.
نحمده على نعمه الّتي شملت ببرّنا، الحضر والبدو، وألجهت بشكرنا، ألسنة العجم في الشّدو والعرب في الحدو، وأعملت في الجهاد بين يدينا من اليعملات «١» ما يباري بالنّصّ والعنق «٢» الصّافنات في الخبب والعدو، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة ندرأ بها الأمور العظام، ونقلّد بيمنها ما أهمّ من مصالح الإسلام لمن يجري بتدبيره على أحسن نظام، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المبعوث من أعلى ذوائب العرب وأشرفها، المرجوّ الشّفاعة العظمى يوم طول عرض الأمم وهول موقفها، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين كرمت بالوفاء أنسابهم، وأضاءت بتقوى الله وجوههم وأحسابهم، صلاة لا تزال الألسن تقيم نداءها، والأقلام ترقم رداءها، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من أجنته الطاعة ثمرة إخلاصه، ورفعته المخالصة إلى أسنى رتب تقريبه واختصاصه، وألّف بمبادرته إلى الخدمة الشريفة قلوب القبائل وجمع شملها، وقلّده حسن الوفاء من أمر قومه وإمرتهم ما يستشهد فيه بقول الله تعالى: وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها
«٣» - من ارتقى إلى أسنى رتب دنياه
стр. 5628
بحفظ دينه، ودلّ تمسّكه بأيمانه على صحّة إيمانه وقوّة يقينه، ولا حظته عيون السّعادة فكان في حزب الله الغالب وهو حزبنا، وقابلته وجوه الإقبال فأرته أنّ المغبون من فاته تقريبنا وقربنا، ورأى إحساننا إليه بعين لم يطرفها الجحود، ولم يطرقها إعراض السّعود، فسلك جادّة الوفاء وهي من أيمن الطّرق طريقا، واقتدى في الطاعة والولاء بمن قال فيهم بمثل قوله: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً
«١» ولمّا كان المجلس العالي ... هو الّذي حاز من سعادة الدّنيا والآخرة بحسن الطّاعة ما حاز، وفاز من برّنا وشكرنا بجميل المبادرة إلى الخدمة بما فاز، وعلم مواقع إحساننا إليه فعمل على استدامة وبلها، واستزادة فضلها، والارتواء من معروفها الّذي باء بالحرمان [منه] «٢» من خرج عن ظلّها، مع ما أضاف إلى ذلك: من شجاعة تبيت منها أعداء الدّين على وجل، ومهابة تسري إلى قلوب من بعد من أهل الكفر سرى ما قرب من الأجل- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نمدّ على أطراف الممالك المحروسة منه سورا مصفّحا بصفاحه، مشرّفا بأسنة رماحه.
فرسم بالأمر الشريف العالي- لا زال يقلد وليّه فضلا، ويملأ ممالكه إحسانا وعدلا- أن يفوّض إليه كيت وكيت: لما تقدّم من أسباب تقديمه، وأوميء إليه من عنايتنا بهذا البيت الّذي هو سرّ حديثه وقديمه، ولعلمنا بأولويّته التي قطبها الشّجاعة، وفلكها الطّاعة، ومادّتها الدّيانة والتّقى، وجادّتها الأمانة التي لا تستزلّها الأهواء ولا تستفزّها الرّقى.
وليكن لأخبار العدوّ مطالعا، ولنجوى حركاتهم وسكناتهم على البعد سامعا، ولديارهم كلّ وقت مصبّحا حتّى يظنوه من كل ثنيّة عليهم طالعا، وليدم التّأهّب حتّى لا تفوته من العدوّ غارة ولا غرّة، ويلزم أصحابه بالتيقّظ لإدامة الجهاد الّذي جرّب الأعداء [منه] «٣» مواقع سيوفهم غير مرّة؛ وقد خبرنا من
стр. 5629
شجاعته وإقدامه، وسياسته في نقض كلّ أمر وإبرامه، ما يغني عن الوصايا التي ملاكها تقوى الله تعالى وهي من سجاياه الّتي وصفت، وخصائصه الّتي ألفت وعرفت؛ فليجعلها مرآة ذكره، وفاتحة فكره؛ والله تعالى يؤيّده في سرّه وجهره، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة مرسوم شريف بإمرة آل فضل، كتب بها للأمير حسام الدين «مهنّا بن عيسى» «١» من إنشاء الشيخ شهاب الدّين محمود الحلبيّ، وهي:
الحمد لله الّذي أرهف حسام الدّين في طاعتنا بيد من يمضي مضاربه بيديه، وأعاد أمر القبائل وإمرتهم إلى من لا يصلح أمر العرب إلّا عليه، وحفظ رتبة آل عيسى باستقرارها لمن لا يزال الوفاء والشّجاعة والطّاعة في سائر الأحوال منسوبات إليه، وجعل حسن العقبى بعنايتنا لمن لم يتطرّق العدوّ إلى أطراف البلاد المحروسة إلّا وردّه الله تعالى بنصرنا وشجاعته على عقبيه.
نحمده على نعمه الّتي ما زالت مستحقّة لمن لم يزل المقدّم في ضميرنا، المعوّل عليه في أمور الإسلام وأمورنا، المعيّن فيما تنطوي عليه أثناء سرائرنا ومطاوي صدورنا، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة توجب على قائلها حسن التمسّك بأسبابها، وتقتضي للمخلص فيها بذل النّفوس والنّفائس في المحافظة على مصالح أربابها، وتكون للمحافظ عليها ذخيرة يوم تتقدّم النّفوس بطاعتها وإيمانها وأنسابها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المبعوث من أشرف ذوائب العرب أصلا وفرعا، المفروضة طاعته على سائر الأمم دينا وشرعا، المخصوص بالأئمّة الذين بثّوا دعوته في الآفاق على سعتها ولم يضيقوا لجهاد أعداء الله وأعدائه ذرعا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين حازوا
стр. 5630
بصحبته الرّتب الفاخرة، وحصلوا بطاعة الله وطاعته على سعادة الدنيا والآخرة، وعلموا أنّ الجنة تحت ظلال السّيوف فلم يزحزحهم عن ظلّها الرّكون إلى الدّنيا السّاخرة، صلاة تقطع الفلوات ركائبها، وتسري بسالكي طرق النّجاة نجائبها، وتنتصر بإقامتها كتائب الإسلام ومواكبها، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فإن أولى من تلقّته رتبته، التي توهّم إعراضها بأيمن وجه الرّضا، واستقبلته مكانته، التي تخيّل صدودها بأحسن مواقع القبول الّتي تضمّنت الاعتداد من الحسنات بكل ما سلف والإغضاء من الهفوات عمّا مضى، وآلت إليه إمرته التي خافت العطل منه وهي به حالية، وعادت منزلته إلى ما ألفته لدينا:
من مكانة مكينة وعرفته عندنا: من رتبة عالية- من أمنت شمس سعادته في أيّامنا من الغروب والزوال، ووثقت أسباب نعمه بأن لا يروّع مريرها في دولتنا بالانتقاض ولا ظلالها بالانتقال، وأغنته سوابق طاعته المحفوظة لدينا عن توسّط الوسائل، واحتجّت له مواقع خدمه الّتي لا تجحد مواقفها في نكاية الأعداء ولا تنكر شهرتها في القبائل، وكفل له حسن رأينا فيه بما حقّق مطالبه، وأحمد عواقبه، وحفظ له وعليه مكانته ومراتبه؛ فما توهّم الأعداء أنّ برقه، خبا حتّى لمع، ولا ظنّوا أنّ ودقه «١» ، أقلع حتّى همى وهمع، ولا تخيّلوا أنّ حسامه نبا، حتّى أرهفته عنايتنا فحيثما حلّ من أوصالهم قطع؛ وكيف يضاع مثله؟ وهو من أركان الإسلام الّتي لا تنزل الأهواء ولا ترتقي الأطماع متونها، ولا [تستقلّ] «٢» الأعداء عند جهادها واجتهادها في مصالح الإسلام حسبها ودينها.
ولما كان المجلس العالي ... هو الّذي لا يحول اعتقادنا في ولائه، ولا يزول اعتمادنا على نفاذه في مصالحنا ومضائه، ولا يتغيّر وثوقنا به عمّا في خواطرنا من كمال دينه وصحّة يقينه، وأنّه ما رفعت بين يدينا راية جهاد إلّا تلقّاها عرابة عزمه بيمينه؛ فهو الوليّ الّذي حسنت عليه آثار نعمنا، والصّفيّ الّذي نشأ
стр. 5631
في خدمة أسلافنا ونشأ بنوه في خدمنا، والتّقيّ الّذي يأبى دينه إلا حفظ جانب الله في الجهاد بين يدي عزيمتنا وأمام هممنا- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نصرّح له من الإحسان بما هو في مكنون سرائرنا، ومضمون ضمائرنا، ونعلن بأنّ رتبته عندنا بمكان لا تتطاول إليه يد الحوادث، ونبيّن أن أعظم أسباب التقدّم ما كان عليه من عنايتنا وامتناننا أكرم بواعث.
فلذلك رسم أن يعاد «١» إلى الإمرة على أمراء آل فضل، ومشايخهم ومقدّميهم، وسائر عربانهم، ومن هو مضاف لهم ومنسوب إليهم، على عادته وقاعدته.
فليجر في ذلك على عادته الّتي لا مزيد على كمالها، ولا محيد عن مبدئها في مصالح الإسلام ومآلها، آخذا للجهاد أهبته من جمع الكلمة واتّحادها، واتّخاذ القوّة وإعدادها، وتضافر الهمم الّتي ما زال الظّفر من موادّها والنّصر من أمدادها، وإلزام أمراء العربان بتكميل أصحابهم، وحفظ مراكزهم الّتي لا تسدّ أبوابها إلّا بهم، والتّيقّظ لمكايد عدوّهم، والتّنبّه لكشف أحوالهم في رواحهم وغدوّهم، وحفظ الأطراف الّتي هم سورها من أن تسوّرها مكايد العدا، وتخطّف من يتطرّق إلى الثغور من قبل أن يرفع إلى أفقها طرفا أو يمدّ على البعد إلى جهتها المصونة يدا، وليبثّ في الأعداء من مكايد مهابته ما يمنعهم القرار، ويحسّن لهم الفرار، ويحول بينهم وبين الكرى لاشتراك اسم النّوم وحدّ سيفه في مسمّى الغرار.
وأما ما يتعلق بهذه الرتبة من وصايا قد ألفت من خلاله، وعرفت من
стр. 5632
كماله، فهو ابن بجدتها، وفارس نجدتها، وجهينة «١» أخبارها، وحلبة غايتها ومضمارها، فيفعل في ذلك كلّه ما شكر من سيرته، وحمد من إعلانه وسريرته؛ وقد جعلنا في ذلك وغيره من مصالح إمرته أمره من أمرنا: فيعتمد فيه ما يرضى الله تعالى ورسوله، ويبلغ به من جهاد الأعداء أمله ورسوله؛ والله الموفق بمنه وكرمه! والاعتماد.......
الطبقة الثانية (من عرب الشام- من يكتب له مرسوم شريف)
وهم على مرتبتين:
المرتبة الأولى- من يكتب له في قطع النّصف، وهم ثلاثة:
الأوّل- أمير آل عليّ
«٢» ، ورتبته «الساميّ» بالياء. وقد تقدّم أن منازلهم مرج دمشق وغوطتها، بين إخوانهم آل فضل وبني عمّهم آل مراء «٣» ومنتهاهم إلى [الجوف والحيّانيّة إلى الشبكة إلى تيماء إلى البراذع] «٤» وأنه ذكر في «التعريف» : أنهم إنما نزلوا غوطة دمشق حيث صارت الإمرة إلى مهنا بن عيسى.
وهذه نسخة مرسوم شريف بإمرة آل عليّ، كتب به للأمير عزّ الدّين «جماز» «٥» بعد وفاة والده محمد بن أبي بكر، من إنشاء المقرّ الشّهابيّ بن
стр. 5633
فضل الله، وهي:
الحمد لله الّذي أنجح بنا كلّ وسيلة، وأحسن بنا الخلف عمّن قضى في طاعتنا الشريفة سبيله، ومضى وخلّى ولده وسيلة، وأمسك به دمعة السّيوف في خدودها الأسيلة، وأمضى به كلّ سيف لا يردّ مضاء مضاربه بخيلة، وأرضى بتقليده كلّ عنق وجمّل كلّ جميلة.
نحمده على كلّ نعمة جزيلة، وموهبة جميلة، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة ترشد من اتخذ فيها نجوم الأسنّة دليله، وتجعل أعداء الله بعزّ الدّين ذليلة، وأنّ محمدا عبده ورسوله الّذي أكرم قبيله، وشرّف به كلّ قبيلة، وأظهر به العرب على العجم وأخمد من نارهم كلّ فتيلة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة بكلّ خير كفيلة، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ دولتنا الشريفة لمّا خفق على المشرق والمغرب جناحها، وشمل البدو والحضر سماحها، ودخل في طاعتها الشريفة كلّ راحل ومقيم في الأقطار، وكلّ ساكن خيمة وجدار- ترعى النّعم بإبقائها في أهلها، وإلقائها في محلّها، مع ما تقدّم من رعاية توجب التّقديم، وتودع بها الصّنائع في بيت قديم، وتزيّن بها المواكب إذا تعارضت جحافلها، وتعارفت شعوبها وقبائلها، واستولت جيادها على الأمد وقد سبقت أصائلها، وتداعت فرسانها وقد اشتبهت مناسبها ومناصبها ومناصلها؛ وكانت قبائل العربان ممّن تعمّهم دعوتنا الشّريفة، وتضمّهم طاعتنا الّتي هي لهم أكمل وظيفة، ولهم النّجدة في كلّ بادية وحضر، وإقامة وسفر، وشام وحجاز، وإنجاد وإنجاز، ولم يزل (لآل عليّ) فيهم أعلى مكانة، وما منهم إلا من توسّد سيفه وافترش حصانه، وهم من دمشق المحروسة رديف أسوارها، وفريد سوارها، والنّازلون من أرضها في أقرب مكان، والنّازحون ولهم إلى الدار بها أقطار وأوطان؛ قد أحسنوا حول البلاد الشامية مقامهم، واستغنوا عن المقارعة على الضّيفان لما نصبوا بقارعة الطريق
стр. 5634
خيامهم، وباهوا كلّ قبيلة بقوم كاثر النّجوم عديدهم، وأوقدوا لهم في اليفاع «١» نارا إذا همى القطر شبّتها عبيدهم؛ وهم من آل فضل حيث كان عليّها، وحديثه في المسامع حليّها؛ فلما انتهت الإمرة إلى الأمير المرحوم الشمس الدين، محمد ابن أبي بكر ﵀ جمعهم على دولتنا القاهرة، وأقام فيهم يبتغي بطاعتنا الشريفة رضا الله والدّار الآخرة؛ ثم أمدّه الله من ولده بمن ألقى إليه همّه، وأمضى به عزمه، ونفّذ به حكمه، ونفّل قسمه.
وكان الّذي يتحمل دونه مشتقّات أمورهم، ويتلقّى شكاوى آمرهم ومأمورهم؛ ويرد إلى أبوابنا العالية مستمطرا لهم سحائب نعمنا الّتي أخصب بها مرادهم، وساروا في الآفاق ومن جدواها راحلتهم وزادهم، وتفرّد بما جمعه من أبوّته وإبائه، وركز في كلّ أرض مناخ مطيّه ومرسى خبائه، وضاهى في المهاجرة إلى أبوابنا الشريفة النّجوم في السّرى، وحافظ على مراضينا الشّريفة فما انفكّ من نار الحرب إلا إلى نار القرى، وورد عليه مرسومنا الشريف فكان أسرع من السّهم في مضائه. كم له من مناقب لا يغطّي عليها ذهب الأصيل تمويها!، وكم تنقلّ من كور «٢» إلى سرج ومن سرج إلى كور فتمنّى الهلال أن يكون لهما شبيها! كم أجمل في قومه سيرة!، وكم جمّل سريرة!؛ كم أثمر لها أملا!، وكم أحسن عملا!؛ كم صفوف به تقدّمت، وسيوف أقدمت، وحتوف حمائم الحمام بها على الأعداء ترنّمت!!.
وكان المجلس الساميّ الأميريّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، العضديّ، النصيريّ، الأوحديّ، المقدّميّ، الذّخريّ، الظّهيريّ، الأصيليّ، مجد الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء في العالمين، همام الدّولة، حسام الملّة، ركن القبائل، ذخر العشائر، نصرة الأمراء والمجاهدين، عضد
стр. 5635
الملوك والسلاطين «جماز بن محمد» أدام الله نعمته-: هو المراد بما تقدّم، والأحقّ بأن يتقدّم، والّذي لو أن الصباح صوارم والظّلام جحافل لتقدّم؛ فلمّا مات والده ﵀ نحا إلى أبوابنا العالية، ونور ولائه يسعى بين يديه، ووقف بها: وصدقاتنا الشريفة ترفرف عليه، فرأينا أنّه بقية قومه الذين سلفوا، وخلف آبائه الذين عن زجر الخيل ما عزفوا، وكبيرهم الّذي يعترف له والدهم ووليدهم، وأميرهم الّذي به ترعى عهودهم، وشجرتهم الّتي تلتفّ عليه من أنسابهم فروعها، وفريدهم الّذي تجتمع عليه من جحافلهم جموعها.
فرسم بالأمر الشّريف أن تفوّض إليه إمرة آل عليّ: تامّة عامّة، كاملة شاملة، يتصرّف في أمورهم، وآمرهم ومأمورهم، قربا وبعدا، وغورا ونجدا، وظعنا وإقامة، وعراقا وتهامة، وفي كلّ حقير وجليل، وفي كلّ صاحب رغاء وثغاء وصرير وصليل، على أكمل عوائد أمراء كلّ قبيلة، وفي كلّ أمورهم الكثيرة والقليلة.
ونحن نأمرك بتقوى الله فبها صلاح كلّ فريق، وإصلاح كلّ رفيق، ونجاح كلّ سالك في طريق. والحكم: فليكن بما يوافق الشّرع الشّريف، والحقوق:
فخلّصها على وجه الحق من القويّ والضّعيف، والرفق بمن وليته من هذا الجمّ الغفير، والجمع الكبير، وإلزام قومك بما يلزمهم من طاعتنا الشّريفة الّتي هي من الفروض اللازمة عليهم، والقيام في مهمّاتنا الشريفة الّتي تبرز بها مراسمنا المطاعة إليك وإليهم، وحفظ أطراف البلاد والذّبّ عن الرّعايا من كلّ طارق يطرقهم إلا بخير، والمسارعة إلى ما يرسم لهم به ما دامت الأسفار في عصاها سير، والإفراج لعربك لا تسمح به إلا لمن له حقيقة وجود، وله في الخدمة الشريفة أثر موجود، ومنعهم: فلا يكون إلا إذا توجّه منعهم، أو توانت عزائمهم وقلّ نفعهم، والمهابة: فانشرها كسمعتك في الآفاق، ودع بوارق سيوفها تشام بالشّام وديمها تراق بالعراق، وخيول التّقادم: فارتد منها كلّ سابق وسابقة تقف دونهما الرّياح، ويحسدهما الطّير إذا طارا بغير جناح؛ ولا تتّخذ دوننا لك بطانة ولا
стр. 5636
وليجة «١» ولا تقطع عنا أخبارك البهيجة، وليعرف قومه له حقّه، ويوفوه من التعظيم مستحقّه، فإنه أميرهم وأمره من أمرنا المطاع، فمن نازع فقد خالف النّص والإجماع؛ والله تعالى يوفّقه ما استطاع، بمنه وكرمه! والخط الشريف.........
[الثاني- أمير آل فضل] «٢»
وهذه نسخة مرسوم شريف بالتّقدمة على عربي آل فضل وآل عليّ، كتب به للأمير فخر الدين «عثمان بن [مانع] «٣» بن هبة وهو:
الحمد لله الّذي خصّ من والى هذه الدّولة بالتّقدمة والفخر، ورمى من عاداها بالمذلّة والقهر، ومدّ في عمر أيّامها حتّى يستنفد الدّهر، وحتّى توصف أيّامها- وإن قصرت- بالمسارّ: كلّ شهر يمرّ منها كالعام واليوم كالشّهر.
نحمده على ما منحنا من تأييد وظفر، وطوى دعوة من عاندنا بعد النّشر، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة إن دخلت شواهدها تحت الإحصاء فلا تدخل فوائدها تحت الحصر، وأنّ محمدا عبده ورسوله الّذي جعل الله به الهداية في المبدإ والشّفاعة في المعاد يوم الحشر، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تسعد بعد الشّقاء وتجبر بعد الكسر.
وبعد، فإنّ الله لما مكّن لنا في الأرض، وجعل بيدنا البسط والقبض، وأرانا كيف نصنع الجميل ونجمّل الصّنع، وكيف نجبر قلب من جعل في أيامنا جبره بعد الصّدع، وكيف تصبح أنجم ذوي الأقدار في سماء مملكتنا نيّرة المطالع، وكيف نلقّي الخير في عراصها من رامه إذا كان على
стр. 5637
الخير في غير أيّامنا مانع، وكيف نحل التقدمة فيمن إذا عقل في حللها قيل: هذا هو أحقّ بها ممّن كان، وهذا الّذي ما برحت التقدمة في بيته في صدر الزّمان، وهذا الذي إذا ذكر آل فضل وآل عليّ كانت له مرتبة الشّرف ولا غرو أن تكون مرتبة الشّرف لعثمان، وأنّنا لا نمطي صهوة العزّ إلّا لأهلها، ولا ننسخ الآية لمن تقدّم في التّقدمة إلا بخير منها أو مثلها، ولا نسلّم رايتها، إلا لمن تعقد عليه الخناصر، ولا يتسنّم ذروتها، إلا من هو أحقّ بها وأهلها في الأوّل والآخر.
ولما كان المجلس السّاميّ، الأميريّ، فخر الدين، عثمان بن مانع بن هبة: هو المراد بهذا القول الحسن، والممدوح بحشد هذا المدح الّذي يسرّ السّرّ والعلن، والحقيق من الإحسان بكلّما والخير بأن، والخصيص من سوالف الخدم بما والمفضّل على سائر النّظراء ولو قيس بمن- اقتضى حسن الرّأي الشّريف، أن رسم بالأمر الشريف- لا زال ذو القدر في أيّامه يرتفع، وذو الفضل في دولته لا يعزّ عليه مطلب ولا يمتنع، وذو الأصالة الّتي يجتمع له فيها من النّعماء ما لا يلتئم له في غيرها ولا يجتمع- أن تفوّض إليه التقدمة على العربان بالشّام المحروس، وهم من يأتي ذكره، على ما استقرّ عليه الحال في ترتيبهم، وأنّ منازله الدّاروم «١» : بعدا وقربا، حضرا وبدوا، عامرا وغامرا، رائحا وغاديا، من الرّستن إلى الملّوحة «٢» والعرب: آل فضل وآل عليّ حيث ساروا نزلوا منزلة المذكور، أو بمنزلة الأمير شمس الدين محمد بن أبي بكر، والخدمة واحدة، والكلمة على اتّفاق المصالح متعاضدة.
فليكن للقوى جسد روحها لا بل روح جسدها، ومجموع القبائل أوحد عددها إذا صح الأوّل من عددها، وقطب فلكها الّذي على تدبيره مدارها، وعلى
стр. 5638
تقريره اقتصارها، وعلى تقدمته تعويلها، وإلى نسبة إمارته جملتها وتفصيلها؛ وليجمعهم على الطّاعة فإن الطّاعة ملاك الأمر للآمر، وأسّ الخير للبادي والحاضر، وليعلم أن لكلّ منهم نقابة تعرف، وعلميّة أصالة بها يعرّف، ومنزلة يرثها الولد عن الوالد، ومشيخة ترجع من ذلك البيت إلى ذلك الواحد، فليحفظ لهم الأنساب، وليرع لهم الأسباب، وإذا أمروا بأمر من مهامّ الدّولة يتلو عليهم:
ادْخُلُوا الْبابَ*
«١» . والألزام له ولهم مخاوض «٢» تحفظ، ومفاوز تلحظ، ومطارح لا تلفظ، ومشات ومصايف، ونفائض ومصارف، ومرابع، ومراتع، ودنوّ واقتراب، وتوطّن واغتراب، وإغارة ونهيض، وبرق ووميض.
فليرتّب ذلك أجمل ترتيب، وليسلك فيه خير مذهب وتهذيب، وليدع العادي، ويلاحظ الرّائح والغادي، وليؤمّن ذلك الجانب فأمننا تطرب أبياته المحدوّ والحادي؛ وعليهم عداد مقرّر، وقانون محرّر؛ وليكن على يد شادّه شادّا؛ ولسبب تأييدهم مادّا، ويعلم أنّه وإن كان قد أغمض من جفونه فيما مضى، وأعرض عنه في الزّمن الأوّل الّذي انقضى، وقدّم عليه من كان دونه، فقد ردّ الله له أبكار الأمر وعونه؛ فلا يجعل لقائل عليه طريقا، ولا يدخل في أمر يقال عنه فيه: كان غيره به حقيقا، بل يفوق من تقدّم في الخدمة والهمّة، والصّرامة والعزمة؛ والله يوزعه شكر هذه النّعمة؛ والخط الشريف.........
الثالث- أمير آل مراء
«٣» ، ورتبته «الساميّ» بالياء.
стр. 5639
وقد تقدّم أنّ منازلهم حوران. وعن «مسالك الأبصار» أنّ ديارهم بين بلاد الجيدور والجولان، إلى الزرقاء [والضليل] «١» إلى آخر بصرى. ومشرقا إلى حرّة [كشب] «٢» ، على القرب من مكّة المشرّفة، زادها الله شرفا.
وهذه نسخة مرسوم شريف بإمرة آل مراء، كتب بها للأمير بدر الدين «شطيّ بن عمر» «٣» وهي:
الحمد لله الّذي زيّن آفاق المعالي بالبدر، ورفع بأيّامنا الشريفة خير وليّ أضحى بين القبائل جليل القدر، ومنح من أخلص في خدم دولتنا الشريفة مزيد الكرم فأصبح بإخلاصه شديد الأزر، وأجزل برّه لأصائل العرب العرباء فوفّر لهم الأقسام، وأسبغ ظلال كرمه على من يرعى الجار ويحفظ الذّمام.
نحمده على نعم هطل سحابها، ومنن تفتّحت بالمسارّ أبوابها، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تقرّب صاحبها يوم الفزع الأكبر، من المحلّ الآمن، وتورده نهر الكوثر، الذي ماؤه غير آسن، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الّذي بعثه الله من أشرف القبائل، وأوضح بنور رسالته الدّلائل، فأنقذ الله به هذه الأمّة من ضلالها، وبوّأها من قصور الجنان أعلى غرفها وأشرف ظلالها، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين أوضحوا مناهج الإيمان، وشيّدوا قواعد الدّين إلى أن علت كلمته في كلّ مكان، [فكان] «٤» عصرهم أجمل عصر وقرنهم خير أوان، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من أدنينا من بساط الاصطفاء محلّه، وارتشف من
стр. 5640
سحاب معروفنا طلّه فوبله، ونال من عواطفنا منزلة القرب على بعد الدار، وحكم له حسن نظرنا الشريف بتوالي غزير كرمنا المدرار «١» ولما كان المجلس الفلانيّ: هو المشار إليه بهذا النّعت الحسن، والموصوف بالشّجاعة في السّرّ والعلن- رسم بالأمر الشريف- لا زال بدره، ساطع الأنوار، وبرّه، هامع القطار، وخيره يشمل الأولياء بجزيل الإيثار وجميل الآثار- أن يستقرّ المشار إليه في كيت وكيت: لأنّه البطل الشّديد، والفارس الصّنديد، وليث الحرب المذكور، ومن هو عندنا بعين العناية منظور.
وليثق من صدقاتنا الشريفة بما يؤمّل ويعهد، وليتحقّق قربه من مقامنا الشريف والعود أحمد، وليتلقّ هذا الإحسان بقلب منشرح، وأمل منفسح، وليجتهد في أمر عربانه الذين في البلاد، فإنّا جعلنا عليه في أمورهم الاعتماد، وقد أقمناه أميرا على عرب آل مراء؛ فليشمّر عن ساعد الاجتهاد في مصالح دولتنا الشّريفة بغير زور ولا مراء، وليقمع المفسد من عربانه ويقابله بالنّكال، والصّالح الخيّر منهم يجزل له النّوال، والوصايا كثيرة ولمثله لا تقال؛ والخط الشريف أعلاه حجة فيه، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة مرسوم شريف بنصف إمرة آل مراء، كتب به لقناة بن نجّاد «٢» في العشر الأخر من شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، من إنشاء المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله، وهي:
الحمد لله الّذي استخدم لنصرنا كلّ سيف وقناة، وكلّ سرعة وأناة، وكلّ مثقّف تسلى «٣» جناياته ويعذب جناه، وكلّ ماض لا يعوقه عن مقاصده الصالحة
следующие страницы →