Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.
стр. 5811
قدحت، المغيرات على السّرى صبحا ما دار عليها شفق العشيّ فاغتبقت «١» ، حتّى دار عليها شفق الفجر فاصطبحت. ومراكز الطّرق الّتي حمتها مهابته فكأنّها مراكز الأسل، ومراكض السّبل، كلّ واد منها وما حمل وكل حدب وما نسل؛ واعتمادا على سداد عزمه الّذي وافق خبره الخبر، ورشاد سعيه الّذي كلّ أوقاته من وجوه الإجادة ووجوه الجياد غرر، وركونا إلى أنّه الكافي فيما يعتمده ويراه، السّاري في المهمّات لا يملّ وهيهات أن يمل البدر من سراه؛ كم أعان الإسلام على ما اتّخذه من قوّة ومن رباط الخيل، وكم جاد على الجياد على الغيث «٢» حتّى سارت بين يديه كالسّيل، وكم حفظ عليها قوتها وقوّتها فبعد ما كانت تموت بالعدد صارت تعيش بالكيل.
فليباشر ما عوّل فيه عليه، وأعيد من حقّه وإن كان خرج عنه إليه، وليطلق يد أمره ونهيه بما يسرّه أن يقدّمه بين يديه، حريصا على أن تنطق هذه الدّوابّ الخرس غدا بثنائه، مجريا لقوائمها وللإقامة بها على عادة إجرائه، متخيرا لها كلّ حسن الإمرة والسّياسة عند رحيلها وقدومها، ومن إذا عرضت عليه بالعشيّ الصّافنات الجياد طفق مسحا ولكن بإماطة الأذى عن جسومها، موسّعا عليها من المباني والأحوال كلّ مضيق، آمرا بما يحتاج إليه نوعها البديع من صناعتي ترشيح وتطبيق، مستأمنا من الأيدي من يردّ عنها الأيادي الضّائمة، ومن يساوي بينها في الأقوات حتّى لا تكون كما قال الأوّل: «خيل صيام وخيل غير صائمة» ، متحرّيا في تكفيتها أجمل الطّرق والطّرائق، مستجلبا صنوف العليق فلا تنقطع من برّه العلائق؛ والله تعالى يمدّه بعونه ورشده، ويجعل عزمه سابقا إلى التوفيق «سبق الجواد إذا استولى على أمده» ، بمنّه وكرمه.
стр. 5812
وهذه نسخة توقيع بنقابة النّقباء «١» ، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة أيضا، كتب بها لشهاب الدين «بولاقي» عوضا عن أبيه، في سنة أربع وثمانمائة، وهي:
رسم بالأمر العالي- لا زال بإنعامه يسفر عن وجه الأمل نقابه، ويحفظ لكافي الخدمة أعقابه، ويلوي باستمرار النّعم أدوار الزّمان وأحقابه، ويطلع في آفاق دولته شهاب كلّ عزم تحمد عساكره المنصورة ارتقاءه وارتقابه- أن يرتّب المجلس السّامي، الأمير:......... علما بأوصافه الحسنة، وأوضاعه الّتي لا يحتاج الحكم بفضلها إلى إقامة بيّنة، وكفاءته الّتي تنطق بها ألسنة الأحوال المؤمّنة وقلوب العساكر المؤمنة، وهمّته الّتي إذا وقّفت المواقف على الأعداء عرّفته أصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، وتصديقا لدلالة عزمه الواعد، وتحقيقا لحماية شهابه الواقد، وركونا إلى قيامه مقام أبيه ﵀ في الخدمة حتّى كأن لم يفقده من الجيش فاقد؛ وأنّه لدرجات الاستحقاق راقي، وأنّه العوض عن أب لاقى منيّته وكلّ آمريء لاقي المنيّة وابن لاقي، وأنّه كفء هذه المنزلة كما حكم الرأي واقتضى، وكما شهد «٢» لغرّته بغرر الفوائد وكيف لا وهو ابن النّقيب المرتضى!.
فليتلقّ بشهابه المضيء هذا المطلع الأسنى، وليقم في هذه الوظيفة على قدم الخدمة صورة ومعنى، مقدّما على النّقباء تقديم إمامهم، معلّما لجند الإسلام معلوم مقامهم، مالئا بإتقان معرفة الحلى سمع من استملاه، محظيا
стр. 5813
للجنديّ معينا له على حصول الخير حتّى يشكره شكر من أطعمه وحلّاه، ناظما للمواكب عقد مجتمعها الثّمين، مصاحبا لها صحبة يثنى بها عليه وحسبه أن يكون من أصحاب اليمين، مرتّبا لها أحسن ترتيب، منقّبا عن محاسن تجمّلها:
فإنّ اسم النّقيب مشتقّ من التّنقيب. وليكاثر حملة السّيوف فإنّه حامل سيف وعصا، وإنّه بهذه مخلّص حقوق من أطاع وبهذا موبق نفس من عصى؛ وليحرص على أن يقوم بوعد الاجتهاد المنجز، وعلى أن يكون سيف تحريض على جرحى الأعداء مجهز، وعلى أن يحصل في مواطن الجهاد على الأجرين:
أجر المقاتل وأجر المجهّز؛ والله تعالى يحمد في الخير طرائقه، ويؤيّد عزمه الجيشيّ حتّى تلهج بشكره ألسنة الأعلام الخافقة، والاعتماد.......
وهذه نسخة توقيع بشدّ خزائن السلاح، من إنشاء ابن نباتة أيضا، وهي:
رسم بالأمر الشريف- لا زالت أسنّة نجوم السّعد من سلاحه، وصواعقها من أعوان صفاحه، وسماكها الرّامح من أنصار رماحه، ولا برح يعمل معادن الأرض حتّى يفنى ذهبها وحديدها على يدي بأسه وسماحه- أن يرتّب......
لأنّه الناهض الّذي تتزيّن الوظائف بسمته وباسمه، وتتعيّن المصالح والمناجح بعزمه وحزمه، والمسدّد من آرائه سهاما، والمجرّد من اهتمامه كلّ ماضي الحدّ إذا كان بعض الاهتمام كهاما «١» ، والوفيّ في شدّ الجهات قولا وعملا، والمليّ بحمل السلاح واستعماله على رغم القائل: «أصبحت لا أحمل السّلاح ولا» ، والخبير بمحاسن الاقتراح، والكافي ولا عجب إذا سلّمت له ذوو الوظائف وألقت عليه السلاح؛، ذو العزم الأشدّ، والرّأي الأسدّ، والذّكيّ الّذي إذا تناول بعض الأسلحة وانتسبت شجاعته رأيت القوس في يد عطارد في بيت الأسد.
فليباشر هذه الوظيفة المباركة بعزم أقطع من حسام، وأمانة أقوم من ألف
стр. 5814
وصيانة أحصن من لام «١» ؛ معتبرا لأحوالها، مقرّرا لمطالب مآلها من مالها، موفّرا من أسلحتها الّتي تتوفّر بها من الخير سهامه، منصفا لصناعها الذين يحمد عند استعمالهم صنيعه واهتمامه، مكثرا لخزائنها من ذخائر العدد، مجهّزا لجيوش الإسلام من مادّة عملها بأنفع مدد: من قسيّ تقضي أهلها بقطع أعمار العدا، وسيوف صقيلة إذا نادت ديار النّاكثين أجابت الندا، ودروع تموّجت غدرانها إلا أنّها في مهالك الحرب لا تغوّر، ورماح أطّردت كعوبها فكلّها على عدوّ الإسلام كعب مدوّر؛ إلى غير ذلك مما يدلّ على عزمه الحميد، ويقضي للنّعمة عليه بالمزيد؛ والله تعالى يثقّف عزمه، ويوفّر من السّلاح والنّجاح سهمه.
وهذه نسخة توقيع بشدّ الجوالي «٢» ، من إنشاء ابن نباتة أيضا، وهي:
رسم بالأمر الشريف- لا زالت سعود أوامره واضحة الأدلّة، نافذة الحكم على كلّ ملّة، قائمة لخصب البلاد بالعدل، مقام السّحب المستهلّة- أن يرتّب فلان في شدّ الجوالي بدمشق المحروسة: لما ظهر من نجابته، واشتهر من حزمه ومهابته، وبدا من هممه العوالي، وعزائمه الّتي تجلو صدأ الهمّ بالجوالي، وإذا قيل لحاسده: له ولأبيه إمرة الخيل قال: والجوى لي، وأنّه الكافي الّذي إذا استنهض كانت عزائمه شابة، ونفحات ذكره الجميل هابّة، ونجل الهمام الّذي أشهد على كفاءته النّهار وعلى تعبّده اللّيل، وأعدّ لمصالح الإسلام ما استطاع من قوّة ومن رباط الخيل، وأنّ مرباه جميل، ومنشاه في منازل الخير دليل.
стр. 5815
فليباشر هذه الوظيفة المباركة بعزم يثمّر مالها، ويقرّر على السّداد أحوالها، ويستخلص الحقّ من أهل الاعتقاد الباطل، ويستخرج الوفر من أهل الجلد الماطل؛ فلا نصرانيّ إلّا وهو يتضرّع تحت الزّرقاء من باسه، ولا يهوديّ إلا وهو يشكو الصّفراء «١» في راسه، ولا سامريّ إلّا والنار الحمراء مطلّة على أنفاسه، حتّى تكون أوصاف شدّه متلوّة، وعزائمه في الجوالي مجلوّة، وهممه جارية على إيلافها ومألوفها، مجزّئة لأقلام الحساب والدّراهم على حروفها، صحيحة الوزن غير منهوك، آخذة الدّينار من وازنه، وهو كالمأخوذ منه مصكوك، شدّا تنعقد على اختياره الخناصر، وكما أنّ للإسلام منه قوّة فليكن للوظائف الدينية منه ناصر.
الضرب الثاني (ممن يكتب له عن نائب السلطنة بالشام من أرباب السيوف- من هو بأعمال دمشق؛ ومواضعهم على ثلاث مراتب أيضا)
المرتبة الأولى (ما يفتتح ب «الحمد لله» وفيها وظائف)
وهذه نسخ تواقيع من ذلك:
نسخة توقيع بنيابة بعلبكّ كتب بها لركن الدين «عمر بن الطحان» وهي:
الحمد لله الّذي جمّل بمحاسن زينه من استحقّ الصّعود إلى أعلى المنازل، وجعل نجم سعده بارتقائه إلى سماء المناصب طالعا غير آفل، وصان بعقله الراجح أحصن المعاقل.
نحمده على إحسانه الواصل، وغيث جوده الّذي هو على الدّوام هاطل، حمدا ينطق بمدح معدلته كلّ لسان قائل، ويزيد خيره على كلّ عام قابل، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له الّذي ألحق جياد الأواخر بالأوائل،
стр. 5816
وجعل أجمل الأمراء يفوق البدور الكوامل، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الّذي جعله لديه أعظم الوسائل، وتلازم هو وجبريل في علوّ المنازل، والتّقدّم في المحافل، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه سادات العشائر والقبائل، والمجاهدين في سبيل الله بالبيض البواتر والسّمر الذّوابل، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فلمّا كانت بعلبكّ المحروسة من أعزّ بلاد الإسلام، وأبهج مدن الشّام- تعيّن أن نعيّن لها حاكما ديّنا خبيرا، أمينا أميرا؛ شجاعا مهتابا «١» ، بطلا برمحه وسيفه في صدور الأعداء ورقابهم طعّانا ضرّابا، وكان الجناب الكريم فلان- ضاعف الله تعالى نعمته، وحرس من الغير مهجته- من بيت كان على التّقوى أساسه، وعدّت لدفع المعضلات أناسه، واشتهرت همّتهم فلا يردّ لهم سهم ولا يطاق باسه؛ طالما نفوا عن الدّين الحنيفيّ خبث الكفر بعدما تمكنت أدناسه، وشمّروا عن ساعد الاجتهاد فمحي بسيوفهم ضلال الشّرك وأرجاسه؛ وهو أعزّه الله تعالى ممّن شجى بشجاعته، حلوق الكتائب، ووفّى بعدله وحسن سياسته، حقوق المناصب، وقام في خدمة الدّولة الشريفة أحسن قيام، وهذّبته بمرورها اللّيالي والأيام، وتأهل لحلول الرتب العليّة، وتعيّن لارتقاء المراتب السّنيّة؛ فأردنا أن نختبره فيما نولّيه، ونخبر عزمه فيما نوليه.
فلذلك رسم بالأمر العالي- لا زال أمره مستمرّ الإحسان، مجزلا لذوي الاستحقاق عوارف النّعم الحسان- أن يستقرّ الجناب الكريم المشار إليه- ضاعف الله تعالى نعمته- في نيابة السّلطنة الشريفة ببعلبكّ المحروسة والبقاعين «٢» المعمورين، على عادة من تقدّمه في ذلك، ومستقرّ قاعدته، بالمعلوم الّذي يشهد به الديوان المعمور، إلى آخر وقت.
стр. 5817
فليباشر هذه النيابة الشريفة بخاطر منفسح حاضر، وقلب منشرح على الخيرات مثابر، وليتّخذ الشرع الشريف إماما، وليتوخّ أوامره ونواهيه نقضا وإبراما، وليقف عند حدوده المشروعة، ولا يتعدّها ومن يتعدّ حدود الله فيده من الإيمان منزوعة، وليلن جانبه للرّعية، وليحملهم من العدل والإنصاف على المحجّة الواضحة الجليّة؛ فإنّهم الرعية الضعفاء «١» الصالحون الذين أنعم الله عليهم بتفويض أمورهم إليه، وليعرّفهم قول النبي ﷺ : «اللهمّ من ولي من [أمور] «٢» أمّتي شيئا فرفق بهم فارفق به ومن شقّ عليهم فاشقق عليه» ، وليعمّر البلاد، وليقمع أهل الفساد، وليمهّد البقاع، وليحيي موات الضّياع، وليقم على القلعة المنصورة الحرس، ولا يغفل عن حفظها بمعرفته الّتي أكدت له من السّعادة سببا؛ والله تعالى يبلّغه من إحساننا أربا، وينجح له من فضلنا طلبا، ويحرسه بسورتي فاطر وسبا؛ والاعتماد في معناه، على الخط الكريم أعلاه.
وهذه نسخة توقيع بكشف البلاد القبلية، كتب به لغرس الدين خليل الناصريّ في الدولة الظاهرية «برقوق» وهي:
الحمد لله الّذي جرد من أولياء هذه الدّولة الشّريفة سيوفا تحسم موادّ الفساد، وتبيد أهل الزّيغ والعناد، وتعمّ ببأسها وبعدلها البلاد، حمدا مستمرّا على الآباد، مزوّدا غرسها النافع ونعم الزّاد، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ربّ العباد، القائم على كلّ نفس بما كسبت والمجازي لها بما عملت يوم يقوم الأشهاد، ونشهد أنّ سيدنا محمدا خير الخلائق عبده ورسوله الّذي بلّغه في الدنيا والآخرة أقصى المراد، وفضّله على الخلائق: الآلاف والمئين والعشرات والآحاد، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين فتحوا البلاد،
стр. 5818
بسيوفهم الحداد، ومزّقت رماحهم من مخالفي دينهم القويم القلوب والأكباد، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم التّناد.
وبعد، فلمّا كانت المملكة القبليّة جلّ البلاد الشامية، وبها أرزاق العساكر الإسلامية، وطريق الحاجّ إلى بيت الله الحرام، وزيارة نبيّه عليه أفضل الصّلاة والسلام، وإلى الأرض المقدّسة، التي هي على الخيرات مؤسّسة، وإلى الأبواب الشريفة السلطانية، وممر التّجار قاصدين الدّيار المصريّة، ومنازل العربان، ومواطن العشران «١» - وجب أن يفوّض حكمها إلى من عرف بالشّهامة والشجاعة، واليقظة الّتي لا يغفل بها عن مصلحة المسلمين ساعة؛ من أثمر غرسه وما يفوّه، وأينع بالمروءة والفتوّة، وتقدّم في الكمال على زيد وعمرو، وأضرم في قلوب الأعداء نارا أحرّ من الجمر.
وكان الجناب الكريم- أدام الله نعمته- هو المشهور بهذه الصّفات، والمنعوت بالشّجاعة والإقدام وحسن الأدوات.
فلذلك رسم بالأمر العالي- لا زال إحسانه يثّمر غرسا، وجوده يسرّ نفسا- أن يستقرّ الجناب المشار إليه في كشف البلاد القبلية المحروسة على منوال من تقدّمه وعادته، وحدوده في ذلك ومستقرّ قاعدته.
فليباشر ذلك بهمّته العليّة، وشجاعته الأحزميّة، ونفسه الأبيّة، وليبيّض وجهه في هذه النّوبة حتّى يطرب الناس بالنّوبة الخليليّة، وليعدل في الكبير والصغير، وليقمع رؤوس عشير اتخذوا رأسهم مولى: فلبئس المولى ولبئس العشير، وليدفع أذى العرب، وليحذّرهم شرّا اقترب، وليكثر الركوب إلى المعاملات، ولا يخش من كثرة الحركات، وليعلم أنّ كلّ ما هو آت آت، وليتخذ الشّرع الشريف إماما، وليتوخّ أوامره ونواهيه نقضا وإبراما، وليقف عند
стр. 5819
حدوده المشروعة، ولا يتعدّها: ومن يتعدّ حدود الله فيده من الإيمان منزوعة، وليلن جانبه للرّعية، وليحملهم من العدل والإنصاف على المحجّة الواضحة الجليّة؛ فإنهم الرعية الضّعفاء الذين أنعم الله عليهم بتفويض أمورهم إليه، وليعتمد قول النبيّ ﷺ : «اللهمّ من ولي من أمور أمّتي شيئا فرفق بهم فارفق به ومن شقّ عليهم فاشقق عليه» ؛ والوصايا كثيرة وتقوى الله نظامها وقوامها، واتّباع سنّة نبيّه سيدنا محمد ﷺ قيادها وزمامها، والاعتماد في معناه، على الخطّ الكريم أعلاه.
وهذه نسخة توقيع بكشف الرّملة، كتب به لأبي بكر «أمير علم» «١» ، في الدولة الظاهرية «برقوق» وهي:
الحمد لله الّذي قلّد أجياد المجاهدين، سيف نصره، وأكّد بعزائم أهل اليقين، حماية حوزة الإسلام وصيانة ثغره، وجعل ألسنة أسنّة المرابطين في فم الثّغر زينا إذا ازدان بغرّة بدره، وأنزل بأعداء الدّين قوادح نقمه وقوارع قهره.
أحمده أن حمى بأولي النّجدة والبأس للمسلمين حمى، وأشكره على ما همع من صيّب نعمائه وهمى، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة أتّخذها عند الله ذخرا، وأرجو بها في العقبى أجرا، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي آيد يده بالسّيف وأمدّه أيدا، وعلى آله الذين حلّى بهم للإسلام جيدا، وصحبه الذين جلا ببوارق صفاحهم، وخوارق رماحهم، غمم المجال، وغمم القتال، فلم يهمل الأعداء ولم يمهلهم رويدا.
وبعد، فإنّ أولى من جعل في نحر البحر هماما صارم «٢» ، وأشدّ من قاطع
стр. 5820
أعداء الدين وصارم، من تضرب بشجاعته الأمثال، ويورد في صدور الأبطال صمّ الأسل النّهال، ويحمي حمى الثّغر فلا يدع عدوّا ولا يرهب نهبا، ويرقى رقاب الكفر فيؤمنون وإن كان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة غصبا «١» ولما كان الجناب الكريم فلان- أدام الله تعالى نعمته- هو الّذي أخلص في الطّاعة، ونصح سلطانه حسب الطاقة والاستطاعة- رسم بالأمر الشريف العالي- لا زال سيف عدله ماضيا، وكلّ بحكمه راضيا- أن يستقرّ الجناب المشار إليه كاشفا بالرّملة المعمورة، على عادة من تقدّمه في ذلك.
فليباشر ذلك معمّرا تلك البلاد بعدله، مجتهدا على إيصال الحقّ إلى أهله، وليتخذ الشّرع الشريف إماما، وليتوخّ أوامره ونواهيه نقضا وإبراما، وليقف عند حدوده المشروعة، ولا يتعدّها: ومن يتعدّ حدود الله فيده من برّ الإيمان منزوعة، وليلن جانبه للرّعية، وليحملهم من العدل والإنصاف على المحجّة الواضحة الجليّة، [فإنّهم الرعية الضّعفاء الذين أنعم الله عليهم بتفويض أمورهم إليه] «٢» ، وليعتمد فيهم قول النّبي ﷺ : «اللهمّ من ولي من أمور أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ومن شقّ عليهم فاشقق عليه» . والوصايا كثيرة وأهمّها التّقوى فليلازم عليها فإنّها تحفظه، وبالسيادة والسعادة تلحظه؛ والله تعالى يكمّل توفيقه، ويسهّل إلى نجح المقاصد طريقه؛ والاعتماد في معناه، على الخط الكريم أعلاه.
قلت: ومن تأمّل وصايا هذه التواقيع الثلاثة المتقدّمة الذكر، علم ما كان عليه كتّاب الزمان، من انتزاع الفقرات من توقيع، وترصيعها في توقيع آخر، من غير تغيير لفظ في أكثرها.
стр. 5821
المرتبة الثانية (من تواقيع أرباب السيوف ممّن بأعمال دمشق- ما يفتتح ب «أما بعد حمد الله» وفيها وظائف)
وهذه نسخ تواقيع من ذلك.
نسخة توقيع بنيابة بعلبكّ لمن دون من تقدّم في المرتبة الأولى، من إنشاء الشيخ جمال الدّين بن نباتة، كتب به لمن لقبه «ناصر الدين» ؛ وهي:
أمّا بعد حمد الله الّذي لم يخل مملكة إسلامية من قوّة ولا ناصر، ولم يحل أمرها على ذي عزم قاصر، ولم يحلّ وجهها إلا بمن نسي به القديم وشهد له المعاصر، ولم يلق مقاليدها إلا لمن وضح برأيه الإبهام وثبتت بفضله الشهادة وعقدت على ذكره الخناصر، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الّذي شيّد معالم الدّين وأركانه، وجدّد مكان الحقّ وإمكانه، وعلى آله وصحبه الذين تابعوا في الخلق عدله وإحسانه، وشايعوا في النّصر نصله وسنانه، ما استناب الودق «١» في سقيا الرياض غدرانه، وخلع على الغصون خلعا خطر فيها الزّهر بأكمامه وعقد من الثّمر تيجانه- فإنّ شرف الأماكن بساكنيها، وجسوم الديار بنفوس قاطينها، والمنازل بكواكبها، والمناصب بنصيبها من الكفاءة ونائبها، وإنّ مدينة بعلبكّ علم في المدائن مرفوع الخطّة، وجسم من جسوم الديار قد آتاه الله بسطة، بنية سليمان ﵇ فهي بالملك قديمة الاختصاص، ومبتنى الجانّ المنسوبة عقودها العلية والدّرية إلى كلّ بناء وغوّاص، وشام الشّام المعجبة، وروضة نداه المعشبة، وثنيّة ثغره الباسم، وعرف أعراق حياه النّاسم، ومأوى صلحائه أحياء بين أوطانها، وأمواتا بين صفيح لبنانها؛ لو عرضت البلاد سحبا لقيل لسحابها: يا كثير المنن، ولو صوّرت أناسيّ لقيل لإنسانها: يا طيّب النّجر واللّبن؛ لا يمنع ماعونها، ولا ينقطع عونها عن البلاد وما أدراك ما عونها، ولا
стр. 5822
تليق من النوّاب إلّا بكلّ سرّي العزم والهمّة، عليّ الآراء في الملمّة المدلهمّة، ناجح القول والعمل، صالح لأن يثني على نيابته البعلبكّية صالحو المدينة والجبل، مكمّل لسلوك الحقّ الأنجى والعزم الأنجد، مؤهّل لارتقاء الرّتب التي [إن خلت من ماجد تناولها] «١» الأمجد.
وكان فلان هو جملة هذا التّفصيل، وجمال هذا التّفضيل، وكفء هذه العقيلة، وسعد هذه المنزلة الّتي مدّت بالسّيف والقلم ذراعه ونظّمت من البناء إكليله.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت الممالك بمحاسن أيّامه إرم ذات العماد، والبلاد ذات الخصب السّنيّ لا ذات السّنة الجماد- أن يرتّب في نيابة بعلبكّ المحروسة: مجدّدا بهمّته العالية علوّ صرحها، وحماية سرحها، ورعاية جبلها وسفحها، موريا في مصالحها زناد فكره الّتي لا تتمكّن أقوال العداة من قدحها، مصرّفا أوامره كيف شاءت، منصفا للأحوال المنوطة برعايته إن دنت أو تناءت، باسطا لعدل قلمه على المجيدين، وسطوات سيفه على المعتدين، وازعا بمهابته من جاور جبال العمل من الضّالّين، فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
«٢» وليتبوّأ منها معقلا يحمده المناصر والمهاجر، وليحط منها ثغرا مساويكه الأسل والمسعى إليه على المحاجر، وليجر أمور الديوان على سنن التّمييز والتّثمير، وليدبّر الأوقاف المبرورة بمحاسن التّدبير، وليشارك أهلها في الأجر الأوّل بالأجر الأخير؛ والأسوار هي وقلوب الرّجال من أهمّ ما يعمّره، ووفور الحواصل والسّلاح ممّا للوليّ ولقاء العدوّ يدّخره، وتقوى الله ممّا لا يزال لسانه يستحلي القول فيه فيكرّره؛ والله تعالى يمدّه بإعانته ولطفه، ويكفيه ما أهمّ من الأمور فما كفي من لم يكفه.
стр. 5823
وهذه نسخة توقيع بولاية الولاة بالشّام المحروس لمن لقبه «عزّ الدّين» من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة أيضا؛ وهي:
أمّا بعد حمد الله الذي جعل للولاة في هذه الدّولة عزّا يتجدّد، وعزما يتشدّد، [وفعلا إذا حكم لا يتعدّى ورأيا لا يتعدّد] «١» ، وكافي ولاة يتلذّذ الواصف بذكر اهتمامه الّذي إذا اهتمّ لا يتلدّد، وإذا اعتبر عزمه وحزمه فهذا فضل يتجدّد، وهذا وصف لا يتحدّد، والصلاة والسلام على سيد الخلق محمد، وعلى آله وصحبه ذوي العزّ المؤبّد، والعزم المؤيّد، ما كتب قلم الغيث الجائد على طرس الرّوض فجوّد- فإنّه لما كانت الولاة في خدمة البلاد جيشا يحمون سرحها، ويعمرون صرحها، ويخصبون بالعدل قبل العمارة سفحها، ويحكمون في رعاياها، ويتمكّثون في قضاياها، ويقرعون ثغورها ويفرعون ثناياها- تعيّن أن نقدّم على هذا الجيش المذكور أميرا يقرّر أمرها، وينسّق من ميمنته وميسرته يمنها ويسرها، ويجرّد من الرّأي سلاحه، ويسرّ قلبه بالتّدبير ويريش جناحه.
وكان المجلس السامي هو الأمير الدّالّ عليه هذه الإمارة، المعنيّ بهذه الشّارة والإشارة، المستحقّ بشريف نفسه مدارج الارتقاء، ومباهج الانتقاد والانتقاء، المسبل أذيال مفاخره أيّ إسبال، المرقوم باسمه ورسمه على أرجاء الولايات: «عزّ يدوم وإقبال» ، المقيم من أمانته ومهابته بين حرزين، الشّهم الذي لا يذلّ وهو من نعته ومنتسبه بين عزّين، الصّمصام الّذي تسرّ [به] يد من ارتضاه وانتضاه، والماشي على الحقّ الظّاهر حتّى يقال: أهذا والي الولاة أم قاضي القضاة؟.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- شرّفه الله وعظّمه- أن
стр. 5824
يستقرّ......... اعتمادا على شهامته الّتي بمثلها تمهّد البلاد، وكفاءته التي تفصح بالخيرات السّنيّة ألسنة الجماد، وصرامته الّتي تشدّ على أيدي الولاة فيردون الحقوق من أيدي الاغتصاب، ودرايته الّتي ينتسبون إليها فينشدون:
وكنّا كالسّهام إذا أصابت ... مراميها فراميها أصاب «١»
فليباشر هذه الرّتبة بكفئها: من العزم العالي، والقدر الغالي، والمعدلة التي تتمسّك منها الأحوال بأوثق العرا، وتتلو سيّارتها المرفقة: وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى
«٢» ، مراعيا لجميع الأحوال، مثمّرا لمربع الأموال، واليا على ولاة إن شكّوا في صنع الله فما لهم من الله من وال، ماشيا من تقوى الله تعالى في كلّ أمر على أقوى وأقوم منوال؛ والله تعالى يخصب البلاد بغمام رأيه الصّيّب، ويطيّب الأماكن المنبتة بمثله: «وكلّ مكان ينبت العزّ طيّب» .
وهذه نسخة توقيع بولاية البلقاء والصّلت «٣» ، من إنشاء ابن نباتة، وهي:
أمّا بعد حمد الله مضاعف النّعمة، ومرادف رتب الإحسان لمن أخلص في الخدمة، ومجدّد منازل العزّ لمن طلعت كواكب اهتمامه في آفاق الأمور المهمّة، ومؤكّد سهام الخير المقتسمة، لمن سدّد في شرف الأغراض رأيه بل سهمه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبيّ الأميّ هادي الأمّة، وعلى آله وصحبه حماة الدّين من العوارض الملمّة، صلاة تكون بين أرواحهم الزّكية مودّة ورحمة- فإنّ أحقّ الأولياء بمزيد الآلاء المتّصلة، وتجديد النّعم المقبلة وتقديم المساعي الّتي لا تلبس حلل الفخار إلا مكتملة- من وضحت في صفات الفضل آياته، وتقابلت في حالتي التّدبير سطاه وأناته، وروّى غلّة البلد الخائف
стр. 5825
ففاض على المعتدين جدول سيفه وجرت بالدّم قناته، وقام على قدم الاجتهاد، وقسم بين جفنه وجفن سيفه السّهاد.
ولما كان المجلس هو المقصود بهذه الكناية، والمشهود له في طلق هذه الغاية، والعالي بهممه على ذوي الارتقاء، والوالي الّذي إذا ركب الولاة لاشتهار ذكر كان من بينهم فارس البلقاء، والنّاهض بتثمير الأموال غمام رأيه الصّيّب، والطّيّب بسياسته محلّ الولاية: «وكلّ مكان ينبت العزّ طيّب» - تعين أن نتزيّد منصبه إذا تزيّدت المناصب، وأن تستمرّ مرتبته إذا مرّت لذهابها المراتب، وأن يشتمل في استمرارها عليه، وأن يكون في إعراب الدّولة القاهرة مضافا ومضافا إليه.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- أعلى الله تعالى أبدا عماده، وجعل لولاة أيّامه الحسنى وزيادة- أن يستمرّ على ولاية البلقاء على عادته، وأن تضاف إليه ولاية الصّلت: جمعا له بين الأختين حلالا، والذّروتين منالا، والرّايتين نهوضا بهما واستقلالا، وعلما بوفاء عزمه الّذي أمر أمره، ورفعا لقدره الّذي حسن أن يقول لمنصب البلقاء: «لنا الأبلق الفرد الّذي سار ذكره» ، وتيمّنا بغرّة الصّلت فإنّ الصّلت هو الجبين الواضح بشره؛ وكيف لا؟ وهو الكافي الّذي جمع مال الجهات فاوعى، وقسم فنون المصالح جنسا ونوعا، وحسم أدواءها بحسام رفقه كرها وطوعا.
فليباشر بالعزّ واليمن جهتيه، وليأخذهما بكلتا يديه، وليفض وجه عزمه في أرض الدّولة حتّى يكون شبه البلقاء اللازم لإحدى ولايتيه، محصّنا بسماكي سيفه وقلمه فنعم البلدتان، مثمّرا بسداد قوله وفعله ومن دونهما جنّتان، موفيا للحقوق، معفيا لاعتراف النّعمة من العقوق، راقيا بهمته- إن شاء الله تعالى- إلى رتب لو رامها نجم الأفق لعاقه العيّوق «١» ، عاملا بتقوى الله فإنّ
стр. 5826
خير الدنيا والآخرة بتقوى الله معدوق؛ والله تعالى يوضّح لرأيه أجمل الطرائق، وينجح على البلقاء وغيرها سعيه السّائق، وفكره السابق، بمنه وكرمه!.
وهذه نسخة توقيع بولاية نابلس، من إنشاء ابن نباتة أيضا؛ وهي:
أمّا بعد حمد الله على ماهنّأ من المواهب، وهيّأ من عليّ المراتب، وأنجز من وعود السّعود بعد مطال المطالب، وزيّن من سماء الوظائف عند إزهائها بزينة الكواكب، وعمرّ من صدور الولاة والولاية بعليّ تثني عليه الرعيّة «ولو سكتوا أثنت عليه الحقائب» ، والصلاة على سيدنا محمد عبده ورسوله الذي جرّد لنصر الإيمان حدّه القاضب، وحزبه الغالب، وندب لإحياء الحقّ عليه بعدما همّت به النّوادب، وعلى آله وصحبه الذين هم في الممات جمال الكتب كما كانوا في الحياة جمال الكتائب، صلاة تتعطر بنفحاتها الصّبا وتتقطّر من خلف سراها الجنائب- فإنّ عقائل الولايات أولى بخطبة أكفائها، ورغبة السّراة من ذوي اصطفائها، ونسبة من يقوم للأمور المعلّلة بقانونها وشفائها «١» .
ولما كانت بلد نابلس المحروسة من أعلى عقائل البلاد قدرا، وأمرا الجهات أمرا، وأسرى الولايات محلّا وذكرا، وأوفى النّواحي من زمان بني أيّوب على تكاليف الملك صبرا، وأنزه البقاع الّتي لو رآها الملك المصريّ لما استغلى غوطة الشّام بشبرين من شبرا «٢» ؛ بلد أعارته الحمامة طوقها وحمّلت الثّناء فوق طوقه، ونجم نبات واديها الزّهر حتّى تساوى النّجمان من تحته ومن فوقه- تعيّن أن يختار لولايتها من تعيّن ولاؤه، وتمكن في الرّتب علاؤه، وتبيّن في مصالح الولايات احتفاله واحتفاؤه، وشهر وفاؤه بالخدمة فلا شرف بسعي إلّا له منه شينه وراؤه وفاؤه، من شهدت السّواحل الشاميّة في مباشرته أنّه أجرى منها
стр. 5827
المال بحرا، وأفاض الوصف درّا، وشهدت الزّكاة- وديوانها المادح- أنّه أفلح من زكّاها خبرا وخبرا.
فلذلك رسم بالأمر الشريف أن يرتّب فلان...... علما بأنّه الأوحد الذي جمع الأوصاف المتقدّمة، وأسمع من المحامد نتيجة لها من كلا قوله وفعله مقدّمة، وأطلع في آفاق الوظائف كنجوم الجوزاء الثّلاثة رأيه وسيفه وقلمه، واطّلع على محاسن التّدبير فكان في رعايا بلده ممّن تواصوا بالصّبر وتواصوا بالمرحمة، وأنّه الكافي الّذي إذا ولي ثمّر، وإذا صال على المفسدين دمّر، وإذا شامت المهمّات بارق عزم، أسبل وإذا سامت قواه شمّر، وأنّه الأمين إذا تصرّف، والمأمون إذا تعرّف، والشّجاع إذا تحصّنت البلاد بنسبه الحصنيّ:
فسواء في شمول الأمن ما توسّط منها وما تطرّف.
فليباشر هذه الولاية المباركة بعزم يوضّح بشرها، وينجح أمرها، ويقيم في خطبة علاه عذرها، وحزم يثمر مالها وغلالها، وينقع غلّتها ويضع أغلالها، وبأس يدع المفسد من سيفه أو قيده في طوق أو حجل «١» ، ويذر السّارق والمارق يشير بلا كفّ ويسعى بلا رجل، مشيّدا لنواحيها بالتّرغيب والتّرهيب على أوثق المباني، مصلحا بين أهل الأهواء حتّى لا يضرّ قول القائل: «رفيقك قيسيّ وأنت يماني» ، متفقّدا من الأحوال كلّ جليل وحقير، ناهضا في تلقّي المهمات على قدم التقدم بالعزم الأثير، جاعلا من لدى محجّة عمله لصلاح العشيرة نعم العشير، عاملا بتقوى الله تعالى في كلّ أمر وإليها بالحديث يشير.
وهذه نسخة توقيع بشد الدّواوين بغزّة، من إنشاء ابن نباتة، كتب به ل «علاء الدّين بن الحصنيّ» المقدّم ذكره في التّوقيع قبله، وهي:
أمّا بعد حمد الله على كلّ نعمة جلّت، ونعمة في أهلها حلت وحلّت، ورتبة بانتساب كافيها وباسمه تحصّنت على الحقيقة وتعلّت، والصلاة والسلام على سيدنا
стр. 5828
محمد خير من سلّمت عليه الألسنة وصلّت، وسلّت به سيوف النصر وصلّت، صلاة دائمة ما أمليت على الأسماع فملّت، ولا قابلتها وجوه الملائكة إلا تهلّلت ولا سحب الرّضوان إلّا انهلّت- فإنّ منزلة يستقى [من] مهمّات الدّولة خبرها، ويستدعى من جانبي مصر والشّام سبرها، ويحمد إليها من ناحيتي الساحل والجبل سراها وسيرها؛ وتلك وظيفة شدّ الدّواوين المعمورة بغزّة المحروسة التي تلتقط من ساحل بحرها درر الخير المقتبل، وتقول المهمّات الشريفة لسراة استنهاضها: يا سارية الجبل- حقيقة أن يتخيّر لها من الشاكرين من يحمد اجتهاده وجدّه، ومن السّابقين إلى المقاصد من يحسن- كما يقال- تقريبه وشدّه، ومن شكرت في الولايات آلاؤه، ومن إذا علا نظر رأيه في المصالح قيل: دام علاؤه، ومن إذا دبّر جهة قالت بلسان الحال: لقد زاد في المصالح حسنا، ولقد تحصّنت بانتساب ذكره فلا عدمت منه حصنا.
ولذلك رسم بالأمر الشريف أن يستقرّ............ لما عرف من حزمه وعزمه، ولما جدّد في مقدّمات القدر من رفعه وفي إعلاء المهمّات من جزمه، ولما عهد من هممه في جهات دبّرها، وفي ولايات ثمّرها، وفي وظائف شدّها: أمّا على العتاة فشدّدها وأمّا على المستحقّين فيسّرها، ولما اشتهر من ذكره الّذي لا برح عليّا، ولما ظهر من درايته الّتي جعلت كوكب سعده وسعيه درّيّا، ولما بهر من تميّزه الّذي إذا هزّ عصاه بيد تساقط على المقاصد رطبا جنيّا.
فليباشر هذه الوظيفة المباركة مباشرة تبيّض لها وجها وعرضا، وإذا أثنى عليه المثني تبرعا كافأه حتّى يكون قرضا، مجتهدا في تثمير الأموال والغلال، ضابطا لأمور الدّيوان حتّى لا يشكو الخلّة ولا الاختلال، قائما بحقوق الخدمة، مستزيدا- بشكر الأقوال والأفعال- لما يرسخ له من أقسام النّعمة، عليّا على كلّ حال إذا وفّت الفكر قدره وإذا ذكر اللّسان اسمه.
المرتبة الثالثة (من تواقيع أرباب السيوف بأعمال دمشق ما يفتتح ب «- رسم» وفيها وظائف)
وهذه نسخ تواقيع من ذلك:
стр. 5829
نسخة توقيع بنيابة قلعة القدس، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، كتب بها لشرف الدين «موسى الردّادي» ؛ وهي:
رسم......- لا زالت ولاة أيّامه عالية الشّرف، سامية المستشرف آوية من جنّات خير الدّنيا والآخرة إلى غرف من فوقها غرف- أن يستقرّ المجلس السامي...... علما باهتمامه الوفي، واعتزامه المتيقّظ إذا نام حدّ المشرفي، واستنادا إلى رأيه الّذي يقول نجمه الطّالع: «ما أبعد العيب والنّقصان من شرفي» !!، وإرشاد سعيه إلى أن اتّخذ من الأرض المقدّسة دارا، ومن حرمه الشّريف جارا، واتّقاد ذهنه وشجاعته اللّذين آنس بهما من جانب الطّور نارا، وكيف لا؟ وقد قالت همّته: يا موسى أقبل ولا تخف، وأخرج يدك البيضاء في النيابة تكن أحقّ من اغترف بها الإحسان واعترف.
فليباشر ما فوّض إليه مباشرة يعلو بها شرف اسمه ومسمّاه، ويبدو للاختيار والاختبار فضل التقدّم الّذي إذا بدا له كفاه، وليجر بهذه الرتبة رأيا حسن الإحكام، وليواظب على حفظ هذه القلعة الّتي فتح بها عليه فإنّها من أعظم فتوح الإسلام، وليمدّ عليها من كفايته سورا حول سورها، وليتفقّد رجالها وعددها تفقّد الشّهب في ديجورها، وليردّ عنها بعزمه الرّدّادي عيون الأعادي الزّرق حتّى لا يراع في أرض الحرم ولا حمامات طيورها، وليشكر نعمة أوته إلى هذه المنازل الطّاهرة، وليقرّب ليد آمله طلب خير الدّنيا والاخرة، وليقدّم من الوصايا تقوى الله الّتي عن أصلها تتفرّع نعمه الباطنة والظّاهرة، حتّى يجعل له في الوادي المقدّس ربعا مأنوسا، وجمعا محروسا، وأحاديث حسنة تقول لمستمع مثلها في الآفاق: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى *
«١» والله تعالى يمدّه بإعانته، ويلهمه شكر ما رزق من فضل مكانه ومكانته، بمنّه وكرمه!
стр. 5830
وهذه نسخة توقيع بنيابة قلعة صرخد «١» لمن لقبه «جمال الدين» وهي:
رسم بالأمر- لا زال يتخيّر لقلاعه النّائب ويتحيّز «٢» من النّائبة، ويمدّها بسحائب برّه وفكره الصّائبة، ويندب لخدمتها كلّ سيف يرضي النّادب «٣» ويقيم على غيرها النّادبة- أن يرتّب مجلس الأمير...... لأنّه الكافي الّذي تسرّ الحصون بأمثاله، وتبتسم شرفات القلاع لإقباله، وتنشرح منازلها بتنقّل نجوم الهداية من أفعاله وأقواله، والمليّ بأداء الخدمة، والمرشّح لما هو أوفى وأوفر من الأمور المهمّة.
فليباشر نيابة هذه القلعة القديم أثرها، والشّهير خيرها وخبرها، بعزمة سيف قاطعة، وحدّة بأس ذائعة، ومهابة ذكر لشياطين النّفاق عنها رادعة؛ فإنّها من بناء المردة «٤» : فليردّ عنها آفة جنسها، وليحط برقى عزائمه حول نفاستها
стр. 5831
ونفسها، وليجر أمرها على السّدد «١» ، وليبنها بلزومه المهديّ أوثق ممّا بناها أولئك بالصّفّاح والعمد، وليرض الآثار السّليمانيّة بسلمان بيت الملازمة على طول الأبد، وليجتهد فيما هو بصدده حتى تدمّر بتدمر «٢» جوانح الحسدة بالكمد، مكثّرا بذكرى مهابته لعددها، موفّرا لعددها، مستوجبا لاستجلاب الإنعام عليه باستجلاب مددها.
وهذه نسخة توقيع بنيابة قلعة الصّبيبة «٣» ، وهي:
رسم بالأمر العالي- لا زال إحسانه يعيد إلى الحصون ناصرها وزينها، ويفيد أصحاب الهمم صونها، ويحرسها بمن إذا نظر فيها وحماها كان عونها وعينها- أن يستقرّ المجلس الساميّ الأميريّ......... لما ألفته هذه القلعة المنصورة من تحصينه وتحسينه، وعرفته من ترتيبه في عمارتها وتزيينه، ولأنّه الأدرى بالمصالح العائد نفعها، والأدرب بمناجحها الحميد وقعها، الذي
стр. 5832
باشرها من قبل فأحسن السّلوك، ونصح هذه الدولة القاهرة فأثنى على سيرته ملوك الحصون وحصون الملوك.
فليعد إلى هذا المعقل المنيع عود الماء إلى مشاربه، وليسر في أرجاء أبراجها مسير القمر بين كواكبه، وليتفقّد أمور رجالها المستخدمين، وليستجلب قلوب حفظتها الأقدمين، متحاشيا من رأي القاصر الغبيّ، قائما بالمهمّات الّتي تزاحم منه بشيخ لا تزاحم بصبيّ، مقيما على رفع الأدعية لهذه الدولة القاهرة، مستزيدا بالشّكر لنعم الله الباطنة والظّاهرة، مجتهدا معتمدا على تقوى الله تعالى الّتي جعلت له مكانا مكينا في الدّنيا وطريقا سهلا إلى الآخرة، والله تعالى ينجح قصده، ويتقبل جهاده وجهده، بمنّه وكرمه.
قلت: هذا كان شأنها حين كان يولّى بها مقدّم حلقة أو جنديّ من الشّام.
لكن قد تقدم في الكلام على ترتيب الممالك الشّامية في المقالة الثالثة أنّها استقرّت في الدولة الناصرية «فرج» في سنة أربع عشرة وثمانمائة [ولاية] «١» وحينئذ فتكون ولايتها من الأبواب السلطانية. فإن عادت إلى ما كانت عليه أوّلا، عاد الحكم كذلك.
وهذه نسخة توقيع بنيابة قلعة حمص، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، وهي:
رسم بالأمر- لا زال يندب لخدمة قلاعه كلّ سيف مختبر، ومجرّب عبرت عليه العبر، ومؤدّ لفرائض الخدمة: إمّا بقيام عند الصّبا وإمّا بقعود عند الكبر- أن يرتّب فلان في نيابة قلعة حمص المنصورة إجابة لسؤاله فيما سأله: من التّوفر على مواصلة الصّلوات، ورفع الدّعوات، وجمع ثوابي الجهاد
стр. 5833
والخلوات، وتقضّي باقي العمر وادعا، متنسّكا طائعا، إذا بكى بجواره حتّى النّهر العاصي «١» رقّ عليه فما يعدم منه بكا.
فليباشر نيابة هذه القلعة العليّ خبرها ومخبرها، المليّ سماعها ومنظرها، المطلّة على مراكز الرّماح المشهورة، ومهاب الرياح: إمّا بغيث السّهام ممطرة وإمّا بسهام الغيث ممطورة، المجاورة «٢» لسيف الله «خالد» فهي بإعراب المجاورة منصورة غير مكسورة، معتبرا لأحوالها، مستدعيا لما تحتاج إليه من عددها وعدد رجالها، محصّنا باستدعاء السّلاح وسلاح الأدعية الجديرين بأمثالها.
وهذه نسخة توقيع بنيابة قلعة جعبر «٣» ، قبل أن تنقل إلى حلب، وهي:
رسم بالأمر الشريف- أعلى الله تعالى في سماء الملك كواكبه، ونصر في أقطار الأرض كتبه وكتائبه، وصرّف بأوامره العالية كلّ نائب وفرّق بها كلّ نائبة- أن يرتّب............ علما بأنّه الكافي الّذي تعقد على همّته الخناصر، ويثني على تقديم عزائمه القديم والمعاصر، وتقوى الجهات وتنصر باسمه بعد أن كانت بغير قوّة ولا ناصر، واعتمادا على كفاءته النافعة، وشهامته
стр. 5834
الرّائقة الرّائعة، ودرايته الّتي تضيء بها القلعة وتسمو حتّى يقول الاستيقان: ما هذه شميس «١» هذه شمس طالعة.
فليباشر هذه القلعة القديم أثرها، الحميد خبرها وخبرها، المصغّر «٢» تصغير التّحبيب والتّحسين اسمها ومنظرها، المنفرد سهلها بذيل الآفاق فتمسك «٣» بسحبها، المنشدة لارتقاب نهضة حال من علم ابن منصور بها، راقيا صرحها، راعيا بالمصالح سرحها، مجتهدا فيما يقضي لقدره بالرّفعة، ولرائد أمله بخصب النّجعة، جاعلا هذه المنزلة أوّل درجاته: وحسبه بمنزلة يكون أوّل درجاتها قبّة قلعة؛ والله تعالى يسدّد عزمه وحزمه؛ ويحمد في الكفاة خبره كما أحمد فيهم اسمه، بمنّه وكرمه.
وهذه نسخة توقيع بنيابة مغارة زلّايا؛ من إنشاء ابن نباتة، وهي:
رسم بالأمر- لا زال يزيد قلاع الإسلام علاء في السّمة والاسم، وفي القوّة والجسم، وفي اعتناء يجمع لعقيلتها بين الحسن والقسم «٤» - أن يرتّب مجلس الأمير......... لقيامه بواجب الخدمة، وملازمة فرائضها المهمّة، وعزمته الوفيّة في النفس، الزّائد وصفها على الأمس، العليّ نسبها وحسبها: فتارة إلى العلى وتارة إلى الشّمس.
فليباشر هذه القلعة الّتي علت بنفسها محلّا وسكنا، وقال ساكن مغارها لثاني اثنين من حزمه وعزمه: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
«٥» ، واستعلى ثنيّتها فأنشد: «أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا» «٦» ، ونادى بقعتها: هذا عزمي وحزمي لا يقال
стр. 5835
ولا يازلّايا، مجتهدا في سداد أمورها، وتحصينها بالمهابة القائمة مقام سورها، مستجلبا ما يحتاج إليه وما يرتّب من عدّة، ملازما لزوم الخمس لأوقات مباشرتها لا يوصف بالزّوال بل بطول المدّة.
وهذه نسخة توقيع بولاية القدس، من إنشاء ابن نباتة، وهي:
رسم بالأمر............ لا زال يشمل بظلّه وفضله، ويجمّل بإحسانه وعدله، وينقّل شمس الولاة من البرج الظّاهر إلى مثله- أن ينقل فلان من كذا إلى ولاية القدس الشريف: علما بكفايته الّتي تقدّمت، وشهامته الّتي تحكّمت، وإمامته الّتي سلمت فيما سلّمت، وهمّته الّتي وضحت شمسا فلا تنفس، وقالت لقيامه في المصالح: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ
«١» .
فليباشر هذه الولاية مباشرة تمحو بضياء شمسه ظلما وظلاما، وتقول لنار الحوادث في المشاهد الجليلة: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً
«٢» مجتهدا فيما هو بصدده، عارفا بوجوه المصالح حتّى يكون السّكن «٣» أعرف بشمس بلده، ناهضا بأمور الدّيوان جليّها وخفيّها، وعبء المهمات حافلها وحفيّها، مستزيدا بالشكر لمباديء النّعم، قائلا في محلّ البلدين المباركين: ما سرت من حرم إلّا إلى حرم.
وهذه نسخة توقيع بولاية غزّة، وهي:
стр. 5836
رسم بالأمر- لا زال ينشيء في رياض الإحسان غرسا، ويحقّق في استحقاق الكفاة حدسا، ويقدّم من لا تزال الولايات تحمد له يوما وتذكر لقومه أمسا- أن يرتّب......... لما عرف من عزمه الّذي جرّد منه الاختيار والاختبار جميلا، وكمال شخصه الّذي اتّخذه التوفيق فلم يقل: لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا
«١» ، واعتماد الّذي يصبح في المحامد ويمسي، وينافس مرباه فهذا يقول: ثمري وهذا يقول: غرسي.
فليباشر هذه الولاية بعزم مقتبل الشّبيبة، وحزم لا يقعد الرأي المحيل تجريده في المصالح وتجريبه، ونفع في المهمّات وردع للمفسدين تحمد موارده ومصادره، وذكر له حسن تلتقط من ساحل الشام جواهره، مستزيدا لما رسخ له من درجات الأمور المهمّة، منزّه العرض عن كلّ لائمة مرجّحا تقوى الله تعالى في كلّ ملمّة؛ والله تعالى يحمد في الخدمة آثاره؛ ويعزّ في ولاية حربه الساقة «٢» إذا هانت الحرب على النّظّارة.
وهذه نسخة توقيع بولاية لدّ «٣» ، لمن اسمه «نجم الدين أيّوب» وهي:
رسم بالأمر- لا زالت نجوم أوامره سعيدة، وظلال عوارفه مديدة، ومنازل الولايات حامدة لمن يقدّمه وطوالع أفقها حميدة- أن يرتّب.........
اعتمادا على كفاءته الّتي تشيّد له مجدا، وتعقب مسعاه حمدا، وتكفي من هذه الجهة وأهلها بلدا وقوما لدّا «٤» : لما احتوى عليه من موجبات الاصطناع ودواعيه، وفات باستقلاله أمد مساجله ومناويه، واشتمل على الخلال الّتي
стр. 5837
قضت بتقديمه، والأفعال الّتي استدعت المبالغة في تفخيمه وتكريمه، وسلك من المخالصة ما يوجب الاستحقاق والاستيجاب، ويوصّل حميد مسعاه إلى بلوغ الآمال وإدراك المحابّ.
فليباشر هذه الولاية: عاملا بتقوى الله تعالى فيما يسرّه ويعلنه، معتمدا فيها غاية ما يستطيعه المكلّف ونهاية ما يمكنه؛ وليسوّ بين القويّ من أهل هذه الولاية والضّعيف، ولا يجعل في الحقّ فرقا بين المشروف والشّريف، ويمدّ على كافتّهم رواق السّكون والأمنة، وليجرهم في المعدلة على العادة الجميلة الحسنة، وليأخذ في الأمور الدّيوانيّة بالاجتهاد مراعيا في ذلك حال العمارة، آتيا من الإحسان إلى الرّعية ما يكون للعدل شارة، وافيا في ذلك كلّه بالمطلوب، صابرا على تكاليف المهمّات ولا ينكر الصّبر لايّوب.
وهذه نسخة توقيع بولاية بيسان «١» ، لمن لقبه «شهاب الدين» من إنشاء ابن نباتة؛ وهي:
رسم بالأمر- لا زالت شهب أوقاته سعيدة، وسحب هباته ساحبة الجود مديدة، وبحور نعمائه الحقيقيّة كبحور الأعاريض المجازيّة: كاملة منسرحة مديدة- أن يستقرّ......... اعتمادا على عزمه المنير شهابه، الكثير توقّده في أوقات المهمات والتهابه، واستنادا إلى كفاءته الّتي يشهد بها ولاؤه في الخدمة وولايته، وشهامته الّتي يجزم بها في الأمر رأيه وترفع في الخدمة ولايته ومهابته، وعلما بسياسته الّتي يقمع بها أهل الفساد، وتكاد تفخر بيسان بفضلها كما فخرت ب «فاضلها» «٢» على البلاد.
стр. 5838
فليقم في وظيفته على قدم اجتهاده، وكرم ارتياده واعتياده، شافيا لأحوال أهل ناحيته من الوصب «١» ، مثمّرا الغلال والأموال بعزم قد ارتفع وانتصب، ظاهرا في الخدمة مجهوده، مليّنا لحديد من عصى عليه في عمله كما أورثه داوده؛ والله تعالى يوفّقه.
وهذه نسخة توقيع بولاية صيدا، لمن لقبه «شجاع الدين» ب «المجلس العالي» ؛ وهي:
رسم بالأمر العالي- أنفذه الله في الأقطار، ونجّم بولاته أيّام الأوطان والأوطار، وأجرى بشكره سفن الركائب وركائب السّفن إذا سفّ وإذا طار- أن يستقرّ فلان...... ركونا إلى عزمه وحزمه، وسكونا إلى اهتمامه الّذي حكم فيه الاختبار بعلمه، وعلما أنّ للولايات به الانتفاع، ولحصونها الامتناع والارتفاع، وأنّه إذا ولي رعى وإذا أقوى «٢» كان أعصم راع، وإذا فكّر في الرأي ووقب «٣» في المهمّ كان نعم الشّجاع.
فليباشر ولاية عمله ناهضا بأعبائه، رافعا بالعدل لأرجائه ورجائه، حريصا على طيب الأخبار المنتشرة من كافور صبحه ومسك مسائه، وليتفقّد أحوال برّه وبحره، ويتيقّظ لذلك البرّ وجهره، وذلك البحر وسرّه، حتّى يتحدّث البحر عن عزمه ولا حرج، ويسير ذكره كنسيم الرّوض لا ضائع الصّنع ولكن ضائع الأرج، ويعتمد مصالح النواحي وسكّانها، والأموال وديوانها، والجهات وضمّانها، ونجوم التقسيطات في البلدة وتحرير ميزانها، ويجمع بين اللّين والشّدّة بسياسة لا يخرج بها الرّأي عن إبانها، وتقوى الله تعالى هي العمدة فعليها يعتمد،
стр. 5839
وعلى ركنها يستند، حتّى تجعل له على المصالح أيدا، وحتّى تثني نحو الثناء عليه عمرا وزيدا، وحتّى تجعل له بأسا في الأعداء يكيد كيدا، وحسن ذكر في البلد يصيد «صيدا» «١» .
وهذه نسخة توقيع بولاية قاقون «٢» ، من إنشاء ابن نباتة؛ وهي:
رسم بالأمر- لا زال يندب لمصالح الولايات سيوفا، ويقدّم ظنّا في الكفاة يعلم أنّه سيوفى، ويدني من ثمرات الإنعام والإرغام لأيدي المجتنين قطوفا- أن يستقرّ......... اعتمادا على همّته الشّائدة، ودرايته السّائدة، وأمانته الشّاهدة، وصفات عزمه الّتي هي في الولايات «معن» وهي «زائدة» «٣» ؛ مجتهدا على أن يثمر عمل ولايته فتزكو أعماله، وترد عليه المهمّات فتتلقّاها بالكفاءة أفعاله المعروفة وأقواله، وتشهد منه الأحوال معنى بل معاني يثبت بها في الأذهان قبوله وإقباله.
وهذه نسخة توقيع بولاية صرخد «٤» ، من إنشائه، لمن لقبه «جمال الدين» وهي:
رسم بالأمر أعلاه الله تعالى، وبلّغ بأيّامه الرتب وأهلها آمالا، وزان الولايات بما ينتج من مقدّمة فعله وقوله جمالا- أن يرتّب مجلس الأمير............ لأنّه الكافي الّذي عرفت في المهمّات همّته،
стр. 5840
وألفت عزمته، وأديرت أوصافه عقارا صرخديّة «١» ولا عجب أن سرت بالنّواحي خدمته، والنّاهض الّذي وفّى الولاية حقّها، وأدّى الأمانة وسلك طرقها، وأطلع في سماء الولايات شهب رأيه فحمى وزان أفقها.
فليباشر هذه الولاية بعزم سنيّ، وحزم سريّ، ومهابة تأخذ للضّعيف من القويّ، وديانة تمشي من الكفاءة والأمانة على صراط سويّ، مثمرا للمال والغلال، راقما لحلل الذّكر بحسن الخلال، محسّنا لذكر ولايته حتّى يجمع لها بالوصف والنّعت بين الحسن والجمال؛ وإيّاه والجبن عن المهمّات فما كل جبن صرخديّ محمود العاقبة والمآل.
وهذه نسخة توقيع بولاية سلميّة «٢» ، من إنشائه، كتب به ل «- شهاب الدين الحجازيّ» ؛ وهي:
رسم......- لا زال يطلع شهب الولاة مشرقة، وينشيء سحب الإحسان مغدقة، ولا برحت أقلام علائمه كالغصون بأحسن ثمرات الدّوح مثمرة مورقة- أن يرتّب............ علما أنّه الناهض الّذي إذا ولي كفى، وإذا طبّ الولاية المعتلّة بتقديم المعرفة شفى، وركونا إلى عزمه الّذي أبى لشهابه أن يخمد، وكفاءته الّتي قضت لاسمه بالعود: فإنّ العود أحمد، واعتمادا على سيرته الحسنة السّمعة، الحقيقة بالرّفعة، وعلى سطوته
стр. 5841
بالمفسدين الّتي حسّنت أن يقال فيه: «لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة» «١» فليباشر هذه الولاية بعزمه المتوالي، واجتهاد رأيه الّذي يطرب بارقه المتعالي، جاريا على عادة سدده، مجتهدا فيما هو بصدده، مسدّدا- إن شاء الله- في القول والعمل، مانعا لناحيته الأعرابيّة من تطرّق الخلل وتطرّف الجلل، مصلحا بالتّدبير عمل ما يشهد بعزائمه الوفيّة، وهممه الجليّة، وإذا سأل عن شدّ الولاة واحد قيل: سل ميّة عن سلميّة.
وهذه نسخة توقيع بشدّ متحصّل قمامة «٢» ، من إنشاء ابن نباتة؛ وهي:
رسم بالأمر- بسط الله تعالى على الأمم مهابته وظلّه، وبأسه وفضله، ووجّه إليه آمال الخلق من كلّ قبلة، وأعلى آراءه الّتي يقال لعدلها: «لقد جدت حتّى جزت في كلّ ملّة» - أن يرتّب......... مضافا لما بيده، واستنادا إلى صحيح خبره في الكفاءة وعلوّ سنده، وارتيادا لهممه الّتي إن رواها مسلم عن طوعه رواها نصرانيّ عن تجلّده، وسكونا إلى حركته الّتي تحصّل مالا، وتصل إلى مالا، وتستخرج الوفر من مكمنه، وتأخذ الحقّ [من] قدّام يدي الماثل ومن خلف أذنه، وعلما أنّ ما لمتحصل قمامة مثل عزمه المختار، ورفقه الذي يستنزل درّ القصد المدرار، واجتهاده الّذي زرعه المستنهضون فاستوى على سوقه يعجب الزّرّاع ليغيظ بهم الكفّار.
فليباشر هذه الوظيفة بشدّة ولين يجعل كلّ واحد منهما في موضعه ومقامه، وحقّ منير يجعل سبت نور كلّ لياليه وأيامه، وأمانة مدلّة، وكفاءة مظلّة،
стр. 5842
وصيانة توجب مزيد الخير إذا له، ومهابة إذا أدخلت مستخرج قمامة أصلحته وجعلت أعزّة أهلها أذلّة؛ لا يثني هممه النّفيسة، ولا يلتفت- كما يقال- لتبخير الكنيسة، بل يستعمل فراسة تروع من حمل عن أداء الحقّ بهتانا، ومناقشة تكشف عن جبال التّجلّد أكنانا، ورأفة مع ذلك بالظّاهري العجز: ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانا، ومتابعة للضّرائب القديمة لا يصرف عنها، واستخلاص ما على الرّأس حتّى يقال: «ليس تحت الزّرقاء أخضع منها» ، عاملا بتقوى الله تعالى فإنّ أهل معاملته أهل ذمّة، مجتهدا في استحقاق ما يترشح له من ولايات الأمور المهمّة.
الصنف الثاني (ممّا يكتب لأرباب الوظائف بدمشق- تواقيع أرباب الوظائف الدّينية؛ وهي على ضربين)
الضرب الأوّل (ما يكتب لمن هو بحاضرة دمشق، وهو على ثلاث مراتب)
المرتبة الأولى (ما يفتتح ب «الحمد لله» )
وهذه نسخ تواقيع من ذلك:
توقيع بنظر الحسبة «١» بالشّام، كتب به للقاضي «نور الدين عليّ بن أبي الفرج» ب «الجناب الكريم» ؛ وهو:
الحمد لله الّذي جعل مقام الأولياء عليّا، ورقى بهم إلى طور العناية
стр. 5843
فأشرق نورهم سنيّا، ووفّقهم للأمر بالمعروف فلم يزل غيث النّدى بهم وليّا، وزند سبل الرّشاد والحكمة وريّا.
نحمده حمدا كثيرا طيّبا زكيّا، ونشكره شكرا لا يزال غصنه بالزّيادة جنيّا، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة نكرّرها بكرة وعشيّا، ونسلك بها صراطا سويّا، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده الّذي اختاره صفيّا، وقرّبه نجيّا، ورسوله الّذي قام به الحقّ وأصبح به الباطل خفيّا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة ينال بها المؤمن يوم العطش ريّا، ويحوز بها في جنّة المأوى حللا وحليّا، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فإنّ أولى ما يلزم الفكر [فيه] ويتعيّن، ويتمّ النّجح بحسن النّظر فيه ويتبيّن- أمر الحسبة الشريفة: فإنّها المنصب الّذي به صلاح أحوال الرّعية، وقوام إقامة الحدود الشّرعيّة؛ تسلك العامّة لمستوليه سبل صنائعه ذللا، وتكسو بإتقانها أنواع بضائعها حللا، وينتفع بمعرفته الآمر والمأمور، وتحاط المعايش عن غشيان الغشّ من حرمته بسور، وتطمئنّ القلوب بإصلاح المطاعم وتتهنّى، وتقول الألسنة: شكرا لمن سنّ هذه السّنّة الشّريفة وسنّى، وردع ذوي الغشّ عن غوايتهم: فم غشّنا ليس منّا؛ لا سيّما بدمشق فإنّها شامة البلاد المحروسة، وموطن البركة المأثورة والبهجة المأنوسة؛ بلد شاع ذكرها في المغارب والمشارق، وإنّ محاسنها لن تقاس بغيرها: والجامع الفارق.
وكان فلان ممن تحلّى من عقود المحامد بجواهرها، وارتدى من حلل المآثر بمفاخرها، وعرف بالنّهضة والعفاف، واتصّف بجميل المعرفة والإنصاف، وحسنت سيرته في أحكامه، وحمدت قواعد [تعهّده] «١» ونضارة نظامه.
فلذلك رسم بالأمر العالي- لا زال يولي جميلا، ويولّي في الوظائف السّنيّة جليلا- أن يستقرّ المشار إليه في نظر الحسبة الشّريفة بالشام
стр. 5844
المحروس، على عادة من تقدّمه في ذلك، والقاعدة المستمرة، بالمعلوم المستمرّ للوظيفة المذكورة، إلى آخر وقت: وضعا للشّيء في محلّه، وتفويضا لجميل النّظر إلى أهله.
فليباشر ذلك آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، سالكا من حسن الطريقة ما يحمد به ويشكر، ويسرّه حين تتلى سور محاسنه وتذكر، متفّقدا أحوال العامّة ومعايشها في كلّ آن، ملتفتا في أمر ما يكال أو يوزن إلى قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ
«١» ، مشمّرا عن ساعده في الإجراء على العوائد المستحبّة، محترزا فيما يأمر به: فإنّ الله تعالى لا يخفى عليه مثقال حبّة؛ ولينظر في الدّقيق والجليل، والكثير والقليل، وليستكثر الأخبار، وليستعلم الأسعار، ولا يغفل عن تعاهد السّوقة آناء الليل وأطراف النّهار، وليلاحظ أمر السّكّة السلطانية بإصلاح العيار، وضبط أحوال النّقود بمقدار، وليقم من خدمته رقيبا على من اتّهم في صنعته أو استراب، وليبالغ في النّظر في أمر المآكل والمشارب فإنّ أكثر الدّاء من الطعام والشّراب، وليزجر بتأديبه من افترى، أو تلقّى الرّكبان أو غدا في الأقوات محتكرا؛ وليعلم أنّه قلّد أمر هذه الوظيفة المباركة: فليختر من يستنيب، وليبصر كيف يسلك برعايته من حكم عليه فما يلفظ من قول إلّا لديه رقيب؛ والوصايا كثيرة وأصلها التقوى الّتي هي أجلّ ما يقتني المؤمن ويكتسب، وأجدر بالزّيادة: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
«٢» . والله تعالى يديم علاه، ويتولاه فيما تولّاه.
وهذه نسخة توقيع بنظر الجامع الأمويّ، من إنشاء الشيخ جمال الدّين بن
стр. 5845
نباتة، كتب به للقاضي «عماد الدين بن الشيرازي» في الدولة الصالحية «١» «صالح بن الناصر محمد» ب «الجناب الكريم» ؛ وهي:
الحمد لله الّذي أذن لبيوته أن ترفع فرفع عمادها، وأعاد أحسنها إلى نظر من صرّف أمورها بما حسن وصرفها عمّا دهى، وأحيا الآثار الأمويّة حتّى غدت كالهاشمية تدعو أجوادها وسجّادها، وأنجز وعد أهلها بمن أشارت إلى مباشرته أعلام أعلام المنابر بالأصابع ونصّت المآذن أجيادها.
نحمده على ماهيّأ من الفوائد، وهنّأ من العوائد، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة يقوم بها الخطاب شاهدا ويقوم بها الخطباء في المشاهد، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي أوتي الجوامع من الكلم وجعلت له الأرض من المساجد، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين عمروا بيوت العبادات بهدايته، وظهروا في مجال الجمع وسجال الجموع تحت رايته، صلاة متصلة السّير كالسّيل، مسبلة الغمام كالذّيل، واضحة كردع الخلوق لدلوك الشّمس «٢» فائحة كفتيت المسك إلى غسق اللّيل.
وبعد، فإنّ أولى الأمور الدّينية بتقديم الاهتمام، وتقرير الاعتزاء إلى الاعتزام، وتشمير ساعد الرّأي وزهراته على الأكمام- أمر تكون إقامة الصّلوات أحد أركانه، وتدبير المصالح مشيرا إلى علوّ شانه، وأرزاق العلماء والصّلحاء تستدرّ من هطّاله وهتّانه.
وكان الجامع الأمويّ بدمشق المحروسة لهذه الأركان بمنزلة الأسّ الرّاسخ تمكينه، والفرع الشّامخ في وجه السّحاب عرنينه، وبنية زمان بني أميّة
стр. 5846
الذين عفا شرف مفاخرهم وما عفا شرفه وفخره، ووكر الإسلام الّذي مضى لبد «١» أمثاله وما بقي إلّا نسر السماء ونسره؛ ذو المرأى الشارح والفضل المشروح، والحسن الّذي إن تغالى في وصف الجوامع قوم قيل: باب الزيادة مفتوح؛ تفخر به دمشق وحقّ لها على كلّ مصر أن تفخر، وتبعث نظرات حسنه الفخر من حملة فصوص الترخيم إلى الأسود والأحمر؛ يحمد المجاور به مغناه وغناه، ويسع أرباب العلم والمقاصد ناديه ونداه، ويطالع المسك سطور مياهه المتجعّدة فأوّل ما يقرأ من تنبيه عزمه باب المياه؛ وقد عهد أن يتولّى نظره كلّ سنيّ المفاخر، سريّ المآثر، كريم الفرع والأصل، ماضي العزم كالنّصل، حائز من أقلامه أمد العلياء وقصب الخصل «٢» ولذلك رسم بالأمر الشّريف- لا زال وجه الفضل بدولته الشريفة واضحا، وميزان العدل والإحسان راجحا، ولا زال في كنف من منّ به على الدّين والدنيا وآتاهما صالحا- أن يفوّض إلى فلان نظر الجامع الأمويّ المذكور: لما عرف من أنه الرئيس الّذي ما ساد سدى، والكامل الّذي إذا آنس [سار] «٣» نار فكرته وجد على النار هدى، وأنّه باشر نظر هذا الجامع قديما فجمّله، ورصد سناه فكمّله، واستشهد في محضر ديوانه على النّزاهة أقلامه المعدّلة، وتدبيره المعدّ له، وكثرّ أوقافه وكانت قد اضمحلّت، وشيّد عمائره وكانت قد استقلّت، وملأ حواصله وكانت أقلام المكتسبة تنشد: «أسائلها أيّ المواطن حلّت» ، ولما ألف هذا الجامع المعمور من عواطفه، وعرف من عوارفه، وشهد من جلوسه لمصالح وقفه أحسن الله مكافأة جالسه وواقفه، فأثبت في صدر المحافل أنّ الله
стр. 5847
تعالى قد رزقه من الفضل جسيما، وكتب له من شرف الاكتساب والانتساب حديثا وقديما، وألقى إلى يده قلم كفاءة وأمانة كان كرمها للآملين حصينا وكان قلمها للخائنين خصيما؛ كم وفّر به المصالح فوفّى، وكم جمع بهمّته المحاولة مالا فجهّز به من جند الدّعاء صفّا، كم سرّ بمناقبه سراة سلف ما منهم إلّا جواد لا يرضى في سبق المكارم بحاتمه، وكاتب يكبر عن قول الواصف: إنّ ياقوتا في فصّ خاتمه، ورئيس هو أجلّ ما أهدت شيراز إلى دمشق من عالي طراز الفضل وعالمه.
فليباشر ما فوّض إليه بعزم لا تفلّ مضاربه، ورأي لا تأفل كواكبه، ومعدن وفاء بالمنصب لا تبرح لجناة الخيانة مهالكه ولجناة الجنان مطالبه، ناظرا في حسن وظيفتها باجتهاد لا يملّ من النّظر، مثمرا لأوقافها بغصن قلمه الّذي لا ينكر لأصله الصّائب أطايب الثّمر، ملاحظا لمباني هذا الجامع بسعادته: وإنّ السّعادة لتلحظ الحجر، صارفا لذوي الاستحقاق مستحقّهم كما عهدوا من إمام براعته المنتظر، مجتهدا على أن يرضي الوظيفة والقوم، معينا عدوى أنامله الخمس على عددها من فريضة اللّيلة واليوم، عالما أنّ الله تعالى قد أحيا هذا الدّيوان فإنّه كما علم أصل في بابه، آمرا بما يقترح لنظام هذا الدّيوان وكتّابه، منتقدا حال من إذا عمّر دواة في وقف كانت سببا لعمرانه أو سببا- والعياذ بالله تعالى- لخرابه، مطالبا من ظنّ أنّ حسابه يهمل في دهر هذه المباشرة «فكان حساب الدّهر غير حسابه» ، متخيرا من الكفاة كلّ مأثور الفضيلة، ومن الأمناء كلّ مأمون الرّذيلة، ومن القوّام كلّ من لا يقعد عن الواجب، ومن الوقّادين كلّ من لا يعاب بطول الفتيلة، جاعلا تقوى الله تعالى، في كلّ ما يأتي ويذر سائقه إلى الفوز ودليله؛ والله تعالى يمدّه بالسداد، ويصل مفاخره بالسّند ويحرس شرف بيته من السّناد، ويجعل كلّ منصب كريم باسمه وقلمه كما قال الأوّل:
«رفيع العماد طويل النّجاد» .
وهذه نسخة توقيع بنظر مدرسة الشيخ أبي عمر، من إنشاء ابن نباتة، كتب
стр. 5848
به للقاضي «تقيّ الدين» بالجناب العالي؛ وهي:
الحمد لله الّذي عمر عهد التّقى بتقيّه، وأقرّ نظره بمشاهدة أبيض العرض نقيّه، وأخصب منازل الأولياء بمن ينوب تثميره وتدبيره عن الغيث مناب وليّه، ومن إذا شهد مقام الزّهّاد بمعروفه شهد سداد العزم بسريّه.
نحمده على جليّ اللّطف وخفيّه، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة وافي الحقّ وفيّه، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده أكرم بعبده ونبيه، ورسوله وصفيّه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة يمزج أرجها كافور صباح النهار بمسك عشيّه.
وبعد، فخير النظر ما كان به الثّواب مأمولا، والعمل مقبولا، والآخرة للناهض فيه خيرا من الأولى، وتخيّر الأكفاء لمناصبه الدّينية سببا لخير الدّارين موصولا.
ولمّا كانت المدرسة الصالحية بجبل الصالحية المعروفة بالشيخ العارف أبي عمر: ﵁ وأرضاه، وسقى سبل الغيث آثاره الطاهرة وثراه، مما يتعيّن في مصالحها حسن النّظر، ويتبين في القيام بأمرها فضل الآراء والفكر؛ إذ هي زاوية الخير النافعة، ومدرسة الذكر الجامعة، وعشّ القرآن المترنّمة أطياره بخفقان القلوب الخاشعة، وصفّة «١» الفقراء الذين لا يسألون النّاس إلحافا، والأصفياء من الطّمع الذين لا يتقاضون الدهر إنصافا وإن صافى، ومرتكض سوابق الأعمال والأقوال، ومقرّ القرّاء والقراءة على ممّر الليالي الطوال، ومعدن التّلاوة المأثور غناؤها في ذلك الجبل وما كلّ المعادن ولا كلّ الجبال، والبنية لله وتحتاج من ينظر بنور الله في وقفها، ويحفظ مسالك جمعها وصرفها، وينمّي حال درهمها بتدبيره الوافي: فربّما أبقتها الأحوال منه على نصفها.
стр. 5849
وكان فلان ممّن لحظ أمورها على بعد فشغف الملحوظ باللّاحظ، وحفظها على نأي فكأنّما روت بالإجازة عن الحافظ، وأدار عليها من رشفات قلمه نغبة السّاقي، وأنهلها شربة مضى بها ما مضى من تعدّد المال: وفي الجرائد باق يطلب الباقي؛ وسأل أهلها بعد ذلك ملازمته للنّظر فلزموا، ورفعوا قصصهم في طلبه لهذه الوظيفة فجزموا؛ وكيف لا؟ وهو نعم الناظر والإنسان، وفي مصالح القول والعمل ذو اليدين واللّسان، وذو العزائم الّتي تقيّدت في حبّه الرّتب: «ومن وجد الإحسان» ، والمتقدّم فعله ورأيه في العاجل والآجل، والمأمون الّذي يعزى إلى عقيلة نسبة الرشيد ولا عجب أن يعزى المأمون إلى مراجل «١» ؛ كم جرت ألسنة الأوقاف بأوصافه، وكم روى الجامع الصحيح خبرا عن مسلّم عفافه، وكم جدّد لبنائه زخرفا بعد ما كاد نادب الرّسوم يقف على أحقافه؛ كم وفّر على الأيتام ميراث وفرها، وكم قال اختبار الملوك الباقية:
«لأشكرنّك ما حييت» فقال ماضي الملوك ذوي الأوقاف: «ولتشكرنّك أعظمي في قبرها» - فاقتضى الرأي أن يجاب في طلبه المهمّ سؤال القوم، وأن يتّصل أمس الإقبال باليوم، وأن تبلغ هذه الوظيفة أملها فيه بعد ما مضت عليها من الدّهر ملاوة، وهذه المدرسة الّتي لولا تداركه لكانت كما قال الخزاعيّ:
«مدارس آيات خلت من تلاوة» .
ولذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يراعي مصالح المؤمنين- أن يفوّض إليه النّظر على هذه المدرسة المعمورة، وأوقافها المبرورة، إجابة لسؤال من فيها من جماعة الفقراء ورغبتهم فيه، وارتقابهم لعزمه الّذي إذا نظر حالها الأوّل تلا فيه تلافيه؛ على أن يتّبع في أمرها شرط الواقف برأى غير قاعد، وإن كان لا
стр. 5850
يزيد فيها على أربعمائة نفر إلّا أن يزيد ريع الوقف وهو- إن شاء الله- ببركته وهمّته زائد.
فليباشر ما فوّض إليه مباشرة من إذا بدأ أعاد، وإذا دعي لمثل هذا الحال الضّعيف طبّ وعاد، ومثمرا لمالها- على عادة غصن قلمه الأخضر- أثمارا، مستخلصا للبواقي من أربابها الّتي تنهب العين وتدّعي لفتراتها انكسارا، قائلا في حال هذه المدرسة بالعطف، مساويا في المواساة بين فقرائها عند الميزان والصّرف، نازلا بنور بشره وودّه بينهم منازل القلب والطّرف، مجهّزا لجيش عسرتهم فإنّهم جمع للتّلاوة والصلوات، متطلّعا لخبرهم فإنّهم أجناد صفوف الأسحار وسلاحهم الدّعوات، وتقوى الله تعالى مشتقّ منها اسمه فلتكن شقيقة نفسه في الخلوات؛ والله تعالى يحفظ عليه حظّا نفيسا، وقدرا للنجوم جليسا، ويحيي به ميّت الوظائف حتّى يقال: أسليمان أنت أم عيسى؟.
وهذه نسخة توقيع بخطابة الجامع الأمويّ، من إنشاء ابن نباتة، كتب به باستمرار القاضي تاج الدين ب «الجناب العالي» ؛ وهي:
الحمد لله الّذي رفع للمنابر رأسا باستقرار تاجها، وجمع لصدور المحاريب شملا بعوائد ابتهاجها، وزيّن مواقع النّعم بالتّكرار كما تزان لآليء النّظام بازدواجها، وبيّن مطالع الفرج بعد الغمّ: وما الدّهر إلّا ليل غمّة ثم صبح انفراجها.
نحمده على معاد الآمال ومعاجها، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تمشي البصائر إلى الحقّ بسراجها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله القائم على المنابر لمداواة الفهوم وعلاجها، ومداراة الخصوم وحجاجها، القائل له تأديب ربّه: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
«١» آية يسري
следующие страницы →