← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

الذين عفا شرف مفاخرهم وما عفا شرفه وفخره، ووكر الإسلام الّذي مضى لبد «١» أمثاله وما بقي إلّا نسر السماء ونسره؛ ذو المرأى الشارح والفضل المشروح، والحسن الّذي إن تغالى في وصف الجوامع قوم قيل: باب الزيادة مفتوح؛ تفخر به دمشق وحقّ لها على كلّ مصر أن تفخر، وتبعث نظرات حسنه الفخر من حملة فصوص الترخيم إلى الأسود والأحمر؛ يحمد المجاور به مغناه وغناه، ويسع أرباب العلم والمقاصد ناديه ونداه، ويطالع المسك سطور مياهه المتجعّدة فأوّل ما يقرأ من تنبيه عزمه باب المياه؛ وقد عهد أن يتولّى نظره كلّ سنيّ المفاخر، سريّ المآثر، كريم الفرع والأصل، ماضي العزم كالنّصل، حائز من أقلامه أمد العلياء وقصب الخصل «٢» ولذلك رسم بالأمر الشّريف- لا زال وجه الفضل بدولته الشريفة واضحا، وميزان العدل والإحسان راجحا، ولا زال في كنف من منّ به على الدّين والدنيا وآتاهما صالحا- أن يفوّض إلى فلان نظر الجامع الأمويّ المذكور: لما عرف من أنه الرئيس الّذي ما ساد سدى، والكامل الّذي إذا آنس [سار] «٣» نار فكرته وجد على النار هدى، وأنّه باشر نظر هذا الجامع قديما فجمّله، ورصد سناه فكمّله، واستشهد في محضر ديوانه على النّزاهة أقلامه المعدّلة، وتدبيره المعدّ له، وكثرّ أوقافه وكانت قد اضمحلّت، وشيّد عمائره وكانت قد استقلّت، وملأ حواصله وكانت أقلام المكتسبة تنشد: «أسائلها أيّ المواطن حلّت» ، ولما ألف هذا الجامع المعمور من عواطفه، وعرف من عوارفه، وشهد من جلوسه لمصالح وقفه أحسن الله مكافأة جالسه وواقفه، فأثبت في صدر المحافل أنّ الله

стр. 5847

تعالى قد رزقه من الفضل جسيما، وكتب له من شرف الاكتساب والانتساب حديثا وقديما، وألقى إلى يده قلم كفاءة وأمانة كان كرمها للآملين حصينا وكان قلمها للخائنين خصيما؛ كم وفّر به المصالح فوفّى، وكم جمع بهمّته المحاولة مالا فجهّز به من جند الدّعاء صفّا، كم سرّ بمناقبه سراة سلف ما منهم إلّا جواد لا يرضى في سبق المكارم بحاتمه، وكاتب يكبر عن قول الواصف: إنّ ياقوتا في فصّ خاتمه، ورئيس هو أجلّ ما أهدت شيراز إلى دمشق من عالي طراز الفضل وعالمه. فليباشر ما فوّض إليه بعزم لا تفلّ مضاربه، ورأي لا تأفل كواكبه، ومعدن وفاء بالمنصب لا تبرح لجناة الخيانة مهالكه ولجناة الجنان مطالبه، ناظرا في حسن وظيفتها باجتهاد لا يملّ من النّظر، مثمرا لأوقافها بغصن قلمه الّذي لا ينكر لأصله الصّائب أطايب الثّمر، ملاحظا لمباني هذا الجامع بسعادته: وإنّ السّعادة لتلحظ الحجر، صارفا لذوي الاستحقاق مستحقّهم كما عهدوا من إمام براعته المنتظر، مجتهدا على أن يرضي الوظيفة والقوم، معينا عدوى أنامله الخمس على عددها من فريضة اللّيلة واليوم، عالما أنّ الله تعالى قد أحيا هذا الدّيوان فإنّه كما علم أصل في بابه، آمرا بما يقترح لنظام هذا الدّيوان وكتّابه، منتقدا حال من إذا عمّر دواة في وقف كانت سببا لعمرانه أو سببا- والعياذ بالله تعالى- لخرابه، مطالبا من ظنّ أنّ حسابه يهمل في دهر هذه المباشرة «فكان حساب الدّهر غير حسابه» ، متخيرا من الكفاة كلّ مأثور الفضيلة، ومن الأمناء كلّ مأمون الرّذيلة، ومن القوّام كلّ من لا يقعد عن الواجب، ومن الوقّادين كلّ من لا يعاب بطول الفتيلة، جاعلا تقوى الله تعالى، في كلّ ما يأتي ويذر سائقه إلى الفوز ودليله؛ والله تعالى يمدّه بالسداد، ويصل مفاخره بالسّند ويحرس شرف بيته من السّناد، ويجعل كلّ منصب كريم باسمه وقلمه كما قال الأوّل: «رفيع العماد طويل النّجاد» . وهذه نسخة توقيع بنظر مدرسة الشيخ أبي عمر، من إنشاء ابن نباتة، كتب

стр. 5848

به للقاضي «تقيّ الدين» بالجناب العالي؛ وهي: الحمد لله الّذي عمر عهد التّقى بتقيّه، وأقرّ نظره بمشاهدة أبيض العرض نقيّه، وأخصب منازل الأولياء بمن ينوب تثميره وتدبيره عن الغيث مناب وليّه، ومن إذا شهد مقام الزّهّاد بمعروفه شهد سداد العزم بسريّه. نحمده على جليّ اللّطف وخفيّه، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة وافي الحقّ وفيّه، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده أكرم بعبده ونبيه، ورسوله وصفيّه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة يمزج أرجها كافور صباح النهار بمسك عشيّه. وبعد، فخير النظر ما كان به الثّواب مأمولا، والعمل مقبولا، والآخرة للناهض فيه خيرا من الأولى، وتخيّر الأكفاء لمناصبه الدّينية سببا لخير الدّارين موصولا. ولمّا كانت المدرسة الصالحية بجبل الصالحية المعروفة بالشيخ العارف أبي عمر: ﵁ وأرضاه، وسقى سبل الغيث آثاره الطاهرة وثراه، مما يتعيّن في مصالحها حسن النّظر، ويتبين في القيام بأمرها فضل الآراء والفكر؛ إذ هي زاوية الخير النافعة، ومدرسة الذكر الجامعة، وعشّ القرآن المترنّمة أطياره بخفقان القلوب الخاشعة، وصفّة «١» الفقراء الذين لا يسألون النّاس إلحافا، والأصفياء من الطّمع الذين لا يتقاضون الدهر إنصافا وإن صافى، ومرتكض سوابق الأعمال والأقوال، ومقرّ القرّاء والقراءة على ممّر الليالي الطوال، ومعدن التّلاوة المأثور غناؤها في ذلك الجبل وما كلّ المعادن ولا كلّ الجبال، والبنية لله وتحتاج من ينظر بنور الله في وقفها، ويحفظ مسالك جمعها وصرفها، وينمّي حال درهمها بتدبيره الوافي: فربّما أبقتها الأحوال منه على نصفها.

стр. 5849

وكان فلان ممّن لحظ أمورها على بعد فشغف الملحوظ باللّاحظ، وحفظها على نأي فكأنّما روت بالإجازة عن الحافظ، وأدار عليها من رشفات قلمه نغبة السّاقي، وأنهلها شربة مضى بها ما مضى من تعدّد المال: وفي الجرائد باق يطلب الباقي؛ وسأل أهلها بعد ذلك ملازمته للنّظر فلزموا، ورفعوا قصصهم في طلبه لهذه الوظيفة فجزموا؛ وكيف لا؟ وهو نعم الناظر والإنسان، وفي مصالح القول والعمل ذو اليدين واللّسان، وذو العزائم الّتي تقيّدت في حبّه الرّتب: «ومن وجد الإحسان» ، والمتقدّم فعله ورأيه في العاجل والآجل، والمأمون الّذي يعزى إلى عقيلة نسبة الرشيد ولا عجب أن يعزى المأمون إلى مراجل «١» ؛ كم جرت ألسنة الأوقاف بأوصافه، وكم روى الجامع الصحيح خبرا عن مسلّم عفافه، وكم جدّد لبنائه زخرفا بعد ما كاد نادب الرّسوم يقف على أحقافه؛ كم وفّر على الأيتام ميراث وفرها، وكم قال اختبار الملوك الباقية: «لأشكرنّك ما حييت» فقال ماضي الملوك ذوي الأوقاف: «ولتشكرنّك أعظمي في قبرها» - فاقتضى الرأي أن يجاب في طلبه المهمّ سؤال القوم، وأن يتّصل أمس الإقبال باليوم، وأن تبلغ هذه الوظيفة أملها فيه بعد ما مضت عليها من الدّهر ملاوة، وهذه المدرسة الّتي لولا تداركه لكانت كما قال الخزاعيّ: «مدارس آيات خلت من تلاوة» . ولذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يراعي مصالح المؤمنين- أن يفوّض إليه النّظر على هذه المدرسة المعمورة، وأوقافها المبرورة، إجابة لسؤال من فيها من جماعة الفقراء ورغبتهم فيه، وارتقابهم لعزمه الّذي إذا نظر حالها الأوّل تلا فيه تلافيه؛ على أن يتّبع في أمرها شرط الواقف برأى غير قاعد، وإن كان لا

стр. 5850

يزيد فيها على أربعمائة نفر إلّا أن يزيد ريع الوقف وهو- إن شاء الله- ببركته وهمّته زائد. فليباشر ما فوّض إليه مباشرة من إذا بدأ أعاد، وإذا دعي لمثل هذا الحال الضّعيف طبّ وعاد، ومثمرا لمالها- على عادة غصن قلمه الأخضر- أثمارا، مستخلصا للبواقي من أربابها الّتي تنهب العين وتدّعي لفتراتها انكسارا، قائلا في حال هذه المدرسة بالعطف، مساويا في المواساة بين فقرائها عند الميزان والصّرف، نازلا بنور بشره وودّه بينهم منازل القلب والطّرف، مجهّزا لجيش عسرتهم فإنّهم جمع للتّلاوة والصلوات، متطلّعا لخبرهم فإنّهم أجناد صفوف الأسحار وسلاحهم الدّعوات، وتقوى الله تعالى مشتقّ منها اسمه فلتكن شقيقة نفسه في الخلوات؛ والله تعالى يحفظ عليه حظّا نفيسا، وقدرا للنجوم جليسا، ويحيي به ميّت الوظائف حتّى يقال: أسليمان أنت أم عيسى؟. وهذه نسخة توقيع بخطابة الجامع الأمويّ، من إنشاء ابن نباتة، كتب به باستمرار القاضي تاج الدين ب «الجناب العالي» ؛ وهي: الحمد لله الّذي رفع للمنابر رأسا باستقرار تاجها، وجمع لصدور المحاريب شملا بعوائد ابتهاجها، وزيّن مواقع النّعم بالتّكرار كما تزان لآليء النّظام بازدواجها، وبيّن مطالع الفرج بعد الغمّ: وما الدّهر إلّا ليل غمّة ثم صبح انفراجها. نحمده على معاد الآمال ومعاجها، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تمشي البصائر إلى الحقّ بسراجها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله القائم على المنابر لمداواة الفهوم وعلاجها، ومداراة الخصوم وحجاجها، القائل له تأديب ربّه: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ «١» آية يسري

стр. 5851

الفطن على منهاجها، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه بحور النّعم والنّقم عذبها وأجاجها، وبدور مساجد التّقى ومشاهد الوغى عند عجاج ليلها وليل عجاجها، صلاة كصلاتهم آمنة من خداجها «١» ، ما مدّت نفحات الروض إلى مخالطة سيرهم يد احتجاجها، ومازجت معاليهم النّجوم فحسن بكأس الثّريّا شرف امتزاجها. وبعد، فإنّ أولى الناس باستقرار مناصب الدين العريقة، واستمرار علوّ الدّرجات: إمّا من المراتب مجازا وإمّا من المنابر حقيقة، واستمطار الوظائف بعيادة فضله ولا سيّما أعواد الخطابة، واستبصارها بلفظه ولا سيّما إذا سلّمت الرّاية العباسيّة من نطقه لعرابة- من درج من عشّ فروعها خافقا عليه جناحا علميه، وصعد إلى عرشها مقبّلة بنظرات الجفون المتسامية آثار قدميه، وأعرق نسبه في موطن مكانها المكين، وبلغ مقامه مقام سلفه أربعين سنة في الطّلوع بأفقها المبين، وقال استحقاق ميراثه: «وماذا تدّري الخطباء «٢» منّي» «وقد جاوزت» بمقام السّلف «حدّ الأربعين» ، ومن إذا سمعت خطابته قال الحفل: لا فضّ فوه، ولا عدم البيت ولا بنوه، ومن إذا طلع درج المنبر قال المستجلون لسناه: أهلّ البدر؟ قيل لهم: أخوه، ومن إذا قام فريدا عدّ بألف من فرائد الرجال تنظّم، وإذا أقبل في سواد طيلسانه واحدا قيل: جاء السّواد الأعظم.

стр. 5852

ولما كان فلان هو معنى هذه الإشارة، وفحوى هذه العبارة، وصدر هذا التّصدير: ومن سواه أحقّ بصفات الصّدارة؟، ومن إذا ضرب المثل بالخطابة النّباتيّة «١» في حلب قال لخطابته بدمشق: «إيّاك أعني فاسمعي يا جارة» ؛ ومن نشأ في محلّ فخار طيب المعاقد، ومن وضع رجله على المنابر ومدّ عزمه إلى الفراقد، ومن شمّر في أوائل عمره إلى العلياء وحيدا وخلّف دونها من أنداده ألف راقد، ومن إذا صعد للخطابة أنشد الحفدة: ولمّا رأيت الناس دون محلّه ... تيقّنت أنّ الدّهر للنّاس ناقد [وكان] «٢» الجامع الأمويّ المعمور بذكر الله تعالى بدمشق المحروسة هو الذي كلّ بنان إلى حسنه يشير؛ وكلّ ذي مذهب إذا عاين تصنيف وضعه قال هذا لفقه المحاسن هو الجامع الكبير، [تعيّن أنه المسلّم ليده] «٣» المعلم بطرازي نسبه ورشده، المقدّم ليد نصرته سيف خطابة لا يخرج بيد الاستحقاق عن حدّه، تكاد المنابر تعود للنّشأة الأولى طربا لسجع بيانه، يسهب ويقول الناس ليته لا اختصر، ويودّون لو لبس كلّ يوم سواد أهبته وزيد فيه منهم سواد القلب والبصر، وعارضه من العظماء الكفاة من نوى بدلا فأبى حنوّ الدّولة إلا عطفا، ونازله وارد من القضاء ولكن أنزل الله عليه مع القضاء لطفا. ولذلك رسم بالأمر الشريف أن يستقرّ على عادته في خطابة الجامع المذكور، وما يتعلق بذلك: من تدريس وتصدير، وتقرير وتقدير، وتأثيل وتأثير، ومحكوم بالتفويض إليه ومحكّم، ومرسوم لا يغيّر عليه ما رسم به وما يرسم، وأن يمنع دليل الاعتراض ويدفع، ويكفّ حتّى تتصل العناية بهذا البيت الذي هو من بيوت أذن الله أن ترفع، وحتّى يعلم أنّ قوما أحسنوا صحبة الدّول

стр. 5853

فسعدوا، ونبّهوا عهود الخدمة لأعقابهم وهجدوا، وحتّى يقول هذا النّجل الظافر بعد آبائه وأخيه: ليت أشياخي ببدر شهدوا. فليعد حديث منصبه القديم، وليقم إلى تشّنيف الأسماع من نثير لفظه بأبهى من العقد النظيم، وليفكّ أسرى القلوب برواتب إشارته: فإنّه «الفاضل عبد الرحيم» ؛ وليبك العيون بوعظه وإن أقرّها بمشاهدته؛ وليحرص على فخر الدولة الشريفة به كما فخر سيف الدّولة بابن نباتته «١» ووصايا هذه الرّتبة متشعّبة وهو على كلّ حال أدرب وأدرى بها، وما استقرّت على قبض سيوفها يده إلّا ورجعت الحقوق إلى نصابها؛ وكذلك ما هو معدوق بوظائفه: من مدارس علوم، ومجالس نظر طالما نظر في كتبها وهو الصحيح نظرة في النّجوم- لا يحتاج فيها إلى مطالعة الوصايا فإنّه من كلّ أبوابها دخل، ولا يمرّ بها على أذنه فم المبلّغ فإنّها من فمه أحلى ومن تسويغ فمه أحلّ؛ ولكنّ التّذكار بتقوى الله تعالى فيما يأتي ويذر أسّ جليل، ووجه تتفاضل وجوه الألفاظ من ذكره على لفظ جميل، وألفاظ الخطيب المتّقي إذا وصلت من القلب إلى القلب وفت بريّ الغليل؛ والله تعالى يمدّه بألطافه، ويجريه على عوائد إسعاده وإسعافه، ويروي بصواب كلمه الأسماع وبصوب الغمام عهود أسلافه. وهذه نسخة توقيع بتدريس المدرسة المسرورية بدمشق، من إنشاء الشّيخ صلاح الدين الصّفديّ «٢» ، كتب به للشيخ «تقيّ الدين السّبكي» «٣»

стр. 5854

ب «المقرّ الكريم» ؛ وهي: الحمد لله الّذي جعل تقيّ الدّين عليّا، وأوجده فردا في هذا الملإ فكان بكلّ علم مليّا، وأظهر فضله الجليل فكان كالصّباح جليّا. نحمده على نعمه الّتي تكاثرت فأخجلت الغمائم، وتوفّرت الألسنة على حمده فتعلّمت أسجاعها الحمائم، وتأثّرت بموافقها الأحوال فأخملت زهر الخمائل في الكمائم، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة لا شبهة تعكّر ما صفا من لجّتها، ولا ريبة توعّر ما تسهل من محجّتها، ولا ظلمة باطل تكدّر ما أنار من حجتها. ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الّذي جمعت فيه مكارم الأخلاق، وتفرّد بمزايا منها أنّه حبيب الخلّاق، وشارك الأنبياء في معجزاتهم وزاد عليهم بما أتيح له من خمس لم يعطهنّ غيره منهم على الإطلاق، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الّذي تفقّهوا في الدّين، وحازوا الأجور لمّا جروا إلى جزّ الغلاصم من الملحدين، وأنزلوا لمّا نازلوا أبطال الباطل والمعتلين من المعتدين، صلاة يفوح نسيم ريّاها المتأرّج، ويلوح وسيم محيّاها المتضرّج، ما فرّج العلماء مضايق الجدال في الدّروس، وقبلت ثغور الأقلام وجنات الطّروس، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدّين. وبعد، فإنّ المدارس- عمرها الله تعالى بالعلماء- لواقفيها شروط، ولأهلها همم أنزلها بالنجوم منوط؛ يغوصون بحور البحوث في طلب اللّآلي، ويقطعون ظلل الظّلام بالسّهر في حبّ المعالي؛ سيّما المدرسة المسروريّة: فإنّ واقفها- أثابه الله تعالى- شرط في المدرّس بها شروطا قلّ من يقلّها، أو يتحلّى بعقودها أو يحلّها؛ وكان مفرقها قد تحلّى بتاج تجوهر، ومغلقها قد ضمّ منه فاضلا تمهّدت به قواعد المذهب لمّا تمهّر، فأعرض عنها، ونفض يده منها،

стр. 5855

رغبة في الإقبال على شانه، وانقطاعا إلى مالك الأمر وديّانه، فخلا ربعها من أنسه، وكادت تكون طللّا بعد درسه. وكان فلان- أسبغ الله ظلّه- قد وافق بعض ما فيه شرط الواقف، وشهد بنشر علومه البادي والعاكف، وطاف بكعبة فوائده كلّ طائف، ينصرف عنه باللّطائف؛ أمّا «التّفسير» فإنّه فيه آية، وأمّا «الحديث» فإنّه الرّحلة في الرّواية والدّراية، وأما «الأصول» فإنّه زأر ب «الرازيّ» حتّى اختفى، وأمّا «الفقه» فلو شاء أملى في كلّ مسألة منه مصنّفا، وأمّا «الخلاف» فقد وقع الاتّفاق على أنّه شيخ المذاهب، وأمّا «العربية» ف «الفارسيّ» «١» يعترف له فيها بالغرائب؛ إلى غير ذلك من العلوم الّتي هو لها حامل الرّاية، وله بالتّدقيق فيها أتمّ عناية، وإذا كان أهل كلّ علم في المبادي كان هو في الغاية. فلذلك رسم بالأمر العالي- أعلاه الله تعالى- أن يفوّض إليه كذا وكذا: وضعا للشّيء في محلّه، ومنعا لتاريخ ولاية غيره أن يفجأ في غير مستهلّه؛ فالآن أمسى الواقف مسرورا على الحقيقة، والآن جرى الخلاف فيها على أحسن طريقة؛ وهو- أسبغ الله تعالى ظلّه- أجلّ خطرا من أن يذكّر بشيء من الوصايا، وأعظم قدرا من أن تدلّ ألمعيّته على نكتها الخفايا، لأنّه بركة الإسلام، وعلّامة الأعلام، وأوحد المجتهدين والسّلام؛ والله تعالى يمتّع المسلمين ببقائه، ويعلي درجات ارتقائه؛ والخطّ الكريم أعلاه الله تعالى أعلاه، حجة في ثبوت العمل بمقتضاه، إن شاء الله تعالى. وهذه نسخة توقيع بتدريس المدرسة الناصرية الجوّانية، من إنشاء الصّلاح الصّفدي أيضا، كتب به للقاضي ناصر الدين «محمد بن يعقوب» كاتب السّرّ

стр. 5856

يومئذ بالشام، حين عاد إلى تدريسها بعد انفصاله عنها، ب «المقرّ الكريم» ؛ وهي: الحمد لله الّذي بدأ النّعم وأعادها، وأفاء المنن وأفادها، وزان المناصب السّنيّة بمن يليها وزادها، وشاد عماد المعالي بأربابها وصانها عمّا دهى. نحمده على نعمه الّتي بدأت بالمعروف وتمّمت، وخصّصت بالإحسان وعمّمت، وبرّأت من النّقائص وسلمّت، وفلّت بالألطاف الخفية صوارم الحوادث وثلّمت، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تضيء بها الحنادس «١» ، وتزكو بأنوائها منابت الإيمان والمغارس، وتسمو باقتنائها إلى علّيين النفوس النّفائس، ويرغم المؤمنون بإعلائها من الكفار المعاطس، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الّذي تمّم للناس مكارم الأخلاق، وأخجل بجود كفّه الفيّاض صوب الغيث الدّفاق، وفضح البدر اللّياح في الدّجى بنور جبينه البرّاق، وتقدّم النّبيين والمرسلين في حلبة الشّرف على جواد فضله السّبّاق، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه أعلى من نصبوا للهدى أعلاما، وأرقى من أصبح العلم لفضلهم الباهر رقّاما، وأحلى من كان الزمان بوجودهم وجودهم للعفاة أحلاما، وأقوى من كان الإيمان بهم إذا استنجد على الكفر أقواما، صلاة لا ينفد لها أمد، ولا يفنى لها مدد، ما شبّ بارق وخمد، وشفى الغمام طرف زهر من الرّمد، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدّين. وبعد، فإنّ مدارس العلم الشريف لها الذكر الخالد، والشّرف الطّارف والتّالد، بها تتبيّن فوارس الجلاد في مضايق الجدال، وتتجلّى بدور الكلام في مطالع الكمال، وتبدو شموس الجمال فيما لها من فسيح المجال؛ والمدرسة الناصرية- أثاب الله تعالى واقفها- هي الواسطة في عقودها، والدّرّة الثمينة بلا كفء لها بين قيم نقودها، قد تدبّج فيها البناء، وتأرجّ عليها الثّناء، وتخرّج عنها الحسن فإنّ له بها مزيد اعتناء.

стр. 5857

وكان المقرّ الفلانيّ قد نفض يده من عنانها، ورفض عن اختيار بهاء جنانها، وثنى طلبته عن محاورتها، ورمى أمنيّته من مجاورتها، فساء من بها من أهل العلم فراقه، وأوحشهم وجهه الّذي أخجل البدور رونقه والبحر اندفاقه، وفقدوا مكارمه الّتي ما سمع «السّمعانيّ» بمثلها ولا وصلت إلى «الصّوليّ» ولا ضمّتها أوراقه «١» فلذلك رسم بالأمر العالي أن يعاد إلى تدريسها: لأنّ العود أمدح وأحمد، والرّجوع إلى الحقّ أسعف وأسعد. فليباشر ما فوّض إليه مباشرة ألفت من كمال أدواته، وعرفت من جمال ذاته، ناشرا أعلام علومه المتنوّعة، وفضائله الّتي تقصر عن الثّناء عليها أنفاس الرّياض المتضوّعة؛ فلو عاصره «ابن عطيّة» أمسك عنه في «٢» تفسيره، أو «صاحب الكشّاف» «٣» لغطّى رأسه من تقصيره، أو «الرّافعيّ» «٤» لأصبحت راية رأيه في الفقه خافضة رافعة، أو «النّوويّ» «٥» ﵀ لاستعار منه زهرات روضته اليانعة، أو «الآمديّ» «٦» لما امتدّت له معه في أصوله خطوة، أو «ابن

стр. 5858

الحاجب» «١» لما كان له مع ابن الحاجب حظوة، أو «ابن يعيش» «٢» لمات ذكره في النحو فكان فقيدا، أو «ابن مالك» «٣» لأمسى «تسهيله» تعقيدا، أو «الشّبليّ» «٤» لعلم أنّه ما شبّ له في التّصرّف مثل شبله، أو «ابن عربيّ» «٥» لأعرب عن عجمة وما تمسّك صوفيّ بحبله؛ إلى غير ذلك من إنشاء إنشاء ساد في العبدين «٦» : «عبد الحميد» و «عبد الرّحيم» ، ونظم كلّما نظمأ إلى رشفه طافت علينا قوافيه بكأس مزاجها من تسنيم «٧» ؛ وعلى الجملة فتفصيل معارفه يضيق عن فضّها فضاء هذا التّوقيع الكريم، وسرد محاسنه لا تتّسع له حواشيّ هذا البرد الرّقيم؛ ولكن أشارت أنملة القلم منها إلى نبذة، وعلمنا أنّ القلوب تشتاق إلى أوصافه ففلذنا لها من ذلك فلذة. وأما الوصايا فمثله لا يذكّر بشيء منها، ولا يقال له: دع هذه الودعة وهذه الدّرّة صنها؛ لأنّ الأمر والنّهي له في ذلك، وإذا أطلع بدور وصيّة ضوّأ أحوال الدّياجي الحوالك؛ ولكن تقوى الله ذكرها في كلّ توقيع طرازه

стр. 5859

المعلم، ونكتته الّتي طودها لا يثلّ وحدّها لا يثلم، فليكن مستصحب حالها الحالي، مستصعب فراقها الّذي يهوّنه البال البالي؛ والله تعالى لا يخلي ربوع العلم من أنسه، ويجعل سعده في غد زائدا كما زاد في يومه على أمسه؛ والخط الكريم أعلاه، حجّة في ثبوت العمل بمقتضاه. وهذه نسخة توقيع بتدريس المدرسة النّوريّة «١» ، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، كتب به لقاضي القضاة «نجم الدين الحنفيّ» بنزول والده عنها ب «الجناب الكريم» ؛ وهي: الحمد لله الّذي أنمى أهلّة العلم فأبدرت، وفروعه فأثمرت، ونجومه فاستقلّت مطالعها النّوريّة وتنّورت، ولالئه في بحار اللّفظ والفضل فتجوهرت، وأنهاره الّتي أخذت في المدّ ماخذ تلك البحار فاسترحبت واستبحرت. نحمده على نعمه الّتي قرّت وقرت، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة إذا خصّلها اليقين وفرت، وإذا نصّلها «٢» الإخلاص مضت في أوداج الباطل وفرت «٣» ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الحاكم في فصل الأقضية لمّا شجرت «٤» ، والنّاظم درر الإيمان حتّى زهت في أعناق العقائد وزهرت، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه فئة الحقّ الّتي ظهرت وطهرت، وعصابة الإسلام الّتي سرت خلفها سرايا الدّين فهاجرت في الله ونصرت،

стр. 5860

صلاة طيبة تحلو إذا تكرّرت، وتحيّة باقية تشرق شمسها إذا الشّمس كورت، وتعبق نفحات نشرها إذا الصّحف نشرت. أما بعد، فإنّ منازل العلم من خير ما أبقى الآباء للأعقاب، وأكمل ما ذخر لنجباء الأبناء على مدى الأحقاب، وأعدل ما شهد بلسان حاله المتمثّل أنّ وكر العقاب لابن العقاب؛ وكانت المدرسة النّوريّة الكبرى بدمشق المحروسة هي الواسطة والمدارس درر، والصّبح وأوطان العلم غرر، ومنزلة الحكم الأمنع، وبيت القضاء الّذي أذن الله لقدره أن يرفع، ومكان ذي اليد الماضي سيف حكمه إذا قرعت العصا لذي الإصبع، وذات العماد الّتي ادّخرها لنجله، وأعدّ فضلها في العباد والبلاد لفضله؛ وكان ذلك «١» قد نزل لولده فلان عن الحكم على هذا الحكم، ونطق بمزيّة الاستحقاق وقلوب بعض الأعداء صمّ بكم، ورغب- أجلّه الله- فيما يرغب فيه من الانقطاع ذو السّن «٢» العالي، والقدر الغالي، وانتظم تقليده الشريف فكان أجود حلية على أحسن جيد حالي، ثم التوقيع بتدريس هذه المدرسة الّتي زكيّ في أهل الفضل شهيدها «٣» ، ونظرها الذي خلف في حكمه وليّ عهده عن أبيه: فلله أمين هذه الخلافة ورشيدها. ولذلك رسم بالأمر الشريف أن يفوّض إلى فلان تدريس المدرسة النّوريّة ونظرها: لاستحقاقه لها بشفعة منصب الحكم العزيز، ومنشإ الفضل الحريز، ووجيز النزول المكتتب، وقبول هبة والده الّذي يعتاد أن يهب الجليل لمن يهب، وتشريفه بإنعامها النّفيس، وإجلاسه بها على مرتبة حكم وبساط نظر وسجادة تدريس، وعلما بأنّ نجم ذلك النّيّر أولى بهذه المنازل، وشبل ذلك الأسد أحقّ بهذا الغاب الماثل، وأنّه كوكب هذا المذهب المنير، وإمام جامعيه المعروفين: كبير وصغير، وصاحب شبيبة العزم المقتبل، والرّأي الموفي على

стр. 5861

قياس الأمل، وتجنيس الجود والإجادة، وتكميل بحري العلم والبرّ واجتهاد الزّيادة؛ وأنّه ممّن آتاه الله رفعة في القدر والاسم، وزاده بسطة في العلم والجسم، وأحكم بديهة علمه فما تستوقف الاسماع رويّته، وأعلاه وعظّمه فما هو النّجم الّذي تستصغر الأبصار رؤيته. فليباشر تدريس هذه المدرسة ونظرها بعزمه الباهر وصفا، التّالي بلسان الحمد: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى «١» جاريا على أعراق نسبه المشهور، فائض اللّفظ والفضل فإنّه بحر من البحور، مظهرا من مباحثه الّتي تقلّد العقول بأبهى مما تقلّد النّحور، مهتديا من رأيه ومن بركة الواقف- ﵁ بنور على نور؛ والله تعالى يزين بنجمه أفق السّيادة، ويزيد فيما وهبه من الفضل إن كان التّمام يقبل زيادة. توقيع بتدريس المدرسة الرّيحانية الحنفيّة، من إنشاء ابن نباتة، كتب به للقاضي «عماد الدين الحنفي» ب «الجناب الكريم» ؛ وهو: الحمد لله الّذي جمّل مدارس العلم بذات عمادها، وصاحب نفلها واجتهادها، ومنشر عهدها ومنشيء عهادها، وواصل مناسبها الّتي لو ادّعاها دونه زيد لكانت دعوى زيادها، ومفصح فتاويها على منبر قلم اهتز عوده ونفح وأطرب: فناهيك بثلاثة أعوادها!. نحمده على نعمه الّتي قضى الحمد بازديادها، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تعدّها النفس لمعادها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله هادي الأمّة إلى سبيل رشادها، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه بحار العلم وأطوادها، ما قامت الطّروس والسّطور لعيون الألفاظ مقام بياضها وسوادها. أمّا بعد، فإنّ لمذاهب العلم رجالا يوضّحون طرقها، ويمدّون في

стр. 5862

المباحث طلقها، ويعمّرون مدارسها: فيا لها من ذات دروس يكون العمران معتلقها ومعتنقها!. ولمّا كانت المدرسة الرّيحانية بدمشق في أيدي العلماء نخبة ريحانيّة، وشقيقة نفس نعمانيّة، مأهولة المنازه والمنازل بكّل ذي فضل جليّ، وعلم مليّ، ووصف كريم، ونفس نفيس يتلّقاه منها روح وريحان وجنّة نعيم؛ وخلت الآن من إمام كرمت خلاله، وعظمت خصاله، ومضى وتمضّى وما يبقى إلّا الله جلّ عن الحوادث جلاله- فتعيّن أن نختار لتدريس مكانها من يفتخر به المكان والزّمان، ويتشيد بزيادة علمه لصاحب مذهبها أضعاف ما شاده زياد للنّعمان، من شيّد الشريعة الشريفة مقاله ومقامه، وعلا عماده إلى عقود الشّهب فلله مراده ومرامه، من لو عاصره «ابن الحسين» «١» لحسن أن يعترف بقدره الجليل، وقال عند محاضرة بحثه كما قال «أبو يوسف» «٢» : فصبر جميل، واستزاد «شمس الشريعة» فكيف «السراج» من لمعه البريقة، وقال «ابن الساعاتي» «٣» : ما رأيت أرفع من هذا القدر درجة ولا أبدع من هذا الذّهن دقيقه. ولذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال عاليا بأمره كلّ عماد، زاهيا بمحامد ملكه كلّ ناطق وجماد، أن يفوّض لفلان......... لأنّه المعنيّ بما تقدّم من الأوصاف الحلوة إذا تكرّرت، والمقصود بألفاظها إذا تعنونت الأفهام وتيسّرت، والمعوّذة فرائد مباحثه المفرّقة ب إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ «٤» ، وإمام المذهب الحنفيّ والحكم الأحنفيّ، وحصاة القلب الّتي

стр. 5863

تنسف بإشارتها جبال «النّسفيّ» «١» ، ولسان النّظر الّذي أشرف على بعده فاختفى في قربه المشرفيّ، وصاحب الفنون وما وسقت، وأفنان الحكم والحكم وما بسقت، ونعوت الفضل والفضائل وما عطفت من البيان ونسقت. فليتولّ تدريس هذه المدرسة المعمورة مؤيّد الولاية، مجدّد البداية لحنيفيّتها والنهاية، ساجدا قلم الفتاوى والفتوّة كلّما تلا كرمه وكلمه آية بعد آية، منفقا من ألفاظه حتّى يستغني عن «الكنز» «٢» وصاحبه، ويردّ فرع المقال على الأصل وطالبه، ويعرض عن أعاريض «البسيط» ، ويغرق في أفكار وارده «المحيط» ، ويمدّ سماط العلم الّذي وفى بعد «القدوريّ» «٣» وما خان، وتفخر بقاضيها أعظم مدينة فما يضرّها فقد «قاضي خان» «٤» ، وتتذكرّ المقدّمية في طلبته فوائد الحلقة، وينتقل الجناب الكريم من تقدمتها إلى ما هو أوفى في الغرض وأوفر في النّفقة؛ والله تعالى يزيد رتب العلم به سرورا، ويجعل له باستطلاعها كتاب حكم وحكم يلقاه منشورا. وهذه نسخة توقيع بتصدير بالجامع الأمويّ، كتب به لقاضي القضاة «علم

стр. 5864

الدين ابن «١» القفصي» قاضي قضاة دمشق ب «المقرّ الشريف» وهي من تلفيق كتّاب الزمان. على أنها بالمدرس أليق منها بالمصدّر؛ وهي: الحمد لله الّذي أعلى علم أئمّة الدّين إلى أعلى الغرف، وميّزهم بالعلم الشّريف الّذي يسمو شرفه على كلّ شرف، وأوضح بهم منهج الحقّ القويم فعلا بإرشادهم سبيل الهدى وانكشف. نحمده على ما أفاض من نعمه المتواترة كلّ حين، ونشكره على إحياء معاهد المعابد بمن حذا حذو الأولياء المتّقين، حمدا يظهر الآيات المحمّديّة والبراهين، ويبسط ظلّ من هو عن الحقّ لا يمين. ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ربّ العالمين، الذي علّم الإنسان ما لم يعلم وهو العالم بما تخفي الصّدور ويعلم عباده المؤمنين، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي أوتي علم الأولين والآخرين، وكان من دعائه لشيبة «٢» : «اللهمّ فقّهه في الدّين» ! صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الّذي عملوا بما علموا فكانوا أئمّة المسلمين، والعمدة على أقوالهم الّتي نقلوها عن خاتم النبيين، على توالي الأيّام والجمع والأشهر والسّنين، وسلّم تسليما كثيرا. أما بعد، فلمّا كانت أعلام العلماء في الآفاق منشورة، وربوع الفوائد بطريقتهم المثلى معمورة، وصدور المعابد الشّريفة محتاجة إلى صلتها بكفئها الفرد مسرورة، وكان فلان- أسبغ الله تعالى ظلاله، وضاعف جلاله- هو الّذي ملأت مباشرته العيون والأسماع، وانعقدت على تفرّده في عصره كلمة الإجماع، واشتهر ذكره الجميل بأنواع المكرمات وأطاعه من مشكل المذهب ما هو على غيره شديد الامتناع، وأضحت فضائله «المدوّنة» «٣» ولفظه الجلّاب،

стр. 5865

وكنفه «الموطّأ» «١» للطلبة يغنيهم عن معاهد «عبد الوهاب» ؛ وعزيمته لا يلحق غبارها في المعارك، ولا يظنّ خدّام العلوم الشرعية والأدبية إلا أمّ مالك وابن مالك. فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يجمع لمن برع في العلوم من ألوان المناصب المختلفة، ويرفع قدر القوم الذين قلوبهم على التقوى مؤتلفة- أن يستقرّ المشار إليه في وظيفة التّصدير بالجامع الأمويّ بدمشق المحروسة- عمره الله تعالى بذكره- عوضا عن فلان بحكم نزوله عن برضاه، حملا على ما بيده من النّزول الشّرعيّ، بالمعلوم الّذي يشهد به ديوان الوقف المبرور، على أجمل عادة، وصرفه إليه مهنّأ ميسّرا أسوة أمثاله. فليباشر هذه الوظيفة على عادة مباشراته الّتي حفّت بالعلوم، وافتخرت بحسن المنطوق الدّالّ على المعنى المفهوم، ويمدّ موائد علمه المحتوية على أنواع الفضائل، وليبيّن ما يخفى على الطلبة بأوضح الدلائل، وليؤدّ الفوائد الواصلة إلى الأذهان على أحسن أسلوب، وليقرّر الأصول الّتي امتدّت فروعها بقواعد السّنة المحمّدية وفي ثمرها الجنيّ تقوية القلوب، وليكرم منهم من يضح فضله لديه ويبين، وليبسط هممهم بقوله ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين» ، وليوضّح طريق إرشاده ليسهل سلوكها عليهم، وليجعل وفود فوائده في كلّ وقت واصلة إليهم، وليتّبع «إمام دار الهجرة» في مذهبه المذهب، وليخلّد من صفاته الجميلة ما يذهب الزّمان ولا يذهب، وليسمح للفقهاء بمواصلة فضله الأعم، فإنّه أن يهدى به واحد خير من حمر النّعم. والوصيا كثيرة ومنه يطلب بيانها، وبه تقوى أسبابها ويعلو بنيانها؛ ولكن الذّكرى تنفع المؤمنين، ويظهر [بها] سرّ خبرهم ويستبين؛ وتقوى الله تعالى هي

стр. 5866

العروة الوثقى، والخصلة الّتي بها يعظم كلّ واحد ويرقى؛ فليواظب عليها، وليصرف وجه العناية إليها؛ والله تعالى المسؤول أن يجعل علم علمه دائما في الآفاق منشورا، وذكره الطّيّب على ألسنة الخلائق كلّ أوان مذكورا. المرتبة الثانية (من تواقيع أرباب الوظائف الدّينية بحاضرة دمشق- ما يفتتح ب «أما بعد حمد الله» ؛ وفيها عدّة وظائف) وهذه نسخ تواقيع من ذلك. توقيع بقضاء العسكر بدمشق، كتب به للقاضي شمس الدّين «محمد الإخنائي» «١» الشافعيّ، ب «الجناب العالي» ؛ وهو: أما بعد حمد الله تعالى مضاعف النّعمة، ومرادف رتب الإحسان لمن أخلص في الخدمة، ومجدّد منازل السّعد لمن أطلعت كواكب اهتمامه في آفاق الأمور المهمّة، والصلاة والسلام الأتمّين الأكملين على سيدنا محمد وآله الّذي بشّر بنصر هذه الأمة، ووعد بأن سيكشف به غمام كلّ غمّة، وأنّه يتجاوز عن أهلها بشفاعته وكيف لا؟ وقد أرسل للعالمين رحمة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تجزل لقائلها نصيبه من الأجر وتوفّر قسمه- فإنّ أحقّ الأولياء من تأكّدت له أسباب السعادة، وكافأناه بالحسنى وزيادة، وبلّغناه من إقبالنا غاية مآربه ومطالبه، وعرفت منه العلوم الّتي لا يشكّ فيها، والنّباهة الّتي لا يقدر أحد من أقرانه يوفّيها، والخبرة الوافية الوافرة، والدّيانة الباطنة والظّاهرة، وسار بعلومه المثل، وسلك مسلك الأولياء في العلم والعمل، واعتبرت أحواله الّتي توجب

стр. 5867

التقديم، واختبرت فعاله الّتي ضاعفت له مزيد التكريم. وكان فلان- أدام الله تعالى نعمته- هو الّذي أتقن العلوم بحثا وتهذيبا، وبرهن عن المسائل الشّرعية بأفهام تزيدها إلى الطالبين تقريبا، وأوضح عويص مشكلاتها، وصحّح من ألسن العرب لغاتها. فلذلك رسم بالأمر العالي- لا زالت شمسه بالعناية مشرقة، وأنواء فضائل أوليائه مغدقة- أن يستقرّ فلان في وظيفة قضاء العساكر المنصورة الشاميّة: حملا على ما بيده من النّزول الشّرعيّ، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته، ومعلومه الذي يشهد به الديوان المعمور إلى آخر وقت؛ فهو الحاكم الّذي لم يزل للعساكر المنصورة نعم الصّاحب، والمورد على سمعهم من الأحكام الشّرعية ما يفتدي به الحاضر والغائب، والقائم بأعباء العساكر المنصورة، والحافظ لنظام الملك الشريف على أحسن صورة. فليباشر هذه الوظيفة المباركة وليحلّ في قضاء العساكر المنصورة بطلعته السّنيّة، وليفصل بينهم في الأسفار كلّ قضيّة، وليعرّفهم طرق القواعد الشّرعيّة، وليحترز في كلّ ما يأتيه ويذره، ويقصده ويحذره، ويورده ويصدره. والوصايا كثيرة ومنه تستفاد، وإليه يرجع أمرها ويعاد؛ ولكن لا بدّ للقلم من المرح في ميدان التّذكار، والتّنبيه على منهاج التّقوى الّتي هي أجمل شعار؛ والله تعالى يمنحه من إحساننا جزيل العطاء والإيثار، ويسمعه من أنباء كرمنا كلّ آونة أطيب الأخبار، بمنّه وكرمه!. توقيع بنظر جامع يلبغا اليحياويّ «١» ، كتب به للأمير جمال الدين «يوسف شاه» العمريّ الظاهريّ ب «الجناب الكريم» ؛ وهو:

стр. 5868

أمّا بعد حمد الله الّذي أظهر جمال الأتقياء في كلّ مشهد وجامع، وقدمه بما أولاه على كلّ ساجد وراكع، وخصّه من فضله بما قصرت عنه الآمال والمطامع، والصلاة والسلام الأتمّين الأكملين على سيدنا محمد عبده ورسوله مولي الخير الواسع، والإحسان المتتابع، ومن أحيا جود جوده النّفوس وسرّ القلوب وأطرب ذكر عظاته المسامع، وعلى آله وصحبه النّجوم الطّوالع، والذين أودعهم العلم الّذي آتاه لإقامة دينه من لا تخيب لديه الودائع؛ والتّشريف و [الإكرام] «١» ، والتّبجيل والإعظام- فإنّ أولى من رعينا له حقّ الخدم، ووقوفه في الطاعة الشريفة على أثبت قدم، من قام بما لم يقم به غيره، وحسنت سيرته وسيره. وكان فلان أدام الله تعالى نعمته، وحرس من الغير مهجته، ممّن جمّل الممالك ودبّرها، وضبط أموال الأوقاف وحرّرها، وارتفع على الرؤوس، وحصّل أموال الأوقاف الّتي فطر تحصيلها أكباد الخونة وسرّ من مستحقّيها النّفوس- تعيّن أن نعرف له مقداره الّذي لا يخفى، ونوفّيه بعض حقّه فإنّه الّذي بالإحسان قد أوفى. فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يقبل على فضل وليّه، ويضاعف له البرّ المستمطر من غيث جوده ووليّه- أن يستقرّ فلان في كذا، على عادة من تقدّمه في ذلك ومستقرّ قاعدته، بالمعلوم الشاهد به ديوان الوقف المبرور إلى آخر وقت. فليباشر هذه الأوقاف، وليسلك فيها طرق العدل والإنصاف، وليتّبع شرط واقفها- رحمه الله تعالى- المجمع على صحّته من غير خلاف، وليحي ما تشعّث وتخرّب في الجامع المشار إليه وأوقافه بعين بصيرته، وليقم بالمعروف من معرفته؛ وهو أعزّه الله تعالى أولى من باشره، وعمر داثره، وأحرى من تحرّى

стр. 5869

مبارّه ومآثره، وميّز أوقافه، وتدارك بتلافيه تلافه. وهو غنيّ عن شرح الوصايا فإنّها من آدابه تعرف، ومن بحر أدواته تغرف؛ وملاكها تقوى الله تعالى الرّؤوف، فليكن على مستحقّي هذا الوقف عطوف؛ والله تعالى يجزل له أجرا، ويجعل له ما يفعله من الخير ذخرا. توقيع بنظر تربة أرغون شاه، كتب به «لقجا السيفي بوطا» ، ب «الجناب العالي» ؛ وهو: أمّا بعد حمد الله الّذي بلّغ الأولياء من مبرّاته الأمل والإرادة، وألقى مقاليد الأمور إلى من استحقّ بحسن مباشرته الزّيادة، والصّلاة والسلام الأتمّين الأكملين على سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب لواء الحمد والنّصر، ومن جاءت آيات تفضيله كفلق الصّبح وجمّلت محاسنه كلّ عصر، وعلى آله وصحبه الذين نصروه فنصرهم الله، وحجبوه بأنفسهم عن البأس ولم يحجبوه عن النّاس لخفض جناحه لمولاه، والتّشريف والتّكريم، والتّبجيل والتّعظيم. ولمّا كان فلان- أدام الله تعالى نعمته- هو المعروف بالأوصاف الجميلة، والمنعوت بالنّعوت الّتي أتت في وصفه بكلّ فضيلة، فلذلك رسم بالأمر العالي- لا زال إحسانه عميما، وفضله لذوي الاستحقاق أبدا مقيما- أن يستقرّ فلان في كذا، على عادة من تقدّمه في ذلك ومستقر قاعدته، بالمعلوم الّذي يشهد به ديوان الوقف المبرور إلى آخر وقت. فليباشر ذلك بهمّته العليّة، ونفسه الأبيّة؛ والوصايا كثيرة وأهمّها التّقوى؛ فليلازم عليها فإنّها تحفظه، وبالسّيادة تلحظه؛ والله تعالى يكمّل توفيقه، ويسهّل إلى نجح المقاصد طريقه، بمحمّد وآله!. توقيع بتدريس الجامع الأمويّ عودا إليه، من إنشاء جمال الدين بن نباتة،

стр. 5870

كتب به للقاضي «فخر الدين المصريّ» وهو: أمّا بعد حمد الله معيد الحقّ إلى نصابه، والغيث إلى مصابّه، واللّيث- وإن غاب- إلى مستقرّ غابه، وشرف المكان إلى من هو أحقّ وأولى به، وبحر العلوم إلى دوائر محافله في الدّروس وإلى قويّ أسبابه، والصّلاة والسلام على سيدنا محمد الّذي هاجر فرجع بغنيمته وإيابه، وطلع من ثنيّات الوداع طلوع البدر المشرق في أثناء سحابه، وعلى آله وصحبه الشّائمين سبل صوبه السّالكين سبيل صوابه، ما قطف من غصون أقلام العلماء ثمر «البيان والتّبيين» متشابها وغير متشابه- فإنّ شرف الكواكب في سيرها ورجوعها، ونموّ تشعّلها ما بين فترة مغيبها وطلوعها؛ لا سيّما العلماء الذين يهتدى بأنوارهم، ويقتدى بآثارهم، ومصابيح الحقّ التي تقدح ولا يقدح في أزندة أفكارهم. وكان من قصد بهذا التّلويح ذكره، وعرف من هذا المعنى المفهوم فخره، قد حمد بمجالس التّصدير بالجامع الأمويّ ما ذكره من سلف أعيانه، وقام بوجود الدّليل على وجود ماضي برهانه، وجادل لسانه وقلم يده عن الشّريعة: وغيره من العيّ لا من يده ولا من لسانه، ثم هجر مكانه هجرة على العذر محمولة، وهاجر إلى حرم الله تعالى وحرم رسوله ﷺ هجرة مقبولة، ورام بعض الصّبيان التقدّم إلى رتبة الشيخ فقالت: إليك عنّي، فأنا من مخطوبات الأكابر فما أنا منك ولا أنت منّي؛ ثم حضر إلى محلّه الكريم من غاب، ورجع إلى مستقرّه الأمثل به: وما كلّ حمزة أسد الله فليسكن في ذلك الغاب. فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت صلات مراسمه جميلة العوائد، جليلة الفوائد، وأقلامها أغصانها ممدود بها الرّزق فهي على الوصفين موائد- أن يستمرّ على عادته في كذا وكذا، وإبطال ما كتب به لغيره: عملا باختبار الحاضر، واختيار نظر الناظر، وعلما بأنّ هذه المرتبة لمن له إتقان عقلها

стр. 5871

ونقلها، وتلاوة في موضع الوقف: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها «١» فقولا للممنوع: ما كلّ عزّ بدائم، ولا كلّ ذي طلب بكمال الوجوب قائم، ومن أين لهذه الرتبة مثل هذا الكفء الّذي اشتهر فخره، وزهت به على الأمصار شامه ومصره؟؛ وهذا الإمام، وكلّ مضاه مأموم، وهذا المقدام، تحت علم العلم وكلّ مباه مهزوم، وهذا الثّابت وكلّ ندّ مشرّد، وهذا الكامل وكل ضدّ مبرّد. فليستمرّ على عادته الجميلة مجمّلا لزمانه ومكانه، مكمّلا في وشائع العلم ما يشي «ابن الصّباغ» «٢» من ألوانه؛ مالكا لما حررّه «الشافعيّ» ، جازما بفعل ما نصبه «الرّافعيّ» ، ساميا عن وفاء الواصف: فسواء في ذكره إسراف بيان أو إسراف عيّ، شاملا للطلبة المعتادين بعطفه، مقابلا للمستفتين بلطائفه ولطفه، باحثا عن درر الجدال بفكره إذا بحث قلم بعض المجادلين عن حتفه بظلفه، داعيا لهذا الملك الصالحيّ فإنّ دعاء العالم الصالح سور من بين يديه ومن خلفه؛ والله تعالى يجريه على خير العوائد، ويمدّه بإقبال النعم الزوائد، بمنّه وكرمه!. توقيع بتدريس المدرسة الدماغية «٣» بدمشق، من إنشاء ابن نباتة. كتب به للقاضي جمال الدين، أبي الطّيب، الحسن بن علي، الشافعيّ؛ وهو: أمّا بعد حمد الله رافع منادى العلم بمفرده، وبيت التّقى بقافية سؤدده،

стр. 5872

ونظم المفاخر بمن إذا قيل: «أبو الطّيب» أصغى الحفل لمنشده، ومشهد الفضل بإمامه: وحسبك من يكون «الحسن بن علي» إمام مشهده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله سيد الخلق وسنده، وعلى آله وصحبه السائرين في العلم والحلم على جدده، ما سحب نسيم الرّوض برده وافترّ لعس «١» السحاب عن ثغر برده- فإنّ للعلم أبناء ينشأون في ظلاله، ويسكنون في حلاله، ويفرّقون للخلق بين حرام المشتبه وحلاله، ويجمّلون وجه الزمان: فلا عدم الزمان منهم جمال وجهه ولا وجه جماله؛ ترتشف شفاه المدارس من كلمهم كلّ عذب المساغ، وتشافه منهم كلّ ذي فضل ما هو عند البلاغ ببلاغ، وتشاهد ما خصّوا به من الشّرف والرّآسة فلا عجب أنّ محلّهم منهما محلّ الدماغ!. وكانت المدرسة الشافعية الدماغية بدمشق المحروسة رأسا في مدارس العلم، وهامة في أعضاء منازل ذوي الحكم والحلم؛ لا تسمو همّتها إلا بكلّ سامي العمامة، هامي الفضل كالغمامة، ساجع اللّفظ إلّا أنّه أبهى وأزهى من طوق الحمامة، كائد للملحد مكرم للطالب ولا كيد لابن الخطيب ولا كرامة- واسطة بين العادلية والأشرفيّة تليق بمن يكون عقد كلامه المثمن، ونظامه الأمكن، وبيانه المنشد «أجارة بيتينا» يعني بيت النسب وبيت المسكن. فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يجدّد لوجوه العلم جمالا، ولوجوب الحمد نوالا، ولوجود الفضل كرما ما قال قط ولا نوى: لا- أن يفوّض إلى فلان- أيّد الله مجده، وحرس للمسلمين أباه وأعلى بالسعادة جدّه- تدريس المدرسة الدّماغية المذكورة: لأنّه جمال العلم المعقودة على خطبته الآمال، المعدوقة بمقدّمات فضله وفصله نتائج الأقوال الصالحة والأعمال، المحبوبة إلى الله والخلق سيماه وشيمه ولا نكر: فإنّ الله جميل يحبّ الجمال؛ ولأنّه العالم

стр. 5873

الذي إذا قال لم يترك مقالا لقائل، وإذا شرح على قياسه أتى بما لم تستطعه الأوائل، وإذا جارى العلماء كاد «إمام الحرمين» يقول: أنا المصلّي وأنت السابق، «والغزاليّ» : من لي أن أنسج على منوال هذا اللفظ الرّائق؟؛ «وابن دقيق العيد» «١» : ليت لي من هذه الدّقائق بلغة؟، و «ابن الصّباغ» : هذا الّذي صبغه الله من المهد عالما! ومن أحسن من الله صبغة؟؛ ولأنه العالم الّذي أحيا ذكر «ابن نقطة» «٢» بعد ما دارت عليه الدوائر، وأغنى وحده دمشق عمن أتى في النسب «بعساكر» ، ولأنّه في البيان ذو الانتقاد والانتقاء، والعربيّ الّذي إن كان لرقاب الفضلاء «ابن مالك» فإن قرينه «أبو البقاء» ، والكامل حسبا، ومثل جيّده المنقود لا يبهرج، والواصل نسبا، ومثل فرعه بعد أصله: «ولله أوس آخرون وخزرج» . فليباشر هذا التّدريس بعزائم سريّة، ومباحث تستنار منها معارف القول التّبريّة، وطرائف لا تحبس بدمشق على نقداتها المصرية، ولينصر مذهب الإمام الشافعيّ ﵁ فإنّ قومه الأنصار، وليخفض جناحه للطّلبة فطالما خفضت الملائكة أجنحتها ليصير فلا عجب أن صار!؛ وليفد وافديه وهو قاعد أضعاف ما أفادهم صاحب المكان وهو واقف؛ وتقوى الله أولى ما طالعه في سرّه وجهره من «عوارف المعارف» «٣» ؛ والله تعالى يمدّه بإسعاده

стр. 5874

ولطفه، ويحوطه بمعقّبات من بين يديه ومن خلفه، ويضيء بارق كلمه الصّيّب، ويطرب أسماع الطّلبة بالطّيّب من معاني «أبي الطّيّب» . توقيع بتدريس المدرسة الرّكنية الحنفيّة بظاهر دمشق، كتب به للقاضي بدر الدين «محمد بن أبي المنصور» الحنفيّ ب «المقرّ العالي» ؛ وهو: أمّا بعد حمد الله الّذي أطلع بدر الدّين مشرقا في منازل السّعود، وحرس سماء مجده فلا يطيق من رام جنابها الاستطراق إليها ولا الصّعود، وجعل ركنه الشديد في أيّامنا الزاهرة المشيد وظلّه الممدود، والصلاة والسلام الأتمّين الأكملين على سيدنا محمد ذي الحوض المورود، والكرم والجود، وعلى آله وصحبه نجوم الهدى وأعيان الوجود، ما أورق عود، وحمدت عقبى الصّدور والورود، صلاة دائمة إلى اليوم الموعود- فإنّ أعلام الهدى لم تزل منشورة بمعالم العلماء، وأقطار الأرض ما برحت مشرقة بمن تستغفر لهم الحيتان في البحر والملائكة في السماء، وطول الأرض إلى فضائلهم أشدّ اضطرارا وأحوج إلى القرب إليهم والانتماء؛ وكان فلان- أدام الله تعالى تأييده- من بيت شهدت الأيام مفاخره، وحمد الأنام أوائله وأواخره، وأضحت عيون الزمان إلى مآثره ناظرة، وغصون الفنون بفرائده ناضرة، وأوصافه الجليلة للأبصار والبصائر باهرة، وأصناف الفضائل من إملائه واردة صادرة. فلذلك رسم بالأمر العالي- زاده الله تعالى على العلماء إقبالا، وضاعف إحسانه إليهم ووالى- أن يستمرّ المشار إليه فيما هو مستمرّ فيه: من تدريس المدرسة الرّكنية الحنفيّة، بظاهر دمشق المحروسة، حملا على ما بيده من الولاية الشّرعية والتوقيع الشريف: رعاية لجانبه وتوقيرا، وإجابة لقصده الجميل وتوفيرا، واستمرارا بالأحقّ وتقريرا. فليباشر ذلك مباشرة ألفت منه، واشتهر وصفها الزّكيّ عنه، وليوضّح للطّلبة سبل الهداية، وليوصّلهم من مقاصدهم الجميلة إلى الغاية، وليسلك

стр. 5875

طريقه والده، فإنّها الطريقة المثلى، وليتحلّ من جواهر فرائده، فإنّها أعلى قيمة وأغلى، وليمل على الأسماع فضائله التي لا تملّ حين تملى. وهذه نسخة توقيع بتدريس المدرسة الخاتونية البرّانية «١» الحنفيّة بدمشق، كتب بها للشيخ صدر الدين «عليّ بن الآدميّ» الحنفيّ ب «الجناب الكريم» . وكأنّه في الأصل لمن لقبه: «بدر الدين» لأنّ البدر هو المناسب لهذا الافتتاح، فنقله بعض جهلة الكتّاب إلى «صدر الدين» كما تراه؛ وهذه نسخته: أمّا بعد حمد الله الّذي زان أهل العلم الشريف بصدر أخفى نوره الشّموس، وأعلاه- لما حازه من الشّرف الأعلى- على الرؤوس، وجعل كلّ قلب يأوي إلى تبيان بيانه يوم الدّروس، والصلاة والسلام الأتمّين الأكملين على سيدنا محمد الّذي أذهب الله ببركته عن هذه الأمّة كلّ مكر وبوس، وخصّهم في الدّنيا بطيب الحياة وفي الآخرة بسرور النفوس، وعلى آله وصحبه صلاة مثمرة الغروس- فإنّ أولى من تنصرف إليه الهمم، من تبدو دلائل علمه كنور لا نار على علم، وتسير فضائله في الآفاق سير الشّموس والأقمار، وتبرز إذا يبديها صدره من حجب وأستار. وكان فلان- ضاعف الله تعالى نعمته، وحرس من الغير مهجته- هو الّذي أشير إلى ما حواه صدره الكريم من الفضائل، واشتهر في دروسه بإقامة الحجج وإيضاح الدّلائل، وبرع في العلوم الدّينية، وفاق أبناء عصره في الصّناعة الأدبيّة، وأنفق كنزه على الطّلاب، فأصبح «عمدة المحدّثين» وأمسى «مختار الأصحاب» ، «أبو يعلى» ينزل ببابه، و «ابن عقيل» يرتدّ على أعقابه، و «ابن

стр. 5876

الحاجب» يرفعه على عينه، و «الرّازيّ» يدّخر كسبه لوفاء دينه، و «ابن بطّة» يطير من مواقع سهامه، و «مقاتل» مجروح بحدّ كلامه، و «ابن قدامة» متأخّر عن مجاراته، و «الأثرم» يخرس عند سماع عباراته. فلذلك رسم بالأمر العالي- لا زال يجمع لمن برع في العلوم من ألوان المناصب المختلفة، ويرفع قدر القوم الذين قلوبهم على التّقوى مؤتلفة- أن يستمرّ الجناب الكريم المشار إليه بالمدرسة الخاتونية البرّانية الحنفيّة، حملا على ما بيده من النّزول الشّرعيّ والولاية الشرعية: لأنّه الخلاصة الّتي صفت من الأقذار، والعدّة ليوم الجدال إذا ولّى غيره الأدبار، والمختار الّذي جنحت المناصب السّنيّة إلى اختياره دون من سواه، رغبة فيما ادّخره من الفضائل وحواه؛ «بدايته» «نهاية الطلاب» ، وعلومه «تحفة الأصحاب» ؛ إن حدّث «فابن معن» بصحّة نقله يحيا، أو فسّر «فمجاهد» عن مجاراته يعيا، و «الزّمخشريّ» يبعد عن الجوار، و «البغويّ» يبتغي الوقوف على الآثار، و «سيبويه» عندما ينحو يقصد «التسهيل» من لفظه المغرب المعرب، و «ابن عصفور» يكاد يطير طربا لما يبديه من «المرقص المطرب» ، و «أبو يوسف» أصبح بصحبته منصورا، و «محمد بن الحسن» أضحى برفعته مسرورا؛ هو في القدر «عليّ» وفي الطريقة «محمود» وفي العلوم «محمد» ، وفي النطق الحركة «سعيد» وفي النظر «أسعد» ، وفي النّضارة «النعمان» و «طاووس» يتحلّى جزءا من كمال خصاله، و «الحسن» يقتدي بحسن فعاله؛ نشأ في العفّة والصّيانة، وكفله التوفيق وزانته الأمانة؛ فهو بحر العلوم، ومستخلص درّها المكنون ومظهر سرّها المكتوم؛ لو رآه «الإمام» لقاس علاه بالشّمس المنيرة، ولو عاصر الأصحاب لغدت أعينهم به قريرة. فليباشر هاتين الوظيفتين اللّتين اكتستا به بعد نور الشّمس جلالا، وليلق علومه الّتي يقول القائل عند سماعها: هكذا هكذا وإلّا فلا لا، وليعلّم الطّلبة إذا أدهشتهم كثرة علومه أنّ فوق كلّ ذي علم عليم، وليتكرّم عليهم بكثرة الإفادة فإنّ عليّا هو الكريم، وليفق في مباشرة النّظر كلّ مثيل ونظير، ولا ينّبئك مثل

стр. 5877

خبير، وليجتهد على عمارة معاهدها بذكر الله تعالى، وأداء الوظائف بحسن ملاحظته: ليزداد عند الخليقة جلالا؛ وفيه- بحمد الله- ما يغني عن تأكيد الوصايا، ويعين على السّداد وفصل القضايا؛ وكيف لا؟ وهو الخبير بما يأتي ويذر، والصّدر الّذي لا يعدو الصّواب في ورد ولا صدر؛ والله تعالى يسرّ القلوب بعلوّ مراتبه، ويقرّ العيون ببلوغ مقاصده ومآربه، بمنّه وكرمه!. توقيع بخطابة جامع جرّاح، من إنشاء ابن نباته، كتب به ل «- شرف الدين ابن عمرون» ب «المجلس العالي» ؛ وهو: أمّا بعد حمد الله الّذي قسم للمنابر شرفا يتجدّد، وعطفا من الفصحاء يتأكّد، وعلما مرفوعا لا يتعدّى وعلما منصوبا لا يتعدّد، والصلاة والسلام على سيد الثّقلين وصاحب القبلتين محمد، وعلى آله وصحبه القانتين القائمين الرّكع السّجّد، ما عظّم خطيب ومجّد، وبدا في حلية سيادة وأهبة خطابة وهو على الحالين مسوّد- فإنّ لصهوات المنابر فرسانا، ولصدور المحاريب أعيانا، ولعيون المشاهد أناسيّ يراعي منها الاستحقاق لكلّ عين إنسانا. ولمّا كان جامع جراح المعمور بذكر الله تعالى ممّا أسّس على التّقوى، ووسم بأهل الزّهد سمة إذا ضعفت السّمات تقوى، مجمع الصّلحاء من كلّ ناحية، ومنتجع الفقراء: فنعم الجامع لهم ونعمت الزّاوية!، ومفزع العظماء عند استدفاع حرب وكرب، ومطلع لنور الهداة الّذي أغرب فأطلع نجومهم من الغرب- تعيّن أن نختار له الخطباء والأئمّة، وننتخب لمنصبه من أفاضل الأمّة، وتتناسب حضّار منبره بصاحب علومهم وأعلامهم وإمامهم، المسرورين به يوم يأتي كلّ أناس بإمامهم. فرسم بالأمر- لا زالت أعواد المنابر بذكره أرجة، وأعلامها كالألسنة بحمده لهجة- أن يفوّض لفلان......... علما باستحقاق شرفه لهذه

стр. 5878

الرّتبة، وصعود هذه الذّروة الهضبة، ولأنّه الأولى بدرجات الرّتب النّفائس، والأجدر بجنى فروعها الموائس، والإمام على الحالين إذا قامت صفوف المساجد وإذا قعدت صفوف المدارس، والعربيّ الّذي إذا رقى ذروة منبر أطلقت عليه لفظة فارس، والورع الّذي آثر في مناصبه الباقية على الفانية، ومنابر الحكم المضيئة على مراتب الحكم الماضية، وعلى مجالس الدّعاوى مجالس الدّعوات، وعلى مقام الصّلات مقام الصلوات، وعلى القضاء الفرض، وعلى [الرّحبة المحلّ الأرقى] «١» ولو كمفحص «٢» القطاة من الأرض، وعلى عرض الدّنيا القليل جوهر الفضل الكثير، وعلى كتاب «أدب القاضي» كتاب «الجامع الصغير» «٣» فليباشر هذه الوظيفة المباركة: خطيبا تدرأ مواعظه الخطوب، واعظا من قلب تقيّ تصل هدايا تقاه إلى القلوب، فصيحا تكاد المنابر تهتزّ طربا ببيانه، نجيحا تكاد أجنحة أعلامها تطير فرحا بمكانه، شاملا بنفحات فضله النّواسم، كاملا لو تقدّم زمانه لم يقل: «فلا الكرج الدّنيا ولا النّاس قاسم» ؛ والله تعالى يسدّد أقواله وأفعاله، ويرفع على المنابر والرّتب والمراتب مقامه ومقاله، ويمتّعه بهذه الرّتبة الّتي أشبهت معنى في الخلافة: «فلم يكن يصلح إلّا لها ولم تكن تصلح إلا له» . المرتبة الثالثة (من تواقيع أرباب الوظائف الدينية بحاضرة دمشق- ما يفتتح ب «- رسم بالأمر» ؛ وفيها وظائف) وهذه نسخ تواقيع من ذلك:

стр. 5879

نسخة توقيع بالتّدريس بالجامع الأمويّ والإفتاء به، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، كتب بها للشيخ «فخر الدين المصريّ» استمرارا ب «المجلس العالي» وهي: رسم بالأمر الشّريف- لا زال لدولته الفخر على الإطلاق، والمنّ على الأعناق، والكرم لطالبي الإرفاد والإرفاق، والتّكريم والتّقديم لذوي التّأهيل والاستحقاق، ولا برحت النّعم الثابتة للسّاجعين بمدحه المطرب قائمة مقام الأطواق- أن يستقرّ فلان......... نفع الله ببقائه، ورفع عيون الأنجم لدرجات ارتقائه، لفوائده الّتي شملت الورى، وعلت الذّرا، وحمدت الأفهام عند صباحها السّرى، وقعد بها مسبل ذيل الحياء وسار بذكره من لا يسير مشمّرا، ومنزلته الّتي نصبت للهدى علما، وألفاظه الّتي أعربت عن بدائع بهرت فما فتح بمثلها العلماء فما، واستنباطه الّذي يقول للأول: قال وقلتم، وأقام وزلتم، واحتياطه الّذي يقول للسائلين: اهبطوا من انتساب حلقته مصرا فإنّ لكم ما سألتم؛ وأنّه الفاضل الّذي ما استنار بعلمه فتّى فتاه، والنّافع الّذي ما استطبّ بكلماته سقيم ذهن فلمّا تحرّكت شفتاه شفتاه؛ كم جلس للأشغال فثنى أنفس المارّة عن أشغالها!، ونصر العلم في حلقته المجنّدة فكان من أمرائها المنصور ولم يكن للأنداد من رجالها!، كم سلّم لبيان بحثه الحقيقيّ والمجازيّ!، وكم سطّرت لمناظرته المحمدية مع أهل الزّيغ سير ومغازي!، وكم خلص دينار فهمه المصريّ على النّقد فهيهات أن يروز مثله «الرّازي» !؛ كم فخرت مصر بانتسابه؛ ودمشق بسقيا سحابه!، وكم قال الرازي: ليت لي هذا الفخر فأروي في الأوّل بفتى خطيبه وفي الآخر بفتيّ خطابه. فليستمرّ- نفع الله به- على وظيفته المأثورة، وحلقته الّتي نصبت على مصايد كلماته المشهورة، ومائدة علمه المنصوبة وذيول منافعها في الآفاق مجرورة، وليواظب على جلوسه بالجامع المنشرح المشروح، ودرسه المتضمّن

стр. 5880

فتح أبواب العلوم وغيره كما يقال: على المفتوح، سالكا من نهج الإفادة مسالكه، مكاثرا بأجنحة فتاويه الطّيّارة ما يبسط لديه من أجنحة الملائكة، متصرّفا على عادة عبادته في مواطن العلم والعمل، مستندا في جلسته إلى سارية يقول لها وقاره وحلمه: يا سارية الجبل الجبل، داعيا لهذه الدّولة الشريفة: فإنّ دعاء العالم مثله طائر لآفاق القبول من أوكار القبل؛ والله تعالى يمدّه بعونه ولطفه، ويحوط مجالس علمه بالملائكة المقرّبين من بين يديه ومن خلفه، بمنّه وكرمه!. وهذه نسخة توقيع بتدريس مدرسة القصّاعين، من إنشاء ابن نباتة، كتب به لفخر الدين «أحمد بن الفصيح» «١» الحنفيّ المقريّ ب «المجلس السامي» ، وهي: رسم بالأمر الشريف- لا زال يقدّم من العلماء أفخرهم ذكرا، وأحمدهم أمرا، وأفصحهم نسب فضائل وفضائل نسب يقول الاستحقاق: كلاهما وتمرا- أن يرتّب فلان......: لما شهر من علومه السّنيّة، وفوائده السّريّة، ووجوه فضائله الحسنة، وعيون كلماته المتيقّظة إذا كانت بعض العيون مستوسنة، ولأنّه غريب في الوصف والمكان، وصاحب علم لا يكاد يوجد له شقيق وإن كان منسوبا إلى «النّعمان» ، وإمام قراءات ثبتت له فيها على «أبي عليّ» الحجّة، وتوضّحت ببيانه المحجّة، وتعيّن محلّه الأثير، وروى الطالب من علمه عن «نافع» ومن ذهنه في الفوائد عن «ابن كثير» ، وأنّه فخر الحنفيّة القائم في السّمعة مقام «رازيها» ، المطلّ بمنسر قلمه على المعاني إطلال بازيها، «الأكمل» الذي له من علوم صدره خزانة، «الصّدر» الذي كلّ صدر يشهد له بعلوّ المكانة.

стр. 5881

فليباشر تدريس هذه المدرسة المباركة: حقيقا بجلوس صدرها، خليقا بتجديد شرفها وذكرها، مظهرا للخبايا النّكت في زواياها، جديرا بأن يكون في خفايا المسائل ابن جلاها وطلّاع ثناياها، يملأ ببيان بحوثه فكر الواعي وسمعه، ويشير ببنان قلم فتياه ما يتجدّد له من رفعة، ويبسط إدلال الطّلبة حتّى يأكلوا في القصّاعية معه في القصعة؛ والله تعالى يسرّه من مدارس الحنفيّة بهذه البداية، ويقرّه بما يتجدّد من وظائفها التالية: وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ «١» بمنّه وكرمه!. وهذه نسخة توقيع بتدريس المدرسة الطّرخانية، من إنشاء ابن نباتة، كتب به للقاضي جمال الدين «يوسف الحنفيّ» بنزول من والده؛ وهي: رسم بالأمر الشريف- لا زالت مواطن العلم مكمّلة بذكره، مبجّلة بأمره، مؤهّلة لكلّ يوسفيّ الجمال يذكّر عزيز شامه عزيز مصره- أن يستقرّ فلان في كذا، بحكم ما قرّره مجلس الحكم العزيز الشافعيّ، ونعم المالك لمذهب شافع، واتبّاعا لما حرّره الجناب الشريف التّقويّ ذو النّسب الصّحابيّ الّذي كلّ أمر لأمره تابع، وعملا بما رآه رأيه الكريم الّذي إذا كان الجمال شافعا كان هو للجمال شافع، وإذا أنشأ من أبناء العلماء فروعا [لا] «٢» تميل عليهم الأيام ميلة، وإذا وقفت في طريقهم الأنداد قال اقتصار نسبه الأنصاريّ: يأبى الله ذاك وبنو قيلة «٣» ، وقبولا لنزول هذا الوالد الّذي أعرقت في آفاق العلم مطالعه، وإقبالا على هذا الولد الّذي نجحت في استحقاق التّقديم مطامعه، وعلما بنجابة هذا الفاضل الّذي طاب أصلا وفرعا، وقدّم نفسه ووالده وترا وشفعا، وهذا البادي الشّبيبة الّذي يأمر بفضائله على الشّيب وينهى، وهذا الواضح الدّلالة على مفاخر قومه: فحبّذا الدّعوى وبيّنتها منها، وهذا النّجيب الّذي قدمه أبوه منجبا، وذكاؤه

стр. 5882

معجبا، وقلمه في الأوراق معشبا، واشتغاله: إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت من محفوظات كتبي ما يقارب أحد عشر كوكبا، وإذا درّس كان لطلبته ملاذا، وإذا عانده معاند قال برفيع همّته: يوسف أعرض عن هذا، وإذا قرأ كتب فصاحته أذهل ذوي الألباب، وإذا فتح لتفسير كتاب الله فاتحة، عوّذ بفضل: الم ذلِكَ الْكِتابُ «١» ، وإذا روى الأحاديث أطربت حقيقته السماع، وإذا أخذ في دقائق النّقل والعقل علم وعقل أنّ الفكرة صناع «٢» فليباشر هذه المدرسة المباركة ببيان عربيّ وإن كان نسبها طرخانيّا، وعلم روضي لا يعرف العلماء شقيقه وإن كان مذهبه نعمانيّا، ومباحث تذكي نار قريحته: فكم طبخ لأنداده من أصحاب «القدوريّ» قدرا، ولزوم درس يسرّ أباه بمذهبه: فإنّه القاضي «أبو يوسف» خبرا في الحقيقة وخبرا؛ والله تعالى يصون شبيبته المقبلة من طوارق الحدثان، وينفع بعلوم بيته الّتي من شكّ منها في الحقّ فكأنه من الحدثان. وهذه نسخة توقيع بتصدير بالجامع الأمويّ، من إنشاء ابن نباتة، كتب به ل «- شمس الدين بن الخطيب» ؛ وهي: رسم بالأمر الشريف- لا زالت نعمه ظاهرة الفضل كالشّمس، طاهرة الوضوح من دنس اللّبس، وافرة النّموّ فيومها قاصر عن الغد زائد على الأمس- أن يرتّب فلان في كذا ويرتّب له كذا على المصالح؛ فكم للمسلمين في جامع علمه مصالح، وفي منافع قصده مناجح، وفي فوائده نصيب، وفي طرق هداه معالم: ولا تنكر «المعالم» لابن الخطيب، ليتناول هذا الرّاتب المستقرّ من أحلّ الجهات وأجلّها، وتكون شمسه المباركة خير شمس تجري لمستقرّ لها،

стр. 5883

عوضا عما نزل عنه من تدريس الحلقة المعدوقة بصاحب حمص وتصديرا بالجامع الأمويّ يبسط به أنواره الشّمسيّة، وينقل اسمه إلى إمرة العلم بدمشق عوضا عن الحلقة الحمصيّة؛ فليعتمد ما رسم به، ولا يتحوّل عما قضى العدل والإحسان بموجبه. الضرب الثاني (من تواقيع أرباب الوظائف الدّينية بالشام- ما يكتب به لمن هو بأعمال دمشق؛ وهو على مرتبتين) المرتبة الأولى (ما يفتتح ب «أمّا بعد حمد الله» وفيها وظائف) توقيع بتدريس المدرسة النّوريّة [بحمص] «١» من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، كتب به للقاضي زين الدين «عمر البلفياني» ب «المجلس العالي» ؛ وهو: أمّا بعد حمد الله الّذي جعل لوجوه العلم زينا وأيّ زين، وأقرّ لأماكنها عينا بمن يكون التّنبيه على فضل مكانته فرض عين، ونشر أحاديثها بمن إذا حدّث عن يد تمكّنه في العقل والنّقل قيل: صدق «ذو اليدين» ، وأحيا مذاهبها بمن إذا عقدت الخناصر على أمثاله العلماء كان أوّل العقد وثاني الغيث وثالث «العمرين» ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله الّذي أوضح تبيين الهدى وسنّه، وأرهف شبا الحقّ وسنّه، وعلى آله وصحبه الذين منهم «عليّ» مفتاح مدينة العلم و «عمر» سراج أهل الجنّة، ما جرت أقلام العلم والجود في هذه الأيّام الصّالحيّة طلقة العنان مطلقة الأعنّة- فإنّ أولى العلماء بمدارس علم لا خلت، ومجالس فهم عزّت بأهلها فلا تعزّلت، ومشاهد عقل

стр. 5884

ونقل لا عقلت ألسنتها بعد مستحقّيها ولا انتقلت- من أضاءت مشكاتها النّوريّة بمصابيح كلمه، وفتّحت كمائمها النّوريّة عن زهرات الهدى بقطرات قلمه، وتذكرت بأوقاته الأخيرة عهود أهلها من هداة الاسلام وأوقات ذي سلمه. ولمّا كان فلان هو المقصود بخلاصة هذا المعنى، والممدود إليه نظر هذا الوصف الأسنى، والعالم الّذي تشبث بأسباب محاسنه بلد «الهرمين» ، والسابق وإن خلا وقته الطاهر خلف وقت «إمام الحرمين» ؛ كم اجتنى ثمر الفوائد من أصل وفرع!، وكم بات قلمه من ورق فتاويه وإسكات مناويه بين وصل وقطع!؛ كم صدق برق بديهته الأفكار حين شامت!، وكم نبّهت عند ليالي المشكلات «عمر» «١» ثم نامت!، وكم تهادت نظره كتب العلم حتّى قال «كتاب الأمّ» «٢» : نعم الولد النّجيب، وقال «كتاب الروضة» : نعم أخو الغائث الصّائب على رياض القول المصيب، وقال «الشامل» من فضله: هذا لطلبته «نهاية المطلب» ، وقال «التنبيه» على محاسنه: ليت «النّابغة» رآه فدرى أيّ الرّجال «المهذّب» «٣» ، وكانت المدرسة الشّهيدية النّوريّة بحمص المحروسة قد شهدت مع من شهد بفضله، وسعدت بنبله، ووسمت بعلم علمه، وسمت سموّ الشهباء: هذه بمقرّ تدريسه وهذه بمجلس حكمه؛ ثم زار دمشق زورة

стр. 5885

تشوّقت [إليه] «١» بعدها تلك المشاهد، وتشوّفت إلى العود هاتيك المعاهد، وقضى الوفاء أن يعاد إليها أحسن إعادة، وأن يرجع إلى الأماكن الشهيدية الشاهدة ببرّه فتكون منه عادة ومنها شهادة، واقتضى الاستحقاق أن يردها بالمعلوم المستقرّ وزيادة وأحسن ما ورد البحر في الزيادة. فلذلك رسم بالأمر الشريف- أعلاه الله وشرّفه، وحلّى بسيره الصالحة سمع الدّهر وشنّفه- أن يستقرّ فلان في تدريس المدرسة النّورية بحمص المحروسة على عادته، وعلى نهج إفاءته وإفادته، بالمعلوم المقرّر له بمجلس الحكم العزيز الشافعيّ بدمشق المحروسة: رعاية لتلك المعاهد النّوريّة الّتي تتأرّج بها الآصال والبكر، وأنوار القبول القائلة لوفدها الطارق: «عليك سلام الله يا عمر» . فليعد إلى هذه الوظيفة عود الحليّ إلى العاطل، وليقبل على رتبته المرتقبة إقبال الغيث على الماحل، وليقل بلسان تقدّمه لمعانديه: إن كان أعجبكم عامكم فعودوا إلى حمص في قابل، ولينصر بقاعها الحمصيّة بجلاد جداله فإنّها من أوّل جند الإسلام، وليقم الآن في هذه الأوقات الشّاميّة فإنّه بركة الوقت والبركة في الشّام، مثمرا من أقلام علومه أزكى الغروس، مظهرا من مباحثه النّفائس مبهجا من طلبته النّفوس، عامرا لمعاهدها بدروسه: ويا عجبا لمعاهد تعمر بالدّروس «٢» !، ذاكرا للوصايا الحسنة الّتي لا تقصّ عليه فهو أخبر بها، والّتي من أوّلها وأولاها تقوى الله تعالى وهي بأفعاله أمسك من تفاعيل العروض بسببها، والله تعالى يعضّده في رحلته ومقامه، ويمتع الرّتب تارة بمجالس دروسه وتارة بمجالس أحكامه، ويروي صدى مصر والشّام من موارد علمه، هذه بأوفى من نيلها وهذا بأوفر من غمامه.
следующие страницы →