← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

وأرجائها، وأجراه- أجرى الله تعالى الخيرات على يديه- مجرى أمثاله من العدول، ونظمه في سلك الشّهداء أهل القبول، ونصبه بين الناس شاهدا عدلا، إذ كان صالحا لذلك وأهلا. فليبسط بالشهادة قلمه، وليؤلّف على شروط أدائها كلمه، وليحمد الله تعالى على ما منحه من ملابسها الجميلة، وأناله من التّرقّي لرتبتها الجليلة، وليتّق الله تعالى في موارده ومصادره، وليسلك مسالك التقوى في أوّل أمره وآخره، وليعلم أن من سلك الحقّ نجا، ومن يتّق الله يجعل له مخرجا. أوزعه الله تعالى شكر هذه الرتبة العلية، والمنزلة السّنيّة. وتقدّم أمر سيدنا العبد الفقير إلى الله تعالى الشيخ الإمام، العالم، الحافظ، وليّ الدين، الحاكم المذكور، وقاه الله تعالى كلّ محذور، بكتابة هذا الإسجال، فكتب عن إذنه الكريم، متضمّنا لذلك مسؤولا فيه، مستوفيا شرائطه الشرعية، وأشهد على نفسه الكريمة بذلك في التاريخ المقدّم ذكره بأعاليه، المكتوب بخطّه الكريم- شرفه الله تعالى؛ حسبنا الله ونعم الوكيل. قلت: والعادة أن يعلّم فيه الحاكم علامة تلو البسملة، ويكتب التاريخ في الوسط، والحسبلة في الآخر، كل ذلك بخطّه، ويشهد عليه فيه من يشهد عليه من كتّاب الحكم وغيرهم، كما في سائر الإسجالات الحكميّة. الصنف الثالث (الكتب إلى النّوّاب وما في معناها) واعلم أنّ الكتب التي تكتب عن القضاة ألفاظها مرسلة، لا جنوح فيها إلى فنّ البلاغة والسّجع إلا في القليل النّادر. وهذه نسخة كتاب كتب به عن قاضي القضاة فخر الدّين الشافعيّ، إلى الحكّام بالمملكة؛ وهو: أدام الله فضائل الجنابات العالية والمجالس العالية، وجعلهم قادة

стр. 6792

يقتدى بهم في القول والعمل، و [ «١» ] الاحتفال من يعتنى بأمره ويحتفل، ولا سيّما من سارت طريقة فضله المثلى في الآفاق سير المثل؛ ولا زال عرف معروفهم على ذوي الفضائل يفوح، وجياد جودهم تغدو في ميدان الإحسان وتروح، ونيل نيلهم يسري إلى القصّاد فيحمد سراه عند الغبوق كما يحمد سراه عند الصّبوح. هذه المكاتبة إليهم تقريهم سلاما ألطف من النّسيم، وتهدي إليهم ثناء مزاج كاتبه من تسنيم «٢» ، وتبدي لعلومهم الكريمة أن الجناب الكريم، العاليّ، الشّيخيّ، الإماميّ، الفاضليّ، البارعيّ، الأوحديّ، الأكمليّ، البليغيّ، المقدّميّ، الخطيبيّ، البهائيّ، أوحد الفضلاء، فخر العلماء، زين الخطباء، قبلة الأدباء، قدوة البلغاء، صفوة الملوك والسلاطين، خطيب الموصل- أدام الله المسرّة به، ووصل الخير بسببه، ونفع بفوائد فضله وأدبه- ورد علينا بطرابلس المحروسة، فحصلت المسرّة بذلك الورود، وتجدّد بخدمته ما تقدم من وثيق العهود، وأبدى لنا من نظره الفائق الرّقيق، وإنشائه المغني عن نشوة الرّحيق، وكتابته التي هي السّحر الحلال على التّحقيق، ما نزّه الأبصار وشنّف الأسماع، وقطع من فرسان الأدب أسباب الأطماع، فأزال عن القلب الكئيب فكرا، وأخجل من الرّوض الأنيق زهرا، وأخمل من المسك السّحيق عطرا؛ وكيف لا؟ وهو النّفيس الذي جمع فيه قديم الأدب وحديثه، والجليس الذي لا يسأم كلامه ولا يملّ حديثه؛ يا له أديبا ليس فيما يبديه من الأدب تحريف ولا غلط، وفاضلا لو لم يكن بحرا لما كان الدّرّ من فيه يلتقط؛ يمينه وفطنته الكريمتان ذواتا أفنان: فهذه إن رقمت طرسا فروح وريحان، أو بذلت برّا فعينان تجريان، وهذه إن نظمت شعرا

стр. 6793

فياقوت ومرجان، أو نثرت تبرا فثمين الدّرّ ألوان؛ ما برح الفضلاء إلى لقائه يسارعون، وحقّ لهم أن يسارعوا ومن أبواب معروفه يقتبسون؛ وكيف لا؟ وهو الشّهاب السّاطع، والجليل الذي لم نزل نشير إليه بالأصابع، والنّيل الذي تجري لفراقه من عيون اللّبيب المدامع، والنّزيل الذي ينشده العارف عند وداعه: بعيشك خبّرني متى أنت راجع يعرف المحسن إحسانه فينشر له من الثّناء لواء، ويجمل في مدح صفاته ونعوته الإنشاء إن شاء، ويجزل في ذمّ مستحقّ الذّمّ منه الهجاء، فأكرم به مدّاحا وأعظم به هجّاء: العلماء لحضوره يترقّبون، وإليه يتقرّبون، والفضلاء بفضله يعترفون، ومن بحره يغترفون، والأدباء إليه يستبقون، ومنه يقتبسون، والطّلبة بأذيال فضله يتمسّكون، وبنشر أثنيته يتمسّكون، وإخوانه في الله بوجوده يفتخرون، وإلى جوده يفتقرون؛ كلّما عرضت لهم حاجة تمسكوا بإيثاره، وكلّما عاندهم الدّهر سألوه الإمداد بأنصاره، فيجوّد في خدمتهم بيان بنانه، ويجرّد في نصرتهم سيف لسانه. ثم من قبل أن نبلغ منه الوطر، ومن دون أن يكتفي منه السّمع والبصر، عرفنا أنه قصد التّوجّه إلى البلاد الساحليّة، والأعمال الطّرابلسيّة؛ ليملي على أهلها من فضائله الباهرة الباسقة، وألفاظه التي هي كالدّرر المتناسقة، ويجليهم عرائس الأفكار من أفكاره، ويجنيهم غرائس الأثمار من أشجار علمه، ويريهم البديهة البديعة، والقوافي المجيبة المطيعة. فليتقدّم الجماعة- أيدهم الله تعالى- بإكرامه إكرام الأهل والأصحاب، وتلقّيه بالبشر والطّلاقة والتّرحاب، وإحلاله من الإحسان محلّا ساميا، وإنزاله من الإفضال منزلا عاليا، والاعتناء الوافر بأمره، واستجلاب بثّ حمده وشكره، والتقاط درر فوائده، واكتساب غرر فرائده، والإصغاء

стр. 6794

إلى المنثور والمنظوم من أقواله، والتّعجّب من حسن بداهته وسرعة ارتجاله. وليحتفل كلّ يوم بخدمته غاية الاحتفال، ويعتن بأمره اعتناء لا يشاركه تقصير ولا إهمال، ويرع له حقّ الضّيف الجليل، والقادم الذي إذا رحل عن بلده أبقى له بها الذّكر الجميل، ويساعد على ما توجّه بصدده كلّ ساعة يعود نفعها عليه، وينفق مما آتاه الله ويحسن كما أحسن الله إليه. ونحن نؤكّد على الجماعة- أيّدهم الله- في ذلك كلّ التأكيد، ونبالغ فيه مبالغة ما عليها من مزيد، ونحذّرهم من الإهمال والتّسويف والتّقصير، ومن مقابلة جنابه الكريم بالنّزر الحقير والقدر اليسير؛ فإكرام هذا الرجل ليس كإكرام من لم يسر بسيره، وما هو إلا لعلمه وفضله وخيره، وقد قال الإمام الشافعيّ ﵁: «وليس من يكرم لنفسه كالذي يكرم لغيره» . فلتعظّموه كلّ التعظيم وتنزلوه منزلة تليق بأهل الفضل والإفضال، وترفعوا له المقام وتحفظوا له المقال، ليعود محقّق الآمال مبلّغ المقاصد، ناشرا ألوية الثّناء والمحامد، مشمولا بجميل الصّلة والعائد؛ ونحن منتظرون ما يرد عنه من مكاتباته الكريمة بما وصل إليه من [المنازل] «١» الحسنة. وفي هممهم العليّة، ومكارمهم السّنيّة، ما يغني عن التأكيد بسببه والوصيّة؛ والله تعالى يديم عليهم سابغ الإفضال والإنعام، ويجمّل بوجودهم وجودهم الأحكام والحكّام، بمنّه وكرمه. الصنف الرابع (ما يكتب في افتتاحات الكتب) فمن ذلك ما يكتب في أوائل كتب الأوقاف. وهذه نسخة خطبة في ابتداء كتاب وقف على مسجد؛ وهي:

стр. 6795

الحمد لله جامع الناس ليوم لا ريب فيه إنه لا يخلف الميعاد، وناصر الدّين المحمّديّ بنبيّنا ﷺ وعلى آله الكرام الأمجاد، ومشرّف هذه الأمّة بالأئمّة والجمعة والجماعات من أهل الرّشاد، وجاعل من ارتضاه من أرباب سنّة نبيّه المختار من عباده العبّاد، وميسّر القربات إليه لأهل السّداد، ومريد الأعمال الصالحات ممّن أخلصه بالطاعات ومزيد الإرفاد، ومفضّل الأوقاف على أفضل وجوه البرّ من جعله للخير أهلا بالنّفع المتعدّي وكثرة الأمداد، ومعظّم الأجر لمن بنى بيتا لله بنيّة خليّة من الرّياء والعناد؛ وقد قال رسول الله ﷺ : «من بنى مسجدا لله ولو كمفحص «١» قطاة بنى الله تعالى له به قصرا في الجنّة» ونرجو من كرم الله الازدياد. أحمده على موادّ نعمه التي جلّت عن التّعداد، وأشكره شكرا وافيا وافرا نجعله ذخيرة ليوم التّناد، وأستمدّ من اللّطف لوازم الفضل الخفيّ وهو الكريم الجواد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمدا عبده ورسوله الخاتم الحائم على حوضه الورّاد، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ما أصغي إلى الذّكر وأجيب كلّ داع من حاضر أو باد. وبعد، فلمّا كانت المثوبات مضمونة الأجر عند الكريم، والأعمال متعدّدة في التّقديم، وكان بنيان المساجد وافرا أجرا، لمن أقام بواجب تبيان الظّنّ الجميل وسدّد إلى الخيرات سيرا؛ وقد قال تعالى: «أنا عند حسن ظنّ عبدي بي فليظنّ بي خيرا» «٢» ، ورأى العقلاء أنّ الأوقاف على المساجد والجوامع من أنفس قواعد الدّين وأعلى- فلذلك قيل في هذا الإسجال المبارك: هذا ما وقفه وحبّسه، وسبّله وأبّده فلان. وقف وحبّس رغبة في مزيد الثّواب، ورجاء في تهوّن تهويل يوم الحساب، واغتناما للأجر الجزيل من

стр. 6796

الكريم الوهّاب، لقول الله تعالى في الآيات المبرورة: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً «١» . وقف بنيّة خالصة، وعزيمة صالحة، ونيّة صادقة، ما هو له وفي ملكه، وحوزه ويده وتصرّفه، من غير مناظر له في ذلك ولا شريك، (ثم يذكر الوقف) .

стр. 6797

الفصل السادس (في العمرات التي تكتب للحاجّ) وهذه نسخة عمرة اعتمرها أبو بكر بن محمد الأنصاريّ الخزرجيّ، عند مجاورته بمكّة المشرفة في سنة سبع، وسنة ثمان، وسنة تسع، وسنة عشر وسبعمائة، للسلطان الملك الناصر «محمد بن قلاوون» ؛ وهي: الحمد لله الذي جعل البيت مثابة للناس وأمنا، وأمّن من فيه بالقائم بأمر الله ومن هو للإسلام والمسلمين خير ناصر، وجعله ببكّة «١» مباركا، ووضع الإصر بمن كثرت منه ومن سلفه الكريم على الطّائفين والعاكفين الأواصر، وعقد لواء الملك بخير ملك وهو واحد في الجود ألف في الوغى: ففي حالتيه تعقد عليه الخناصر، وأطاب المقام في حرم الله تعالى وحرم سيّدنا رسول الله ﷺ بمن يستحقّ السّلطنة بذاته الشريفة وشرف العناصر، وسهل الطّريق، إلى حجّ بيته العتيق، من المشارق والمغارب في دولة من أجمعت القلوب على محبّته وورث الملك كابرا عن كابر، وأنطق الألسنة

стр. 6798

بالدعاء له من كلّ وافد إلى بيته الحرام على اختلاف لغاتهم واهتزّت لوصف مناقبه المنابر. أحمده على ما بلّغ من جزيل إنعامه، وأشكره شكرا أستزيد به من فضله ونواله وإكرامه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له نعم الذّخيرة لصاحبها يوم لقائه وعند قيامه، وأقولها خالصا مخلصا ويا فوز من كانت آخر كلامه، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أشرف مبعوث إلى الحقّ دعي فجاء بأشرف ملّة، فقال ﷺ : «عمرة في رمضان تعدل حجّة» صلّى الله عليه وعلى جميع آله وأصحابه خصوصا على خليفته في أمّته المخصوص بالسّبق والمؤازرة والتّصديق، مولانا أبي بكر الصّدّيق، وعلى مظهر الأذان ومصدّق الخطاب، مولانا أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، وعلى من جمع على الأمّة آيات القرآن، مولانا أمير المؤمنين عثمان بن عفّان، وعلي ابن عمّه، وارث علمه، الجامع لجميع المآثر والمناقب، مولانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وعلى بقيّة الأنصار والمهاجرة، سادات الدّنيا وملوك الآخرة، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإن الله تعالى مالك الملك يؤتيه من يشاء من عباده، والخير بيده يفيضه على خلقه في أرضه وبلاده؛ فإذا أراد الله تعالى بعباده خيرا نصر ناصرهم ورفع عنهم الغلا، ودفع عنهم العدا، وولّى عليهم خيارهم، فيقيمه من خير أمّة أخرجت للناس، ليذهب عنهم الضّرر ويزيل عنهم الباس، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وينصف المظلوم من الظّالم ويقيم منار الشّرع المطهّر. ولما كان مولانا السلطان الأعظم، والشّاهنشاه «١» المعظّم، الملك

стр. 6799

النّاصر- خلّد الله سلطانه- قد جمع في المحتد بين طارف وتالد، وورث الملك عن أشرف أخ وأعظم والد، وقامت على استحقاقه للسّلطنة الدلائل، وألفه سرير الملك وعرف فيه من والده ومن أخيه- رحمهما الله تعالى- الشّمائل؛ فهو المالك الذي لم يزل الملك به آهلا ولم يزل له أهلا، والسّيّد الذي لبس حلّة الفخار فلم نجد له في السّؤدد والفخار مثلا، والملك الذي ما بدا لرائيه إلا قيل: بحر طمى أو بدر تجلّى، والمؤيّد الذي خصّه الله تعالى بعلوّ شأنه وارتقائه، ولم يرض مراقد الفراقد لعليائه، والكريم الذي ساد الأوائل والأواخر، وأضفيت عليه حلل المفاخر، والمنصور الذي أعطي على الأعداء قوّة ونصرا، والنّاصر الذي اتّسع مجال نصره فأخذ الكفّار حصرا، وحكمت سيوفه القواضب فوضعت عن الأولياء إصرا، قد خصّه الله تعالى بالعزّ والنّصر كرّة بعد كرّة، وفضّله على سائر ملوك الإسلام بالحجّ وزيارة النّبيّ ﷺ مرّة بعد مرّة، ومرّة أخرى إن شاء الله تعالى ومرّة ومرّة!!! كم سلك سنن والده وأخيه- رحمهما الله تعالى- بالغزاة فكان له كلّ مشهد مذكور، وعرف تقدّمه وإقدامه فكان أعظم ناصر وأشرف منصور؛ يحمده الله تعالى والناس عن جميل ذبّه عن الإسلام وحميد فعله، واستقلّ الجزيل فينيل الجميل لمن أمّ أبوابه الشريفة فلا يستكثر هذا من مثله؛ ما حملت راياته الشّريفة كتيبة إلا نصرت، ولا وقف بوجهه الكريم في دفع طائفة الكفر إلا كسرت، ولا جهّز عساكره المنصورة إلى قلعة إلا نزل أهلها من صياصيهم، ولا حاصروا ثغرا للكفّار إلا أخذوا بنواصيهم، ولا سيّر سريّة لمواجهة محارب إلا ذلّ على رغمه، ولا نطق لسان الحمد للمجاهد أو سار الشاهد إلّا وقف الحمد على قوله واسمه، فاختاره الله تعالى على علم على العالمين، واجتباه

стр. 6800

للذّبّ عن الإسلام والمسلمين، وجعله لسلطانه وارثا، وفي الملك ماكثا، وللقمرين ثالثا، ولأموره سدادا، ولثغور بلاد الإسلام سدّادا، وفوّض إليه القيام بمصالح الإسلام، والنّظر في مصالح الخاصّ والعامّ، وعدق به أمور الممالك والأملاك، وأطلع بسعادته أيمن البروج في أثبت الأفلاك، وحمى الإسلام والمسلمين من كلّ جانب شرقا وغربا، وملأ بمهابته البلاد والعباد رعبا وحبّا، وبسط في البسيطة حكمه وعدله، ونشر على الخلائق حلمه وفضله، وفرض طاعته على جميع الأمم، وجعله سيّدا لملوك العرب والعجم، وأمّن بمهابته كلّ حاضر وباد، ونوّم سكّان الحرمين الشريفين من كنفه في أوطإ مهاد، وسكّن خواطر المجاورين من جميع المخاوف، وصان بالمقام في مكّة الطّائف والعاكف؛ قد حسن مع الله تعالى سيرة وسيرا، ودلّت أيامه الشريفة أنه خير ملك أراد الله تعالى برعيّته خيرا، وراعى الله فيما رعى، وسعى في مصالح الإسلام عالما أن ليس للإنسان إلّا ما سعى. قد ملأ أعين الرعايا بالطّمأنينة والهجوع، وأمّنهم في أيّامه الشريفة بالرّخاء من الخوف والجوع، وجمع لهم بين سعادة الدّنيا والأخرى، وسهّل لهم الدّخول إلى بيته الحرام برّا وبحرا، وفتح الله تعالى على يديه- خلّد الله تعالى سلطانه- جميع الأمصار، وملأ من مهابته جميع الأقطار: فسارت مسير الشّمس في كلّ بلدة ... وهبّت هبوب الرّيح في القرب والبعد فوجب على العالمين أن يدعوا لدولته الشريفة المباركة بطول البقاء، و [دوام] «١» العلوّ والارتقاء، ووجب على كلّ من الواصلين إلى بيته الحرام وحضرة قدسه، أن يبتهل بالدعاء له قبل أن يدعو لنفسه، فكيف من هو مملوكه وابن مملوكه ووارث عبوديّته، ومن لم يزل هو ووالده «٢» وإخوته في

стр. 6801

صدقات والده الشهيد- رحمه الله تعالى- وعميم نعمته، العبد الفقير إلى الله تعالى أبو بكر بن محمد بن المكرّم الأنصاريّ الخزرجيّ، فإنه لم يزل مدّة أيّامه مبتهلا بصالح دعواته، متوسّلا إلى الله تعالى بدوام نصره وطول حياته، طائفا عند مقامه الشريف حول بيته الحرام، والمشاعر العظام. وأحبّ أن يتحفه بأشرف العبادة فلم يجد أجلّ مقدارا ولا أعظم أجرا، من عمرة يعتمرها عنه ويهدي ثوابها لصحائفه الشريفة ويزيد بذلك فخرا، فقام عنه بعمرتين شريفتين اعتمرهما عنه في رمضان، مكملتين بإحرامهما وتلبيتهما، وطوافهما وسعيهما، يتقرّب بذلك إلى أبوابه الشريفة، ويسأل الله تعالى ويسأل صدقاته الشريفة أن ينعم عليه بنصف معلوم صدقة عليه، وبنصفه لأولاده: ليقضي بقيّة عمره في الثلاثة المساجد، ويخصّه بجزيل الدعاء من كلّ راكع وساجد، وأن يكون ذلك مستمرّا عليه مدّة حياته، وعلى ذرّيّته ونسله وعقبه بعد وفاته، لتشمل صدقات مولانا السلطان- خلّد الله تعالى ملكه- الأحياء والأموات، ويطيب لغلمانه في أيامه الشريفة الممات؛ جعل الله تعالى مولانا السلطان وارث الأعمار، وأجرى بدوام أيّامه الشريفة المقدار، وجعل كلمة الملك باقية في عقبه، وبلّغه من النّصر والظّفر والأجر غاية أربه، وجعل أيّامه كلّها مسارّ وبشائر، ودولته تسرّ النّواظر، وسعادته ليس لها آخر، ويهنّئه بما قد أتمّه الله له من ملك والده الشّهيد رحمه الله تعالى: [أهنّيك] «١» بالملك يا خير من ... أجار البرايا ومن مارها ومن ليس للأرض ملك سواه ... تميل له الخلق أبصارها! وأنت الذي تملك الخافقين ... [ «٢» ] وإعصارها وتملك سيّب تكفورها «٣» ... وتركب بالجيش أوعارها

стр. 6802

وتحكم في المرء حكم الملوك ... وتنشد في التّخت أشعارها وتفتح بغداد دار السّلام ... وتنفي بملكك أكدارها وتأخذ بالعسكر النّاصريّ ... قصور الخلافة أوتارها ويأمن في ذلك العالمون ... وتحمي الأسود وأوكارها وتبقى إلى أن تعمّ البلاد ... بنعمى تتابع إدرارها ويبلغ ملكك أقصى البلاد ... وتجري العباد وأوطارها وينظم سيرتك النّاظمون ... وتعيي مغازيك سمّارها [والله يبقيه] «١» بعدها دائما ناصر الدنيا والإسلام والمسلمين، كما سماه والده ناصر الدّنيا والدّين، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 6803

الباب الثاني من المقالة العاشرة في الهزليّات «١» اعلم أنه ربّما اعتنت الملوك ببعضه، فاقترحت على كتّابها إنشاء شيء من الأمور الهزليّة، فيحتاجون إلى الإتيان بها على وفق غرض ذلك الملك، كما وقع لمعين «٢» الدّولة بن بويه الدّيلميّ في اقتراحه على أبي إسحاق الصّابي كتابة عهد بالتّطفّل، لرجل كان عنده اسمه عليكا، ينسب إلى التّطفّل، ويسخر منه السلطان بسبب ذلك. وهذه نسخة عهد بالتّطفّل، التي أنشأها أبو إسحاق الصّابي لعليكا المذكور: هذا ما عهد عليّ بن أحمد المعروف بعليكا إلى عليّ بن عرس الموصلّي، حين استخلفه على إحياء سننه، واستنابه في حفظ رسومه، من التّطفّل على أهل مدينة السّلام وما يتّصل بها من أرباضها وأكنافها، ويجري

стр. 6804

معها في سوادها وأطرافها، لما توسّمه فيه من قلّة الحياء، وشدّة اللّقاء، وكثرة اللّقم، وجودة الهضم، ورآه أهلا له من سدّ مكانه، والرّفاهة المهملة التي فطن لها، والرّقاعة «١» المطّرحة التي اهتدى إليها، والنّعم العائدة على لا بسيها بملاذّ الطّعوم، وخصب الجسوم، وردّا على من اتسعت حاله، وأقدره الله على غرائب المأكولات، وأظفره ببدائع الطّيّبات، آخذا من ذلك كلّه بنصيب الشّريك المناصف، وضاربا فيه بسهم الخليط المفاوض، ومستعملا للمدخل اللّطيف عليه، والمتولّج العجيب إليه، والأسباب التي ستشرح في مواضعها من أوامر هذا الكتاب، وتستوفى الدّلالة على ما فيها من رشاد وصواب؛ وبالله التّوفيق وعليه التّعويل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. أمره بتقوى الله التي هي الجانب العزيز، والحرز الحريز، والرّكن المنيع، والطّود الرّفيع، والعصمة الكالئة، والجنّة الواقية، والزّاد النّافع يوم المعاد، وحيث الأمثلة من الأزواد، وأن يستشعر خيفته في سرّه وجهره، ويراقبه في قوله وفعله، ويجعل رضاه مطلبه، وثوابه مكسبه، والقربة منه أربه، والزّلفى لديه غرضه، ولا يخالفه في مسعاة قدم، ولا يتعرّض عنده لعاقبة ندم، ولا يقدم على ما كره وأنكر، ولا يتقاعس عما أحبّ وأمر. وأمره أن يتأدّب بأدبه فيما يأتي ويذر، ويقف على حدوده فيما أباح وحظر، فإنه إذا كان ذلك هجّيراه وديدنه «٢» ، وجرى عليه منهاجه وسننه، تكفّل الله له بالنّجاح والصّلاح، وأفضى به إلى الرّشاد والفلاح، وأظفره بكلّ بغية، وأوصله إلى كلّ مشية، ولم يخله من الفوز بما يرصد، والحوز بما يقصد؛ بذاك وعد، وكذاك يفعل؛ وما توفيقنا إلا بالله، ولا مرجعنا إلا إليه. وأمره أن يتأمّل اسم التّطفيل ومعناه، ويعرف مغزاه ومنحاه، ويتصفّحه تصفّح الباحث عن حظّه بمحموده، غير القائل فيه بتسليمه

стр. 6805

وتقليده، فإنّ كثيرا من الناس قد استقبحه ممن فعله، وكرهه لمن استعمله، ونسبه فيه إلى الشّره والنّهم، وحمله منه على التّفه والقرم؛ فمنهم من غلط في استدلاله، فأساء في مقاله، ومنهم من شحّ على ماله، فدافع عنه باحتياله؛ وكلّ الفريقين مذموم، وجميعهما ملوم؛ لا يتعلقان بعذر واضح، ولا يعتريان من لباس فاضح؛ ومنهم الطائفة التي ترى فيها شركة العنان: فهي تتدلّه إذا كان لها، وتتدلّى عليه إذا كان لغيرها، وترى أن المنّة في المطعم للهاجم الآكل، وفي المشرب للوارد الواغل؛ وهي أحقّ بالحرّيّة، وأخلق بالخيريّة، وأحرى بالمروّة، وأولى بالفتوة؛ وقد عرفت بالتّطفيل، ولا عار فيه عند ذوي التّحصيل، لأنه مشتقّ من الطّفل وهو وقت المساء، وأوان العشاء، فلما كثر استعمل في صدر النّهار وعجزه، وأوّله وآخره، كما قيل للشّمس والقمر: قمران وأحدهما القمر، ولأبي بكر وعمر: العمران وأحدهما عمر؛ وقد سبق إمامنا «بيان» رحمة الله عليه إلى هذا الأمر سبقا أوجب له خلود الذّكر، فهو باق بقاء الدّهر، ومتجدّد في كلّ عصر؛ وما نعرف أحدا نال من الدّنيا حظّا من حظوظها فبقي له منه أثر يخلفه، وصيت يستبدّ به إلا هو وحده، فبيان رضوان الله عليه يذكر بتطفيله كما تذكر الملوك بسيرها؛ فمن بلغ إلى نهايته، أو جرى إلى غايته، سعد بغضارة عيشه في يومه، ونباهة ذكره في غده؛ جعلنا الله جميعا من السابقين إلى مداه، والمذكورين كذكراه. وأمره أن يعتمد موائد الكبراء والعظماء بغزاياه، وسمط الأمراء والوزراء بسراياه، فإنه يظفر منها بالغنيمة الباردة، ويصل عليها إلى الغريبة النّادرة؛ وإذا استقراها وجد فيها من طرائف الألوان، الملذّة للسان، وبدائع الطّعوم، السّائغة في الحلقوم، ما لا يجده عند غيرهم، ولا يناله إلا لديهم، لحذق صناعتهم، وجودة أدواتهم، وانزياح عللهم، وكثرة ذات بينهم؛ والله يوفّر من ذلك حظّنا، ويسدّد نحوه لحظنا، ويوضّح عليه دليلنا، ويسهّل إليه سبيلنا. وأمره أن يتّبع ما يعرض لموسري التّجّار، ومجهّزي الأمصار، من

стр. 6806

وكيرة «١» الدّار، والعرس والإعذار، فإنهم يوسّعون على نفوسهم في النّوائب، بحسب تضييقهم عليها في الرّاتب؛ وربّما صبروا على تطفيل المتطفّلين، وأغضوا على تهجّم الواغلين، ليتحدّثوا بذلك في محافلهم الرّذلة، ويعدّوه في مكارم أخلاقهم النّذلة؛ ويقول قائلهم الباجح باتّساع طعامه، المباهي بكثرة حطامه: إنّني كنت أرى الوجوه الغريبة فأطعمها، والأيدي الممتدّة فأملؤها. وهذه طائفة لم ترد بما فعلته الكرم والسّعة، وإنما أرادت المنّ والسّمعة؛ فإذا اهتدى الأريب إلى طرائقها وصل إلى بغيته من إعلان قضيّتها، وفاز بمراده من ذخائر حسنتها، إن شاء الله. وأمره أن يصادق قهارمة «٢» الدّور ومدبّريها، ويرافق وكلاء المطابخ وحمّاليها، فإنّهم يملكون من أصحابهم أزمّة مطاعمهم ومشاربهم، ويضعونها بحيث يحبّون من أهل مودّاتهم ومعارفهم؛ وإذا عدّت هذه الطائفة أحدا من الناس خليلا من خلّانها، واتّخذته أخا من إخوانها، سعد بمرافقتها، ووصل إلى محابّه من جهاتها، ومآربه في جنباتها. وأمره أن يتعهّد أسواق المسوّقين، ومواسم المتبايعين؛ فإذا رأى وظيفة قد زيد فيها، وأطعمة قد احتشد مشتريها، اتّبعها إلى المقصد بها، وشيّعها إلى المنزل الحاوي لها، واستعلم ميقات الدّعوة، ومن يحضرها من أهل النّسيان والمروّة، فإنه لا يخلو فيهم من عارف به يراعي وقت مصيره إليها ليتبعه، ويكمن له ليصحبه ويدخل معه؛ وإن خلا من ذلك اختلط بزمر الدّاخلين، وعصب الرّاحلين؛ فما هو إلا أن يتجاوز عتب الأبواب، ويخرج من سلطان البوّابين والحجّاب، حتّى يحصل حصولا قلّ ما حصل [عليه] «٣» أحد قبله فانصرف عنه إلا ضليعا من الطّعام، بريقا من المدام، إن شاء الله.

стр. 6807

وأمره أن ينصب الأرصاد على منازل المغنّيات والمغنّين، ومواطن الأبليات «١» والمخنّثين؛ فإذا أتاه خبر لجمع يضمّهم، ومأدبة تعمّهم، ضرب إليها أعناق إبله، وأنضى نحوها مطايا خيله، وحمل عليها حملة الحوت الملتقم، والثّعبان الملتهم، واللّيث الهاصر، والعقاب الكاسر، إن شاء الله. وأمره أن يتجنّب مجامع العوامّ المقلّين، ومحافل الرّعاع المقترين، وأن لا ينقل إليها قدما، ولا يعفّر لمأكلها فما، ولا يلقى في عتب دورها كيسانا «٢» ، ولا يعدّ الرّجل منها إنسانا، فإنها عصابة يجتمع لها ضيق النّفوس والأحلام، وقلّة الإحكام والأموال؛ وفي التّطفيل عليها إجحاف بها يوسم، وإزراؤه بمروءة المتطفّل يوصم؛ والتّجنّب لها أحرى، والأزورار عنها أحجى، إن شاء الله. وأمره أن يحزر الخوان إذا وضع، والطعام إذا نقل، حتى يعرف بالحدس والتّقريب، والبحث والتّنقيب، عدد الألوان في الكثرة والقلّة، وافتنانها في الطيّب واللّذّة، فيقدّر لنفسه أن يشبع مع آخرها، وينتهي منها عند انتهائها، ولا يفوته النّصيب من كثيرها وقليلها، ولا يخطئه الحظّ من دقيقها وجليلها. ومتى أحسّ بقلّة الطّعام، وعجزه عن الأقوام، أمعن في أوّله إمعان الكيّس من سعته، الرّشيد في أمره، الماليء لبطنه، من كلّ حارّ وبارد، وخبيث وطيّب؛ فإنه إذا فعل ذلك سلّم من عواقب الأغمار الذين يكفّون تطرّفا، ويقلّون تأدّبا، ويظنّون أن المادّة تبلغهم في آخر أمرهم، وتنتهي بهم إلى غاية سعيهم، فلا يلبثوا أن يخجلوا خجلة الواثق، وينقلبوا بحسرة الخائب، أعاذنا الله من مثل مقامهم، وعصمنا من شقاء جدودهم، إن شاء الله.

стр. 6808

وأمره أن يروض نفسه، ويغالط حسّه، ويضرب عن كثير مما يلحقه صفحا، ويطوي دونه كشحا، ويستحسن الصّمم عن الفحشا؛ وإن أتته اللّكزة في حلقه، صبر عليها في الوصول إلى حقّه، وإن وقعت به الصّفعة في رأسه، صبر عليها لموقع أضراسه، وإن لقيه لاق بالجفاء، قابله باللّطف والصّفاء، إذ كان قد ولج الأبواب، وخالط الأسباب؛ وجلس مع الحضور، وامتزج بالجمهور، فلا بدّ أن يلقاه المنكر لأمره، ويمرّ به المستغرب لوجهه؛ فإن كان حرّا حييّا أمسك وتذمّم، وإن كان فظّا غليظا همهم وتكلّم، وتجنّب عند ذلك المخاشنة، واستعمل مع المخاطب له الملاينة، ليبرّد غيظه، ويفلّ حدّه، ويكفّ غربه، ويأمن شغبه؛ ثم إذا طال المدى تكررت الألحاظ عليه فعرف، وأنست النّفوس به فألف، ونال من المحالّ المجتمع عليها، منال من حشم وسئل الذّهاب إليها. وقد بلغنا أن رجلا من العصابة كان ذا فهم ودراية، وعقل وحصافة، طفّل على وليمة، لرجل ذي حال عظيمة، فرمقته فيها من القوم العيون، وصرفت بهم فيه الظّنّون، فقال له قائل منهم: من تكون أعزّك الله؟ فقال: أنا أوّل من دعي إلى هذا الحقّ. قيل له: وكيف ذاك ونحن لا نعرفك؟ فقال: إذا رأيت صاحب الدّار عرفني وعرّفته نفسي؛ فجيء به إليه، فلما رآه بدأه بأن قال له: هل قلت لطبّاخك: أن يصنع طعامك زائدا على عدد الحاضرين، ومقدار حاجة المدعوّين؟ قال: نعم! قال: فإنّما تلك الزيادة لي ولأمثالي، وبها يستظهر لمن جرى مجراي، وهي رزق لنا أنزله الله على يدك وبك، فقال له: كرامة ورحبا، وأهلا وقربا؛ والله لا جلست إلا مع علية الناس ووجوه الجلساء، إذ أطرفت في قولك، وتفنّنت في فعلك. فليكن ذلك الرجل إماما يقتدى به، ويقتفى طريقه، إن شاء الله. وأمره بأن يكثر من تعاهد «الجوارشنات» «١» المنفّذة للسّدد، المقوّية

стр. 6809

للمعد، المشهّية للطعام، المسهّلة لسبل الانهضام، فإنها عماد أمره وقوامه، وبها انتظامه والتئامه؛ إذ كانت تعين على عمل الدّعوتين، وتنهض في اليوم الواحد الأكلتين؛ وهو يتناولها كذا كالكاتب الذي يقطّ أقلامه، والجنديّ الذي يصقل حسامه، والصّانع الذي يحدّد آلته، والماهر الذي يصلح أدواته، إن شاء الله. هذا عهد عليكا بن أحمد إليك، وحجّته لك وعليك؛ لم يألك فيه إرشادا وتوقيفا، وتهذيبا وتثقيفا، وبعثا وتبصيرا، وحثّا وتذكيرا؛ فكن بأوامره مؤتمرا، وبزواجره مزدجرا، ولرسومه متّبعا، وبحفظها مضطّلعا، إن شاء الله تعالى، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته.

стр. 6810

الخاتمة في ذكر أمور تتعلق بديوان الإنشاء غير أمور الكتابة وفيها أربعة أبواب الباب الأوّل في الكلام على البريد؛ وفيه فصلان الفصل الأوّل في مقدمات يحتاج الكاتب إلى معرفتها؛ ويتعلّق الغرض من ذلك بثلاثة أمور الأمر الأوّل (معرفة معنى لفظ البريد لغة واصطلاحا) أما معناه لغة، فالمراد منه مسافة معلومة مقدّرة باثني عشر ميلا، واحتجّ له الجوهريّ بقول مزرّد «١» يمدح عرابة الأوسيّ: فدتك عراب اليوم أمّي وخالتي ... وناقتي النّاجي إليك بريدها!

стр. 6811

يريد سيرها في البريد. وقد قدّره الفقهاء وعلماء المسالك والممالك بأنه أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ثلاثة آلاف ذراع بالهاشميّ، وهو أربعة وعشرون أصبعا، كلّ أصبع ستّ شعيرات معترضات، ظهر إحداها لبطن الأخرى، والشّعيرة سبع شعرات معترضات من ذنب بغل أو برذون «١» . قال الجوهريّ: ويقال أيضا على البريد: المرتّب؛ يقال: حمل فلان على البريد. قال: ويطلق أيضا على الرّسول: بريد. ثم اختلف فيه فقيل: إنه عربيّ. وعلى هذا ذهب «الخليل» إلى أنه مشتقّ من بردت الحديد إذا أرسلت ما يخرج منه. وقيل: من أبردته إذا أرسلته. وقيل: من برد إذا ثبت، لأنه يأتي بما تستقرّ عليه الأخبار، يقال: اليوم يوم بارد سمومه أي ثابت. وذهب آخرون إلى أنّه فارسيّ معرّب. قال أبو السعادات بن الأثير في كتابه «النّهاية في غريب الحديث» : وأصله بالفارسيّة «بريده دم» ، ومعناه مقصوص الذّنب. وذلك أن ملوك الفرس كانت من عادتهم أنهم إذا أقاموا بغلا في البريد قصّوا ذنبه، ليكون ذلك علامة لكونه من بغال البريد. وأنشد الجوهريّ لامريء القيس: على كلّ مقصوص الذّنابى معاود ... بريد السّرى باللّيل من خيل بربرا الأمر الثاني (أوّل من وضع البريد وما آل إليه أمره إلى الآن) أما في الجاهليّة، فقد ذكر في «التعريف» : أنّ البريد كان موجودا في عهد الأكاسرة من ملوك الفرس، والقياصرة ملوك الرّوم. قال: ولكن لا أعرف

стр. 6812

هل كان على البريد المحرّر أو كانت مقاديره متفاوتة كما هو الآن؟. ثم قال: ولا أظنّه إلا على القدر المحرّر، إذ كانت حكمتهم تأبى إلّا ذلك. وأمّا في الإسلام فقد ذكر أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل» : أنّ أوّل من وضعه في الإسلام معاوية بن أبي سفيان ﵄. قال في «التعريف» : وذلك حين استقرّت له الخلافة، ومات أمير المؤمنين عليّ ﵁، وسلّم له ابنه الحسن ﵇، وخلا من المنازع، فوضع البريد لتسرع إليه أخبار بلاده من جميع أطرافها، فأمر بإحضار رجال من دهاقين الفرس وأهل أعمال الرّوم وعرّفهم ما يريد، فوضعوا له البريد. قال: وقيل: إنما فعل ذلك زمن عبد الملك بن مروان حين خلا وجهه من الخوارج عليه: كعمرو بن سعيد الأشدق، وعبد الله بن الزّبير، ومصعب بن الزبير، والمختار بن أبي عبيد. والذي ذكره العسكريّ: أن عبد الملك إنما أحكمه. وذكر عنه أنه قال لابن الدغيدغة: ولّيتك ما حضر بابي إلا أربعة: المؤذّن، فإنه داعي الله تعالى فلا حجاب عليه، وطارق اللّيل، فشرّ ما أتى به ولو وجد خيرا لنام، والبريد، فمتى جاء من ليل أو نهار فلا تحجبه، فربّما أفسد على القوم سنة حبسهم البريد ساعة، والطّعام إذا أدرك، فافتح الباب وارفع الحجاب وخلّ بين الناس وبين الدخول. ثم قال: ويذكر هذا الكلام عن زياد أيضا. قال في «التعريف» : وكان الوليد بن عبد الملك يحمل عليه الفسيفساء وهي الفصّ المذهب من القسطنطينيّة إلى دمشق، حتى صفّح منه حيطان المسجد الجامع بها، ومساجد مكّة والمدينة والقدس. قال: ثم لم يزل البريد قائما، والعمل عليه دائما، حتى آن لبناء الدّولة المروانيّة أن ينتقض، ولحبلها أن ينتكث، فانقطع ما بين خراسان والعراق، لانصراف الوجوه إلى الشّيعة القائمة بالدّولة العبّاسيّة. ودام الأمر على ذلك حتّى انقضت أيام مروان بن محمد آخر خلفاء بني أميّة، وملك السّفّاح، ثم

стр. 6813

المنصور، ثم المهديّ، والبريد لا يشدّ له سرج، ولا تلجم له دابّة. ثم إن المهديّ أغزى ابنه هارون الرشيد الرّوم، وأحبّ أن لا يزال على علم قريب من خبره، فرتّب فيما بينه وبين معسكر ابنه بردا كانت تأتيه بأخباره، وتريه متجدّدات أيّامه. فلما قفل الرشيد قطع المهديّ تلك البرد؛ ودام الأمر على هذا باقي مدّته ومدّة خلافة موسى الهادي بعده. فلما كانت خلافة هارون الرّشيد، ذكر يوما حسن صنيع أبيه في البرد التي جعلها بينهما، فقال له يحيى ابن خالد: لو أمر أمير المؤمنين بإجراء البريد على ما كان عليه، كان صلاحا لملكه، فأمره به، فقرّره يحيى بن خالد، ورتّبه على ما كان عليه أيام بني أميّة، وجعل البغال في المراكز؛ وكان لا يجهّز عليه إلا الخليفة أو صاحب الخبر، ثم استمرّ على هذا؛ فلما دخل المأمون بلاد الرّوم ونزل على نهر البرذون «١» وكان الزمان حرّا، والفصل صيفا، قعد على النّهر ودلّى رجليه فيه وشرب ماءه، فاستعذبه واستبرده واستطابه، وقال لمن كان معه: ما أطيب ما شرب عليه هذا الماء؟، فقال كلّ رجل برأيه. فقال هو: أطيب ما شرب عليه هذا الماء رطب «إزاز» ، فقالوا له: يعيش أمير المؤمنين حتّى يأتي العراق ويأكل من رطبها الإزاز، فما استتمّوا كلامهم حتى أقبلت بغال البريد تحمل ألطافا فيها رطب إزاز، فأتي المأمون بها فأكل منها وأمعن وشرب من ذلك الماء، فكثر تعجّب الحاضرين منه لسعادته في أنه لم يقم من مقامه حتّى بلغ أمنيّته، على ما كان يظنّ من تعذّرها؛ فلم يقم المأمون من مقامه حتّى حمّ حمّى حادّة كانت فيها منيّته. ثم قطع بنو بويه البريد حين علوا على الخلافة وغلبوا عليها، ليخفى على الخليفة ما يكون من أخبارهم وحركاتهم أحيان قصدهم بغداد، وكان الخليفة لا يزال يأخذ بهم على بغتة. ثم جاءت ملوك السّلاجقة على هذا؛ وأهمّ ملوك الإسلام اختلاف

стр. 6814

ذات بينهم وتنازعهم، فلم يكن بينهم إلا الرّسل على الخيل والبغال، في كلّ أرض بحسبها. فلما جاءت الدّولة الزّنكيّة أقامت لذلك النّجّابة «١» ، وأعدّت له النّجب المنتخبة. ودام ذلك مدّة زمانها ثم زمان بني أيّوب إلى انقراض دولتهم. وتبعها على ذلك أوائل الدّولة التّركية، حتّى صار الملك إلى الملك الظاهر بيبرس ﵀، واجتمع له ملك مصر والشام وحلب إلى الفرات، وأراد تجهيز دولته إلى دمشق فعيّن لها نائبا، ووزيرا، وقاضيا، وكاتبا للإنشاء. قال: وكان عمّي الصاحب شرف الدّين أبو محمد عبد الوهّاب ﵀ هو كاتب الإنشاء، فلما مثل إليه ليودّعه، أوصاه وصايا كثيرة، آكدها مواصلته بالأخبار وما يتجدّد من أخبار التّتار والفرنج، وقال له: إن قدرت أن لا تبيّتني كلّ ليلة إلا على خبر [ولا تصبّحني إلا على خبر] «٢» فافعل، فعرّض له بما كان عليه البريد في الزّمان الأوّل وأيام الخلفاء، وعرضه عليه فحسن موقعه منه وأمر به. قال عمّي: فكنت أنا المقرّر له قدّامه وبين يديه. ثم ذكر أنه لم يزل باقيا على ذلك إلى أيّامه. ثم قال: وهو جناح الإسلام الذي لا يحصّ «٣» ، وطرف قادمته التي لا تقصّ. قلت: ولم يزل البريد بعد ذلك مستقرّا بالديار المصريّة والممالك الشّاميّة إلى أن غشي البلاد الشامية تمرلنك صاحب ما وراء النّهر، وفتح دمشق وخرّبها وحرّقها في سنة أربع وثمانمائة، فكان ذلك سببا لحصّ جناح البريد وبطلانه من سائر الممالك الشامية. ثم سرى هذا السّمّ إلى الدّيار المصرية فألحقها بالهمل، ورماها بعد الحلي بالعطل، فذهبت معالم البريد من مصر والشام، وعفت آثاره، وصار إذا عرض أمر من الأمور السلطانية في

стр. 6815

بعض نواحي الديار المصرية أو الممالك الشامية، ركب البريديّ على فرس له، يسير بها الهوينا سير المسافر إلى المكان الذي يريده، ثم يعود على هذه الصورة، فيحصل بواسطة ذلك الإبطاء في الذّهاب والإياب. الأمر الثالث (بيان معالم البريد) إعلم أنه كان فيما تقدّم في زمن الخلفاء للبريد شخص مخصوص يتولّى أمره بتنفيذ ما يصدر وتلقّي ما يرد، يعبّر عنه ب «صاحب البريد» . وممن تعرّض إلى ذكر ذلك أبو جعفر النّحّاس «١» في كتابه «صناعة الكتّاب» في الكلام على أرباب الوظائف، واشتقاق أسمائهم. وقد أشار إليه الجوهريّ في صحاحه أيضا فقال: ويقال أبرد صاحب البريد إلى الأمير فهو مبرد يعني أرسل إليه البريد. ثم قد تقدّم في مقدّمة الكتاب في الكلام على صاحب ديوان الإنشاء وماله التّحدّث عليه- أن صاحب ديوان الإنشاء وماله التّحدّث عليه- أن صاحب ديوان الإنشاء بالأبواب السلطانية هو المتولّي لأمر البريد وتنفيذ أموره في الإيراد والإصدار. وكان للبريد ألواح من فضّة مخلّدة بديوان الإنشاء تحت أمر كاتب السّرّ بالأبواب السلطانية، منقوش على وجهي اللّوح نقشا مزدوجا ما صورته: «لا إله إلا الله محمد رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون. ضرب بالقاهرة المحروسة» . وعلى الوجه الآخر ما صورته: «عزّ لمولانا السّلطان الملك الفلانيّ: فلان الدّنيا والدّين، سلطان الإسلام والمسلمين، فلان، ابن مولانا السلطان الشهيد الملك الفلانيّ فلان، خلّد الله ملكه» «٢» . وفي ذلك اللوح ثقب معلّق به شرّابة من حرير أصفر ذات

стр. 6816

بندين، يجعلها البريديّ في عنقه، بإدخاله رأسه بين البندين، ويصيّر اللوح أمامه تحت ثيابه، والشّرّابة خلفه من فوق ثيابه. فإذا خرج بريديّ إلى جهة من الجهات، أعطي لوحا من تلك الألواح، يعلّقه في عنقه، على ما تقدّم ذكره، ويذهب إلى جهة قصده؛ فكلّ من رأى تلك الشّرّابة خلف ظهره علم أنه بريديّ. وبواسطة ذلك تذعن له أرباب المراكز بتسليم خيل البريد. ولا يزال كذلك حتّى يذهب ويعود، فيعيد ذلك اللّوح إلى ديوان الإنشاء. وكذلك الحكم في دواوين الإنشاء بدمشق وحلب وغيرهما من الممالك الشامية؛ لا يختلف الحكم في ذلك إلا في الكتابة بمحلّ ضرب اللّوح. فإن كان بدمشق كتب: «ضرب بالشّام» . وإن كان بحلب كتب: «ضرب بحلب المحروسة» وكذلك باقي الممالك.

стр. 6817

الفصل الثاني من الباب الأوّل من الخاتمة في ذكر مراكز البريد وهي الأماكن التي تقف فيها خيل البريد لتغيير خيل البريديّة فيها فرسا بعد فرس. قال في «التعريف» : وليست على المقدار المقدّر في البريد المحرّر، بل هي متفاوتة الأبعاد، إذ ألجأت الضّرورة إلى ذلك: تارة لبعد ماء، وتارة للأنس بقرية، حتى إنك لترى في [هذه] «١» المراكز البريد الواحد بقدر بريدين. ولو كانت على التّحرير [الذي عليه الأعمال] «٢» لما كان تفاوت. وقد ذكر منها المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله ﵀ في «التعريف» ما أربى في ذلك على المقصود وزاد، وهو بذلك أدرى وأدرب. وهأنا أذكر ما ذكره، موضّحا لما يحتاج منه إلى التّوضيح، مع الزيادة عليه وتقريب التّرتيب. ويشتمل على ستة مقاصد: المقصد الأوّل (في مركز قلعة الجبل المحروسة بالديار المصرية التي هي قاعدة الملك، وما يتفرّع عنه من المراكز، وما تنتهي إليه مراكز كلّ جهة) إعلم أن الذي يتفرّع عن مركز القلعة ويتشعّب منه أربع جهات، وهي:

стр. 6818

جهة «قوص» من الوجه القبليّ وما يتّصل بذلك من أسوان وما يليها من بلاد النّوبة، وعيذاب وما يليها من سواكن، وجهة الإسكندريّة من الوجه البحريّ، وجهة دمياط من الوجه البحريّ أيضا، وما يتفرّع عنها من جهة غزّة من البلاد الشامية. فأما مراكز قوص وما يليها: فمن مركز قلعة الجبل المحروسة، ومنها إلى مدينة الجيزة. وهي قاعدة الأعمال الجيزيّة، وقد تقدّم الكلام عليها في الكلام على بلاد المملكة في المقالة الثانية. ثم منها إلى زاوية أمّ حسين، وهي قرية من عمل الجيزة. قال في «التعريف» : والمركز الآن بمنية القائد وهي على القرب من زاوية أمّ حسين المذكورة؛ ثم منها إلى «ونا» وهي بلدة من عمل البهنسى؛ ثم منها إلى دهروط وهي بلدة من عمل البهنسى أيضا؛ ثم منها إلى أقلوسنا «١» ، وهي بلدة من عمل الأشمونين؛ ثم منها إلى منية بني خصيب، وهي مدينة من عمل الأشمونين، وقد تقدّم الكلام عليها في المقالة الثانية؛ ثم منها إلى مدينة الأشمونين، وهي قاعدة بلادها، وقد تقدّم الكلام عليها في المقالة الثانية؛ ثم منها إلى ذروة سربام «٢» وهي بلدة من عمل الأشمونين على فم الخليج اليوسفيّ الواصل من النّيل إلى الفيّوم، وتعرف بذروة الشريف، إضافة إلى الشّريف ناصر الدّين محمد بن تغلب الذي كان عصى بها في زمن الظّاهر بيبرس، وسمت نفسه إلى الملك حتّى كاده الظّاهر وقبض عليه وشنقه بالإسكندرية، وبها دياره وقصوره والجامع الذي أنشأه بها إلى الآن؛ ثم منها إلى مدينة منفلوط، وهي قاعدة الأعمال المنفلوطيّة التي هي أجلّ خاصّ السّلطان؛ ثم منها إلى مدينة أسيوط، وهي قاعدة الأعمال الأسيوطيّة، ومقرّ نائب الوجه القبليّ الآن، وقد تقدّم ذكرها في المقالة الثانية؛ ثم منها إلى طما، وهي قرية من عمل أسيوط المقدّمة الذّكر

стр. 6819

على ضفّة النّيل؛ ثم منها إلى المراغة، وهي بلدة من عمل إخميم. قال في «التعريف» : وربّما سمّيت المرائغ؛ ثم منها إلى بلسبورة وهي بلده من عمل إخميم أيضا. قال في «التعريف» : وربّما قيل بلزبورة «١» بإبدال السّين زايا، ثم منها إلى جرجا، وهي بلدة من العمل المذكور، ثم منها إلى البلينة، وهي بلدة من عمل قوص، ويقال فيها البلينا «٢» بإبدال الهاء ألفا؛ ثم منها إلى «هوّ» ، وهي بلدة من عمل قوص أيضا؛ قال في «التعريف» : ويليها الكوم الأحمر، وهما من خاصّ السلطان، وعندهما ينقطع الرّيف في البرّ الغربيّ، ويكون الرّمل المتّصل بدندرى ويسمّى خان دندرى، وقد تقدّم الكلام على ذلك مستوفى في المقالة الثانية. ومنها إلى مدينة قوص قاعدة الأعمال القوصيّة، وقد تقدّم الكلام عليها في المقالة الثانية. ثم من قوص تنقطع مراكز البريد، ويتشعّب الطريق إلى جهة أسوان، وبلاد النّوبة، وجهة عيذاب وسواكن. فمن أراد المسير إلى جهة أسوان ركب الهجن من قوص إلى أسوان، ثم منها إلى بلاد النّوبة. ومن أراد المسير إلى عيذاب سار من قوص إلى كيمان قفط على القرب من قوص. قلت: ثم يسير في قفار وجبال، من كيمان قفط إلى ماء يسمى ليطة على مرحلة من الكيمان، به عين تنبع وليست جارية، ثم منها إلى ماء يسمى الدريح على القرب من معدن الزّمرّد، به عين صغيرة يستقى منها من الماء ما شاء الله، وهي لا تزيد ولا تنقص؛ ثم منها إلى حميثرة حيث قبر سيّدي أبي الحسن الشّاذليّ، وهناك عين ماء يستقى منها؛ ثم منها إلى عيذاب، وهي

стр. 6820

قرية صغيرة على ضفّة بحر القلزم في الشمال إلى الغرب، وعلى القرب منها عين يستقى منها. وتقدير جميع المسافة من الكيمان إلى عيذاب نحو عشرة أيام بسير الأثقال، على أنه في «مسالك الأبصار» قد ذكر أن الطّريق إلى عيذاب من شعبة على القرب من أسوان، ثم يسير منها في بلاد عرب يسمّون بني عامر إلى سواكن، وهي قرية حاضرة البحر صاحبها من العرب، وكتب السلطان تنتهي إليه، على ما تقدّم ذكره في الكلام على المكاتبات. وأما الإسكندرية فالمراكز الموصّلة بها في طريقين: الطريق الأولى: الآخذة على الجبل الغربي ويسمّى طريق الحاجر. والمسير فيها من مركز القلعة المقدّم ذكره إلى مدينة الجيزيّة؛ ثم منها إلى جزيرة القطّ، وهي قرية من آخر عمل الجيزة من الجهة البحرية؛ ثم منها إلى وردان، وهي قرية من عمل البحيرة. [ثم منها إلى الطّرّانة] «١» ؛ ثم منها إلى طيلاس «٢» وهي بلدة من عمل البحيرة أيضا وتعرف بزاوية مبارك. قال في «التعريف» : وأهل تلك البلاد يقولون: انبارك. ثم منها إلى مدينة دمنهور وتعرف بدمنهور الوحش، وهي قاعدة أعمال البحيرة، ومحلّ مقام نائب السّلطنة بالوجه البحريّ، وقد تقدّم الكلام عليها في المقالة الثانية، ثم منها إلى لوقين وهي قرية من عمل البحيرة؛ ثم منها إلى الإسكندريّة. الطريق الثانية: الآخذة في وسط العمران، وتعرف بالوسطى. وهي من مركز القلعة إلى مدينة قليوب قاعدة الأعمال القليوبيّة، وقد تقدّم الكلام عليها في المقالة الثانية، ثم منها إلى مدينة منوف العليا، وهي

стр. 6821

قاعدة الأعمال المنوفيّة، وقد تقدّم الكلام عليها في المقالة الثانية، ثم منها إلى مدينة المحلّة المعروفة بالمحلّة الكبرى، وهي قاعدة الأعمال الغربيّة، وقد تقدّم الكلام عليها في المقالة الثانية. وقد وهم في «التعريف» فسماها محلّة المرحوم بلدة من بلاد الغربيّة غيرها، ثم منها إلى النحريريّة، وهي مدينة من عمل الغربية، ثم منها إلى الإسكندريّة. وأما الطريق إلى دمياط وغزّة، فمن مركز القلعة إلى سرياقوس، وهي بلدة من ضواحي القاهرة، وليس المركز في نفس البلد، بل بالقرية المستجدّة بجوار الخانقاه النّاصرية التي أنشأها السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون على القرب من سرياقوس. قال في «التعريف» : وكان قبل هذا بالعشّ، وكان طويل المدى في مكان منقطع، وكانت البريديّة لا تزال تتشكّى منه، فصلح بنقله، وحصل به الرّفق لأمور لم يكن منها إلا قربه من الأسواق المجاورة للخانقاة النّاصريّة وما يوجد فيها، وأنسه بما حولها [لكفى] ، ثم منها إلى بئر البيضاء، وهي مركز بريد منفرد ليس حوله ساكنون، ثم منها إلى مدينة بلبيس قاعدة الأعمال الشّرقية، وقد تقدّم الكلام عليها في المقالة الثانية. قال في «التعريف» : وهي آخر المراكز السّلطانية، وهي التي تشترى خيلها من الأموال السلطانية ويقام لها السّوّاس «١» وتصرف لها العلوفات، ثم منها إلى السّعيديّة، ثم من السّعيدية إلى أشموم الرّمّان قاعدة بلاد الدّقهليّة والمرتاحيّة، وقد تقدّم ذكرها في المقالة الثانية، ومنها إلى دمياط ومن أراد غزّة. وقد تقدّم أنّ مدينة بلبيس هي آخر المراكز السلطانية. ثم السّعيديّة وما بعدها إلى الخرّوبة تعرف بالشّهّارة، خيل البريد بها مقرّرة على عربان ذوي إقطاعات، عليهم خيول موظّفة يحضر بها أربابها عند هلال كلّ شهر إلى المراكز؛ وتستعيدها في آخر الشّهر ويأتي غيرها، ومن هنالك سمّيت

стр. 6822

الشّهّارة. قال في «التعريف» : وعليهم وال من قبل السّلطان يستعرض في رأس كلّ شهر خيل أصحاب النوبة ويدوّغها بالدّاغ «١» السلطانيّ. قال: وما دامت تستجدّ فهي قائمة، ومتى اكترى أهل نوبة ممن قبلهم فسدت المراكز، لأن الشّهر لا يهلّ وفي خيل المنسلخ قوّة، لا سيّما والعرب قليلة العلف. وأوّل هذه المراكز السّعيديّة المقدّم ذكرها، ثم منها إلى الخطّارة، ثم منها إلى قبر الوايلي. قال في «التعريف» : وقد استجدّ به أبنية وأسواق وبساتين حتّى صار كأنه قرية، ثم منها إلى الصّالحيّة، وهي قرية لطيفة. قال في «التعريف» : وهي آخر معمور الديار المصرية، ثم منها إلى بئر عفرى «٢» ، وإلى هذا المركز يجلب الماء من بئر وراءه، ومنها إلى القصير. قال في «التعريف» : وقد كان كريم الدّين وكيل الخاصّ بنى بها خانا ومسجدا ومئذنة، وعمل ساقية، فتهدّم ذلك كلّه، ولم يوجد له من يجدّده، وبقيت المئذنة خاصّة، ورتّب بها زيت للتّنوير. قال: وهذا القصير يقارب المركز القديم المعروف بالعاقولة المقارب لقنطرة الجسر الجاري تحتها فواضل ماء النيل أوان زيادته إذا خرج إلى الرّمل، ثم منها إلى حبوة. قال في «التعريف» : وليس بها ماء ولا بناء، وإنما هي موقف يقف به خيل العرب الشّهّارة، ويجلب الماء إليها من بئر وراءها، ثم منها إلى الغرابي، ثم منها إلى قطيا، وهي قرية صغيرة بها تؤخذ المرتّبات السلطانية من التّجّار الواردين إلى مصر والصادرين عنها، وهناك رمل بالطريق يختم في الليل ويحفظ ما حوله بالعربان، حتّى لا يمرّ أحد ليلا. فيكون من القاهرة إلى قطيا اثنا عشر بريدا، ثم منها إلى صبيحة نخلة معن. قال في «التعريف» : ومن الناس من يقتصر على إحدى هذه الكلمات في تسميتها؛ ثم منها إلى المطيلب؛ ثم منها

стр. 6823

إلى السّوادة. قال في «التعريف» : وقد حوّلت عن مكانها فصار المسافر لا يحتاج إلى تعريج إليها، ثم منها إلى الورّادة، قال في «التعريف» : وهي قرية صغيرة بها مسجد على قارعة الطريق، بناه الملك الأشرف «خليل» بن المنصور قلاوون تغمده الله برحمته، حصل به الرّفق بمبيت السّفّارة به. قال: وقد كان فخر الدّين كاتب المماليك بنى إلى جانبه خانا فبيع بعده، ثم منها إلى بئر القاضي. قال في «التعريف» : والمدى بينهما بعيد جدّا يملّه السّالك، ومنها العريش. قال في «التعريف» : وقد أحسن كريم الدّين ﵀ بعمل ساقية سبيل به وبناء خان حصين فيه يأوي إليه من الجأه المساء، وينام فيه آمنا من طوارق الفرنج، ثم منها إلى الخرّوبة، وبها ساقية وخان، بناهما فخر الدّين كاتب المماليك، حصل به من الرّفق والأمن ما بالعريش. قال في «التعريف» : وهذا آخر مراكز العرب الشّهّارة، ثم ممّا يليها خيل السلطان ذوات الإصطبلات والخدم تشترى بمال السلطان وتعلف منه، وأوّلها الزّعقة، ثم منها إلى رفح، ثم منها إلى السلقة. قال في «التعريف» : وكان قبل هذا المركز ببئر طرنطاي حيث الجمّيز ويسمى سطر. قال: وكان في نقله إلى السلقة المصلحة، ثم منها إلى الدّاروم، ثم منها إلى غزّة. يكون من قطيا إلى غزّة أحد عشر مركزا. المقصد الثاني (في مراكز غزّة وما يتفرّع عنه من البلاد الشامية) والذي يتفرّع عنه مراكز ثلاث جهات، وهي: الكرك، ودمشق، وصفد. فأما الطريق إلى الكرك: فمن غزّة إلى ملاقس وهو مركز بريد، ثم منها إلى بلد الخيل ﵇، ثم منها إلى جنبا، ثم منها إلى الصّافية، ثم منها إلى الكرك. وأما مراكز دمشق: فمن غزّة إلى الجينين، وهو مركز بريد؛ ومنها إلى بيت دارس «١» ، والناس يقولون: تدارس، وبها خان بناه ناصر الدّين خزندار

стр. 6824

تنكز. قال في «التعريف» : وكان قديما بياسور، وكان قريب المدى فنقل وكانت المصلحة في نقله؛ ثم منها إلى قطرى «١» . قال في «التعريف» : وهو مركز مستجدّ كان المشير به طاجار الدوادار الناصريّ، وبه بئر سبيل وآثار له. قال: وقد حصل به رفق عظيم لبعد ما بين [لدّ وبيت دارس] «٢» أو ياسور، ثم منها إلى لدّ، ثم منها إلى العوجاء. قال في «التعريف» : وهي زوراء عن الطّريق، ولو نقلت منه لكان أرفق؛ ثم منها إلى الطيرة. قال في «التعريف» : وبها خان كان قد شرع في بنائه ناصر الدّين دوادار تنكز ثم كمل بيد غيره؛ ثم منها إلى قاقون، ثم منها إلى فحمة [ثم منها إلى جينين] «٣» . قال في «التعريف» : وهي على صفد، يعني القيام به، وبه خان لطاجار الدّوادار، حسن البناء جليل النّفع، ليس على الطريق أخصّ منه ولا أحصن، ولا أزيد نفعا منه ولا أزين. ومن أراد دمشق وما يليها سار من جينين إلى ذرعين «٤» . قال في «التعريف» : ومنها ينزل على عين جالوت، وهو مركز مستجدّ حصل به أعظم الرّفق والرّاحة من العقبة التي كان [يسلك] «٥» عليها بين جينين وبيسان مع طول المدى، ثم منها إلى بيسان؛ ثم منها إلى المجامع. قال في «التعريف» : وهو مركز مستجدّ عند جسر أسامة «٦» ، كنت أنا المشير به في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وحصل به الرّفق لبعد ما كان بين بيسان وزحر. قال: وقد كان الطريق قديما من بيسان [إلى] «٧» طيبة اسم، ثم إلى أربد، وكانت غاية في المشقّة، إذ كان المسافر ما بين بيسان وطيبة اسم

стр. 6825

يحتاج إلى خوض الشّريعة، وبها معدّية للفارس دون الفرس، وإنما يعبر فيها الفرس سباحة، وكان في هذا من المشقّة ما لا يوصف، لا سيّما أيام زيادة الشّريعة «١» وكلب البرد: لقطع الماء ومعاناة العقاب التي لا يشقّها جناح العقاب، ولكن الأمير الطنبغا كافل الشّام ﵀ نقل هذه الطّريق وجعلها على القصير حيث هي اليوم، ونقل المركز من الطّيبة إلى زحر حين غرق بعض البريديّة الجبليين بالشّريعة؛ ثم من المجامع المذكورة إلى زحر «٢» ، ثم منها إلى أربد، ثم منها إلى طفس، ثم منها إلى الجامع. قال في «التعريف» : وكان قديما في المكان المسمّى برأس الماء، فلما ملكه الأمير الكبير تنكز كافل الشّام ﵀ نقل المركز منه إلى هذا الجامع، فقرب به المدى فيما بينه وبين طفس، وكان بعيدا فما جاء إلا حسنا، ثم منها إلى الصّنمين، ثم منها إلى غباغب؛ ثم منها إلى الكسوة، ثم منها إلى دمشق المحروسة. وأما الطريق الموصّلة إلى صفد: فمن جينين المقدّم ذكرها إلى تبنين؛ ثم منها إلى [حطّين] «٣» وبها قبر شعيب ﵇، ثم منها إلى صفد. المقصد الثالث (في ذكر دمشق وما يتفرّع عنه من المراكز الموصّلة إلى حمص وحماة وحلب، وإلى الرّحبة، وإلى طرابلس، وإلى جعبر، ومصياف وبيروت وصيدا وبعلبكّ والكرك وأذرعات) فأما طريق حلب: فقال في «التعريف» : من دمشق إلى القصير. والذي رأيته في بعض الدّساتير أنه من دمشق إلى خان لاجين، ثم إلى القصير. قال في «التعريف» : ثم من القصير إلى القطيفة، ثم منها إلى

стр. 6826

القسطل. ورأيت في الدّستور المذكور [أنه] «١» من القصير إلى خان الوالي، ثم إلى خان العروس، ثم إلى القسطل، ثم منها إلى قارا، ثم منها إلى بريج العطش، ويقال فيه البزيج أيضا. قال في «التعريف» : وقد كان مقطع طريق، وموضع خوف، فبنى به قاضي القضاة نجم الدّين أبو العبّاس أحمد بن صصري ﵀ مسجدا وبركة، وأجرى الماء إلى البركة من ملك كان له هناك وقفه على هذا السّبيل، فبدّل الخوف أمنا، والوحشة أنسا، أثابه الله على ذلك. ثم منها إلى الغسولة، ثم منها إلى سمنين، ثم منها إلى حمص، ثم منها إلى الرّستن، ثم منها إلى حماة، ثم منها إلى لطمين، ثم منها إلى طرابلس، ثم منها إلى المعرّة، ثم منها إلى أنقراتا، ثم منها إلى إياد، ثم منها إلى قنّسرين، ثم منها إلى حلب. وأما طريق الرّحبة: فمن القطيفة المقدّمة الذّكر إلى العطنة. قال في «التعريف» : وليس بها مركز، وإنّما بها خان تفرّق به صدقة من الخبز والأحذية ونعال الدّوابّ، [ثم] «٢» إلى جليجل، ثم منها إلى المصنع، ثم منها إلى القريتين، ثم منها إلى الحسير، ثم منها إلى البيضاء، ثم منها إلى تدمر، ثم منها إلى أرك، ثم منها إلى السّخنة، ثم منها إلى قباقب، ثم منها إلى كواثل. قال في «التعريف» : وهو اليوم عطل. ثم منها إلى الرّحبة وهي حدّ هذه المملكة. وأما طريق طرابلس: فمن الغسولة المتقدّمة الذّكر [إلى القصب، ثم منها إلى قدس] «٣» إلى أقمار، ثم منها إلى الشّعراء، ثم منها إلى عرقا، ثم منها إلى طرابلس. وأما طريق جعبر وما يليها: فمن حمص المتقدّمة الذّكر إلى سلمية،

стр. 6827

ثم منها إلى بغيديد، ثم منها إلى سوريا، ثم منها إلى الحص، ثم منها إلى جعبر، إلى عين بذال، ثم منها إلى صهلان، ثم منها إلى الخابور، ثم منها إلى رأس عين. وأما طريق مصياف: فمن حمص المقدّمة الذّكر إلى مصياف. وأما طريق صفد: فمن دمشق إلى بريج الفلوس، ومنه إلى أرينبة، ومنها إلى لغران، ومنها إلى صفد. وأما طريق بيروت: فمن دمشق إلى ميسلون، ومنها إلى زبدان، ومنها إلى الحصين، ومنها إلى بيروت. وأما طريق صيداء: فمن دمشق إلى خان ميسلون المقدّم الذّكر، إلى جزيرة صيداء، إلى كرك نوح، ثم منه إلى بعلبكّ. قال في «التعريف» : واعلم أنّ من صيداء إلى بيروت قدر مركز. وأما بعلبكّ، فلها طريقان: إحداهما من خان ميسلون المقدّم الذّكر إلى كرك نوح إلى بعلبكّ. والثانية من دمشق إلى الزّبدانيّ إلى بعلبكّ. ومن أراد من بعلبكّ حمص، توجّه منها إلى القصب، ثم إلى الغسولة المتقدمة الذّكر، وبعدها شمسين، ثم حمص على ما تقدّم ذكره. وأما طريق الكرك: فمن دمشق- في المراكز المذكورة في الوصول من غزّة إلى دمشق- على عكس ما تقدّم، إلى طفس، ومنها إلى القنية، ومنها إلى البرج الأبيض، ومنها إلى حسبان، ومنها إلى [ديباج] «١» ومنها إلى [اكرية] «٢» ومنها إلى الكرك. وأما طريق أذرعات، مقرّ ولاية الولاة بالصّفقة القبليّة: فمن طفس

стр. 6828

المقدمة الذّكر إلى أذرعات. قال في «التعريف» : فهذه جملة مراكز دمشق إلى كل جهة. قال: فأما مقدار الولايات، فمن كلّ واحدة إلى ما يليها، حتّى يتوصّل المسافر على البريد إلى حيث أراد. المقصد الرابع (من مركز حلب وما يتفرّع عنه من المراكز الواصلة إلى البيرة وبهسنى وما يليهما، وقلعة المسلمين المعروفة بقلعة الرّوم، وآياس، مدينة الفتوحات الجاهانية، وجعبر) فأما الطريق الموصّلة إلى البيرة: فمن حلب إلى الباب، ثم منها إلى السّاجور. ثم منها إلى كلناس «١» ، ثم منها إلى البيرة، وهي في البرّ الشّرقيّ من الفرات. قال في «التعريف» : وهي أجلّ ثغورها. وأما طريق بهسنى وما يليها: فمن حلب إلى السموقة، ثم منها إلى سندرا «٢» ، [ثم منها إلى بيت الفار] «٣» ثم منها إلى عينتاب، ثم منها إلى بهسنى. ثم منها يدخل إلى جهة قيساريّة والبلاد المعروفة الآن ببلاد الرّوم، وهي بلاد الدّروب. قال في «التعريف» : وقد استضفنا نحن (يعني أهل هذه المملكة) في هذا الحين القريب إلينا منها: قيساريّة ودرندة، وإنما المستقرّ المعروف أنّ آخر حدّ الممالك الإسلامية من هذه الجهة- بهسنى. وأما طريق قلعة المسلمين وما يليها: فمن عينتاب المقدّمة الذكر إليها،

стр. 6829

وهي وسط الفرات، وهو خلجان دائرة عليها. ثم من قلعة المسلمين إلى جسر الحجر، ثم إلى الكختا، وهي آخر الحدّ من الطّرف الآخر. وأما طريق آياس: فمن حلب إلى أرحاب، ثم منها إلى تيزين، ثم منها إلى يغرا، ثم منها إلى بغراس؛ قال في «التعريف» : وهي كانت آخر الحدّ مما يلي بلاد الأرمن. قال: وقد استضفنا نحن في هذا الحين ما استضفنا، فصار من بغراس إلى باياس، وهي أوّل جيل الأرمن، ثم من باياس إلى آياس. وأما طريق جعبر: فمن حلب إلى الجبّول، ثم منها إلى بالس، ثم منها إلى جعبر. قال في «التعريف» : هذه جملة مراكز حلب. أما بقايا القلاع ومقارّ الولايات، فمن شعب هذه الطّرق، أو من واحدة إلى أخرى. المقصد الخامس (في مركز طرابلس وما يتفرّع عنه من المراكز الموصّلة إلى جهاتها) فأما طريق اللّاذقيّة: فمن طرابلس إلى مرقية، ثم منها إلى بلنياس، ثم منها إلى اللّاذقيّة، ثم منها إلى صهيون- وهي قلعة جليلة كانت دار ملك- ثم منها إلى بلاطنس. قال في «التعريف» : ومن شاء فمن صهيون إلى برزيه- وهو حصن سمّي باسم من عمره أو عرف بملكه- ومن شاء فمن بلاطنس إلى العلّيقة أوّل قلاع الدّعوة مما يلي بلاطنس، ثم منها إلى الكهف، ثم منها إلى القدموس، ثم منها إلى الخوابي، ثم منها إلى الرّصافة، ثم منها إلى مصياف. قال في «التعريف» : فهذه جملة مراكز طرابلس. فأما مقارّ الولايات فمن واحدة إلى أخرى، ثم ذكر جميع مراكز البريد بالممالك المحروسة. قال: فأمّا من أطراف ممالكنا إلى حضرة الأردو «١» ، حيث هو ملك بني

стр. 6830

هولاكو، فلهم مراكز تسمّى خيل الأولاق وخيل اليام يحمل عليها، لا تشترى بمال السلطان ولا يكلّف ثمنها، وإنما هي على أهل تلك الأرض، نحو مراكز العرب في رمل مصر ونحو ذلك. المقصد السادس (في معرفة مراحل الحجاز الموصّلة إلى مكّة المشرّفة والمدينة النّبويّة، على ساكنها سيدنا محمد أفضل الصلاة والسّلام والتحية والإكرام، إذ كانت من تتمّة الطّرق الموصّلة إلى بعض أقطار المملكة) وكما ضبطت تلك بالمراكز فقد ضبطت هذه بالمراحل. وعادة الحجّاج أنهم يقطعون في كلّ يوم وليلة منها مرحلتين بسير الأثقال، ودبيب الأقدام، [ويقطعونها كلّها] «١» في شهر، بما فيه من أيّام الإقامة بالعقبة والينبع نحو ستّة أيام. أما من يسافر على النّجب مخفّا مع الجدّ في السّير فإنه يقطعها في نحو أحد عشر. ثم أوّل مصيرهم من القاهرة إلى البركة المعروفة ببركة الحاجّ؛ ثم منها إلى البويب، ثم منها إلى الطّليحات، ثم منها إلى المنفرح، ثم منها إلى مراكع موسى، ثم منها إلى عجرود- وبها بئر ومصنع ماء متّسع يملأ منها- ثم منها إلى المنصرف، ثم منها إلى وادي القباب- وهو كثير الرّمل- ثم منها إلى أوّل تيه بني إسرائيل- وهو واد أفيح متّسع- ثم منها إلى العنق، ثم منها إلى نخل- وبها ماء طيّب- ثم منها إلى جسد الحيّ، ثم منها إلى بئر بيدرا، ثم منها إلى تمد الحصا، ثم منها إلى ظهر العقبة، ثم منها إلى سطح العقبة- وهو عرقوب البغلة على جانب طرف بحر القلزم، وفيها ماء طيّب من حفائر- ثم منها إلى حفن على جانب طرف بحر القلزم- وفيها ماء طيّب من الحفائر-
следующие страницы →