← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وهو ثلاثون يوما، ودخوله في السابع من بؤنه من شهور القبط، وآخره السادس من أبيب منها، ويوافقه يونيه من شهور الروم، وهو السادس من شهورهم. الشهر العاشر تمّوز، وهو أحد وثلاثون يوما، ودخوله في السابع من أبيب من شهور القبط، وآخره السابع من مسرى منها، ويوافقه يوليه من شهور الروم، وهو السابع من شهورهم. الشهر الحادي عشر آب، وهو أحد وثلاثون يوما، ودخوله في الثامن من مسرى من شهور القبط، وآخره الثالث من توت منها، ويوافقه اغشت من شهور الروم، وهو الثامن من شهورهم. الشهر الثاني عشر أيلول وهو ثلاثون يوما، ودخوله في الرابع من توت من شهور القبط، وآخره الثالث من بابه منها، ويوافقه ستنبر من شهور الروم، وهو التاسع من شهورهم، وبذهابه يذهب الحر جملة، وفي ذلك يقول أبو نواس: مضى أيلول وارتفع الحرور ... وأخبت نارها الشّعرى العبور وقد نظمها صاحبنا الشيخ إبراهيم الدهشوري في أبيات ابتدأ فيها بأيلول فقال: وابدأ بأيلول من السّرياني ... تشرين الأوّل يتبعنه الثاني كانون كانون شباط يطلع ... آذار نيسان أيار يتبع ثمّ حزيران وتمّوز وأب ... تبارك الرحمن يهدي من أحب وقد نظم الشيخ أبو عبد الله الكيزاني «١» ﵀ أبياتا ذكر فيها الأشهر التي منها ثلاثون يوما والناقصة عن الثلاثين ولم يتعرّض للزائدة على الثلاثين وليست بالطائل، وهي هذه: شهور الرّوم ألوان زيادات ونقصان ... فتشرينهم الثاني وأيلول ونيسان

стр. 982

ثلاثون ثلاثون سواء وحزيران ... شباط خصّ بالنقص وقدر النّقص يومان ونظم صاحب «مناهج الفكر» «١» تداخلها مع شهور القبط في أرجوزة فجاءت في غاية الحسن والوضوح إلا أن فيها طولا، وهي هذه: متى تشأ معرفة التّداخل ... من أوّل الشّهور في المنازل فعدّ من توت بلا تطويل ... أربعة فهي ابتدا أيلول وبابة كذاك مع تشرين ... الأوّل السابق في السنين والخامس المعدود من هتور ... أوّل تشرينهم الأخير أوّل كانون بغير دلسه ... إذا نقصت من كيهك خمسه وطوبة إن مرّ منه ستّة ... أتاك كانون الأخير بغته ومن شباط أوّل يوافق ... سابع أمشير حساب صادق أول آذار إذا جعلته ... لبرمهات خامسا وجدته أوّل نيسان لدى التّجريد ... السادس المعدود من برمود ومثله أيار مع بشنس ... واحدة مقرونة بخمس أمّا حزيران فيحسبونه ... أوّله السابع من بؤنه كذلك السابع من أبيب ... أوّل تمّوز بلا تكذيب أوّل آب عند من يحصّل ... ثامن مسرى ذاك ما لا يجهل وبالغ بعض المتأخرين فنظم معنى هذه الأرجوزة في بيت واحد، الحرف الأوّل من الكلمة منه للشهر السريانيّ والحرف الأخير للشهر القبطيّ وما بينهما لعدد الأيام التي إذا مضت من ذلك الشهر القبطيّ دخل ذلك الشهر السرياني وهو: أدّت تدب تهه كهك كوط أزا ... أهب نوب أوب حزب تزا أحم فالألف من أدّت إشارة لأيلول من شهور السّريان، وهو آخر شهورهم،

стр. 983

والتاء إشارة لتوت من شهور القبط، وهو أوّل شهورهم، والدال من أدت بأربعة، ففي الرابع من توت يدخل أيلول، والتاء من تدب إشارة لتشرين الأوّل، والباء إشارة لبابه، والدال بينهما بأربعة، ففي الرابع من بابه يدخل تشرين الأوّل، والتاء من تهه إشارة لتشرين الثاني، والهاء الأخيرة إشارة لهتور، والهاء المتوسطة بينهما بخمسة ففي الخامس من هاتور يدخل تشرين الثاني، والكاف الأولى من كهك إشارة لكانون الأوّل والكاف الأخيرة إشارة لكيهك والهاء بينهما بخمسة، ففي الخامس من كيهك يدخل كانون الأوّل، والكاف من كوط إشارة لكانون الثاني، والطاء إشارة لطوبه، والواو بينهما بستة، ففي السادس من طوبه يدخل كانون الثاني؛ والألف الأولى من أزا إشارة لأشباط، والألف الأخيرة إشارة لأمشير، والزاي بينهما بسبعة، ففي السابع من أمشير يدخل أشباط؛ والألف من أهب إشارة لآذار، والباء إشارة لبرمهات، والهاء بينهما بخمسة، ففي الخامس من برمهات يدخل آذار، والنون من نوب إشارة لنيسان، والباء إشارة لبرموده، والواو بينهما بستة، ففي السادس من برموده يدخل نيسان؛ والألف من أوب إشارة لأيّار، والباء إشارة لبشنس، والواو بينهما بستة، ففي السادس من بشنس يدخل أيّار؛ والحاء من حزب إشارة لحزيران، والباء إشارة لبؤنه، والزاي بينهما بسبعة، ففي السابع من بؤنه يدخل حزيران، والتاء من تزأ إشارة لتموز، والألف إشارة لأبيب، والزاي بينهما بسبعة، ففي السابع من أبيب يدخل تمّوز، والألف من أحم إشارة لآب، والميم إشارة لمسرى، والحاء بينهما بثمانية، ففي الثامن من مسرى يدخل آب. وأما شهور الروم: (وتنسب لأغشطش «١» ملك الروم) وهو قيصر الأوّل، فاثنا عشر شهرا؛ بعضها ثلاثون يوما، وبعضها زائد على الثلاثين، وبعضها ناقص عنها كما في شهور السريان؛ وهي مطابقة لشهور السريان في العدد، مخالفة لها في الأسماء والترتيب. الشهر الأوّل ينير، ويوافقه كانون الثاني من شهور السريان، وهو الرابع من شهورهم، وفي أوّل يوم منه يكون القلداس، ويوقد أهل الشام في

стр. 984

ليلته نيرانا عظيمة، لا سيما مدينة أنطاكية، وكذلك سائر بلاد الشام وأرض الروم، وسائر بلاد النصارى. الشهر الثاني فبرير، ويوافقه شباط من شهور السريان؛ وهو الخامس من شهورهم. الشهر الثالث مارس، ويوافقه آذار من شهور السريان؛ وهو السادس من شهورهم. الشهر الرابع ابريل؛ ويوافقه نيسان من شهور السريان، وهو السابع من شهورهم. الشهر الخامس مايه، ويوافقه أيّار من شهور السريان، وهو الثامن من شهورهم. الشهر السادس يونيه؛ ويوافقه حزيران من شهور السريان، وهو التاسع من شهورهم. الشهر السابع يوليه، ويوافقه تمّوز من شهور السريان، وهو العاشر من شهورهم. الشهر الثامن أغشت، ويوافقه آب من شهور السريان، وهو الحادي عشر من شهورهم. الشهر التاسع شتنبر، ويوافقه أيلول من شهور السريان، وهو الثاني عشر من شهورهم. الشهر العاشر أكتوبر، ويوافقه تشرين الأوّل من شهور السريان، وهو الأوّل من شهورهم. الشهر الحادي عشر نونمبر، ويوافقه تشرين الثاني من شهور السريان، وهو الثاني من شهورهم. الشهر الثاني عشر دجنبر، ويوافقه كانون الأوّل من شهور السريان، وهو الثالث من شهورهم، وقد نظمها الشيخ إبراهيم الدهشوري فقال: ينير فبرير مارس للروم ... أبريل مايه خامس المعلوم ينيه ويليه ثمّ اغشت شتنبر ... أكتوبر نونمبر دجنبر الطرف الثالث في السنين، وفيه ثلاث جمل الجملة الأولى في مدلول السنة والعام يقال: السنة، والعام، والحول؛ وقد نطق القرآن بالأسماء الثلاثة قال تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً «١» فأتى بذكر السنة والعام في

стр. 985

آية واحدة، وقال جل وعز: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ «١» وقد تختص السنة بالجدب والعام بالخصب، وبذلك ورد القرآن الكريم في بعض الآيات قال تعالى: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ «٢» فعبر بالعام عن الخصب وقال جل ذكره: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ «٣» فعبر بالسنين عن الجدب. على أنه قد وقع التعبير بالسّنين عن الخصب أيضا في قوله تعالى: قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ «٤» . أما الحول فإنه يقع على الخصب والجدب جميعا. الجملة الثانية في حقيقة السنة، وهي على قسمين: طبيعيّة واصطلاحية كما تقدّم في الشهور القسم الأوّل السنة الطبيعية وهي القمريّة وأوّلها استهلال القمر في غرّة المحرّم، وآخرها سلخ ذي الحجّة من تلك السنة، وهي اثنا عشر شهرا هلاليّا قال تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ «٥» . وعدد أيّامها ثلاثمائة يوم وأربعة وخمسون يوما وخمس وسدس يوم تقريبا؛ ويجتمع من هذا الخمس والسدس يوم في كل ثلاث سنين فتصير السنة ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوما، ويبقى من ذلك بعد اليوم الذي اجتمع شيء، فيجتمع منه ومن خمس اليوم وسدسه في السنة السادسة يوم واحد، وكذلك إلى أن يبقى الكسر أصلا بأحد عشر يوما عند

стр. 986

تمام ثلاثين سنة، وتسمّى تلك السنين كبائس العرب. قال السهيلي «١» : كانوا يؤخّرون في كل عام أحد عشر يوما حتّى يدور الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة فيعود إلى وقته، فلما كانت سنة حجّة الوداع وهي سنة تسع من الهجرة عاد الحجّ إلى وقته اتفاقا في ذي الحجّة كما وضع أوّلا، فأقام رسول الله ﷺ فيه الحجّ، ثم قال في خطبته التي خطبها يومئذ: «إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السّموات والأرض» بمعنى أن الحج قد عاد في ذي الحجّة. وفي بعض التعاليق أن سني العرب كانت موافقة لسني الفرس في الدخول والانسلاخ فحدث في أحوالهم انتقالات فسد عليهم بها الكبس في أوّل السنة السادسة من ملك أغبطش، وذلك بعد ملك ذي القرنين بمائتين وثمانين سنة وأربعين يوما فسنّوا كبس الربع من ذلك اليوم في كل سنة فصارت سنينهم بعد ذلك الوقت محفوظة المواقيت. وقيل لم تزل العرب في جاهليتها على رسم إبراهيم وإسماعيل ﵉ لا تنسأ سنيها إلى أن جاورتهم اليهود في يثرب، فأرادت العرب أن يكون حجّهم في أخصب وقت من السنة، وأسهل زمان للتردّد بالتجارة فعلموا الكبس من اليهود والله أعلم أيّ ذلك كان. القسم الثاني الاصطلاحية وهي الشمسيّة وشهورها اثنا عشر شهرا كما في السنة الطبيعية إلا أن كل طائفة راعت عدم دوران سنيها جعلت في أشهرها زيادة في الأيام إما جملة واحدة وإما متفرّقة وسمّتها نسيئا بحسب ما اصطلحوا عليه كما ستقف عليه في مصطلح كل قوم إن شاء الله تعالى. وعدد أيّامها عند جميع الطوائف من القبط، والفرس، والسريان، والروم،

стр. 987

وغيرهم ثلاثمائة يوم وخمسة وستون يوما وربع يوم، فتكون زيادتها على العربية عشرة أيام وثمانية أعشار يوم وخمسة أسداس يوم. وقد قال بعض حذّاق المفسرين في قوله تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً «١» إنه إن حمل على السنين القمرية فهو على ظاهره من العدد، وإن حمل على السنين الشمسية فالتسع الزائدة هي تفاوت زيادة الشمسية على القمرية، لأنّ في كل ثلاثمائة سنة تسع سنين لا تخلّ بالحساب أصلا. قال صاحب «مناهج الفكر» : ولذلك كانوا في صدر الإسلام يسقطون عند رأس كل ثلاث وثلاثين سنة عربيّة سنة ويسمّونها سنة الازدلاف، لأن كل ثلاث وثلاثين سنة عربية اثنتان وثلاثون سنة شمسية تقريبا. قال: وإنما حملهم على ذلك الفرار من اسم النسيء الذي أخبر الله تعالى أنه زيادة في الكفر. ثم المعتبرون السنة الشمسية اختلفت مصطلحاتهم فيها بحسب اختلاف مقاصدهم. المصطلح الأوّل- مصطلح القبط ، وقد اصطلحوا على أن جعلوا شهرهم ثلاثين يوما كما تقدّم، فإذا انقضت الاثنا عشر شهرا أضافوا إليها خمسة أيام يسمّونها أيام النسيء «٢» ، يفعلون ذلك ثلاث سنين متوالية، فإذا كانت السنة الرابعة أضافوا إلى خمسة النسيء المذكورة ما اجتمع من الربع يوم الزائد على الخمسة أيام في السنة الشمسية فتصير ستة أيام، ويجعلونها كبيسة في تلك السنة، وبعض ظرفائهم يسمّي الخمسة المزيدة السنة الصغيرة. قال أصحاب الزيجات: وأوّل ابتدائهم ذلك في زمن أغشطش. وكانوا من قبل يتركون الربع إلى أن تجتمع أيام سنة كاملة وذلك في ألف سنة وأربعمائة وإحدى وستين سنة يسقطونها من سنيهم؛ وعلى هذا المصطلح استقرّ عملهم

стр. 988

بالديار المصرية في الإقطاعات، والزرع، والخراج، وما شاكل ذلك. المصطلح الثاني- مصطلح الفرس ؛ وشهورهم كشهور القبط في عدد الأيام على ما تقدّم، فإذا كان آخر شهر أبان ماه، وهو الشهر السابع «١» من شهورهم أضافوا إليه الخمسة الأيام الباقية وجعلوه خمسة وثلاثين يوما، وتسمّي الفرس هذه الأيام الخمسة: الأندركاه؛ ولكل يوم منها عندهم اسم خاص كما في أيّام الشهر؛ ولما لم يجز في معتقدهم كبس السنة بيوم واحد بعد ثلاث سنين كما فعل القبط كانوا يؤخّرونه إلى أن يتم منه في مائة وعشرين سنة شهر كامل فيلقونه، وتسمّى السنة التي يلقى فيها بهبرك «٢» ، قال المسعوديّ في «مروج الذهب» : وإنما أخّروا ذلك إلى مائة وعشرين سنة لأن أيّامهم كانت سعودا ونحوسا فكرهوا أن يكبسوا في كل أربع سنين يوما فتنتقل بذلك أيام السّعود إلى أيام النّحوس، ولا يكون النّيروز أوّل يوم من الشهر وعلى هذا المصطلح كان يجبى الخراج للخلفاء، وتتمشى الأحوال الديوانية في بداية الأمر، وعليه العمل في العراق وبلاد فارس إلى الآن. المصطلح الثالث- مصطلح السريان ، وشهورهم على ما تقدّم من كونها تارة ثلاثين يوما وتارة زائدة عليها، وتارة ناقصة عنها، وإنما فعلوا ذلك حتّى لا يلحقهم النسيء في شهورهم إذ الأيام الخمسة المذكورة الزائدة على شهور القبط والفرس موزّعة على رؤوس الزوائد من شهورهم، وذلك أن من شهورهم سبعة أشهر يزيد كل شهر منها يوما على الثلاثين وهي تشرين الأوّل، وكانون الأوّل، وكانون الثاني، وآذار، وأيّار، وتموز، وآب، فتكون الزيادة سبعة أيام يكمل منها شباط وهو ثمانية وعشرون يوما بيومين يبقى خمسة أيام؛ وهي نظير النسيء في سنة القبط والفرس، ويبقى بعد ذلك الربع يوم الزائد على الخمسة أيام في السنة

стр. 989

الشمسية، فإذا انقضت ثلاث سنين متواليات جمعوا الأرباع الثلاثة الملغاة إلى الربع الرابع فيجتمع منها يوم فيجعلونه نظير اليوم الذي كبسه القبط ويضيفونه إلى شباط، فيصير تسعة وعشرين يوما. المصطلح الرابع- مصطلح اليهود ، وشهورهم وإن كانت قمريّة كالعربية كما تقدّم فقد اضطرّوا إلى أن تكون سنتهم شمسيّة لأنهم أمروا في التوراة أن يكون عيد الفطر في زمان الفريك فلم يتأتّ لهم ذلك حتّى جعلوا سنيهم قسمين: الأوّل بشيطا ومعناه بسيطة وهي القمرية، والثاني معبارت، ومعناه كبيسة وهم يكبسون شهرا كاملا، ومعبارت اسم موضوع عندهم على الكامل؛ فإنه لما كان في بطنها زيادة عليها كانت هذه السنة مثلها بإضافة الشهر المكبوس إليها، وكل واحدة من السنين ثلاثة أنواع أحدها حسارين ومعناه ناقصة، وهي التي يكون الشهر الثاني والثالث منها (وهما مرحشوان وكسلا) ناقصين، وكل واحد منهما تسعة وعشرون يوما؛ والنوع الثاني شلاميم ومعناه تامّة، وهي التي يكون فيها كل شهر من الشهرين المذكورين تامّا، والنوع الثالث كسدران معناه معتدلة، وهي التي تكون أشهرها ناقص يتلوه تام؛ وهذا يلزم من جهة أنهم لا يجيزون أن يكون رأس سنتهم يوم أحد ولا يوم أربعاء ولا يوم خميس. وأما معبارت فإنها تكون في كل تسع عشرة سنة سبع مرات، ويسمون الجملة مخزورا ومعناه الدور؛ وهذه السبعة لا تكون على التوالي، وإنمّا تكون تارة سنتان بشيطان يتلوهما معبارت، وتارة سنة بشيطا يتلوها معبارت، كل ذلك حتّى لا تخرم عليهم قاعدة الثلاثة أيام التي لا يختارونها أن تكون أوّل سنتهم، فإذا انقضى آذار من هذه السنة كبسوا شهرا وسموه آذار الثاني، فإذا انقضت التسع عشرة سنة أعادوا دورا ثانيا وعملوا فيه كذلك وعلى هذا أبدا. أما مصطلح المنجّمين فالسنة عندهم من حلول الشمس في أوّل نقطة من رأس الحمل إلى حلولها في آخر نقطة من الحوت، ومنهم من يجعلها من حلول الشمس في أوّل نقطة من رأس الميزان إلى حلولها في آخر نقطة من السّنبلة،

стр. 990

والأوّل هو المعروف. وتساهل بعضهم فقال: هي من كون الشمس في نقطة ما من فلك البروج إلى عودها إلى تلك النقطة، ويقال إن سنة الجند والمرتزقة بالديار المصرية كانت أوّلا على هذا المصطلح، وبه يعملون في الإقطاعات ونحوها. الجملة الثالثة في فصول السنة الأربعة وفيه ثلاثة مهايع المهيع الأوّل في الحكمة في تغيير الفصول الأربعة في السنة واعلم أن الفصول تختلف بحسب اختلاف طبائع السنة لتباين مصالح أوقاتها حكمة من الله تعالى. قال بطليموس: تحتاج الأبدان إلى تغيير الفصول فالشتاء للتجميد، والصيف للتّحليل، والخريف للتّدريج، والربيع للتّعديل وعلى ذلك يقال: إن أصل وضع الحمّام أربعة بيوت بعضها دون بعض على التدريج ترتيبها على الفصول الأربعة. المهيع الثاني في كيفيّة انقسام السنة الشمسية إلى الفصول واعلم أن دائرة منطقة البروج لما قاطعت دائرة معدّل النهار على نقطتين متقابلتين مال «١» عنهما في جهتي الشمال والجنوب بقدر واحد، فالنقطة التي تجري عليها الشمس من ناحية الجنوب إلى الشمال عن معدّل النهار تسمّى نقطة الاعتدال الربيعيّ، وهي أوّل الحمل، والنقطة التي تجوز عليها من الشمال إلى الجنوب تسمى نقطة الاعتدال الخريفيّ وهي أوّل الميزان. ويتوهم في الفلك دائرة ث؟؟؟ معترضة من الشمال إلى الجنوب تمرّ على أقطاب تقابل الدائرة المخطوطة على الفلكين تقطع كلّ واحد من فلك معدّل النهار وفلك البروج بنصفين، فوجب أن

стр. 991

يكون قطعها لفلك البروج على النقطتين اللتين هما في غاية الميل والبعد عن معدّل النهار في جهتي الشمال والجنوب فتسمّى النقطة الشمالية نقطة المنقلب الصيفيّ وهي أوّل السّرطان، وتسمّى النقطة الجنوبية نقطة المنقلب الشّتويّ، وهي أوّل الجدي. واختلاف طبائع الفصول عن حركة الشمس وتنقّلها في هذه النّقط، فإنها إذا تحرّكت من الحمل، وهو أوّل البروج الشمالية أخذ الهواء في السّخونة لقربها من سمت الرؤوس وتواتر الإسخان إلى أن تصل إلى أوّل السرطان، وحينئذ يشتدّ الحرّ في السّرطان والأسد إلى أن تصل إلى الميزان، فحينئذ يطيب الهواء ويعتدل؛ ثم يأخذ الهواء في البرودة ويتواتر إلى أوّل الجدي، وحينئذ يشتدّ البرد في الجدي والدّلو لبعد الشمس من سمت الرؤوس إلى أن تصل إلى الحمل فتعود الشمس إلى أوّل حركتها. المهيع الثالث في ذكر الفصول، وأزمنتها، وطبائعها، وما حصة كلّ فصل منها من البروج والمنازل؛ وهي أربعة فصول الأول- فصل الربيع - وابتداؤه عند حلول الشمس برأس الحمل، وقد تقدم ومدّته أحد وتسعون يوما وربع يوم ونصف ثمن يوم. وأوّله حلول الشمس رأس الحمل، وآخره عند قطعها برج الجوزاء؛ وله من الكواكب القمر، والزّهرة، ومن المنازل الشّرطان، والبطين، والثّريّا، والدّبران، والهقعة، والهنعة، والذّراع بما في ذلك من التداخل كما مر؛ ومن الساعات الأولى والثانية والثالثة؛ ومن الرّياح الجنوب؛ وطبعه حارّ رطب؛ وله من السّن الطّفولية والحداثة؛ ومن الاخلاط الدم، ومن القوى الهاضمة. وفيه تتحرّك الطبائع، وتظهر المواد المتولدة في الشّتاء، فيطلع النبات، وتزهر الأشجار وتورق، ويهيج الحيوان للسّفاد، وتذوب الثّلوج، وتنبع العيون، وتسيل الأودية، وأخذت الأرض زخرفها وازّينت فتصير كأنها عروس تبدّت لخطّابها، في مصبّغات ثيابها؛ ويقال: إذا نزلت الشمس رأس الحمل تصرّم الشتاء، وتنفّس الربيع، واختالت الأرض في وشيها

стр. 992

البديع، وتبرّجت للنظّارة في معرض الحسن والنّضارة. ومن كلام الوزير المغربيّ «١» : لو كان زمن الربيع شخصا لكان مقبّلا، ولو أن الأيام حيوان لكان لها حليا ومجلّلا، لأن الشمس تخلص فيه من ظلمات حوت السماء، خلاص يونس من ظلمات حوت الماء؛ فإذا وردت الحمل وافت أحبّ الأوطان اليها وأعزّ أماكنها عليها. وكان عبدوس الخزاعيّ يقول: من لم يبتهج بالربيع، ولم يستمتع بأنواره ولا استروح بنسيم أزهاره، فهو فاسد المزاج، محتاج إلى العلاج. ويروى عن بقراط الحكيم مثله، وفيه بدل قوله: «فهو فاسد المزاج» فهو عديم حسّ، أو سقيم نفس. ولجلالة محلّ هذا الفصل في القلوب، ولنزوله من النفوس منزلة الكاعب الخلوب، كانت الملوك إذا عدمته استعملت ما يضاهي زهره من البسط المصوّرة المنقّشة، والنّمارق المفوّفة «٢» المرقّشة. وقد كان لأنوشروان بساط يسميه بساط الشّتاء، مرصّع بأزرق الياقوت والجواهر، وأصفره وأبيضه وأحمره، وقد جعل أخضره مكان أغصان الأشجار، وألوانه بموضع الزّهر والنوار. ولما أخذ هذا البساط في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ في واقعة القادسيّة، حمل إليه فيما أفاء الله على المسلمين؛ فلما رآه قال: «إن أمّة أدّت هذا إلى أميرها لأمينة» ثم مزّقه فوقع منه لعليّ ﵇ قطعة في قسمه مقدارها شبر في شبر فباعها بخمسة عشر ألف دينار. وقد أطنب الناس في وصف هذا الفصل ومدحه، وأتوا بما يقصر عن شرحه، وتغالى الشعراء فيه غاية التّغالي، وفضّلوا أيامه ولياليه على الأيّام والليالي، وما أحلى قول البحتريّ:

стр. 993

أتاك الربيع الطّلق يختال ضاحكا ... من الحسن حتّى كاد أن يتكلّما وقد نبّه النّوروز في غسق الدّجى ... أوائل ورد كنّ بالأمس نوّما يفتّحها برد النّدى فكأنّما ... يبثّ حديثا بينهنّ مكتّما ومن شجر ردّ الربيع رداءه ... كما نشرت ثوبا عليه منمنما أحلّ فأبدى للعيون بشاشة ... وكان قذى للعين إذ كان محرما ورقّ نسيم الجوّ حتّى كأنّما ... يجيء بأنفاس الأحبّة نعّما وأحلى منه قول أحمد بن محمد العلويّ: أو ما ترى الأيّام كيف تبرّجت ... وربيعها وال عليها قيّم؟ لبست به الأرض الجمال فحسنها ... متأزّر ببروده متعمّم انظر إلى وشي الرّياض كأنّه ... وشي تنشّره الأكفّ ينمنم والنّور يهوى كالعقود تبدّدت ... والورد يخجل والأقاحي تبسم والطّلّ ينظم فوقهنّ لآلئا ... قد زان منهنّ الفرادى التّوأم ويكاد يذري الدّمع نرجسها اذا ... أضحى ويقطر من شقائقها الدّم ومنها: أرض تباهيها السماء اذا دجا ... ليل ولاحت في دجاها الأنجم فلخضرة الجوّ اخضرار رياضها ... ولزهره زهر ونور ينجم وكما يشقّ سنا المجرّة جرّه ... واد يشقّ الأرض طام مفعم لم يبق إلا الدّهر إذ باهت به ... وحيا يجود به ملثّ مرهم «١» وقول الآخر: طرق الحياء ببّره المشكور ... أهلا به من زائر ومزور

стр. 994

وحبا الرّياض غلالة من وشيه ... بغرائب التّفويف والتّحبير وأعارها حليا تأنّى الغيث في ... ترصيعه بجواهر المنثور بمورّد كمورّد الياقوت قا ... رن أبيضا كمصاعد الكافور ومعصفر شرق وأصفر فاقع ... في أخضر كالسّندس المنشور فكأنّ أزرقه بقايا إثمد «١» ... في أعين مكحولة بفتور كملت صفات الزّهر فيه فناب عمّ ... اغاب من أنواعه بحضور وقول الآخر: إشرب هنيئا قد أتاك زمان ... متعطّر متهلّل نشوان فالأرض وشي والنّسيم معنبر ... والماء راح والطّيور قيان الثاني- فصل الصيف : وهو أحد وتسعون يوما وربع ونصف ثمن يوم وابتداؤه إذا حلّت الشمس رأس السّرطان، وانتهاؤه إذا أتت على آخر درجة من السّنبلة؛ فيكون له من البروج السرطان، والأسد، والسنبلة. وهذه البروج تدلّ على السّكون، وله من الكواكب المرّيخ والشمس؛ ومن المنازل النّثرة، والطّرف، والجبهة، والزّبرة، والصّرفة، والعوّاء، والسّماك يتداخل فيه؛ وله من الساعات الرابعة والخامسة والسادسة، ومن الرياح الصّبا، وطبعه حارّ يابس؛ وله من السنّ الشّباب؛ ومن الأخلاط المرّة الصفراء؛ ومن القوى القوّة النفسية والحيوانية. وللعرب في هذا الفصل وغرات «٢» : وهي الحرور؛ منها وغرة الشّعرى، ووغرة الجوزاء، ووغرة سهيل، أوّلها أقواها حرّا؛ يقال إن الرجل في هذه الوغرة يعطش بين الحوض والبئر، وإذا طلع سهيل ذهبت الوغرات؛ وتسمّى الرياح التي في هذه الوغرات البوارح؛ سميت بذلك لأنها تأتي من يسار الكعبة كما برح الظّبي إذا أتاك من يسارك؛ وقد أولع الناس بين لفحات الحرّ وسمومه، وأتوا

стр. 995

فيه ببدائع تقلع من قلب الصّبّ غمام غمومه. وفي ذلك قول بعضهم: أوقدت الظهيرة نارها، وأذكت أوارها، فأذابت دماغ الضّبّ، وألهبت قلب الصّبّ؛ هاجرة كأنها من قلوب العشّاق، إذا اشتعلت فيها نار الفراق، حرّ تهرب له الحرباء من الشمس، وتستجير بمتراكم الرّمس؛ لا يطيب معه عيش، ولا ينفع معه ثلج ولا خيش؛ فهو كالقلب المهجور، أو كالتّنّور المسجور. ووصف بعضهم، وهو ذو الرمّة، حرّ هاجرة فقال: وهاجرة حرّها واقد ... نصبت لحاجبها حاجبي تلوذ من الشّمس أطلاؤها ... لياذ الغريم من الطّالب وتسجد للشمس حرباؤها ... كما يسجد القسّ للرّاهب وقال سوّار بن المضرّس: وهاجرة تشتوى بالسّموم ... جنادبها «١» في رؤوس الأكم إذا الموت أخطأ حرباءها ... رمى نفسه بالعمى والصّمم وقال أبو العلاء المعريّ: وهجيرة كالهجر موج سرابها ... كالبحر ليس لمائها من طحلب واخى به الحرباء عودي منبر ... للظّهر إلا أنه لم يخطب وقال آخر: وربّ يوم حرّه منضج ... كأنّه أحشاء ظمآن كأنّما الأرض على رضفة «٢» ... والجوّ محشوّ بنيران وبالغ الأمير ناصر الدين بن الفقيسي «٣» فقال من أبيات:

стр. 996

في زمان يشوي الوجوه بحرّ ... ويذيب الجسوم لو كنّ صخرا لا تطير النّسور فيه إذا ما ... وقفت شمسه وقارب ظهرا يشتكي الضّبّ ما اشتكى الصّبّ فيه ... ولحربائه إلى الظلّ حرّا ويودّ الغصن الرّطيب به لو ... أنّه من لحائه يتعرّى وقال أيضا يصف ليلة شديدة الحر: يا ليلة بتّ بها ساهرا ... من شدّة الحرّ وفرط الأوار كأنّني في جنحها محرم ... لو أنّ للعورة منّي استتار وكيف لا أحرم في ليلة ... سماؤها بالشّهب ترمي الجمار على أن أبا عليّ بن رشيق قد فضّله على فصل الشتاء فقال: فصل الشّتاء مبين لا خفاء به ... والصّيف أفضل منه حين يغشاكا فيه الذي وعد الله العباد به ... في جنّة الخلد إن جاؤوه نسّاكا أنهار خمر وأطيار وفاكهة ... ما شئت من ذا ومن هذا ومن ذاكا فقل لمن قال لولا ذاك لم يك ذا ... إذا تفضّل على أخراك دنياكا سمّ الشّتاء بعبّاس تصب غرضا ... من الصّواب وسمّ الصّيف ضحّاكا الثالث- فصل الخريف ، وهو أحد وتسعون يوما وربع يوم ونصف ثمن يوم، وأوّله عند حلول الشمس رأس الميزان؛ وذلك في الثامن عشر من توت وإذا بقي من أيلول ثمانية أيام؛ وآخره إذا أتت الشمس على آخر درجة من القوس؛ فيكون له من البروج الميزان والعقرب والقوس؛ وهذه البروج تدلّ على الحركة، وله من الكواكب زحل، ومن الساعات السابعة والثامنة. والطالع فيه مع الفجر من المنازل الغفر والزّبانان والإكليل والقلب والشّولة والنّعائم والبلدة يتداخل فيه. وهو بارد يابس، له من السّن الكهولة؛ تهيج فيه المرّة السّوداء، وتقوى فيه القوّة الماسكة، وتهبّ فيه الرياح الشّمالية، وفيه يبرد الهواء، ويتغيّر الزمان، وتنصرم الثّمار، ويتغير وجه الأرض، وتهزل البهائم، وتموت الهوامّ، وتجحر الحشرات، ويطلب الطير المواضع الدّفئة، وتصير الأرض كأنها كهلة مدبرة. ويقال: فصل

стр. 997

الخريف ربيع النفس كما أن الربيع ربيع العين، فإنه ميقات الأقوات، وموسم الثّمار، وأوان شباب الأشجار؛ وللنّفوس في آثاره مربع، وللجسوم بمواقع خيراته مستمتع. وقد وصفه الصابي فقال: الخريف أصحّ فصول السنة زمانا، وأسهلها أوانا؛ وهو أحد الاعتدالين المتوسّطين بين الانقلابين، حين أبدت الأرض عن ثمرتها، وصرّحت عن زبدتها؛ وأطلقت السماء حوافل أنوائها، وآذنت بانسكاب مائها؛ وصارت الموارد، كمتون المبارد؛ صفاء من كدرها، وتهذّبا من عكرها؛ واطّرادا مع نفحات الهواء، وحركات الرّياح الشّجواء؛ واكتست الماشية وبرها القشيب، والطائر ريشه العجيب. ومن كلام ابن شبل «١» : كلّ ما يظهر في الربيع نوّاره ففي الخريف تجتنى ثماره. وقال أبو بكر الصنوبري «٢» : ما قضى في الربيع حقّ المسرّات ... مضيع لحقّها في الخريف نحن منه على تلقّي شتاء ... يوجب القصف أو وداع مصيف في قميص من الزّمان رقيق ... ورداء من الهواء خفيف يرعد الماء فيه خوفا اذا ما ... لمسته يد النّسيم الضّعيف وقال ابن الرومي يصفه: لولا فواكه أيلول إذا اجتمعت ... من كلّ فنّ ورقّ الجوّ والماء إذا لما حفلت نفسي إذا اشتملت ... عليّ هائلة الحالين غبراء يا حبّذا ليل أيلول إذا بردت ... فيه مضاجعنا والرّيح شجواء

стр. 998

وخمّش القرّ فيه الجلد والتأمت ... من الضّجيعين أجسام وأحشاء وأسفر القمر الساري بصفحته ... يرى لها في صفاء الماء لألاء بل حبّذا نفحة من ريحه سحرا ... يأتيك فيها من الرّيحان أنباء قل فيه ما شئت من فضل تعهّده ... في كلّ يوم يد لله بيضاء وقال عبد الله بن المعتز يصفه ويفضله على الصيف من أبيات: طاب شرب الصّبوح في أيلول ... برد الظلّ في الضّحى والأصيل وخبت لفحة الهواجر عنّا ... واسترحنا من النّهار الطّويل وخرجنا من السّموم إلى برد ... نسيم وطيب ظلّ ظليل فكأنّا نزداد قربا من الجنّة ... في كلّ شارق وأصيل ووجوه البقاع تنتظر الغيث ... انتظار المحبّ ردّ الرّسول وقريب منه قول الآخر: اشرب على طيب الزّمان فقد حدا ... بالصّيف للنّدمان أطيب حاد وأشمّنا بالليل برد نسيمه ... فارتاحت الأرواح في الأجساد وافاك بالأنداء قدّام الحيا ... فالأرض للأمطار في استعداد كم في ضمائر تربها من روضة ... بمسيل ماء أو قرارة واد تبدو إذا جاء السّحاب بقطره ... فكأنّما كنّا على ميعاد ومما يقرب منه قول جحظة البرمكيّ «١» : لا تصغ للّوم إن اللّوم تضليل ... واشرب ففي الشّرب للأحزان تحليل فقد مضى القيظ واجتثّت رواحله ... وطابت الرّيح لمّا آل أيلول وليس في الأرض بيت يشتكي مرها ... إلا وناظره بالطّلّ مكحول

стр. 999

وبالغ بعضهم فسوّى بينه وبين فصل الربيع فقال في ضمن تهنئة لبعض إخوانه: هنيّت إقبال الخريف ... وفزت بالوجه الوضيّ تمّ اعتدالا في الكمال ... فجاء في خلق سويّ فحكى الرّبيع بحسنه ... ونسيم ريّاه الذّكيّ وينوب ورد الزّعفران ... له عن الورد الجنيّ وأبلغ منه قول الآخر يفضله على فصل الربيع الذي هو سيد الفصول ورئيسها: محاسن للخريف لهنّ فخر ... على زمن الرّبيع وأيّ فخر به صار الزّمان أمام برد ... يراقب نزحه وعقيب حرّ ومع ذلك فالأطباء تذمّه لاستيلاء المرّة السّوداء فيه، ويقولون: أنّ هواءه رديء متى تشبّث بالجسم لا يمكن تلافيه؛ وفي ذلك يقول بعض الشعراء: خذ في التّدثّر في الخريف فإنّه ... مستوبل ونسيمه خطّاف يجري مع الأيّام جري نفاقها ... لصديقها ومن الصّديق يخاف الرابع- فصل الشتاء وهو أحد وتسعون يوما وربع يوم ونصف ثمن يوم، ودخوله عند حلول الشمس رأس الجدي؛ وذلك في الثامن عشر من كيهك وإذا بقي من كانون الأول ثمانية أيام؛ وآخره إذا أتت الشمس على آخر درجة من الحوت فيكون له من البروج الجدي والدّلو والحوت؛ وهذه البروج تدلّ على السكون؛ والطالع فيه مع الفجر سعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السّعود، وسعد الأخبية، والفرغ المقدّم والفرغ المؤخّر، والرّشاء. فيه تهبّ رياح الدّبور؛ وهو بارد رطب. فيه يهيج البلغم، وتضعف قوى الأبدان. له من السنّ الشّيخوخة، ومن القوى البدنيّة القوة الدافعة، وفيه يشتدّ البرد، ويخشن الهواء، ويتساقط ورق الشّجر، وتنجحر «١» الحيّات، وتكثر الأنواء، ويظلم الجوّ، وتصير الأرض كأنها عجوز هرمة

стр. 1000

قد دنا منها الموت. وله من الكواكب المشتري وعطارد، ومن الساعات العاشرة والحادية عشرة. ويقال: إذا حلّت الشمس الجدي، مدّ الشّتاء رواقه، وحلّ نطاقه، ودبّت عقارب البرد لاسبة «١» ، ونفع مدّخر الكسب كاسبه. وللبلغاء في وصف حال من أظله ملح تدفع عن المقرور متى استعدّ بها طلّه ووبله. فمن ذلك قول بعضهم يصف شدّة البرد: برد يغيّر الألوان، وينشّف الأبدان، ويجمّد الريق في الأشداق، والدّمع في الآماق «٢» ؛ برد حال بين الكلب وهريره، والأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره. ومن كلام الفاضل «٣» : في ليلة جمد خمرها، وخمد جمرها، إلى يوم تودّ البصلة لو ازدادت قمصا «٤» إلى قمصها، والشمس لو جرّت النار إلى قرصها؛ أخذه بعضهم فقال: ويومنا أرياحه قرّة ... تخمش الأبدان من قرصها يوم تودّ الشمس من برده ... لو جرّت النار إلى قرصها ولابن حكينا البغداديّ: البس إذا قدم الشّتاء برودا ... وافرش على رغم الحصير لبودا الرّيق في اللهوات أصبح جامدا ... والدّمع في الآماق صار برودا وإذا رميت بفضل كأسك في الهوا ... عادت إليك من العقيق عقودا وترى على برد المياه طيورها ... تختار حرّ النار والسّفّودا

стр. 1001

يا صاحب العودين لا تهملهما ... حرّق لنا عودا وحرّك عودا ولبعضهم: شتاء تقلص الأشداق منه ... وبرد يجعل الشّبّان شيبا وأرض تزلق الأقدام فيها ... فما تمشي بها إلا دبيبا ومن كلام الزمخشري: أقبلت يا برد ببرد أجود ... تفعل بالأوجه فعل المبرد أظل في البيت كمثل المقعد ... منقبضا تحت الكساء الأسود لو قيل لي أنت أمير البلد ... فهات للبيعة كفّا يعقد ومن كلام أبي عبد الله بن أبي الخصال «١» يصف ليلة باردة من رسالة: والكلب قد صافح خيشومه ذنبه، وأنكر البيت وطنبه «٢» ، والتوى التواء الجباب «٣» ، واستدار استدارة الحباب «٤» ، وجلّده الجليد، وضربه الضّريب، وصعّد أنفاسه الصّعيد، فحماه مباح، ولا هرير ولا نباح. ومن شعر الحماسة في وصف ليلة شديدة البرد: في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من أندائها الطّنبا لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتّى يلفّ على خيشومه الذّنبا ولأبي القاسم التنوخيّ «٥» :

стр. 1002

وليلة ترك البرد البلاد بها ... كالقلب أسعر نارا فهو مثلوج فإن بسطت يدا لم تنبسط خصرا ... وإن تقل فبقول فيه تثبيج «١» فنحن منه ولم نخرس ذوو خرس ... ونحن فيه ولم نفلج مفاليج وقال بعضهم يصف يوما باردا كثير الضّباب: يوم من الزّمهرير مقرور ... عليه جيب السّحاب مزرور وشمسه حرّة مخدّرة ... ليس لها من ضبابه نور كأنّما الجوّ حشوه إبر ... والأرض من تحته قوارير وحكي أنّ أعرابيّا اشتدّ به البرد فأضاءت نار فدنا منها ليصطلي، وهو يقول: اللهم لا تحرمنيها في الدّنيا ولا في الآخرة؛ أخذه بعضهم فقال وهو في غاية المبالغة: أيا ربّ إن البرد أصبح كالحا ... وأنت بحالي عالم لا تعلّم فإن كنت يوما مدخلي في جهنّم ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنّم وقد اعتنى الناس بمدحه فقال بعضهم: لو لم يكن من فضله إلا أنه تغيب فيه الهوامّ وتنجحر الحشرات، ويموت الذّباب، ويهلك البعوض، ويبرد الماء، ويسخن الجوف، ويطيب العناق، ويظهر الفرش، ويكثر الدخن، وتلذّ جمرة البيت لكفى. وتابعه بعض الشعراء فقال: تركت مقدّمة الخريف حميده ... وبدا الشّتاء جديده لا ينكر مطر يروق الصّحو منه وبعده ... صحو يكاد من الغضارة يمطر غيثان والانواء غيث ظاهر ... لك وجهه والصّحو غيث مضمر وقال أبو الفتح كشاجم:

стр. 1003

أذن الشّتاء بلهوه المستقبل ... فدنت أوائله بغيث مسبل متكاثف الأنواء منغدق الحيا ... هطل النّدى هزج الرّعود بجلجل جاءت بعزل الجدب فيه فبشّرت ... بالخصب أنواء السّماك الأعزل وقد ولع الناس بذكر الاعتداد لها قديما وحديثا. قيل لأعرابيّ: ما أعددت للبرد؟ فقال: طول الرّعدة، وتقرفص القعدة، وذوب «١» المعدة، أخذه ابن سكّرة «٢» ، فقال: قيل ما أعددت للبر ... د وقد جاء بشدّه قلت درّاعة عري ... تحتها جبّة رعده واعلم أن ما تقدّم من أزمان الفصول الأربعة هو المصطلح المعروف، والطريق المشهور. وقد ذكر الآبيّ في كتاب الدرّ «٣» : أن العرب قسّمت السنة أربعة أجزاء فجعلوا الجزء الأوّل الصّفريّة وسمّوا مطره الوسمي، وأوّله عندهم سقوط عرقوة الدّلو السّفلى، وآخره سقوط الهقعة، وجعلوا الجزء الثاني الشتاء، وأوّله سقوط الهنعة، وآخره سقوط الصّرفة. وجعلوا الجزء الثالث الصيف، وأوّله سقوط العوّاء، وآخره سقوط الشّولة، وجعلوا الجزء الرابع القيظ. وسمّوا مطره الخريف، وأوّله سقوط النّعائم، وآخره سقوط عرقوة الدلو العليا. وذكر ابن قتيبة في «أدب الكاتب» طريقا آخر فقال: الربيع يذهب الناس إلى أنه الفصل الذي يتبع الشتاء ويأتي فيه الورد والكمأة، والنّور، ولا يعرفون الربيع غيره. والعرب تختلف في ذلك فمنهم من

стр. 1004

يجعل الربيع الفصل الذي تدرك فيه الثمار، وهو الخريف، وبعده فصل الشتاء، ثم فصل الصيف وهو الوقت الذي تسمّيه العامّة الربيع، ثم فصل القيظ وهو الذي تسميه العامة الصّيف، ومنهم من يسمّي الفصل الذي تدرك فيه الثمار وهو الخريف الربيع الأوّل، ويسمّي الفصل الذي يلي الشتاء وتأتي فيه الكمأة والنّور الربيع الثاني، وكلهم مجمعون على أن الخريف هو الربيع. وفي بعض التعاليق أن من العرب من جعل السنة ستة أزمنة: الأوّل الوسمي وحصّته من السنة شهران، ومن المنازل أربع منازل وثلثا منزلة وهي العوّاء، والسّماك والغفر، والزّبانان، وثلثا الإكليل. الثاني الشتاء، وحصته من السنة شهران، ومن المنازل أربع منازل وثلثا منزلة وهي ثلث الإكليل، والقلب، والشّولة، والنّعائم، والبلدة، وثلث الذّابح، الثالث الربيع، وحصته من السنة شهران، ومن المنازل أربع منازل وثلثا منزلة، وهي ثلثا الذابح وبلع، والسّعود، والأخبية، والفرغ المقدم، الرابع الصيف، وحصته من السنة شهران، ومن المنازل أربع منازل وثلثا منزلة، وهي الفرغ المؤخّر، وبطن الحوت، والشّرطان، والبطين، وثلثا الثريّا، الخامس الحميم، وحصته من السنة شهران، ومن المنازل أربع منازل وثلثا منزلة وهي ثلث الثريا، والدّبران والهقعة، والهنعة، والذّراع وثلث النثرة. السادس الخريف، وحصّته من السنة شهران، ومن المنازل أربع منازل وثلثا منزلة وهي ثلثا النّثرة، والطّرف، والجبهة، والخرتان، والصّرفة. والأوائل من علماء الطّب يقسمون السنة إلى الفصول الأربعة، إلا أنهم يجعلون الشتاء والصيف أطول زمانا وأزيد مدّة من الربيع والخريف، فيجعلون الشّتاء أربعة أشهر، والصيف أربعة أشهر، والربيع شهرين، والخريف شهرين، إذ كانا متوسطين بين الحرّ والبرد وليس في مدّتهما طول ولا في زمانهما اتّساع. واعلم أن ما تقدّم من تفضيل بعض الفصول على بعض إنما هو أقاويل الشّعراء وأفانين الأدباء، تفنّنا في البلاغة؛ وإلا فالواضع حكيم جعل هذه الفصول مشتملة على الحرّ تارة وعلى البرد أخرى لمصالح العباد، ورتّبها ترتيبا خاصّا على

стр. 1005

التدريج، يفهم ذلك أهل العقول وأرباب الحكمة، جلّت صنعته أن تكون عريّة عن الحكمة، أو موضوعة في غير موضعها ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ «١» . الطرف الرابع في أعياد الأمم ومواسمها، وفيه خمس جمل الجملة الأولى في أعياد المسلمين واعلم أن الذي وردت به الشريعة وجاءت به السنّة عيدان: عيد الفطر، وعيد الأضحى. والسبب في اتخاذهما ما رواه أبو داود في سننه عن أنس بن مالك ﵁، «أن رسول الله ﷺ قدم المدينة ولأهلها يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ فقالوا: كنّا نلعب فيهما في الجاهليّة، فقال رسول الله ﷺ : إنّ الله قد بدّلكم خيرا منهما «٢» يوم الأضحى، ويوم الفطر» فأوّل ما بديء به من العيدين عيد الفطر، وذلك في سنة اثنتين من الهجرة. وروى ابن باطيش «٣» في كتاب الأوائل أن أوّل عيد ضحّى فيه رسول الله ﷺ سنة اثنتين من الهجرة وخرج إلى المصلّى للصلاة، وحينئذ فيكون العيدان قد شرعا في سنة واحدة، نعم قد ابتدعت الشيعة عيدا ثالثا وسمّوه عيد الغدير. وسبب اتخاذهم له

стр. 1006

مؤاخاة النبيّ ﷺ لعليّ كرم الله وجهه يوم غدير خمّ وهو غدير على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة الطريق تصبّ فيه عين وحوله شجر كثير، وهي الغيضة التي تسمّى خمّا، وذلك أن رسول الله ﷺ لما رجع من حجّة الوداع نزل بالغدير وآخى بين الصحابة ولم يؤاخ بين عليّ وبين أحد منهم فرأى النبيّ ﷺ منه انكسارا فضمّه إليه وقال «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبيّ بعدي والتفت إلى أصحابه وقال من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه» وكان ذلك في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة عشر من الهجرة. والشيعة يحيون ليلة هذا العيد بالصلاة ويصلّون في صبيحتها ركعتين قبل الزوال وشعارهم فيه لبس الجديد، وعتق العبيد، وذبح الأغنام، وإلحاق الأجانب بالأهل في الإكرام. والشعراء والمترسلون يهنّئون الكبراء منهم بهذا العيد. الجملة الثانية في أعياد الفرس وكان دينهم المجوسية، وأعيادهم كثيرة جدّا حتّى إن عليّ بن حمزة الأصبهانيّ» عمل فيها كتابا ذكر فيه أسباب اتخاذهم لها، وسبب سلوكهم فيها؛ وقد اقتصرنا منها على المشهور الذي ولع الشعراء بذكره، واعتنى الأمراء بأمره؛ وهي سبعة أعياد: العيد الأوّل النّيروز - وهو تعريب نوروز، ويقال إن أوّل من اتخذه جم شاد أحد ملوك الطبقة الثانية «٢» من الفرس، ومعنى شاد الشّعاع والضياء «٣» وإن سبب «٤» اتخاذهم لهذا اليوم عيدا أن الدّين كان قد فسد قبله، فلما ملك جدّده

стр. 1007

وأظهره فسمّي اليوم الذي ملك فيه نوروز أي اليوم الجديد. وفي بعض التعاليق أن جم شاد ملك الأقاليم السبعة والجنّ والإنس، فاتخذ له عجلة ركبها، وكان أوّل يوم ركبها فيه أوّل يوم من شهر افرودين ماه «١» ، وكان مدّة ملكه لا يريهم وجهه، فلما ركبها أبرز لهم وجهه، وكان له حظ من الجمال وافر، فجعلوا يوم رؤيتهم له عيدا، وسمّوه نوروزا. ومن الفرس من يزعم أنه اليوم الذي خلق الله فيه النّور، وأنه كان معظّما قبل جم شاد. وبعضهم يزعم أنه أوّل الزمان الذي ابتدأ الفلك فيه بالدّوران. ومدّته عندهم ستة أيام أوّلها اليوم الأوّل من شهر افرودين ماه «٢» الذي هو أوّل شهور سنتهم. ويسمّون اليوم السادس النّوروز الكبير، لأن الأكاسرة كانوا يقضون في الأيام الخمسة حوائج الناس على طبقاتهم، ثم ينتقلون إلى مجالس أنسهم مع ظرفاء خواصّهم. وحكى ابن المقفّع أنه كان من عادتهم فيه أن يأتي الملك رجل من الليل قد أرصد لما يفعله، مليح الوجه، فيقف على الباب حتّى يصبح، فإذا أصبح دخل على الملك من غير استئذان، ويقف حيث يراه، فيقول له: من أنت؟ ومن أين أقبلت؟ وأين تريد؟ وما اسمك؟ ولأيّ شيء وردت؟ وما معك؟ فيقول: أنا المنصور، واسمي المبارك، ومن قبل الله أقبلت، والملك السعيد أردت، وبالهناء والسلامة وردت ومعي السّنة الجديدة، ثم يجلس، ويدخل بعده رجل معه طبق من فضّة وعليه حنطة، وشعير، وجلبان وحمّص وسمسم، وأرزّ من كل واحد سبع سنبلات، وسبع حبّات وقطعة سكّر، ودينار ودرهم جديدان؛ فيضع الطبق بين يدي الملك، ثم تدخل عليه الهدايا، ويكون أوّل من يدخل عليه بها وزيره، ثم صاحب الخراج، ثم صاحب المعونة «٣» ، ثم الناس على طبقاتهم، ثم يقدّم للملك رغيف كبير من تلك الحبوب مصنوع موضوع في سلّة، فيأكل منه ويطعم من حضر، ثم يقول: هذا يوم جديد، من شهر جديد، من عام جديد، يحتاج أن

стр. 1008

يجدّد فيه ما أخلق من الزّمان، وأحق الناس بالفضل والإحسان الرأس لفضله على سائر الأعضاء؛ ثم يخلع على وجوه دولته، ويصلهم، ويفرّق عليهم ما وصل إليه من الهدايا. وأما عوامّ الفرس فكانت عادتهم فيه رفع النار في ليلته، ورشّ الماء في صبيحته؛ ويزعمون أن إيقاد النّيران فيه لتحليل العفونات التي أبقاها الشّتاء في الهواء. ويقال إنما فعلوا ذلك تنويها بذكره، وإشهارا لأمره. وقالوا في رشّ الماء: إنما هو بمنزلة الشّهرة «١» لتطهير الأبدان مما انضاف إليها من دخان النار الموقدة في ليلته. وقال آخرون: إن سبب رش الماء فيه أن فيروز بن يزدجرد لما استتم سورجيّ، وهي أصبهان القديمة، لم تمطر سبع سنين في ملكه، ثم مطرت في هذا اليوم ففرح الناس بالمطر وصبّوا من مائه على أبدانهم من شدّة فرحهم به، فصار ذلك سنّة عندهم في ذلك اليوم من كل عام، وما أحلى قول بعضهم يخاطب من يهواه، ويذكر ما يعتمد في النيروز من شب النّيران وصبّ الأمواه: كيف ابتهاجك بالنّيروز يا سكني ... وكلّ ما فيه يحكيني وأحكيه فتارة كلهيب النّار في كبدي ... وتارة كتوالي عبرتي فيه أسلمتني فيه يا سؤلي إلى وصب ... فكيف تهدي الى من أنت تهديه وأوّل من رسم هدايا النّيروز والمهرجان في الإسلام الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ، ثم رفع ذلك عمر بن عبد العزيز ﵁، واستمرّ المنع فيه إلى أن فتح باب الهديّة فيه أحمد بن يوسف الكاتب فإنه أهدى فيه للمأمون سفط ذهب فيه قطعة عود هنديّ في طوله وعرضه، وكتب معه: هذا يوم جرت فيه العادة، بإتحاف العبيد السادة، وقد قلت:

стр. 1009

على العبد حقّ وهو لا شكّ فاعله ... وإن عظم المولى وجلّت فواضله ألم ترنا نهدي إلى الله ماله ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله فلو كان يهدي للجليل بقدره ... لقصّر عنه البحر يوما وساحله ولكنّنا نهدي إلى من نجلّه ... وإن لم يكن في وسعنا ما يشاكله وكتب سعيد بن حميد إلى صديق له يوم نيروز: هذا يوم سهّلت فيه السنّة للعبيد الإهداء للملوك، فتعلّقت كلّ طائفة من البر بحسب القدرة والهمّة، ولم أجد فيما أملك ما يفي بحقّك، ووجدت تقريظك أبلغ في أداء ما يجب لك، ومن لم يؤت في هديّته إلا من جهة قدرته فلا طعن عليه. هذا ما يتعلق بنيروز الفرس «١» من ذكر الهدايا فيه، وإيقاد النار، ورشّ الماء، وأوّل من سنّه. وأما تعلّقه بالخراج فسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى عند الكلام على جباية الخراج في فنّ الدّيونة. العيد الثاني من أعياد الفرس المهرجان - وهو في السادس والعشرين من تشرين الأوّل من شهور السّريان، وفي السادس عشر من مهرماه من شهور الفرس، وفي التاسع من أبيب من شهور القبط؛ وبينه وبين النيروز مائة وسبعة وستون يوما، وهذا الأوان في وسط زمان الخريف، وفي ذلك يقول الشاعر: أحبّ المهرجان لأنّ فيه ... سرورا للملوك ذوي السّناء وبابا للمصير إلى أوان ... تفتّح فيه أبواب السّماء ومدّته ستة أيام، ويسمّى اليوم السادس منه المهرجان الأكبر، كما يسمّى اليوم السادس من أيام النّيروز عندهم النّيروز الأكبر. قال المسعودي: وسبب تسميتهم لهذا اليوم بهذا الاسم أنهم كانوا يسمّون شهورهم بأسماء ملوكهم، وكان لهم ملك يسمّى مهرا يسير فيهم بالعنف والعسف

стр. 1010

فمات في النصف من هذا الشهر، وهو مهرماه، فسمّي ذلك اليوم مهرجان، وتفسيره نفس مهر ذهبت، والفرس تقدّم في لغتها ما تؤخّره العرب في كلامها وهذه اللغة الفهلوية وهي الفارسية الأولى وزعم آخرون أن مهر بالفارسية حفاظ وجان الروح، وفي ذلك يقول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر «١» : إذا ما تحقّق بالمهرجان ... من ليس يعرف معناه غاظا ومعناه أن غلب الفرس فيه ... فسمّوه للرّوح فيه حفاظا ويقال: إنما ظهر في عهد افريدون الملك، ومعنى هذا الاسم إدراك الثأر؛ وذلك أن افريدون أخذ بثأر جدّه جم شاد من الضّحّاك، فإنه كان أفسد دين المجوسيّة وخرج على جم شاد فأخذ منه الملك وقتله؛ فلمّا غلبه افريدون قتله بجبل دنباوند «٢» وأعاد المجوسية إلى ما كانت، فاتّخذ الفرس يوم قتله عيدا، وسمّوه مهرجان، والمهر الوفاء، وجان سلطان، وكان معناه سلطان الوفاء. وزعم بعض الفرس أن الضحّاك «٣» هو النّمرود وافريدون «٤» هو إبراهيم ﵇، بلغتهم. ويقال إن المهرجان هو اليوم الذي عقد فيه التاج على رأس اردشير بن بابك «٥» ، أوّل ملوك الفرس الساسانيّة، وكان مذهب الفرس في المهرجان أن يدّهن

стр. 1011

ملكهم بدهن البان تبرّكا، وكذلك العوام، وأن يلبس القصب والوشي، ويتوّج بتاج عليه صورة الشمس وحجلتها الدائرة عليها، ويكون أوّل من يدخل إليه الموبذان بطبق فيه أترجّة، وقطعة سكّر، ونبق، وسفرجل وعنّاب، وتفّاح، وعنقود عنب أبيض، وسبع طاقات آس، قد زمزم «١» عليها؛ ثم تدخل الناس على طبقاتهم بمثل ذلك، وربما كانوا يذهبون الى تفضيله على النّيروز؛ وفيه يقول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: أخا الفرس إن الفرس تعلم إنّه ... لأطيب من نيروزها مهرجانها لإدبار أيّام يغمّ هواؤها ... وإقبال أيّام يسرّ زمانها قال المسعودي: وأهل المروءات بالعراق وغيرها من مدن العجم يجعلون هذا اليوم أوّل يوم من الشتاء فيغيّرون فيه الفرش والآلات، وكثيرا من الملابس. العيد الثالث السّدق - ويسمّى أبان روز «٢» ، ويعمل في ليلة الحادي عشر من شهر بهمن ماه «٣» من شهور الفرس، وسنّتهم فيه إيقاد النّيران بسائر الأدهان والولوع بها حتى إنهم يلقون فيها سائر الحبوب «٤» ؛ ويقال إن سبب اتخاذهم لهذا العيد أن الأب الأوّل، وهو عندهم كيومرت لما كمل له من ولده مائة ولد زوّج الذكور بالإناث، وصنع لهم عرسا أكثر فيه وقود النيران، ووافق ذلك الليلة المذكورة فاستسنّت «٥» ذلك الفرس بعده. وقد ولعت الشعراء بوصف هذه الليلة

стр. 1012

فقال ابو القاسم المطرّز «١» يصف سدقا عمله السلطان ملكشاه بدجلة، أشعل فيه النّيران والشموع في السّماريّات «٢» من أبيات: وكلّ نار على العشّاق مضرمة ... من نار قلبي أو من ليلة السّدق نار تجلّت بها الظّلماء واشتبهت ... بسدفة الليل فيها غرّة الفلق وزارت الشمس فيها البدر واصطلحا ... على الكواكب بعد الغيظ والحنق مدّت على الأرض بسطا من جواهرها ... ما بين مجتمع وار ومفترق مثل المصابيح إلّا أنّها نزلت ... من السّماء بلا رجم ولا حرق أعجب بنار ورضوان يسعّرها ... ومالك قائم منها على فرق في مجلس ضحكت روض الجنان له ... لما جلا ثغره عن واضح يقق وقال ابن حجاج من أبيات، يمدح بها عضد الدولة: ليلتنا حسنها عجيب ... بالقصف والتّيه قد تحقّق لنارها في السّما لسان ... عن نور ضوء الصّباح ينطق والجوّ منها قد صار جمرا ... والنجم منها قد كاد يحرق ودجلة أضرمت حريقا ... بألف نار وألف زورق فماؤها كلّه حميم ... قد فار مما غلى وبقبق وقال عبد العزيز بن نباتة من أبيات يمدح بها عضد الدولة أيضا: لعمري لقد أذكى الهمام بأرضه ... مشهّرة ينتابها الفخر صاليا تغيب النّجوم الزّهر عند طلوعها ... وتحسد أيّام الشّهور اللّياليا قلادة مجد أغفل الدّهر نظمها ... عليه «٣» وقد السّنين الخواليا

стр. 1013

هي اللّيلة الغرّاء في كلّ شتوة ... تغادر جيد الدّهر أبلج حاليا العيد الرابع الشركان «١» - وهو في الثالث عشر من تيرماه من شهور الفرس، زعموا أن أرس «٢» رمى سهمه لما وقعت المصالحة بين منوجهر وقراسياب التركي من المملكة على رمية سهم، فامتدّ السهم من جبال طبرستان إلى أعالي طخارستان. العيد الخامس أيام الفرودجان «٣» - وهي خمسة أيام؛ أوّلها السادس والعشرون من أبان ماه من شهور الفرس، ومعناه تربية الرّوح، لأنهم كانوا يعملون فيها أطعمة وأشربة لأرواح موتاهم، ويزعمون أنها تغتذي بها. العيد السادس ركوب الكوسج - ويعمل في أوّل يوم من أدرماه من شهور الفرس، وسنّتهم فيه أن يركب في كل بلد من بلادهم رجل كوسج «٤» قد أعدّ لما يصنع به بأكل الأطعمة الحارّة كالجوز، والثّوم، واللّحم السمين ونحوها، وبشرب الشراب الصرّف أيّاما قبل حلول الشهر، فإذا حلّ الشهر لبس غلالة سابويّة «٥» ، وركب بقرة وأخذ على يده غرابا، ويتبعه الناس يصبّون عليه الماء، ويضربونه بالثّلج، ويروّحون عليه بالمراوح، وهو يصيح بالفارسية: كرم كرم أي الحرّ الحرّ، يفعل ذلك سبعة أيام، ومعه أوباش الناس ينهبون ما يجدون من الأمتعة في الحوانيت، وللسلطان عليهم مال، فإذا وجدوا بعد عصر اليوم السابع ضربوا وحبسوا. قال المسعودي: ولا يعرف ذلك إلا بالعراق، وأرض العجم؛ وأهل الشام

стр. 1014

والجزيرة ومصر واليمن لا يعرفون ذلك. ويقال إن هذا الفعل كان يتداوله أهل كل بيت منهم كوسج، وحكى الزمخشري في كتابه «ربيع الأبرار» أن سبب ذلك أن كوسجا كان يشرب في هذه الأيام الدّواء ويطلي بدنه فيها فغلب عليها، وفي ذلك يقول الشاعر: قد ركب الكوسج ياصاح ... فانزل على الزّهرة والرّاح «١» وانعم بآدرماه عيشا وخذ ... من لذّة العيش بأفياح «٢» والسّنة عندهم منقسمة على أقسام، في أوّل كل قسم منها خمسة أيام تسمّى الكنبهارات، زعم زرادشت أن في كل يوم خلق الله تعالى نوعا من الخليقة فهم يتخذونها أعيادا لذلك. العيد السابع عيد بهمنجة - ويتخذونه في يوم بهمن من شهر بهمن ماه، وسنّتهم فيه أنهم يأكلون فيه البهمن الأبيض باللّبن الحامض على أنه ينفع الحفظ، ورؤساء خراسان يعملون فيه الدّعوات على طعام يطبخون فيه كلّ حبّ مأكول ولحم حيوان يؤكل، ويحضر ما يوجد في ذلك الوقت من بقل أو نبات. فهذه أعياد الفرس المشهورة الدائرة بين عامّتهم وخاصّتهم. الجملة الثالثة في أعياد القبط واعلم أن أعياد القبط كثيرة، وقد أتينا على ذكر تفصيلها سردا في خلال شهور القبط مع ذكر غيرها، وأوردنا كلّ عيد منها في يومه من شهور القبط، وربما ذكرنا بعضها أيضا في شهور السّريان والروم، على أن منها ما لا يتعلق بوقت مقيّد كالفصح الأكبر عندهم، فإنه متعلق بفطرهم من صومهم الأكبر، وهو غير مؤقت

стр. 1015

بوقت معين، بل يتغير بالتقديم والتأخير قليلا على ما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى، ونحن نقتصر في هذا الفصل على المشهور من أعيادهم دون غيره، ونبين أوقاتها، ونشرح أسبابها. وهي أربعة عشر عيدا. وهي على ضربين: كبار وصغار. الضرب الأوّل الكبار، وهي سبعة العيد الأوّل البشارة ، ويعنون به بشارة غبريال، (وهو جبريل على زعمهم) لمريم ﵍ بميلاد عيسى صلوات الله عليه، يعملونه في التاسع والعشرين من برمهات من شهور القبط. الثاني الزّيتونة ، وهو عيد الشّعانين، وتفسيره بالعربيّة التّسبيح، يعملونه في سابع أحد من صومهم؛ وسنّتهم فيه أن يخرجوا بسعف النخل من الكنيسة، وهو يوم ركوب المسيح لليعفور «١» ، (وهو الحمار) في القدس ودخوله صهيون وهو راكب والناس يسبّحون بين يديه، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر «٢» . الثالث الفصح ، وهو العيد الكبير عندهم، يعملونه يوم الفطر من صومهم الأكبر، يزعمون أن المسيح قام فيه بعد الصّلبوت بثلاثة أيام، وخلّص آدم من الجحيم، وأقام في الأرض أربعين يوما آخرها يوم الخميس، ثم صعد إلى السماء. قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ* «٣» . الرابع خميس الأربعين ، ويسميه الشاميّون السّلّاق «٤» ، وهو الثاني

стр. 1016

والأربعون من الفطر، ويقولون إنّ المسيح ﵇ تسلّق فيه من تلاميذه إلى السماء بعد القيام، ووعدهم بإرسال الفارقليط، وهو روح القدس عندهم. الخامس عيد الخميس ، وهو عيد العنصرة يعملونه بعد خمسين يوما من القيام؛ وهو في السادس والعشرين من بشنس، ويقولون إن روح القدس حلّت في التلاميذ وتفرّقت عليهن ألسنة الناس فتكلموا بجميع الألسنة، وذهب كلّ واحد منهم إلى بلاد لسانه الذي تكلمّ به يدعوهم إلى دين المسيح. السادس الميلاد ، وهو اليوم الذي يقولون إن المسيح ولد فيه ببيت لحم (قرية من أعمال فلسطين) ويعملونه في التاسع والعشرين من كيهك من شهور القبط، وهم يقولون إنه ولد يوم الأثنين، فيجعلون عشيّة الأحد ليلة الميلاد، فيوقدون فيها المصابيح بالكنائس ويزيّنونها «١» . السابع الغطاس ، يعملونه في الحادي عشر من طوبه، من شهور القبط. يقولون إن يحيى بن زكريّا ﵇ وينعتونه بالمعمدان غسل عيسى ﵇ ببحيرة الأردنّ، وأن عيسى لما خرج من الماء اتصل به روح القدس على هيئة حمامة، والنصارى يغمسون أولادهم فيه في الماء على أنه يقع في شدّة البرد، إلا أنّ عقبه يحمى الوقت، يقول المصريون: غطّستم صيّفتم، ونورزتم شتّيتم. الضرب الثاني من أعياد القبط الأعياد الصّغار، وهي سبعة أيام الأوّل الختان ، ويعملونه في سادس بؤنة من شهور القبط، ويقولون: إن المسيح ختن في هذا اليوم وهو الثامن من الميلاد. الثاني الأربعون ، يعملونه في الثامن من شهر أمشير من شهور القبط، ويقولون: إن سمعان الكاهن دخل بعيسى ﵇ مع أمه بعد أربعين يوما من

стр. 1017

ميلاده الهيكل وبارك عليه؛ تلك عقول أضلّها باريها، وإلا فأين مقام الكاهن من مقام عيسى ﵇، وهو روح الله وكلمته. الثالث خميس العهد ، يعملونه قبل الفصح بثلاثة أيام، وشأنهم أن يأخذوا إناء ويملأوه ماء ويزمزموا عليه، ثم يغسل البطريرك به أرجل جميع النصارى الحاضرين، ويزعمون أنّ المسيح ﵇ فعل هذا بتلاميذه في هذا اليوم يعلّمهم التواضع، وأخذ عليهم العهد ألّا يتفرقوا وأن يتواضع بعضهم لبعض، والعامّة من النصارى يسمّون هذا الخميس خميس العدس «١» ؛ وهم يطبخون فيه العدس على ألوان. الرابع سبت النّور ، وهو قبل الفصح بيوم. يقولون: إن النور يظهر على مقبرة المسيح في هذا اليوم فتشتعل منه مصابيح كنيسة القمامة بالقدس. قال صاحب «مناهج الفكر» وغيره: وما ذاك إلا من تخييلاتهم النيرنجية التي يفعلها القسّيسون منهم ليستميلوا بها عقول عوامّهم الضعيفة، وذلك أنهم يعلّقون القناديل في بيت المذبح ويتحيّلون في إيصال النار اليها بأن يمدّوا على جميعها شريطا من حديد في غاية الدقة مدهونا بدهن البلسان ودهن الزنبق، فإذا صلّوا وجاء وقت الزوال فتحوا المذبح فتدخل الناس إليه، وقد اشتعلت فيه الشموع ويتوصّل بعض القوم إلى أن يعلق النار بطرف الشريط الحديد فتسري عليه فتتقد القناديل واحدا بعد واحد، إذ من طبيعة دهن البلسان علوق النار فيه بسرعة مع أدنى ملامسة، فيظنّ من حضر من ذوي العقول الناقصة أن النار نزلت من السماء فأوقدت القناديل، فالحمد لله على الإسلام. الخامس حدّ الحدود ، وهو بعد الفصح بثمانية أيام؛ يعملونه أوّل أحد بعد الفطر، لأن الآحاد قبله مشغولة بالصوم؛ وفيه يجدّدون الآلات وأثاث البيوت، ومنه

стр. 1018

يأخذون في الاستعداد للمعاملات والأمور الدّنيويّة. السادس التجلّي ، ويعملونه في الثالث عشر من مسرى من شهور القبط، وآخره السابع والعشرون منها. يقولون: إن المسيح ﵇ تجلّى لتلاميذه بعد أن رفع في هذا اليوم، وتمنّوا عليه أن يحضر لهم إيليا وموسى ﵉، فأحضرهما لهم بمصلّى بيت المقدس ثم صعد وصعدا. السابع عيد الصّليب ، وهو في السابع عشر من توت من شهور القبط، والنصارى يقولون إن قسطنطين بن هيلاني انتقل عن اعتقاد اليونان إلى اعتقاد النصرانية، وبنى كنيسة قسطنطينية العظمى وسائر كنائس الشام، ويزعمون أن سبب ذلك أنه كان مجاورا للبرجان «١» فضاق بهم ذرعا من كثرة غاراتهم على بلاده فهمّ أن يصانعهم ويفرض لهم عليه إتاوة في كل عام ليكفّوا عنه، فرأى ليلة في المنام أن ملائكة نزلت من السماء، ومعها أعلام عليها صلبان فحاربت البرجان فانهزموا؛ فلما أصبح عمل أعلاما وصوّر فيها صلبانا ثم قاتل بها البرجان فهزمهم، فسأل من كان في بلده من التّجّار هل يعرفون فيما طافوه من البلاد دينا هذا زيّه؟ فقالوا له: دين النصرانيّة، وإنه في بلد القدس والخليل من أرض الشام. فأمر أهل مملكته بالرّجوع عن دينهم إليه، وأن يقصّوا شعورهم ويحلقوا لحاهم. وإنما فعل ذلك لأنهم يزعمون أنّ رسل عيسى ﵇ كانوا قد وردوا على اليونان قبل يأمرونهم بالتعبّد بدين النصرانية فأعرضوا عنهم ومثّلوا بهم هذه المثلة نكالا لهم ففعلوا ذلك تأسّيا بهم. ولما تنصّر قسطنطين خرجت أمّه هيلاني إلى الشام فبنت به الكنائس، وسارت إلى بيت المقدس وطلبت الخشبة التي زعمت النصارى أن المسيح صلب عليها فحملت إليها فغشّتها بالذهب، واتخذت ذلك اليوم عيدا. وسيأتي الكلام على ذلك مفصّلا في ترجمة قسطنطين في خاتمة الكتاب عند

стр. 1019

ذكر الملوك الذين استولوا على الديار المصرية، وفيما ذكرنا هنا مقنع والله أعلم. وقد صار من أعيادهم المشهورة بالديار المصرية النّيروز؛ وهو أوّل يوم من سنتهم؛ وإن لفظة النيروز فارسية معرّبة، وكأن القبط والله أعلم اتخذوا ذلك على طريقة الفرس واستعاروا اسمه منهم فسمّوا اليوم الأول من سنتهم أيضا نيروزا وجعلوه عيدا. قال في «مناهج الفكر» : وهم يظهرون فيه من الفرح والسرور، وإيقاد النيران، وصبّ الأمواه أضعاف ما يفعله الفرس؛ ويشاركهم فيه العوامّ من المسلمين. قال المسعوديّ: وأهل الشام يعملون مثل ذلك في أوّل سنتهم أيضا، وهو أوّل يوم من ينير من شهور الروم، ويوافقه كانون الثاني، وهو الشهر الرابع من شهور السّريان؛ وذلك في السادس من طوبة من شهور القبط، ويسمّونه القلنداس، إلا أن أهل مصر يزيدون فيه التّصافع بالأنطاع، وربما حملهم ترك الاحتشام على أن يتجرّأوا على الرجل المطاع؛ ولولا أنّ ولاة الأمر يردعونهم ويمنعونهم من ذلك، لمنعوا الطريق من السالك؛ وهم مع ذلك من ظفروا به لا يتركونه إلا بما يرضيهم. والذي استقرّ عليه الحال بالديار المصرية إلى آخر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة أنهم يقتصرون على رشّ الأمواه والتّصافع، وترك الاحتشام دون إيقاد النيران، إلا من يفعل ذلك من النصارى في بيته أو خاصّته. ولهم أعياد ومواسم سوى ما تقدّم ذكرها صاحب التذكرة ونحن نذكرها على ترتيب شهور القبط، وهي: عيد سيغورس، وعيد متّى الإنجيلي، وهما في الثاني من توت. عيد سمعان الحبيس، وهو في الرابع من توت. عيد ماما؛ وهو في الخامس من توت. عيد شعيا؛ وهو في السادس من توت. عيد ساويرس؛ وهو في السابع من توت. عيد موسى النبيّ ﵇؛ وهو في الثامن من توت. عيد توما التلميذ؛ وهو في

стр. 1020

التاسع من توت. وخروج نوح ﵇ من السفينة، ومولد مريم ﵍، وهما في العاشر من توت. عيد باسيليوس، وهو في الحادي عشر من توت. عيد ميخائيل، وصوم جدليا، وهما في الثالث عشر من توت. عيد سمعان الحبيس، وعيد تادرس الشهيد؛ وهما في الرابع عشر من توت. عيد اسفانوس؛ وهو في السادس عشر من توت، وصوم كبور؛ وهو في العشرين من توت. ونياحة أبي جرج؛ وهي في الثاني والعشرين من توت. عيد أولاد الفرس؛ وهو في الثالث والعشرين من توت. عيد أليصابات، وهو في السادس والعشرين من توت. عيد اسطاتوا، وانتقال يوحنا؛ وهما في السابع والعشرين من توت. عيد اجرويفون؛ وهو في أول بابه. عيد سوسنان، وهو في الثاني من بابه. عيد يعقوب بن حلفا؛ وهو في الخامس من بابه. عيد أبو بولا؛ وهو في السابع من بابه. عيد توما؛ وهو في الثامن من بابه. عيد أبي مسرجة؛ وهو في العاشر من بابه. عيد يعقوب؛ وهو في الحادي عشر من بابه. وشهادة متّى؛ وهي في الثاني عشر من بابه. عيد الفرات، وهو في الثالث عشر من بابه. وشهادة يوحنّا؛ وهي في العشرين من بابه. وتذكار السيدة؛ وهو في الحادي والعشرين من بابه. عيد لوقا؛ وهو في الثاني والعشرين من بابه. عيد أبي جرج؛ وهو في الثالث والعشرين من بابه. ودخول السيدة الهيكل، وهو في الحادي والعشرين من بابه. عيد يعقوب ويوسف؛ وهو في السادس والعشرين من بابه. عيد أبي مقار، وهو في السابع والعشرين من بابه. عيد مرقص؛ وهو في آخر يوم من بابه. عيد بطرس البطرك؛ وهو في أوّل يوم من هاتور. عيد زكريّا؛ وهو في الرابع من هاتور. واجتماع التلاميذ؛ وهو في السادس من هاتور. وتكريز أبي جرج؛ وهو في السابع من هاتور. وعيد الأربع حيوانات، وهو في الثامن من هاتور. وتذكار الثلاثمائة وثمانية عشر، وهو في التاسع من هاتور. ونياحة إسحاق؛ وهو في العاشر من هاتور. عيد ميكائيل؛ وهو في الثاني عشر من هاتور. وشهادة أبي مينا؛ وهو في الخامس عشر من هاتور. عيد فيلبس الرسول؛ وهو في التاسع عشر من هاتور. عيد أساسياس؛ وهو في العشرين من هاتور. عيد شمعون؛ وهو في الحادي والعشرين من هاتور. تذكار الشهداء، وهو
следующие страницы →