ورجاله ثقات.
(تنبيه) : أورد السيوطي الحديث في " زوائد الجامع الصغير " بلفظ: " ما اغبرت
قدما عبد في سبيل الله إلا حرم الله عليه النار "، وقال: " رواه الأربعة عن
مالك بن عبد الله الخثعمي ". قلت: وهذا وهم عجيب، فإن الأربعة لم يخرجوا
لمالك هذا أصلا، ولا هو من رجال " التهذيب "، ولذلك لم يعزه الحافظ في
ترجمته من " الإصابة " إلا لأبي داود الطيالسي وأحمد والطبراني والبغوي.
(فائدة) : (قلمية) قال في " معجم البلدان ": " بفتح أوله وثانيه وسكون
الميم والياء خفيفة: كورة واسعة برأسها من بلاد الروم، قرب (طرسوس) ".
قلت: ووقع في " المسند ": (قلمتة) ، وفي " مجمع الزوائد " (٥ / ٢٨٥) :
(ملمة) ولعل الصواب ما أثبته.
٢٢٢٠ - " ما أقفر من أدم بيت فيه خل ".
أخرجه الترمذي (١٨٤٢) وأبو نعيم في " الحلية " (٨ / ٣١٢ - ٣١٣) والديلمي
(٤ / ٣٤) من طريق ثابت بن أبي صفية أبي حمزة الثمالي عن الشعبي عن أم هانىء
قالت: " دخل علي النبي ﷺ فقال: يا أم هانىء! هل عندك شيء
؟ فقالت: لا، إلا كسيرات يابسات وخل، فقال: "، فذكره، وقال أبو نعيم:
" غريب من حديث أبي حمزة ". قلت: وهو ضعيف كما في " التقريب "، وقال
الذهبي في " الضعفاء ":
стр. 3117
" متفق على ضعفه ". وأما الترمذي فقال: " حديث حسن
غريب من هذا الوجه ". كذا قال: ولا يخفى ما فيه، لكني وجدت للحديث شاهدا
قويا، فقال أحمد (٣ / ٣٥٣) : حدثنا محمد بن يزيد عن حجاج بن أبي زينب عن أبي
سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " نعم الإدام الخل،
ما أقفر بيت فيه خل ". قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال مسلم - على
ضعف في حفظ حجاج بن أبي زينب - غير محمد بن يزيد، وهو الواسطي وهو ثقة.
وقد تابعه يزيد بن هارون أخبرنا حجاج بن أبي زينب به أتم منه، وفيه قصة أم
هانىء لكنها لم تسم لكن ليس فيه: " ما أقفر بيت فيه خل ". أخرجه مسلم (٦ /
١٢٦) والدارمي (٢ / ١٠١) وأبو يعلى (٢ / ٥٩٣) بلفظ: " هاتوه، فنعم
الأدم الخل ". وأخرجه مسلم والترمذي وأبو يعلى (٢ / ٥٩١) وأحمد (٣ /
٣٠١ و ٣٠٤ و ٣٥٣ و ٣٦٤ و ٣٨٩ و ٣٩٠ و ٤٠٠) من طريق أخرى عن أبي سفيان به
مختصرا: " نعم الإدام الخل ". وكذلك أخرجه مسلم والترمذي والدارمي من حديث
سليمان بن بلال عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا. وأخرج الشطر الثاني
منه ابن حبان في " ثقات التابعين " (١٤ / ١) من طريق أنس بن عبد الحميد الضبي
حدثنا هشام به.
стр. 3118
وأخرجه ابن ماجة (٢ / ٣١٤) من طريق عنبسة بن عبد الرحمن عن
محمد بن زاذان قال: حدثتني أم سعد قالت: " دخل رسول الله ﷺ
على عائشة - وأنا عندها - فقال: هل من غداء؟ قالت: عندنا خبز وتمر وخل،
فقال رسول الله ﷺ : نعم الإدام الخل، اللهم بارك في الخل،
فإنه كان إدام الأنبياء قبلي، ولم يفتقر بيت فيه خل ". قلت: وهذا إسناد
هالك، عنبسة وابن زاذان متروكان، والأول رماه أبو حاتم بالوضع. ثم وجدت
لحديث جابر طريقا أخرى، ولكنه ضعيف جدا، يرويه الحسن بن قتيبة: حدثنا مغيرة
(هو ابن زياد) عن أبي الزبير عنه بلفظ: " ما أقفر أهل بيت من أدم فيه خل
وخير خلكم خل خمركم ". أخرجه البيهقي (٦ / ٣٨) وقال: " قال أبو عبد الله (
يعني شيخه الحاكم) : هذا حديث واهي، والمغيرة بن زياد صاحب مناكير ".
قلت: المغيرة هذا صدوق له أوهام كما في " التقريب "، فليست العلة منه وإنما
من الراوي عنه الحسن بن قتيبة، فإنه هالك كما قال الذهبي، وقال الدارقطني:
" متروك الحديث ". ونحوه في الضعف، ما زاده عبيد الله بن الوليد عن عبد الله
بن عبيد بن عمير قال: " دخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ على
جابر بن عبد الله، فقرب إليهم خبزا وخلا، فقال: كلوا، فإني سمعت رسول الله
ﷺ يقول: نعم الإدام الخل، إنه هلاك بالرجل أن يدخل عليه
النفر من إخوانه فيحتقر ما في بيته أن يقدمه إليهم، وهلاك بالقوم
стр. 3119
أن يحتقروا
ما قدم إليهم ". أخرجه البيهقي (٧ / ٢٧٩ - ٢٨٠) وأحمد (٣ / ٣٧١) .
قلت: وعبيد الله هذا ضعيف كما جزم به الحافظ. وقد روي من طريقين آخرين عن
جابر ولكنهما معلولان ولذلك خرجته في " الضعيفة " (٥٣٧٩) .
٢٢٢١ - " ما أوتيكم من شيء وما أمنعكموه، إن أنا إلا خازن أضع حيث أمرت ".
أخرجه أبو داود (٢ / ٢٥) وأحمد (٢ / ٣١٤) عن عبد الرزاق أخبرنا معمر عن
همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وتابعه عبد الرحمن
بن أبي عمرة عن أبي هريرة بلفظ: " والله ما أعطيكم ولا أمنعكم وإنما أنا
قاسم أضعه حيث أمرت ". أخرجه البخاري (٦ / ١٦٥ - فتح) وأحمد (٢ / ٤٨٢) .
٢٢٢٢ - " ما أوذي أحد ما أوذيت في الله ".
أخرجه الديلمي (٤ / ٥١) من طريق محمد بن إبراهيم الطرسوسي حدثنا إسحاق بن
منصور حدثنا إسرائيل عن جابر عن ابن بريدة عن أبيه رفعه. قلت: وهذا
إسناد ضعيف، رجاله موثقون غير جابر - وهو ابن يزيد الجعفي - وهو ضعيف.
ورواه أبو نعيم في " الحلية " (٦ / ٢٣٣) عن محمد بن سليمان بن هشام حدثنا وكيع
стр. 3120
عن مالك (عن الزهري) عن أنس مرفوعا نحوه، وقال: " غريب من حديث مالك،
تفرد به وكيع ". قلت: والراوي عنه ابن هشام - وهو الشطوي - ضعيف، لكن
مفهوم قول أبي نعيم: " تفرد به وكيع " أنه لم يتفرد به الشطوي، فإن كان كذلك
فالحديث صحيح ولعله لذلك سكت عليه السخاوي في " المقاصد " (ص ٣٦١ / ٩٦٩)
وقال: " وأصله في البخاري ". والحديث رواه ابن عدي أيضا وابن عساكر عن جابر
كما في " الجامع الصغير ". وبالجملة، فالحديث بمجموع هذه الطرق الثلاث يرتقي
إلى درجة الحسن إن شاء الله تعالى. وأما قول السخاوي: " وأصله في البخاري "
. فلم أدر ما يعني، فإني لا أعلم لأنس قريبا من هذا عنده، وإن كان يعني
حديثه الذي رواه عنه ثابت مرفوعا بلفظ: " لقد أذيت في الله وما يؤذى أحد،
ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثالثة وما لي ولبلال طعام
يأكله ذو كبد إلا مما وارى إبط بلال ". قلت: فهذا شيء، وحديث الترجمة شيء
آخر، فإنه يتحدث عن زمانه ﷺ فهو خاص، وحديث الترجمة أعم
كما هو ظاهر، ثم إنه لم يروه البخاري وإنما رواه الترمذي (٢٤٧٤) وابن ماجة
(١ / ٦٧) وأحمد (٣ / ١٢٠ و ٢٨٦) عن حماد بن سلمة أنبأنا ثابت به. وقال
الترمذي: " حديث حسن صحيح ". قلت: وهو على شرط مسلم.
стр. 3121
٢٢٢٣ - " ما تريدون من علي؟ إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي ".
أخرجه الترمذي (٣٧١٣) والنسائي في " الخصائص " (ص ١٣ و ١٦ - ١٧) وابن
حبان (٢٢٠٣) والحاكم (٣ / ١١٠) والطيالسي في " مسنده " (٨٢٩) وأحمد (
٤ / ٤٣٧ - ٤٣٨) وابن عدي في " الكامل " (٢ / ٥٦٨ - ٥٦٩) من طريق جعفر بن
اليمان الضبعي عن يزيد الرشك عن مطرف عن عمران بن حصين ﵁ قال:
" بعث رسول الله ﷺ جيشا، واستعمل عليهم علي بن أبي طالب،
فمضى في السرية، فأصاب جارية، فأنكروا عليه، وتعاقدوا أربعة من أصحاب رسول
الله ﷺ فقالوا: إن لقينا رسول الله ﷺ
أخبرناه بما صنع علي وكان المسلمون إذا رجعوا من سفر بدأوا برسول الله صلى
الله عليه وسلم فسلموا عليه، ثم انصرفوا إلى رحالهم، فلما قدمت السرية سلموا
على النبي ﷺ ، فقام أحد الأربعة فقال: يا رسول الله! ألم تر
إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ،
ثم قام الثاني، فقال مثل مقالته، فأعرض عنه، ثم قام إليه الثالث، فقال مثل
مقالته، فأعرض عنه، ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا، فأقبل إليه رسول الله
ﷺ والغضب يعرف في وجهه فقال: " فذكره. وقال الترمذي: "
حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان ". قلت: وهو ثقة من
رجال مسلم وكذلك سائر رجاله ولذلك قال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم "،
وأقره الذهبي. وللحديث شاهد يرويه أجلح الكندي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه
بريدة قال: بعث رسول الله ﷺ بعثين إلى اليمن، على أحدهما
علي بن أبي طالب.. فذكر القصة بنحو ما تقدم، وفي آخره:
стр. 3122
" لا تقع في علي،
فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي وإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي ".
أخرجه أحمد (٥ / ٣٥٦) . قلت: وإسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير
الأجلح، وهو ابن عبد الله الكندي، مختلف فيه، وفي " التقريب ": " صدوق
شيعي ". فإن قال قائل: راوي هذا الشاهد شيعي، وكذلك في سند المشهود له شيعي
آخر، وهو جعفر بن سليمان، أفلا يعتبر ذلك طعنا في الحديث وعلة فيه؟ !
فأقول: كلا لأن العبرة في رواية الحديث إنما هو الصدق والحفظ، وأما المذهب
فهو بينه وبين ربه، فهو حسيبه، ولذلك نجد صاحبي " الصحيحين " وغيرهما قد
أخرجوا لكثير من الثقات المخالفين كالخوارج والشيعة وغيرهم، وهذا هو المثال
بين أيدينا، فقد صحح الحديث ابن حبان كما رأيت مع أنه قال في راويه جعفر في
كتابه " مشاهير علماء الأمصار " (١٥٩ / ١٢٦٣) : " كان يتشيع ويغلو فيه ".
بل إنه قال في ثقاته (٦ / ١٤٠) : " كان يبغض الشيخين ". وهذا، وإن كنت في
شك من ثبوته عنه، فإن مما لا ريب فيه أنه شيعي لإجماعهم على ذلك، ولا يلزم
من التشيع بغض الشيخين ﵄، وإنما مجرد التفضيل. والإسناد الذي
ذكره ابن حبان برواية تصريحه ببغضهما، فيه جرير بن يزيد بن هارون، ولم أجد
له ترجمة، ولا وقفت على إسناد آخر بذلك إليه. ومع ذلك فقد قال ابن حبان عقب
ذاك التصريح:
стр. 3123
" وكان جعفر بن سليمان من الثقات المتقنين في الروايات غير أنه
كان ينتحل الميل إلى أهل البيت، ولم يكن بداعية إلى مذهبه، وليس بين أهل
الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها
أن الاحتجاج بأخباره جائز ". على أن الحديث قد جاء مفرقا من طرق أخرى ليس فيها
شيعي. أما قوله: " إن عليا مني وأنا منه ". فهو ثابت في " صحيح البخاري " (٢٦٩٩) من حديث البراء بن عازب في قصة اختصام علي وزيد وجعفر في ابنة حمزة،
فقال ﷺ لعلي ﵁: " أنت مني وأنا منك ". وروي من
حديث حبشي بن جنادة، وقد سبق تخريجه تحت الحديث (١٩٨٠) . وأما قوله: "
وهو ولي كل مؤمن بعدي ". فقد جاء من حديث ابن عباس، فقال الطيالسي (٢٧٥٢) :
حدثنا أبو عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عنه " أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال لعلي: " أنت ولي كل مؤمن بعدي ". وأخرجه أحمد (١ / ٣٣٠ - ٣٣١)
ومن طريقه الحاكم (٣ / ١٣٢ - ١٣٣) وقال: " صحيح الإسناد "، ووافقه الذهبي
، وهو كما قالا. وهو بمعنى قوله ﷺ : " من كنت مولاه فعلي
مولاه.. " وقد صح من طرق كما تقدم بيانه في المجلد الرابع برقم (١٧٥٠) .
فمن العجيب حقا أن يتجرأ شيخ الإسلام ابن تيمية على إنكار هذا الحديث
стр. 3124
وتكذيبه
في " منهاج السنة " (٤ / ١٠٤) كما فعل بالحديث المتقدم هناك، مع تقريره رحمه
الله أحسن تقرير أن الموالاة هنا ضد المعاداة وهو حكم ثابت لكل مؤمن، وعلي
﵁ من كبارهم، يتولاهم ويتولونه. ففيه رد على الخوارج والنواصب،
لكن ليس في الحديث أنه ليس للمؤمنين مولى سواه، وقد قال النبي صلى الله عليه
وسلم: " أسلم وغفار ومزينة وجهينة وقريش والأنصار موالي دون الناس، ليس
لهم مولى دون الله ورسوله ". فالحديث ليس فيه دليل البتة على أن عليا رضي
الله عنه هو الأحق بالخلافة من الشيخين كما تزعم الشيعة لأن الموالاة غير
الولاية التي هي بمعنى الإمارة، فإنما يقال فيها: والي كل مؤمن. هذا كله من
بيان شيخ الإسلام وهو قوي متين كما ترى، فلا أدري بعد ذلك وجه تكذيبه للحديث
إلا التسرع والمبالغة في الرد على الشيعة، غفر الله لنا وله.
٢٢٢٤ - " ما تستقل الشمس فيبقى شيء من خلق الله إلا سبح الله وحمده إلا
ما كان من الشيطان وأعتى بني آدم، فسألت عن أعتى بني آدم؟ فقال: شرار الخلق
، أو قال: شرار خلق الله ".
أخرجه ابن السني في " عمل اليوم والليلة " (١٤٦) وعنه الديلمي (٤ / ٤٦)
وأبو نعيم في " الحلية " (٦ / ١١١) من طريق بقية بن الوليد حدثني صفوان بن
عمرو عن عبد الرحمن بن ميسرة أبي سلمة الحضرمي عن عمرو بن عبسة رضي الله
عنه عن رسول الله ﷺ : فذكره. قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله
ثقات معروفون غير أبي سلمة الحضرمي، وقد روى عنه جمع منهم حريز بن عثمان،
وقد قال أبو داود: " شيوخ حريز كلهم ثقات ".
стр. 3125
وقال العجلي: " شامي تابعي ثقة
". وبقية، الكلام فيه معروف، والراجح منه الاحتجاج بحديثه إذا صرح
بالتحديث عن شيخه، وقد قال الذهبي في " الكاشف ": " وثقه الجمهور فيما سمعه
من الثقات، وقال النسائي: إذا قال: (حدثنا) و (أخبرنا) ، فهو ثقة ".
٢٢٢٥ - " ما تقولون؟ إن كان أمر دنياكم فشأنكم، وإن كان أمر دينكم فإلي ".
أخرجه الإمام أحمد (٥ / ٢٩٨) عن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن
أبي قتادة قال: " كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال:
إنكم إن لا تدركوا الماء غدا تعطشوا وانطلق سرعان الناس يريدون الماء ولزمت
رسول الله ﷺ ، فمالت برسول الله ﷺ راحلته،
فنعس رسول الله ﷺ ، فدعمته، فادعم، ثم مال، فدعمته، فأدعم
، ثم مال حتى كاد أن ينجفل عن راحلته، فدعمته، فانتبه، فقال: من الرجل؟
قلت: أبو قتادة. قال: منذ كم كان مسيرك؟ قلت: منذ الليلة. قال: حفظك
الله كما حفظت رسوله. ثم قال: لو عرسنا، فمال إلى شجرة فنزل، فقال: انظر
هل ترى أحد؟ قلت: هذا راكب، هذان راكبان، حتى بلغ سبعة، فقلنا: احفظوا
علينا صلاتنا، فنمنا، فما أيقظنا إلا حر الشمس، فانتبهنا، فركب رسول الله
ﷺ ، فسار وسرنا هنيهة، ثم نزل فقال: أمعكم ماء؟ قال: قلت
: نعم. معي ميضأة فيها شيء من ماء، قال: ائت بها. فأتيته بها، فقال: مسوا
منها، مسوا منها. فتوضأ القوم، وبقيت جرعة، فقال: ازدهر بها يا أبا قتادة
! فإنه سيكون
стр. 3126
لها نبأ، ثم أذن بلال وصلوا الركعتين قبل الفجر، ثم صلوا الفجر
، ثم ركب وركبنا، فقال بعضهم لبعض: فرطنا في صلاتنا، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (فذكره) ، قلنا: يا رسول الله! فرطنا في صلاتنا: فقال:
لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة، فإذا كان ذلك فصلوها، ومن الغد
وقتها، ثم قال: ظنوا بالقوم، قالوا: إنك قلت بالأمس: إن لا تدركوا الماء
غدا تعطشوا، فالناس بالماء. فقال: أصبح الناس وقد فقدوا نبيهم، فقال بعضهم
لبعض: إن رسول الله ﷺ بالماء، وفي القوم أبي بكر وعمر،
فقالا: أيها الناس! إن رسول الله ﷺ لم يكن ليسبقكم إلى
الماء ويخلفكم، وإن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا. قالها ثلاثا، فلما
اشتدت الظهيرة، رفع لهم رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله
! هلكنا عطشا تقطعت الأعناق. فقال: لا هلك عليكم، ثم قال: يا أبا قتادة!
ائت بالميضأة، فأتيته بها. فقال: احلل لي غمري، يعني: قدحه، فحللته،
فأتيته به، فجعل يصب فيه ويسقي الناس، فازدحم الناس عليه، فقال رسول الله
ﷺ : يا أيها الناس! أحسنوا الملء فكلكم يصدر عن ري، فشرب
القوم حتى لم يبق غيري وغير رسول الله ﷺ ، فصب لي. فقال:
اشرب يا أبا قتادة! قال: قلت: اشرب أنت يا رسول الله! قال: إن ساقي القوم
آخرهم. فشربت وشرب بعدي، وبقي في الميضأة نحو مما كان فيها. وهم يومئذ
ثلاثمائة ". قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم وقد أخرجه في " صحيحه " دون
موضع الشاهد منه، وهو رواية لأحمد.
٢٢٢٦ - " ما حبست الشمس على بشر قط إلا على يوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس ".
رواه أحمد (٢ / ٣٢٥) والخطيب (٩ / ٩٩) وعنه ابن عساكر (٧ / ١٥٧ / ٢) من
طريق أبي بكر بن عياش عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا.
стр. 3127
قلت: وهذا إسناد جيد على شرط البخاري. وقد أخرجه هو ومسلم من طريق أخرى عن
أبي هريرة مرفوعا نحوه مطولا، وسيأتي إن شاء الله تعالى برقم (٢٧٤١) .
٢٢٢٧ - " ما خالط قلب امرئ مسلم رهج في سبيل الله، إلا حرم الله عليه النار ".
أخرجه أحمد (٦ / ٨٥) عن إسماعيل بن عياش عن الأوزاعي عن عبد الرحمن بن القاسم
عن أبيه عن عائشة: " أن مكاتبا لها دخل عليها ببقية مكاتبته، فقالت له:
أنت غير داخل علي غير مرتك هذه، فعليك بالجهاد في سبيل الله، فإني سمعت رسول
الله ﷺ يقول: " فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم
ثقات رجال الشيخين غير إسماعيل بن عياش وهو ثقة في روايته عن الشاميين، وهذه
منها. قلت: وقد تابعه سويد بن عبد العزيز حدثنا الأوزاعي به. أخرجه ابن أبي
عاصم في " الجهاد " (ق ٨٤ / ١) . وسويد هذا لين الحديث، كما في " التقريب "
، فيستشهد به. وله عنده طريق أخرى، أخرجه من طريق حفص بن جميع عن المغيرة عن
الحكم عن عطاء عنها. وحفص هذا ضعيف أيضا. ووجدت له طريقا ثالثا، فقال
الطبراني في " المعجم الأوسط " (رقم ٩٥٧٧ - مصورتي) : حدثنا هيثم بن خلف
أخبرنا محمد بن عمار الموصلي أخبرنا القاسم بن يزيد الجرمي عن صدقة بن عبد الله
الدمشقي عن ابن جريج عن محمد بن زياد المدني عن
стр. 3128
() مولى عائشة قال: قالت
عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره نحوه. وقال: " لم
يروه عن ابن جريج إلا صدقة، ولا عن صدقة إلا القاسم بن يزيد، تفرد به محمد
بن عمار ". قلت: وهو ثقة حافظ من شيوخ النسائي، نسبه إلى جده وإلا فهو
محمد بن عبد الله بن عمار، أبو جعفر البغدادي، نزيل الموصل. ومن فوقه ثقات
غير صدقة، فهو ضعيف. و () مولى عائشة لم أعرفه، ووقع في " المعجم " هكذا
بغير إعجام، فلم يتبين لي اسمه. وبالجملة، فالحديث صحيح بهذه الطرق،
وخيرها أولها، وقد وثق المنذري (٢ / ١٦٨) رجالها. وكذلك فعل الهيثمي (٥ /
٢٧٦) وأقره المناوي، بل قال في " التيسير ": " إسناده صحيح وقول المؤلف:
" حسن " تقصير ". (تنبيه) : (الرهج) بفتح الراء وفتح الهاء وتسكن: هو
الغبار، كما في " ابن الأثير " وغيره، وشذ المنذري فقال في تفسيره: " هو
ما بداخل باطن الإنسان من الخوف والجزع ". وهذا خطأ بلا نزاع، لم يقله غيره
كما في " عجالة الإملاء " للحافظ الناجي، وأيد ذلك بالنقل عن أهل اللغة،
ونقل عن طائفة منهم أنه بفتح الهاء، وأن الإسكان لم يذكره إلا صاحب " القاموس
". والله أعلم. ولعل المنذري ﵀ تأثر فيما ذهب إليه بالتحديث الذي
ساقه عقبه مرفوعا بلفظ: " إذا رجف قلب المؤمن في سبيل الله تحاتت عنه خطاياه،
كما يتحات عنه عذق النخلة ".
стр. 3129
رواه الطبراني. ولا يخفى أن هذا الحديث مستقل
عن ذاك، ولا يمكن اعتباره بوجه من الوجوه مفسرا له، هذا لو ثبت، فكيف وهو
موضوع، كما بينته في " الأحاديث الضعيفة " (٥١٤٥) ؟ !
٢٢٢٨ - " ما على الأرض من نفس تموت، ولها عند الله خير، تحب أن ترجع إليكم ولها
الدنيا إلا القتيل (في سبيل الله) ، فإنه يحب أن يرجع فيقتل مرة أخرى ".
أخرجه النسائي (٢ / ٦٢) وأحمد (٥ / ٣١٨، ٣٢٢) من طريقين عن كثير بن مرة
أن عبادة بن الصامت حدثهم أن رسول الله ﷺ قال: فذكره.
قلت: وإسناد النسائي جيد، وكذلك إسناد أحمد لو أن ابن جريج صرح بالتحديث،
لكنه شاهد للذي قبله.
(تنبيه) : أورد السيوطي الحديث برواية المذكورين بزيادة في آخره " لما يرى من
ثواب الله له ". وهي ليست عندهما كما ذكرنا، وقد عزاه في " الجامع الكبير "
لابن أبي الدنيا أيضا في " ذكر الموت " والروياني والطبراني في " الكبير "
والضياء المقدسي عن عبادة، فلعلها عند أحدهم. وقد وجدت لها شاهدا من حديث أنس
مرفوعا بلفظ: " ما من نفس تموت فتدخل الجنة فتود أنها رجعت إليكم ولها الدنيا
وما فيها إلا الشهيد، فإنه ود أنه قتل كذا وكذا مرة، لما رأى من الثواب ".
أخرجه الدارمي (٢ / ٢٠٦) بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجاه بمعناه.
стр. 3130
٢٢٢٩ - " ما علمته إذ كان جاهلا، وأطعمته إذ كان ساغبا أو جائعا ".
أخرجه أبو داود (١ / ٤٠٨ - ٤٠٩) وابن ماجة (٢ / ٤٤) والحاكم (٤ / ١٣٣)
والبيهقي (١٠ / ٢) وأحمد (٤ / ١٦٦ - ١٦٧) وابن سعد (٧ / ٥٥) عن أبي
بشر عن عبادة بن شرحبيل قال: " أصابتني سنة، فدخلت حائطا من حيطان
المدينة، ففركت سنبلا فأكلت وحملت في ثوبي، فجاء صاحبه، فضربني وأخذ ثوبي
، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقال له: (فذكره) وأمره، فرد علي
ثوبي وأعطاني وسقا أو نصف وسق من طعام ". وقال الحاكم: " صحيح الإسناد "
ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
٢٢٣٠ - " ما أنكر قلبك فدعه ".
أخرجه عبد الله بن المبارك في " الزهد " (٨٢٤ و ١١٦٢) : أخبرنا ابن لهيعة قال
: حدثنا يزيد بن أبي حبيب أن سويد بن قيس أخبره أن عبد الله بن معاوية بن
حديج أخبره: " أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول
الله! ما يحل لي مما يحرم علي؟ فسكت رسول الله ﷺ ، فرد عليه
ثلاث مرات، كل ذلك يسكت رسول الله ﷺ ، فقال: من السائل؟
فقال الرجل: أنا ذا يا رسول الله! قال: ونقر بأصبعيه: " فذكره. قلت:
وهذا إسناد مرسل صحيح، رجاله ثقات، فإن ابن لهيعة صحيح الحديث إذا روى عنه
العبادلة، وابن المبارك أحدهم. وله شاهد من حديث أبي أمامة قال:
стр. 3131
" سأل رجل
النبي ﷺ ما الإثم؟ قال: ما حك أو ما حاك في صدرك فدعه ".
أخرجه ابن المبارك (٨٢٥) بإسناد صحيح، وغيره كما سبق برقم (٥٥٠) .
٢٢٣١ - " يا أبا بكر! ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله إلا
أعز الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها
كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة ".
أخرجه أحمد (٢ / ٤٣٦) عن ابن عجلان قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد عن أبي
هريرة: " أن رجلا شتم أبا بكر والنبي ﷺ جالس، فجعل النبي
ﷺ يعجب ويبتسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي
ﷺ وقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله! كان يشتمني
وأنت جالس فلما رددت عليه بعض قوله، غضبت وقمت، قال: إنه كان معك ملك يرد
عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان، ثم
قال: " فذكره.
قلت: وإسناده جيد. والحديث قال في " مجمع الزوائد " (٨ / ١٩٠) : " رواه
أحمد والطبراني في " الأوسط " بنحوه ورجال أحمد رجال (الصحيح) "! كذا قال
، وابن عجلان إنما أخرج له البخاري تعليقا ومسلم استشهادا. وللجملة الأخيرة
منه طريق أخرى عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة. أخرجه أحمد (٢
/ ٤١٨) .
стр. 3132
وسنده صحيح على شرط مسلم.
٢٢٣٢ - " وما سبيل الله إلا من قتل؟! من سعى على والديه ففي سبيل الله ومن سعى على
عياله ففي سبيل الله (ومن سعى على نفسه ليعفها فهو في سبيل الله) ومن سعى
مكاثرا ففي سبيل الطاغوت وفي رواية: سبيل الشيطان ".
أخرجه البزار (١٨٧١ - الكشف) وأبو نعيم في " الحلية " (٦ / ١٩٦ - ١٩٧)
والأصبهاني في " الترغيب والترهيب " (ق ٤٧ / ٢ - ٤٨ / ١ - مصور الجامعة
الإسلامية الثانية) والبيهقي في " السنن " (٩ / ٢٥) من طرق عن أحمد بن عبد
الله بن يونس حدثنا رياح بن عمرو حدثنا أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن
أبي هريرة قال: بينا نحن مع رسول الله ﷺ إذ طلع شاب من
الثنية، فلما رأيناه رميناه بأبصارنا، فقلنا: لو أن هذا الشاب جعل شبابه
ونشاطه وقوته في سبيل الله! فسمع رسول الله ﷺ مقالتنا فقال:
فذكره. والسياق لأبي نعيم والزيادة للأصبهاني.
قلت: وإسناده جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير رياح بن عمرو - وهو
القيسي - وهو صدوق كما قال أبو زرعة. وقال في " المجمع " (٨ / ١٤٤) : "
رواه البزار والطبراني في " الأوسط " وفيه رباح بن عمر وثقه أبو حاتم وضعفه
غيره وبقية رجاله رجال الصحيح ". كذا وقع فيه: " رباح " بالموحدة، والصواب
: (رياح) بالمثناة التحتية و (ابن عمر)
стр. 3133
خطأ أيضا ولعله مطبعي لم يتنبه له
الأعظمي في تعليقه على " الكشف " والصواب (ابن عمرو) بفتح العين ".
والحديث صحيح، فإن له شواهد كثيرة كما بينته في " التعليق الرغيب على الترغيب
والترهيب " وقد ذكر أحدها (٣ / ٤) من حديث كعب بن عجرة وأخرجه بحشل الواسطي
في " تاريخ واسط " (ص ١٤٦) . وللحديث طريق أخرى، يرويه سليمان بن كيسان عن
هارون بن راشد عن أبي هريرة به نحوه. أخرجه إسحاق بن راهويه في " مسنده " (٤
/ ٤٢ / ٢) . وهارون هذا قال الذهبي: " روى عن تابعي عن أبي هريرة، مجهول،
وذكره ابن حبان في (الثقات) ".
٢٢٣٣ - " ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سمى ".
أخرجه أبو داود (١ / ٣٩٦) والحاكم (٢ / ١١٢) وعنه البيهقي (٦ / ٣٣١) عن
عبد الله بن الديلمي أن يعلى بن منية قال: " آذن رسول الله صلى الله عليه
وسلم بالغزو، وأنا شيخ كبير ليس لي خادم، فالتمست أجيرا يكفيني، وأجري له
سهمه، فوجدت رجلا، فلما دنا الرحيل أتاني فقال: ما أدري ما السهمان وما
يبلغ سهمي؟ فسم لي شيئا، كان السهم أو لم يكن، فسميت له ثلاثة دنانير، فلما
حضرت غنيمته، أردت أن أجري له سهمه فذكرت الدنانير، فجئت النبي صلى الله عليه
وسلم، فذكرت له أمره، قال: " فذكره، وقال الحاكم:
стр. 3134
" صحيح على شرط الشيخين
"، ووافقه الذهبي!
قلت: عبد الله بن الديلمي - وهو ابن فيروز - لم يخرج له الشيخان، وكذلك
عاصم بن حكيم الذي في الطريق إليه، وهما ثقتان، فالإسناد صحيح فقط. وتابعه
خالد بن دريك عن يعلى بن أمية به نحوه. أخرجه أحمد (٤ / ٢٢٣) .
قلت: وإسناده جيد، رجاله ثقات. وذكر له الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء
" (٤ / ٣١٠) شاهدا من رواية الطبراني في " مسند الشاميين " عن أبي (يعني ابن
كعب) قال: " استعنت رجلا يغزو معي ... " الحديث نحوه. وسكت عن إسناده
وإسناد أبي داود أيضا!
٢٢٣٤ - " إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف ".
أخرجه ابن وهب في " الجامع " (٥٨ / ٢) عن أسامة بن زيد الليثي عن عثمان بن
عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة زوج النبي ﷺ عن رسول
الله ﷺ قال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد حسن من رواية ابن وهب عن أسامة. وقد رواه الحاكم من هذا
الوجه وصححه، ووافقه الذهبي. وقد تابعه سفيان الثوري عن أسامة به. رواه
جماعة عن سفيان. وخالفهم في متنه معاوية بن هشام فرواه عن سفيان بلفظ: " ...
يصلون على ميامن الصفوف ". وهو بهذا اللفظ غير محفوظ كما قال البيهقي، وإن
حسنه المنذري وغيره كما بينت في " ضعيف أبي داود " (١٠٤) .
стр. 3135
٢٢٣٥ - " لو أنكم إذا خرجتم من عندي تكونون على مثل الحال التي تكونون عليها عندي
لصافحتكم الملائكة في طرق المدينة ".
أخرجه الإسماعيلي في " المعجم " (٢٩ / ١ - ٢) : حدثنا محمد بن هارون بن داهر
حدثنا عبد الواحد بن غياث حدثنا غسان بن برزين الطهوي عن ثابت البناني عن أنس
بن مالك قال: غدا أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله
! هلكنا ورب الكعبة. قال: وما ذاك؟ قالوا: النفاق النفاق!! قال: ألستم
تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: بلى. قال: ليس ذاك
النفاق. ثم عاودوه الثانية، فقالوا: يا رسول الله! هلكنا ورب الكعبة. قال
: وما ذاك: قالوا: النفاق النفاق. قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله
وأني رسول الله؟ قالوا: بلى. قال: ليس ذاك بنفاق. ثم عاودوه الثالثة،
فقالوا مثل ذلك، فقال لهم: ليس ذلك بنفاق، فقالوا: يا رسول الله! إنا إذا
كنا عندك كنا على حال، وإذا خرجنا من عند همتنا الدنيا وأهلونا. فقال رسول
الله ﷺ : فذكره.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات مترجمون في " التهذيب " غير شيخ الإسماعيلي
ابن داهر هذا، فقد أورده الخطيب في " التاريخ " (٣ / ٣٥٥) برواية الإسماعيلي
فقط عنه، وساق له عنه حديثا آخر، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. لكن
الظاهر أنه من المقبولين عند الإسماعيلي، فقد ذكر في مقدمة كتابه " المعجم "
أنه يبين حال من ذمت طريقه في الحديث بظهور كذبه فيه أو اتهامه به أو خروجه عن
جملة أهل الحديث للجهل به والذهاب عنه. والله أعلم. والحديث صحيح - أعني
حديث الترجمة - فإن له شواهد كثيرة وطرق عن أنس وغيره، وقد تقدم بعضها برقم
(١٩٤٨ و ١٩٦٣ و ١٩٦٥ و ١٩٧٦) .
стр. 3136
٢٢٣٦ - " ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا إن
بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة ".
أخرجه الحارث بن أبي أسامة في " مسنده ": حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثنا
إبراهيم بن عقيل عن أبيه عن وهب بن منبه عن جابر قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: فذكره. كذا في " المنار المنيف في الصحيح والضعيف " لابن
القيم (ص ١٤٧ - ١٤٨) ، وقال: " وهذا إسناد جيد ". وأقره الشيخ العباد في
رسالته في " المهدي " المنشورة في العدد الأول من السنة الثانية عشرة من مجلة "
الجامعة الإسلامية " (ص ٣٠٤) .
قلت: وهو كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى، فإن رجاله كلهم ثقات من رجال
أبي داود، وقد أعل بالانقطاع بين وهب وجابر، فقال ابن معين في إسماعيل هذا
: " ثقة، رجل صدق، والصحيفة التي يرويها عن وهب عن جابر ليست بشيء إنما هو
كتاب وقع إليهم ولم يسمع وهب من جابر شيئا ". وقد تعقبه الحافظ المزي، فقال
في " تهذيب الكمال ": " روى أبو بكر بن خزيمة في " صحيحه " عن محمد بن يحيى عن
إسماعيل بن عبد الكريم عن إبراهيم بن عقيل عن وهب بن منبه قال: هذا ما سألت
عنه جابر بن عبد الله وأخبرني أن النبي ﷺ كان يقول: أوكوا
الأسقية وأغلقوا الأبواب ... الحديث. وهذا إسناد صحيح إلى وهب بن منبه.
وفيه رد
стр. 3137
على من قال: إنه لم يسمع من جابر، فإن الشهادة على الإثبات مقدمة
على الشهادة على النفي، وصحيفة همام (أخو وهب) عن أبي هريرة مشهورة عند أهل
العلم، ووفاة أبي هريرة قبل جابر، فكيف يستنكر سماعه منه، وكان جميعا في
بلد واحد؟ ". ورده الحافظ في " تهذيب التهذيب "، فقال: " قلت: أما إمكان
السماع فلا ريب فيه، ولكن هذا في همام، فأما أخوه وهب الذي وقع فيه البحث
فلا ملازمة بينهما، ولا يحسن الاعتراض على ابن معين بذلك الإسناد، فإن
الظاهر أن ابن معين كان يغلط إسماعيل في هذه اللفظة عن وهب: " سألت جابرا ".
والصواب عنده: عن جابر. والله أعلم ".
وأقول: لا دليل عندنا على اطلاع ابن معين على قول وهب: " سألت جابرا ".
وعلى افتراض اطلاعه عليه ففيه تخطئة الثقة بغير حجة، وذا لا يجوز، ولاسيما
مع إمكان السماع، والبراءة من التدليس، فإن هذا كاف في الاتصال عند مسلم
والجمهور، ولو لم يثبت السماع، فكيف وقد ثبت؟ وقد ذكر الحافظ في ترجمة
عقيل هذا أن البخاري علق (يعني في " صحيحه ") عن جابر في " تفسير سورة النساء
" أثرا في الكهان، وقد جاء موصولا من رواية عقيل هذا عن وهب بن منبه عن جابر
. قلت: ذكر هناك (٨ / ٢٥٢) أنه وصله ابن أبي حاتم من طريق وهب بن منبه قال:
سألت جابر بن عبد الله عن الطواغيت.. ففيه تصريح أيضا بالسماع. وبالله
التوفيق. وأصل الحديث في " صحيح مسلم " (١ / ٩٥) من طريق أخرى عن جابر رضي
الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي
يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ". قال: " فينزل عيسى ابن مريم صلى
الله عليه وسلم، فيقول أميرهم: تعال صل لنا،
стр. 3138
فيقول لا، إن بعضكم على بعض
أمراء، تكرمة الله هذه الأمة " (١) . فالأمير في هذه الرواية هو المهدي في
حديث الترجمة وهو مفسر لها. وبالله التوفيق. واعلم أيها الأخ المؤمن! أن
كثيرا من الناس تطيش قلوبهم عن حدوث بعض الفتن، ولا بصيرة عندهم تجاهها،
بحيث إنها توضح لهم السبيل الوسط الذي يجب عليهم أن يسلكوه إبانها، فيضلون عنه
ضلالا بعيدا، فمنهم مثلا من يتبع من ادعى أنه المهدي أو عيسى، كالقاديانيين
الذين اتبعوا ميرزا غلام أحمد القادياني الذي ادعى المهدوية أولا، ثم العيسوية
، ثم النبوة، ومثل جماعة (جهيمان) السعودي الذي قام بفتنة الحرم المكي على
رأس سنة (١٤٠٠) هجرية، وزعم أن معه المهدي المنتظر، وطلب من الحاضرين في
الحرم أن يبايعوه، وكان قد اتبعه بعض البسطاء والمغفلين والأشرار من أتباعه
، ثم قضى الله على فتنتهم بعد أن سفكوا كثيرا من دماء المسلمين، وأراح الله
تعال العباد من شرهم. ومنهم من يشاركنا في النقمة على هؤلاء المدعين للمهدوية
، ولكنه يبادر إلى إنكار الأحاديث الصحيحة الواردة في خروج المهدي في آخر
الزمان، ويدعي بكل جرأة أنها موضوعة وخرافة!! ويسفه أحلام العلماء الذين
قالوا بصحتها، يزعم أنه بذلك يقطع دابر أولئك المدعين الأشرار! وما علم هذا
وأمثاله أن هذا الأسلوب قد يؤدي بهم إلى إنكار أحاديث نزول عيسى عليه الصلاة
والسلام أيضا، مع كونها متواترة! وهذا ما وقع لبعضهم، كالأستاذ فريد وجدي
والشيخ رشيد رضا، وغيرهما، فهل يؤدي ذلك بهم إلى إنكار ألوهية الرب سبحانه
وتعالى لأن بعض البشر ادعوها كما هو معلوم؟! نسأل الله السلامة من فتن أولئك
المدعين، وهؤلاء المنكرين للأحاديث الصحيحة الثابتة عن سيد المرسلين، عليه
أفضل الصلاة وأتم التسليم.
стр. 3139
٢٢٣٧ - " أقرأنيها: * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * فمدها ".
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٨٦٧٧) من طريق سعيد بن منصور حدثنا
شهاب بن خراش حدثني موسى بن يزيد الكندي قال: كان ابن مسعود يقرئ القرآن
رجلا، فقرأ الرجل: * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * (١) مرسلة، فقال
ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ ، قال: كيف
أقرأكها يا أبا عبد الرحمن؟ قال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد رجاله موثقون غير موسى بن يزيد الكندي، فإني لم أعرفه ولا
ذكره الحافظ المزي في شيوخ ابن خراش في " التهذيب "، وقد ذكره الهيثمي في "
المجمع " (٧ / ١٥٥) من طريق الطبراني، لكن وقع فيه: " مسعود بن يزيد الكندي
"، وقال عقبه: " ورجاله ثقات "! وفي " ثقات ابن حبان " (٣ / ٢٦٠) : "
مسعود بن يزيد، يروي عن ابن عمر، روى عنه محمد بن الفضل ".
قلت: فالظاهر أنه هو، ولم يورده البخاري وابن أبي حاتم في كتابيهما. ثم
رأيت الحديث قد أورده الحافظ ابن الجزري في " النشر في القراءات العشر " (١ /
٣١٣) بإسناده إلى الطبراني به، وفيه: " مسعود بن يزيد الكندي "، فدل على
أن " موسى " في " الطبراني " محرف من " مسعود ". والله أعلم. وقال الجزري
عقبه:
стр. 3140
" هذا حديث جليل، رجال إسناده ثقات ".
وأقول: شهاب بن خراش فيه بعض الكلام أشار إليه الحافظ بقوله في " التقريب ":
" صدوق يخطئ ". وقال الذهبي في " الكاشف ": " وثقه جماعة، قال ابن المهدي
: لم أر أحدا أحسن وصفا للسنة منه. وقال ابن عدي: له بعض ما ينكر ".
قلت: فمثله حسن الحديث إن شاء الله تعالى. واستدل به ابن الجزري على وجوب مد
المتصل. وذكر أن قصره غير جائز عند أحد من القراء. فراجعه إن شئت.
(تنبيه) : وقع في " الكبير ": (فمددها) وفي " النشر ": (فمدوها) وفي
" المجمع ": (فمددوها) ، ولعل الصواب ما أثبته.
٢٢٣٨ - " إن من أشراط الساعة الفحش والتفحش وقطيعة الأرحام وائتمان الخائن - أحسبه
قال: وتخوين الأمين ".
أخرجه البزار (ص ٢٣٨ - زوائده) من طريق شبيب بن بشر عن أنس بن مالك
مرفوعا. قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات غير شبيب بن بشر وفيه كلام،
والراجح أنه حسن الحديث. ولذلك قال في " زوائد البزار ": " حسن ". وقال في
" مجمع الزوائد " (٧ / ٣٢٧) :
стр. 3141
" رواه البزار، وفيه شبيب بن بشر وهو لين،
ووثقه ابن حبان، وقال: يخطىء، وبقية رجاله رجال الصحيح ".
قلت: قد وثقه ابن معين أيضا، والراجح فيه ما ذكرنا آنفا. وللشطر الثاني من
الحديث طريق أخرى عن أنس سقته فيما تقدم (١٨٨٧) . وشاهد آخر من حديث أبي
هريرة ذكرته هناك. وله شاهد آخر من حديث عبد الله بن عمرو يأتي تحت الحديث (٢٢٥٣) ، فالحديث صحيح.
٢٢٣٩ - " إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين ".
أخرجه مسلم (٢ / ٢٠١) والدارمي (٢ / ٤٤٣) وابن ماجة (رقم ٢٠٦ - تحقيق
الأعظمي) من طريق الزهري عن عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر
بـ (عسفان) وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟
فقال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا. قال:
فاستخلفت عليهم مولى؟! قال: إنه قارىء لكتاب الله ، وإنه عالم
بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قال: فذكره.
٢٢٤٠ - " يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك
عند آخر آية (كنت) تقرأ بها ".
أخرجه أبو داود (١٤٦٤) والترمذي (٢٩١٥) وابن حبان (١٧٩٠) والزيادة له
والحاكم (١ / ٥٥٢ - ٥٥٣) وابن أبي شيبة في " المصنف " (١٠ / ٤٩٨) وابن
نصر في " قيام الليل " (ص ٧٠) وأحمد (٢ / ١٩٢) والرامهرمزي في " المحدث
الفاصل "
стр. 3142
(ص ٧٦ - ٧٧) والبغوي في " شرح السنة " (٤ / ٤٣٥ / ١١٧٨) وابن
عبد الهادي في " هداية الإنسان " (٢ / ٤٤ / ١) من طريق عاصم بن أبي النجود عن
زر عن عبد الله - زاد بعضهم: ابن عمرو - مرفوعا، وأوقفه بعضهم وهو في
حكم المرفوع، وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ". وقال الذهبي: " صحيح ".
وكأنه موافقة منه للحاكم، ولكن سقط من " المستدرك " تصريحه بالتصحيح، وهو
عندي حسن للخلاف المعروف في عاصم. لكن يزداد قوة بالشاهد الذي يرويه فراس عن
عطية عن أبي سعيد الخدري مرفوعا بلفظ: " يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة:
اقرأ واصعد، فيقرأ ويصعد بكل آية درجة، حتى يقرأ آخر شيء معه ". أخرجه ابن
ماجة (٣٨٢٥) وأحمد (٣ / ٤٠) . قلت: وعطية - وهو العوفي - ضعيف، وبه
أعله البوصيري في " الزوائد " (٢٢٧ / ٢) وفاته أنه لم يتفرد به، فقد قال
ابن أبي شيبة (١٠ / ٤٩٨ / ١٠١٠٤) : حدثنا وكيع قال: حدثنا الأعمش عن أبي
صالح عن أبي سعيد أو عن أبي هريرة - شك الأعمش - قال: " يقال لصاحب القرآن يوم
القيامة: اقرأ وارقه، فإن منزلك عند آخر آية تقرأها ". قلت: وهذا إسناد
صحيح على شرط الشيخين، وتردد الأعمش بين أبي سعيد وأبي هريرة لا يضر لأن
كلاهما صحابي كما لا يضر وقفه لما سبق.
(تنبيه) : أخطأ في هذا الحديث رجلان: أحدهما: المنذري، فإنه عزا الحديث
للترمذي وأبي داود وابن ماجة عن ابن عمرو، وإنما رواه ابن ماجة عن أبي سعيد
كما سبق. والآخر: الأستاذ الدعاس، فإنه عزاه في تعليقه على " سنن الترمذي "
(٨ / ١١٧)
стр. 3143
للبخاري نقلا عن " تيسير الوصول "، فلا أدري آلوهم منه أم من "
التيسير "؟ فليراجع. (فائدة) : قال ابن عبد الهادي بعد أن عزا الحديث إلى
بعض من ذكرنا وزاد (النسائي) ولم يروه في " الصغرى " له وإنما في " الكبرى
- فضائل القرآن " كما في " تحفة الأشراف " للمزي (٦ / ٢٩٠) : " وقال الخطيب
: وكل حديث جاء فيه: " عاصم عن زر عن عبد الله " غير منسوب فهو ابن مسعود،
غير هذا الحديث ". وقال الخطابي في " معالم السنن " (٢ / ١٣٦) : " قلت:
جاء في الأثر: أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة، يقال للقارىء: أرق في
الدرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن، فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى
على أقصى درج الجنة، ومن قرأ جزءا منها كان رقية في الدرج على قدر ذلك،
فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة ". والأثر الذي أشار إليه أخرجه ابن
أبي شيبة (١٠ / ٤٦٦ / ١٠٠٠١) : حدثنا محمد بن عبد الرحمن السدوسي عن معفس بن
عمران عن أم الدرداء قالت: " دخلت على عائشة فقلت: ما فضل من قرأ القرآن على
من لم يقرأه ممن دخل الجنة؟ فقالت: إن عدد درج الجنة على عدد آي القرآن،
فليس أحد ممن دخل الجنة أفضل ممن قرأ القرآن ". و (معفس) هذا ترجمه ابن أبي
حاتم (٤ / ١ / ٤٣٣) برواية اثنين آخرين عنه، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا
، ومحمد بن عبد الرحمن السدوسي أورده ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ٣٢٤) برواية
وكيع عنه ولم يزد. فهو مجهول. ووكيع - وهو ابن الجراح - من شيوخ ابن أبي
شيبة الذين يكثر عنهم، فالظاهر أنه سقط اسمه من " ابن أبي شيبة " كما أن اسم
شيخه وقع فيه (مقعس) بالقاف ثم العين. وهو خطأ مطبعي. وجملة القول أن
إسناد هذا الأثر ضعيف. والله أعلم.
стр. 3144
واعلم أن المراد بقوله: " صاحب القرآن
"، حافظه عن ظهر قلب على حد قوله ﷺ " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب
الله.. "، أي أحفظهم، فالتفاضل في درجات الجنة إنما هو على حسب الحفظ في
الدنيا، وليس على حسب قراءته يومئذ واستكثاره منها كما توهم بعضهم، ففيه
فضيلة ظاهرة لحافظ القرآن، لكن بشرط أن يكون حفظه لوجه الله ﵎،
وليس للدنيا والدرهم والدينار، وإلا فقد قال ﷺ : " أكثر
منافقي أمتي قراؤها ". وقد مضى تخريجه برقم (٧٥٠) .
٢٢٤١ - " اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته. يعني أنسا ﵁ ".
هو من حديث أنس بن مالك وله عنه طرق: الأولى: عن قتادة عنه قال: قالت
أمي (وفي رواية: أم سليم) : يا رسول الله! خادمك أنس، ادع الله له. قال
: فذكره. أخرجه البخاري (٦٣٣٤ و ٦٣٤٤ و ٦٣٧٨ و ٦٣٨٠) ومسلم (٧ / ١٥٩)
والترمذي (٣٨٢٧) وقال: " حديث حسن صحيح " والطيالسي (١٩٨٧) وأحمد (٦ /
٤٣٠) إلا أنه قال: " عن أنس عن أم سليم "، فجعله من مسند أم سليم، وهو
رواية للشيخين، ورواية الترمذي. الثانية: عن هشام بن زيد: سمعت أنس بن
مالك يقول مثل ذلك. أخرجه البخاري (٦٣٧٩) ومسلم.
الثالثة: عن ثابت عن أنس قال: دخل النبي ﷺ علينا وما هو
إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي، فقالت أمي: يا رسول
стр. 3145
الله! خويدمك، ادع الله
له، قال: فدعا لي بكل خير، وكان في آخر ما دعا لي به أن قال: فذكره.
أخرجه مسلم والبخاري في " الأدب المفرد " (٨٨) والطيالسي (٢٠٢٧) وأحمد
(٣ / ١٩٣ - ١٩٤) وعبد بن حميد في " مسنده " (ق ١٦٥ / ٢) . ثم رواه هو (
١٦٤ / ٢) وأحمد (٣ / ٢٤٨) من طريقين آخرين عن ثابت به نحوه. وقال ابن
حميد: " وأدخله الجنة " مكان قوله: " وبارك له فيما أعطيته ". وسنده صحيح
على شرط مسلم. وزاد: " قال: فلقد رأيت اثنتين، وأنا أرجو الثالثة ".
الرابعة: عن الجعد أبي عثمان قال: حدثنا أنس بن مالك قال: مر رسول الله صلى
الله عليه وسلم فسمعت أمي أم سليم صوته، فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله!
أنيس. فدعا لي رسول الله ﷺ ثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين
في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة. أخرجه مسلم.
الخامسة: عن حميد عن أنس: " دخل النبي ﷺ على أم سليم،
فقالت: يا رسول الله! إن لي خويصة. قال: ما هي؟ قالت: خادمك أنس. فما
ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به: اللهم.. فإني لمن أكثر الأنصار مالا،
وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة ".
أخرجه البخاري (١٩٨٢) والسياق له وابن حبان في " صحيحه " (٩ / ١٥٨ /
стр. 3146
٧١٤٢
- الإحسان) وأحمد (٣ / ١٠٨) ويعقوب الفسوي في " المعرفة " (٢ / ٥٣٢)
وإلا أنه قال: " اللهم ارزقه المال وبارك له فيه، - أظنه قال - وأطل عمره "
. وإسناده على شرط الشيخين، ولطول العمر طريق أخرى تأتي إن شاء الله تعالى.
السادسة: عن إسحاق - وهو ابن عبد الله بن أبي طلحة المدني -: حدثنا أنس به
دون التبريك، وزاد: قال أنس: فوالله! إن مالي لكثير وإن ولدي وولد ولدي
ليتعادون على نحو المائة اليوم. أخرجه مسلم.
السابعة: عن حفصة بنت سيرين عن أنس به. وزاد: " قال أنس: فلقد دفنت من
صلبي - سوى ولد ولدي - خمسا وعشرين ومائة، وإن أرضي ليثمر في السنة مرتين،
وما في البلد شيء يثمر مرتين غيرها ". أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (٨ /
٢٦٧) معلقا، والطبراني في " الكبير " (١ / ٢٤٨ / ٧١٠) موصولا، ورجاله
ثقات غير إبراهيم بن عثمان المصيصي فلم أعرفه، وقد ساقه الحافظ في " الإصابة
" من رواية الطبراني بإسناده، وسكت عنه.
الثامنة: عن عبد العزيز بن أبي جميلة عن أنس قال: إني لأعرف دعوة رسول الله
ﷺ في وفي مالي وفي ولدي. أخرجه ابن سعد في " الطبقات " (٧
/ ١٩ - ٢٠) . ورجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد العزيز هذا، ترجمة ابن أبي
حاتم (٢ / ٢ / ٣٧٩) ومن قبله البخاري في " التاريخ " (٣ / ٢ / ١٥) بهذه
الرواية، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وذكره ابن حبان في " الثقات " (٣ / ١٦٦) .
стр. 3147
التاسعة: عن أبي خلدة قال: قلت لأبي العالية: سمع أنس من النبي صلى الله
عليه وسلم؟ قال: خدمه عشر سنين، ودعا له النبي ﷺ ، وكان
له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان يجد منه ريح المسك.
أخرجه الترمذي (٣٨٣٢) ، وقال: " حديث حسن غريب ". قلت: وإسناده صحيح،
رجاله ثقات رجال الصحيح.
العاشرة: عن ثمامة بن عبد الله بن أنس قال: " كان كرم أنس يحمل كل سنة مرتين
". أخرجه ابن سعد وسنده صحيح على شرط البخاري. وأخرجه الطبراني في " الأوسط
" (١ / ٣١ / ١ / ٥٠٣) من طريق أخرى عن ثمامة به نحو الطريق التالي، دون قول
أنس: " فقد دفنت.. "، وسنده جيد.
الحادية عشرة: عن سنان بن ربيعة قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ذهبت بي أمي
إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! خويدمك ادع الله له
، قال: " اللهم أكثر ماله وولده وأطل عمره واغفر ذنبه ". قال أنس: فقد
دفنت من صلبي مائة غير اثنين، أو قال: مائة واثنين، وإن ثمرتي لتحمل في
السنة مرتين ولقد بقيت حتى سئمت الحياة، (وفي رواية: حتى استحييت من الناس
) وأنا أرجو الرابعة. أخرجه ابن سعد (٧ / ١٩) والبخاري في " الأدب المفرد
" (٦٥٣) والرواية الأخرى له وفيها سعيد بن زيد - وهو الأزدي - صدوق له
أوهام ورواية ابن سعد سالمة منه ولذلك قال الحافظ في " الفتح " (٤ / ٢٢٩) :
стр. 3148
" وإسناده صحيح ". وقد أشار البخاري إلى هذه الطريق في بعض تراجمه لهذه
الحديث بقوله في " الدعوات " (١١ / ١٤٤) : " باب دعوة النبي صلى الله عليه
وسلم لخادمه بطول العمر وبكثرة ماله ". وقد أيد ذلك الحافظ برواية " الأدب
المفرد " المتقدمة "، وفاتته رواية ابن سعد، وهي أصح كما سبق. وقد تقدم
لها شاهد في الطريق الخامسة. ثم وجدت لها شاهدا آخر ذكره الحافظ المزي في "
تهذيب الكمال " (٢ / ٣٦٤) فقال: " وقال الحسين بن واقد وغيره عن ثابت عن
أنس: دعا لي رسول الله ﷺ فقال: " اللهم أكثر ماله وولده
وأطل حياته ". ففيه جواز الدعاء للإنسان بطول العمر، كما هي العادة في بعض
البلاد العربية، خلافا لقول بعض العلماء ويؤيده أنه لا فرق بينه وبين الدعاء
بالسعادة ونحوها، إذ إن كل ذلك مقدر، فتأمل.
٢٢٤٢ - " إذا مررتم باليهود ... فلا تسلموا عليهم وإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم
".
أخرجه الفسوي في " المعرفة " (٢ / ٤٩١) : حدثنا أبو عاصم عن عبد الحميد بن
جعفر عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي بصرة
стр. 3149
الغفاري قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكره بزيادة (والنصارى
) . قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أن البخاري روى لعبد
الحميد بن جعفر تعليقا. لكني أرى أن ذكر (النصارى) في هذا الحديث خطأ لعله
من بعض الناسخين، فإن الإمام أحمد قد رواه في " المسند " (٦ / ٣٩٨) بإسناد
الفسوي دون هذه اللفظة، وسياقه هكذا: قال: قال لهم يوما: " إني راكب إلى
يهود، فمن انطلق معي، فإن سلموا عليكم، فقولوا: وعليكم ". وزاد: "
فانطلقنا، فلما جئناهم سلموا علينا، فقلنا: وعليكم ". وهكذا رواه
الطبراني في " الكبير " (٢ / ٣١١ / ٢١٦٢) : حدثنا أبو مسلم الكشي حدثنا أبو
عاصم به. وتابعه محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب به. أخرجه أحمد
والطبراني والبخاري في " الأدب المفرد " (١١٠٢) وابن أبي شيبة في " المصنف "
(٨ / ٦٣٠) وكذا ابن ماجة (٣٧٤٣ - تحقيق الأعظمي) لكنهم جعلوه من مسند أبي
عبد الرحمن الجهني! وهو شاذ من أوهام ابن إسحاق عندي، وأعله البوصيري في "
الزوائد " (٢٢٣ / ١) بتدليس ابن إسحاق، وخفي عليه أنه قد صرح بالتحديث عند
أحمد (٤ / ٢٣٣) فى إحدى روايته مع أنه قد عزاه إليه! فالعلة ما ذكرته من
الشذوذ لمخالفته لرواية أبي عاصم - وهو الضحاك بن مخلد النبيل - عن عبد الحميد
ابن جعفر. وتابعه وكيع عنه. رواه أحمد وابن أبي شيبة.
стр. 3150
وتابع عبد الحميد
أبو أسامة حماد بن أسامة عند النسائي في " عمل اليوم والليلة " (٣٠٥ / ٣٨٨)
. وتابعه ابن لهيعة عند النسائي أيضا وأحمد والطبراني. قلت: فهذه
المتابعات لعبد الحميد تؤكد شذوذ ابن إسحاق في جعله الحديث من مسند أبي عبد
الرحمن الجهني، ولاسيما وقد وافقهم في رواية البخاري ومن ذكره قبله. كما
تؤكد شذوذ النصارى في هذا الحديث، وإن جاء هذا اللفظ في حديث ابن عمر أيضا
عند النسائي (٣٧٩) ، فإنه شاذ أيضا لمخالفته للرواية الأخرى عنده (٣٨٠)
أيضا، وهي في " الصحيحين " وابن حبان (٥٠٢ - الإحسان) دونها. والحديث
قال الهيثمي (٨ / ٤١) : رواه أحمد والطبراني في " الكبير "، وزاد: " فلما
جئناهم سلموا علينا، فقلنا: وعليكم "، وأحد إسنادي أحمد والطبراني رجاله
(رجال الصحيح) ". ولي عليه ملاحظتان:
الأولى: أن زيادة الطبراني هي عند أحمد أيضا!
والأخرى: أنه كان عليه أن يخرج رواية ابن إسحاق.. عن أبي عبد الرحمن الجهني
، فإنها على شرطه، لورودها عند أحمد كما تقدم، وكذا عند الطبراني (٢٢ / ٣٩٠
/ ٧٤٣) وأن يبين شذوذها وأنه لا يقويها متابعة إسحاق بن عبد الله بن أبي
فروة عند الطبراني أيضا (٧٤٤) لأنه - أعني إسحاق - متروك كما قال الحافظ في "
التقريب ". وقد كنت خرجت الحديث في " إرواء الغليل " (٥ / ١١٢ - ١١٣) بأخصر
مما هنا نحوه، وفيه فوائد لم تذكر هنا، فمن ابتغاها فيرجع إليه. واعلم أن
عدم ثبوت لفظه (النصارى) لا يعني جواز ابتدائهم بالسلام لأنه قد صح النهي عن
ذلك في غيرما حديث صحيح، وفي بعضها اللفظ المذكور، كما صح قوله
стр. 3151
صلى الله
عليه وسلم: " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم ". وهي مخرجة في "
الإرواء " (٥ / ١١١ - ١١٨) ، والرد عليهم بـ (وعليكم) محمول عندي على ما
إذا لم يكن سلامهم صريحا، وإلا وجب مقابلتهم بالمثل: (وعليكم السلام)
لعموم قوله تعالى: * (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) *،
ولمفهوم قوله ﷺ : " إذا سلم عليكم اليهود - فإنما يقول أحدهم:
السام عليكم - فقل: وعليك ". أخرجه البخاري (٦٢٥٧) ومسلم وغيرهما.
ولعل هذا هو وجه ما حكاه الحافظ ابن حجر في " الفتح " (١١ / ٤٥) عن جماعة من
السلف أنهم ذهبوا إلى أنه يجوز أن يقال في الرد عليهم: " عليكم السلام " كما
يرد على المسلم. والله أعلم.
٢٢٤٣ - " ابدأ بمن تعول، والصدقة عن ظهر غنى ".
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٣ / ٢٢٧ / ٣١٢٩) من طريق أبي الزبير عن
أبي صالح مولى حكيم بن حزام عن حكيم بن حزام أنه سأل النبي صلى الله عليه
وسلم: أي الصدقة أفضل؟ قال: فذكره. قلت: ورجال إسناده ثقات غير أبي صالح
، قال الذهبي والعسقلاني: " لا يعرف ". وبه أعله الهيثمي في " المجمع " (٣
/ ١١٦) ، فقال: " رواه الطبراني في " الكبير " وأبو صالح مولى حكيم لم أجد
من ترجمه ". قلت: لكن قد تابعه جمع من الثقات عند الشيخين وغيرهما كما يأتي
ولقد أخطأ في حق هذا الحديث جماعة من العلماء، فلابد من التنبيه على ذلك:
الأول: الهيثمي في إيراده إياه في " المجمع " وهو من المتفق عليه عن حكيم بن
стр. 3152
حزام. الثاني: السيوطي، فإنه لما أورده في " الجامع الصغير "، " الكبير "
أيضا عزاه للطبراني فقط وهذا تقصير فاحش لإيهامه أنه ليس في " الصحيحين "
وإلا لعزاه إليهما! وهذا مما حمل بعض الشراح على تضعيف الحديث! وهو المناوي
كما يأتي. ولقد أخطأ السيوطي خطأ آخر، قلده فيه المناوي، وهو أنه أورد
الحديث دون الشطر الثاني منه، فأوهم أنه عند الطبراني كذلك! وإنما هو عنده
بشطريه كما ترى. الثالث: المناوي فإنه قال في شرحه " فيض القدير ": " رمز
المؤلف (السيوطي) لصحته وليس كما قال، فقد قال الهيثمي.. ". فذكر كلامه
المتقدم. وهذا من أفحش الخطأ الذي رأيته للمناوي وإنما ينشأ ذلك من قلة حفظه
، أو عدم استحضاره أن الحديث في " الصحيحين " من غير طريق أبي صالح هذا وفي
هذه الحالة لا يجوز تضعيف الحديث ولاسيما وقد صححه من صححه، كما لا يخفى على
أهل هذه الصناعة. وإذا عرفت هذا، فقد تابع أبا صالح هذا عروة بن الزبير عند
البخاري وغيره وموسى بن طلحة بن عبيد الله عند مسلم وغيره، وهما مخرجان في
" إرواء الغليل " مع شواهد كثيرة عن أبي هريرة وغيره، فراجعها فيه (٣ / ٣١٦
- ٣١٩) إن شئت. ومن الغريب أن متابعة عروة قد أخرجها الطبراني أيضا (٣٠٩٢)
، فأوردها الهيثمي أيضا في " المجمع " (٣ / ٩٨) مع كونها في البخاري زاعما أن
في رواية الطبراني زيادة ليست عند البخاري وهي بلفظ: " ومن يستعف يعفه الله
ومن يستغن يغنه الله ". وهي عند البخاري أيضا، كما نبه عليه الأخ
الفاضل حمدي السلفي في تعليقه
стр. 3153
على الطبراني. ثم إن لأبي صالح متابعا ثالثا
وهو المطلب بن عبد الله بن حنطب، رواه الطبراني (٣١٢٤) .
٢٢٤٤ - " اجتنبوا الكبائر السبع، فسكت الناس فلم يتكلم أحد، فقال: ألا تسألوني عنهن
؟ الشرك بالله وقتل النفس والفرار من الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا
وقذف المحصنة والتعرب بعد الهجرة ".
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٦ / ١٢٤ / ٥٦٣٦) : حدثنا أحمد بن
رشدين حدثنا عمرو بن خالد الحراني حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن
محمد بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ على
المنبر يقول: فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف، لضعف أحمد بن رشدين، وكذا
ابن لهيعة وأشار الهيثمي في " المجمع " (١ / ١٠٣) إلى إعلاله به.
وأقول: لكنه لم يتفرد به، فقد قال البخاري في " التاريخ الكبير " (١ / ١ /
١٠٧) : قال: أنبأنا إسحاق: عن عبدة سمع ابن إسحاق عن محمد بن سهل بن أبي
حثمة سمع أباه: سمع عليا: " الكبائر السبع. وقال الوليد بن كثير: حدثني
محمد بن سهل بن أبي حثمة مثله ". ذكره في ترجمة محمد بن سهل هذا ولم يذكر فيه
جرحا ولا تعديلا وقد كشفت لنا هاتان الروايتان عند البخاري أن في رواية
الطبراني علة أخرى، وهي أن الحديث من مسند علي وليس من مسند سهل بن أبي حثمة
، فإنه رواه عن علي في الروايتين وهما
стр. 3154
أصح من رواية ابن لهيعة، كما هو ظاهر.
وإذا عرفت ما سبق، فالحديث قوي لا علة له، إلا إن تمسك أو حاول أحد إعلاله
بمحمد بن سهل لكن قد روى عنه أولئك الثلاثة: يزيد بن أبي حبيب ومحمد بن إسحاق
والوليد بن كثير، وهو أبو محمد المدني، وكلهم ثقة، ويضم إليهم أبو عفير
الأنصاري والحجاج بن أرطاة، عند ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ٢٧٧) ولم يذكر أيضا
فيه جرحا ولا تعديلا، بيد أنه إذا لوحظ أنه تابعي، وقد روى عنه هؤلاء
الخمسة، زد على ذلك أن ابن حبان ذكره في " الثقات " (٣ / ٢٣٨) ، فالنفس
تطمئن للاحتجاج بحديث مثله، وعلى ذلك جرى عمل كثير من المحققين، ولاسيما
إذا كان لحديثه شاهد كهذا الحديث على ما سأبينه، فلا جرم أن الحافظ ابن حجر
سكت عليه في " الفتح " (١٢ / ١٨٢) ، ثم صرح في الصفحة التالية بصحته، يعني
لشواهده، وهو الصواب إن شاء الله تعالى. لكن وقع له خطأ في النقل يحسن
التنبيه عليه، فإنه قال: " وللطبراني من حديث سهل بن أبي خيثمة (!) عن علي
رفعه ... " فذكر حديث الترجمة. قلت: فذكر علي في رواية الطبراني خطأ ظاهر من
تخريجنا المتقدم، ويؤكد ذلك أن الحافظ ابن كثير ذكره في " التفسير " (١ /
٤٨٤) من رواية ابن مردويه عن الطبراني - كما تقدم - إلا أنه وقع فيه كـ "
الفتح ": " أبي خيثمة " وهو خطأ مطبعي، وإنما رواه عن علي البخاري - كما
سبق - من طريق عبدة عن ابن إسحاق. ثم رأيت عند ابن جرير في " التفسير " (٥ /
٢٥) من طريق أخرى عن ابن إسحاق عن محمد بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه قال: "
إني لفي هذا المسجد مسجد الكوفة، وعلي ﵁ يخطب الناس على المنبر،
فقال: يا أيها الناس! إن الكبائر سبع. فأصاخ الناس، فأعادها ثلاث مرات، ثم
قال: ألا تسألوني عنها؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! ما هي؟ قال: (فذكرها)
. فقلت لأبي:
стр. 3155
يا أبت! التعرب بعد الهجرة كيف لحق ههنا؟ فقال: يا بني! وما
أعظم من أن يهاجر الرجل، حتى إذا وقع سهمه في الفيء ووجب عليه الجهاد، خلع
ذلك من عنقه، فرجع أعرابيا كما كان ". قلت: وهذا موقوف ظاهر الوقف، وبه
أعل ابن كثير رواية الطبراني المرفوعة، فقال عقبها: " وفي إسناده نظر،
ورفعه غلط فاحش، والصواب ما رواه ابن جرير.. ". ثم ذكر هذا. لكن يمكن أن
يقال: إنه موقوف في حكم المرفوع، فلا منافاة بينهما، ولاسيما وقد جاءت له
شواهد مرفوعة، أذكر ما تيسر لي منها: ١ - عن أبي هريرة قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: فذكره. أخرجه البزار في " مسنده " (١ / ٧٢ / ١٠٩) وابن
أبي حاتم في " التفسير " من طريق أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عنه.
وأخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (٥٧٨) مختصرا موقوفا. قلت: وهذا إسناد
حسن في المتابعات والشواهد، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عمر بن أبي سلمة
وهو صدوق يخطىء، كما في " التقريب "، ولا بأس به في المتابعات، كما في "
الترغيب " (٣ / ٤٩) وهو في " الصحيحين " من طريق أخرى عن أبي هريرة به نحوه
، إلا أنه ذكر (السحر) مكان (التعرب) وهو مخرج في " إرواء الغليل " (٥ /
٢٤ / ١٢٠٢) .
٢ - عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره نحوه
وقال: " والرجوع إلى الأعراب بعد الهجرة ". أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٢
/ ٤٩ / ٢) من طريق أبي بلال الأشعري قال: