فقال: " بضم الجيم وسكون
الفاء وفي آخرها راء، وظني أنه موضع بـ (إفريقية) والله أعلم، حدث،
وآخر من حدث عنه جبرون بن عيسى بن زيد، توفي سنة (٢٣٧) ". وكذلك وقع في "
الضعفاء " للذهبي مضموم الجيم بالقلم من مخطوطة الظاهرية، وكذلك في النسختين
المطبوعتين من " الميزان ". وأما في المخطوطة فبالحاء المهملة تحتها حاء
صغيرة، وأما في " المشتبه " فقيده بالحاء المضمومة، وتبعه الحافظ ابن حجر
في " التبصير " فقال: (١ / ٣٤٠) : " وبحاء مهملة مضمومة: يحيى بن سليمان
الحفري المغربي ... ". وقد تعقب الذهبي الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في
كتابه الجليل " توضيح المشتبه (١ / ١١٢ / ٢) ، فقال: " وقد تبع المصنف في
نسبة يحيى هذا ابن ماكولا، والفرضي، وكذلك قلده القاضي عياض في " ترتيب
المدارك "، وابن الجوزي، وقد وجدته في " تاريخ ابن يونس " بخط الحافظ ابن
عساكر وسماعه بالجيم منقوطة مضمومة، وكذلك وجدته في " المستخرج " لأبي
القاسم ابن منده، وهو الأشبه بالصواب، ولعله منسوب إلى (جفرة عتيب) : اسم
قبيلة في بلاد المغرب. ثم وجدت بعضهم ذكر أنه إنما قيل له: (الحفري) يعني
بالمهملة، كما ذكره الأمير ونحوه، لأن داره كانت على حفرة بدرب أم أيوب بـ (
القيروان) . انتهى ". قلت: ويبدو من مجموع ما سبق، وبخاصة من كلام ابن
ناصر الدين الأخير صحة النسبتين: (الجفري) بالجيم و (الحفري) بالحاء،
الأولى نسبة إلى موضع بالقيروان، والأخرى نسبة إلى الحفرة التي كانت قرب داره
. والله أعلم. ثم إن يحيى هذا قد وثقه الذهبي في " الضعفاء "، وقال في "
الميزان ": " ما علمت به بأسا ".
стр. 3257
فالعلة من جبرون بن عيسى. والله أعلم.
وأما الهيثمي فلم يعرج عليه في هذا الحديث كعادته، بل أوهم أنه من رجال "
الصحيح "! فقال (١٠ / ٢٢٤) : " رواه الطبراني، ورجاله رجال " الصحيح "،
غير يحيى بن سليمان الحفري، وقد وثقه الذهبي في آخر ترجمة يحيى بن سليمان
الجعفي ".
٢٣١٢ - " من استجمر فليستجمر ثلاثا ".
أخرجه الطبراني في " الكبير " (١) من طريق قيس بن الربيع بإسناده عن ابن عمر
رفعه إلى النبي ﷺ . وقال الهيثمي (١ / ٢١١) : " وقيس بن
الربيع وثقه الثوري وشعبة، وضعفه جماعة ". قلت: وللحديث شاهد قوي، من
رواية الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا بلفظ: " إذا استجمر أحدكم فليستجمر
ثلاثا ". أخرجه أحمد (٣ / ٤٠٠) وابن خزيمة في " صحيحه " (٧٦) وعنه
البيهقي (١ / ١٠٣ - ١٠٤) . قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم وقد أخرجه
مسلم (١ / ١٤٧) من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله به، دون قوله:
" ثلاثا ". وهو رواية لأحمد (٣ / ٢٩٤) . وفي أخرى له (٣ / ٣٣٦) من طريق
ابن لهيعة: حدثنا أبو الزبير به، بلفظ: " إذا تغوط أحدكم فليمسح ثلاث مرات "
. وابن لهيعة لا بأس به في الشواهد والمتابعات.
стр. 3258
٢٣١٣ - " من استطاع منكم أن يكون له خبئ من عمل صالح فليفعل ".
أخرجه الخطيب في التاريخ (١١ / ٢٦٣) عن عمر بن محمد بن السري بن سهل الوراق
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني حدثنا
محمد بن فضيل بن غزوان عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن الزبير
بن العوام مرفوعا. وقال: قال محمد بن أبي الفوارس: كان عمر هذا مخلطا في
الحديث جدا، يدعي ما لم يسمع، ويركب ". وقال أبو الحسن بن الفرات: " كان
يحفظ من الحديث قطعة حسنة، وكتبت شيئا كثيرا، ثم ذهبت كتبه إلا شيئا يسيرا،
وحدث عن الباغندي بأحاديث لا أصل لها وكان رديء المذهب ". قلت: ومن فوقه
من الرواة ثقات كلهم، لكن أعله الدارقطني بعلة أخرى، يشعر صنيعه أن عمر
الوراق لم يتفرد به، فقد قال: " رفعه إسحاق بن إسماعيل، ولم يتابع عليه،
وقد رواه شعبة وزهير، والقطان وهشيم وابن عيينة وأبو معاوية وعبدة ومحمد
بن زياد عن إسماعيل عن قيس عن الزبير موقوفا وهو الصحيح ". نقله المناوي عن
ابن الجوزي، عند شرح الحديث وقد عزاه أصله - أعني " الجامع الصغير " - لرواية
الضياء عن الزبير، يعني مرفوعا. قلت: وقد رجعت إلى " الأحاديث المختارة "
فوجدته قد أخرجه فيه (١ / ٢٩٦) من طريقين آخرين عن إسحاق بن إسماعيل به
مرفوعا. فصح ما استشعرته من صنيع الدارقطني، والحمد لله.
стр. 3259
وقد رواه الضياء
أيضا من طريق وكيع بن الجراح أخبرنا ابن أبي خالد به موقوفا. ثم نقل عن
الدارقطني ما سبق نقله عن المناوي، ومما لا شك فيه أن اجتماع هؤلاء الثقات
على رواية الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد موقوفا، مما يحمل على الاطمئنان أن
رفعه وهم من إسحاق بن إسماعيل أو شيخه محمد بن فضيل. لكني وجدت للحديث شاهدا
مرفوعا، أخرجه القضاعي في " مسند الشهاب " (ق ٣٧ / ١) من طريق سلم بن جنادة
السوائي قال: أخبرنا أبي، ومن طريق علي بن مسهر كلاهما عن عبيد الله بن عمر
عن نافع عن ابن عمر به مرفوعا. قلت: وهذا إسناد صحيح من الطريق الثانية طريق
ابن مسهر، والطريق الأولى شاهد لها، فثبت الحديث مرفوعا، والحمد لله أولا
وآخرا.
٢٣١٤ - " من استعف أعفه الله ومن استغنى أغناه الله ومن سأل الناس وله عدل خمس أواق
، فقد سأل إلحافا ".
أخرجه أحمد (٤ / ١٣٨) : حدثنا أبو بكر الحنفي قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر
عن أبيه عن رجل من مزينة أنه قالت له أمه: " ألا تنطلق فتسأل رسول الله صلى
الله عليه وسلم كما يسأله الناس؟ فانطلقت أسأله، فوجدته قائما يخطب وهو يقول
: (فذكره) ، فقلت بيني وبين نفسي: لناقة له هي خير من خمس أواق، ولغلامه
ناقة أخرى هي خير من خمس أواق، فرجعت ولم أسأله ". ومن هذا الوجه أخرجه
الطحاوي أيضا في " مشكل الآثار " (١ / ٢٠٤ - ٢٠٥) . قلت: وهذا إسناد صحيح،
رجاله ثقات رجال مسلم غير الرجل المزني، وهو من الصحابة كما تدل عليه الرواية
نفسها، وجهالته لا تضر لأنهم عدول عند أهل السنة.
стр. 3260
وقد روى هلال بن حصن عن
أبي سعيد الخدري نحو هذه القصة والحديث، إلا أنه قال: " ومن سألنا لم ندخر
عنه شيئا نجده ". أخرجه الطبري (٥ / ٥٩٨ / ٦٢٢٨) من طريق قتادة عنه. وهلال
هذا أورده ابن أبي حاتم (٤ / ٧٣) برواية أبي حمزة أيضا عنه، ولم يذكر فيه
جرحا ولا تعديلا. وأما ابن حبان فذكره في " الثقات " (١ / ٢٨٠ - ٢٨١ هندية
) . ومن دونه ثقات رجال الشيخين، غير بشر - وهو ابن معاذ العقدي شيخ الطبري
- وهو ثقة. وقد أخرجه أحمد (٣ / ٤٤) من طريق أبي حمزة عن هلال بن حصن به
نحوه. وأبو حمزة هذا هو عبد الرحمن بن عبد الله المازني جار شعبة، وهو ثقة
من رجال مسلم، وصوب العلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي في تعليقه على "
التاريخ " (٤ / ٢ / ٢٠٤) أن " أبا حمزة " تصحيف، والصواب " أبو جمرة ":
نصر بن عمران الضبعي، فقد ذكر المزي في شيوخه هلال بن حصن هذا. قلت: وهذا
التصويب لا وجه له لأن الأصول كلها اتفقت على أنه أبو حمزة، فتخطئتها كلها لأن
المزي ذكر في شيوخ هلال أبا جمرة بالجيم لا ينهض دليلا على التصحيف المذكور،
لاحتمال أن يكون كلا من أبي حمزة وأبي جمرة قد روى عن هلال. والله أعلم.
وقد جزم الحافظ في ترجمة أبي حمزة من " التعجيل " أنه يعرف بجار شعبة، واسمه
عبد الرحمن. ورواه عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري:
стр. 3261
" أن ناسا من
الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم
سألوه فأعطاهم، حتى نفد من عنده فقال: " ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم
ومن يستعف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي
أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر ". أخرجه البخاري (٣ / ٢٦١ - فتح) ومسلم (٣
/ ١٠٢) والدارمي (١ / ٣٧٨) وأحمد أيضا (٣ / ٩٣) . وأخرج أحمد أيضا (٣
/ ٩) من طريق عبد الرحمن بن أبي الرجال عن عمارة بن غزية عن عبد الرحمن بن أبي
سعيد الخدري عن أبيه قال: " سرحتني أمي إلى رسول الله ﷺ
أسأله، فأتيته ... " فذكره نحو حديث الترجمة، إلا أنه قال: " وله قيمة
أوقية فقد ألحف ". وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال مسلم غير عبد الرحمن بن
أبي الرجال، وهو صدوق ربما أخطأ كما في " التقريب ". ومن طريقه أخرجه
النسائي (١ / ٣٦٣) . وأخرج الطحاوي من طريق عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد
قال: " أتيت النبي ﷺ فسمعته يقول لرجل يسأله: " من سأل منكم
وعنده أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا ". والأوقية يومئذ أربعون درهما ".
قلت: وإسناده صحيح. وله شاهد من حديث ابن عمرو وغيره مختصرا وقد مضى برقم
(١٧١٩) .
стр. 3262
٢٣١٥ - " من استودع وديعة فلا ضمان عليه ".
هو من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا. وله عنه طرق:
الأولى: عن المثنى بن الصباح عنه. أخرجه ابن ماجة (٢ / ٧٣) . والمثنى ضعيف
اختلط بآخره.
الثانية: عن محمد بن عبد الرحمن الحجبي عنه. أخرجه الدارقطني (ص ٣٠٦) وعنه
البيهقي (٦ / ٢٨٩) . والحجبي هذا أورده ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ٣٢٣) من
رواية ابن المبارك ووكيع عنه، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وكأنه لذلك
قال البيهقي عقب الحديث: " إسناده ضعيف ". وأقول: ولكنه ليس شديد الضعف،
فيستشهد بالحجبي لأنه مجهول الحال، ولعله في " ثقات ابن حبان ". ثم رأيته قد
أورده في " أتباع التابعين " (٧ / ٤٢٢) من رواية أبي عاصم النبيل. فقد روى
عنه ثلاث من الثقات.
الثالثة: عن عبيدة بن حسان عنه به نحوه. أخرجه الدارقطني من طريق عمرو بن عبد
الجبار عنه، وقال: " عمرو وعبيدة ضعيفان ".
الرابعة: عن عمرو بن خالد حدثنا ابن لهيعة عنه. أخرجه الخلعي في " الفوائد "
، وعلقه البيهقي.
стр. 3263
قلت: عمرو بن خالد - هو المصري - ثقة. وابن لهيعة صدوق،
لكنه سيء الحفظ، لكنه يتقوى بالمتابعات التي قبله، فالحديث بمجموعها حسن عندي
على الأقل. والله أعلم.
٢٣١٦ - " من أسلم على يديه رجل فهو مولاه "..
روي من حديث أبي أمامة وتميم الداري وراشد بن سعد مرسلا.
١ - أما حديث أبي أمامة، فيرويه معاوية بن يحيى الصدفي عن القاسم الشامي عن
أبي أمامة مرفوعا. أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٣ / ١ / ٥٦) وأبو حامد
الحضرمي في " حديثه " (١٥٧ / ٢) والدارقطني في " سننه " (ص ٥٠٢) والبيهقي
(١٠ / ٢٩٨) والطبراني في " الكبير " (٨ / ٢٢٣ / ٧٧٨١) وابن عساكر في "
التاريخ " (١٦ / ٣٩٢ / ٢) . قلت: وهذا إسناد ضعيف، من أجل الصدفي هذا.
وقد أورده ابن أبي حاتم في " العلل " (٢ / ٥٣) ، وقال: " امتنع أبو زرعة من
قراءته علينا، ولم نسمعه منه ". وقد تابعه جعفر بن الزبير عن القاسم بن عبد
الرحمن به نحوه. أخرجه المخلص في " الفوائد المنتقاة " (١٣ / ٢٤٨ / ١) وابن
عدي (ق ٥٣ / ١) وعنه البيهقي (١٠ / ٢٩٨) وسعيد بن منصور أيضا كما في "
تهذيب ابن القيم " (٤ / ١٨٦) . لكن جعفرا هذا متروك كما قال عبد الحق في "
أحكامه " (١٦٨ / ٢) .
стр. 3264
٢ - وأما حديث تميم فيرويه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وقد اختلف عليه
على وجوه: الأول: قال أبو بدر: حدثنا عبد العزيز قال: أخبرني من لا أتهم عن
تميم الداري قال: " سألت رسول الله ﷺ عن الرجل من أهل الكفر
يسلم على يدي الرجل من المسلمين، ما السنة فيه؟ قال: من أولى الناس بمحياه
ومماته ". أخرجه أبو عمرو بن السماك في " حديثه " (٢ / ٢٥ / ١) وعنه البيهقي
(١٠ / ٢٩٦) . قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات لولا الرجل الذي لم يسم،
وإن كان ثقة غير متهم عند الراوي عنه عبد العزيز بن عمر لأن مثل هذا التوثيق غير
مقبول عند الجمهور ما دام أنه لم يسم الراوي الموثق، لكنه قد سمي في بعض
الروايات الآتية، فظهر أنه ثقة، وبذلك يثبت الحديث، والحمد لله.
الثاني: قال: يحيى بن حمزة: حدثني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال:
سمعت عبد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد العزيز عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم به.
أخرجه أبو داود (٢ / ٢٠) والحاكم (٢ / ٢١٩) والبيهقي (١٠ / ٢٩٦، ٢٩٧)
والطبراني في " الكبير " (١٢٧٣) من طرق عن يحيى به. قلت: وهذا إسناد حسن
، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن موهب - وقيل: ابن وهب،
والصواب الأول - وهو ثقة كما في " التقريب " غير أن عبد العزيز بن عمر بن عبد
العزيز، مع كونه من رجالهما، فقد تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه، فقال الذهبي
في " المغني ": " وثقه جماعة، وضعفه أبو مسهر ".
стр. 3265
وقال الحافظ في " التقريب
": " صدوق يخطىء ".
الثالث: قال جماعة منهم وكيع: عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن عبد
الله بن موهب عن تميم (وقال بعضهم ابن وهب: سمعت تميما به) . أخرجه الترمذي
(٢١١٣) وابن ماجة (٢ / ١٧١) والدارقطني والبيهقي وأحمد (٤ / ١٠٣)
وابن أبي شيبة في " المصنف " (١١ / ٤٠٨) وقال الترمذي: " لا نعرفه إلا من
حديث عبد الله بن وهب - ويقال: ابن موهب - عن تميم الداري، وقد أدخل بعضهم
بين عبد الله بن وهب وبين تميم الداري قبيصة بن ذؤيب، ولا يصح، رواه يحيى
بن حمزة ". قلت: يحيى هذا ثقة من رجال الشيخين، فإن كان قد حفظه، فهي زيادة
من ثقة يجب قبولها، وإلا فرواية الجماعة عن عبد العزيز بإسقاط قبيصة أصح،
وقد تابعهم حفص بن غياث عند الطبراني (١٢٧٢) ، وإسحاق بن يوسف الأزرق عند
أحمد (٤ / ١٠٢) وابن المبارك عند عبد الرزاق في " المصنف " (٦ / ٢٠ / ٩٨٧٢
و٩ / ٣٩ / ١٦٢٧١) وقال: " قال ابن المبارك: ويرثه إذا لم يكن له وارث.
فذكرته للثوري، فقال: يرثه، هو أحق من غيره ". فقد يقال حينئذ بأنه منقطع
بين عبد الله بن موهب وتميم. والجواب: أنه قد صرح بالسماع من تميم في عدة
روايات: الأولى: رواية وكيع عند ابن ماجة وأحمد.
الثانية: رواية أبي نعيم عند البيهقي وأحمد (٤ / ١٠٣) وكذا الدارمي (٢ /
٣٧٧) .
стр. 3266
الثالثة: رواية علي بن عابس وعبد الرحمن بن سليمان ومحمد بن ربيعة الكلابي
عند الدارقطني. فهؤلاء خمسة أكثرهم متفق على توثيقهم، وكلهم صرحوا بسماع عبد
الله بن موهب من تميم. وخالفهم يحيى بن حمزة فأدخل بينهما قبيصة. فالأمر لا
يخرج عما قاله ابن التركماني: " فإن كان الأمر كما ذكر أبو نعيم ووكيع حمل
على أنه سمع منه بواسطة وبدونها، وإن ثبت أنه لم يسمع منه ولا لحقه،
فالواسطة - وهو قبيصة - ثقة أدرك زمان تميم بلا شك، فعنعنته محمولة على
الاتصال، فلا أدري ما معنى قول البيهقي: (فعاد الحديث مع ذكر قبيصة إلى
الإرسال) ؟ ". وجملة القول أن إعلال حديث تميم بالانقطاع، غير قوي، وعندي
أن إعلاله بعبد العزيز بن عمر أولى وأظهر، لما فيه من الكلام الذي سبقت
الإشارة إليه ولعله هو سبب هذا الاختلاف في إسناده، ولكنه مع ذلك لا ينزل
حديثه عن أن يكون شاهدا للطريق الأولى عن ابن أبي أمامة، وعليه، فالحديث على
أقل الدرجات حديث حسن، وهو ما صرح به ابن القيم في " تهذيب السنن " (٤ / ١٨٦
) . وسبقه إلى ذلك أبو زرعة الدمشقي، فقال: " وهذا حديث حسن متصل، لم أر
أحدا من أهل العلم يدفعه ". كذا في " تهذيب ابن حجر ". والله أعلم. ومما
يؤيد رواية الجماعة عن عبد العزيز بن عمر أنه قد تابعه أبو إسحاق السبيعي عن
عبد الله بن موهب عن تميم الداري. رواه الطبراني (١٢٧٤) والحاكم والبيهقي
من طريق أبي بكر الحنفي حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه به. وقال الحاكم:
стр. 3267
"
صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وعبد الله بن وهب بن زمعة مشهور "
. وتعقبه الذهبي بقوله: " هذا ما خرج له إلا ابن ماجة فقط، ثم هو وهم من
الحاكم ثان، فإن ابن زمعة لم يرو عن تميم الداري وصوابه عبد الله بن موهب ".
قلت: وما دام أنه ثقة - كما تقدم عن الحافظ، ونحوه قول الذهبي في " الكاشف
": " صدوق "، وأنه ثبت سماعه من تميم في الروايات المتقدمة - فالإسناد صحيح
، أو على الأقل حسن، فلا وجه لإعلال من أعله بالانقطاع بحجة عنعنته، أو إدخال
بعض الرواة - قبيصة - بينه وبين تميم، لما علمت من أنها رواية مخالفة لرواية
الجماعة، وأن ابن موهب لم يتهم بتدليس، فالأصل أن تحمل روايته على الاتصال،
فكيف وقد صرح بالسماع؟ ! فإذا ضم إلى روايته حديث أبي أمامة من طريق معاوية،
ارتقى الحديث إلى درجة الصحة. والله أعلم.
٣ - وأما حديث راشد فيرويه الأحوص بن حكيم عنه به، وزاد: " يرثه، ويعقل
عنه ". أخرجه سعيد بن منصور (رقم ٦٠١) . والأحوص هذا ضعيف الحفظ، فيستشهد
به. وفي معناه أثر عمر ﵁ أن رجلا أتى عمر فقال: إن رجلا أسلم على
يدي، فمات، وترك ألف درهم، فتحرجت منها، فرفعتها إليك. فقال: أرأيت لو
جنى جناية عن ما كانت تكون؟ قال: علي، قال: فميراثه لك. أخرجه ابن أبي
شيبة (١١ / ٤٠٩ / ١١٦٢٣) بسند ضعيف.
стр. 3268
٢٣١٧ - " من أصاب ذنبا أقيم عليه حد ذلك الذنب، فهو كفارته ".
أخرجه البخاري في " التاريخ " (٢ / ١ / ١٨٩) وأحمد (٥ / ٢١٤، ٢١٥) عن
أسامة بن زيد عن محمد بن المنكدر عن خزيمة بن ثابت عن النبي صلى الله عليه
وسلم. قلت: وإسناده حسن، ورجاله ثقات على شرط مسلم، وفي أسامة بن زيد -
وهو الليثي المدني - كلام معروف، لا ينزل به حديثه عن مرتبة الحسن. والحديث
صحيح، فإن له شاهدا من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا نحوه، أخرجه أحمد (٥ /
٣١٦، ٣٢٠) والشيخان، وغيرهما. وله شاهد آخر من حديث علي نحوه، لكن
إسناده ضعيف عندي كما بينته في " المشكاة " (٣٦٢٩) و " الروض النضير " (٧٠٥) .
٢٣١٨ - " من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له
الدنيا بحذافيرها ".
روي من حديث عبيد الله بن محصن الأنصاري وأبي الدرداء وابن عمر وعلي.
١ - أما حديث الأنصاري فيرويه ابنه سلمة بن عبيد الله بن محصن الأنصاري عن أبيه
مرفوعا. أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (٣٠٠) و " التاريخ " (٣ / ١ /
٣٧٣) والترمذي (٢٣٤٧) وابن ماجة (٢ / ٥٢٥) والحميدي في " مسنده " رقم
(٤٣٩) والعقيلي في " الضعفاء " (١٦٦) وابن أبي الدنيا في " القناعة "
(٢ / ٤ / ٢) والخطيب في " التاريخ " (٣ / ٣٦٤) والبيهقي في " الزهد " (
١٤ / ١) والقضاعي في " مسنده " (٤٥ / ٢) كلهم عنه به. وقال العقيلي: "
سلمة بن عبيد الله مجهول في النقل، ولا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به.
стр. 3269
قال أحمد: " لا أعرفه "، وقد رووا مثل هذا الكلام عن أبي الدرداء عن النبي
ﷺ بإسناد يشبه هذا في اللين ". وقال الحافظ في " التقريب "
: " مجهول ". وأما الترمذي، فقال: " حديث حسن غريب ". قلت: وهذا من
تساهله الذي عرف به، ولو قال: " حسن " فقط، لكان مقبولا لأن المعنى حينئذ
أنه حسن لغيره، وهذا ما يشهد له ما يأتي من الطرق.
٢ - وأما حديث أبي الدرداء فيرويه عبد الله بن هانىء بن عبد الرحمن بن أبي
عبلة أبو عمرو قال: أخبرنا أبي عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أم الدرداء عنه
مرفوعا به. وزاد في بعض الروايات عنه: " يا ابن جعشم! يكفيك منها ما سد
جوعتك ووارى عورتك وإن كان ثوبا يواريك فذاك، وإن كانت دابة تركبها فبخ،
فلق الخبز وماء الجر وما فوق ذلك حساب عليك ". أخرجه ابن حبان (٢٥٠٧)
وأبو نعيم في " الحلية " (٥ / ٢٤٩) والخطيب (٦ / ١٦٦) وابن عساكر في "
التاريخ " (٢ / ٢٦٨ / ٢، ١٩ / ٢٨٠ / ١) والزيادة له. قلت: وهذا إسناد
ضعيف جدا، عبد الله بن هانىء قال الذهبي: " متهم بالكذب ". وقال أبو حاتم:
" روى عنه محمد بن عبد الله بن مخلد الهروي أحاديث بواطيل، قدمت الرملة، فذكر
لي أنه في بعض القرى، وسألت عنه؟ فقيل: هو شيخ يكذب، فلم أخرج إليه ".
стр. 3270
وأما ابن حبان فذكره في " الثقات " (٨ / ٣٥٧) ! وأبوه هانىء بن عبد الرحمن،
قال ابن حبان في " الثقات " (٧ / ٥٨٣) : " ربما أغرب ". وقال الهيثمي في "
مجمع الزوائد " (١٠ / ٢٨٩) : " رواه الطبراني، ورجاله وثقوا على ضعف في
بعضهم ".
٣ - وأما حديث ابن عمر فيرويه فضيل بن مرزوق عن عطية عنه. أخرجه ابن أبي
الدنيا أيضا. وعطية - هو العوفي - ضعيف.
٤ - وأما حديث علي فيرويه أحمد بن عيسى العلوي حدثنا محمد بن جعفر بن محمد عن
أبيه عن جده مرفوعا. أخرجه السهمي في " تاريخ جرجان " (٣٢٢) . قلت:
والعلوي هذا قال الدارقطني: " كذاب ". قلت: فلا يستشهد به. وبالجملة،
فالحديث حسن إن شاء الله بمجموع حديثي الأنصاري وابن عمر. والله أعلم.
٢٣١٩ - " القائم بعدي في الجنة، (والذي يقوم بعده في الجنة) والثالث والرابع في
الجنة ".
أخرجه يعقوب الفسوي في " المعرفة " (٣ / ١٩٧) وابن عساكر في " التاريخ " (
١١ / ١٠١ / ١) عن أبي يحيى التيمي حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن
стр. 3271
سلمة المرادي عن عبيدة السلماني قال: هجمت على عبد الله بن مسعود - وهو
في دهليزه - فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات - على ضعف في المرادي - غير أبي يحيى
التيمي - واسمه إسماعيل بن إبراهيم الأحول - وهو ضعيف كما في " التقريب "
وقد قال ابن عدي: " ليس فيما يرويه حديث منكر المتن، ويكتب حديثه ".
قلت: ولم يتفرد به، فقد قال ابن عساكر عقبه: " قال يعقوب: وقد رواه ابن
عبيدة عن الأعمش أيضا ". قلت: ولم أدر من يعني بابن عبيدة هذا؟ وعلى كل
حال، فالحديث صحيح، يشهد له قوله ﷺ : " أبو بكر في الجنة
... " الحديث، وهو مخرج في تعليقي على شرح الطحاوية " (ص ٤٨٨ - ٤٨٩) .
٢٣٢٠ - " من أطعمه الله طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه وارزقنا خيرا منه ومن سقاه
الله لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإني لا أعلم شيئا يجزئ من
الطعام والشراب إلا اللبن ".
رواه أبو عبد الله بن مروان القرشي في " الفوائد " (٢٥ / ١١٣ / ٢) : حدثنا
محمد بن إسحاق بن الحويص حدثنا هشام بن عمار حدثنا ابن عياش حدثنا ابن جريج قال
: وابن زياد عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عتبة عن ابن شهاب (كذا الأصل،
والصواب:
стр. 3272
ابن عباس) قال: دخلت على خالتي ميمونة وخالد بن الوليد، فقالت
ميمونة: يا رسول الله! ألا أطعمك مما أهدى لي أخي من البادية؟ فقربت ضبين
مشويين على قنو، فقال رسول الله ﷺ : كلوا فإنه ليس من طعام
قومي، أجدني أعافه، وأكل منه ابن عباس وخالد، فقالت ميمونة: أنا لا
آكل من طعام لم يأكل منه رسول الله ﷺ ، ثم استسقى رسول الله
ﷺ فأتي بإناء لبن، فشرب وعن يمينه ابن عباس وعن يساره خالد
بن الوليد، فقال رسول الله ﷺ لابن عباس: أتأذن لي أن أسقي
خالدا؟ فقال ابن عباس: ما أحب أن أوثر بسؤر رسول الله ﷺ على
نفسي أحدا، فتناول ابن عباس فشرب، وشرب خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: فذكر الحديث. قلت: وشيخه محمد بن إسحاق هو ابن عمرو بن عمر أبو الحسن
القرشي المؤذن المعروف بابن الحريص - كذا في " التاريخ " بالراء - ختن هشام بن
عمار. ترجمه ابن عساكر (١٥ / ٣١ / ١ - ٢) برواية جمع من الثقات عنه، منهم
أبو الحسن بن جوصا والطبراني وغيرهما. مات سنة (٢٨٨) ولم يذكر فيه جرحا
ولا تعديلا. ومن فوقه موثقون من رجال " التهذيب "، إن كان ابن زياد هو محمد
الألهاني، وأما إن كان عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي ففيه ضعف من قبل
حفظه، فمثله يستشهد به، ولاسيما وهو مقرون مع ابن جريج، ولولا أن هذا -
أعني ابن جريج - مدلس، وقد عنعنه، لكانت الحجة به وحده قائمة، لولا أن ابن
عياش - وهو إسماعيل الحمصي - ضعيف في غير الشاميين، وابن جريج مكي، وعبد
الرحمن بن زياد إفريقي بخلاف الألهاني فهو شامي، فإن كان هو المراد بهذا
الإسناد، فابن عياش حينئذ حجة. وجملة القول فيه أنه على أقل الأحوال صالح
للاستشهاد به لذكر ابن زياد فيه، إن كان هو الإفريقي، وإلا فهو حجة بذاته إن
كان هو الألهاني، فإن ابن ماجة قد أخرجه في " سننه " (٢ / ٣١٤) : حدثنا هشام
بن عمار حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا ابن جريج
стр. 3273
عن ابن شهاب به. مقتصرا على
المتن وحده، فلم يذكر فيه ابن زياد. وللحديث طريق أخرى عن ابن عباس، هو بها
أشهر يرويه علي بن زيد بن جدعان عن عمر بن حرملة عنه به. أخرجه أبو داود (٢ /
١٣٥) والترمذي (٣٤٥١) وابن السني (٤٦٨) وأحمد (١ / ٢٨٤) وابن سعد (
١ / ٣٩٧) وقال الترمذي: " حديث حسن ". قلت: وهو كما قال بمجموع الطريقين
، وإلا فابن جدعان سيء الحفظ. والله أعلم.
٢٣٢١ - " من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى ".
رواه ابن خزيمة (١٧٦) وابن حبان (٥٦١) والحاكم (١ / ٢٨٢) والطبراني في
" الأوسط " (٥٠ / ٢ من ترتيبه) عن هارون بن مسلم العجلي البصري حدثنا أبان بن
يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة قال: دخل علي أبي
وأنا أغتسل يوم الجمعة، فقال: غسلك هذا من الجنابة أو للجمعة؟ قلت: من جنابة
. قال: أعد غسلا آخر، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره.
قال الطبراني: " لم يروه عن يحيى إلا أبان، ولا عنه إلا هارون ". قلت:
وهو صدوق كما قال الحافظ في " التقريب ". ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين.
وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين، وهارون بن مسلم العجلي، يقال له:
الحنائي،
стр. 3274
ثقة ". قلت: وهو ليس من رجال الشيخين بل ولا بقية الستة، خلافا
لما يوهمه كلام الحاكم، وإن وافقه الذهبي. وأما ابن خزيمة، فقد أعله بعنعة
يحيى، فقال: ".. إن كان يحيى بن أبي كثير سمع الخبر من عبد الله بن أبي
قتادة ". قلت: قد احتج به الشيخان وغيرهما، فالظاهر أن عنعنته إنما تضر
فيما رواه عن أنس ونحوه. والله أعلم. وأما قول المناوي في " الفيض " عقب
قول الحاكم المتقدم: " وتعقبه الذهبي في " المهذب "، فقال: هذا حديث منكر
، وهارون لا يدرى من هو؟ ". قلت: وهذا من أوهام الذهبي، فإنه ظن أن هارون
بن مسلم هذا هو الذي روى عن قتادة وعنه سلم بن قتيبة وغيره، قال أبو حاتم
فيه: " مجهول ". وكذا في " الميزان ". ثم ذكر فيه عقبه هارون بن مسلم صاحب
الحناء، ونقل فيه قول أبي حاتم المتقدم: " فيه لين ". وقول الحاكم: " ثقة
". فاختلط عليه هذا بالذي قبله في " المهذب "، فنشأ الوهم.
стр. 3275
٢٣٢٢ - " من أكل لحما فليتوضأ ".
أخرجه أحمد (٤ / ١٨٠، ٥ / ٢٨٩) عن معاوية بن صالح عن سليمان بن أبي الربيع -
قال أحمد: هو سليمان بن عبد الرحمن الذي روى عنه شعبة وليث بن سعد - عن
القاسم مولى معاوية قال: " دخلت مسجد دمشق، فرأيت أناسا مجتمعين، وشيخا
يحدثهم، قلت: من هذا؟ قالوا: سهل بن الحنظلية، فسمعته يقول سمعت رسول
الله ﷺ يقول: " فذكره. قلت: وهذا سند حسن، بعد أن كشف
لنا الإمام أحمد عن هوية سليمان بن أبي الربيع هذا، فقد قال الهيثمي (١ / ٢٤٨
) بعدما عزاه لأحمد: " لم أر من ترجمه ". وهذه حقيقة، فالرجل لم يتعرض له
أحد بذكر بهذا الاسم الذي وقع في هذا السند، حتى ولا الحافظ في " التعجيل "،
فرحم الله الإمام أحمد، ما أكثر علمه وفوائده! وسليمان الذي روى عنه الليث
وشعبة هو ابن عبد الرحمن بن عيسى، ويقال: سليمان بن يسار، ويقال: سليمان
بن أنس بن عبد الرحمن الدمشقي كما في " التهذيب ". قلت: وينبغي أن يزاد: "
ويقال: سليمان بن أبي الربيع ". قلت: وهو ثقة. والقاسم هو ابن أبي عبد
الرحمن صاحب أبي أمامة، وهو حسن الحديث.
(فائدة) : الأمر في الحديث للاستحباب إلا في لحم الإبل، فهو للوجوب لثبوت
التفريق بينه وبين غيره من اللحوم، فإنهم سألوه ﷺ عن الوضوء
من لحوم الإبل؟
стр. 3276
فقال: " توضؤوا "، وعن لحوم الغنم؟ فقال: " إن شئتم ".
رواه مسلم وغيره. وهو مخرج في " الإرواء " (١ / ١٥٢ / ١١٨) .
٢٣٢٣ - " من أكل مع قوم تمرا، فأراد أن يقرن فليستأذنهم ".
أخرجه ابن بشران في " الفوائد المنتخبة " (٦٣ / ٢) والخطيب في " التاريخ " (
٧ / ١٨٠) من طريق عامر بن أبي الحسين، حدثني رحمة بن مصعب عن الشيباني عن
جبلة بن سحيم عن ابن عمر مرفوعا. قلت: وهذا إسناد حسن، لولا أن عامرا
هذا أورده العقيلي في " الضعفاء " وقال: " لا يتابع على حديثه ". لكنه قد
توبع، فرواه ابن فضيل عن أبي إسحاق - وهو الشيباني - بلفظ: " نهى رسول الله
ﷺ عن الإقران، إلا أن تستأذن أصحابك ". أخرجه أبو داود (٢
/ ١٤٨) . قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم. وتابعه سفيان: حدثنا جبلة بن
سحيم به، مثل لفظ ابن فضيل. أخرجه البخاري (٥ / ٩٩ - فتح) ومسلم (٦ / ١٢٣
) والترمذي (١٨١٥) وابن ماجة (٢ / ٣١٧) وأحمد (٢ / ٦٠) وقال الترمذي
: " حديث حسن صحيح ". وتابعه أيضا شعبة عن جبلة، قال: " كنا بالمدينة،
فأصبتنا سنة، فكان ابن الزبير يرزقنا التمر، وكان ابن عمر يمر بنا فيقول:
لا تقرنوا، فإن النبي ﷺ نهى.. " الحديث. أخرجه الشيخان
والدارمي (٢ / ١٠٣) والطيالسي (١ / ١٣١) والبيهقي (٧
стр. 3277
/ ٢٨١) وزاد مسلم
في رواية له: " قال شعبة: لا أرى هذه الكلمة إلا من كلمة ابن عمر. يعني
الاستئذان ". قلت: وهذا شاذ، لم يذكره سائر الرواة عن شعبة، فإن ثبت عنه
فهو رأي له، لا يعتد به، ولاسيما وهي ثابتة في رواية سفيان - وهو الثوري -
وغيره في صلب الحديث كما تقدم، ويأتي. وتابعه أيضا ابن أبي غنية، فقال
الإمام أحمد (٢ / ١٣١) : حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية حدثنا أبي عن
جبلة بن سحيم به مرفوعا بلفظ: " إذا أكل أحدكم مع صاحبه فلا يقرنن حتى تستأمره
. يعني: التمر ". قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وللحديث شاهد مختصر
، يرويه أبو عامر الخزاز عن الحسن عن سعد مولى أبي بكر قال: " قدمت بين يدي
رسول الله ﷺ تمرا، فجعلوا يقرنون، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: لا تقرنوا ". أخرجه ابن ماجة والحاكم (٤ / ١٢٠) وأحمد (١ /
١٩٩) وقال الحاكم: " صحيح الإسناد "! ووافقه الذهبي! وأخرج الحاكم أيضا
، وابن حبان (١٣٥٠) عن جرير عن عطاء بن السائب عن الشعبي عن أبي هريرة قال:
" كنت في أصحاب الصفة، فبعث إلينا رسول الله ﷺ بتمر عجوة،
فكبت بيننا، فجعلنا نأكل الثنتين من الجوع، وجعل أصحابنا إذا قرن أحدهم،
قال لصاحبه: إني قد قرنت فاقرنوا ". وقال الحاكم ووافقه الذهبي:
стр. 3278
" صحيح
الإسناد "! قلت: عطاء كان اختلط، وجرير سمع منه في اختلاطه لكنه قوي بما
قبله والله أعلم.
٢٣٢٤ - " من أمركم من الولاة بمعصية فلا تطيعوه ".
أخرجه ابن ماجة (٢ / ٢٠١ - ٢٠٢) وابن حبان (١٥٥٢) وأحمد (٣ / ٦٧) عن
محمد بن عمرو عن عمر بن الحكم بن ثوبان عن أبي سعيد الخدري: " أن رسول
الله ﷺ بعث علقمة بن مجزز على بعث وأنا فيهم، فلما انتهى
إلى رأس عزاته، أو كان ببعض الطريق، استأذنته طائفة من الجيش، فأذن لهم،
وأمر عليهم عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي، فكنت فيمن غزا معه، فلما كان في
بعض الطريق، أوقد القوم نارا ليصطلوا، أو ليصنعوا عليها صنيعا، فقال عبد
الله - وكانت فيه دعابة -: أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلى، قال
: فما أنا بآمركم بشيء إلا صنعتموه؟ قالوا: نعم، قال، فإني أعزم عليكم إلا
تواثبتم في هذه النار، فقام ناس فتحجزوا، فلما ظن أنهم واثبون قال: أمسكوا
على أنفسكم، فإنما كنت أمزح معكم، فلما قدمنا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه
وسلم، فقال رسول الله ﷺ : ... " فذكره. وروى الحاكم (٣ /
٦٣٠) طرفا من أوله. قلت: وإسناده حسن.
٢٣٢٥ - " من أم قوما وهم له كارهون، فإن صلاته لا تجاوز ترقوته ".
رواه ابن عساكر (٤ / ١٥ / ٢) عن أبي بكر الهذلي عن شهر بن حوشب عن أبي عبد
الله الصنابحي:
стр. 3279
أن جنادة بن أبي أمية أم قوما، فلما قام من الصلاة التفت
عن يمينه فقال: أترضون؟ قالوا: نعم. ثم فعل ذلك عن يساره، ثم قال: إني
سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف جدا
، آفته أبو بكر الهذلي، متروك الحديث. وشهر بن حوشب سيء الحفظ. من طريقه
أخرجه الطبراني كما في " فيض القدير ". لكن الحديث قد صح بمجموع رواية جمع من
الصحابة بألفاظ متقاربة، فراجع " الترغيب " (١ / ١٧١) مع تخرجنا عليه.
٢٣٢٦ - " من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا ".
رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٦ / ١٢٠ / ٥٠٢) وعنه (٣٤٦١) وابن حبان
في " صحيحه " (١١١٠) وكذا الحاكم (٢ / ٤٥) والبيهقي (٥ / ٣٤٣) : أخبرنا
ابن أبي زائدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا.
قلت: وهذا سند حسن وقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ثم ابن حزم في "
المحلى " (٩ / ١٦) . ورواه النسائي (٧ / ٢٩٦ - الطبعة الجديدة) والترمذي
(١ / ٢٣٢) وصححه، وابن الجارود (٢٨٦) وابن حبان أيضا (١١٠٩) والبغوي
في " شرح السنة " (٨ / ١٤٢ / ٢١١) وصححه أيضا، وأحمد (٢ / ٤٣٢ و ٤٧٥
و٥٠٣) والبيهقي من طرق عن محمد بن عمرو به بلفظ: " نهى عن بيعتين في بيعة ".
стр. 3280
وقال البيهقي: " قال عبد الوهاب (يعني: ابن عطاء) : " يعني: يقول: هو لك
بنقد بعشرة، وبنسيئة بعشرين ". وبهذا فسره الإمام ابن قتيبة، فقال في "
غريب الحديث " (١ / ١٨) : " ومن البيوع المنهي عنها ... شرطان في بيع، وهو
أن يشتري الرجل السلعة إلى شهرين بدينارين وإلى ثلاثة أشهر بثلاثة دنانير وهو
بمعنى بيتعتين في بيعة ". والحديث بهذا اللفظ مختصر صحيح، فقد جاء من حديث
ابن عمر وابن عمرو، وهما مخرجان في " الإرواء " (٥ / ١٥٠ - ١٥١) . ولعل
في معنى الحديث قول ابن مسعود: " الصفقة في الصفقتين ربا ". أخرجه عبد الرزاق
في " المصنف " (٨ / ١٣٨ - ١٣٩) وابن أبي شيبة أيضا (٦ / ١٩٩) وابن حبان (
١٦٣ و ١١١١) والطبراني (٤١ / ١) وسنده صحيح، وفي سماع عبد الرحمن من
أبيه ابن مسعود خلاف، وقد أثبته جماعة والمثبت مقدم على النافي. ورواه
أحمد (١ / ٣٩٣) وهو رواية لابن حبان (١١١٢) بلفظ: " لا تصلح سفقتان في
سفقة (ولفظ ابن حبان: لا يحل صفقتان في صفقة) وإن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: لعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه ". وسنده صحيح أيضا.
وكذا رواه ابن نصر في " السنة " (٥٤) . وزاد في رواية: " أن يقول الرجل:
إن كان بنقد فبكذا وكذا، وإن كان إلى أجل فبكذا وكذا ". وهو رواية لأحمد
(١ / ٣٩٨) ، وجعله من قول سماك، الراوي عن عبد الرحمن
стр. 3281
بن عبد الله. ثم إن
الحديث رواه ابن نصر (٥٥) وعبد الرزاق في " المصنف " (٨ / ١٣٧ / ١٤٦٢٩)
بسند صحيح عن شريح قال: فذكره من قوله مثل لفظ حديث الترجمة بالحرف الواحد.
قلت: وسماك هو ابن حرب وهو تابعي معروف، قال: أدركت ثمانين صحابيا.
فتفسيره للحديث ينبغي أن يقدم - عند التعارض - ولاسيما وهو أحد رواة هذا
الحديث، والراوي أدرى بمرويه من غيره لأن المفروض أنه تلقى الرواية من الذي
رواها عنه مقرونا بالفهم لمعناها، فكيف وقد وافقه على ذلك جمع من علماء السلف
وفقهائهم: ١ - ابن سيرين، روى أيوب عنه: أنه كان يكره أن يقول: أبيعك
بعشرة دنانير نقدا، أو بخمسة عشر إلى أجل. أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (
٨ / ١٣٧ / ١٤٦٣٠) بسند صحيح عنه. وما كره ذلك إلا لأنه نهي عنه.
٢ - طاووس، قال: إذا قال: هو بكذا وكذا إلى كذا وكذا، وبكذا وكذا إلى
كذا وكذا، فوقع المبيع على هذا، فهو بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين. أخرجه
عبد الرزاق أيضا (١٤٦٣١) بسند صحيح أيضا. ورواه هو (١٤٦٢٦) وابن أبي
شيبة (٦ / ١٢٠) من طريق ليث عن طاووس به مختصرا، دون قوله: " فوقع البيع..
". وزاد: " فباعه على أحدهما قبل أن يفارقه، فلا بأس به ". فهذا لا يصح عن
طاووس لأن ليثا - وهو ابن أبي سليم - كان اختلط.
٣ - سفيان الثوري، قال:
стр. 3282
إذا قلت: أبيعك بالنقد إلى كذا، وبالنسيئة بكذا
وكذا، فذهب به المشتري، فهو بالخيار في البيعين، ما لم يكن وقع بيع على
أحدهما، فإن وقع البيع هكذا، فهو مكروه وهو بيعتان في بيعة وهو مردود وهو
منهي عنه، فإن وجدت متاعك بعينه أخذته، وإن كان قد استهلك فلك أوكس الثمنين
، وأبعد الأجلين. أخرجه عبد الرزاق (١٤٦٣٢) عنه.
٤ - الأوزاعي، نحوه مختصرا، وفيه: " فقيل له: فإن ذهب بالسلعة على ذينك
الشرطين؟ فقال: هي بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين ". ذكره الخطابي في "
معالم السنن " (٥ / ٩٩) . ثم جرى على سنتهم أئمة الحديث واللغة، فمنهم:
٥ - الإمام النسائي، فقال تحت باب " بيعتين في بيعة ": " وهو أن يقول:
أبيعك هذه السلعة بمئة درهم نقدا، وبمئتي درهم نسيئة ". وبنحوه فسر أيضا
حديث ابن عمرو: " لا يحل شرطان في بيع "، وهو مخرج في " الإرواء " (١٣٠٥)
وانظر " صحيح الجامع " (٧٥٢٠) .
٦ - ابن حبان، قال في " صحيحه " (٧ / ٢٢٥ - الإحسان) : " ذكر الزجر عن بيع
الشيء بمئة دينار نسيئة، وبتسعين دينارا نقدا ". ذكر ذلك تحت حديث أبي هريرة
باللفظ الثاني المختصر.
٧ - ابن الأثير في " غريب الحديث "، فإنه ذكر ذلك في شرح الحديثين المشار
إليهما آنفا.
حكم بيع التقسيط: وقد قيل في تفسير (البيعتين) أقوال أخرى، ولعله يأتي
بعضها، وما تقدم أصح
стр. 3283
وأشهر، وهو ينطبق تماما على المعروف اليوم بـ (بيع
التقسيط) ، فما حكمه؟ لقد اختلف العلماء في ذلك قديما وحديثا على ثلاثة
أقوال: الأول: أنه باطل مطلقا. وهو مذهب ابن حزم.
الثاني: أنه لا يجوز إلا إذا تفرقا على أحدهما. ومثله إذا ذكر سعر التقسيط
فقط.
الثالث: أنه لا يجوز، ولكنه إذا وقع ودفع أقل السعرين جاز.
١ - جليل هذا المذهب ظاهر النهي في الأحاديث المتقدمة، فإن الأصل فيه أنه
يقتضي البطلان. وهذا هو الأقرب إلى الصواب لولا ما يأتي ذكره عند الكلام
على دليل القول الثالث.
٢ - ذهب هؤلاء إلى أن النهي لجهالة الثمن، قال الخطابي: " إذا جهل الثمن بطل
البيع. فأما إذا باته على أحد الأمرين في مجلس العقد، فهو صحيح ".
وأقول: تعليلهم النهي عن بيعتين في بيعة بجهالة الثمن، مردود لأنه مجرد رأي
مقابل النص الصريح في حديث أبي هريرة وابن مسعود أنه الربا. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى أن هذا التعليل مبني على القول بوجوب الإيجاب والقبول في البيوع
، وهذا مما لا دليل عليه في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ،
بل يكفي في ذلك التراضي وطيب النفس، فما أشعر بهما ودل عليهما فهو البيع
الشرعي وهو المعروف عند بعضهم ببيع المعاطاة "، قال الشوكاني في " السيل
الجرار " (٣ / ١٢٦) : " وهذه المعطاة التي تحقق معها التراضي وطيبة النفس
هي البيع الشرعي الذي أذن الله به، والزيادة عليه هي من إيجاب ما لم يوجبه
الشرع ". وقد شرح ذلك شيخ الإسلام في " الفتاوي " (٢٩ / ٥ - ٢١) بما لا
مزيد عليه،
стр. 3284
فليرجع إليه من أراد التوسع فيه. قلت: وإذا كان كذلك، فالشاري
حين ينصرف بما اشتراه، فإما أن ينقد الثمن، وإما أن يؤجل، فالبيع في الصورة
الأولى صحيح، وفي الصورة الأخرى ينصرف وعليه ثمن الأجل - وهو موضع الخلاف -
فأين الجهالة المدعاة؟ وبخاصة إذا كان الدفع على أقساط، فالقسط الأول يدفع
نقدا، والباقي أقساط حسب الاتفاق. فبطلت علة الجهالة أثرا ونظرا.
٣ - دليل القول الثالث حديث الترجمة وحديث ابن مسعود، فإنهما متفقان على أن
" بيعتين في بيعة ربا "، فإذن الربا هو العلة، وحينئذ فالنهي يدور مع العلة
وجودا وعدما، فإذا أخذ أعلى الثمنين، فهو ربا، وإذا أخذ أقلهما فهو جائز
كما تقدم عن العلماء الذين نصوا أنه يجوز أن يأخذ بأقل الثمنين إلى أبعد
الأجلين، فإنه بذلك لا يكون قد باع بيعتين في بيعة، ألا ترى أنه إذا باع
السلعة بسعر يومه، وخير الشاري بين أن يدفع الثمن نقدا أو نسيئة أنه لا يصدق
عليه أنه باع بيعتين في بيعة كما هو ظاهر، وذلك ما نص عليه صلى الله عليه
وسلم في قوله المتقدم: " فله أوكسهما أو الربا "، فصحح البيع لذهاب العلة،
وأبطل الزيادة لأنها ربا، وهو قول طاووس والثوري والأوزاعي رحمهم الله تعالى
كما سبق. ومنه تعلم سقوط قول الخطابي في " معالم السنن " (٥ / ٩٧) : " لا
أعلم أحدا من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث، وصحح البيع بأوكس الثمنين، إلا
شيء يحكى عن الأوزاعي، وهو مذهب فاسد، وذلك لما تتضمنه هذه العقدة من الغرر
والجهل ". قلت: يعني الجهل بالثمن كما تقدم عنه وقد علمت مما سلف أن قوله
هو الفاسد لأنه أقامه على علة لا أصل لها في الشرع، بينما قول الأوزاعي قائم
على نص الشارع كما تقدم، ولهذا تعقبه الشوكاني بقول في " نيل الأوطار " (٥ /
١٢٩) : " ولا يخفى أن ما قاله الأوزاعي هو ظاهر الحديث لأن الحكم له بالأوكس
يستلزم
стр. 3285
صحة البيع ". قلت: الخطابي نفسه قد ذكر أن الأوزاعي قال بظاهر الحديث
، فلا فرق بينه وبين الخطابي من هذه الحيثية إلا أن الخطابي تجرأ في الخروج عن
هذا الظاهر ومخالفته لمجرد علة الجهالة التي قالوها برأيهم خلافا للحديث.
والعجيب حقا أن الشوكاني تابعهم في ذلك بقوله: " والعلة في تحريم بيعتين في
بيعة عدم استقرار الثمن في صورة بيع الشيء الواحد بثمنين.. ". وذلك لأن هذه
المتابعة تتماشى مع الذين يوجبون الإيجاب والقبول في البيوع، والشوكاني
يخالفهم في ذلك، ويقول بصحة بيع المعاطاة، وفي هذه الصورة (أعني المعطاة)
الاستقرار متحقق كما بينته آنفا. ثم إنه يبدو أن الشوكاني - كالخطابي - لم يقف
على من قال بظاهر الحديث - كالأوزاعي -، وإلا لما سكت على ما أفاده كلام
الخطابي من تفرد الأوزاعي، وقد روينا لك بالسند الصحيح سلفه في ذلك - وهو
التابعي الجليل طاووس - وموافقة الإمام الثوري له، وتبعهم الحافظ ابن حبان،
فقال في " صحيحه " (٧ / ٢٢٦) : " ذكر البيان بأن المشتري إذا اشترى بيعتين في
بيعة على ما وصفنا وأراد مجانبة الربا كان له أوكسهما ". ثم ذكر حديث الترجمة
، فهذا مطابق لما سبق من أقوال أولئك الأئمة، فليس الأوزاعي وحده الذي قال
بهذا الحديث. أقول هذا بيانا للواقع، ولكي لا يقول بعض ذوي الأهواء أو من لا
علم عنده، فيزعم أن مذهب الأوزاعي هذا شاذ! وإلا فلسنا - والحمد لله - من
الذين لا يعرفون الحق إلا بكثرة القائلين به من الرجال، وإنما بالحق نعرف
الرجال. والخلاصة أن القول الثاني ثم أضعف الأقوال لأنه لا دليل عنده إلا
الرأي،
стр. 3286
مع مخالفة النص، ويليه القول الأول لأن ابن حزم الذي قال به ادعى أن
حديث الترجمة منسوخ بأحاديث النهي عن بيعتين في بيعة، وهذه دعوى مردودة لأنها
خلاف الأصول، فإنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، وهذا من الممكن
هنا بيسر، فانظر مثلا حديث ابن مسعود، فإنك تجده مطابقا لهذه الأحاديث،
ولكنه يزيد عليها ببيان علة النهي، وأنها (الربا) . وحديث الترجمة يشاركه
في ذلك، ولكنه يزيد عليه فيصرح بأن البيع صحيح إذا أخذ الأوكس، وعليه يدل
حديث ابن مسعود أيضا لكن بطريق الاستنباط على ما تقدم بيانه. هذا ما بدا لي من
طريقة الجمع بين الأحاديث والتفقه فيها، وما اخترته من أقوال العلماء حولها
، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي، والله أسأل أن يغفره لي وكل ذنب
لي. واعلم أخي المسلم! أن هذه المعاملة التي فشت بين التجار اليوم، وهي
بيع التقسيط، وأخذ الزيادة مقابل الأجل، وكلما طال الأجل زيد في الزيادة،
إن هي إلا معاملة غير شرعية من جهة أخرى لمنافاتها لروح الإسلام القائم على
التيسير على الناس والرأفة بهم، والتخفيف عنهم كما في قوله صلى الله عليه
وسلم: " رحم الله عبدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى، سمحا إذا اقتضى ". رواه
البخاري. وقوله: من كان هينا، لينا، قريبا حرمه الله على النار ". رواه
الحاكم وغيره، وقد سبق تخريجه برقم (٩٣٨) . فلو أن أحدهم اتقى الله تعالى
، وباع بالدين أو بالتقسيط بسعر النقد، لكان أربح له حتى من الناحية المادية
لأن ذلك مما يجعل الناس يقبلون عليه ويشترون من عنده ويبارك له في رزقه،
مصداق قوله : * (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من
стр. 3287
حيث لا يحتسب
) * (١) . وبهذه المناسبة أنصح القراء بالرجوع إلى رسالة الأخ الفاضل عبد
الرحمن عبد الخالق: " القول الفصل في بيع الأجل " فإنها فريدة في بابها،
مفيدة في موضوعها، جزاه الله خيرا.
٢٣٢٧ - " من باع دارا ولم يجعل ثمنها في مثلها، لم يبارك له فيها ".
أخرجه البخاري في " التاريخ " (٤ / ٢ / ٣٢٨) وابن ماجة (٢ / ٩٧)
والطيالسي (١ / ٢٦٣) وابن عدي (٣٥٨ / ١) عن يوسف بن ميمون عن أبي عبيدة بن
حذيفة عن أبيه حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ :
فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف، يوسف بن ميمون - هو المخزومي مولاهم الكوفي
الصباغ - ضعيف، ومع ذلك قال ابن عدي: " هذا الحديث لا أرى به بأسا ".
قلت: لعل ذلك لأنه تابعه يزيد بن أبي خالد الدالاني عن أبي عبيدة به. أخرجه
البخاري أيضا وكذا الطيالسي والبيهقي (٦ / ٣٣) . ويزيد هذا - هو أبو خالد
الدالاني - من رجال " التهذيب "، قال الحافظ: " صدوق يخطىء كثيرا، وكان
يدلس ". ولم يعرفه البوصيري في " زوائده "، فقال (١٥٥ / ١) : " لم أعلم
يزيد بن أبي خالد بعدالة ولا جرح ". قلت: والسبب في ذلك أنه عزاه البيهقي
فقط، ووقع فيه: " يزيد بن أبي خالد "
стр. 3288
ليس فيه زيادة: " الدالاني "، وهي
ثابتة عند البخاري، ثم هو مشهور بكنيته، واسم أبيه عبد الرحمن، فهو يزيد بن
عبد الرحمن، وهكذا ذكروا اسمه لما ترجموا الابن في كنيته المذكورة، فخفي
أمره على البوصيري. أقول: ومن ضعفه أنه اضطرب في إسناده، فرواه وهب بن جرير
: أخبرنا شعبة عنه به مرفوعا. أخرجه من هذا الوجه البخاري والبيهقي وأبو
جعفر الرزاز في " حديثه " (٤ / ٧٥ / ١) . وتابعه سلم بن قتيبة سمع شعبة رفعه
. أخرجه البخاري. وخالفهم ابن مهدي وغندر وآدم، ثلاثتهم عن شعبة به موقوفا
على حذيفة. أخرجه البخاري عنهم. وتابعهم الطيالسي، فقال: حدثنا شعبة به
موقوفا. وقد ذكر ابن أبي حاتم في " العلل " (٢ / ٢٩٠) هذا الاختلاف على
شعبة، وساق رواية وهب المرفوعة، ورواية الطيالسي الموقوفة، ثم قال عن أبيه
: " موقوف عندي أقوى، ويزيد أبو خالد ليس بالدالاني ". كذا قال! وبعد
تصريح البخاري في بعض روايات الحديث بأنه الدالاني، فلا وجه للنفي لأن من حفظ
حجة على من لم يحفظ. وللحديث شاهد من حديث سعيد بن حريث مرفوعا به. أخرجه
ابن ماجة والبيهقي وأحمد (٣ / ٤٦٧، ٤ / ٣٠٧) وابن عدي (٩ / ١) والضياء
في " المنتقى من مسموعاته " (٧٩ / ٢) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر
حدثني عبد الملك بن عمير عن عمرو بن حريث عن أخيه سعيد بن حريث به.
стр. 3289
قلت:
وإسماعيل هذا ضعيف كما في " التقريب ". لكن تابعه أبو حمزة عن عبد الملك بن
عمير به. أخرجه البيهقي من طريق الحاكم بسنده عن محمد بن موسى بن حاتم حدثنا
علي بن الحسن بن شقيق حدثنا أبو حمزة. قلت: وأبو حمزة - هو محمد بن ميمون
السكري - ثقة من رجال الشيخين، وكذلك من فوقه، إلا أن محمد بن موسى بن حاتم
متكلم فيه. قال القاسم السياري: " أنا بريء من عهدته ". وقال ابن أبي سعد:
" إن كان محمد بن علي الحافظ سيء الرأي فيه ". وتابعه قيس بن الربيع أيضا عن
عبد الملك بن عمير به. ذكره البوصيري دون أن يعزوه لمخرج، وأظنه يعني ما
أخرجه أحمد (١ / ١٩٠) عن قيس بن الربيع حدثنا عبد الملك بن عمير عن عمرو بن
حريث قال: " قدمت المدينة، فقاسمت أخي، فقال سعيد بن زيد: إن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: " لا يبارك في ثمن أرض ولا دار لا يجعل في أرض ولا دار
". قلت: فأنت ترى أن قيس بن الربيع جعله من حديث سعيد بن زيد لا من حديث سعيد
بن حريث. ولعل ذلك من سوء حفظه الذي ضعف بسببه. وقد روي من طريق أخرى عن
عمرو بن حريث مرفوعا، ولكن إسناده واه، فقال ابن أبي حاتم (٢ / ٣٢٤) : "
سألت أبي عن حديث رواه عقبة بن خالد عن الصباح بن يحيى عن خالد بن أبي أمية عن
عمرو بن حريث: (فذكره) ، قال أبي: يروونه عن عمرو بن حريث عن أخيه سعيد بن
حريث ".
стр. 3290
قلت: يشير إلى أنه منكر من مسند عمرو بن حريث، وآفته الصباح هذا،
فقد أورده الهيثمي في " المجمع " (٤ / ١١١) عن حذيفة وعمرو بن حريث معا
مرفوعا، وقال: " رواه الطبراني في " الكبير " وفيه الصباح بن يحيى وهو
متروك ". ثم إن للحديث شاهدا آخر من حديث أبي أمامة غير أن سنده واه جدا،
فإنه من رواية إبراهيم بن حبان بن حكيم بن علقمة بن سعد بن معاذ عن حماد بن
سلمة عن برد بن سنان عن مكحول عنه مرفوعا. أخرجه ابن عدي في ترجمة إبراهيم هذا
(ق ٤ / ١) ، وقال: " ضعيف الحديث ". ثم ساق له حديثين هذا أحدهما، ثم قال
: " وهذان الحديثان مع أحاديث أخرى عامتها موضوعة مناكير، وهكذا سائر
أحاديثه ". وجملة القول أن الحديث بمتابعته وشاهده الأول لا ينزل عن رتبة
الحسن. والله أعلم. ثم رأيت في بعض أصولي وأوراقي القديمة
بخطي أن الحافظ السخاوي حسنه أيضا في " الفتاوي الحديثية " (ق ٣٠ / ٢) . ثم
وجدت له شاهدا ثالثا يرويه عبد القدوس بن محمد العطار، حدثنا يزيد بن تميم بن
زيد حدثني أبو مرحوم السندي: حدثني المنتصر بن عمارة عن أبيه عن أبي ذر مرفوعا
نحوه. أخرجه الطبراني في " الأوسط " (١ / ١٤٣ / ٢) ، وقال: " لا يروى عن
أبي ذر إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبد القدوس ". قلت: هو صدوق من شيوخ
البخاري، لكن من بينه وبين أبي ذر لم أعرفهم، وقد
стр. 3291
نقل الحافظ في " اللسان "
عن " تلخيص " الذهبي أنه قال في المنتصر بن عمارة وأبيه: " مجهولان ".
(تنبيه) : بعد كتابة ما تقدم رجعت إلى بعض أصولي القديمة التي عندي، فوجدت
فيه أن أبا يعلى الموصلي أخرج الحديث في " حديث محمد بن بشار " (١٢٧ / ١) من
طريق شعبة بسنده المتقدم عن حذيفة مرفوعا وموقوفا، والوقف أكثر. وجاء في
بعض طرقه ما يأتي: " قال بندار - هو محمد بن بشار -: فقلت لعبد الرحمن بن
مهدي: تحفظ هذا الحديث عن شعبة؟ قال: نعم. قلت: حدثني به. فقال: حدثني
شعبة عن يزيد أبي خالد. قلت له: الدالاني؟ قال: ليس بالدالاني. فقلت له:
فإن ههنا من يرويه عن شعبة عن يزيد أبي خالد الدالاني، فألح علي؟ قلت: حرمي
بن عمارة، قال: ويحه! ما أقل علمه بالحديث! يزيد الدالاني أصغر من أن يسمع
من أبي عبيدة بن حذيفة ". قلت: ولا أجد ما يحملنا على نفي سماعه منه، فأبو
عبيدة تابعي من الطبقة الثاني عند الحافظ، وقد ذكروا له - أعني أبا خالد -
رواية عن قتادة، وهو رأس الطبقة الرابعة عنده، وعن أبي إسحاق السبيعي،
وهو من الطبقة الثالثة، ويحيى بن إسحاق بن عبد الله بن طلحة الأنصاري،
وإبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي، وهما من الخامسة، وكل هؤلاء رووا عن
الصحابة، كأبي عبيدة، فما الذي يمنع أن يكون أبو خالد سمع منه كما سمع من
هؤلاء التابعين الذين ذكرنا وغيرهم ممن لم نذكر؟ بل هذا هو الذي يشير إليه
صنيع الحافظ في ترجمة أبي خالد، فإنه قال: " إنه من السابعة ". وقد ذكر في
المقدمة أن الطبقة السادسة هم الذين عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد
من الصحابة كابن جريج، وأن السابعة كبار أتباع التابعين كمالك والثوري
стр. 3292
فإذن
أبو خالد الدالاني في اطلاع الحافظ العسقلاني - وكفى به حجة في هذا العلم -
وهو من كبار أتباع التابعين، فليس هناك ما يمنع من إمكان سماعه من الطبقة
الثانية، وهي تعني كبار التابعين. والله أعلم. ومما يسترعي الانتباه أن
هذا النفي الذي رواه أبو يعلى عن محمد بن بشار عن ابن مهدي قد روى البخاري عنه
ما ينافيه، وعليه اعتمدت في إثبات أنه الدالاني، فقد قال في ترجمة يزيد أبي
خالد الواسطي عن إبراهيم السكسكي: قال لي محمد بن بشار: أخبرنا ابن مهدي
وغندر عن شعبة عن يزيد بن أبي خالد الدالاني عن أبي عبيدة ... فعلق عليه المحقق
اليماني بقوله: " هكذا في الأصلين، وكأنه من أوهام ابن بشار، زاد كلمة: "
ابن "، وزاد: " الدالاني ". والله أعلم ". وكان عمدته في هذا التوهيم
قول ابن أبي حاتم المتقدم: " وليس بالدالاني ". وقد نقله اليماني عنه قبيل
تعليقه المذكور. وبالجملة، فهذه مسألة مشكلة، تحتاج إلى مزيد من البحث
والتحقيق، فإن تخطئة الإمام البخاري أو أحد رواته الثقات ليس بالأمر الهين،
فعسى الله أن ييسر لي أو لغيري ممن له عناية بهذا العلم الشريف ما يكشف عن
الحقيقة، ويزيل المشكلة، ولكن ذلك لا يمنع من تحسين الحديث. والله سبحانه
وتعالى أعلم.
٢٣٢٨ - " من تواضع لله رفعه الله ".
أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (٨ / ٤٦) عن علي بن الحسن بن أبي الربيع الزاهد
حدثنا إبراهيم بن أدهم قال: سمعت محمد بن عجلان يذكر عن أبيه عن أبي هريرة
مرفوعا، وقال:
стр. 3293
" غريب من حديث إبراهيم، لا أعرف له طريقا غيره ".
قلت: وهو صدوق مع زهده، فالحديث حسن لأن من فوقه ثقات معروفون لولا أن
الراوي عن إبراهيم لم أعرفه، لكن صنيع أبي نعيم يشعر بأنه لم يتفرد به. ومن
الغريب قوله: " لا أعرف له طريقا غيره ". مع أن مسلما أخرجه في " صحيحه " (٨
/ ٢١) من طريق العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا به في حديث، وأخرجه غيره
أيضا، وقد خرجته في " إرواء الغليل " (٢٢٦٢) . وله شاهد من حديث عمر
مرفوعا، وزاد: " وقال: انتعش رفعك الله، فهو في نفسه صغير وفي أعين
الناس عظيم ومن تكبر خفضه الله، وقال: اخسأ خفضك الله، فهو في أعين الناس
صغير وفي نفسه كبير، حتى يكون أهون عليهم من كلب ". أخرجه أبو نعيم (٧ /
١٢٩) والخطيب (٢ / ١١٠) وقالا: " غريب من حديث الثوري، تفرد به سعيد بن
سلام ". قلت: وهو كذاب، كما قال أحمد وغيره ولذا خرجته في " الضعيفة " (١٢٩٥) . وللحديث شاهد آخر من رواية دراج، وهو ضعيف، عن أبي الهيثم عن أبي
سعيد الخدري مرفوعا بلفظ: " من تواضع لله درجة يرفعه الله درجة، حتى يجعله في
أعلى عليين، ومن تكبر على الله درجة يضعه الله درجة، حتى يجعله في أسفل
السافلين ". أخرجه ابن ماجة (٢ / ٥٤٤) وابن حبان (١٩٤٢) . ثم وجدت لحديث
عمر طريقا أخرى من رواية عاصم بن محمد عن أبيه عن ابن
стр. 3294
عمر عنه - قال: لا أعلمه
إلا - رفعه، قال: " يقول الله ﵎: من تواضع لي هكذا، رفعته هكذا
. وجعل يزيد (ابن هارون) باطن كفه إلى الأرض وأدناها إلى الأرض، " رفعته
هكذا " وجعل باطن كفه إلى السماء، ورفعها نحو السماء ". أخرجه أحمد (١ /
٤٤) بسند صحيح، ومن طريقه وطريق غيره أخرجه الضياء المقدسي في " المختارة "
(رقم ١٩٩ - ٢٠١ بتحقيقي) .
٢٣٢٩ - " من تولى غير مواليه، فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه ".
أخرجه أحمد (٣ / ٣٣٢) والبخاري في " التاريخ " (٢ / ١ / ١٤٣) عن يعقوب بن
محمد بن طحلاء حدثنا خالد بن أبي حيان عن جابر مرفوعا.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال مسلم غير خالد بن أبي حيان قال ابن
أبي حاتم (١ / ٢ / ٣٢٤) : " سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: مديني ثقة ". وذكره
ابن حبان في " الثقات " (١ / ٥٦ - هند) .
٢٣٣٠ - " من جامع المشرك وسكن معه، فإنه مثله "..
أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) عن سليمان بن موسى أبي داود حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة
بن جندب حدثني خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة عن سمرة بن جندب
مرفوعا. وهذا إسناد ضعيف، سليمان بن سمرة قال الحافظ:
стр. 3295
" مقبول ". وابنه
خبيب مجهول. وجعفر بن سعد بن سمرة ليس بالقوي. وسليمان بن موسى أبو داود
الكوفي الخراساني فيه لين. ومن هنا تعلم خطأ المناوي في قوله في " التيسير "
: " وإسناده حسن ". مع أنه في " الفيض " تعقب رمز السيوطي لحسنه بضعف سليمان
هذا! قلت: لكن له طريق أخرى يتقوى بها، أخرجه الحاكم (٢ / ١٤١ - ١٤٢) عن
إسحاق بن إدريس حدثنا همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعا بلفظ: " لا
تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا ". وقال: "
صحيح على شرط البخاري "، ووافقه الذهبي، إلا أنه زاد: " ومسلم ". ولا
أدري إذا كانت هذه الزيادة منه، أو من بعض نساخ كتابه: " التلخيص ". وسواء
كان هذا أو ذاك، فتصحيحه وهم فاحش منهما لأن إسحاق بن إدريس هذا ليس من رجال
الشيخين، ولا هو بثقة، بل إنه اتهم بالوضع، فقد أورده الذهبي نفسه في "
الميزان " وقال: " تركه ابن المديني، وقال أبو زرعة: واه. وقال البخاري
: تركه الناس. وقال الدارقطني: منكر الحديث. وقال: يحيى بن معين: كذاب
يضع الحديث ". لكني وجدت له متابعا قويا يرويه إسحاق بن سيار حدثنا محمد بن
عبد الملك عن همام به.