مشروعي القديم "تَقْريب السُّنَّة بين يَدَي الأُمّة" الذي أفنيتُ فيه شَبَابي، وقضيتُ فيه كهولَتي، وأُتُمِّم به -الآن- شيخوختي، سائلًا الله -جلّ في عُلاه- أن أكون ممن قال فيهم الرسول ﷺ :
"خيركم مَن طال عُمُره وحَسُن عملُه"، راجيًا منه جلَّ شأنه حُسْنَ الختام، والوفاة على الإيمان ...
وفي الختام؛ لا يفوتني أن أقوم بواجب الشكر لابنتي الكبرى (أم عبد الله) ، فإن لها الفضل في تيسير تصحيح تجاربِ هذا المجلد، ولفت النظر إلى كثير من الأمور التي قد يسهو عنها أي مؤلف؛ فضلًا عمن بلغ الثمانين من العمر، من مثل سقوط كلمة أو جملة، أو استرعاء نظر إلى تكرر تخريج حديث، أو عدم تمام الكلام عليه، ونحو ذلك، فجزاها الله عني خير الجزاء.
وكذلك الأخ علي الحلبي، فقد استفدتُ من ملاحظاته التي كان كتبها على الأصل الذي هو بخطي، وبعضه قد كتب منذ عشراتِ السنين، أو كتبها على بعض التجارب التي أتيح له الاطلاع عليها. فله ولكل من كان له يد في إخراج المجلد ونشره بإشراف صهري نظام سكجها/صاحب المكتبة الإسلامية/عمّان - جزيل الشكر.
وآخِر دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين.
عمان في ٢٧ ذو القعدة ١٤١٥ هـ
محمد ناصر الدين الألباني
стр. 3537
٢٥٠١ - " إياكم والجلوس في الصعدات (وفي رواية: الطرق) فإن كنتم لابد فاعلين،
فأعطوا الطريق حقه. قيل: وما حقه؟ قال: غض البصر ورد السلام وإرشاد
الضال ".
أخرجه الطحاوي في " مشكل الآثار " (١ / ٥٨) والبزار في " مسنده " (٢ / ٤٢٥
/ ٢٠١٨) - كشف الأستار من طريق محمد بن المثنى ويزيد بن سنان قالا: حدثنا
عبد الله بن سنان: حدثنا عبد الله بن المبارك عن جرير بن حازم عن إسحاق ابن
سويد عن ابن حجيرة عن عمر أن رسول الله ﷺ قال: فذكره،
وقال البزار: " لا نعلم أسنده إلا جرير، ولا عنه إلا ابن المبارك. ورواه
حماد بن زيد عن إسحاق بن سويد مرسلا ". كذا وقع فيه وقد وصله الطحاوي من طريق
حجاج بن منهال: حدثنا حماد بن سلمة عن إسحاق بن سويد عن يحيى بن يعمر أن النبي
ﷺ ، فذكر الحديث وقال الطحاوى: " منقطع الإسناد ". قلت:
يعني أنه مرسل وهو أشبه بالصواب كما قال الدارقطني في " العلل " (٢ / ٢٥١)
وإسحاق بن سويد يروي عنه كل من الحمادين، فمن الممكن أن يكون كلاهما قد روياه
عنه مرسلا، ثم لينظر هل سقط من رواية " كشف الأستار " أو ناسخه ذكر يحيى بن
يعمر؟ (١)
стр. 3538
ثم إن عبد الله بن سنان - وهو الهروي - قد توبع، فقال أبو داود في
" سننه " (٤٨١٧) : حدثنا الحسن بن عيسى النيسابوري: أخبرنا ابن المبارك
بإسناده عن ابن حجير العدوي قال: سمعت عمر بن الخطاب به. قلت: كذا وقع في "
السنن " (ابن حجير) وكذا في " تهذيب الكمال " وفروعه وفي رواية البزار
والطحاوي (ابن حجيرة) وكذا في ترجمة إسحاق من " الجرح والتعديل " وجزم
المعلق على " التهذيب " بأنه مصحف، وما أرى ذلك بصواب لأن الرجل مجهول كما
جزم به المنذري في " مختصر السنن " (٧ / ١٨١) وهو معنى قول الحافظ فيه: "
مستور ". قلت فهو غير مشهور ولا يعرف إلا فى هذا الحديث، فليس من الممكن إذن
ترجيح رواية على أخرى! وقد أخطأ في هذا الحديث الحافظ الهيثمي مرتين: الأولى
: إيراده إياه وهو في " السنن ". والأخرى: قوله (٨ / ٦٢) : " رواه البزار
ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن سنان الهروي وهو ثقة " ذلك أن ابن حجيرة
ليس من رجال (الصحيح) بل هو مجهول كما تقدم. وفي ظني أنه توهم أنه عبد
الرحمن بن حجيرة الخولاني أبو عبد الله المصري، فإنه من رجال مسلم ولكنه ليس
به كما سبق، ولا ذكروا له رواية عن عمر ولا في الرواة عنه إسحاق بن سويد.
стр. 3539
وكأنه اغتر به أو اتفق أن وافقه على هذا الخطأ المعلق على " مشكل الآثار " -
الطبعة الهندية، فإنه قال: " في الخلاصة هو عبد الرحمن بن حجيرة - بضم أوله
وفتح الجيم - الأكبر أبو عبد الله الخولاني قاضى مصر ". وفيه خطأ آخر وهو
نسبته هذا التفسير لـ " الخلاصة " وليس فيه إلا قوله: " عبد الرحمن بن حجيرة
.. "! والخلاصة أن علة هذا الإسناد جهالة ابن حجير هذا. لكن الحديث صحيح،
فإنه في " الصحيحين "، و " الأدب المفرد " (١١٥٠) وأبي داود (٤٨١٥) وابن
حبان (٥٩٤ - الإحسان) والطحاوي أيضا، وأحمد (٣ / ٣٦) من حديث أبي سعيد
الخدري مرفوعا نحوه، ومسلم (٧ / ٢) من حديث أبي طلحة ﵁ دون قوله
: " وإرشاد الضال ". وزاد أبو سعيد: " وكف الأذى، والأمر بالمعروف،
والنهي عن المنكر ". وفي رواية لأحمد (٣ / ٦١) من طريق عبد الرزاق وهذا في
" المصنف " (١١ / ٢٠ / ١٩٧٨٦) من طريق رجل عن أبي سعيد به، لكنه ذكر مكان "
كف الأذى ": " وأرشدوا السائل ". وهو بمعنى " إرشاد الضال ". ولفظ أبي
طلحة: [" غض البصر ورد السلام وحسن الكلام "] . وقد جاء المعنى المشار
إليه في أحاديث أخرى عن أبي هريرة والبراء بن
стр. 3540
عازب وعبد الله بن عباس وسهل
بن حنيف.
١ - أما حديث أبي هريرة، فله طريقان: الأولى: عن العلاء بن عبد
الرحمن عن أبيه عنه: فذكره نحوه بلفظ: " إدلال السائل ورد السلام وغض
الأبصار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ". أخرجه البخاري في " الأدب
المفرد " (١٠٤٩) . قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم. والأخرى: عن عبد
الرحمن بن إسحاق عن سعيد المقبري عنه بلفظ: " غض البصر وإرشاد ابن السبيل
وتشميت العاطس إذا حمد الله، ورد التحية ". أخرجه البخاري أيضا (١٠١٤)
وأبو داود (٤٨١٦) وابن حبان (٥٩٥) . وإسناده جيد على شرط مسلم. ٢ - وأما
حديث البراء فيرويه شعبة وغيره عن أبى إسحاق عنه - ولم يسمعه منه - نحوه بلفظ
: " فردوا السلام وأعينوا المظلوم واهدوا السبيل ". أخرجه الترمذي (٢٧٢٧)
والدارمي (٢ / ٢٨٢) وابن حبان (٥٩٦) والطحاوي أيضا، وأحمد (٤ / ٢٨٢
و٢٩١ و ٣٩٣ و ٣٠٤) . وقال الترمذي: " حديث حسن ". قلت: بل هو صحيح لشواهده
المتقدمة، وجملة: " وأعينوا المظلوم " جاءت
стр. 3541
في " الصحيحين " من طريق أخرى
عن البراء في حديث آخر له بلفظ: " أمرنا بسبع.. " الحديث، فذكرها فيهن.
وذكر مسلم (٦ / ١٣٥) في رواية له: " وإنشاد الضال ". كذا فيه، ولعله: "
وإرشاد ". ٣ - وأما حديث ابن عباس فيرويه ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن
أبيه عن جده عبد الله بن عباس به، ولفظه: " فردوا السلام وغضوا البصر
واهدوا السبيل وأعينوا على الحمولة ". أخرجه البزار (٢٠١٩) وقال: " لا
نعلم لابن عباس غير هذا الطريق، وروي عن غيره بألفاظ، ولا نعلم في حديث "
وأعينوا على الحمولة " إلا في هذا، وداود ليس بالقوي في الحديث، ولا يتوهم
عليه إلا الصدق، وإنما يكتب من حديثه ما لم يروه غيره ". قلت: وابن أبي
ليلى - وهو محمد بن عبد الرحمن - سيىء الحفظ، وبه أعله الهيثمي. وهو ما
قاله - عقب ما سبق - الحافظ ابن حجر في " زوائد البزار " (٢ / ٢١١) . ٤ -
وأما حديث سهل فيرويه أبو معشر: حدثنا أبو بكر بن عبد الرحمن الأنصاري عنه نحوه
بلفظ: " قالوا: وما حق المجالس؟ قال: ذكر الله كثيرا، وأرشدوا السبيل
وغضوا الأبصار ". أخرجه الطبراني في " الكبير " (٦ / ١٠٥ / ٥٥٩٢) .
стр. 3542
وأعله
الهيثمي بأبي بكر هذا فقط، فقال: " تابعي، لم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا "
. وكأنه يشير إلى ضعف في أبي معشر من قبل حفظه، واسمه نجيح. ٥ - وأما حديث
وحشي فيرويه وحشي بن حرب بن وحشي عن أبيه عن جده بلفظ: " فردوا السلام وغضوا
من أبصاركم واهدوا الأعمى (١) ، وأعينوا المظلوم " أخرجه الطبراني أيضا (٢٢
/ ١٣٨ / ٣٦٧) . قال الهيثمي: " ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف ". قلت: حرب
بن وحشي لم يوثقه غير ابن حبان (٤ / ١٧٣) وفيه جهالة كما بينته في " تيسير
الانتفاع ". واعلم أن في هذه الأحاديث مجموعة طيبة من الآداب الإسلامية
الهامة بأدب الجلوس في الطرق وأفنية الدور، ينبغي على المسلمين الاهتمام بها
، ولاسيما ما كان منها من الواجبات مثل غض البصر عن النساء المأمور به في كثير
من الأحاديث الأخرى، وفي قول ربنا ﵎: * (قل للمؤمنين يغضوا من
أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون) * (النور: ٣٠
) . فإذا كان هذا الأمر الإلهي قد وجه مباشرة إلى ذاك الجيل الأول الأطهر
الأنور ولم يكن يومئذ ما يمكن أن يرى من النساء إلا الوجه والكفان ومن بعضهن
، كما
стр. 3543
تواترت الأحاديث بذلك كحديث الخثعمية، وحديث بنت هبيرة وغيرهما مما هو
مذكور في " جلباب المرأة " و " آداب الزفاف ". أقول: إذا لم يكن إلا هذا مما
يمكن أن يرى من النساء يومئذ، فإن مما لا شك فيه أنه يتأكد الأمر بغض النظر في
هذا الزمن الذي وجدت فيه " النساء الكاسيات العاريات " اللاتي قال فيهن النبي
ﷺ : " صنفان من أهل النار لم أرهما بعد.. " الحديث، وفيه:
" ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت، لا يدخلن
الجنة.. " الحديث. وقد مضى بتمامه مع تخريجه برقم (١٣٢٦) . فالواجب على كل
مسلم - وبخاصة الشباب منهم - أن يغضوا من أبصارهم، وعن النظر إلى الصور
الخليعة المهيجة لنفوسهم، والمحركة لكامن شهواتهم، وأن يبادروا إلى الزواج
المبكر إحصانا لها، فإن لم يستطيعوا، فعليهم بالصوم فإنه وجاء كما قال عليه
الصلاة والسلام، وهو حديث صحيح مخرج في " الإرواء " (١٧٨١) ، ولا يركنوا
إلى الإستمناء (العادة السرية) مكان الصيام (١) ، فيكونوا كالذين قال الله
فيهم من المغضوب عليهم: * (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) *؟! (
البقرة: ٦١) . أسأل الله تعالى أن يستعملنا والمسلمين في طاعته، وأن
يصرفنا عما لا يرضيه من معصيته، إنه سميع مجيب.
стр. 3544
٢٥٠٢ - " إن شئت دعوت الله لك فشفاك، وإن شئت صبرت ولا حساب عليك ".
أخرجه ابن حبان (٧٠٨ - موارد) والبزار (٨٣ - زوائده) والأصبهاني في "
الترغيب " (٥٩ / ١) والبغوي في " شرح السنة " (رقم ١٤٢٤) من طرق عن محمد
ابن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم وبها لمم، فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يشفيني، قال:
فذكره. فقالت: بل أصبر ولا حساب علي. قلت: وهذا إسناد حسن. وسكت عنه
الحافظ (١٠ / ١١٥) . وله شاهد من حديث ابن عباس نحوه، وزاد: " فقالت:
إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف. فدعا لها ". أخرجه الشيخان وغيرهما
كابن أبي الدنيا في " المرض والكفارات " (٨٧ / ١) والبغوي في " شرح السنة "
(١٤٢٣) . وللحديث طريق أخرى عن أبي هريرة قال: جاءت الحمى إلى النبي صلى
الله عليه وسلم فقالت: ابعثني إلى آثر أهلك عندك، فبعثها إلى الأنصار، فبقيت
عليهم ستة أيام ولياليهن، فاشتد ذلك عليهم، فأتاهم في ديارهم، فشكوا ذلك
إليه، فجعل النبي ﷺ يدخل دارا دارا، وبيتا بيتا، يدعو لهم
بالعافية. فلما رجع تبعته امرأة منهم، فقالت: والذي بعثك بالحق إني لمن
الأنصار، وإن أبي لمن الأنصار، فادع الله لي كما دعوت للأنصار، قال: " ما
شئت، إن شئت دعوت الله أن يعافيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة ".
стр. 3545
قالت: بل
أصبر، ولا أجعل الجنة خطرا. أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (١٣٢ / ٥٠٢
) من طريق عطاء بن أبي رباح عنه، وإسناده صحيح. ويبدو أن هذه قصة أخرى غير
الأولى لاختلاف المرض فيها، ففي هذه الحمى، وفي تلك اللمم وهو الجنون،
ويحتمل أن تكونا واحدة، وتكون الحمى شديدة تشبه في شدتها اللمم. والله أعلم.
٢٥٠٣ - " ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به
من سيئاته ".
أخرجه مسلم (٨ / ١٦) والترمذي (١ / ١٨١) وابن أبي الدنيا في " الكفارات "
(٦٩ / ١ و ٧٦ / ١) وأحمد (٣ / ٤ و ٢٤ و ٦١ و ٨١) من طرق عن محمد بن عمرو
بن عطاء عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: فذكره، والسياق لمسلم، وابن أبي الدنيا في رواية،
ولم يذكر الآخرون أبا هريرة في إسناده، وقال الترمذي: " إلا يكفر الله به عنه
سيئاته "، فلم يقل: " من "، وهو شاذ، تفرد به أسامة بن زيد دون سائر الطرق
، على أنه عند أحمد من طريقه بلفظ: " من خطاياه ". وهو المحفوظ. وكذلك
أخرجه البخاري في " المرض " (١٠ / ٩١ - فتح) من الوجه المذكور عنهما معا،
إلا أنه لم يذكر (السقم) ، وقال مكانه: " هم ولا غم، حتى الشوكة يشاكها،
إلا كفر الله بها من خطاياه "، وهو رواية لأحمد (٢ / ٢٠٢ و ٣٣٥ و ٣ / ١٨
و٤٨) . وللحديث طريق أخرى بلفظ مختصر مضى برقم (٢٤١٠) .
стр. 3546
وفي رواية لابن أبي
الدنيا من طريق عبيد الله بن عبد الله بن موهب: سمعت أبا هريرة يقول: قال
رسول الله ﷺ : " ما من مؤمن يشاك شوكة في الدنيا ويحتسبها
إلا قص بها من خطاياه يوم القيامة " قلت: وعبيد الله هذا قال أحمد: "
أحاديثه مناكير، ولا يعرف لا هو ولا أبوه ". لكن له شاهد من حديث جابر
مرفوعا بلفظ: " ما من مؤمن ولا مؤمنة، ولا مسلم ولا مسلمة يمرض مرضا، إلا
قص الله عنه من خطاياه ". أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (٥٠٨) وابن
أبي الدنيا (ق ٨٧ - ٨٨) والبزار (٧٥٨ - كشف) بإسناد صحيح رجاله ثقات رجال
مسلم غير شيخه إسحاق بن إسماعيل، وهو ثقة من شيوخ أبي داود، وقد توبع عند
أحمد (٣ / ٣٨٦ و ٤٠٠) بلفظ: " حط الله ". وكذلك أخرجه أبو يعلى (٢ / ٦١١
) . وهو كذلك عند أحمد (٣ / ٣٤٦) من طريق أبي الزبير عن جابر به، إلا أنه
قال: " حط عنه خطيئته ". لم يقل: " من ". وكذلك رواه ابن حبان (٦٩٦) من
هذا الوجه، وزاد: " كما تنحط الورقة عن الشجرة ". وأبو الزبير مدلس.
وشاهد ثان من حديث عائشة بلفظ:
стр. 3547
" لا يصيب عبدا شوكة فما فوقها إلا قاص الله عز
وجل بها من خطاياه ". أخرجه أحمد (٦ / ١٨٥) بإسناد صحيح على شرط مسلم، وقد
أخرجه في " صحيحه " (٨ / ١٥) من طريق أخرى عنها بلفظ: " إلا قص بها من
خطاياه، أو كفر بها من خطاياه "، والشك من يزيد بن خصيفة أحد رواته.
٢٥٠٤ - " من عاد مريضا لم يزل يخوض في الرحمة حتى يجلس، فإذا جلس اغتمس فيها ".
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٣ / ٢٣٤) وأحمد (٣ / ٣٠٤) وابن أبي
الدنيا في " الكفارات " (٧٣ / ١) والبيهقي (٣ / ٣٨٠) وابن حبان في "
صحيحه " (٧١١) من طريق هشيم: حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن عمر بن الحكم بن
ثوبان عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره
. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الحميد بن جعفر،
فهو على شرط مسلم وحده. ومن طريقه أخرجه البزار أيضا (١ / ٣٦٨ / ٧٧٥ - الكشف
) . وخالفه أبو معشر فقال: عن عبد الرحمن بن عبد الله الأنصارى قال: دخل أبو
بكر ابن محمد بن عمرو بن حزن على عمر بن الحكم بن ثوبان فقال: يا أبا حفص
حدثنا حديثا عن رسول الله ﷺ ليس فيه اختلاف، قال: حدثني كعب
بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكره نحوه. أخرجه أحمد (٣
/ ٤٦٠) وابن أبي الدنيا (٨٥ / ٢) إلا أنه وقع عنده: " عبد الله بن عبد
الرحمن " على القلب.
стр. 3548
وأبو معشر اسمه نجيح السندي، وهو ضعيف، وسائر رواته
ثقات. ومن هذا تعلم أن قول الهيثمي (٢ / ٢٩٧) تبعا للمنذري (٤ / ١٦٤) :
" رواه أحمد والطبراني في " الكبير " و " الأوسط "، وإسناده حسن ". قلت:
فهو غير حسن لما علمت من ضعف أبي معشر مع مخالفته في إسناده. وقالا في حديث
جابر، وقد عزواه للبزار أيضا - ولم أجده في زوائده -: " ورجال أحمد رجال
الصحيح ". وللحديث شاهد من رواية أبي عمارة قيس مولى سودة بنت عمرو بن حزم عن
أبيه عن جده مرفوعا به، وزاد: " ثم إذا قام من عنده فلا يزال يخوض فيها حتى
يرجع ". أخرجه ابن أبي الدنيا (٨٦ / ٢ - ٨٧ / ١) والعقيلي في " الضعفاء " (
ص ٣٥٨) . وأبو عمارة هذا ضعفه البخاري جدا فقال: " فيه نظر ". وأما ابن
حبان فذكره في " الثقات "، ولعله معتمد الهيثمي في قوله بعد أن ساق الحديث (
٢ / ٢٩٧) : " رواه الطبرانى في " الكبير " و " الأوسط "، ورجاله موثقون "!
وأما المنذري فقال: " وإسناده إلى الحسن أقرب "! والحديث أخرجه ابن عبد
البر أيضا في " التمهيد " (٢٤ / ٢٧٣) وصححه
стр. 3549
من طريق هشيم وغيره عن عبد
الحميد بن جعفر، وخالفه خالد بن الحارث عنه في مخالفة لا تضر في صحة متنه كما
تقدم بيانه برقم (١٩٢٩) ، وقد قدر إعادة تخريجه هنا، ولا يخلو من فائدة.
٢٥٠٥ - " إن الرجل يشفع للرجلين وللثلاثة والرجل للرجل ".
أخرجه ابن خزيمة في " التوحيد " (ص ٢٠٥) : حدثنا إسحاق بن منصور قال: حدثنا
عبد الرزاق عن معمر قال: أخبرني ثابت البناني أنه سمع أنس بن مالك يقول:
قال النبي ﷺ ... فذكره. وأخرجه البزار (٣٤٧٣ - كشف) من
طريقين آخرين عن عبد الرزاق دون الجملة الأخيرة. قلت: وهذا إسناد صحيح على
شرط الشيخين. وأورده المنذري في " الترغيب " (٤ / ٢٢٠) ، ثم الهيثمي في "
المجمع " (١٠ / ٣٨٢) من رواية البزار (٣٤٧٣ - كشف الأستار) ، وقالا: "
ورجاله رجال الصحيح ". قلت: وله شاهد يرويه عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري
مرفوعا به. أخرجه ابن خزيمة (ص ٦٧٠) وأحمد (٣ / ٢٠ و ٦٣) . وعطية ضعيف
كما هو معلوم.
стр. 3550
٢٥٠٦ - " ما استجار عبد من النار سبع مرات في يوم إلا قالت النار: يا رب إن عبدك
فلانا قد استجارك مني فأجره، ولا يسأل الله عبد الجنة في يوم سبع مرات إلا
قالت الجنة: يا رب! إن عبدك فلانا سألني فأدخله الجنة ".
أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (٤ / ١٤٧٢ - ١٤٧٣) والضياء أيضا في " صفة الجنة
" (٣ / ٨٩ / ١) : حدثنا أبو خيثمة أخبرنا جرير عن يونس عن أبي حازم عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. وقال الضياء: "
هذا الحديث عندي على شرط الصحيحين ". وكذا قال المنذري قبله في " الترغيب " (
٤ / ٢٢٢) وتبعهما ابن القيم في " حادي الأرواح " (١ / ١٤٨) وهو كما قالوا
، وبيان ذلك: ١ - أبو حازم هو سلمان الأشجعي الكوفي، وهو ثقة بلا خلاف،
قيل: إنه مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. ٢ - يونس هو ابن يزيد الأيلي، قال
الذهبي: " ثقة حجة شذ ابن سعد في قوله: ليس بحجة ... ". وقال الحافظ: "
ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلا، وفي غير الزهري خطأ ". ٣ - جرير
هو ابن حازم الأزدي البصري، قال الذهبي: " أحد الأئمة الكبار الثقات، ولولا
ذكر ابن عدي له لما أوردته ". وقال الحافظ:
стр. 3551
" ثقة، لكن فى حديثه عن قتادة
ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه ". قلت: وليس هذا من حديثه عنه، وإنما
عن يونس الأيلي، وقد ذكروه في شيوخه. ٤ - أبو خيثمة هو زهير بن حرب الحرشي
النسائي، ثقة اتفاقا. وقال الحافظ: " ثقة ثبت، روى عنه مسلم أكثر من ألف
حديث ". وبالجملة، فالحديث صحيح بلا ريب، وما في بعض رواته من الكلام فهو
يسير لا يضر في صحته - كما هو ظاهر - والله أعلم. (فائدة) : لقد اعتاد بعض
الناس في دمشق وغيرها التسبيع المذكور في هذا الحديث جهرا وبصوت واحد عقب
صلاة الفجر، وذلك مما لا أعلم له أصلا في السنة المطهرة، ولا يصلح مستندا
لهم هذا الحديث لأنه مطلق، ليس مقيدا بصلاة الفجر أولا، ولا بالجماعة، ولا
يجوز تقييد ما أطلقه الشارع الحكيم، كما لا يجوز إطلاق ما قيده، إذ كل ذلك
شرع يختص به العليم الحكيم. فمن أراد العمل بهذا الحديث، فليعمل به في أي
ساعة من ليل أو نهار، قبل الصلاة، أو بعدها. وذلك هو محض الاتباع،
والإخلاص فيه. رزقنا الله ﵎ إياه. وأما حديث: " إذا صليت الصبح
فقل قبل أن تتكلم: " اللهم أجرني من النار " سبع مرات.. " الحديث، فهو ضعيف
كما تراه محققا في " الضعيفة " (١٦٢٤) فلا تغتر بمن حسنه، فإنها زلة عالم،
ولا بمن قلده، فإنه لا علم عنده. ثم طبع " مسند أبي يعلى " بتحقيق الأخ حسين
سليم أسد، فإذا به يضيف حديث الترجمة! ويقول في التعليق عليه:
стр. 3552
" إسناده
ضعيف، يونس هو ابن خباب، قال يحيى بن سعيد: كان كذابا.. ". ثم أفاض في نقل
أقوال الأئمة في تضعيف يونس هذا، ثم نقل عن " مجمع الزوائد " (١٠ / ١٧١) أنه
قال: " رواه البزار، وفيه يونس بن خباب، وهو ضعيف ". قلت: أصاب البزار،
وأخطأ المعلق المشار إليه خطأ فاحشا، وخلط خلطا قبيحا بين راويين، أحدهما
ثقة، وهو يونس بن يزيد الأيلي في إسناد أبي يعلى، والآخر واه، وهو يونس
بن خباب، وذلك لمجرد التقائهما في الاسم والطبقة، وإن اختلف شيوخهما
والرواة عنهما! والواجب في مثل هذا التأني والتحري في شأنهما حتى يتمكن من
التعرف على شخصيتهما، وإلا وقع في الخطأ ولابد، كما حصل للمشار إليه ذلك
لأن البزار ﵀ قد ساق الحديث بأسانيد له عن يونس بن خباب كما في " كشف
الأستار " (٤ / ٥١) منها قوله: وحدثنا يوسف بن موسى: حدثنا جرير بن عبد
الحميد عن ليث عن يونس بن خباب عن أبي علقمة عن أبي هريرة به. ومن هذا الوجه
أخرجه أبو نعيم في " صفة الجنة " (١ / ٩ / ٦٨) من طريق أخرى عن جرير به، إلا
أنه وقع فيه: " أبي حازم بن يونس ". وأظن أن قوله: " ابن يونس " خطأ من
الناسخ أو الطابع، فإنه في " حادي الأرواح " على الصواب من الطريق نفسها. على
أن قول يونس بن خباب: " عن أبي حازم " غير محفوظ عن يونس والظاهر أنه من
تخاليط ليث، وهو ابن أبي سليم، كان تارة يرويه هكذا، وتارة عن أبي علقمة،
كما في رواية البزار، وهو الصواب عن يونس، لأنه كذلك هو في الطرق والأسانيد
المشار إليها عند البزار. ويؤيده طريق أخرى عند الطيالسي في " مسنده " قال (٢٥٧٩) : حدثنا شعبة عن يعلى بن عطاء
стр. 3553
قال: سمعت أبا علقمة - قال شعبة: حدثني
يونس بن خباب سمع أبا علقمة عن أبي هريرة - ولم يرفعه يعلى إلى أبي هريرة قال
: قال: " من سأل الله الجنة سبعا قالت الجنة.. " الحديث. فقد دارت الطرق
الصحيحة على يونس بن خباب عن أبي علقمة عن أبي هريرة، بينما طريق أبي يعلى
تدور على جرير بن حازم الذي لم يذكر في تلك الطرق عن يونس، فتبادر في ذهن ذلك
المعلق أن يونس في هذه الطريق هو يونس بن خباب في تلك الطرق، وليس كذلك،
لاحتمال أن يكون راويا آخر متابع، وهذا هو الراجح، لأن جرير ابن حازم من
المعروف من ترجمته أنه يروي عن يونس بن يزيد الأيلي كما تقدم، فهذا هو ملحظ
أولئك الحفاظ الذين صرحوا بصحة الحديث، وأنه على شرط الصحيحين. فهل خفي هذا
على ذاك المعلق فوقع في الخطأ، أم أصابه غرور بعض الشباب بما عندهم من علم ضحل
بهذا الفن الشريف؟! ذلك ما لا أدريه، ولكنني فوجئت بمعلق آخر اطلع على تصحيح
الحفاظ المشار إليهم، وهم ضياء الدين المقدسي، والمنذري، وابن القيم، بل
وأضاف إليهم رابعا، وهو الحافظ ابن كثير! ثم أخذ يرد عليهم بأن يونس بن
خباب ليس من رجال الشيخين، وبأنه متكلم فيه، قال: " فالإسناد ضعيف واه "!
ذلك هو المعلق على كتاب أبي نعيم المتقدم ذكره: " صفة الجنة ". لقد كان يكفي
لردع هذا الشاب عن تسرعه في الرد على أولئك الحفاظ وتخطئتهم، أن يفكر قليلا
في السبب الذي حملهم على تصحيح الحديث، إنه لو فعل ذلك لوجد أن الصواب معهم،
وأنه هو المخطىء في مخالفتهم، ولكن المصيبة إنما هي التزبب قبل التحصرم.
والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 3554
٢٥٠٧ - " أما بعد يا عائشة! فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، [إنما أنت من بنات آدم]
، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه
، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه. وفي رواية: فإن
التوبة من الذنب الندم ".
أخرجه البخاري (٨ / ٣٦٣ - ٣٦٤ - فتح) ومسلم (٨ / ١١٦) وأحمد (٦ / ١٩٦)
والرواية الأخرى له (٦ / ٣٦٤) وأبو يعلى (٣ / ١٢٠٨ و ١٢١٨) والطبري في "
التفسير " (١٨ / ٧٣ و ٧٥) والبغوي (٦ / ٧٤) من حديث عائشة رضي الله
عنها، في حديثها الطويل عن قصة الإفك، ونزول الوحي القرآني ببراءتها في آيات
من سورة النور: * (إن الذين جاؤا بالإفك عصبة منكم ... ) * الآيات (١١ - ٢٠)
، والزيادة التي بين المعقوفتين هي لأبي عوانة في " صحيحه "، والطبراني في "
معجمه " كما في " الفتح " (٨ / ٣٤٤ و ٣٦٤) . وقوله: " ألممت ". قال الحافظ
: أي وقع منك على خلاف العادة، وهذا حقيقة الإلمام، ومنه: ألمت بنا
والليل مرخ مستورة. قال الداوودي: " أمرها بالاعتراف، ولم يندبها إلى
الكتمان، للفرق بين أزواج النبي ﷺ وغيرهن، فيجب على أزواجه
الاعتراف بما يقع منهن ولا يكتمنه إياه، لأنه لا يحل لنبي إمساك من يقع منها
ذلك بخلاف نساء الناس، فإنهن ندبن إلى الستر ".
стр. 3555
ثم تعقبه الحافظ نقلا عن
القاضي عياض فيما ادعاه من الأمر بالاعتراف، فليراجعه من شاء، لكنهم سلموا له
قوله: إنه لا يحل لنبي إمساك من يقع منها ذلك. وذلك غيرة من الله تعالى على
نبيه ﷺ ، ولكنه سبحانه صان السيدة عائشة ﵂
وسائر أمهات المؤمنين من ذلك كما عرف ذلك من تاريخ حياتهن، ونزول التبرئة
بخصوص السيدة عائشة ﵂، وإن كان وقوع ذلك ممكنا من الناحية
النظرية لعدم وجود نص باستحالة ذلك منهن، ولهذا كان موقف النبي صلى الله عليه
وسلم في القصة موقف المتريث المترقب نزول الوحي القاطع للشك في ذلك الذي ينبئ
عنه قوله ﷺ في حديث الترجمة: " إنما أنت من بنات آدم، فإن
كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله.. "، ولذلك قال
الحافظ في صدد بيان ما في الحديث من الفوائد: " وفيه أن النبي صلى الله عليه
وسلم كان لا يحكم لنفسه إلا بعد نزول الوحي. نبه عليه الشيخ أبو محمد بن أبي
جمرة نفع الله به ". يعني أن النبي ﷺ لم يقطع ببراءة عائشة
﵂ إلا بعد نزول الوحي. ففيه إشعار قوي بأن الأمر في حد نفسه ممكن
الوقوع، وهو ما يدندن حوله كل حوادث القصة وكلام الشراح عليها، ولا ينافي
ذلك قول الحافظ ابن كثير (٨ / ٤١٨) في تفسير قوله تعالى: * (ضرب الله مثلا
للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما
فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) * (التحريم: ١٠
) . " وليس المراد بقوله: * (فخانتاهما) * في فاحشة، بل في الدين، فإن نساء
الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء كما قدمنا في سورة النور
". وقال هناك (٦ / ٨١) :
стр. 3556
" ثم قال تعالى: * (وتحسبونه هينا وهو عند الله
عظيم) *، أي: تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين، وتحسبون ذلك يسيرا سهلا
، ولو لم تكن زوجة النبي ﷺ لما كان هينا، فكيف وهي زوجة
النبي ﷺ الأمي خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، فعظيم عند الله
أن يقال في زوجة نبيه ورسوله ما قيل، فإن الله يغار لهذا،
وهو سبحانه لا (١) يقدر على زوجة نبي من الأنبياء ذلك، حاشا وكلا، ولما لم
يكن ذلك، فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء زوجة سيد ولد آدم على الإطلاق
في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: * (وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم
) * ". أقول: فلا ينافي هذا ما ذكرنا من الإمكان، لأن المقصود بـ " العصمة "
الواردة في كلامه ﵀ وما في معناها إنما هي العصمة التي دل عليها الوحي
الذي لولاه لوجب البقاء على الأصل، وهو الإمكان المشار إليه، فهي بالمعنى
الذي أراده النبي ﷺ بقوله: " فالمعصوم من عصمه الله " في
حديث أخرجه البخاري وغيره، وليس المراد بها العصمة الخاصة بالأنبياء عليهم
الصلاة والسلام، وهي التي تنافي الإمكان المذكور، فالقول بهذه في غير
الأنبياء إنما هو من القول على الله بغير علم، وهذا ما صرح به أبو بكر الصديق
نفسه في هذه القصة خلافا لهواه كأب، فقد أخرج البزار بسند صحيح عن عائشة رضي
الله عنها أنه لما نزل عذرها قبل أبو بكر ﵂ رأسها، فقالت: ألا
عذرتني؟ فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إن قلت ما لا أعلم؟! (٢)
وهذا هو الموقف الذي يجب على كل مسلم أن يقفه تجاه كل مسألة لم يأت الشرع الحنيف
بما يوافق هوى الرجل، ولا يتخذ إلهه هواه.
стр. 3557
واعلم أن الذي دعاني إلى كتابة ما تقدم، أن رجلا عاش برهة طويلة مع إخواننا
السلفيين في حلب، بل إنه كان رئيسا عليهم بعض الوقت، ثم أحدث فيهم حدثا دون
برهان من الله ورسوله، وهو أن دعاهم إلى القول بعصمة نساء النبي صلى الله
عليه وسلم وأهل بيته وذريته من الوقوع في الفاحشة، ولما ناقشه في ذلك أحد
إخوانه هناك، وقال له: لعلك تعني عصمتهن التي دل عليها تاريخ حياتهن، فهن
في ذلك كالخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة المشهورين، المنزهين منها ومن
غيرها من الكبائر؟ فقال: لا، إنما أريد شيئا زائدا على ذلك وهو عصمتهن التي
دل عليها الشرع، وأخبر عنها دون غيرها مما يشترك فيها كل صالح وصالحة، أي
العصمة التي تعني مقدما استحالة الوقوع! ولما قيل له: هذا أمر غيبي لا يجوز
القول به إلا بدليل، بل هو مخالف لما دلت عليه قصة الإفك، وموقف الرسول
وأبي بكر الصديق فيها، فإنه يدل دلالة صريحة أنه ﷺ كان لا
يعتقد في عائشة العصمة المذكورة، كيف وهو يقول لها: إنما أنت من بنات آدم،
فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله ... الحديث:
فأجاب بأن ذلك كان من قبل نزول آية الأحزاب ٣٣: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم
الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) *! جاهلا أو متجاهلا أن الآية المذكورة نزلت
قبل قصة الإفك، بدليل قول السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها عن صفوان بن
المعطل السلمي: " فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب "، وفيه أنها
احتجبت منه. ودليل آخر، وهو ما بينه الحافظ ﵀ بقوله (٨ / ٣٥١) :
" ولا خلاف أن آية الحجاب نزلت حين دخوله ﷺ بزينب بنت جحش،
стр. 3558
وفي حديث الإفك: أن النبي ﷺ سأل زينب عنها. فثبت أن الحجاب
كان قبل قصة الإفك ". ثم اشتدت المجادلة بينهما في ذلك حتى أرسل إلي أحد
الإخوان الغيورين الحريصين على وحدة الصف خطابا يشرح لي الأمر، ويستعجلني
بالسفر إليهم، قبل أن يتفاقم الأمر، وينفرط عقد الجماعة. فسافرت بالطائرة -
ولأول مرة - إلى حلب، ومعي اثنان من الإخوان، وأتينا الرجل في منزله،
واقترحت عليهما أن يكون الغداء عنده تألفا له، فاستحسنا ذلك. وبعد الغداء
بدأنا بمناقشته فيما أحدثه من القول، واستمر النقاش معه إلى ما بعد صلاة
العشاء، ولكن عبثا، فقد كان مستسلما لرأيه، شأنه في ذلك شأن المتعصبة الذين
يدافعون عن آرائهم دون أي اهتمام للأدلة المخالفة لهم، بل لقد زاد هذا عليهم
فصرح في المجلس بتكفير من يخالفه في قوله المذكور، إلا أنه تنازل - بعد جهد
جهيد - عن التكفير المشار إليه، واكتفى بالتصريح بتضليل المخالف أيا كان!
ولما يئسنا منه قلنا له: إن فرضك على غيرك أن يتبنى رأيك وهو غير مقتنع به،
ينافي أصلا من أصول الدعوة السلفية، وهو أن الحاكمية لله وحده، وذكرناه
بقوله تعالى في النصارى: * (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) *،
ولهذا فحسبك أن يظل كل منكما عند رأيه، ما دام أن أحدكما لم يقنع برأي الآخر
، ولا تضلله، كما هو لا يضللك، وبذلك يمكنك أن تستمر في التعاون معه فيما
أنتما متفقان عليه من أصول الدعوة وفروعها. فأصر على فرض رأيه عليه وإلا فلا
تعاون، علما بأن هذا الذي يريد أن يفرض عليه رأيه هو أعرف منه وأفقه بالدعوة
السلفية أصولا وفروعا، وإن كان ذاك أكثر ثقافة عامة منه. وصباح اليوم
التالي بلغنا إخوانه المقربين إليه بخلاصة المناقشة، وأن الرجل
стр. 3559
لا يزال مصرا
على التضليل وعدم التعاون إلا بالخضوع لرأيه. فأجمعوا أمرهم على عزله، ولكن
بعد مناقشته أيضا، فذهبوا إليه في بيته - بعد استئذانه طبعا - وأنا معهم،
وصاحباي فطلبوا منه التنازل عن إصراره وأن يدع الرجل على رأيه، وأن يستمر
معهم في التعاون، فرفض ذلك، وبعد مناقشة شديدة بينه وبين مخالفه في الرأي
وغيره من إخوانه، خرج فيها الرجل عن طوره حتى قال لمخالفه لما ذكره بالله: أنا
لا أريد أن تذكرني أنت بالله! إلى غير ذلك من الأمور التي لا مجال لذكرها الآن
، وعلى ضوء ما سمعوا من إصراره، ورأوا من سوء تصرفه مع ضيوفه اتفقوا على
عزله، ونصبوا غيره رئيسا عليهم. ثم أخذت الأيام تمضي، والأخبار عنه تترى
بأنه ينال من خصمه ويصفه بما ليس فيه، فلما تيقنت إصراره على رأيه وتقوله
عليه، وهو يعرف نزاهته وإخلاصه قرابة ثلاثين سنة، أعلنت مقاطعته حتى يعود
إلى رشده، فكان كلما لقيني وهش إلي وبش أعرضت عنه. ويحكي للناس شاكيا
إعراضي عنه متجاهلا فعلته، وأكثر الناس لا يعلمون بها، في الوقت الذي يتظاهر
فيه بمدحي والثناء علي وأنه تلميذي! إلى أن فوجئت به في منزل أحد السلفيين
في عمان في دعوة غداء في منتصف جمادى الأولى لسنة (١٣٩٦) فسارع إلى استقبالي
كعادته، فأعرضت عنه كعادتي، وعلى المائدة حاول أن يستدرجني إلى مكالمته
بسؤاله إياي عن بعض الشخصيات العلمية التي لقيتها في سفري إلى (المغرب) ،
وكنت حديث عهد بالرجوع منه، فقلت له: لا كلام بيني وبينك حتى تنهي مشكلتك!
قال: أي مشكلة؟ قلت: أنت أدرى بها، فلم يستطع أن يكمل طعامه. فقصصت على
الإخوان الحاضرين قصته، وتعصبه لرأيه، وظلمه لأخيه المخالف له، واقترحت
عقد جلسة خاصة ليسمعوا من الطرفين. وكان ذلك بعد
стр. 3560
يومين من ذلك اللقاء، فبعد
أن انصرف الناس جميعا من الندوة التي كنت عقدتها في دار أحدهم في (جبل النصر)
وبقي بعض الخاصة من الإخوان، بدأ النقاش، فإذا بهم يسمعون منه كلاما عجبا،
وتناقضا غريبا، فهو من جهة يشكوني إليهم لمقاطعتي إياه، وأنه يهش إلي ويبش
، ويتفاخر في المجالس بأني شيخه، ومن جهة أخرى لما يجري البحث العلمي بيني
وبينه يصرح بتضليلي أيضا وبمقاطعتي! فيقول له الإخوان: كيف هذا، وأنت تشكو
مقاطعته إياك؟! فلا يجيب على سؤالهم، وإنما يخوض في جانب آخر من الموضوع.
وباختصار فقد انكشف للحاضرين إعجابه برأيه وإصراره عليه، وتعديه على من يزعم
أنه شيخه وجزمه بضلاله، والله المستعان. فإذا قيل له: رأيك هذا هو وحي
السماء، ألا يمكن أن يكون خطأ؟ قال: بلى، فإذا قيل له: فكيف تجزم بضلال
مخالفك مع احتمال أن يكون الصواب معه؟ لم يحر جوابا، وإنما يعود ليجادل بصوت
مرتفع، فإذا ذكر بذلك قال: عدم المؤاخذة، لقد قلت لكم: هذه عادتي! فلا
تؤاخذوني! فطالبه بعض الحاضرين بالدليل على العصمة التي يزعمها، فتلى آية
التطهير: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) *،
فقيل له: الإرادة في هذه الآية شرعية أم كونية، فأجاب: كونية! فقيل له:
هذا يستلزم أن أولاد فاطمة أيضا معصومون! قال: نعم. قيل وأولاد أولادها؟
فصاح وفر من الجواب. وواضح من كلامه أنه يقول بعصمة أهل البيت جميعا إلى يوم
يبعثون، ولكنه لا يفصح بذلك لقبحه. فقام صاحب الدار وأتى برسالة لشيخ
الإسلام ابن تيمية ﵀، وقرأ منها فصلا هاما في بيان الفرق بين الإرادة
الشرعية والإرادة الكونية، فالأولى محبته تعالى ورضاه لما أراده من الإيمان
والعمل
стр. 3561
الصالح، ولا تستلزم وقوع المراد، بخلاف الإرادة الكونية، فهي
تستلزم وقوع ما أراده تعالى، ولكنها عامة تشمل الخير والشر، كما في قوله
تعالى: * (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) * (يس: ٨٢) ، فعلى
هذا، فإذا كانت الإرادة في آية التطهير إرادة شرعية فهي لا تستلزم وقوع المراد
من التطهير، وإنما محبته تعالى لأهل البيت أن يتطهروا، بخلاف ما لو كانت
إرادة كونية فمعنى ذلك أن تطهيرهم أمر كائن لابد منه، وهو متمسك الشيعة في
قولهم بعصمة أهل البيت، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى
ضلالهم في ذلك بيانا شافيا في مواطن عديدة من كتابه " منهاج السنة "، فلا بأس
من أن أنقل إلى القراء الكرام طرفا منه لصلته الوثيقة بما نحن فيه، فقال في
صدد رده على الشيعي المدعي عصمة علي ﵁ بالآية السابقة: " وأما آية
(الأحزاب ٣٣) : * (ويطهركم تطهيرا) * فليس فيها إخبار بذهاب الرجس
وبالطهارة، بل فيها الأمر لهم بما يوجبهما، وذلك كقوله تعالى (المائدة ٦) :
* (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم) *، والنساء: ٢٦) :
* (يريد الله ليبين لكم ويهديكم) *، و (النساء: ٢٨) : * (يريد الله أن
يخفف عنكم) *. فالإرادة هنا متضمنة للأمر والمحبة والرضا ليست هي الملتزمة
لوقوع المراد، ولو كان كذلك لتطهر كل من أراد الله طهارته. وهذا على قول
شيعة زماننا أوجه، فإنهم معتزلة يقولون: إن الله يريد ما لا يكون، فقوله
تعالى: * (يريد الله ليذهب عنكم الرجس) * إذا كان بفعل المأمور وترك المحظور
، كان ذلك متعلقا بإرادتهم وبأفعالهم، فإن فعلوا ما أمروا به طهروا. ومما
يبين أن ذلك مما أمروا به لا مما أخبر بوقوعه أن النبي ﷺ أدار
الكساء على علي وفاطمة والحسن والحسين ثم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي
فأذهب
стр. 3562
عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ". رواه مسلم من حديث عائشة. ورواه أهل
السنن من حديث أم سلمة، وفيه دليل على أنه تعالى قادرا على إذهاب الرجس
والتطهير، وأنه خالق أفعال العباد، ردا على المعتزلي. ومما يبين أن الآية
متضمنة للأمر والنهي قوله في سياق الكلام: * (يا نساء النبي من يأت منكن
بفاحشة مبينه - إلى قوله - ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وأقمن الصلاة
وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت
ويطهركم تطهيرا. واذكرن ما يتلى في بيوتكن) * (الأحزاب ٣٠ - ٣٤) ، فهذا
السياق يدل على أن ذلك أمر ونهي، وأن الزوجات من أهل البيت، فإن السياق
إنما هو في مخاطبتهن ويدل الضمير المذكر على أنه عم غير زوجاته كعلي وفاطمة
وابنيهما " (١) . وقال في " مجموعة الفتاوى " (١١ / ٢٦٧) عقب آية التطهير: "
والمعنى أنه أمركم بما يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، فمن أطاع
أمره كان مطهرا قد أذهب عنه الرجس بخلاف من عصاه ". وقال المحقق الآلوسي في
تفسير الآية المذكورة بعد أن ذكر معنى ما تقدم عن ابن تيمية (٧ / ٤٧ - بولاق)
: " وبالجملة لو كانت إفادة معنى العصمة مقصودة لقيل هكذا: إن الله أذهب عنكم
الرجس أهل البيت وطهركم تطهيرا. وأيضا لو كانت مفيدة للعصمة ينبغي أن يكون
الصحابة لاسيما الحاضرين في غزوة بدر قاطبة معصومين لقوله تعالى
стр. 3563
فيهم: * (ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) *، بل لعل هذا أفيد لما
فيه من قوله سبحانه: * (وليتم نعمته عليكم) *، فإن وقوع هذا الإتمام لا
يتصور بدون الحفظ عن المعاصي وشر الشيطان ". وللبحث عنده تتمة لا يخرج
مضمونه عما تقدم، ولكن فيه تأكيد له، فمن شاء فليراجعه. فأقول: لقد أطلت
الكلام في مسألة العصمة المزعومة، لأهميتها ولصلتها الوثقى بحديث عائشة رضي
الله عنها. وتذكيرا للأخر المشار إليه لعله يجد فيما كتبت ما ينير له سبيل
الهداية، والعودة لمواصلة أخيه، راجعا عن إضلاله، وللتاريخ والعبرة أخيرا
. ثم توفي الرجل بعد كتابه هذا بسنين طويلة إلى رحمة الله ومغفرته، ومعذرة
إلى بعض الإخوان الذين قد يرون في هذا النقد العلمي وفيما يأتي ما لا يروق لهم
، فأذكرهم بأن العلم الذي عشته دهري هو الذي لا يسعني مخالفته، وما قول
البخاري وسليمان بن حرب الآتي تحت رقم ٢٦٣٠ في (حرب بن ميمون) : " هو أكذب
الخلق " - وذلك بعد موته - عنهم ببعيد.
٢٥٠٨ - " إن فرعون أوتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها ورجليها، فكان إذا تفرقوا عنها
ظللتها الملائكة، فقالت: * (رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون
وعمله ونجني من القوم الظالمين) *، فكشف لها عن بيتها في الجنة ".
أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (٤ / ١٥٢١ - ١٥٢٢) : حدثنا هدبة أخبرنا حماد بن
سلمة عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة أن فرعون ... إلخ. هكذا
стр. 3564
وقع فيه
موقوفا عليه غير مرفوع، وهو في حكم المرفوع، لأنه لا يقال بمجرد الرأي، مع
احتمال كونه من الإسرائيليات. قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم، وقد أورده
السيوطي في " الدر المنثور " (٦ / ٢٤٥) موقوفا أيضا، وقال: " أخرجه أبو
يعلى والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة ". ثم عزاه لعبد بن حميد عن أبي هريرة
موقوفا أيضا نحوه. وقال الحافظ ابن حجر في " المطالب العالية " (٣ / ٣٩٠) :
" صحيح موقوف ". وقال الهيثمي (٩ / ٢١٨) : " ورجاله رجال الصحيح ". وله
شاهد من حديث سلمان ﵁ قال: كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس، فإذا
انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة. أخرجه
الطبري في " تفسيره " (٢٨ / ١١٠) والحاكم (٢ / ٤٩٦) وقال: " صحيح على
شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وعزاه السيوطي لابن أبي
شيبة أيضا وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في " شعب الإيمان ". قلت: ثم
طبع " شعب الإيمان " هذا، فرأيته قد أخرجه (٢ / ٢٤٤ / ١٦٣٧) من طريقين عن
يزيد بن هارون: أنبأنا سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان به موقوفا أيضا.
стр. 3565
وإسناده صحيح. ثم أخرج (١٦٣٨) من طريق معمر عن ثابت عن أبي رافع قال: "
وتد فرعون لامرأته أربعة أوتاد. ثم حمل على بطنها رحى عظيمة حتى ماتت ".
وهذا صحيح. لكنه مع وقفه مرسل.
٢٥٠٩ - " لو كان في هذا المسجد مائة [ألف] أو يزيدون، وفيه رجل من أهل النار فتنفس
فأصابهم نفسه لاحترق المسجد ومن فيه ".
أخرجه البزار (٣٤٩٩) وأبو يعلى في " المسند " (٤ / ١٥٧٣ - ١٥٧٤) وابن أبي
الدنيا في " صفة النار " (ق ٨ / ٢) وأبو نعيم في " الحلية " (٤ / ٣٠٧)
والسياق له من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل: قال: حدثنا أبو عبيدة الحداد: قال
: حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن شبيب عن جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكره. وقال أبو
نعيم: " غريب من حديث سعيد، تفرد به أبو عبيدة عن هشام ".
قلت: وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات من رجال " التهذيب " غير محمد بن شبيب،
وهو الزهراني، ترجمه ابن أبي حاتم، فقال (٣ / ٢ / ٢٨٥) : " روى عن الحسن
وعبد الملك بن عمير، روى عنه هشام الدستوائي وهشام بن حسان وحماد بن زيد،
ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: محمد بن شبيب الزهراني
ثقة ".
стр. 3566
وسمع منه شعبة أيضا كما في " تاريخ البخاري " (١ / ١ / ١١٤) .
وجهله ابن الجوزي وغيره، فأورده الذهبي في " الميزان "، فقال: " محمد بن
شبيب قال ابن الجوزي: مجهول. ثم ساق له في " الواهيات " حديثا، وهو: هشام
بن حسان عن محمد بن شبيب ... (فذكره) . قال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر ".
قلت: ومن الغريب أن الذهبي لم يتنبه أنه الزهراني المترجم عند البخاري وابن
أبي حاتم، وقد يقال أنه تنبه لذلك ولكنه يرى أنه غيره. فأقول: فكان الواجب
الذي يقتضيه هذا العلم أن ينبه على ذلك، على النحو الذي صنعه الحافظ ابن حجر،
ولو أنه لم يصب الهدف، فإنه عقب عليه في " اللسان " بقوله: " ومحمد بن شبيب
المذكور هو محمد بن عيسى بن شبيب النهدي، فنسب إلى جده، وله ترجمة في (
الكامل) ". قلت: ففاته أيضا أنه الزهراني، أو أن ينبه أنه غيره على الأقل.
على أنني لم أجد في ترجمة من اسمه (محمد) من " الكامل " لابن عدي من اسم جده
" شبيب النهدي ". والله أعلم.
والحديث قال المنذري (٤ / ٢٢٧) : " رواه أبو يعلى وإسناده حسن، وفي متنه
نكارة، ورواه البزار ولفظه.. ".
وقال الهيثمي (١٠ / ٣٩١) : " رواه أبو يعلى عن شيخه إسحاق، ولم ينسبه،
فإن كان ابن راهويه فرجاله رجال الصحيح، وإن كان غيره فلم أعرفه ".
قلت: بل هو غيره قطعا، فقد ساق له حديثا قبل هذا، وحديثا آخر قبلهما،
стр. 3567
وقد
سماه فيه فقال: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل: حدثني ... فإذا قال بعده: حدثنا
إسحاق ... ولم ينسبه فهو الذى قبله يقينا، فلا أدري كيف لم يتنبه الهيثمي
لهذا، فإن مثله لا يخفى عليه مثله! وقد ازددت بذلك يقينا حين رأيت أبا نعيم
قد نسبه في روايته كما سبق، وسماه ابن أبي الدنيا إسحاق بن إبراهيم، وهو هو
وكنيته أبو يعقوب المروزي، وهو ثقة.
وأما قوله: " فرجاله رجال الصحيح "، فوهم أيضا لما عرفت من ترجمة محمد بن
شبيب، وأنه ليس من رجال " التهذيب "، ولعله توهم أنه محمد بن سيرين، فقد
وقع كذلك عند البزار في " مسنده " (ص ٣١٥ - زوائده) من طريق عبد الرحيم بن
هارون الغساني عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن جعفر بن أبي وحشية به نحوه
وعبد الرحيم هذا ضعيف كذبه الدارقطني كما في " التقريب " وقوله:. " محمد بن
سيرين " يحتمل أنه فيه فيدل على ضعفه لمخالفته أبا عبيدة الحداد الثقة،
ويحتمل أنه من الناسخ، ويؤيد الأول قول الهيثمي: " رواه البزار، وفيه عبد
الرحيم بن هارون، وهو ضعيف، وذكره ابن حبان في " الثقات "، وقال: يعتبر
حديثه إذا حدث من كتابه، فإن في حديثه من حفظه بعض مناكير، وبقية رجاله رجال
الصحيح ". فإن قوله: " ... رجال الصحيح "، يشعر بأنه وقع في نسخته أيضا:
محمد بن سيرين. لكن يحتمل أنه وهم فيه أيضا كما وهم في إسناد أبي يعلى. فالله
أعلم. هذا ولم يتبين لي وجه النكارة التي ذكر المنذري،
وحكاها ابن الجوزي عن الإمام أحمد، ونحن على الصحة التي تقتضيها صحة الإسناد،
لا نخرج عنها إلا
стр. 3568
بحجة بينة، ويعجبني بهذه المناسبة كلمة رائعة وقفت عليها في
" سير أعلام النبلاء " للذهبي (٩ / ١٨٨) : " قال يحيى بن سعيد (وهو القطان
الإمام) : لا تنظروا إلى الحديث، ولكن انظروا إلى الإسناد، فإن صح الإسناد
، وإلا فلا تغتروا بالحديث إذا لم يصح الإسناد ". والله تعالى هو الموفق.
٢٥١٠ - " إنكم اليوم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه من ترك عشر ما يعرف فقد هوى،
ويأتي من بعد زمان كثير خطباؤه قليل علماؤه من استمسك بعشر ما يعرف فقد نجا ".
أخرجه الهروي في " ذم الكلام " (١ / ١٤ - ١٥) من طريقين عن محمد بن طفر بن
منصور حدثنا محمد بن معاذ حدثنا علي بن خشرم حدثنا عيسى بن يونس عن الحجاج بن
أبي زياد عن أبي الصديق أو أبي نضرة - شك الحجاج - عن أبي ذر مرفوعا به.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير محمد بن طفر هذا، فإني
لم أجد له حتى الآن ترجمة، وهو الذي كان حال بيني وبين تصحيح الحديث لما
خرجت حديث أبي هريرة بنحوه في " الضعيفة " (٦٨٤) ، ثم وجدت أنه لم يتفرد به،
فلم أر من الأمانة العلمية إلا تصحيحه، فقد قال البخاري في ترجمة الحجاج ابن
أبي زياد الأسود (١ / ٢ / ٣٧٤) : " قال إبراهيم بن موسى: أخبرنا عيسى بن
يونس ... (قلت: فساق إسناده مثله والطرف الأول من متنه، ثم قال:) وقال
إسحاق: حدثنا المؤمل سمع
стр. 3569
حماد بن سلمة سمع حجاج الأسود يحدث ثابتا عن أبي
الصديق عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: إنكم في زمان من ترك -
نحوه ". قلت: وهذا وصله أحمد في " المسند " (٥ / ١٥٥) : حدثنا مؤمل:
حدثنا حماد: حدثنا حجاج الأسود - قال مؤمل: وكان رجلا صالحا - قال: سمعت
أبا الصديق يحدث ثابتا البناني عن رجل عن أبي ذر به. قلت: فزاد أحمد في
إسناده: " عن رجل "، فأفسده، وبه أعله الهيثمي (١ / ١٢٧) ، فقال: " رواه
أحمد، وفيه رجل لم يسم ". قلت: وعندي أن هذه الزيادة هي من مؤمل، وهو
ابن إسماعيل البصري، فإنه سيىء الحفظ كما في " التقريب "، فكان يضطرب فيها،
فيذكرها تارة فحفظها عن أحمد، ولا يذكرها تارة كما في رواية إسحاق المتقدمة
عنه، وإسحاق هو ابن راهويه الإمام، وهذا هو الصواب لموافقتها لرواية عيسى
بن يونس، ولا اختلاف فيها كما رأيت، فقد اتفق عليها علي بن خشرم وإبراهيم
بن موسى - وهو أبو إسحاق الفراء - وكلاهما ثقة من رجال الشيخين، ومن ذلك
يتبين أن الحديث صحيح الإسناد رجاله كلهم ثقات غير الحجاج بن أبي زياد، وهو
ثقة كما قال أحمد وابن معين، ثم الذهبي في " تلخيص المستدرك " (٤ / ٣٣٢)
وترجم له في " الميزان " ترجمة مختصرة مخلة، خلافا للحافظ في " اللسان "،
فراجعه، وهو راوي حديث " الأنبياء أحياء في قبورهم " المتقدم (٦٢١) ، فانظر
ترجمته ثم. وأما تردد الحجاج بين أبي نضرة وأبي الصديق، فمما لا يضر في صحة
السند لأنه تردد بين ثقتين، فتنبه.
стр. 3570
وقد روي الحديث بنحوه من حديث عبد الله
بن سيد مرفوعا بسند ضعيف، ومن حديث عبد الله بن مسعود موقوفا بسند صحيح،
وسيأتي تخريجه برقم (٣١٨٩) .
٢٥١١ - " قال رسول الله ﷺ لجبريل ﵇: ما لي لم أر ميكائيل
ضاحكا قط؟ قال: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار ".
أخرجه الروياني في " مسنده " (ق ٢٤٧ / ٢) : أخبرنا محمد بن بشار أخبرنا يحيى
بن سعيد القطان أخبرنا ثور بن يزيد عن عبد الرحمن بن عائذ عن مجاهد عن ابن
عمر عن النبي ﷺ وربما لم يرفعه - قال: فذكره. قلت:
وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال البخاري غير عبد الرحمن بن عائذ، وهو ثقة
كما في " التقريب ". والحديث أخرجه الحاكم (٢ / ٨٠ - ٨١) وعنه البيهقي (٩
/ ١٤٩) من طريق مسدد: حدثنا يحيى بن سعيد به إلا أنه لم يقل: " وربما لم
يرفعه ". وقال الحاكم: " صحيح على شرط البخاري "! ووافقه الذهبي! وذلك
من أوهامهما لما تقدم من الاستثناء، وقد أقره المنذري أيضا (٢ / ١٥٤) ! ثم
قال الحاكم: " وقد أوقفه وكيع بن الجراح عن ثور، وفي يحيى بن سعيد قدوة ".
قلت: وهو كما قال، لكن يحيى قد ذكر أن الراوي - ولعله ابن عمر أو من دونه -
كان ربما لم يرفعه، وذلك مما لا يضر لأن الراوي قد لا ينشط أحيانا فيوقفه،
ولأنه لا يقال من قبل الرأي كما هو ظاهر. (تنبيه) : " حارس الحرس " كذا وقع
في " المسند " وفي المصدرين الآخرين: " حارس حرس " ولعله الصواب، فإنه كذلك
في " مصنف ابن أبي شيبة " (٥ / ٢٩٦) : حدثنا وكيع أخبرنا ثور به موقوفا.
وكذا هو في " الترغيب ". والله أعلم.
стр. 3571
٢٥١٢ - " ما من أحد يموت سقطا ولا هرما - وإنما الناس فيما بين ذلك - إلا بعث ابن
ثلاثين سنة، فإن كان من أهل الجنة كان على نسحة آدم، وصورة يوسف، وقلب
أيوب، ومن كان من أهل النار عظموا، أو فخموا كالجبال ".
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٢ / ٣٠٢ / ١) : حدثنا هيثم بن خالد حدثنا عبد
الكبير بن المعافى: حدثنا هشيم عن عبيدة عن إبراهيم عن عبد الله بن عبيد الله
الهاشمي عن عبد الله بن عكيم قال: قال رسول الله ﷺ :
فذكره. وقال: " لم يروه عن عبيدة إلا هشيم، تفرد به عبد الكبير به المعافى
". قلت: قال ابن أبي حاتم (٣ / ١ / ٦٣) : " سمع منه أبي وروى عنه وقال:
وكان ثقة رضا، كان يعد من الأبدال ". قلت: وإنما العلة ممن فوقه، فهشيم -
وهو ابن بشير الواسطي - مع كونه ثقة ثبتا، فهو كثير التدليس كما في " التقريب
". وشيخه عبيدة - وهو ابن معتب الضبي -، قال الذهبي في " الضعفاء ": " قال
أحمد: تركوا حديثه ". وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١ / ٢١٨) : "
وفيه عبيدة بن معتب وقد أجمعوا على ضعفه ".
стр. 3572
وعبد الله بن عبيد الله الهاشمي
هو من طبقة عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي وهو ثقة من
رجال الشيخين، لكنهم لم يذكروا له رواية عن عبد الله بن عكيم ولا ذكروا
إبراهيم - وهو النخعي - في الرواة عنه. وهيثم بن خالد وهو المصيصي أورده
الذهبي في " الضعفاء " وقال: " قال الدارقطني: ضعيف ". وأقره الحافظ في "
التهذيب " وجزم بضعفه في " التقريب ". لكن قد رواه شبيب بن سعيد عن شعبة عن
الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم قال: جاءنا كتاب رسول
الله ﷺ ونحن في أرض جهينة: " إني كنت رخصت لكم في إهاب
الميتة وعصبها، فلا تنتفعوا بعصب ولا إهاب ". أخرجه ابن عدي في ترجمة شبيب
هذا من " الكامل " (٤ / ١٣٤٧) والطبراني أيضا كما في " التلخيص الحبير " (١
/ ٤٧) وقال: " إسناده ثقات، وتابعه فضالة بن المفضل عند الطبراني في (
الأوسط) ". قلت: فضالة لفظ حديثه يختلف عن هذا فإنه بلفظ: " إني كنت رخصت
لكم في جلود الميتة، فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا عصب ". فذكر الجلد في
الموضعين مكان الإهاب والمحفوظ (الإهاب) وهو الجلد قبل الدبغ، هكذا رواه
جماعة عن شعبة به، وهو مخرج في " الإرواء " (رقم ٣٨) .
стр. 3573
وفضالة بن مفضل قال
ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ٧٩) عن أبيه: " لم يكن بأهل أن يكتب عنه العلم، سألت
عنه سعيد بن عيسى بن تليد؟ فثبطني عنه، وقال: الحديث الذي يحدث به موضوع أو
نحو هذا ". واعلم أن حديث ابن عكيم هذا قد اختلف العلماء فيه رواية ودراية:
وأما رواية، فقد أعله بعضهم بالإرسال والاضطراب، وهو مردود لأنه إن سلم به
بالنظر لبعض الطرق، فهو غير مسلم بالنسبة للطرق الأخرى كما كنت بينته في
المصدر المذكور آنفا ولذلك قواه بعض المتقدمين ومنهم الإمام أحمد ﵀
تعالى، فقال ابنه صالح في " مسائله " (ص ١٦٠) : " قال أبي: الله قد حرم
الميتة، فالجلد هو من الميتة، وأذهب إلى حديث ابن عكيم، أرجو أن يكون صحيحا
: لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ". قال أحمد: " وليس عندي في دباغ
الميتة حديث صحيح، وحديث ابن عكيم هو أصحها "! كذا قال ﵀، مع أنه
قد ورد في الدباغ خمسة عشر حديثا ساقها الشوكاني في " نيل الأوطار " (١ / ٥٤)
بعضها في " الصحيحين " وهي مخرجة في " غاية المرام " (٢٥ - ٢٩) .
стр. 3574
وأما
الدراية فقد اختلف العلماء في كون الدباغ مطهرا أم لا؟ والجمهور على الأول،
واختلفوا في الجواب عن حديث الترجمة، وأصح ما قيل إن الإهاب هو الجلد الذي
لم يدبغ، فهو المنهي عنه، فإذا دبغ فقد طهر. ومن شاء التفصيل فليراجع " نيل
الأوطار " وغيره.
стр. 3575
٢٥١٣ - " أعطيت الكوثر، فإذا هو نهر يجري [كذا على وجه الأرض] ولم يشق شقا، فإذا
حافتاه قباب الؤلؤ، فضربت بيدي إلى تربته، فإذا هو مسكة ذفرة، وإذا حصاه
اللؤلؤ ".
أخرجه أحمد (٣ / ١٥٢) : حدثنا عبد الصمد، والزيادة له، و (٣ / ٢٤٧) :
حدثنا عفان والسياق له، قالا: حدثنا حماد: أنبأنا ثابت عن أنس بن مالك
أنه قرأ هذه الآية: * (إنا أعطيناك الكوثر) * قال: قال: رسول الله صلى الله
عليه وسلم: فذكره. وأخرجه ابن حبان في " صحيحه " (٧ / ١٣٣ / ٦٤٣٧) من طريق
هدبة بن خالد: حدثنا حماد بن سلمة به، والبزار (٤ / ١٧٩ / ٣٤٨٨) من طريق
روح: حدثنا حماد به. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وعزاه السيوطي
في " الدر المنثور " (٦ / ٤٠١) لابن المنذر أيضا وابن مردويه عن أنس. وقال
ابن القيم في " حادي الأرواح " (١ / ٢٨٦) : " وقال أبو خيثمة: حدثنا عفان.
حدثنا حماد بن سلمة ... وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا يعقوب بن عبيد (الأصل:
عبيدة وهو خطأ) حدثنا يزيد بن هارون حدثنا الجريري عن معاوية بن قرة عن أنس
بن مالك قال: