وله متابع آخر ذكرته هناك.
الثالث: قال قتادة: عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة اليعمري عن
أبي نجيح السلمي مرفوعا به. إلا أنه لم يذكر الفقرة الثانية منه. أخرجه أبو
داود (٣٩٦٥) والنسائي في " الكبرى " (٣ / ١٦٩ / ٤٨٧٩) والطحاوي (١ / ٣١٢
) والطيالسي (١١٥٤) وعنه البيهقي، وأحمد (٤ / ١١٣ و ٣٨٤) عن هشام بن
أبي عبد الله عنه. وتابعه عبد الصمد عن قتادة به. وأبو نجيح اسمه عمرو بن
عبسة ﵁. أخرجه ابن حبان (١٢٠٨) . قلت: وهذا إسناد متصل صحيح
على شرط مسلم، وهذا الوجه هو الأصح من كل الوجوه المتقدمة إن شاء الله تعالى
. وللفقرة الأولى والثانية شاهد من حديث أيوب عن أبي قلابة أن شرحبيل بن حسنة
قال: هل من رجل يحدثنا عن رسول الله ﷺ ؟ فقال عمرو بن عبسة:
أنا. قال: اتق الله واحذر. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
فذكرهما. إلا أنه قال في الفقرة الثانية: " ومن أعتق رقبتين فهما فداؤه.. "
. قال أيوب: فحسبته يعني امرأتين. أخرجه الطحاوي (١ / ٣١٣) . قلت:
وإسناده صحيح إن سلم من تدليس أبي قلابة، وما قاله أيوب تؤيده الروايات
السابقة، فإنها صريحة في ذلك. والله أعلم. وللحديث شاهد بفقراته الثلاثة
من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعا. أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (١ /
١٦ / ٢) : حدثنا عمرو بن
стр. 3747
إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق الحمصي: حدثني
جدي إبراهيم بن العلاء: حدثني عمي الحارث بن الضحاك: حدثني منصور بن المعتمر
قال: سمعت محمد بن المنكدر يحدث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه مرفوعا به
في حديث له أوله: " سئل رسول الله ﷺ : أي الليل أسمع؟ ... "
. قال المنذري (٣ / ٦٢) : " رواه الطبراني، ولا بأس برواته، إلا أن أبا
سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه ". ونحوه قول الهيثمي (٤ / ٢٤٣) : "
رواه الطبراني، وأبو سلمة لم يسمع من أبيه، وبقية رجاله حديثهم حسن ".
ودونه قول الحافظ المتقدم: " ورجاله ثقات "! قلت: وفي ذلك نظر من وجوه: ١
- الانقطاع الذي صرح به المنذري ثم الهيثمي، وقد نقله الحافظ في " التهذيب "
عن جمع من الأئمة المتقدمين كأحمد وغيره. ٢ - الحارث بن الضحاك لم أعرفه،
ولم أجد أحدا ترجم له، حتى ابن عساكر في " تاريخ دمشق "، بل ولم يذكره هو،
ولا المزي في شيوخ ابن أخيه إبراهيم بن العلاء بن الضحاك. ٣ - عمرو بن إسحاق بن
إبراهيم بن العلاء، لم أجد له ترجمة أيضا، ولا في " التاريخ "، وإنما ذكره
في جملة الرواة عن جده إبراهيم بن العلاء.
стр. 3748
وفي الحديث فضيلة عتق العبيد،
وتفضيل عتق الذكر على عتق الأنثى، وقد بين وجه ذلك الحافظ ابن حجر في " الفتح
"، فليراجعه من شاء. نسأل الله تعالى أن يأتي يوم يتمكن فيه المسلمون من
القيام بهذه الفضيلة، ولن يكون ذلك إلا بعد أن يعودوا إلى دينهم، فهما سليما
وعملا صحيحا، وبذلك يستأنفون الحياة الإسلامية، وتقوم لهم دولتهم المنشودة
، وعسى أن يكون ذلك قريبا.
٢٦١٢ - " انظري أين أنت منه (يعني الزوج) ، فإنه جنتك ونارك ".
أخرجه النسائي في " الكبرى " (ق ٨٦ / ٢ - عشرة النساء) وأحمد (٤ / ٣٤١ و ٦
/ ٤١٩) والحميدي (٣٥٥) وعنه الحاكم (٢ / ١٨٩) وعن هذا البيهقي (٧ /
٢٩١) وابن أبي شيبة في " المصنف " (٧ / ٤٧ / ١) والطبراني في " الأوسط " (
١ / ١٧٠ / ١) من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصاري أن بشير بن يسار أخبره أن
حصين بن محصن أخبره عن عمة له أنها دخلت على رسول الله ﷺ
لبعض الحاجة، فقضى حاجتها، فقال لها رسول الله ﷺ : أذات زوج
أنت؟ قالت: نعم. قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه، فقال
رسول الله ﷺ : فذكره. وقال الحاكم: " صحيح، ولم يخرجاه "
. ووافقه الذهبي، وأقره المنذري (٣ / ٧٤) . قلت: ورجاله ثقات رجال
الشيخين غير حصين بن محصن، ذكره ابن حبان في " ثقات التابعين "، لكن ذكره جمع
في " الصحابة "، وكأن الحافظ مال إلى ذلك فقال في " التقريب ": " معدود في
الصحابة ".
стр. 3749
٢٦١٣ - " الإثم حواز القلوب، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع ".
موقوف. أخرجه البيهقي في " شعب الإيمان " (٢ / ١٢٦ / ٢) من طريق سعيد بن
منصور: حدثنا سفيان عن منصور عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه قال: قال
عبد الله: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قلت: وهذا إسناد
صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير محمد بن عبد الرحمن بن يزيد - وهو
النخعي الكوفي - وهو ثقة اتفاقا، لكن أعل بالوقف، فقال المنذري (٣ / ٦٥) :
" رواه البيهقي وغيره، ورواته لا أعلم فيهم مجروحا، لكن قيل: إن صوابه
موقوف ". وقال الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " (١ / ٣٢) : بعد ما عزاه
للبيهقي من حديث ابن مسعود: " ورواه العدني في " مسنده " موقوفا عليه ". قلت
: وكذلك رواه الطبراني في " المعجم الكبير " (رقم ٨٧٤٨) : حدثنا محمد بن
النضر الأزدي: أخبرنا معاوية بن عمرو أخبرنا زائدة عن منصور به موقوفا،
ولفظه: " إن الإثم حواز القلوب، فما حز في قلب أحدكم شيء فليدعه ". ثم رواه
بالإسناد نفسه موقوفا، إلا أنه جعل الأعمش مكان زائدة، ولفظه لفظ الترجمة،
إلا أنه قدم وأخر. قلت: وهذا إسناد صحيح أيضا، فإن محمد بن النضر الأزدي
هو محمد بن أحمد بن النضر الأزدي، وقد وثقه عبد الله بن أحمد ومحمد بن عبدوس
كما في ترجمته من " التاريخ " (١ / ٣٦٤) واللذان فوقه ثقتان من رجال الشيخين
،
стр. 3750
وزائدة هو ابن قدامة، فقد اختلف هو وسفيان - وهو ابن عيينة - في إسناده
على منصور - وهو ابن المعتمر الكوفي - فأوقفه زائدة، ورفعه سفيان، والرفع
زيادة من ثقة وهي مقبولة، وما لم يأت متابع لزائدة على وقفه فلا يسعني إلا
أن أرجح الرفع، وكأن المنذري أشار إلى ذلك بقوله: " قيل: إن صوابه موقوف "
. والله أعلم. والحديث عزاه في " الجامع الكبير " (١ / ٣٢٠) لسعيد بن
منصور والبيهقي في " شعب الإيمان " عن عبد الله - أظنه ابن مسعود -. قلت:
والظاهر أن هذا الظن من السيوطي، لا مبرر له، فهو ابن مسعود يقينا، لأن عبد
الرحمن بن يزيد - وهو النخعي - معروف بالرواية عنه دون غيره من العبادلة. ثم
ترجح عندي الوقف حينما رأيت هنادا يقول في " الزهد " (٢ / ٤٦٥ / ٩٣٤) : حدثنا
أبو معاوية عن الأعمش عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبي الأحوص قال: قال
عبد الله: فذكره موقوفا. قلت: وهذا إسناد صحيح، ومتابعة قوية من الأعمش
لمنصور، وإن اختلفا في الراوي عن ابن مسعود، فقال الأول: إنه عبد الرحمن بن
يزيد، وقال الأعمش: أبو الأحوص، واسمه عوف بن مالك. ولا مانع من أن يكون
لمحمد بن عبد الرحمن بن يزيد شيخان فيه. ويؤيده أن زائدة رواه أيضا عن
الأعمش مثل رواية أبي معاوية. أخرجه الطبراني (رقم ٨٧٤٩) . وكذلك رواه أبو
يحيى الحماني عن حبيب بن حسان (الأصل: سنان) الأسدي قال: سمعت أبا وائل
يقول: ...
стр. 3751
أخرجه البيهقي (٧٢٧٧) . لكن حبيب بن حسان هذا متروك فلا يشتغل به.
(تنبيه) : " حواز " أو " حواز " بتشديد الزاي أو الواو. قال ابن الأثير:
" هي الأمور التي تحز فيها، أي تؤثر، كما يؤثر الحز في الشيء، وهو ما يخطر
فيها من أن تكون معاصي لفقد الطمأنينة إليها، وهي بتشديد الزاي، جمع حاز.
ورواه شمر: " الإثم حواز القلوب " بتشديد الواو، أي يحوزها ويتملكها، ويغلب
عليها، ويروى " الإثم حزاز القلوب " بزايين، الأولى مشددة، وهي فعال من
الحز ".
٢٦١٤ - " من أقال أخاه بيعا أقال الله عثرته يوم القيامة ".
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (١ / ١٤٠ / ٢) : حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني
حدثنا سعيد بن سليمان عن شريك عن عبد الملك بن أبي بشير عن أبي شريح قال:
قال رسول الله ﷺ : فذكره. وقال: " لم يروه عن عبد الملك
إلا شريك ". قلت: وهو ابن عبد الله القاضي، وهو صدوق لكنه سيىء الحفظ،
وسائر رواته كلهم ثقات، إلا أنه منقطع، فإن عبد الملك بن أبي بشير إنما روايته
عن التابعين. وسعيد بن سليمان هو الضبي الواسطي. والحلواني له ترجمة في "
تاريخ بغداد "، وأبو شريح هو الخزاعي الكعبي اسمه خويلد بن عمرو على المشهور
، وهو صحابي معروف أسلم يوم الفتح.
стр. 3752
وللحديث شاهد يتقوى به من حديث أبي هريرة
، صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وهو مخرج في " المشكاة " (٢٨٨١) و "
الإرواء " (١٣٣٤) وغيرهما.
٢٦١٥ - " نعم وعليك بالماء ".
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (١ / ٩٥ / ١) : حدثنا موسى بن هارون حدثنا محمد
ابن أبي عمر العدني حدثنا مروان بن معاوية عن حميد الطويل عن أنس: أن سعدا
أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أمي توفيت ولم توص
أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال، فذكره. وقال: " قال موسى: وهم فيه مروان
بمكة، وإنما هو: " عن حميد عن الحسن " يعني مرسلا ". قلت: مروان هذا ثقة
اتفاقا، بل تعجب الإمام أحمد من إتقانه وحفظه فقال: " ما كان أحفظه! "،
واحتج به الشيخان، فمثله لا يوهم بمجرد الدعوى. ولذلك لم يلتفت إلى هذا
الإعلال الحافظان المنذري في " الترغيب " (٢ / ٥٣) والهيثمي في " المجمع " (
٣ / ١٣٨) ، فقالا: " رواه الطبراني في " الأوسط " ورواته محتج بهم في (
الصحيح) ". وأقول: لو جاز لنا التوهيم بالظن لكان نسبة الوهم إلى العدني
أولى، وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، فقد تكلم فيه بعضهم، وقال
الحافظ في " التقريب ": " صدوق، صنف المسند، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه
غفلة ".
стр. 3753
٢٦١٦ - " كانوا يصلون مع رسول الله ﷺ ، فإذا ركع ركعوا، وإذا قال:
" سمع الله لمن حمده " لم يزالوا قياما حتى يروه قد وضع وجهه (وفي لفظ:
جبهته) في الأرض، ثم يتبعونه ".
أخرجه مسلم (٢ / ٤٦) وأبو داود (٦٢٢) وعنه أبو عوانة (٢ / ١٧٩)
والطبراني في " الأوسط " (٢ / ٢٩٥ / ١ - ٢) من طرق عن أبي إسحاق الفزاري عن
أبي إسحاق الشيباني، حدثنا محارب بن دثار قال: سمعت عبد الله بن يزيد يقول
على المنبر: حدثني البراء بن عازب - وكان ما علمت غير كذوب - أنهم كانوا
... إلخ واللفظ الآخر لأبي داود، والسياق للطبراني، وقال: " لم يرو هذا
الحديث عن أبي إسحاق الشيباني إلا أبو إسحاق الفزاري ". قلت: وهو إبراهيم بن
محمد بن الحارث، إمام ثقة حافظ، له تصانيف، من رجال الشيخين. وأبو إسحاق
الشيباني اسمه سليمان بن أبي سليمان ثقة من رجالهما أيضا، فالسند صحيح غاية،
وقد تابعه أبو إسحاق السبيعي عند الشيخين وغيرهما، وهو مخرج مع حديث
الترجمة عندي في " صحيح أبي داود " (٦٣١) . وله فيه طريق أخرى عن البراء (٦٣٢) . وإنما أخرجت الحديث هنا لأمرين: الأول: أن جماهير المصلين يخلون بما
تضمنه من التأخر بالسجود حتى يضع الإمام جبهته على الأرض، لا أستثني منهم أحدا
حتى من كان منهم حريصا
стр. 3754
على اتباع السنة، للجهل بها أو الغفلة عنها، إلا من
شاء الله، وقليل ما هم. قال النووي ﵀ في " شرح مسلم ": " في الحديث
هذا الأدب من آداب الصلاة، وهو أن السنة أن لا ينحني المأموم للسجود حتى يضع
الإمام جبهته على الأرض إلا أن يعلم من حاله أنه لو أخر إلى هذا الحد لرفع
الإمام من السجود قبل سجوده. قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: في هذا الحديث
وغيره ما يقتضي مجموعه أن السنة للمأموم التأخر عن الإمام قليلا بحيث يشرع في
الركن بعد شروعه، وقبل فراغه منه ". والآخر: أنني وجدت للحديث مصدرا جديدا
لم أكن قد وقفت عليه من قبل، بل كان في حكم المفقود عندي، ألا وهو " المعجم
الأوسط " للإمام الطبراني، فأحببت أن أعرف القراء الكرام بذلك بطريق العزو
إليه، لعل أحدا منهم ممن يشاركنا في هذا العلم، ويوجد لديه فراغ من الوقت،
يسعى إلى تحقيقه، وإخراجه إلى عالم المطبوعات (١) ، فإنه غزير المادة جدا، "
فيه كل نفيس وعزيز ومنكر " كما قال الذهبي في ترجمته من " التذكرة ". وقد
صورته الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ومنها حصلت على نسخة مصورة على
الورق في طريقي إلى الحج السنة الماضية (١٣٩٩) جزى الله القائمين عليها خيرا
. وأنا الآن في صدد ترقيم أحاديثه، ووضع فهارس له، وقد انتهيت منها
والحمد لله، فكانت أربعة: ١ - فهرس رواتها من الصحابة على الحروف، وعددهم
قرابة ستمائة، وبجانب اسم الواحد منهم أرقام أحاديثه، وبذلك يتبين المقل
منهم من المكثر.
стр. 3755
٢ - فهرس أسماء رواة الآثار من الصحابة وغيرهم وعددهم نحو
الستين، وبجانب الواحد رقم أثره. ٣ - فهرس الآثار، وبجانبها أرقامها،
وعددها يزيد على المئتين من أصل نحو عشرة آلاف هي مجموع أحاديث الكتاب،
وسائرها مرفوعة. ٤ - أسماء شيوخ الطبراني، وعددهم قرابة الثمانمئة، وبجانب
اسم أحدهم أرقام أحاديثه، وهي تساعد على معرفة المقل منهم من المكثر، وهو
مفيد في غير المشهورين منهم.
٢٦١٧ - " اللهم هذه حجة لا رياء فيها ولا سمعة ".
روي من حديث أنس وابن عباس وبشر بن قدامة الضبابي. ١ - أما حديث أنس،
فله عنه طريقان: الأولى: من رواية الربيع بن صبيح عن يزيد بن أبان عنه قال:
حج رسول الله ﷺ على رحل رث، وعليه قطيفة لا تساوي أربعة
دراهم، فقال: " اللهم اجعله حجا، لا رياء فيه ولا سمعة ". أخرجه الترمذي
في " الشمائل " (ص ١٩١) وابن ماجه (٢٨٩٠) وابن أبي شيبة في " المصنف " (
٤ / ١٠٦) وابن سعد في " الطبقات " (٢ / ١٧٧) وأبو نعيم في " الحلية " (٦
/ ٣٠٨) . قلت: وهذا إسناد ضعيف، الربيع بن صبيح قال الحافظ: " صدوق سيىء
الحفظ، وكان عابدا مجاهدا ".
стр. 3756
ويزيد بن أبان قريب منه، قال الحافظ: " زاهد
ضعيف ". ولذلك جزم الحافظ في " الفتح " (٣ / ٢٩٧) بأن إسناده ضعيف. قلت:
لكن يقويه ما بعده. والطريق الأخرى: يرويه عليل بن أحمد العنزي: حدثني أبي
أحمد بن يزيد بن عليل: أخبرنا أسد بن موسى أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت
البناني عنه مرفوعا بلفظ الترجمة. أخرجه الأصبهاني في " الترغيب " (ص ٢٧١ -
مصورة الجامعة الإسلامية) ، وعنه الضياء المقدسي في " المختارة " (٢ / ٣٤ /
٢) . قلت: وهذه متابعة قوية من ثابت البناني فإنه ثقة، وكذلك اللذان دونه
، ثلاثتهم من رجال " التهذيب ". لكن أحمد بن يزيد بن عليل لم أجد له ترجمة سوى
ما ذكره شارح " القاموس " (ع ل ل) أنه " من شيوخ ابن خزيمة ". وأما ابنه
عليل، فقد ذكره ابن حجر في " التبصير " (٣ / ٩٦٦) والحافظ بن ناصر الدين في
" التوضيح " (٢ / ١٧٠ / ١) بروايته عن حرملة وغيره. مات سنة ثلاثمائة.
ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، لكن في " الإكمال " (٦ / ٢٦٠) أنه قال: "
وكان ثقة صحيح الكتاب ". ٢ - وأما حديث ابن عباس، فيرويه أحمد بن محمد بن أبي
بزة: محمد بن يزيد بن خنيس: حدثنا ابن جريج عن عطاء عنه قال: غدا رسول الله
ﷺ يوم عرفة من منى، فلما انبعثت به راحلته - وعليها قطيفة
قد اشتريت بأربعة دراهم - قال: فذكره.
стр. 3757
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (١ /
١١٩ / ٢) وقال: " لم يروه عن ابن جريج إلا محمد بن يزيد، تفرد به أحمد بن
أبي بزة ". قلت: قال الذهبي: " هو إمام في القراءة، ثبت فيها، لين الحديث
". ولم يعرفه الهيثمي، فقال (٣ / ٢٢١) : " رواه الطبراني في " الأوسط "،
وفيه أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بزة، ولم أعرفه ". قلت: وهو مترجم في
" الميزان "، و " اللسان " (١ / ٢٨٣ - ٢٨٤) . ٣ - وأما حديث بشر بن قدامة
الضبابي، فيرويه محمد بن عبد الله بن الحكم: أبنا سعيد بن بشير القرشي:
حدثني عبد الله بن حكيم الكتاني - رجل من أهل اليمن من مواليهم - عنه، قال:
أبصرت عيناي حبي رسول الله ﷺ واقفا بعرفات مع الناس، على
ناقة له حمراء قصواء، تحته قطيفة بولانية، وهو يقول: (فذكره) ، والناس
يقولون: هذا رسول الله ﷺ . قال سعيد بن بشير: فسألت عبد
الله بن حكيم، فقلت: يا أبا حكيم: وما القصوى؟ قال: أحسبها المبتترة
الأذنين، فإن النوق تبتر آذانها لتسمع. أخرجه البيهقي في " سننه " (٤ / ٣٣٢
- ٣٣٣) والذهبي في " الميزان " في ترجمة القرشي، وقال: " تفرد به ابن عبد
الحكم ". قلت: وهو ثقة مصري فقيه حافظ. لكن شيخه القرشي قال ابن أبي حاتم (٢ / ١ / ٨) عن أبيه:
стр. 3758
" شيخ مجهول، وعبد الله بن حكيم مجهول، لا نعرف واحدا
منهما ". قلت: لكن القرشي قد أثنى عليه ابن عبد الحكم فقال: " كان يلزم
المسجد - وذكر من فضله "، كما في " الضعفاء " للعقيلي (ص ١٤٩) وقد أخرج
حديثه ابن خزيمة في " صحيحه " كما في الإصابة ". وجملة القول أن الحديث صحيح
بهذه الطرق، والحمد لله على توفيقه.
٢٦١٨ - " نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضا من الثلج، فسودته خطايا بني آدم ".
أخرجه الترمذي (١ / ١٦٦) وابن خزيمة في " صحيحه " (١ / ٢٧١ / ١)
والطبراني في " المعجم الكبير " (٣ / ١٥٥ / ١ - ٢) وكذا أحمد (١ / ٣٠٧ و ٣٢٩
و٣٧٣) والخطيب في " التاريخ " (٧ / ٣٦٢) من طرق عن عطاء بن السائب عن سعيد
بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ به. وقال الترمذي: "
حديث حسن صحيح ". وقال: " اللبن " مكان " الثلج "، وهو شاذ عندي لمخالفته
للفظ الجماعة. وأخرج الطرف الأول منه النسائي في " الصغرى " (٢ / ٣٦) و "
الكبرى " أيضا (ق ٨٧ / ٢) من الوجه المذكور. قلت: ورجال إسناده ثقات رجال
البخاري، إلا أن عطاء بن السائب كان اختلط، لكنه لا بأس به في المتابعات
والشواهد، فقد أخرجه ابن خزيمة من طريق أبي الجنيد: حدثنا حماد بن سلمة عن عبد
الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير بلفظ:
стр. 3759
" الحجر الأسود ياقوتة بيضاء من
يواقيت الجنة، وإنما سودته خطايا المشركين، يبعث يوم القيامة مثل أحد، يشهد
لمن استلمه وقبله من أهل الدنيا ". وهذه متابعة قوية من ابن خثيم، لكن في
الطريق إليه أبو الجنيد هذا - واسمه الحسين بن خالد - قال ابن معين: " ليس
بثقة ". وقال ابن عدي: " عامة حديثه عن الضعفاء ". قلت: شيخه هنا حماد بن
سلمة وهو ثقة، وقد رواه جماعة من الثقات عن حماد عن عطاء بن السائب به كما
تقدم. أخرجه أحمد وغيره ممن سبق ذكرهم. فهذا يدل على وهم أبي الجنيد على
حماد حين رواه عنه عن ابن خثيم خلافا لرواية الجماعة، فروايته منكرة، سندا
ومتنا. وللطرف الأول منه شاهد من حديث أنس مرفوعا، بلفظ: " الحجر الأسود من
حجارة الجنة ". أخرجه العقيلي في " الضعفاء " (ص ٢٧٥) والطبراني في "
الأوسط " (١ / ١١٨ / ١) والبيهقي في " السنن " (٥ / ٧٥) من طريق شاذ بن
فياض: حدثنا عمر بن إبراهيم عن قتادة عنه. وقال العقيلي معللا: " ويروى عن
أنس موقوفا ". وبينه ابن أبي حاتم، فقال في " العلل " (١ / ٢٧٦) عن أبيه:
" أخطأ عمر بن إبراهيم، ورواه شعبة وعمرو بن الحارث المصري عن قتادة عن أنس
، موقوف ".
стр. 3760
قلت: أخرجه أحمد (٣ / ٢٧٧) عن شعبة به موقوفا. وإسناده صحيح،
وهو في حكم المرفوع، لأنه لا يقال من قبل الرأي، فلا جرم أن الإمام أحمد
أودعه " المسند "! وفي معنى سائر الحديث حديث رافع الحجبي سمع عبد الله بن
عمرو يرفعه: " إن الركن والمقام من ياقوت الجنة، ولولا ما مسهما من خطايا
بني آدم لأضاء ما بين المشرق والمغرب، وما مسهما من ذي عاهة ولا سقم إلا
شفي ". أخرجه البيهقي بإسناد جيد، وأخرجه الترمذي وغيره من طريق أخرى
مختصرا، وهو مخرج في " المشكاة " (٢٥٧٩) .
٢٦١٩ - " لولا ما مسه من أنجاس الجاهلية، ما مسه ذو عاهة إلا شفي، وما على الأرض
شيء من الجنة غيره ".
أخرجه البيهقي في " السنن " (٥ / ٧٥) من طريق يوسف بن يعقوب: حدثنا مسدد
حدثنا حماد بن زيد عن ابن جريج عن عطاء عن عبد الله بن عمرو يرفعه. قلت:
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات من رجال البخاري غير يوسف بن يعقوب، وهو أبو
محمد البصري القاضي، ثقة حافظ، ترجمة الخطيب في " تاريخه " (١٤ / ٣١٠ - ٣١٢
) والذهبي في " تذكرة الحفاظ "، فلولا عنعنة ابن جريج لقلت: إنه إسناد صحيح
. لكن له شاهد من حديث ابن عباس ﵄، وله عنه ثلاث طرق: الأولى:
أخرجها الترمذي وغيره عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه بالشطر الأخير
منه نحوه، وقد سبق الكلام عليه قبله.
стр. 3761
الثانية: رواه الطبراني في " الأوسط "
(١ / ١١٨ / ١) و " الكبير " (٣ / ١١٧ / ٢) وأبو الحجاج الأدمي في " جزء
فيه أحاديث عشرة مشايخ " (١٩٣ / ٢ - ١٩٤ / ١) من طريق محمد بن عمران بن أبي
يعلى: حدثني أبي عمران بن أبي ليلى عن عطاء عنه بلفظ: " الحجر الأسود من
حجارة الجنة، وكان أبيض كالمهاة، وما في الأرض من الجنة غيره، ولولا ما
مسه من دنس الجاهلية وما كان منها، ما مسه من ذي عاهة إلا برأ ". وقال
الطبراني: " لم يروه عن عطاء إلا ابن أبي ليلى تفرد به عمران عن أبيه ". قلت
: واسم أبيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ضعيف لسوء حفظه، وبه أعل
الحديث الهيثمي (٣ / ٢٤٢) بعد أن عزاه لـ " الكبير " و " الأوسط " ومنه تبين
أن قول المنذري في " الترغيب " (٢ / ١٢٣) : " رواه الطبراني في " الأوسط "
و" الكبير " بإسناد حسن ". أنه غير حسن. وأخرجه الطبراني في " الأوسط " (١ /
١١٨ / ١) : حدثنا محمد بن علي الصائغ حدثنا الحسن بن علي الحلواني حدثنا [غوث
بن] جابر بن غيلان بن منبه الصنعاني: حدثنا عبد الله بن صفوان عن إدريس بن [
بنت] وهب بن منبه: حدثني وهب بن منبه عن طاووس عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: "
لولا ما طبع الركن من أنجاس الجاهلية وأرجاسها وأيدي الظلمة والأثمة،
لاستشفى به من كان به داء ". وقال:
стр. 3762
" لا يروى عن وهب عن طاووس إلا بهذا
الإسناد، تفرد به الحلواني ". قلت: وهو ثقة من شيوخ الشيخين، لكن شيخ شيخه
عبد الله بن صفوان ضعيف، أورده العقيلي في " الضعفاء " (ص ٢٠٩) وروى عن
هشام بن يوسف أنه سئل عنه؟ فقال: " كان ضعيفا لم يكن يحفظ الحديث ". ثم ساق
له هذا الحديث: حدثناه محمد بن عبد الله الحضرمي قال: حدثنا الحسن بن علي
الحلواني به. والزيادتان منه. ثم قال: " وفي هذا الحديث رواية من غير هذا
الوجه، فيها لين أيضا ". قلت: وكأنه يشير إلى الرواية التي قبلها. وإدريس
ابن بنت وهب ضعيف، وهو من رجال " التهذيب ". وأما غوث بن جابر بن غيلان
فقال ابن معين: " لم يكن به بأس " كما في " الجرح والتعديل " (٣ / ٢ / ٥٨)
. وشيخ الطبراني محمد بن علي الصائغ، هو المكي كما في " المعجم الصغير "،
ولم أجد له ترجمة. ثم رأيت الذهبي قد وثقه في " السير " (١٣ / ٤٢٨) وقد أخرج
له في " الأوسط " نحو خمسين حديثا. ثم هو متابع من الحضرمي كما تقدم. وجملة
القول: أن رجال الإسناد كلهم معروفون، فيتعجب من الحافظ الهيثمي إذ قال (٣ /
٢٤٣) : " رواه الطبراني في " الأوسط "، وفيه جماعة لم أجد من ترجمهم ".
ولعله لم يتح له أن يكتشف السقط الذي في إسناد الطبراني، فخفي عليه أن
стр. 3763
شيخ
الحلواني هو غوث بن جابر، وشيخ ابن صفوان هو إدريس ابن بنت وهب، ولكن كيف
فاته ضعف ابن صفوان نفسه؟! ثم إن مما يزيد الحديث قوة على قوة أن له طريقا
أخرى عن ابن عمرو نفسه ذكرته تحت الحديث السابق.
٢٦٢٠ - " ليوشكن رجل أن يتمنى أنه خر من الثريا ولم يلي من أمر الناس شيئا ".
أخرجه الحاكم (٤ / ٩١) وأحمد (٢ / ٣٧٧ و ٥٢٠ و ٥٣٦) والبزار (٢ / ٢٥٥ /
١٦٤٣) عن عاصم بن بهدلة عن يزيد بن شريك أن الضحاك بن قيس بعث معه بكسوة إلى
مروان بن الحكم، فقال مروان للبواب: انظر من بالباب؟ قال: أبو هريرة،
فأذن له، فقال: يا أبا هريرة! حدثنا شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه
وسلم، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره. وقال
الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. وأقول: إنما هو حسن، للكلام
المعروف في عاصم بن بهدلة. نعم هو صحيح بطريق أخرى يرويها هشام بن حسان عن
عباد بن أبي علي عن أبي حازم مولى أبي رهم الغفاري عن أبي هريرة مرفوعا نحوه.
أخرجه الحاكم وابن حبان (١٥٥٩) وأحمد (٢ / ٣٥٢ و ٥٢١) وغيرهم. وهذا
إسناد حسن بما قبله، رجاله ثقات غير أن عبادا هذا لم يوثقه غير ابن حبان،
وقد تكلمت عليه في " التعليق الرغيب " (٢ / ٢٧٩) وصححه الحاكم والذهبي،
وكذا ابن خزيمة كما في " الفتح " (١٣ / ١٦٩) وأقره.
стр. 3764
وله شاهد من حديث عائشة
مرفوعا نحوه. أخرجه أبو يعلى (٨ / ١٨٨ / ٤٧٤٥) والطبراني في " الأوسط " (١
/ ٢٣٩ / ٢ / ٤٠٣٧) من طريق عمر بن سعد النصري عن ليث عن مجاهد عن عائشة نحوه.
وقال الطبراني: " لم يروه عن ليث إلا عمر بن سعد ". قلت: ضعفه البخاري في "
التاريخ " بقوله (٢ / ٣ / ١٥٨) : " لم يصح حديثه ". وأقره الذهبي في "
الميزان "، وكذا الحافظ في " اللسان "، إلا أنهما لم ينسباه: النصري،
بخلاف البخاري وابن أبي حاتم، فقد نسباه هذه النسبة، فكأن الحافظ ذهل عنها،
فزاد عقب هذه الترجمة ترجمة أخرى فقال: " عمر بن سعد النضري " (كذا فيه
بالضاد المعجمة!) .. ". ثم ذكر أنه روى عن ليث بن أبي سليم وغيره، وعنه
إسماعيل بن موسى الفزاري وموسى بن إسماعيل! وهما اللذان ذكرهما ابن أبي حاتم
في ترجمة الأول، وكذا البخاري إلا أنه لم يذكر موسى بن إسماعيل، فأوهم
الحافظ أنه غير الأول، وهو هو فاقتضى التنبيه. ثم وقفت على طريق ثالث للحديث
عن أبي هريرة أوقفه عليه راويه أبو جمرة قال: أخبرني أبو عبد العزيز عنه نحوه
. أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (٧١٨١) ورجاله ثقات رجال مسلم غير أبي
عبد العزيز هذا فهو مجهول كما قال أبو حاتم وغيره. وأما ابن حبان فذكره -
على قاعدته - في " الثقات " (٥ / ٥٩٠) وساق له طرف هذا الحديث.
стр. 3765
٢٦٢١ - " ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا، لا يفكه إلا العدل أو
يوبقه الجور ".
أخرجه أحمد (٢ / ٤٣١) وأبو يعلى (٤ / ١٥٦٤) والبيهقي في " السنن " (١٠ /
٩٦) والطبراني في " الأوسط " (١ / ١٩٩ / ١) عن محمد بن عجلان عن أبيه عن
أبي هريرة عن النبي ﷺ . وفي رواية لأحمد: عن ابن عجلان
قال: حدثني سعيد عن أبي هريرة به. وأخرجه البزار (ص ١٧٨) بالروايتين. قلت
: وهذا إسناد حسن، وقال المنذري (٣ / ١٣٩) : " رواه أحمد بإسناد جيد رجاله
رجال الصحيح "! . قلت: وله طريقان آخران عن أبي هريرة. الأول: عن سعيد بن
يسار عنه. أخرجه الدارمي (٢ / ٢٤٠) والبزار بسند صحيح، وأحمد (٢ / ٤٣١)
بسند حسن. والآخر: عن بشر بن سعيد عنه. أخرجه الحاكم (٤ / ٨٩) . وله
شاهد من حديث أبي أمامة سبق تخريجه برقم (٣٤٩) . وشاهد آخر من طريق يزيد بن
أبي زياد عن عيسى بن فائد عن رجل عن سعد بن عيادة مرفوعا به، وزاد: " وما
من أحد يتعلم القرآن ثم نسيه إلا لقي الله أجذم ". أخرجه أحمد (٥ /
٢٨٤ و ٢٨٥) وابنه (٥ / ٣٢٧ - ٣٢٨) . قلت: وهذا إسناد ضعيف فيه ثلاث علل:
الأولى: الرجل الذي لم يسم، فهو مجهول العين.
стр. 3766
الثانية: عيسى بن فائد مجهول
أيضا كما قال ابن المديني وغيره. الثالثة: يزيد بن أبي زياد وهو الهاشمي
مولاهم، قال الحافظ: " ضعيف، كبر فتغير فصار يتلقن ". ومن ذلك تعلم تساهل
المنذري في قوله (٣ / ١٣٩) وإن تبعه الهيثمي (٥ / ٦٥) : " رواه أحمد
والبزار، ورجال أحمد رجال " الصحيح "، إلا الرجل المبهم "! وبيانه أن أحدا
من الثلاثة المذكورين ليس من رجال " الصحيح "، اللهم إلا ابن أبي زياد فهو من
رجال مسلم، لكنه إنما أخرج له مقرونا بغيره، فتنبه. شاهد ثالث: يرويه عطية
العوفي عن ابن بريدة عن أبيه مرفوعا، وزاد: " فإن كان محسنا فكه عدله، وإن
كان سيئا زيد غلا إلى غله ". أخرجه الطبراني في " الأوسط " (١ / ٢٠٠ / ١) من
طريقين عن عطية، هذا أحدهما، ووقع في الأخرى عنه: حدثني بريدة به. وعطية
ضعيف. (فائدة) : لما أخرج البزار طريق سعيد بن يسار المتقدمة، أخرجها من
طريق حماد ابن سلمة عن يحيى بن سعيد عنه. ومن طريق عبيد بن عمرو القيسي:
حدثنا يحيى بن سعيد عن سعيد عن أبي هريرة، قال البزار عقبه: " هكذا رواه عبيد
، والثقات يروونه عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة. وهو الصواب
". فأقول: ليس هناك خطأ في رواية عبيد حتى تخطأ، كل ما في الأمر أنه لم
стр. 3767
ينسب
سعيدا إلى أبيه يسار، وهذا يقع كثيرا في الأسانيد، وإنما يمكن أن يخطأ لو
قال: سعيد بن أبي سعيد المقبري، فهذه مخالفة ظاهرة، ولكن هذا إنما يصار
إليه لو لم يكن ليحيى بن سعيد رواية عن سعيد المقبري، والواقع أن روايته عنه
في مسلم، كما أن روايته عن سعيد بن يسار في " الصحيحين "، فليس هناك مانع أن
يكون يحيى بن سعيد - وهو الأنصاري الثقة الثبت - قد روى الحديث عن السعيدين عن
أبي هريرة! لا شيء يمنع من ذلك، هذا لو كان عبيد القيسي ثقة، ولكني لم
أعرفه، وإن كنت أظن أنه أبو عبد الرحمن الذي روى عنه قتيبة، فإنه من هذه
الطبقة، وقد وثقه ابن حبان (٨ / ٤٣٠) والله أعلم.
٢٦٢٢ - " أصبت السنة، قاله عمر لعقبة وقد مسح من الجمعة إلى الجمعة على خفيه وهو
مسافر ".
أخرجه الطحاوي في " شرح المعاني " (١ / ٤٨) والدارقطني في " السنن " (ص ٧٢
) والحاكم (١ / ١٨٠ - ١٨١) وعنه البيهقي في " السنن " (١ / ٢٨٠) من طريق
بشر بن بكر: حدثنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر الجهني قال:
خرجت من الشام إلى المدينة يوم الجمعة، فدخلت على عمر بن الخطاب، فقال:
متى أولجت خفيك في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة، قال: فهل نزعتهما؟ قلت: لا،
قال: فذكره. وقال الدارقطني: " وهو صحيح الإسناد ". وقال الحاكم: "
حديث صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. قلت: وهو كما قالوا.
стр. 3768
وتابعه
عبد الله بن الحكم البلوي عن علي بن رباح به مثله. أخرجه الطحاوي والدارقطني
والحاكم والبيهقي من طريق المفضل بن فضالة، والدارقطني أيضا (ص ٧٣) وعنه
الضياء المقدسي في " الأحاديث المختارة " (رقم ٢٤٠ - بتحقيقي) عن حيوة،
كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب: أخبرني عبد الله ابن الحكم البلوي به. لكن
البلوي هذا مجهول، ففي " اللسان ": " قال الدارقطني في حاشية السنن: ليس
بمشهور. وقال في موضع آخر ليس بالقوي. وقال الجوزقاني في " كتاب الأباطيل "
: لا يعرف بعدالة ولا جرح ". وأما يزيد بن أبي حبيب فهو ثقة من رجال الشيخين
، وقد اختلف عليه في إسناده ومتنه. وأما السند فرواه عنه المفضل وحيوة كما
ذكرنا. وتابعهما ابن لهيعة وعمرو ابن الحارث والليث بن سعد عن يزيد بن أبي
حبيب به، إلا أنهم قالوا: " أصبت ". ولم يذكروا: " السنة ". أخرجه
الطحاوي وبقية الأربعة. وخالفهم يحيى بن أيوب فقال: عن يزيد بن أبي حبيب عن
علي بن رباح به، فلم يذكر في إسناده " عبد الله بن الحكم البلوي "، وقال: "
أصبت السنة ". أخرجه الدارقطني، وعنه الضياء المقدسي (٢٤١) . وأما المتن
، فقد تبين من التخريج السابق، وخلاصته أن المفضل وحيوة ويحيى ابن أيوب
ثلاثتهم قالوا: " أصبت السنة ".
стр. 3769
وخالفهم ابن لهيعة وعمرو بن الحارث والليث
بن سعد فقالوا: " أصبت "، لم يقولوا: " السنة ". قلت: ولا شك أن الصواب
في إسناده إثبات البلوي فيه لاتفاق الثقات الخمسة عليه كما رأيت. وأما المتن
، فالصواب فيه إثبات لفظ " السنة "، وذلك لأمور: الأول: أن عدد النافين
والمثبتين، وإن كان متساويا، فالحكم للمثبتين للقاعدة المعروفة: " زيادة
الثقة المقبولة ". الثاني: أن هؤلاء المثبتين كلهم ثقات من رجال الشيخين،
بخلاف الأولين، ففيهم ابن لهيعة، وليس من رجالهما على الكلام المعروف فيه.
الثالث: أن هناك ثقة آخر أثبت هذه الزيادة وهو موسى بن علي بن رباح كما في
الرواية الأولى، ولم يختلف عليه فيها، فهي الراجحة يقينا، حتى لو كان
الأرجح رواية الثقات عن يزيد بن أبي حبيب، لأن مدارها على البلوي وقد عرفت
أنه مجهول لا يحتج به. وبهذه الجهالة أعله ابن حزم في " المحلى " (٢ / ٩٢ -
٩٣) ، فخفي عليه الطريق الأولى فضعف الحديث من أصله فوهم، والظاهر أنه لم
يقف عليها، فلا عجب منه، وإنما العجب مما قاله الدارقطني في " العلل "،
فإنه بعد أن ذكر هذه الرواية الصحيحة قال: " وتابعه مفضل بن فضالة وابن
لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحكم البلوي عن علي بن رباح فقالا
فيه: " أصبت السنة "، وخالفهم عمرو بن الحارث ويحيى بن أيوب والليث بن سعد
، فقالوا فيه: " فقال عمر: أصبت "، ولم يقولوا: " السنة "، وهو المحفوظ
" (١) .
стр. 3770
قلت: وفيما قاله الدارقطني أخطاء تظهر لكل من تأمل تخريجنا السابق،
وهاك بيانها ملخصا: الأول: ذكر ابن لهيعة مع مفضل في جملة من قال: " أصبت
السنة "، وإنما هو ممن قال: " أصبت " فقط كما سبق. الثاني: ذكر يحيى بن
أيوب مع عمرو والليث اللذين قالا: " أصبت " كما قال ابن لهيعة. والصواب أن
يذكره بديل ابن لهيعة، ويذكر هذا بديله هنا. الثالث: قوله: وهو المحفوظ.
والصواب العكس كما تقدم تحقيقه. ولعل هذا الخطأ الثالث نشأ من الخطأين
الأولين، وهما نشآ من تلخيصه لروايات المختلفين، ومن الملاحظ أنه لما جعل
ابن لهيعة مع المفضل وحده، وجعل يحيى ابن أيوب مع عمرو والليث ضعف ذلك
الجانب، وقوى هذا الجانب، زد على ذلك أنه نسي أن يجعل مع المفضل حيوة فازداد
جانبه ضعفا على ضعف، كما ذهل أن يقرن معهما موسى بن علي، ولولا ذلك لتبين له
الصواب إن شاء الله تعالى. والخلاصة: أن الذين قالوا: " أصبت السنة " هم
أربعة: ١ - موسى بن علي بن رباح. ٢ - المفضل بن فضالة. ٣ - حيوة بن شريح.
٤ - يحيى بن أيوب. (وكلهم ثقات رجال الشيخين غير موسى بن علي، فمن رجال
مسلم وحده) . والذين قالوا: " أصبت " فقط هم ثلاثة: ١ - عبد الله بن لهيعة
. ٢ - وعمرو بن الحارث. ٣ - والليث بن سعد. (وهم من رجال الشيخين غير ابن
لهيعة كما تقدم) .
стр. 3771
وبهذا يتجلى لك الصواب بإذن الله تعالى، فلا جرم أن صحح
الحديث من سبق ذكرهم، وتبعهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في " مجموع
الفتاوى " (٢١ / ١٧٨) : " وهو حديث صحيح ". ويمكن أن يلحق بهم البيهقي
والنووي وغيرهما ممن أورده ولم يضعفه، بل ساقه معارضا به أحاديث التوقيت التي
استدل بها الجمهور، فأجاب عنه البيهقي عقبه بقوله: " وقد روينا عن عمر بن
الخطاب ﵁ التوقيت، فإما أن يكون رجع إليه حين جاءه الثبت عن النبي
ﷺ في التوقيت، وإما أن يكون قوله الذي يوافق السنة المشهورة
أولى ". ونقله النووي في " المجموع " (١ / ٤٨٥) وارتضاه. فلو أنهما وجدا
مجالا لتضعيفه لاستغنيا بذلك عن التوفيق بينه وبين أحاديث التوقيت بما ذكراه.
على أنه يمكن التوفيق بوجه آخر، وهو أن يحمل حديث عمر على الضرورة وتعذر
خلعه بسبب الرفقة أو غيره، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى
في بحث طويل له في المسح على الخفين. وهل يشترط أن يكونا غير مخرقين؟ فقال (
٢١ / ١٧٧) : " فأحاديث التوقيت فيها الأمر بالمسح يوما وليلة، وثلاثة
ولياليهن، وليس فيها النهي عن الزيادة إلا بطريق المفهوم، والمفهوم لا عموم
له، فإذا كان يخلع بعد الوقت عند إمكان ذلك عمل بهذه الأحاديث، وعلى هذا
يحمل حديث عقبة بن عامر لما خرج من دمشق إلى المدينة يبشر الناس بفتح دمشق،
ومسح أسبوعا بلا خلع، فقال له عمر: أصبت السنة. وهو حديث صحيح ".
стр. 3772
وعمل به
شيخ الإسلام في بعض أسفاره، فقال (٢١ / ٢١٥) : " لما ذهبت على البريد، وجد
بنا السير، وقد انقضت مدة المسح فلم يمكن النزع والوضوء إلا بالانقطاع عن
الرفقة، أو حبسهم على وجه يتضررون بالوقوف، فغلب على ظني عدم التوقيت عند
الحاجة كما قلنا في الجبيرة، ونزلت حديث عمر وقوله لعقبة بن عامر: " أصبت
السنة " على هذا توفيقا بين الآثار، ثم رأيته مصرحا به في " مغازي ابن عائذ "
أنه كان قد ذهب على البريد - كما ذهبت - لما فتحت دمشق ... فحمدت الله على
الموافقة، (قال) : وهي مسألة نافعة جدا ". قلت: ولقد صدق ﵀،
وهي من نوادر فقهه جزاه الله عنا خير الجزاء، وقد نقل الشيخ علاء الدين
المرادي في كتابه " الإنصاف " (١ / ١٧٦) عن شيخ الإسلام أنه قال في "
الاختيارات ": " لا تتوقف مدة المسح في المسافر الذي يشق (عليه) اشتغاله
بالخلع واللبس، كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين ". وأقره. وهو في "
الاختيارات " (ص ١٥) المفردة.
٢٦٢٣ - " ومن أمرك أن تعذب نفسك؟! صم شهر الصبر، ومن كل شهر يوما. قلت: زدني.
قال: صم شهر الصبر، ومن كل شهر يومين. قلت: زدني أجد قوة. قال: صم شهر
الصبر ومن كل شهر ثلاثة أيام ".
أخرجه البخاري في " التاريخ الكبير " (٤ / ١ / ٢٣٨ - ٢٣٩) والطيالسي في "
مسنده " (٣١) والطبراني في " المعجم الكبير " (١٩ / ١٩٤ / رقم ٤٣٥) عن
حماد ابن يزيد بن مسلم: حدثنا معاوية بن قرة عن كهمس الهلالي قال:
стр. 3773
أسلمت
، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته بإسلامي، فمكثت حولا وقد ضمرت
ونحل جسمي [ثم أتيته] ، فخفض في البصر ثم رفعه، قلت: أما تعرفني؟ قال:
ومن أنت؟ قلت: أنا كهمس الهلالي. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قلت: ما أفطرت
بعدك نهارا، ولا نمت ليلا، فقال: ... فذكره. وأورده الحافظ في " المطالب
العالية " (١ / ٣٠٣ / ١٠٣٦) من رواية الطيالسي وسكت عليه، وقال الهيثمي في
" المجمع " (٣ / ١٩٧) : " رواه الطبراني في " الكبير "، وفيه حماد بن يزيد
المنقري، (قلت: وفي " الجرح " المقرىء) ولم أجد من ذكره ". قلت: وقد
فاته أن البخاري ذكره في " التاريخ " (٢ / ١ / ٢٠) وكناه بأبي يزيد البصري،
وقال: " سمع معاوية بن قرة، سمع منه موسى، وسمع أباه ومحمد بن سيرين ".
وكذا ذكره أيضا ابن أبي حاتم (١ / ٢ / ١٥١) وزاد في شيوخه: بكر بن عبد
الله المزني ومخلد بن عقبة بن شرحبيل الجعفي. وفي الرواة عنه: يونس بن محمد
، ومسلم بن إبراهيم، ومحمد بن عون الزيادي، وطالوت بن عباد الجحدري.
وينبغي أن يزاد فيهم: أبو داود الطيالسي، فإنه قد روى عنه هذا الحديث، وذكره
ابن حبان أيضا في " الثقات " (٢ / ٦٢ - مخطوطة الظاهرية) وعلى هامشه بخط بعض
المحدثين: " وذكره البزار، وقال: ليس به بأس ". وللحديث شاهد من حديث
مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها بهذه القصة، وفي آخره زيادة أوردته من أجلها
في " ضعيف أبي داود " برقم (٤١٩) .
стр. 3774
وعند الطيالسي في هذا الحديث قصة، وفي
آخرها حديث آخر أخرجه الضياء في " المختارة " برقم (٢٥٨ و ٢٥٩) من طريق
الطيالسي وغيره.
٢٦٢٤ - " أذن في قومك أو في الناس يوم عاشوراء: من [كان] أكل فليصم بقية يومه [إلى
الليل] ، ومن لم يكن أكل فليصم ".
ورد من حديث سلمة بن الأكوع والربيع بنت معوذ ومحمد بن صيفي وهند بن أسماء
وأبي هريرة وعبد الله بن عباس ورجال لم يسموا من أسلم ومعبد القرشي ومحمد
بن سيرين مرسلا. ١ - أما حديث سلمة، فقال أحمد (٤ / ٥٠) : حدثنا يحيى بن
سعيد عن يزيد بن عبيد قال: حدثنا سلمة بن الأكوع أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال لرجل من أسلم: فذكره. وهذا إسناد ثلاثي صحيح على شرط الشيخين،
ويحيى بن سعيد هو القطان ومن طريقه أخرجه البخاري (١٣ / ٢٠٥ - ٢٠٦) والنسائي
(١ / ٣١٩) وفي " الكبرى " (ق ٢٢ / ١) وابن خزيمة (٢٠٩٢) ، ثم أخرجه
البخاري (٤ / ١١٣ - ١١٤ و ٢٠١) ومسلم (٣ / ١٥١ - ١٥٢) والدارمي (٢ / ٢٢
) والبيهقي (٤ / ٢٢٠ و ٢٨٨) وأحمد (٤ / ٤٧، ٤٨) وابن حبان (٥ / ٢٥٢ /
٣٦١٠) من طرق أخرى عن يزيد بن عبيد به. وإسناد أحمد والدارمي والبخاري
ثلاثي أيضا والزيادة الأولى لأحمد، والأخرى لمسلم. ٢ - وأما حديث الربيع،
فقالت: أرسل رسول الله ﷺ صبيحة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي
حول المدينة: من كان أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان
стр. 3775
أصبح مفطرا فليتم بقية
يومه. قالت: فكنا نصومه بعد ذلك، ونصوم صبياننا الصغار، ونجعل لهم اللعبة
من العهن، ونذهب بهم إلى المسجد، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى
يكون عند الإفطار. أخرجه البخاري (٤ / ١٦٣) ومسلم (٣ / ١٥٢) وابن خزيمة
(٢٠٨٨) والطحاوي (١ / ٣٣٦) وابن حبان (٣٦١١) والبيهقي (٤ / ٢٨٨)
وأحمد (٦ / ٣٥٩) . ٣ - وأما حديث محمد بن صيفي، فقال: قال لنا رسول الله
ﷺ يوم عاشوراء: أمنكم أحد طعم اليوم؟ فقلنا: منا من طعم،
ومنا من لم يطعم. قال: فقال: فأتموا بقية يومكم من كان طعم ومن لم يطعم،
وأرسلوا إلى أهل العروض فليتموا بقية يومهم. يعني أهل العروض حول المدينة.
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٣ / ٥٤ - ٥٥) وعنه ابن ماجه (١ / ٥٢٨ -
٥٢٩) وابن خزيمة (٢٠٩١) وابن حبان (٩٣٢ - موارد) وأحمد (٤ / ٤٨٨) من
طريق حصين عن الشعبي عنه. قلت: وهذا إسناد صحيح كما قال البوصيري في "
الزوائد " (١١٠ / ١) . ٤ - وأما حديث هند بن أسماء، فيرويه محمد بن إسحاق:
حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد عن حبيب بن هند بن أسماء الأسلمي عنه قال:
" بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي من أسلم فقال: مر قومك
فليصوموا هذا اليوم يوم عاشوراء، فمن وجدته منهم قد أكل في أول يومه فليصم
آخره ". أخرجه أحمد (٣ / ٤٨٤) والطحاوي (١ / ٣٣٥ - ٣٣٦) . قلت: وهذا
إسناد حسن، رجاله ثقات معروفون، غير حبيب بن هند،
стр. 3776
ترجمه ابن أبي حاتم (١ /
٢ / ١١٠) برواية ثقتين آخرين عنه، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكره
ابن حبان في " الثقات " (٣ / ٣٨ - هندية) . وفي رواية لأحمد من طريق عبد
الرحمن بن حرملة عن يحيى بن هند بن حارثة - وكان هند من أصحاب الحديبية -
وأخوه الذي بعثه رسول الله ﷺ يأمر قومه بصيام عاشوراء - وهو
أسماء بن حارثة - فحدثني يحيى بن هند عن أسماء بن حارثة أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم بعثه، فقال: مر قومك بصيام هذا اليوم ... " الحديث نحوه. لكن يحيى
بن هند هذا لا يعرف إلا برواية ابن حرملة هذا، وبها ذكره ابن أبي حاتم (٤ /
٢ / ١٩٤ - ١٩٥) ولم يحك فيه جرحا ولا تعديلا، وأما ابن حبان فأورده أيضا
في " الثقات " (٣ / ٢٨٧) . وقال في ترجمة حبيب بن هند بن أسماء المتقدم: "
كأنهما أخوان إن شاء الله ". وقال الحافظ في التوفيق بين روايتيهما: " قلت:
فيحتمل أن يكون كل من أسماء وولده هند أرسلا بذلك، ويحتمل أن يكون أطلق في
الرواية الأولى على الجد اسم الأب، فيكون الحديث من رواية حبيب بن هند عن جد
أسماء، فتتحد الروايتان. والله أعلم ". قلت: التوفيق فرع التصحيح، وما
أرى أن الرواية الأخرى ثابتة، لما عرفت من حال راويها يحيى بن هند. والله
أعلم. ثم رأيت رواية سعيد بن حرملة في " صحيح ابن حبان " (٥ / ٢٥٢ / ٣٦٠٩ -
الإحسان) من طريق سهل بن بكار قال: حدثنا وهيب عن عبد الرحمن بن حرملة عن
سعيد بن المسيب عن أسماء بن حارثة به.
стр. 3777
وهذا سند جيد، يدل على أن له أصلا عن
أسماء، ولعل ابن حرملة كان له عنه إسنادان، فتارة يرويه عن يحيى بن هند،
وتارة عن ابن المسيب.. والله أعلم. ٥ - وأما حديث أبي هريرة فيرويه حبيب بن
عبد الله عن شبيل عنه قال: كان النبي ﷺ صائما يوم عاشوراء
فقال لأصحابه: " من كان أصبح منكم صائما فليتم صومه، ومن كان أصاب من غداء
أهله فليتم بقية يومه ". أخرجه أحمد (٢ / ٣٥٩) . ورجاله موثقون غير حبيب بن
عبد الله وهو الأزدي اليحمدي، وهو مجهول. ٦ - وأما حديث ابن عباس فيرويه
جابر عن عكرمة عنه قال: " أرسل رسول الله ﷺ إلى أهل قرية على
رأس أربعة فراسخ - أو قال فرسخين - يوم عاشوراء فأمر من أكل أن لا يأكل بقية
يومه، ومن لم يأكل أن يتم صومه ". أخرجه أحمد (١ / ٢٣٢) . وجابر هو ابن
يزيد الجعفي، وهو ضعيف. ٧ - وأما حديث الرجال الأسلميين، فيرويه ابن شهاب
عن ابن سندر عن رجال منهم [من أسلم] (١) أن رسول الله ﷺ قال
لرجل من أسلم: ... فذكره نحو الحديث الأول. أخرجه النسائي في " الكبرى " (٣٨
/ ١) : أخبرنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا يزيد - يعني - بن موهب قال: حدثني
الليث عن عقيل عن ابن شهاب. وهذا إسناد رجاله ثقات غير ابن سندر، وقد جزم
الحافظ في " باب من
стр. 3778
نسب إلى أبيه ... " من " التقريب " أنه عبد الله. ثم لم
يترجم له في الأسماء، وهو تابع في ذلك لابن أبي حاتم، فقد قال في " الجرح
والتعديل " (٢ / ١ / ٣٢٠) : " سندر أبو الأسود، له صحبة، روى عنه عبد الله
بن سندر ". والشطر الأول منه في " التاريخ " للبخاري (٢ / ٢ / ٢١٠) وزاد:
" كناه عثمان بن صالح، وروى الزهري عن سندر بن أبي سندر عن أبيه ". ونقله
هكذا في " الإصابة "، وذكر فيه أن له ابنا آخر يدعى مسروحا. ويزيد بن موهب
هو ابن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الرملي. وأحمد بن إبراهيم هو أبو
عبد الملك القرشي البسري الدمشقي. وقد خالف معمر عقيلا فأرسله، أخرجه عبد
الرزاق (٧٨٣٤) قال: أخبرنا معمر عن الزهري أن النبي ﷺ لما
قدم المدينة قال لرجل من أسلم: فذكره. ٨ - وأما حديث معبد القرشي، فقال عبد
الرزاق (٧٨٣٥) : عن إسرائيل عن سماك ابن حرب عنه قال: كان النبي صلى الله
عليه وسلم بـ (قديد) فأتاه رجل، فقال له النبي ﷺ : فذكره
نحوه. وعن عبد الرزاق أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٢٠ / ٣٤٢ / ٨٠٣
) . قلت: وهذا إسناد جيد، وقال الهيثمي في " المجمع " (٣ / ١٨٧) : " رواه
الطبراني في " الكبير "، ورجاله ثقات ". ٩ - وأما مرسل ابن سيرين، فقال
ابن أبي شيبة (٣ / ٥٧) : حدثنا ابن علية عن أيوب عنه أن النبي صلى الله عليه
وسلم أمر رجلا من أسلم يوم عاشوراء ... الحديث
стр. 3779
وإسناده صحيح مرسل. ورواه عبد
الرزاق (٧٨٥٢) عن عطاء مرسلا. وفي الباب أحاديث أخرى خرجها الهيثمي في "
مجمع الزوائد "، فمن شاء المزيد فليرجع إليه، وآخر فيه زيادة منكرة بلفظ: "
فأتموا بقية يومكم واقضوه ". وفي إسناده جهالة، ولذلك خرجته في المجلد
الحادي عشر من " الضعيفة " برقم (٥١٩٩) وفي " ضعيف أبي داود " برقم (٤٢٢)
. من فقه الحديث. في هذا الحديث فائدتان هامتان: الأولى: أن صوم يوم عاشوراء
كان في أول الأمر فرضا، وذلك ظاهر في الاهتمام به الوارد فيه، والمتمثل في
إعلان الأمر بصيامه، والإمساك عن الطعام لمن كان أكل فيه، وأمره بصيام بقية
يومه، فإن صوم التطوع لا يتصور فيه إمساك بعد الفطر كما قال ابن القيم رحمه
الله في " تهذيب السنن " (٣ / ٣٢٧) . وهناك أحاديث أخرى تؤكد أنه كان فرضا،
وأنه لما فرض صيام شهر رمضان كان هو الفريضة كما في حديث عائشة عند الشيخين
وغيرهما، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " برقم (٢١١٠) . والأخرى: أن من وجب
عليه الصوم نهارا، كالمجنون يفيق، والصبي يحتلم، والكافر يسلم، وكمن
بلغه الخبر بأن هلال رمضان رؤي البارحة، فهؤلاء يجزيهم النية من النهار حين
الوجوب، ولو بعد أن أكلوا أو شربوا، فتكون هذه الحالة مستثناة من عموم قوله
ﷺ : " من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له "، وهو حديث
صحيح كما حققته في " صحيح أبي داود " (٢١١٨) . وإلى هذا
стр. 3780
الذي أفاده حديث
الترجمة ذهب ابن حزم وابن تيمية والشوكاني وغيرهم من المحققين. فإن قيل:
الحديث ورد في صوم عاشوراء والدعوى أعم. قلت: نعم، وذلك بجامع الاشتراك في
الفريضة، ألست ترى أن الحنفية استدلوا به على جواز صوم رمضان بنية من النهار،
مع إمكان النية في الليل طبقا لحديث أبي داود، فالاستدلال به لما قلنا أولى
كما لا يخفى على أولي النهى. ولذلك قال المحقق أبو الحسن السندي في حاشيته
على " ابن ماجه " (١ / ٥٢٨ - ٥٢٩) ما مختصره: " الأحاديث دالة على أن صوم
يوم عاشوراء كان فرضا، من جملتها هذا الحديث، فإن هذا الاهتمام يقتضي
الافتراض. نعم الافتراض منسوخ بالاتفاق وشهادة الأحاديث على النسخ. واستدل
به على جواز صوم الفرض بنية من النهار، لا يقال صوم عاشوراء منسوخ فلا يصح
الاستدلال به. لأنا نقول: دل الحديث على شيئين: أحدهما: وجوب صوم عاشوراء.
والثاني: أن الصوم واجب في يوم بنية من نهار، والمنسوخ هو الأول، ولا
يلزم من نسخه نسخ الثاني، ولا دليل على نسخه أيضا. بقي فيه بحث: وهو أن
الحديث يقتضي أن وجوب الصوم عليهم ما كان معلوما من الليل، وإنما علم من
النهار، وحينئذ صار اعتبار النية من النهار في حقهم ضروريا، كما إذا شهد
الشهود بالهلال يوم الشك، فلا يلزم جواز الصوم بنية من النهار بلا ضرورة " أهـ
. قلت: وهذا هو الحق الذي به تجتمع النصوص، وهو خلاصة ما قال ابن حزم رحمه
الله في " المحلى " (٦ / ١٦٦) وقال عقبه: " وبه قال جماعة من السلف كما
روينا من طريق ... عبد الكريم الجزري أن
стр. 3781
قوما شهدوا على الهلال بعد ما أصبح
الناس، فقال عمر بن عبد العزيز: من أكل فليمسك عن الطعام، ومن لم يأكل
فليصم بقية يومه ". قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٣ / ٦٩)
وسنده صحيح على شرط الشيخين. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في "
الاختيارات العلمية " (٤ / ٦٣ - الكردي) : " ويصح صوم الفرض بنية النهار إذا
لم يعلم وجوبه بالليل، كما إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار، فإنه
يتم بقية يومه ولا يلزمه قضاء وإن كان أكل " وتبعه على ذلك المحقق ابن القيم
، والشوكاني، فمن شاء زيادة بيان وتفصيل فليراجع " مجموع الفتاوى " لابن
تيمية (٢٥ / ١٠٩ و ١١٧ - ١١٨) و " زاد المعاد " لابن القيم (١ / ٢٣٥) و "
تهذيب السنن " له (٣ / ٣٢٨) و " نيل الأوطار " للشوكاني (٤ / ١٦٧) . وإذا
تبين ما ذكرنا، فإنه تزول مشكلة كبرى من مشاكل المسلمين اليوم، ألا وهي
اختلافهم في إثبات هلال رمضان بسبب اختلاف المطالع، فإن من المعلوم أن الهلال
حين يرى في مكان فليس من الممكن أن يرى في كل مكان، كما إذا رؤي في المغرب
فإنه لا يمكن أن يرى في المشرق، وإذا كان الراجح عند العلماء أن حديث " صوموا
لرؤيته ... " إنما هو على عمومه، وأنه لا يصح تقييده باختلاف المطالع، لأن
هذه المطالع غير محدودة ولا معينة، لا شرعا ولا قدرا، فالتقييد بمثله لا
يصح، وبناء على ذلك فمن الممكن اليوم تبليغ الرؤية إلى كل البلاد الإسلامية
بواسطة الإذاعة ونحوها، وحينئذ فعلى كل من بلغته الرؤية أن يصوم، ولو
بلغته قبل غروب الشمس بقليل، ولا قضاء عليه، لأنه قد قام بالواجب في حدود
стр. 3782
استطاعته، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، والأمر بالقضاء لم يثبت كما سبقت
الإشارة إليه، ونرى أن من الواجب على الحكومات الإسلامية أن يوحدوا يوم
صيامهم ويوم فطرهم، كما يوحدون يوم حجهم، ولريثما يتفقون على ذلك، فلا نرى
لشعوبهم أن يتفرقوا بينهم، فبعضهم يصوم مع دولته، وبعضهم مع الدولة الأخرى،
وذلك من باب درء المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى كما هو مقرر في علم الأصول.
والله تعالى ولي التوفيق.
٢٦٢٥ - " لو لم تكله لأكلتم منه، ولقام لكم ".
أخرجه مسلم (٧ / ٦٠) من طريق معقل عن أبي الزبير عن جابر أن رجلا أتى
النبي ﷺ يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال الرجل يأكل
منه وامرأته وضيفهما حتى كاله، فأتى النبي ﷺ فقال، فذكره.
وتابعه ابن لهيعة: حدثنا أبو الزبير به. أخرجه أحمد (٣ / ٣٣٧، ٣٤٧) من
طريقين عنه. وخالفهما حسان بن عبد الله فقال: حدثنا ابن لهيعة: حدثنا يونس
ابن يزيد: حدثنا أبو إسحاق عن سعيد بن الحارث عن جده نوفل بن الحارث بن عبد
المطلب أنه استعان رسول الله ﷺ في التزويج، فأنكحه امرأة،
فالتمس شيئا فلم يجده، فبعث رسول الله ﷺ أبا رافع وأبا أيوب
بدرعه فرهناه عند رجل من اليهود بثلاثين صاعا من شعير، فدفعه رسول الله صلى
الله عليه وسلم إلي، فطعمنا منه نصف سنة ثم كلناه فوجدناه كما أدخلناه، قال
نوفل: فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: فذكره إلا أنه قال: " ما
عشت " بدل: " ولقام لكم ". أخرجه الحاكم (٣ / ٢٤٦) وعنه البيهقي في "
الدلائل " (٦ / ١١٤) . وسكت عنه الحاكم والذهبي. وابن لهيعة فيه ضعف من
قبل حفظه، وأبو
стр. 3783
إسحاق هو السبيعي كما في " الإصابة "، وكان اختلط، مع
تدليس له. وسعيد بن الحارث لم أعرفه، فالإسناد مظلم، والأول أقوى لمتابعة
معقل لابن لهيعة عليه، لكن فيه عنعنة أبي الزبير، وهو معروف بالتدليس، فلا
أدري إذا كان سمعه من جابر أم لا؟ ولعل الحافظ ابن حجر قد ترجح عنده الأول،
فقد أورده في " الفتح " (١١ / ٢٤٠) من رواية مسلم هذه ساكتا عليه، أو من أجل
شواهد ذكرها قريبا، وبها يتقوى الحديث عندي إن شاء الله تعالى. منها حديث
عائشة ﵂ قالت: توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي من
شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال علي، فكلته
ففني. أخرجه البخاري (٦ / ١٤٦ و ١١ / ٢٣٩) ومسلم (٨ / ٢١٨) وابن ماجه (٣٣٤٥) وأحمد (٤ / ١٠٨) وزاد: " فليتني لم أكن كلته ". وإسنادها جيد.
٢٦٢٦ - " أردف أختك عائشة فأعمرها من التنعيم، فإذا هبطت الأكمة فمرها فلتحرم، فإنها
عمرة متقبلة ".
أخرجه الحاكم (٣ / ٤٧٧) من طريق داود بن عبد الرحمن العطار: حدثني عبد الله
بن عثمان بن خثيم عن يوسف بن ماهك عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر عن
أبيها أن النبي ﷺ قال له: فذكره. وسكت عنه. وقال الذهبي
: " قلت: سنده قوي ".
стр. 3784
قلت: وقد أخرجه أحمد أيضا (١ / ١٩٨) : حدثنا داود
بن مهران الدباغ: حدثنا داود - يعني العطار - به. وأخرجه أبو داود أيضا
وغيره وهو في " صحيح أبي داود " برقم (١٥٦٩) . وقد أخرجه البخاري (٣ / ٤٧٨
) ومسلم (٤ / ٣٥) من طريق أخرى عن عبد الرحمن بن أبي بكر مختصرا. وكذلك
أخرجاه من حديث عائشة نفسها، وفي رواية لهما عنها قالت: فاعتمرت، فقال:
" هذه مكان عمرتك ". وفي أخرى: بنحوه قال: " مكان عمرتي التي أدركني الحج
ولم أحصل منها ". وفي أخرى: " مكان عمرتي التي أمسكت عنها ". وفي أخرى: "
جزاء بعمرة الناس التي اعتمروا ". رواها مسلم. وفي ذلك إشارة إلى سبب أمره
ﷺ لها بهذه العمرة بعد الحج. وبيان ذلك: أنها كانت أهلت
بالعمرة في حجتها مع النبي ﷺ ، إما ابتداء أو فسخا للحج إلى
العمرة (على الخلاف المعروف) (١) ، فلما قدمت (سرف) . مكان قريب من مكة -،
حاضت، فلم تتمكن من إتمام عمرتها والتحلل منها بالطواف حول البيت، لقوله صلى
الله عليه وسلم لها - وقد قالت له: إني كنت أهللت بعمرة فكيف أصنع بحجتي؟
قال: -
стр. 3785
" انقضي رأسك وامتشطي وأمسكي عن العمرة وأهلي بالحج، واصنعي ما
يصنع الحاج غير أن لا تطوفي ولا تصلي حتى تطهري. (وفي رواية: فكوني في حجك
، فعسى الله أن يرزقكيها) "، ففعلت، ووقفت المواقف، حتى إذا طهرت طافت
بالكعبة والصفا والمرة، وقال لها ﷺ كما في حديث جابر: "
قد حللت من حجك وعمرتك جميعا "، فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم
أطف بالبيت حتى حججت، وذلك يوم النفر، فأبت، وقالت: أيرجع الناس بأجرين
وأرجع بأجر؟ وفي رواية عنها: يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد؟ وفي أخرى
: يرجع الناس (وعند أحمد (٦ / ٢١٩) : صواحبي، وفي أخرى له (٦ / ١٦٥
و٢٦٦) : نساؤك) بعمرة وحجة، وأرجع أنا بحجة؟ وكان ﷺ
رجلا سهلا إذا هويت الشيء تابعها عليه، فأرسلها مع أخيها عبد الرحمن، فأهلت
بعمرة من التنعيم (١) . فقد تبين مما ذكرنا من هذه الروايات - وكلها صحيحة -
أن النبي ﷺ إنما أمرها بالعمرة عقب الحج بديل ما فاتها من
عمرة التمتع بسبب حيضها، ولذلك قال العلماء في تفسير قوله ﷺ
المتقدم: " هذه مكان عمرتك " أي: العمرة المنفردة التي حصل لغيرها التحلل
منها بمكة، ثم أنشأوا الحج مفردا (٢) . إذا عرفت هذا، ظهر لك جليا أن هذه
العمرة خاصة بالحائض التي لم تتمكن من إتمام عمرة الحج، فلا تشرع لغيرها من
النساء الطاهرات، فضلا عن الرجال. ومن هنا يظهر السر في إعراض السلف عنها،
وتصريح بعضهم بكراهتها، بل إن عائشة نفسها لم يصح عنها العمل بها، فقد كانت
إذا حجت تمكث إلى أن