فالتمسناه فلم نجده " قال
: فقال الأعرابي: واغدراه! قالت: فهم الناس وقالوا: قاتلك الله، أيغدر
رسول الله ﷺ ؟! قالت: فقال رسول الله ﷺ : "
دعوه، فإن لصاحب الحق مقالا ". ثم عاد رسول الله ﷺ فقال: "
يا عبد الله! إنا ابتعنا منك جزائر ونحن نظن أن عندنا ما سمينا لك،
فالتمسناه فلم نجده "، فقال الأعرابي: واغدراه! فنهمه الناس وقالوا: قاتلك
الله، أيغدر رسول الله ﷺ ؟! فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: " دعوه، فإن لصاحب الحق مقالا "، فردد رسول الله ﷺ
ذلك مرتين أو ثلاثا، فلما رآه لا يفقه عنه قال لرجل من أصحابه: اذهب إلى خولة
بنت حكيم بن أمية فقل لها: رسول الله ﷺ يقول لك: إن كان
عندك وسق من تمر الذخرة فأسلفيناه حتى نؤديه إليك إن شاء الله، فذهب إليه
الرجل، ثم رجع فقال: قالت: نعم، هو عندي يا رسول الله! فابعث من يقبضه،
فقال رسول الله ﷺ للرجل: اذهب به فأوفه الذي له. قال: فذهب
به فأوفاه الذي له. قالت: فمر الأعرابي برسول الله ﷺ وهو
جالس في أصحابه. فقال: جزاك الله خيرا، فقد أوفيت وأطيبت. قالت: فقال
رسول الله ﷺ : فذكره. قلت: وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات
رجال الشيخين غير ابن إسحاق - وهو محمد بن إسحاق بن يسار صاحب السيرة - وهو
حسن الحديث إذا صرح بالتحديث، فقد فعل كما ترى، فثبت الحديث والحمد لله.
وقال الهيثمي (٤ / ١٤٠) : " رواه أحمد والبزار، وإسناد أحمد صحيح "!
ونقله عنه الشيخ الأعظمي في تعليقه على " الكشف " وأقره! وذلك مما يدل
стр. 3922
القارئ
على ضآلة علمه، وقلة معرفته بهذا الفن، وضيق باعه فيه، فإنه لم يبين سبب
التصحيح لسند أحمد دون سند البزار، ألا وهو التحديث وعدمه، وسكت عن
التصحيح، وإنما حقه التحسين كما فعلنا للخلاف المعروف في ابن إسحاق، وجل
تعليقاته من هذا النوع، لا تحقيق فيها ولا علم، وإنما هو مجرد النقل مما لا
يعجز عنه المبتدئون في هذا العلم كأمثاله من متعصبة الحنفية وغيرهم، ومع ذلك
لم يخجل بعضهم من السعي حثيثا لترشيحه لنيل جائزة السنة لهذه السنة (١٤٠٠) من
الدولة السعودية تعصبا منه له، وصدق من قال: " إن الطيور على أشكالها تقع "
! وإنما حظي بها الأعظمي الآخر، ولعلها وجدت محلها. ولله في خلقه شؤون.
ثم إن قوله ﷺ : " دعوه فإن لصاحب الحق مقالا ". قد جاء في
قصة أخرى مختصرا من حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما، وهو مخرج في "
أحاديث البيوع ". قوله: (الذخرة) : بمعنى الذخيرة، في " اللسان ": "
والذخيرة: واحدة الذخائر، وهي ما ادخر، وكذلك (الذخر) والجمع: أذخار "
. ولم يعرفها الأعظمي فعلق عليها بقوله: " كذا في الأصل مضبوطا بالقلم، وفي
" النهاية ": الذخيرة نوع من التمر معروف "! قلت: وهي مفسرة في رواية أحمد
بـ (العجوة) كما رأيت. (الموفون المطيبون) أي الذين يؤدون ما عليهم من
الحق بطيب نفس.
стр. 3923
(نهمه) أي زجره. ثم وجدت له طريقا أخرى، فقال البزار (١٣١٠) : حدثنا معمر بن سهل حدثنا خالد بن مخلد حدثنا يحيى بن عمير عن هشام به
، قال البزار نحوه. ثم قال: " لا نعلم أحدا رواه عن هشام إلا يحيى ". قلت:
قال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في " الثقات " (٧ / ٦٠١) وقال
الذهبي: " صدوق ". وهذا هو المعتمد، فقول الحافظ: " مقبول "، غير مقبول.
وقد روى عنه أربعة من الثقات. وسائر الرجال ثقات، فالإسناد جيد، والحديث
به صحيح.
٢٦٧٨ - " ألا عسى أحدكم أن يضرب امرأته ضرب الأمة! ألا خيركم خيركم لأهله ".
أخرجه البزار في " مسنده " (رقم ١٤٨٤ - كشف الأستار) قال: حدثنا زكريا بن
يحيى الضرير حدثنا شبابة بن سوار حدثنا المغيرة بن مسلم عن هشام بن عروة عن
أبيه عن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره، وقال
البزار: " لا نعلم أحدا قال فيه: " عن الزبير " إلا مغيرة، ولم نسمعه إلا
من زكريا عن شبابة عن مغيرة ". وقال الهيثمي في " المجمع " (٤ / ٣٠٣) : "
رواه البزار عن شيخه زكريا بن يحيى بن أيوب الضرير ولم أعرفه، وبقية رجاله
رجال (الصحيح) ".
стр. 3924
وأقره محقق " الكشف " حبيب الرحمن الأعظمي كما هي عادته
التي تدل الباحثين على أنه لا تحقيق عنده في هذا العلم إلا النقل، أما النقد
العلمي الحر فلا شيء عنده منه، كما يدل على ذلك تعليقاته على بعض الكتب،
وبخاصة منها " مصنف عبد الرزاق " ﵀، فإن الواقف عليها لا يستفيد منها
تصحيحا ولا تضعيفا، وهو الغاية من علم المصطلح ورجاله، والأمثلة على ذلك
كثيرة جدا جدا، وها هو واحد منها بين يديك، فماذا تستفيد أيها القاريء
الكريم مما نقله عن الهيثمي في هذا الحديث؟ الصحة، أم الضعف؟ لا شيء من ذلك
! ومع ذلك ففيما نقله مؤاخذتان: الأولى: إطلاق القول أن رجاله رجال " الصحيح
" ليس بصحيح، لأن المغيرة بن مسلم إنما أخرج له البخاري في " الأدب المفرد "،
ولم يخرج له في " الصحيح " لا هو ولا مسلم! إلا أنه ثقة، ولم يضعفه أحد.
والأخرى: أن زكريا بن يحيى الضرير شيخ البزار، قد ترجمه الخطيب البغدادي في
" التاريخ " (٨ / ٤٥٧) برواية خمسة من ثقات البغداديين، بعضهم من الحفاظ
المشهورين وهم: تمتام وابن صاعد والمحاملي، وفاته الحافظ البزار. وهو
وإن لم يذكر الخطيب فيه جرحا ولا تعديلا، فمثله مقبول الحديث عند العلماء كما
يعرف ذلك من سبر تخاريجهم وتصحيحهم للأحاديث، لاسيما وهو لم يرو منكرا،
فالشطر الأول من حديث الترجمة له شواهد كثيرة منها قوله ﷺ : "
يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد! فلعله يضاجعها في آخر يومه ". متفق عليه
. وهو مخرج في " الإرواء " (٧ / ٩٧ / ٢٠٣١) وفي معناه أحاديث أخرى راجعها
إن شئت في " المشكاة " (٣٢٤١ و ٣٢٦٠ و ٣٢٦١) .
стр. 3925
وأما الشطر الآخر منه فله
شواهد كثيرة من حديث عائشة وابن عباس وغيرهما، وقد سبق تخريجها برقم (٢٨٥) .
٢٦٧٩ - " من كن له ثلاث بنات يؤويهن ويرحمهن ويكفلهن وجبت له الجنة البتة. قيل: يا
رسول الله! فإن كانت اثنتين؟ قال: وإن كانت اثنتين. قال: فرأى بعض القوم
أن لو قالوا له: واحدة؟ لقال: واحدة ".
أخرجه الإمام أحمد (٣ / ٣٠٣) : حدثنا هشيم أنبأنا علي بن زيد عن محمد بن
المنكدر قال: حدثني جابر - يعني ابن عبد الله - قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: فذكره. قلت: وهذا إسناد حسن في المتابعات، ورجاله ثقات
رجال الشيخين غير علي بن زيد وهو ابن جدعان، وفيه ضعف من قبل حفظه، لكنه لم
يتفرد به كما يأتي. والحديث قال المنذري (٣ / ٨٤ - ٨٥) : " رواه أحمد
بإسناد جيد، والبزار، والطبراني في " الأوسط "، وزاد: (ويزوجهن) ".
وكذا قال الهيثمي (٨ / ١٥٧) إلا أنه زاد قوله: " من طرق ". وقد فاتهما
أبو يعلى، فقد أخرجه في " مسنده " (٢ / ٥٩١) : حدثنا أبو خيثمة: أخبرنا
يزيد بن هارون: أنبأنا سفيان بن حسين عن محمد بن المنكدر به. كذا وقع في
نسختنا منه لم يذكر ابن جدعان، وغالب الظن أنه سقط من الناسخ، فإن سفيان هذا
لم يذكروا له رواية عن محمد بن المنكدر، وإنما يروي عن
стр. 3926
ابن جدعان، وهذا عن
محمد كما تراه في " مسند أحمد "، وكما ذكروا في تراجم هؤلاء الثلاثة. ثم إن
في تجويد إسناد أحمد نظرا لما ذكرنا من حال ابن جدعان، إلا إذا كان المراد أنه
جيد لغيره فنعم، فإنه قد توبع عند البزار وغيره، فقال في " مسنده " (رقم
١٩٠٨) - " كشف الأستار ": حدثنا محمد بن كثير ابن بنت يزيد بن هارون حدثنا
سرور بن المغيرة أبو عامر الواسطي حدثنا سليمان التيمي عن محمد بن المنكدر عن
جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ ، وحدثنا عمرو بن علي: حدثنا
حاتم بن وردان حدثنا علي بن زيد عن محمد بن المنكدر عن جابر به. وقال البزار
: " لا نعلم رواه هكذا إلا سليمان وعلي بن يزيد، ولم نسمعه إلا من محمد عن
سرور ". قلت: وبالإسناد الأول أخرجه بحشل في " تاريخ واسط " (ص ٩٢) :
حدثنا محمد بن كثير بن نافع الثقفي ابن بنت يزيد بن هارون قال: حدثنا سرور بن
المغيرة به. أورده في ترجمة سرور هذا وكناه أبا عامر، لم يذكر فيه جرحا ولا
تعديلا، كعادته. وقال ابن سعد في " الطبقات " (٧ / ٣١٥) : " كان يروي
التفسير عن عباد بن منصور عن الحسن، وكان معروفا ". وذكر أنه ابن المغيرة
بن زاذان ابن أخي منصور بن زاذان، وكذلك ذكر ابن أبي حاتم في " الجرح
والتعديل " (٢ / ١ / ٣٢٥) وقال: " روى عن عباد بن منصور. روى عنه أبو سعيد
أحمد بن داود الحداد، سألت أبي عنه؟ فقال: شيخ ".
стр. 3927
وذكره ابن حبان في "
الثقات "، وقال (٨ / ٣٠١) : " روى عنه أبو سعيد الحداد الغرائب ". وقال
في مكان آخر (٦ / ٤٣٧) : " ... روى عنه الواسطيون ". ونقله عنه الحافظ في "
اللسان ". ومن الغريب، أنه لم يذكر في هذه الترجمة كل ما نقلته آنفا عن ابن
أبي حاتم ومن قبله! وأما محمد بن كثير ابن بنت يزيد بن هارون فلم أقف الآن
على ترجمة له فيما بين يدي من المصادر، وقد عرفت مما سبق أنه من شيوخ البزار
وبحشل، وقد روى هذا له أحاديث أخرى (ص ١٦٠ و ٢٠٥) ويبدو أنه ليس واسطيا،
فقد ترجم لجماعة كثيرة من شيوخه في آخر الكتاب (ص ٢١٨ - ٢٩٢) ، وليس هو فيهم
، فلعله بصري. والله أعلم. ثم رأيت في المكان الآخر من " الثقات ": " أصله
من البصرة، سكن واسط ". وبالجملة فهذه الطريق تقوي رواية ابن جدعان، لاسيما
وللحديث شواهد كثيرة تقدم ذكر جملة طيبة منها برقم (٢٩٤ و ٢٩٧) .
٢٦٨٠ - " ما من امرأة تقدم ثلاثا من الولد تحتسبهن إلا دخلت الجنة. فقالت امرأة منهن
: أو اثنان؟ قال: أو اثنان ".
أخرجه الإمام أحمد (٢ / ٢٤٦) : حدثنا سفيان حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه
عن أبي هريرة:
стр. 3928
جاء نسوة إلى رسول الله ﷺ فقلن: يا رسول
الله! ما نقدر عليك في مجلسك من الرجال، فواعدنا منك يوما نأتيك فيه. قال:
" موعدكن بيت فلان ". وأتاهن في ذلك اليوم، ولذلك الموعد. قال: فكان مما
قال لهن، يعني: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، و (سفيان)
هو ابن عيينة، وقد أخرجه في " صحيحه " (٨ / ٣٩) من طريق أخرى عن سهيل به
مختصرا، ولفظه: إن رسول الله ﷺ قال لنسوة من الأنصار: "
لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة ". فقالت امرأة منهن:
أو اثنين يا رسول الله؟ قال: " أو اثنين ". وهو رواية لأحمد (٢ / ٣٧٨) .
والحديث في " الصحيحين " من حديث أبي سعيد نحوه، وهو في كتابي " مختصر صحيح
البخاري " (٩٦ - كتاب / ٩ - باب) وقد مضى تحت الحديث (٢٣٠٢) . وفيه فوائد
كثيرة، أذكر بعضها: ١ - أن من مات له ولدان دخل الجنة وحجباه من النار،
وليس ذلك خاصا بالإناث آباء وأولادا، لأحاديث أخرى كثيرة تعم الجنسين، وتجد
جملة طيبة منها في " الترغيب والترهيب " (٣ / ٨٩ - ٩١) ويأتي بعد هذا أحدها
.
стр. 3929
٢ - فيه فضل نساء الصحابة وما كن عليه من الحرص على تعلم أمور الدين. ٣ -
وفيه جواز سؤال النساء عن أمر دينهن، وجواز كلامهن مع الرجال في ذلك، وفيما
لهن الحاجة إليه. ٤ - جواز الوعد، وقد ترجم البخاري للحديث بقوله: " هل
يجعل للنساء يوما على حدة في العلم؟ ". قلت: وأما ما شاع هنا في دمشق في
الآونة الأخيرة من ارتياد النساء للمساجد في أوقات معينة ليسمعن درسا من إحداهن
، ممن يتسمون بـ (الداعيات) زعمن، فذلك من الأمور المحدثة التي لم تكن في
عهد النبي ﷺ ولا في عهد السلف الصالح، وإنما المعهود أن
يتولى تعليمهن العلماء الصالحون في مكان خاص كما في هذا الحديث، أو في درس
الرجال حجزة عنهم في المسجد إذا أمكن، وإلا غلبهن الرجال، ولم يتمكن من
العلم والسؤال عنه. فإن وجد في النساء اليوم من أوتيت شيئا من العلم والفقه
السليم المستقى من الكتاب والسنة، فلا بأس من أن تعقد لهن مجلسا خاصا في
بيتها أو بيت إحداهن، ذلك خير لهن، كيف لا والنبي ﷺ قال في
صلاة الجماعة في المسجد: " وبيوتهن خير لهن "، فإذا كان الأمر هكذا في
الصلاة التي تضطر المرأة المسلمة أن تلتزم فيها من الأدب والحشمة ما لا تكثر
منه خارجها فكيف لا يكون العلم في البيوت أولى لهن، لاسيما وبعضهن ترفع صوتها
، وقد يشترك معها غيرها فيكون لهن دوي في المسجد قبيح ذميم. وهذا مما سمعناه
وشاهدناه مع الأسف. ثم رأيت هذه المحدثة قد تعدت إلى بعض البلاد الأخرى كعمان
مثلا. نسأل الله السلامة من كل بدعة محدثة.
стр. 3930
٢٦٨١ - " ١ - من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله الله
الجنة برحمته إياهم. ٢ - ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له
نورا يوم القيامة. ٣ - ومن رمى بسهم في سبيل الله بلغ به العدو أصاب
أو أخطأ كان له كعدل رقبة. ٤ - ومن أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها
عضوا منه من النار. ٥ - ومن أنفق زوجين في سبيل الله فإن للجنة ثمانية
أبواب يدخله الله من أي باب شاء منها الجنة ".
أخرجه الإمام أحمد (٤ / ٣٨٦) من طريق الفرج: حدثنا لقمان عن أبي أمامة عن
عمرو ابن عبسة السلمي قال: قلت له: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله
عليه وسلم ليس فيه انتقاص ولا وهم. قال: سمعته يقول: فذكره. قلت: وهذا
إسناد رجاله ثقات غير الفرج - وهو ابن فضالة الحمصي وقيل: الدمشقي - ضعيف،
وبعضهم مشاه في روايته عن الشاميين، وهذه منها، ولعله لذلك قال المنذري في
" الترغيب " (٣ / ٩١) : " رواه أحمد بإسناد حسن ". قلت: ومهما كان الأمر،
فحديثه هذا صحيح، لا يرتاب فيه باحث محقق، لأنه قد جاء مفرقا من طرق، ولابد
من البيان:
стр. 3931
١ - أما الفقرة الأولى والثانية والثالثة والرابعة، فقد رواها
عبد الحميد ابن بهرام: حدثنا شهر بن حوشب أخبرني أبو ظبية أن شرحبيل بن السمط
دعا عمرو ابن عبسة السلمي فقال: يا ابن عبسة! هل أنت محدثي حديثا سمعته أنت
من رسول الله ﷺ ليس فيه تزيد ولا كذب، ولا تحدثنيه عن آخر
سمعه منه غيرك؟ قال: نعم: سمعت النبي ﷺ يقول: فذكره مطولا
، وفيه هذه الفقرات. أخرجه أحمد، وعبد بن حميد في " المنتخب من المسند " (
ق ٤٦ / ٢) وإسناده حسن في الشواهد والمتابعات. وتابعه حريز بن عثمان:
حدثنا سليم بن عامر أن عمرو بن عبسة كان عند شرحبيل بن السمط فقال: يا عمرو..
الحديث. بالفقرة الثانية والثالثة والرابعة. أخرجه أحمد، وعبد بن حميد (
ق ٤٥ / ١) . وإسنادهما صحيح. وتابعه صفوان قال: حدثني سليم به. أخرجه
النسائي، وقد تقدم برقم (١٢٤٤) . وللفقرة الأولى والخامسة شاهد قوي من
حديث أبي ذر مرفوعا. أخرجه أحمد (٥ / ١٥١ و ١٥٣ و ١٥٩ و ١٦٤) والطبراني في
" الكبير " (١ / ٨٢ / ١ - ٢) من طريق الحسن: حدثني صعصعة بن معاوية عنه،
وزادا: " قلنا: ما هذان الزوجان؟ قال: إن كانت رحالا فرحلان، وإن كانت
خيلا ففرسان، وإن كانت إبلا فبعيران، حتى عد أصناف المال كله ". وإسناده
صحيح، وللنسائي منه (٢ / ٦٦) الفقرة الخامسة.
стр. 3932
ولهذه شاهد آخر من حديث أبي
هريرة عن النبي ﷺ قال: " من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه
خزنة الجنة، كل خزنة باب: أي فل! هلم ". أخرجه البخاري وغيره، وله عنده
ألفاظ، وهو في كتابي " مختصر البخاري " (كتاب الصوم / ٤ - باب) . وأخرج
البزار (١٧٠٩ - كشف) الفقرة الرابعة نحوها من حديث أنس بن مالك. (فائدة) :
قال الحافظ (٦ / ٣٦) : " وقوله: (زوجين) أي شيئين من أي نوع كان ينفق ".
قلت: ويؤيده زيادة للبخاري بلفظ: " من شيء من الأشياء "، ثم قال: "
والزوج يطلق على الواحد وعلى الاثنين، وهو هنا على الواحد جزما. وقوله: (
كل خزنة باب) كأنه من المقلوب، لأن المراد: خزنة كل باب. قال المهلب: في
هذا الحديث أن الجهاد أفضل الأعمال، لأن المجاهد يعطى أجر المصلي والصائم
والمتصدق، وإن لم يفعل ذلك، لأن باب الريان للصائمين، وقد ذكر في هذا
الحديث أن المجاهد يدعى من تلك الأبواب كلها بإنفاق قليل من المال في سبيل الله
. انتهى. وما جرى فيه على ظاهر الحديث يرده ما قدمته في " الصيام " من زيادة
في الحديث لأحمد حيث قال فيه: " لكل أهل عمل باب يدعون بذلك العمل "، وهذا
يدل على أن المراد بـ (سبيل الله) ما هو أعم من الجهاد وغيره من الأعمال
الصالحة ".
стр. 3933
قلت: وأما (سبيل الله) في آية مصارف الزكاة * (إنما الصدقات) *
، فهي في الجهاد وفي الحج والعمرة، ولبيان هذا مجال آخر.
٢٦٨٢ - " يا عمرو! إن الله قد أحسن كل شيء خلقه. يا عمرو! - وضرب رسول الله
ﷺ بأربع أصابع من كفه اليمنى تحت ركبة عمرو فقال: - هذا موضع
الإزار، ثم رفعها، [ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع الأولى ثم قال: يا عمرو
! هذا موضع الإزار] ، ثم رفعها، ثم وضعها تحت الثانية، فقال: يا عمرو! هذا
موضع الإزار ".
أخرجه أحمد (٤ / ٢٠٠) : حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الوليد بن سليمان أن
القاسم بن عبد الرحمن حدثهم عن عمرو بن فلان الأنصاري قال: بينا هو يمشي
قد أسبل إزاره، إذ لحقه رسول الله ﷺ ، وقد أخذ بناصية نفسه
، وهو يقول: " اللهم عبدك ابن عبدك ابن أمتك ". قال عمرو: فقلت: يا رسول
الله! إني رجل حمش الساقين. فقال: فذكره. وأخرجه الطبراني في " المعجم
الكبير " (٨ / ٢٧٧ / ٧٩٠٩) . قلت: وهذا إسناد حسن رجاله ثقات، وفي القاسم
بن عبد الرحمن - وهو صاحب أبي أمامة - كلام لا يضر، ولهذا قال الهيثمي في "
مجمع الزوائد " (٥ / ١٤١) : " رواه أحمد، ورجاله ثقات ". قلت: وله شاهد
من حديث أبي أمامة قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ لحقنا
عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة،
стр. 3934
إزار ورداء، قد أسبل، فجعل رسول الله صلى
الله عليه وسلم يأخذ بناحية ثوبه، ويتواضع لله، ويقول: " اللهم عبدك وابن
عبدك وابن أمتك ". حتى سمعها عمرو بن زرارة.. الحديث نحوه، وزاد: " يا
عمرو بن زرارة إن الله لا يحب المسبل ". قال الهيثمي: " رواه الطبراني
بأسانيد، ورجال أحدها ثقات ". وللزيادة شاهد في " شعب الإيمان " (٢ / ٢٢٢
/ ٢) وآخر سيأتي أول المجلد التاسع برقم (٤٠٠٤) وله شاهد ثالث يرويه عمرو
بن الشريد يحدث عن أبيه: " أن النبي ﷺ تبع رجلا من ثقيف حتى
هرول في أثره، حتى أخذ بثوبه فقال: " ارفع إزارك ". فكشف الرجل عن ركبتيه.
فقال: يا رسول الله! إني أحنف، وتصطك ركبتاي، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: " كل خلق الله حسن ". قال: ولم ير ذلك الرجل إلا وإزاره
إلى أنصاف ساقيه حتى مات ". قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد مضى
برقم (١٤٤١) . ويشهد لبعضه حديث حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: " موضع الإزار إلى أنصاف الساقين والعضلة، فإن أبيت فأسفل، فإن أبيت
فمن وراء الساق، ولا حق للكعبين في الإزار ". أخرجه النسائي (٢ / ٢٩٩) من
طريق الأعمش، والسياق له، والترمذي
стр. 3935
(١ / ٣٢٩) وابن ماجه (٣٥٧٢) من
طريق أبي الأحوص، وابن حبان (١٤٤٧) وأحمد (٥ / ٣٨٢ و ٤٠٠ - ٤٠١) عن
سفيان عن أبي إسحاق عن مسلم بن نذير عن حذيفة به. وتابعهما زيد بن أبي أنيسة
عند ابن حبان (١٤٤٨) وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح، رواه الثوري وشعبة
عن أبي إسحاق ". قلت: كأنه يشير بروايتهما الحديث عنه أنه سالم من الإعلال
باختلاط أبي إسحاق - وهو عمرو بن عبد الله السبيعي - فإنهما رويا عنه قبل
اختلاطه كما صرحوا بذلك، وفي حفظي عن الحافظ أن الأعمش كذلك، فإنه أقدم
منهما، مات سنة (١٤٨) ومات شعبة سنة (١٦٠) وسفيان بعده بسنة، بل هو من
شيوخهما، وقد أخرج له مسلم عن السبيعي كما في " تهذيب المزي ". بقي أن أبا
إسحاق قد رمي بالتدليس أيضا، وقد عنعنه، والجواب من وجهين: الأول: أن
شعبة لا يروي عنه ما لم يصرح بسماعه فيه. والآخر: أنه قد صرح فعلا بذلك،
فقال أحمد (٥ / ٣٩٦) : حدثنا عفان حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت مسلم
بن نذير به. وكذلك أخرجه الطيالسي في " مسنده " (٤٤٥) : حدثنا شعبة به إلا
أنه وقع فيه " مسلم بن قريش "، ولعله خطأ مطبعي. (تنبيه) : ما بين
المعقوفتين من حديث الترجمة سقط من " المسند " وهي زيادة يقتضيها السياق،
وبدونها لا يظهر المراد من قوله: " ثم وضعها تحت الثانية " كما لا يخفى، وقد
استدركتها من " مجمع الزوائد " و " جامع المسانيد " لابن كثير (١٠ / ٩٠) .
стр. 3936
واعلم أن الأحاديث في موضع الإزار استحبابا وإباحة وتحريما كثيرة، وبعضها في
" الصحيحين "، وقد خرج الكثير الطيب منها الحافظ المنذري في " الترغيب
والترهيب "، وليس هذا منها، ومن الغريب أنه لم يذكره الشيخ أحمد عبد الرحمن
البنا في هذا الباب من كتاب اللباس من " الفتح الرباني " (١٧ / ٢٣٤) ولا
أدري إذا كان قد ذكره في مكان آخر منه، والوقت لا يتسع للتحقق من ذلك، ولكن
إن كان أورده فكان عليه أن ينبه على ذلك وأن يرشد إليه، تسهيلا للمراجعة على
الباحث. ثم أخبرني أحد إخواني أنه أخرجه (١٧ / ٢٩٤) . وإنما آثرت تخريجه
لأمرين: الأول: أن فيه تحديدا عمليا بديعا لموضع الإزار المشروع وغير
المشروع، لم أره في غيره من الأحاديث. والآخر: أن فيه بيانا واضحا أن
التفاوت الذي يرى في الناس بياضا وسوادا، وطولا وقصرا، وبدانة ونحولة،
وهذا أشعر، وذاك أجرد، وهذا ألحى (عظيم اللحية) وذاك كوسج! أو زلهب (١) ، وغير ذلك من الفوارق الخلقية أن كل ذلك من خلق الله حسن، فلا ينبغي
للمسلم أن يحاول تغيير خلق الله ، وإلا استحق اللعن كما في حديث "
النامصات والمتنمصات، والواشمات والمستوشمات، والفالجات المغيرات لخلق
الله للحسن ". متفق عليه، ويأتي تخريجه بإذن الله رقم (٢٧٩٢) . وكأن
النبي ﷺ أراد تسلية عمرو الأنصاري الذي أطال إزاره ليغطي حمش
ساقيه بقوله ﷺ : " إن الله قد أحسن كل شيء خلقه ". وهذا مما
يحمل المسلم
стр. 3937
على الرضا بقدر الله وقضائه في خلقه مهما بدا لبعض الناس ممن ضعف
إيمانهم وتكاثف جهلهم أنه غير حسن! وهذا في الواقع مما يعطي قوة للرأي
القائل بأن المرأة إذا نبت لها لحية أنه لا يجوز لها أن تحلقها أو تنتفها، لأن
الله قد أحسن كل شيء خلقه. ولا شك أنها حين تنتفها إنما تفعل ذلك للحسن
والتجمل كما تفعل الواصلة لشعرها، فتستحق بذلك لعنة الله، والعياذ بالله
تعالى. وأما بالنسبة للإزار، فالأحاديث صريحة في تحريم جره خيلاء، وأما
بدونها فقد اختلفوا، فمنهم من حرمه أيضا، وهو الذي يدل عليه تدرجه صلى الله
عليه وسلم مع عمرو في بيان مواضع الإزار استحبابا وجوازا، ثم انتهاؤه به إلى
ما فوق الكعبين، وقوله له: " هذا موضع الإزار "، فإنه ظاهر أنه لا جواز بعد
ذلك، وإلا لم يفد التدرج مع القول المذكور شيئا كما لا يخفى. ويؤيده قوله
ﷺ " ما أسفل من الكعبين في النار ". رواه البخاري عن ابن عمر
. ويزيده قوة قوله ﷺ في حديث حذيفة المتقدم " ... ولا حق
للكعبين في الإزار ". قال أبو الحسن السندي في تعليقه عليه: " والظاهر أن
هذا هو التحديد، وإن لم يكن هناك خيلاء. نعم إذا انضم إلى الخيلاء اشتد
الأمر، وبدونه الأمر أخف ". قلت: نعم، ولكن مع التحريم أيضا لما سبق.
ويقويه أن النبي ﷺ لما أذن للنساء أن يرخين ذيولهن ثم أذن لهن
أن يزدن شبرا (١) لكي لا تنكشف أقدامهن بريح أو غيرها، لم يأذن لهن أن يزدن
على ذلك، إذ لا فائدة من وراء ذلك فالرجال أولى بالمنع من الزيادة. استفدت
هذا من الحافظ ابن حجر ﵀ في " الفتح ".
стр. 3938
وجملة القول: إن إطالة الثوب
إلى ما تحت الكعبين لا يجوز للرجال، فإذا اقترن مع ذلك قصد الخيلاء اشتد الإثم
، فمن مصائب الشباب المسلم اليوم إطالته سرواله (البنطلون) إلى ما تحت
الكعبين، لاسيما ما كان منه من جنس (الشرلستون) ! فإنه مع هذه الآفة التي
فيه، فهو عريض جدا عند الكعبين، وضيق جدا عند الفخذين والأليتين، مما يصف
العورة ويجسمها، وتراهم يقفون بين يدي الله يصلون وهم شبه عراة! فإنا لله
وإنا إليه راجعون. ومن العجيب أن بعضهم ممن هو على شيء من الثقافة الإسلامية
يحاول أن يستدل على جواز الإطالة المذكورة بقول أبي بكر لما سمع النبي صلى الله
عليه وسلم يقول: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ": يا رسول
الله! إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: " لست ممن يصنعه خيلاء ". أخرجه البخاري وغيره كأحمد، وزاد في
رواية: " يسترخي أحيانا "، وكذلك رواه البيهقي في " شعب الإيمان " (٢ / ٢٢١
/ ٢) . قلت: فالحديث صريح في أن أبا بكر ﵁ لم يكن يطيل ثوبه، بل
فيه أنه كان يسترخي بغير قصد منه، وأنه كان مع ذلك يتعاهده، فيسترخي على
الرغم من ذلك أحيانا. قال الحافظ (١٠ / ٢١٧) عقب رواية أحمد: " فكأن شده
كان ينحل إذا تحرك بمشي أو غيره بغير اختياره، فإذا كان محافظا عليه لا يسترخي
، لأنه كلما كاد يسترخي شده ". ثم ذكر أن في بعض الروايات أنه كان نحيفا. قلت
: فهل يجوز الاستدلال بهذا والفرق ظاهر كالشمس بين ما كان يقع من أبي بكر بغير
قصد، وبين من يجعل ثوبه مسبلا دائما قصدا! نسأل الله العصمة من الهوى.
стр. 3939
وإنما تكلمت عن إطالة البنطلون والسروال، لطرو هذه الشبهة على بعض الشباب،
وأما إطالة بعض المشايخ أذيال جببهم خاصة في مصر، وإطالة الأمراء في بعض
البلاد العربية لأعبئتهم فأمر ظاهر نكارته. نسأل الله السلامة والهداية.
كتبت هذا لعل فيمن طرأت عليه الشبهة السابقة كان مخلصا، فحينما تتجلى له
الحقيقة يبادر إلى الانتهاء عن تلك الآفة كما انتهى ذلك الشاب الذي كان عليه
حلة صنعانية يجرها سبلا. فقال له ابن عمر ﵁: يا فتى هلم! قال:
ما حاجتك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ويحك أتحب أن ينظر الله إليك يوم القيامة؟
قال: سبحان الله! وما يمنعني أن لا أحب ذلك؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: " لا ينظر الله ... ". فلم ير ذلك الشاب إلا مشمرا حتى مات.
رواه البيهقي بسند صحيح، ورواه أحمد (٢ / ٦٥) من طريق أخرى عن ابن عمر نحوه
دون قوله: " فلم ير.... ".
٢٦٨٣ - " سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب
المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن
فإنهن ملعونات، لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمهن نساؤكم كما خدمكم نساء
الأمم قبلكم ".
أخرجه أحمد (٢ / ٢٢٣) والمخلص في " بعض الجزء الخامس من الفوائد والغرائب
المنتقاة " (ق ٢٦٤ / ١) والسياق له، وابن حبان في " صحيحه " (١٤٥٤ -
موارد) والطبراني في " الصغير " (٢٣٢ - هند) و " الأوسط "
стр. 3940
(رقم ٩٤٨٥ -
ترقيمي) مختصرا من طريق أبي عبد الرحمن المقري - عبد الله بن يزيد -: حدثنا
عبد الله بن عياش بن عباس: حدثنا أبي عياش بن عباس قال: سمعت عيسى بن هلال
الصدفي وأبا عبد الرحمن الحبلي يقولان: سمعنا عبد الله بن عمرو بن العاص
يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره. وقال الطبراني: "
لا يروى عن عبد الله بن عمرو إلا بهذا الإسناد ". وتابعه عبد الله بن وهب:
أخبرني عبد الله بن عياش القتباني به نحوه، ولم يذكر في إسناده أبا عبد
الرحمن الحبلي، وقال: " يركبون على المياثر حتى يأتوا أبواب مساجدهم ".
رواه الحاكم (٤ / ٤٣٦) وقال: " صحيح على شرط الشيخين ". ورده الذهبي
بقوله: " قلت: عبد الله وإن كان قد احتج به مسلم، فقد ضعفه أبو داود
والنسائي، وقال أبو حاتم: هو قريب من ابن لهيعة ". قلت: قد روى عنه الليث
بن سعد الإمام، وهو من أقرانه، وذكره ابن حبان في " الثقات "، فهو مع هذا
واحتجاج مسلم به وسط حسن الحديث، وغلا فيه الشيخ أحمد شاكر فقال في تعليقه
على هذا الحديث من " المسند " (٧٠٨٣) : " إسناده صحيح "! وأشار الحافظ
المنذري في " الترغيب " (٣ / ١٠١) إلى تقويته بتصديره إياه بصيغة (عن)
ووقع عنده أن الحاكم قال: " صحيح على شرط مسلم "، وينبغي أن يكون هذا هو أصل
" المستدرك " و " تلخيصه " لأنه لو كان كما سبق نقله: " على شرط الشيخين " لم
يقل الذهبي في رده إياه ما سبق، ولقال: " وإن كان قد
стр. 3941
احتج به الشيخان ... "
، فقوله: " ... مسلم ... " دليل على أن الذي في نسخته من " المستدرك ": "
صحيح على شرط مسلم "، وعلى هذا فما في المطبوعة من " المستدرك " خطأ من
الناسخ أو الطابع. (تنبيه هام) : وقعت هذه اللفظة (الرحال) في " فوائد
المخلص " بالحاء المهملة خلافا لـ " المسند " و " الموارد " وغيرهما، فإنها
بلفظ (الرجال) بالجيم، وعلى ذلك شرحه الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا في "
الفتح الرباني " (١٧ / ٣٠١) ، فقال: " معناه: أنهم رجال في الحس لا في
المعنى، إذ الرجال الكوامل حسا ومعنى لا يتركون نساءهم يلبسن ثيابا لا تستر
أجسامهن ". ولم ينتبه للإشكال الذي تنبه له الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى
إذ قال في تعليقه على الحديث في " المسند " (١٢ / ٣٨) : " وقوله: " سيكون
في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرجال " إلخ مشكل المعنى قليلا،
فتشبيه الرجال بالرجال فيه بعد، وتوجيه متكلف، ورواية الحاكم ليس فيها هذا
التشبيه، بل لفظه: " سيكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر حتى
يأتوا أبواب مساجدهم، نساؤهم كاسيات عاريات " إلخ.. وهو واضح المعنى مستقيمه
، ورواية الطبراني - كما حكاها الهيثمي في " الزوائد " -: " سيكون في أمتي
رجال يركبون نساؤهم على سروج كأشباه الرجال ". ولفظ " يركبون " غيره طابع "
مجمع الزوائد " - جرأة منه وجهلا - فجعلها " يركب "، والظاهر عندي أن صحتها
" يركبون نساءهم ". وعلى كل حال فالمراد من الحديث واضح بين، وقد تحقق في
عصرنا هذا، بل قبله وجود هاته النسوة الكاسيات الملعونات ".
стр. 3942
قلت: لو أن
الشيخ ﵀ اطلع على رواية (الرحال) بالحاء المهملة، لساعدته على
الإطاحة بالإشكال، وفهم الجملة فهما صحيحا، دون أي توجيه أو تكلف، وهذه
الرواية هي الراجحة عندي للأسباب الآتية: أولا: ثبوتها في " الفوائد "
ونسختها جيدة. ثانيا: أنها وقعت كذلك بالحاء المهملة في نسخة مخطوطة من كتاب
" الترغيب والترهيب " للحافظ المنذري محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق في
مجلد ضخم فيه خرم، وهي وإن كانت نسخة مؤلفة من نسخ أو خطوط متنوعة، فإن
الجزء الذي فيه هذا الحديث من نسخة جيدة مضبوطة متقنة، ومما يدلك على ذلك أنه
كتب تحت الحاء من هذه الكلمة حرف حاء صغير هكذا (الرحال) ، إشارة إلى أنه حرف
مهمل كما هي عادة الكتاب المتقنين قديما فيما قد يشكل من الأحرف، وكذلك فعل
في الصفحة التي قبل صفحة هذا الحديث، فإنه وقع فيها اسم (زحر) فكتب تحتها (
ح) هكذا (زحر) . ثالثا: أن رواية الحاكم المتقدمة بلفظ: " يركبون على
المياثر.. " تؤكد ما رجحنا، لأن (المياثر) جمع (ميثرة) و (الميثرة)
بالكسر قال ابن الأثير: " مفعلة من الوثارة، يقال: وثر وثارة فهو وثير، أي
وطيء لين، تعمل من حرير أو ديباج، يجعلها الراكب تحته على الرحال فوق الجمال
". فإذا عرفت هذا، فرواية الحاكم مفسرة للرواية الأولى، وبالجمع بينهما
يكون المعنى أن السروج التي يركبونها تكون وطيئة لينة، وأنها (أعني السروج)
هي كأشباه الرحال، أي من حيث سعتها. وعليه فجملة " كأشباه الرحال " ليست في
محل صفة لـ (رجال) كما شرحه
стр. 3943
البنا وغيره، وإنما هي صفة لـ (سروج) .
وذلك يعني أن هذه السروج التي يركبها أولئك الرجال في آخر الزمان ليست سروجا
حقيقية توضع على ظهور الخيل، وإنما هي أشباه الرحال. وأنت إذا تذكرت أن (
الرحال) جمع رحل، وأن تفسيره كما في " المصباح المنير " وغيره: " كل شيء
يعد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير " إذا علمت هذا يتبين لك بإذن الله أن
النبي ﷺ يشير بذلك إلى هذه المركوبة التي ابتكرت في هذا العصر
، ألا وهي السيارات، فإنها وثيرة وطيئة لينة كأشباه الرحال، ويؤيد ذلك أنه
ﷺ سماها (بيوتا) في حديث آخر تقدم برقم (٩٣) ، لكن تبين
فيما بعد أن فيه انقطاعا. وإذا ففي الحديث معجزة علمية غيبية أخرى غير
المتعلقة بالنساء الكاسيات العاريات، ألا وهي المتعلقة برجالهن الذين يركبون
السيارات ينزلون على أبواب المساجد. ولعمر الله إنها لنبوءة صادقة نشاهدها كل
يوم جمعة حينما تتجمع السيارات أمام المساجد حتى ليكاد الطريق على رحبه يضيق
بها، ينزل منها رجال ليحضروا صلاة الجمعة، وجمهورهم لا يصلون الصلوات الخمس
، أو على الأقل لا يصلونها في المساجد، فكأنهم قنعوا من الصلوات بصلاة الجمعة
، ولذلك يتكاثرون يوم الجمعة وينزلون بسياراتهم أمام المساجد فلا تظهر ثمرة
الصلاة عليهم، وفي معاملتهم لأزواجهم وبناتهم، فهم بحق " نساؤهم كاسيات
عاريات "! وثمة ظاهرة أخرى ينطبق عليها الحديث تمام الانطباق، ألا وهي التي
نراها في تشييع الجنائز على السيارات في الآونة الأخيرة من هذا العصر. يركبها
أقوام لا خلاق لهم من الموسرين المترفين التاركين للصلاة، حتى إذا وقفت
السيارة التي تحمل الجنازة وأدخلت المسجد للصلاة عليها، مكث أولئك المترفون
أمام المسجد في
стр. 3944
سياراتهم، وقد ينزل عنها بعضهم ينتظرون الجنازة ليتابعوا
تشييعها إلى قبرها (١) نفاقا اجتماعيا ومداهنة، وليس تعبدا وتذكرا للآخرة،
والله المستعان. هذا هو الوجه في تأويل هذا الحديث عندي، فإن أصبت فمن الله
، وإن أخطأت فمن نفسي، والله تعالى هو المسؤول أن يغفر لي خطئي وعمدي،
وكل ذلك عندي. (تنبيه آخر) : تناقضت الآراء في مرتبة هذا الحديث كنتيجة
لاختلاف أقوال الحفاظ في راويه (عبد الله بن عياش بن عباس) . أما المرتبة،
فقد صححه الحاكم والشيخ أحمد شاكر، خلافا للذهبي كما رأيت، وتبعه المعلق
على " الإحسان " (١٣ / ٦٤ - ٦٥) ، وبناء على ذلك ضعفه في طبعته من " الموارد
" (١ / ٦٦٨ - ٦٦٩) بخلاف الداراني المعلق على طبعته من " الموارد " (٤ / ٤٤٨
- ٤٤٩) ، فإنه حسن إسناده. وهذا هو الذي جريت عليه في تخريجاتي في عديد من
كتبي وتعليقاتي منذ عشرات السنين، فانظر مثلا الحديث المتقدم برقم (٨٩٦)
وفي " تخريج مشكلة الفقر " برقم (١٠٢) والتعليق على " تحذير الساجد " (ص ٧)
. وأما المعلق على " الإحسان " فكان متناقضا في ذلك أشد التناقض، فبينا نراه
هنا ضعف حديثه هذا إذا به يحسن له ثانيا (١٢ / ٣٨٠) ويصحح له ثالثا (٣ / ٥٠
) ويقول في رابع (١ / ٢٩٨) : " وإسناده حسن في الشواهد "، وفي خامس (٨ /
٢٤٦) : " حديث صحيح "، يعني لغيره، ولم يحسن إسناده! ومثل
стр. 3945
هذا التناقض
الثلاثي في إسناد راو واحد من تضعيف إلى تحسين إلى تصحيح، لا يقع عادة إلا من
معلق غير متمكن في هذا العلم، حديث عهد به، أو أن ذلك من أكثر من شخص تداولوا
التعليق على " الإحسان "، مختلفي السوية في هذا العلم والتحقيق فيه، وهذا
هو الذي يغلب على الظن، وكان من آثار ذلك أن تظهر هذه الأحكام المتناقضة في
طبعة " الموارد " في أحاديثه، فانظر مثلا الأحاديث المرقمة بـ (٩٦ و ٤٧٢
و٨٨٠ و ٢٥٥١) ومن الغرائب أن حديث الرقم (٤٧٢) راويه عن (عياش) كان اختلط
، ولذلك جعلته من حصة كتابي " ضعيف الموارد " وهو وقسيمه " صحيح الموارد "
تحت الطبع، يسر الله نشرهما قريبا إن شاء الله تعالى. وأما الاختلاف في
الراوي، فحسبك ما ذكره الذهبي في تعقيبه، ومنها قول أبي حاتم، وتمامه: "
ليس بالمتين، صدوق يكتب حديثه، وهو قريب من ابن لهيعة ". وذكره ابن حبان
في " الثقات " (٧ / ٥١ و ٨ / ٣٣٤) . ومن ذلك قول الذهبي المتقدم: " احتج به
مسلم " وكذا في " سيره " (٧ / ٣٣٤) ، فخالفه الحافظ فقال في " التقريب ": "
صدوق يغلط، أخرج له مسلم في الشواهد ". وقال في " التهذيب " متعقبا المزي
الذي أطلق العزو لمسلم: " قلت: حديث مسلم في الشواهد لا في الأصول ". قلت:
والحديث الذي يشير إليه حديث عقبة بن عامر في النذر: " لتمش ولتركب ". وهو
مخرج في " الإرواء " (٨ / ٢١٩) من رواية الشيخين عن يزيد بن أبي حبيب بسنده
عنه. وقد تابع عبد الله بن عياش سعيد بن أبي أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عند
البخاري (١٨٦٦) ، ولكن هل هذا مما
стр. 3946
يسوغ القول بأن مسلما روى له في الشواهد،
والمتابعة هذه ليست عنده؟ في ذلك عندي وقفة. ومن ذلك أن الذهبي قال عقب
قوله المتقدم في " السير ": " قلت: حديثه في عداد الحسن ". وهذا الذي
فهمناه أو استنبطناه من تلك الأقوال المختلفة، وقد وافق الذهبي الحاكم على
تصحيح بعض أحاديثه، منها الحديث الذي سبق قريبا عزوه لـ " تخريج المشكلة " (١٠٢) .
٢٦٨٤ - " طوق من نار يوم القيامة. قاله لمن رأى عليه جبة مجيبة بحرير ".
أخرجه البزار (ص ١٧٢ - زوائد البزار) والطبراني في " الأوسط " (رقم ٨١٦٦ -
مصورتي) من طريقين عن إسماعيل بن عياش: حدثنا الأزهر بن راشد: حدثنا سليم بن
عامر عن جبير بن نفير عن معاذ بن جبل قال: رأى النبي ﷺ
جبة مجيبة بحرير فقال: فذكره. وقال الطبراني: " لا يروى عن معاذ إلا بهذا
الإسناد، تفرد به إسماعيل بن عياش ". قلت: وهو ثقة في روايته عن الشاميين،
وهذه منها، فإن الأزهر بن راشد هذا هو الهوزني أبو الوليد الشامي، قال
الذهبي: " من شيوخ حريز بن عثمان، يروي عن عصمة بن قيس، وله صحبة، ما علمت
به بأسا ". قلت: ويشير الذهبي إلى قول أبي داود: " شيوخ حريز ثقات ".
стр. 3947
وذكره ابن حبان في " الثقات " (٣ / ١١) وقال ابن حجر في " التقريب ": " صدوق
". قلت: وسائر رجاله ثقات، فالإسناد صحيح. واقتصر المنذري على قوله (٣ /
١٠٣) : " رواه البزار والطبراني في " الأوسط "، ورواته ثقات ". وتبعه
الهيثمي (٥ / ١٤٢) كغالب عادته. وقوله: (مجيبة) بضم الميم وفتح الجيم
بعدهما مثناة من تحت مفتوحة مشددة ثم باء موحدة، أي: لها جيب من حرير وهو
المطوق. قاله المنذري. قلت: ولعل الحرير الذي رآه ﷺ على
الجيب كان أكثر من أربع أصابع، لأن ما دونها مستثنى من التحريم لحديث عمر رضي
الله عنه قال: " نهى نبي الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع
إصبعين أو ثلاث أو أربع [وأشار بكفه] ". أخرجه مسلم (٦ / ١٤١) والنسائي
(٢ / ٢٩٨) وابن حبان (٥٤١٧) وأحمد (١ / ٥) ، والزيادة له من طريق سويد
بن غفلة عنه. وأخرجه ابن حبان (٥٤٠٠) مختصرا، وكذا أبو يعلى (١ / ٦٤)
من طريق أبي عثمان النهدي عنه. وأصله في " الصحيحين "، وراجع إن شئت شرحه
في " فتح الباري " (١٠ / ١٤١ - ١٤٢) .
٢٦٨٥ - " كنا نسميها شباعة (يعني: زمزم) وكنا نجدها نعم العون على العيال ".
أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (٥ / ١١٧) وعنه الطبراني في " الكبير "
стр. 3948
(٣
/ ٩٠ / ٢) عن الثوري عن ابن خثيم أو عن العلاء - شك أبو بكر - عن أبي الطفيل
عن ابن عباس قال: سمعته يقول: فذكره. قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات
رجال مسلم، لولا الشك في شيخ الثوري، هل هو ابن خثيم - واسمه عبد الله بن
عثمان المكي، وهو صدوق من رجال الإمام مسلم - أم هو العلاء؟ فنظرنا فوجدنا
الأزرقي قد أخرجه في " أخبار مكة " (ص ٣٩١) من طريق أخرى فقال: حدثني محمد
بن يحيى عن سليم بن مسلم عن سفيان الثوري عن العلاء بن أبي العباس عن أبي
الطفيل به. فهذا يرجح أن الشيخ هو العلاء بن أبي العباس، وهو ثقة ثقة كما
قال ابن معين فيما رواه ابن أبي حاتم (٣ / ١ / ٣٥٦) ، لكن سليم بن مسلم -
وهو الخشاب - متروك الحديث كما قال النسائي. وقال أحمد: " لا يساوي حديثه
شيئا ". قلت: فمثله مما لا يرجح به، فيبقى الشك على حاله، ولكنه لا يلقي
على الإسناد ضعفا، لأن الشك دار بين ثقتين، غاية ما في الأمر أنه يحول بيننا
وبين إطلاق القول بأن رجاله رجال " الصحيح "، ولذلك قال الهيثمي (٣ / ٢٨٦)
: " رواه الطبراني في " الكبير "، ورجاله ثقات ". فإن هذا يصدق سواء كان
الشيخ هو ابن خثيم، أو العلاء، وقال المنذري في " الترغيب " (٢ / ١٣٣) : "
رواه الطبراني في " الكبير "، وهو موقوف صحيح الإسناد ". (فائدة) أبو بكر
الذي شك في إسناد الحديث هو عبد الرزاق نفسه صاحب " المصنف ". وغالبه من
رواية أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم الدبري عنه، وذلك أني رأيت بعض كتبه من
رواية غير الدبري عنه، فمثلا كتاب " أهل الكتاب " هو
стр. 3949
من رواية محمد بن علي
النجار عنه، وهو في المجلد السادس (١ - ١٣٢) وكذلك كتاب " البيوع
والشهادات " من رواية النجار عنه في المجلد الثامن (١ - ٣٦٨) ، كما وجدت فيه
كتاب " أهل الكتابين " من رواية محمد بن يوسف الحذاقي عنه، وهو في المجلد
العاشر (٣١١ - ٣٧٨) ، وقد يكون هناك كتب أخرى ليست من رواية الدبري، ولقد
كان من المفروض أن يوضح ذلك وغيره محققه الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في مقدمته
التي وعد بنشرها، ولما يفعل، فقد نشر الكتاب بتمامه، ولم نجد لها أثرا في
شيء من مجلداته، ولعله يفعل، ثم توفي ﵀ فلعله فعل.
٢٦٨٦ - " من قال إذا أصبح: " رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا "، فأنا
الزعيم لآخذن بيده حتى أدخله الجنة ".
أورده المنذري في " الترغيب " (١ / ٢٢٩) من حديث المنيذر صاحب رسول الله
ﷺ ، وكان يكون بـ (أفريقية) قال: سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: فذكره. وقال: " رواه الطبراني بإسناد حسن ". وكذا قال
الهيثمي في " المجمع " (١٠ / ١١٦) . فتعقبه الحافظ ابن حجر فيما علقه عليه،
فقال: " قلت: فيه رشدين، وهو ضعيف ". قلت: وكنت اتبعته على هذا في "
التعليق الرغيب "، وعليه أوردته في " ضعيف الترغيب "، ثم تبين لي أن رشدين
لم يتفرد به، فإنه رواه عن حيي بن
стр. 3950
عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن
المنيذر به. فقال الحافظ في ترجمة المنيذر من " الإصابة ": " وصله الطبراني
إلى رشدين. وتابعه ابن وهب عن حيي، لكنه لم يسمه، قال: عن رجل من أصحاب
النبي ﷺ ، وأخرجه ابن منده ". قلت: ولا يخفى أن الصحابة
كلهم عدول، فعدم تسمية ابن وهب إياه لا يضر، فبهذه المتابعة ثبت الحديث
والحمد لله. ثم إن الحديث عند الطبراني في " المعجم الكبير " (٢٠ / ٣٥٥ / ٨٣٨
) بسند صحيح عن رشدين به. وكذلك رواه ابن قانع في " معجم الصحابة " من طريق
أخرى عنه، لكنه لم يذكر فيه " إذا أصبح ". وهي ثابتة في رواية الطبراني،
وكذا في رواية ابن وهب كما يدل عليه صنيع الحافظ في " الإصابة "، وزاد أنه قال
: " وأخرجه ابن منده ". ولهذه الزيادة شاهد من حديث رجل من أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم مرفوعا بلفظ آخر، وزيادة أخرى، وفي إسناده اضطراب وجهالة،
ولذلك أخرجته في الكتاب الآخر برقم (٥٠٢٠) ، وفيه زيادة أخرى: " ثلاث مرات
". ولأصل الحديث شاهد جيد من رواية أبي سعيد الخدري مرفوعا نحوه، وقد مضى
برقم (٣٣٤) دون ذكر الصباح والمساء. ثم رأيت الحديث في " المعرفة " لأبي
نعيم (٢ / ١٨٨ / ٢) من طريق الطبراني. ثم علقه على ابن وهب.
٢٦٨٧ - " توفي رسول الله ﷺ وإن نمرة من صوف تنسج له ".
أخرجه البيهقي في " فصل فيمن اختار التواضع في اللباس " من " الأربعون من شعب
الإيمان وهو باب الملابس والزي وما يكره منها " من كتاب " الشعب "
стр. 3951
(٢ / ٢٢٧
/ ١) من طرق عن محمد بن يعقوب الأصم: حدثنا بحر (الأصل: (يحيى) وهو خطأ
من الناسخ) ابن نصر الخولاني: حدثنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن
حبيب عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر قال: فذكره. قلت: وهذا
إسناد جيد، فإن رجاله كلهم ثقات معروفون بالضبط والحفظ غير ابن لهيعة، فإن
فيه ضعفا من قبل حفظه، لكنهم قووا حديث العبادلة عنه ومنهم عبد الله بن وهب
هذا، وكأن ذلك لأنهم سمعوا منه قبل أن تحترق كتبه، ويسوء حفظه وتحديثه.
ولقد كان الباعث على تحرير هذا أنني رأيت الحافظ المنذري قد أشار إلى تضعيف هذا
الحديث في " الترغيب " (٣ / ١٠٨) بتصديره إياه بقوله: (روي) ، وعهدي به
أنه يصدر أحاديث ابن لهيعة بقوله (عن) المشعر بالقوة حتى ولو كان من غير
رواية العبادلة، والأمثلة على ذلك كثيرة وإليك بعضها في كتابي " ضعيف
الترغيب والترهيب " مشيرا إليها بأرقامها فيه: (١٤٩ و ١٨٦ و ٢١٨ و ٢٢٠) بل
رأيته صرح بتحسين بعض أحاديثه منها الحديث (٣٦٩) . وله شاهد من رواية زمعة
بن صالح عن أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ قال: " توفي رسول الله صلى
الله عليه وسلم وله جبة صوف (وفي رواية: حلة من أنمار من صوف أسود) في
الحياكة ". أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٦ / ٢١٩ / ٥٩١٩ / ٢٩٢٠) من
طريقين عنه. قلت: وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد، قال الهيثمي (٥
/ ١٣١) : " رواه الطبراني، وفيه زمعة بن صالح، وهو ضعيف، وقد وثق،
وبقية رجاله ثقات ".
стр. 3952
٢٦٨٨ - " المرأة عورة وإنها إذا خرجت استشرفها الشيطان، وإنها لا تكون أقرب إلى
الله منها في قعر بيتها ".
أخرجه الطبراني في " الأوسط " في ترجمة إبراهيم بن هاشم البغوي (رقم ٣٠٣٦ -
مصورتي) : حدثنا إبراهيم: أنبأنا عاصم بن النضر أنبأنا معتمر بن سليمان عن
أبيه عن قتادة عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير
شيخه البغوي، وقد وثقه الدارقطني، مات سنة (٢٩٧) كما في " تاريخ بغداد "
للخطيب البغدادي. وللحديث شاهد قوي من حديث ابن مسعود مخرج في " إرواء الغليل
" (١ / ٣٠٣ / ٢٧٣) . والحديث قال المنذري في " الترغيب ": " رواه الطبراني
في " الأوسط "، ورجاله رجال (الصحيح) ". قلت: إلا الشيخ البغوي كما ذكرنا
. وهو من الأحاديث التي فاتت الحافظ الهيثمي، فلم يورده في " مجمع البحرين "
، ولا في " مجمع الزوائد " كما نبهت عليه في تعليقي على الحديث في " صحيح
الترغيب والترهيب " (١ / ١٣٦) وقد تم طبع المجلد الأول، وسيكون في
التداول قريبا إن شاء الله تعالى. ثم نشر، والآن الثاني تحت الطبع كما سبق
التنبيه عليه (ص ٣٨٤) . (فائدة) : يطيب لبعض المتشددين على المرأة أن
يستدلوا بهذا الحديث على أن وجه المرأة عورة على الأجانب، ولا دليل فيه البتة
، لأن المعنى كما قال ابن الأثير في " النهاية ":
стр. 3953
" جعلها نفسها عورة، لأنها
إذا ظهرت يستحيا منها كما يستحيا من العورة إذا ظهرت ". ويؤكد هذا المعنى
تمام الحديث: " وإذا خرجت استشرفها الشيطان ". قال الشيخ علي القاري في "
المرقاة " (٣ / ٤١١) : " أي زينها في نظر الرجال. وقيل أي نظر إليها
ليغويها، ويغوي بها ". وأصل (الاستشراف) أن تضع يدك على حاجبك وتنظر،
كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء وأصله من الشرف: العلو، كأنه ينظر
إليه من موضع مرتفع فيكون أكثر لإدراكه. " نهاية ". وإن مما لا شك فيه أن
الاستشراف المذكور يشمل المرأة ولو كانت ساترة لوجهها، فهي عورة على كل حال
عند خروجها، فلا علاقة للحديث بكون وجه المرأة عورة بالمعنى الفقهي، فتأمل
منصفا. وجمهور العلماء على أنه ليس بعورة، وبيان ذلك في كتابي " جلباب
المرأة المسلمة "، وقد طبع حديثا بهذا الاسم " جلباب ... " بديل " حجاب ... "
سابقا لنكتة ذكرتها في المقدمة. وقد رددت فيه على المتشددين بما فيه الكفاية
، وأحلت من شاء التفصيل على كتابي المفرد في الرد بإسهاب وتفصيل، تتبعت فيه
شبهاتهم، وأنها قائمة على أدلة واهية رواية ودراية، واجتماعيا، وسميته
اسما يلخص لك مضمونه: " الرد المفحم على من خالف العلماء وتشدد وتعصب وألزم
المرأة أن تستر وجهها وكفيها وأوجب ولم يقنع بقولهم إنه سنة ومستحب ". يسر
الله لي تبيضه ونشره بفضله وكرمه.
стр. 3954
٢٦٨٩ - " نهي أن يشرب من كسر القدح ".
أخرجه الطبراني في " المعجم الأوسط " (رقم - ٦٩٧٦ - مصورتي) من طريق موسى بن
إسماعيل أبي سلمة التبوذكي: أخبرنا عبد الله بن المبارك عن معمر عن جعفر بن
برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال: فذكره على البناء للمجهول، لم
يذكر فيه النبي ﷺ ، وقال: " لم يروه عن جعفر بن برقان،
ولا عن معمر إلا ابن المبارك، تفرد به موسى بن إسماعيل ". قلت: كلا، بل
تابعه عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن المبارك به. أخرجه أبو نعيم في "
الحلية " (٩ / ٣٨) . وهذا حديث صحيح، إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم،
وقال الهيثمي (٥ / ٧٨) : " رواه الطبراني في " الأوسط "، ورجاله ثقات رجال
الصحيح ". ثم قال: " وعن ابن عباس وابن عمر قالا: يكره أن يشرب من ثلمة
القدح، وأذن القدح. رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح ". قلت: في
إسناده (١١ / ٦٤ / ١١٠٥٥) نعيم بن حماد، ضعيف، وإنما أخرج له البخاري فقط
مقرونا. وتقدم له شاهد من حديث أبي سعيد الخدري برقم (٣٨٨) مرفوعا بلفظ: "
ثلمة القدح "، وهذا الحديث مفسر له، قال ابن الأثير: " أي موضع الكسر منه،
وإنما نهى عنه لأنه لا يتماسك فم الشارب عليها، وربما انصب الماء على ثوبه
ويديه. وقيل: لأن موضعها لا يناله التنظيف التام إذا
стр. 3955
غسل الإناء، وقد جاء
في لفظ الحديث أنه مقعد الشيطان، ولعله أراد به عدم النظافة ". قلت: ولعل
هذا المعنى الأخير أولى، لأن المعنى الأول إنما يظهر إذا كانت الثلمة كبيرة،
وحينئذ ففيه تحديد لمعنى (الثلمة) فيه، وهو غير مناسب لإطلاقها بخلاف
المعنى الآخر، فإن الإطلاق المذكور يناسبه، فقد ثبت الآن مجهريا أن الثلمة -
صغيرة كانت أم كبيرة - مجمع الجراثيم والمكروبات الضارة، وأن غسل الإناء
الغسل المعتاد لا يطهرها، بل إنه قد يزيد فيها، فنهى الشارع الحكيم عن الشرب
منها خشية أن يتسرب معه بعضها إلى جوف الشارب فيتأذى بها. فالنهي طبي دقيق.
والله أعلم. وأما اللفظ الذي ذكره ابن الأثير: " مقعد الشيطان "، فلم أقف
عليه إلا بلفظ: " فإن الشيطان يشرب من ذلك "، وهو مخرج في " الضعيفة " (٦٥٤) .
٢٦٩٠ - " من جهز غازيا في سبيل الله فله مثل أجره، ومن خلف غازيا في أهله بخير، أو
أنفق على أهله فله مثل أجره ".
أخرجه الطبراني في ترجمة محمود بن محمد المروزي من " الأوسط " رقم (٨٠٤٧) :
حدثنا محمود أخبرنا وهب أنبأنا خالد عن عبد الرحمن بن إسحاق عن موسى بن عقبة عن
محمد بن زيد عن بشر بن سعيد عن زيد بن ثابت عن النبي ﷺ
قال: فذكره، وقال: " لم يروه عن محمد بن زيد إلا عبد الرحمن بن إسحاق ".
قلت: وهو العامري القرشي مولاهم، وهو مختلف فيه، وقد أخرج له مسلم
والبخاري تعليقا، لكن قال الحاكم:
стр. 3956
" إنما أخرجا له في الشواهد ". ذكره في "
التهذيب " ولم يتعقبه بشيء. وهو على كل حال حسن الحديث. وقال الحافظ في "
التقريب ": " صدوق ". وذكره الذهبي في " الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب رد
حديثهم ". وسائر الرجال ثقات رجال مسلم غير محمود هذا، وله ترجمة حسنة في "
تاريخ بغداد " (١٣ / ٩٤) مات سنة (٢٩٧) . وقال المنذري في " الترغيب " (٢
/ ١٥٨) وتبعه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٥ / ٢٨٣) : " رواه الطبراني في
" الأوسط "، ورجاله رجال (الصحيح) ". وله شاهد من حديث خالد بن زيد
الجهني مرفوعا مثله. أخرجه ابن حبان (١٦١٩) وأحمد (٤ / ١١٤ - ١١٥ و ١١٦)
بسند صحيح، وابن ماجه (٢ / ١٧٢ - ١٧٣) باختصار قوله: " أو أنفق.. ".
٢٦٩١ - " كلوا جميعا ولا تتفرقوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي
الأربعة ".
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (رقم - ٧٥٩٧ / ٢ - من مصورتي وترقيمي) : حدثنا
محمد بن أبان حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد الواسطي حدثنا يزيد بن
стр. 3957
هارون
حدثنا بحر السقاء عن عمرو بن دينار عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله
ﷺ : فذكره، وقال: " لم يروه عن عمرو بن دينار إلا بحر
السقاء، تفرد به يزيد بن هارون ". قلت: وهو ثقة من رجال الشيخين، وكذلك
من فوقه غير بحر السقاء، وهو ضعيف كما في " التقريب ". لكن عبد الله بن محمد
بن خلاد الواسطي لم أجد من ترجمه، غير أن أسلم الواسطي المعروف بـ (بحشل) قد
روى عنه عدة أحاديث في كتابه " تاريخ واسط " (ص ٧٢ و ١١٩ و ٢١٣) وكناه بأبي
أمية، وروى عنه في مكان آخر (ص ١٥٢) بواسطة عبد الله بن أبي داود السجستاني
: قال: حدثني عبد الله بن محمد ابن خلاد أبو أمية.. فذكر أثرا. ولم يذكر
فيه جرحا ولا تعديلا كما هي عادته، فهو مجهول العدالة. ثم رأيته في " ثقات
ابن حبان " (٨ / ٣٨٦) . ثم إن ما ذكره الطبراني أن بحر السقاء تفرد به عن
عمرو بن دينار منقوض بما أخرجه هو في " المعجم الكبير " (٣ / ١٩٤ / ٢ / ١)
قال: حدثنا الحسن بن علي الفسوي حدثنا سعيد بن سليمان: أخبرنا أبو الربيع
السمان عن عمرو بن دينار به بتقديم وتأخير، ولفظه: " طعام الاثنين يكفي
الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية، فاجتمعوا عليه ولا تتفرقوا عنه ".
نعم أبو الربيع السمان - واسمه أشعث بن سعيد البصري - ضعيف مثل بحر السقاء أو
أشد، لكن الحديث في نفسه ثابت، فإن الجملة الأولى قد رويت في أحاديث تقدم
بعضها برقم (٦٦٤ و ٨٩٥) وسائره في " صحيح مسلم " وغيره من حديث جابر. وقد
مضى تخريجه تحت الحديث (١٦٨٦) .
стр. 3958
ثم وجدت للحديث شاهدا من حديث عمر، أخرجه
ابن ماجه (٣٢٥٥) والبزار في " مسنده " (١١٨٥ - كشف الأستار) من طريق سعيد
بن زيد عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه عن عمر مرفوعا به، وزاد: " وطعام
الأربعة يكفي الخمسة والستة، وإن البركة في الجماعة ". وقال البزار: " لا
نعلمه عن عمر إلا من هذا الوجه، تفرد به عمرو بن دينار، وهو لين، وأحاديثه
لا يشاركه فيها أحد ". قلت: عمرو بن دينار هذا غير عمرو بن دينار المتقدم،
ذاك مكي وهو ثقة، وهذا بصري، وهو المعروف بـ (قهرمان آل الزبير) وهو
ضعيف كما في " التقريب "، ولذلك قال البزار: " وهو لين ". فلا أدري بعد
هذا كيف قال المنذري في " ترغيبه " (٢ / ١٤٢) : " رواه البزار بإسناد جيد "!
فلعله اختلط عليه الأمر، فظن أن عمرو بن دينار هذا هو المكي الثقة، وليس
البصري الضعيف. فقد جرى على هذا السنن في مكان آخر، وأفصح عن الوهم، فقال (
٣ / ٣٠٦) : " رواه البزار، ورجاله رجال (الصحيح) "! والبصري ليس من رجال
" الصحيح "، فهو يعني إذن المكي، فإنه من رجال الشيخين! نعم الحديث قوي
بمجموع طرقه فهو حسن على الأقل. والله أعلم.
стр. 3959
٢٦٩٢ - " إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما
يتناثر ورق الشجر ".
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (رقم - ٢٤٣ - مصورتي) : حدثنا أحمد بن رشدين
قال: أخبرنا يحيى بن بكير قال: أخبرنا موسى بن ربيعة عن موسى بن سويد الجمحي
عن الوليد بن أبي الوليد عن يعقوب الحرقي عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: فذكره. وقال: " لم يرو هذا الحديث عن الوليد بن أبي
الوليد إلا موسى بن ربيعة ". قلت: وهو ثقة كما قال أبو زرعة كما في " الجرح
والتعديل " (٤ / ١ / ١٤٢ - ١٤٣) ، لكن شيخه موسى بن سويد الجمحي لم أجد من
ترجمه، وظاهر كلام الهيثمي الذي كنت نقلته عنه تحت هذا الحديث (٥٢٦) حين
خرجته نقلا عنه وعن المنذري أنه ثقة، لأنه قال: " رواه الطبراني في " الأوسط
"، ويعقوب بن محمد بن الطحلاء روى عنه غير واحد، ولم يضعفه أحد، وبقية
رجاله ثقات ". قلت: فآخر كلامه هذا يشمل بعمومه موسى بن سويد الجمحي، فلعله
في " ثقات ابن حبان "، أو أنه وقع في اسمه شيء من التحريف ضيع علينا شخصيته.
والله أعلم. هذا، وقد كنت استغربت هناك قول الهيثمي في يعقوب هذا أنه روى
عنه غير واحد لسبب ذكرته ثمة فراجعه إن شئت، فتبين لي الآن حين وقفت على إسناد
الحديث في " الأوسط " أن الاستغراب كان في محله وأن الهيثمي لا يحمل مسؤوليته
. وإنما ناشر كتابه السيد القدسي، فإنه لجهله بهذا الفن، وجرأته
стр. 3960
على تصحيح
الكلام بغير علم، غير كلام الهيثمي الذي نصه: " يعقوب حد العلاء " كما ذكر
ذلك في الحاشية، فجعله هو: " يعقوب بن محمد بن الطحلاء "، فجاء الاستغراب
المشار إليه والصواب: ما كان في الأصل: " يعقوب حد العلاء "، وهو كلام
ظاهر، أشكل على مصححه المذكور لفظ (حد) ، ولا إشكال فإنه (جد) بالجيم،
إلا أنه كثيرا ما يهملون الحرف ولا ينقطونه فلم يعرفه فذهب يبحث في كتب الرجال
، فوجد فيهم: " يعقوب بن محمد بن الطحلاء " فأنزله محل الذي كان في الأصل "
يعقوب جد العلاء "، هكذا اعتباطا، دون حجة أو بينة! ويعقوب جد العلاء، قد
ترجمه في " التهذيب " بقوله: " يعقوب المدني مولى الحرقة جد العلاء بن عبد
الرحمن بن يعقوب. روى عن عمر وحذيفة. وعنه ابنه عبد الرحمن والوليد بن أبي
الوليد "، ولم يذكر فيه توثيقا، وعموم كلام الهيثمي المتقدم يدل أيضا على
أنه ثقة، فلعله في " ثقات ابن حبان ". فليراجع. ومع أن الجمحي المتقدم غير
معروف عندنا فقد خالفه في إسناده عبد الله بن لهيعة فقال: عن الوليد بن أبي
الوليد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أنه سمع حذيفة ابن اليمان ... فذكره.
وابن لهيعة صحيح الحديث إذا رواه عنه أحد العبادلة، وهذا كذلك، فإنه من
رواية ابن وهب عنه كما كنت خرجته هناك فلا داعي للإعادة. وإنما أعدت تخريجه
هنا من الطريق الأولى لتحقيق القول في إسناده بعد أن يسر الله ﵎
الوقوف عليه، وبذلك تكشفت لنا حقائق كانت خافية عنا كما بينت آنفا. فلله
الحمد والمنة.