وفي رواية لمسلم من طريق
معتمر قال: سمعت أبي: حدثنا قتادة عن أنس بلفظ: " إن الكافر إذا عمل حسنة
أطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة،
ويعقبه رزقا في الدنيا على طاعته ". ولقد تقدم حديث الترجمة في المجلد الأول
برقم (٥٣) مختصرا عما هنا تخريجا، وهناك قاعدة ينبغي الرجوع إليها.
٢٧٧١ - " * (علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو) * ولكن أخبركم بمشاريطها، وما
يكون بين يديها: إن بين يديها فتنة وهرجا. قالوا: يا رسول الله! الفتنة قد
عرفناها فالهرج ما هو؟ قال: بلسان الحبشة: القتل، ويلقى بين الناس التناكر
فلا يكاد أحد أن يعرف أحدا ".
أخرجه أحمد (٥ / ٣٨٩) عن حذيفة قال: سئل رسول الله ﷺ
عن الساعة؟ فقال: فذكره. قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم، وقال الهيثمي
في " مجمع الزوائد " (٧ / ٣٠٩) : " رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح ". ثم
ذكر له شاهدا (٧ / ٣٢٤) من رواية الطبراني، أي في " الكبير "، وقال: "
وفيه راو لم يسم ".
стр. 4167
٢٧٧٢ - " لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن ويكثر الكذب وتتقارب الأسواق ويتقارب
الزمان ويكثر الهرج. قيل: وما الهرج؟ قال: القتل ".
أخرجه أحمد (٢ / ٥١٩) عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال
الشيخين غير سعيد بن سمعان هذا، وهو ثقة كما قال الهيثمي في " المجمع " (٧ /
٣٢٧) والحافظ في " التقريب ".
٢٧٧٣ - " لا تقوم الساعة حتى يمطر الناس مطرا عاما، ولا تنبت الأرض شيئا ".
أخرجه أحمد (٣ / ١٤٠) وأبو يعلى (٣ / ١٠٧٢) والبخاري في " التاريخ " (٤
/ ١ / ٣٦٢) تعليقا من طريق حسين بن واقد: حدثني معاذ بن حرملة الأزدي قال:
سمعت أنسا يقول: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قلت:
وإسناده حسن في المتابعات والشواهد، رجاله ثقات رجال مسلم غير معاذ هذا، وقد
ذكره ابن حبان في " الثقات " (٥ / ٤٢٣) ولم يذكر هو وغيره راويا عنه غير
حسين بن واقد. لكنه قد توبع، فرواه حماد عن ثابت عن أنس قال: كنا نتحدث أنه
لا تقوم الساعة حتى تمطر السماء ولا تنبت الأرض..
стр. 4168
الحديث ذكره حماد هكذا،
وقد ذكر حماد أيضا عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ لا يشك، وقد
قال أيضا عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ فيما أحسب. أخرجه أحمد (
٣ / ٢٨٦) وأبو يعلى (٣ / ٨٩٣) . وإسناده صحيح على شرط مسلم، ولا يضره
شكه في رفعه، لأنه في حكم المرفوع كما هو ظاهر، ولاسيما وقد رفعه في الطريق
الأولى. والله تعالى أعلم.
٢٧٧٤ - " أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى
صارت جلدة واحدة، فجلد جلدة واحدة، فامتلأ قبره عليه نارا، فلما ارتفع عنه
وأفاق قال: على ما جلدتموني؟ قالوا: إنك صليت صلاة واحدة بغير طهور، ومررت
على مظلوم فلم تنصره ".
أخرجه الطحاوي في " مشكل الآثار " (٤ / ٢٣١) : حدثنا فهد بن سليمان قال:
حدثنا عمرو بن عون الواسطي قال: حدثنا جعفر بن سليمان عن عاصم عن شقيق عن
ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد
جيد رجاله كلهم ثقات من رجال " التهذيب " غير فهد هذا، وهو ثقة ثبت كما قال
ابن يونس في " الغرباء " كما في " رجال معاني الآثار " (٨٥ / ١) ، وعاصم هو
ابن أبي النجود وهو ابن بهدلة، قال الحافظ: " صدوق له أوهام، حجة في
القراءة، وحديثه في الصحيحين ". والحديث أورده المنذري في " الترغيب " (٣
/ ١٤٨) برواية أبي الشيخ ابن حيان في " كتاب التوبيخ "، وأشار إلى تضعيفه!
ففاته هذا المصدر العزيز بالسند الجيد. وليس الحديث في الجزء المطبوع من "
كتاب التوبيخ ".
стр. 4169
وللحديث شاهد من حديث ابن عمر نحوه مختصرا ليس فيه دعاء
المضروب، وإسناده ضعيف كما هو مبين في الكتاب الآخر (٢١٨٨) . من فقه الحديث
: قال الطحاوي عقبه: " فيه ما قد دل أن تارك الصلاة لم يكن بذلك كافرا، لأنه
لو كان كافرا لكان دعاؤه باطلا لقول الله تعالى: * (وما دعاء الكافرين إلا في
ضلال) * ". ونقله عنه ابن عبد البر في " التمهيد " (٤ / ٢٣٩) وأقره، بل
وأيده بتأويل الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة على أن معناها: " من ترك
الصلاة جاحدا لها معاندا مستكبرا غير مقر بفرضها. وألزم من قال بكفره بها
وقبلها على ظاهرها فيهم أن يكفر القاتل والشاتم للمسلم، وأن يكفر الزاني و..
و.. إلى غير ذلك مما جاء في الأحاديث لا يخرج بها العلماء المؤمن من الإسلام،
وإن كان بفعل ذلك فاسقا عندهم، فغير نكير أن تكون الآثار في تارك الصلاة كذلك
". قلت: وهذا هو الحق، وانظر الحديث الآتي (٣٠٥٤) فإنه نص قاطع.
٢٧٧٥ - " كان يعوذ بهذه الكلمات: " [اللهم رب الناس] أذهب الباس، واشف وأنت
الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما ". فلما ثقل في مرضه الذي مات
فيه أخذت بيده فجعلت أمسحه [بها] وأقولها، فنزع يده من يدي، وقال:
стр. 4170
"
اللهم اغفر لي وألحقني بالرفيق الأعلى ". قالت: فكان هذا آخر ما سمعت من
كلامه ﷺ ".
أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه " (٨ / ١ / ٤٥ - ٤٦) قال: حدثنا أبو
معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة قالت: ... قلت: وهذا إسناد
صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجاه كما يأتي. وأخرجه مسلم (٧ / ١٥) وابن
ماجه (١٦١٩) من طريق ابن أبي شيبة. وتابعه عند مسلم أبو كريب. وتابعهما
الإمام أحمد (٦ / ٤٥) : حدثنا أبو معاوية به، والزيادة الثانية له، ومسلم
هو ابن صبيح أبو الضحى. وتابعه سفيان عن الأعمش دون قوله: فلما ثقل بلفظ: "
كان يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول " فذكره، وفيه الزيادة الأولى
أخرجه البخاري (٥٧٤٣ و ٥٧٥٠) ومسلم، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (١٠١٠) وأحمد (٦ / ٤٤ و ١٢٧) وقال في رواية: ".. ثم قال: أذهب البأس..
الحديث ". وشعبة عن الأعمش به. أخرجه مسلم والطيالسي (١٤٠٤) وأحمد (٦ /
٤٥ و ١٢٦) . وتابعه جرير عنه مثل رواية سفيان الثانية عند أحمد. أخرجه مسلم
. وتابعه هشيم أيضا عنه.
стр. 4171
أخرجه مسلم، وأبو يعلى في " مسنده " (٣ / ١١٠٠)
وعنه ابن السني في " عمل اليوم " (٥٤٥) به نحوه. وتابع الأعمش منصور عن
أبي الضحى بلفظ: " كان إذا أتى المريض يدعو له قال:.. " فذكره. أخرجه مسلم
والنسائي (١٠١١) وابن ماجه (٣٥٢٠) . وتابع أبا الضحى إبراهيم عن مسروق
بلفظ: " كان إذا أتى مريضا أو أتي به إليه قال:.. " فذكره. أخرجه البخاري (٥٦٧٥) ومسلم والنسائي (١٠١٢ - ١٠١٤) وأحمد (٦ / ١٠٩ و ٢٧٨) وأبو يعلى
(١١٧٨) . وله طريق أخرى من رواية هشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن عائشة:
" أن رسول الله ﷺ كان يرقي.. " فذكر الدعاء. أخرجه البخاري
(٥٧٤٤) ومسلم أيضا، والنسائي (١٠١٩ و ١٠٢٠) وأحمد (٦ / ٥٠) وعبد بن
حميد في " مسنده " (ق ١٩٣ / ١) . قلت: وفي الحديث مشروعية ترقية المريض
بهذا الدعاء الشريف، وذلك من العمل بقوله ﷺ : " من استطاع
منكم أن ينفع أخاه فليفعل ". رواه مسلم، وقد مضى تخريجه برقم (٤٧٣) وقد
ترجم له البخاري بقوله: " باب رقية النبي ﷺ "، وقال الحافظ
في " الفتح " (١٠ / ٢٠٧) : " ويؤخذ من هذا الحديث أن الإضافة في الترجمة
للفاعل، وقد ورد ما يدل على أنها للمفعول، وذلك فيما أخرجه مسلم [٧ / ١٣]
عن أبي سعيد الخدري أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد!
اشتكيت؟ قال: نعم. قال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من كل نفس أو عين
حاسد، الله يشفيك ".
стр. 4172
(تنبيه) : قوله في الحديث: " يعوذ " أي: غيره،
وإليه أشار البخاري في ترجمته، وشرحه الحافظ. وهكذا وقع في كل المصادر التي
سبق ذكرها ومنها " مصنف ابن أبي شيبة " الذي من طريقه تلقاه ابن ماجه كما تقدم
، لكن وقع فيه بلفظ: " يتعوذ "، أي هو ﷺ ، فاختلف المعنى،
والصواب المحفوظ الأول، ويبدو أنه خطأ قديم، فإنه كذلك وقع في كل نسخ ابن
ماجه التي وقفت عليها، مثل طبعة إحياء السنة - الهندية، والطبعة التازية،
وعبد الباقي، والأعظمي، ولعل ذلك من بعض رواة كتاب ابن ماجه، أو من بعض
النساخ. والله أعلم. ووقعت هذه اللفظة في " رياض الصالحين " في النسخ
المطبوعة التي وقفت عليها، منها طبعة المكتب الإسلامي التي حققت وبينت مراتب
أحاديثها (رقم ٩٠٦) بلفظ " يعود " من عيادة المريض، وكذلك وقع في متن وشرح
ابن علان (٣ / ٣٨١) المسمى بـ " دليل الفالحين "، فتنبه ولا تكن من
الغافلين.
٢٧٧٦ - " ما من مسلم تدرك له ابنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما إلا أدخلتاه
الجنة ".
أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (ص ١٤) وابن ماجه (٢ / ٣٩١) والحاكم (
٤ / ١٧٨) وأحمد (رقم ٢١٠٤ و ٣٤٢٤) وابن حبان (٢٠٤٣) والضياء في "
المختارة " (٦١ / ٢٦٦ / ٢ - ٢٦٧ / ١) من طريق شرحبيل بن سعد عن ابن عباس
مرفوعا به. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". وتعقبه الذهبي بقوله: " قلت:
شرحبيل واه ". وهو كما قال الذهبي ﵀، فإن شرحبيل هذا تكلم فيه من
وجهين: الاتهام، والاختلاط. ففي " الميزان ":
стр. 4173
" عن ابن أبي ذئب قال: كان
شرحبيل بن سعد متهما، وقال ابن معين: ضعيف، وعن مالك: ليس بثقة، وعن
سفيان قال: لم يكن أحد أعلم بالبدريين منه، أصابته حاجة وكانوا يخافون إذا
جاء إلى الرجل يطلب منه الشيء فلم يعطه أن يقول: " لم يشهد أبوك بدرا "!
وقال أبو زرعة: فيه لين، وقال ابن سعد: بقي حتى اختلط واحتاج، ليس يحتج به
، وقال النسائي والدارقطني: ضعيف. زاد الثاني: يعتبر به، وذكره ابن حبان
في " ثقاته "، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه أنكار، وهو إلى الضعف أقرب ".
وأورده ابن البرقي في " باب من كان الأغلب عليه الضعف " كما في " تهذيب
التهذيب ". فاعجب بعد هذا لقول الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على المسند بعد
أن ساق قول سفيان المتقدم: " فهذا هو السبب عندي في تضعيف من ضعفه فالإنصاف أن
تعتبر رواياته فيما يتعلق بمثل هذا الذي اتهم به، وأما أن ترد رواياته كلها
فلا، إذا كان صدوقا "! وبناء على ذلك صرح بأن إسناد حديثه هذا صحيح! ولا
يخفى على اللبيب أن ما ذهب إليه من السبب إنما هي دعوى لا دليل عليها، ثم لو
صحت، لكان هناك السبب الآخر لا يزال قائما ومانعا من الاحتجاج بحديثه ألا
وهو الاختلاط، وكأنه لذلك وقعت في أحاديثه النكارة كما أشار إلى ذلك ابن عدي،
وتصحيح حديثه ورواياته لازمه رد أقوال أولئك الأئمة الجارحين بسبب بين،
وذاك لا يجوز كما تقرر في مصطلح الحديث. إذا علمت هذا فلا تغتر بقول المنذري في
" الترغيب " (٣ / ٨٣) : " رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، وابن حبان في صحيحه
من رواية شرحبيل عنه ". ولهذا قال الحافظ الناجي في " عجالة الإملاء " (ق
١٦٩ / ٢) في رده عليه: " اغتر بابن حبان والحاكم في تصحيح سنده، وفيه
شرحبيل بن سعد المدني
стр. 4174
أبي سعد المدني، وهو صدوق اختلط بأخرة، وفيه كلام
معروف، وقد ذكره المصنف في الرواة المختلف فيهم آخر هذا الكتاب وجرحه،
وذكر أن ابن حبان ذكره في " الثقات "، وأخرج له في صحيحه " غير ما حديث،
ولعل هذا هو الذي غره ". فالحق أن الرجل ضعيف لا يحتج به، ولعله ممن يستشهد
به. وأنا أرى أن حديثه هذا ليس بالمنكر، بل هو جيد لأن له شواهد كثيرة تقدم
ذكر بعضها في المجلد الأول (٢٩٤ - ٢٩٧) ، أقربها حديث مسلم " من عال جاريتين
حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو، وضم أصابعه "، ومضى برقم (٢٩٧)
ولفظه عند البخاري في " الأدب المفرد " (٨٩٤) : ".. أنا وهو في الجنة كهاتين
".
٢٧٧٧ - " إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثا من الموالي [من دمشق] هم أكرم العرب فرسا
وأجوده سلاحا، يؤيد الله بهم الدين ".
أخرجه ابن ماجه (٤٠٩٠) والحاكم (٤ / ٥٤٨) وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (
١ / ٢٥٨ - ٢٦٠) من طريق عثمان بن أبي عاتكة: حدثنا سليمان بن حبيب المحاربي
عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
فذكره. وقال الحاكم: " صحيح على شرط البخاري ". قلت: ووافقه الذهبي، لكن
وقع في " تلخيصه " (م) يعني على شرط مسلم! والأول أقرب إلى الصواب، لأن
مسلما لم يخرج لعثمان هذا، والبخاري إنما أخرج له في " الأدب المفرد ". ثم
إن إسناده غير قابل للصحة، وأما الحسن فمحتمل لأنه - أعني عثمان -
стр. 4175
مختلف فيه
كما قال البوصيري في " الزوائد " (٢٧٤ / ٢ - مصورة المكتب) وحسن إسناده!
وقال الذهبي في " الضعفاء ": " صويلح، ضعفه النسائي وغيره ". وفي " الكاشف
": " ضعفه النسائي، ووثقه غيره ". وقال الحافظ في " التقريب ": " ضعفوه
في روايته عن علي بن يزيد الألهاني ". قلت: فهو حسن الحديث في غير روايته عن
الألهاني. والله أعلم.
٢٧٧٨ - " هلاك أمتي في الكتاب واللبن. قالوا: يا رسول الله ما الكتاب واللبن؟ قال
: يتعلمون القرآن فيتأولونه على غير ما أنزل الله ، ويحبون اللبن
فيدعون الجماعات والجمع، ويبدون ".
أخرجه الإمام أحمد (٤ / ١٥٥) : حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا ابن لهيعة عن أبي
قبيل قال: لم أسمع من عقبة بن عامر إلا هذا الحديث، قال ابن لهيعة: وحدثنيه
يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول
الله ﷺ يقول: فذكره. وأخرجه ابن عبد الحكم في " فتوح مصر "
(٢٩٣) : حدثناه المقرىء وأبو الأسود النضر بن عبد الجبار عن ابن لهيعة عن
أبي قبيل وحده. قلت: وهذا الحديث من أحاديث ابن لهيعة الصحيحة، لأنه من
رواية أبي عبد الرحمن عنه، واسمه عبد الله بن يزيد المقرىء المكي، وهو ثقة
من رجال
стр. 4176
الشيخين ومن كبار شيوخ البخاري، وقد ذكروا أنه من العبادلة الذين
رووا عن ابن لهيعة قبل احتراق كتبه وأنه صحيح الحديث فيما رووه عنه. وقد روى
هذا بإسنادين: الأول: عن أبي قبيل عن عقبة. والآخر: عن يزيد بن أبي حبيب
عن أبي الخير عن عقبة. وهذا إسناد صحيح، لأن من فوق ابن لهيعة ثقتان من رجال
الشيخين أيضا، وأبو الخير اسمه مرثد بن عبد الله اليزني. وأما إسناده الأول
فحسن لأن أبا قبيل واسمه حيي بن هاني المعافري وثقه جماعة منهم أحمد، وضعفه
بعضهم، وقال الحافظ في " التقريب ": " صدوق يهم ". فهو حسن الحديث على
الأقل، والله أعلم. والحديث أخرجه الفسوي في " التاريخ " (٢ / ٥٠٧) وأبو
يعلى في " مسنده " (٢ / ٢٨٤ رقم ١٧٤٦ ط) والهروي في " ذم الكلام " (٢ / ٢٨
/ ١) وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " (٢ / ١٩٣) كلهم عن عبد الله بن
يزيد به، إلا أن الهروي زاد في الإسناد بين ابن لهيعة وأبي قبيل: عقبة
الحضرمي، وهي زيادة شاذة لتصريح الجماعة في روايتهم بسماع ابن لهيعة لهذا
الحديث من أبي قبيل، ولو صحت لم تضر لأن عقبة هذا - وهو ابن مسلم التجيبي -
ثقة بلا خلاف. ثم أخرجه أحمد (٤ / ١٤٦) والطبراني في " المعجم الكبير " (
١٧ / ٢٩٦ / ٨١٦) من طريقين آخرين عن ابن لهيعة به دون ذكر عقبة الحضرمي.
стр. 4177
وتابعه أبو السمح عند أحمد (٤ / ١٥٦) ومن طريق ابن عبد البر، والطبراني (٨١٨) ، ولفظه مخالف لحديث الترجمة، ولذلك خرجته في " الضعيفة " (١٧٧٩) .
والليث - وهو ابن سعد - عند الطبراني (٨١٥) وابن عبد البر. ومالك بن
الخير الزيادي عند الطبراني (٨١٧) . فهذه المتابعات من هؤلاء لابن لهيعة تؤكد
أنه قد حفظ هذا الحديث، فالحمد لله. (فائدة) : ترجم ابن عبد البر لهذا
الحديث بقوله: " باب فيمن تأول القرآن أو تدبره وهو جاهل بالسنة ". ثم قال
تحته: " أهل البدع أجمع أضربوا عن السنن، وتأولوا الكتاب على غير ما بينت
السنة، فضلوا وأضلوا. نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله التوفيق والعصمة ".
قلت: ومن ضلالهم تغافلهم عن قوله تعالى في كتابه موجها إلى نبيه صلى الله
عليه وسلم: * (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) *. ثم إن
الحديث عزاه السيوطي في " الجامع الكبير " لـ (حم، هب، وأبو نصر السجزي في
" الإبانة " عن عقبة بن عامر) . ولم يورده في " الجامع الصغير ". (تنبيه)
: وقع من بعضهم حول هذا الحديث أوهام لابد من بيانها: لقد ضعفه الهيثمي في "
مجمع الزوائد " بقوله (٨ / ١٠٤ - ١٠٥) : " رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة وهو
لين، وبقية رجاله ثقات ".
стр. 4178
قلت: فخفي عليه أمران: الأول: أن ابن لهيعة
صحيح الحديث في رواية العبادلة عنه، وهذا من رواية أحدهم، وهو أبو عبد
الرحمن المقرىء كما تقدم. والآخر: أن ابن لهيعة لم يتفرد به بل تابعه الليث
بن سعد وغيره كما سبق بيانه. وقلده في هذا كله المعلق على " مسند أبي يعلى "
السيد حسين سليم أسد، فقال (٣ / ٢٨٥) : " إسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة،
وأبو عبد الرحمن هو عبد الله بن يزيد المقرىء "!! وقوله: (يبدون) أي يخرجون
إلى البادية لطلب مواضع اللبن في المراعي، كما في " النهاية ".
٢٧٧٩ - " احبس عليك مالك. قاله لمن أراد أن يتصدق بحلي أمه ولم توصه ".
أخرجه الطبراني (١٧ / ٢٨١ / ٧٧٣) من طريقين عن وهب بن جرير: حدثني أبي قال:
سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير مرثد بن عبد الله
اليزني عن عقبة بن عامر قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال: إن
أمي توفيت وتركت حليا ولم توص، فهل ينفعها إن تصدقت عنها؟ فقال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ويحيى بن أيوب هو الغافقي، قال
الحافظ:
стр. 4179
" صدوق ربما أخطأ ". وقد تابعه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب به
نحوه، ولفظه: ".. أفأتصدق به عنها؟ قال: أمك أمرتك بذلك؟ قال: لا. قال
: فأمسك عليك حلي أمك ". أخرجه أحمد (٤ / ١٥٧) . ثم أخرجه من طريق رشدين:
حدثني عمرو بن الحارث والحسن بن ثوبان عن يزيد بن أبي حبيب به مختصرا. قلت:
وهذا الحديث من صحيح حديث ابن لهيعة أيضا للمتابعات المذكورة. من فقه الحديث
: واعلم أن ظاهر الحديث يدل أنه ليس للولد أن يتصدق عن أمه إذا لم توص. وقد
جاءت أحاديث صريحة بخلافه، منها حديث ابن عباس: أن سعد بن عبادة قال: يا
رسول الله! إن أمي توفيت - وأنا غائب عنها - فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟
قال: نعم. وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (ص ١٧٢) و " صحيح أبي داود " (٢٥٦٦) وفي معناه أحاديث أخرى مذكورة هناك. أقول: فلعل الجمع بينه وبينها
أن يحمل على أن الرجل السائل كان فقيرا محتاجا، ولذلك أمره بأن يمسك ماله.
ويؤيده أنه ﷺ لم يجبه على سؤاله: فهل ينفعها إن تصدقت عنها؟
بقوله مثلا: " لا "، وإنما قال له: " احبس عليك مالك "، أي لحاجته إليه.
هذا ما بدا لي. والله أعلم.
стр. 4180
٢٧٨٠ - " كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في سفر، فقلنا: زالت الشمس، أو
لم تزل صلى الظهر ثم ارتحل ".
أخرجه الإمام أحمد (٣ / ١١٣) : حدثنا أبو معاوية حدثنا مسحاج الضبي قال:
سمعت أنس بن مالك يقول: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح ثلاثي من ثلاثيات
أحمد رحمه الله تعالى، وأخرجه أبو داود عن طريق مسدد: حدثنا أبو معاوية به.
وقد أوردته في " صحيح أبي داود " برقم (١٠٨٧) منذ سنين، ثم وقفت على كلام
لابن حبان يصرح فيه بإنكار الحديث، فرأيت أنه لابد من تحقيق الكلام عليه،
فأقول: قال ابن حبان في ترجمة مسحاج بن موسى الضبي من كتابه " الضعفاء " (٣ /
٣٢) : " روى حديثا واحدا منكرا في تقديم صلاة الظهر قبل الوقت للمسافر - لا
يجوز الاحتجاج به "! ثم قال: " سمعت أحمد بن محمد بن الحسين: سمعت الحسن بن
عيسى: قلت لابن المبارك: حدثنا أبو نعيم بحديث حسن. قال: ما هو؟ قلت:
حدثنا أبو نعيم عن مسحاج.. (فذكر الحديث) ، فقال ابن المبارك: وما حسن هذا
الحديث؟! أنا أقول: كان النبي ﷺ يصلي قبل الزوال وقبل
الوقت؟! ". قلت: وهذا إن صح عن ابن المبارك، فهو عجيب من مثل هذا الإمام،
فإن الحديث ليس فيه الإخبار عن النبي ﷺ أنه كان يصلي قبل
الزوال.. وإنما فيه أن الصحابة أو بعضهم كانوا إذا صلى النبي صلى الله عليه
وسلم الظهر، يشكون هل زالت الشمس أم لا، وما ذلك إلا إشارة من أنس إلى أنه
إلى أنه ﷺ كان يصليها في أول وقتها بعد تحقق
стр. 4181
دخوله كما أفاده
الشيخ السفاريني في " شرح ثلاثيات مسند أحمد " (٢ / ١٩٦) ونحوه ما في " عون
المعبود " (١ / ٤٦٧) : " أي: لم يتيقن أنس وغيره بزوال الشمس ولا بعدمه،
وأما النبي ﷺ فكان أعرف الناس للأوقات، فلا يصلي الظهر إلا
بعد الزوال، وفيه الدليل إلى مبادرة صلاة الظهر بعد الزوال معا من غير تأخير
". وقد بوب أبو داود للحديث بقوله: " باب المسافر يصلي وهو يشك في الوقت "
، وعلق عليه صاحب " العون " فقال: " هل جاء وقت الصلاة أم لا؟ فلا اعتبار
لشكه، وإنما الاعتماد في معرفة الأوقات على الإمام، فإن تيقن الإمام بمجيء
الوقت، فلا يعتبر بشك بعض الأتباع ". وقوله: " على الإمام "، وأقول: أو
على من أنابه الإمام من المؤذنين المؤتمنين الذين دعا لهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم بالمغفرة، وهو الذين يؤذنون لكل صلاة في وقتها، وقد أصبح هؤلاء
في هذا الزمن أندر من الكبريت الأحمر، فقل منهم من يؤذن على التوقيت الشرعي،
بل جمهورهم يؤذنون على التوقيت الفلكي المسطر على التقاويم و (الروزنامات) ،
وهو غير صحيح لمخالفته للواقع، وفي هذا اليوم مثلا (السبت ٢٠ محرم سنة ١٤٠٦
) طلعت الشمس من على قمة الجبل في الساعة الخامسة وخمس وأربعين دقيقة، وفي
تقويم وزارة الأوقاف أنها تطلع في الساعة الخامسة والدقيقة الثالثة والثلاثين
! هذا وأنا على (جبل هملان) ، فما بالك بالنسبة للذين هم في (وسط عمان) ؟
لا شك أنه يتأخر طلوعها عنهم أكثر من طلوعها على (هملان) . ومع الأسف فإنهم
يؤذنون للفجر هنا قبل الوقت بفرق يتراوح ما بين عشرين دقيقة إلى ثلاثين،
وبناء عليه ففي بعض المساجد يصلون الفجر ثم يخرجون من المسجد ولما يطلع الفجر
بعد، ولقد عمت هذه المصيبة كثيرا
стр. 4182
من البلاد الإسلامية كالكويت والمغرب
والطائف وغيرها، ويؤذنون هنا للمغرب بعد غروب الشمس بفرق ٥ - ١٠ دقائق.
ولما اعتمرت في رمضان السنة الماضية صعدت في المدينة إلى الطابق الأعلى من
البناية التي كنت زرت فيها أحد إخواننا لمراقبة غروب الشمس وأنا صائم، فما
أذن إلا بعد غروبها بـ (١٣ دقيقة) ! وأما في جدة فقد صعدت بناية هناك يسكن
في شقة منها صهر لي، فما كادت الشمس أن تغرب إلا وسمعت الأذان. فحمدت الله
على ذلك. هذا، وإذا عرفت معنى الحديث وأنه ليس فيه ما زعمه ابن حبان من
تقديم صلاة الظهر قبل الوقت للمسافر، سقط قوله: أن الحديث منكر، وأن راويه
مسحاج لا يحتج به، ولاسيما وقد وثقه من هو أعلى كعبا منه في هذا الفن، فقد
ذكر ابن أبي حاتم في كتابه (٤ / ١ / ٤٣٠) أن يحيى بن معين قال فيه: ثقة.
وقال أبو زرعة: لا بأس به، وفي " الميزان " و " التهذيب " عن أبي داود أنه
قال أيضا: ثقة. وإن مما يقرب لك معنى الحديث، وأنه لا نكارة فيه، علاوة
على ما سبق من البيان ما رواه البخاري (١٦٨٣) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق
عن عبد الرحمن ابن يزيد عن ابن مسعود أنه قدم (جمعا) .. فصلى الفجر حين طلع
الفجر، قائل يقول: طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع الفجر.. الحديث.
وأبو إسحاق وإن كان اختلط، فهو شاهد جيد لما نحن فيه. وبعد، فإنما قلت في
إسناد ابن حبان: " إن صح.. "، لأنني لم أعرف شيخه أحمد ابن محمد بن الحسين،
وقد روى له في " صحيحه "، ورأيت له في " موارد الظمآن في زوائد ابن حبان "
ثلاثة أحاديث (٨٢٣ و ٢٣٢٧ و ٢٣٦٠) ، ووصفه في الثاني منهما بـ " نافلة
الحسين بن عيسى "، أي ولد ولده. فالله أعلم. ثم رأيت الذهبي
قد ترجمه في " السير " (١٤ / ٤٠٥ - ٤٠٦) ووصفه بأنه " الماسرجسي، الإمام
المحدث العالم الثقة.. سبط الحسن بن عيسى.. ".
стр. 4183
(تنبيه) : وقع الحديث في "
الضعفاء " بلفظ: " صلاة الظهر "، مكان " صلى الظهر "، فقال محققه محمود
إبراهيم زايد: " هكذا في المخطوطة، ولم أعثر عليه فيما لدي من المراجع،
ويشبه أن يكون الأصل: فصلى صلاة الظهر "! قلت: هكذا فليكن التحقيق! أليس
عندك " سنن أبي داود " على الأقل لتصحح عليه؟! والصواب: " صلى الظهر "،
وأنا أظن أن لفظة " صلى " تحرف على الناسخ إلى " صلاة "!
٢٧٨١ - " كان يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمر المسلمين، وأنا معهما. أي عمر ".
أخرجه الترمذي (رقم ١٦٩) وابن حبان (٢٧٦) والبيهقي (١ / ٤٥٢) وأحمد (
١ / ٢٥) من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عمر بن الخطاب
قال: فذكره. وقال الترمذي: " حديث حسن، وقد روى هذا الحديث الحسن بن
عبيد الله عن إبراهيم عن علقمة عن رجل من جعفي يقال له: " قيس " أو " ابن قيس
" عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ هذا الحديث في قصة طويلة ".
قلت: وصله البيهقي من طريق عبد الواحد بن زياد: حدثنا الحسن بن عبيد الله به
، قال: " فذكر القصة بمعناه، إلا أنه لم يذكر قصة السمر ". وكذلك وصله أحمد
(١ / ٣٨) من هذا الوجه. لكنه رواه من طريق أبي معاوية أيضا قال - عطفا على
الرواية الأولى -:
стр. 4184
وحدثنا الأعمش عن خيثمة عن قيس بن مروان أنه - أي عمر رضي
الله عنه - قال:.. فذكر القصة، وفيها حديث الترجمة. قلت: وهذا إسناد
صحيح، رجاله كلهم ثقات من رجال " التهذيب ". وروى الحاكم (٣ / ٣١٨) طرفا
من القصة من طريق سفيان عن الأعمش مثل رواية أبي معاوية الأولى، وقال: "
صحيح على شرط الشيخين "! ووافقه الذهبي! ولم يتنبها للانقطاع الذي بينته
رواية الحسن بن عبيد الله. وللحديث شاهد من رواية كميل بن زياد عن علي رضي
الله عنه بمعناه. أخرجه الحاكم (٣ / ٣١٧) وصححه. ووافقه الذهبي.
٢٧٨٢ - " يخرج من (عدن أبين) اثنا عشر ألفا ينصرون الله ورسوله، هم خير من بيني
وبينهم ".
أخرجه أحمد في " مسنده " (١ / ٣٣٣) : حدثنا عبد الرزاق عن المنذر بن النعمان
الأفطس قال: سمعت وهبا يحدث عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: فذكره. قال لي معمر: " اذهب فاسأله عن هذا الحديث ". ومن طريق
أحمد أخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (١٧ / ٤٧٤ / ١) والطبراني في "
المعجم الكبير " (١١ / ٥٦ / ١١٠٢٩) من طريق عبد الرزاق، وكذا ابن أبي حاتم
في ترجمة منذر بن النعمان (٤ / ١ / ٢٤٢ - ٢٤٣) وروى عن ابن معين أنه قال: "
ثقة "، لكن وقع الحديث عنده موقوفا ليس فيه " قال
стр. 4185
رسول الله صلى الله عليه
وسلم "، فلا أدري أسقط ذلك من بعض النساخ، أو الرواية هكذا وقعت له، وعلى
كل فالحديث مرفوع يقينا للمصادر التي رفعته، ولأنه في حكم المرفوع، فإنه من
الأمور الغيبية التي لا مدخل للرأي فيها. والسند صحيح لأن رجاله ثقات رجال
الشيخين غير المنذر هذا، وقد وثقه ابن معين كما رأيت، وذكره ابن حبان في
أتباع التابعين من " ثقاته " (٧ / ٤٨١) ، وقد وثقه الإمام أحمد أيضا، وهذا
من النفائس التي وقفت عليها - بفضله تعالى - في بعض المخطوطات المحفوظة في
المكتبة الظاهرية بدمشق الشام حرسها الله تعالى، فقد ذكر الحديث ابن قدامة في
" المنتخب " (١٠ / ١٩٤ / ٢) من طريق حنبل: حدثنا أبو عبد الله حدثنا عبد
الرزاق.. إلخ. قال أبو عبد الله: " المنذر بن النعمان ثقة صنعاني، ليس في
حديثه مسند غير هذا ". وهذه فائدة عزيزة، فشد يديك عليها. هذا، ولم يتفرد
عبد الرزاق به، فقد تابعه معتمر بن سليمان عن المنذر به. أخرجه أبو يعلى في "
المسند " (٢ / ٦٣٦) والحسن بن علي الجوهري في " فوائد منتقاة " (ق ٢٨ / ٢)
، وزاد أبو يعلى: " قال المعتمر: أظنه قال: في الأعماق ". وتابعه أيضا
محمد بن الحسن بن أتش الصنعاني: حدثنا منذر بن الأفطس. أخرجه ابن عدي في "
الكامل " (٦ / ٢١٨٤) قال: حدثنا محمد بن الحسن بن محمد بن زياد حدثنا علي بن
بحر البري حدثنا محمد بن الحسن بن أتش الصنعاني به. ومن طريق ابن عدي أورده
ابن الجوزي في " الأحاديث الواهية "، وتعلق بما لا يصلح له، فقال (١ / ٣٠٦
- ٣٠٧) :
стр. 4186
" هذا حديث لا يصح، فإن محمد بن الحسن بن أتش مجروح، قال: ابن
حماد: هو متروك الحديث. ومحمد بن الحسن بن محمد بن زياد قال فيه طلحة بن
محمد بن جعفر: كان يكذب ". فأقول: هذا التجريح لا قيمة له البتة، وذلك من
وجهين: الأول: أنهما لم يتفردا بالحديث كما قدمنا، ومن العجيب الغريب أن
يخفى ذلك على ابن الجوزي أو على الأقل بعضه.. وهو في " مسند أحمد " بسند صحيح
كما تقدم. والآخر: أن ابن أتش لا يبلغ أمره أن يترك، فإنه قد وثقه جمع منهم
أبو حاتم، ومخالفة ابن حماد - وهو الدولابي مؤلف الكنى - متكلم فيه، كما في
" الميزان " و " اللسان "، فتجريحه لا ينهض لمعارضته توثيق أبي حاتم،
ولاسيما وهذا معدود من المتشددين! وكذلك يقال عن قول الأزدي فيه مثل قول
الدولابي فإنه مطعون فيه. نعم قد وافقهما النسائي كما في " التهذيب "، لكن رد
ذلك الحافظ أحمد بن صالح فقال: " هو ثقة، وكلام النسائي فيه غير مقبول ".
قال الحافظ عقبه: " لأن أحمد وعلي بن المديني لا يرويان إلا عن مقبول، مع
قول أحمد بن صالح فيه ". ولذلك قال الحافظ في " التقريب ": " صدوق فيه لين "
. ومثله محمد بن الحسن بن زياد، فقد قال فيه الذهبي والعسقلاني: " هو صدوق
، أخطأ في حقه من كذبه، ولكن ما هو بعمدة ".
стр. 4187
قلت: وبالجملة لو أن الحديث
لم يأت إلا من طريقهما لكان ضعيفا، أما وقد جاء من طريق بعض الثقات فحديثهما
يصلح في الشواهد والمتابعات. والله ولي التوفيق.
٢٧٨٣ - " استتروا في صلاتكم (وفي رواية: ليستتر أحدكم في صلاته) ولو بسهم ".
أخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " رقم (٨١٠) وأبو يعلى (٢ / ٢٣٩ / ٩٤١)
والحاكم (١ / ٥٥٢) والبيهقي (٢ / ٢٧٠) وابن أبي شيبة في " المصنف " (١ /
٢٧٨) وأحمد (٣ / ٤٠٤) والطبراني في " المعجم الكبير " (٧ / ١٣٣ - ١٣٤)
والبغوي في " شرح السنة " (٢ / ٤٠٣) وحسنه عن جمع من الثقات: إبراهيم بن سعد
وحرملة بن عبد العزيز وزيد بن الحباب وسبرة أخي حرملة ويعقوب بن إبراهيم،
خمستهم عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله
ﷺ : فذكره. وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه
الذهبي. قلت: وفيه نظر من ناحيتين: الأولى: أن عبد الملك هذا قال أبو
الحسن بن القطان: " لم تثبت عدالته، وإن كان مسلم أخرج له، فغير محتج به "
. قال الحافظ في " التهذيب " عقبه: " ومسلم إنما أخرج له حديثا واحدا في
المتعة متابعة ". قلت: فليس هو على شرط مسلم إلا إن توبع. قال الحافظ أيضا:
стр. 4188
" قلت: وثقه العجلي، قال أبو خيثمة: سئل ابن معين عن أحاديث عبد الملك عن
أبيه عن جده؟ فقال: ضعاف ". قلت: وهذا الإطلاق غير مسلم له على إطلاقه على
الأقل، فإن الإمام أحمد والطبراني ساقا له مع هذا الحديث حديثين آخرين أحدهما
في أمر الصبي بالصلاة وهو ابن سبع، والآخر في النهي عن الصلاة في أعطان
الإبل، وزاد الطبراني ثالثا في النهي عن متعة النساء، وهذا في صحيح مسلم من
طريق آخر عن الربيع بن سبرة، وهو الذي أشار إليه الحافظ آنفا، وحديث
الأعطان له شواهد مخرج بعضها في " صحيح أبي داود " (١٧٧) ، وحديث الصبي كذلك
وهو مخرج في " الإرواء " (٢٤٧) و " صحيح أبي داود " (٥٠٨) وقد صححه جمع
كالترمذي والحاكم وابن خزيمة والنووي والذهبي، فكيف يصح أن يقال: "
أحاديثه ضعاف "؟! فلم يبق النظر إلا في حديث الترجمة، - وهي الناحية الأخرى
- وقد يبدو - بادي الرأي - أنه ضعيف من أجل ما قيل في عبد الملك هذا، وهو
الذي كنت ذهبت إليه قديما، فأوردته في الكتاب الآخر برقم (٢٧٦٠) ، ثم تنبهت
لحقيقتين هامتين: الأولى: توثيق العجلي إياه، وهو وإن كان متساهلا في
التوثيق في نقدي، فهو في ذلك كابن حبان عندي، إلا أنه قد اقترن معه تصحيح ابن
خزيمة والحاكم والذهبي لهذا الحديث، وأقره على تصحيحه الإمام النووي في "
المجموع " (٣ / ٢٤٨ - ٢٤٩) وتصحيحهم جميعا ومعهم الترمذي لحديث الصبي كما
تقدم، وذلك يعني أن عبد الملك ثقة عندهم كما هو ظاهر. والأخرى: تصريح
الإمام الذهبي بذلك، فقال في " الميزان ": " صدوق إن شاء الله، ضعفه يحيى بن
معين فقط ".
стр. 4189
وقال في " الكاشف ": " ثقة ". فلم يعتد بتضعيف ابن معين، ولا
بتجهيل ابن القطان. ووجهه عندي اعتداده برواية هؤلاء الثقات عنه، مع عدم
وجود أي منكر في مروياته، فالنفس تطمئن - والحالة هذه - لقبول ما تفرد به إلا
إذا خالف الثقات، وهو في هذا الحديث لم يخالف، بل وافق ما هو مشهور من صلاته
ﷺ إلى الحربة، وهو مخرج في كتابي " إرواء الغليل " (٥٠٤)
. ثم إن للحديث شاهدا، ولكنه مما لا يفرح به لشدة ضعفه، لأنه يرويه محمد بن
القاسم الأسدي: حدثنا ثور بن يزيد عن يزيد بن يزيد بن جابر عن مكحول عن يزيد
ابن جابر عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: " يجزىء من السترة مثل مؤخرة الرحل ولو
بدق شعرة ". أخرجه ابن خزيمة (٨٠٨) والحاكم وقال: " صحيح على شرط الشيخين
"! ووافقه الذهبي! وقال ابن خزيمة: " أخاف أن يكون محمد بن القاسم وهم في
رفع هذا الخبر ". قلت: يشير إلى ما رواه عبد الرزاق في " المصنف " (٢٢٩٠)
عن الثوري عن يزيد ابن يزيد بن جابر عن أبيه عن أبي هريرة قال: فذكره. ثم
رواه عن معمر عن إسماعيل بن أمية رفع الحديث إلى أبي هريرة قال: فذكره موقوفا
أيضا. قلت: وهذا متصل، وما قبله معضل، لكن يزيد بن جابر، كأنه مجهول،
فإن البخاري وابن أبي حاتم لم يذكرا عنه راويا سوى مكحول، ومع ذلك ذكره ابن
стр. 4190
حبان في " الثقات " (٥ / ٥٣٥) ! ولذا قال ابن القطان: " لا يعرف ". وأما
قول الحافظ العراقي كما نقله العسقلاني في " اللسان ": " هو معروف الحال "!
فهو غير واضح، ما دام أنه لا يعرف إلا بهذه الرواية المرفوعة والموقوفة وقد
أخرج الأولى منها ابن عدي أيضا في " الكامل " (٦ / ٢٢٥٣ - ٢٢٥٤) والطبراني
في " مسند الشاميين " (ص ١٢٣ - مصورة الجامعة الإسلامية) ، ووقع في مطبوعة "
الكامل ": " ولو بدق شعره "! وهذا من التحريفات الكثيرة التي وقعت في هذه
المطبوعة بتحقيق لجنة من المختصين بإشراف الناشر! وصلى الله على محمد القائل
: " يسمونها بغير اسمها "! (تنبيه) : سبق أن ذكرت أن الحاكم قال: " صحيح
على شرط مسلم "، وقد سقطت هذه العبارة من مطبوعة " المستدرك "، فاستدركتها
من " المجموع " للنووي، وقد بقي في " تلخيص المستدرك " ما يدل على أنها ثابتة
في أصله: " المستدرك " وهو قوله: " على شرط "! فسقط منه لفظة " مسلم "،
ومنه أخذت موافقة الذهبي على التصحيح. والله أعلم.
стр. 4191
٢٧٨٤ - " كلوه - يعني الثوم -، فإني لست كأحدكم، إني أخاف أن أوذي صاحبي. [يعني
الملك] ".
أخرجه أحمد (٦ / ٤٣٣ و ٤٦٢) والحميدي (٣٣٩) وابن أبي شيبة (٨ / ٣٠١ /
٤٥٣٠) ومن طريقه ابن ماجه (٣٣٦٤) قالوا ثلاثتهم: حدثنا سفيان ابن عيينة:
حدثنا عبيد الله بن أبي يزيد أخبره أبوه قال: نزلت على أم أيوب الذين نزل
عليهم رسول الله ﷺ ، نزلت عليها فحدثتني بهذا عن رسول الله
ﷺ : أنهم تكلفوا طعاما فيه بعض البقول، فقربوه، فكرهه،
وقال لأصحابه: فذكره. والزيادة لأحمد. وأخرجه الترمذي (٦ / ١٠٧ / ١٨١١)
والدارمي (٢ / ١٠٢) وابن خزيمة في " صحيحه " (١٦٧١) ومن طريقه ابن حبان (
٣ / ٢٦٤ / ٢٠٩٠) من طرق أخرى عن سفيان به. وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح
غريب، وأم أيوب هي امرأة أبي أيوب الأنصاري ". قلت: ورجاله ثقات رجال
الشيخين غير أبي يزيد والد عبيد الله وهو المكي، لم يوثقه غير ابن حبان،
لكنه لم يتفرد به، فقد صح عن أبي أيوب نحوه. رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في
" الإرواء " (رقم ٢٥١١) . ويشهد له حديث جابر مرفوعا بلفظ: " من أكل من هذه
الشجرة النتنة (وفي رواية: البصل والثوم والكراث) فلا يقربن مسجدنا، فإن
الملائكة تأذى مما يتأذى منه الإنس، وفي رواية: بنو آدم ". أخرجه مسلم
وغيره، وهو مخرج أيضا في المصدر السابق (٥٤٧) .
стр. 4192
ثم روى مسلم نحوه من حديث
أبي سعيد، وزاد فيه ابن خزيمة (١٦٦٧) : " وإنه يأتيني [من أناجي] من
الملائكة، فأكره أن يشموا ريحها ". وإسناده صحيح على شرط مسلم، وما بين
المعقوفتين في الأصل نقط.. وعلق عليها محققه بقوله: " كلمة غير واضحة في
المصورة لعلها مناجي ". وأقول: ولعل الأقرب ما أثبته. والله أعلم. (
تنبيه) الحديث عزاه الحافظ في " الفتح " (١٣ / ٣٣٢) لمسلم وهو سبق ذهن أو
قلم، فقد أحال بذلك إلى مكان تقدم، وهو هناك عزاه (٢ / ٣٤٢) لابن خزيمة
وابن حبان فأصاب، ولكنه قصر لعدم عزوه للسنن!
٢٧٨٥ - " من فارق الروح الجسد وهو بريء من ثلاث دخل الجنة: الكبر والدين والغلول ".
هو من حديث قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان قال
: قال رسول الله ﷺ : فذكره. وقد رواه عنه جمع من الثقات
هكذا، فلنذكر أسانيدهم: ١ و ٢ - قال أحمد (٥ / ٢٧٦ و ٢٨٢) : حدثنا عفان
حدثنا همام وأبان قالا: حدثنا قتادة به. ثم رواه (٥ / ٢٧٧) : حدثنا يزيد
عن همام به. ٣ - سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به. أخرجه أحمد (٥ / ٢٨١) :
حدثنا محمد بن بكر وعبد الوهاب قالا: حدثنا سعيد به. وأخرجه البيهقي (٥ /
٣٥٥) من طريق أخرى عن عبد الوهاب بن عطاء:
стр. 4193
أنبأنا سعيد به. وأخرجه الترمذي
(١٥٧٣) والدارمي (٢ / ٢٦٢) والنسائي في " الكبرى " (٥ / ٢٣٢ / ٨٧٦٤)
وابن ماجه (٢٤١٢) من طرق أخرى عن سعيد به. ٤ - شعبة عن قتادة به. أخرجه ابن
حبان (١٦٧٦) ، - (٥ / ٢٨١ - ٢٨٢) وابن المظفر في " غرائب شعبة " (ق ١٢ /
١) وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (٢ / ١٨ / ١) من طرق عنه. ٥ - أبو عوانة
عن قتادة به. أخرجه الحاكم (٢ / ٢٦) من طريق أبي الوليد الطيالسي وعفان بن
مسلم عنه. والبيهقي (٩ / ١٠١ - ١٠٢) من طريق أخرى عن أبي الوليد وحده،
وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي. وخالفهما في
الإسناد قتيبة بن سعيد فقال: حدثنا أبو عوانة.. فذكره، دون أن يذكر فيه
معدان بن أبي طلحة. أخرجه الترمذي (١٥٧٢) وقال: " ورواية سعيد أصح، يعني
في الإسناد، لأنه زاد فيه رجلا وأسنده، ولم يسمع سالم من ثوبان ". قلت:
ومما لا شك فيه أن رواية سعيد أصح من رواية أبي عوانة هذه لما ذكرنا لها من
المتابعات، ولموافقة رواية الطيالسي وعفان عن أبي عوانة لها، وعليه فرواية
قتيبة عنه شاذة.
стр. 4194
واعلم أن كل هذه الروايات والطرق في كل المصادر التي
عزوناها إليها وقعت الخصلة الأولى من الثلاث فيه بلفظ: " الكبر ". إلا في
رواية الترمذي وحده عن سعيد، فهي عنده بلفظ " الكنز "، وقال الترمذي عقبها:
" قال أحمد: (الكبر) تصحيف، صحفه غندر محمد بن جعفر، حديث سعيد: " من
فارق الروح منه الجسد.. "، وإنما هو الكنز ". فأقول: رواية محمد بن جعفر،
إنما هي عن شعبة، وهي الطريق (٤) عن قتادة، فأخشى أن يكون ما في " الترمذي
" (حديث سعيد) محرفا من (حديث شعبة) . وحديث محمد بن جعفر عن شعبة هو في "
المسند " في المكان المشار إليه هناك، وهو فيه مقرون برواية أحمد عن بهز عن
شعبة، وقال في آخرها: " قال بهز: (والكبر) ". وهذا القول إنما يقوله
المحدثون حينما يكون هناك خلاف بين بعض الرواة في لفظ ما، وهذا من دقتهم في
الرواية جزاهم الله خير الجزاء، وإذا كان ما ذكره الترمذي عن الإمام أحمد أن
ابن جعفر تصحف عليه هذا اللفظ فقال: (الكبر) وإنما هو (الكنز) محفوظا،
فأنا أتصور أن قول أحمد في آخر الحديث: " قال بهز: (والكبر) "، أتصور أن
هذا اللفظ فيه خطأ، وأن الصواب فيه (والكنز) ، لأن ابن جعفر هو الذي قال:
(والكبر) ، وإن لم نقل هذا تناقض ما في " المسند " مع نقل الترمذي عن أحمد
. والله أعلم. وبالجملة فسواء كان هذا أو ذاك، فادعاء أن لفظة (الكبر)
محرفة عن (الكنز) من محمد بن جعفر يدفعها الطرق الأخرى عن شعبة من جهة،
وموافقتها للطرق الأخرى من جهة أخرى، فإنها كلها متفقة على اللفظ الأول (الكبر
) ، إلا إن قال قائل: إنها جميعها محرفة! وهذا مما لا يتصور أن يصدر من عاقل
.
стр. 4195
ولعله لما ذكرنا من التحقيق تتابع العلماء على إيراد الحديث بهذا اللفظ
المحفوظ (الكبر) ، فذكره البغوي في " شرح السنة " تعليقا (١١ / ١١٨)
والمنذري في " الترغيب " (٢ / ١٨٨ و ٣ / ٣٢ و ٤ / ١٥) وقال: " وقد ضبطه بعض
الحفاظ (الكنز) بالنون والزاي، وليس بمشهور ". وكذلك هو في " المشكاة "
(٢٩٢١) و " الزيادة على الجامع الصغير " (صحيح الجامع ٦٢٨٧) و " الجامع
الكبير " وغيرهم.
٢٧٨٦ - " لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ".
أخرجه الإسماعيلي في " المعجم " (١١٢ / ٢) عن شيخه العباس بن أحمد الوشا:
حدثنا محمد بن الفرج، والبيهقي في " السنن " (٤ / ٣١٦) من طريق محمد بن آدم
المروزي، كلاهما عن سفيان بن عيينة عن جامع بن أبي شداد عن أبي وائل قال: قال
حذيفة لعبد الله [يعني ابن مسعود ﵁] : [قوم] عكوف بين دارك
ودار أبي موسى لا تغير (وفي رواية: لا تنهاهم) ؟! وقد علمت أن رسول الله
ﷺ قال: فذكره؟! فقال عبد الله: لعلك نسيت وحفظوا، أو
أخطأت وأصابوا. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وقول ابن مسعود
ليس نصا في تخطئته لحذيفة في روايته للفظ الحديث، بل لعله خطأه في استدلاله به
على العكوف الذي أنكره حذيفة، لاحتمال أن يكون معنى الحديث عند ابن مسعود: لا
اعتكاف كاملا، كقوله ﷺ : " لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا
دين لمن لا عهد له " والله أعلم. ثم رأيت الطحاوي قد أخرج الحديث في " المشكل
" (٤ / ٢٠) من الوجه
стр. 4196
المذكور، وادعى نسخه! وكذلك رواه عبد الرزاق في "
المصنف " (٤ / ٣٤٨ / ٨٠١٦) وعنه الطبراني (٩ / ٣٥٠ / ٩٥١١) عن ابن عيينة
به إلا أنه لم يصرح برفعه. ورواه سعيد ابن منصور: أخبرنا سفيان بن عيينة به
، إلا أنه شك في رفعه واختصره فقال:.. عن شقيق بن سلمة قال: قال حذيفة لعبد
الله بن مسعود: قد علمت أن رسول الله ﷺ قال: " لا اعتكاف
إلا في المساجد الثلاثة، أو قال: مسجد جماعة ". ذكره عنه ابن حزم في "
المحلى " (٥ / ١٩٥) ، ثم رد الحديث بهذا الشك. وهو معذور لأنه لم يقف على
رواية الجماعة عن ابن عيينة مرفوعا دون أي شك، وهم: ١ - محمد بن الفرج، عند
الإسماعيلي. ٢ - محمود بن آدم المروزي، عند البيهقي. ٣ - هشام بن عمار، عند
الطحاوي. وكلهم ثقات، وهذه تراجمهم نقلا من " التقريب ": ١ - وهو القرشي
مولاهم البغدادي، صدوق من شيوخ مسلم. ٢ - صدوق من شيوخ البخاري فيما ذكر ابن
عدي. ٣ - صدوق مقرىء كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، من شيوخ البخاري
أيضا. قلت: فموافقته للثقتين اللذين قبله دليل على أنه قد حفظه، فلا يضرهم
من تردد في رفعه أو أوقفه، لأن الرفع زيادة من ثقات يجب قبولها. ثم رأيت
الفاكهي قد أخرجه في " أخبار مكة " (٢ / ١٤٩ / ١٣٣٤) : حدثنا
стр. 4197
سعيد بن عبد
الرحمن ومحمد بن أبي عمر قالا: حدثنا سفيان به. إلا أنهما لم يشكا، وهذه
فائدة هامة. وهما ثقتان أيضا. وبالجملة، فاتفاق هؤلاء الثقات الخمسة على
رفع الحديث دون أي تردد فيه لبرهان قاطع على أن الحديث من قوله صلى الله عليه
وسلم، وأن تردد سعيد بن منصور في رفعه لا يؤثر في صحته، ولاسيما أن سياق
القصة يؤكد ذلك عند إمعان النظر فيها، ذلك لأن حذيفة ﵁ ما كان
لينكر بمجرد رأيه على ابن مسعود ﵁ سكوته عن أولئك المعتكفين في
المساجد بين الدور، وهو يعلم فضله وفقهه ﵄، فلولا أن الحديث
عنده مرفوع لما تجرأ على الإنكار عليه بما لا تقوم الحجة به عليه، حتى رواية
عبد الرزاق الموقوفة تؤيد ما ذكرته، فإنها بلفظ: " قوم عكوف بين دارك ودار
أبي موسى لا تنهاهم! فقال به عبد الله: فلعلهم أصابوا وأخطأت، وحفظوا
ونسيت! فقال: حذيفة: لا اعتكاف إلا في هذه المساجد الثلاثة.. " فذكرها.
ومثلها رواية إبراهيم قال: " جاء حذيفة إلى عبد الله فقال: ألا أعجبك من قومك
عكوف بين دارك ودار الأشعري، يعني المسجد! قال عبد الله: ولعلهم أصابوا
وأخطأت، فقال حذيفة: أما علمت أنه: لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد. (فذكرها
) ، وما أبالي أعتكف فيه أو في سوقكم هذه [وكان الذين اعتكفوا - وعاب عليهم
حذيفة - في مسجد الكوفة الأكبر] ". أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٣ /
٩١) والسياق له، وكذا عبد الرزاق (٤ / ٣٤٧ - ٣٤٨) والزيادة له، وعنه
الطبراني (٩٥١٠) ورجاله ثقات رجال الشيخين غير أن إبراهيم - وهو النخعي -
لم يدرك حذيفة.
стр. 4198
فاحتجاج حذيفة على ابن مسعود بهذه الجملة " لا اعتكاف " يشعر
بأنها في موضع الحجة عنده، وإلا لم يقل له: " أما علمت.. " إلخ. والله
أعلم. واعلم أن العلماء اختلفوا في شرطية المسجد للاعتكاف وصفته كما تراه
مبسوطا في " المصنفين " المذكورين و " المحلى " وغيرهما، وليس في ذلك ما يصح
الاحتجاج به سوى قوله تعالى: * (وأنتم عاكفون في المساجد) *، وهذا الحديث
الصحيح، والآية عامة، والحديث خاص، ومقتضى الأصول أن يحمل العام على
الخاص، وعليه فالحديث مخصص للآية ومبين لها، وعليه يدل كلام حذيفة وحديثه
، والآثار في ذلك مختلفة أيضا، فالأولى الأخذ بما وافق الحديث منها كقول سعيد
بن المسيب: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي. أخرجه ابن أبي شيبة وابن حزم بسند
صحيح عنه. ثم رأيت الذهبي قد روى الحديث في " سير أعلام النبلاء " (١٥ / ٨٠)
من طريق محمود بن آدم المروزي: حدثنا سفيان به مرفوعا، وقال: " صحيح غريب
عال ". وعلق عليه الشيخ شعيب بعد ما عزاه للبيهقي وسعيد بن منصور بقوله: "
وقد انفرد حذيفة بتخصيص الاعتكاف في المساجد الثلاثة "! وهذا يبطله قول ابن
المسيب المذكور، فتنبه. على أن قوله هذا يوهم أن الحديث موقوف على حذيفة،
وليس كذلك كما سبق تحقيقه، فلا تغتر بمن لا غيرة له على حديث رسول الله صلى
الله عليه وسلم أن يخالف، والله يقول: * (فليحذر الذين يخالفون عن
أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) *.
стр. 4199
هذا، وقد كنت أوردت هذا الحديث
في رسالتي " قيام رمضان " (٣٦) وخرجته باختصار، مصرحا بصحة إسناده عن حذيفة
﵁، وأحلت في تفصيل ذلك إلى هذا الموضع من هذه السلسلة. ثم جاءني
بعد سنين تحرير بتاريخ (١٣ / ٧ / ١٤١٣ هـ) - وهذا المجلد تحت الطبع - من أحد
إخواننا المحبين في الله وفي الغيب المشتغلين بهذا العلم الشريف كما بدا لي من
خطابه، وفيه نقد منه لثلاثة أحاديث كنت صححتها في بعض مؤلفاتي منها هذا
الحديث، فاهتبلتها فرصة لبيان أنه لم يصب كبد الحقيقة في إعلاله إياه من جميع
طرقه، معترفا بأنه كان أديبا في كتابته، لطيفا في نقده، زد على ذلك أنه صرح
في آخر رسالته أنه فعل ذلك للاستفادة مني ومن بعض إخواني فجزاه الله خيرا على
تواضعه، وإحسانه الظن بإخوانه. لقد تتبع الأخ - جزاه الله خيرا - طرق الحديث
من مصادر كثيرة طالتها يده، وبين عللها، وسبق أن أشرت إلى بعضها، ولذلك
فلن أطيل الكلام إلا في بعض النقاط الأساسية، لم يوفق هو للصواب في معالجتها،
فكانت النتيجة - مع الأسف - تضعيف الحديث الصحيح، فأقول: النقطة الأولى: ضعف
طريق البيهقي بمحمود بن آدم المروزي بقوله: " لم يوثقه غير ابن حبان، وما
ذكر أن البخاري أخرج له، فقد رده الحافظ في " هدي الساري " (ص ٢٣٩) ".
والرد على هذا من وجهين: الأول: أن رد تفرد ابن حبان بتوثيق راو ما، لا يعني
أنه رد مقبول، خلافا لما يظنه أخونا هذا وغيره من الناشئين، وإنما ذلك إذا
وثق مجهولا عند غيره، أو أنه لم يرو عنه إلا واحد أو اثنان، ففي هذه الحالة
يتوقف عن قبول توثيقه، وإلا فهو في
стр. 4200
كثير من الأحيان يوثق شيوخا له يعرفهم
مباشرة، أو شيخا من شيوخهم، فهو في هذه الحالة أو التي قبلها إنما يوثق على
معرفة منه به، أو بواسطة شيوخه كما هو ظاهر، ومحمود المروزي من هذا القبيل،
فإن ابن حبان لما أورده في " الثقات " (٩ / ٢٠٢ - ٢٠٣) قال: " حدثنا عنه
المراوزة ". فقد روى عنه جمع، فإذا رجع الباحث إلى " التهذيب " وجد فيه أسماء
عشرة من الذين رووا عن محمود هذا، أكثرهم من كبار الحفاظ الثقات طبعا،
كالإمام البخاري كما تقدم وأحمد بن حمدون الأعمشي، ومحمد بن حمدويه، ومحمد
بن عبد الرحمن الدغولي، ولما ترجمه أبو يعلى الخليلي القزويني في كتابه "
الإرشاد في معرفة علماء الحديث " قال (٣ / ٩٠٠) : سمع منه أبو داود السجستاني
وابنه عبد الله، وآخر من روى عنه محمد بن حمدويه المروزي.. ". قلت: فهو
إذن من علماء الحديث، ومن شيوخ كبار الحفاظ، أفيقال في مثله: " لم يوثقه
غير ابن حبان "؟! زاد على ذلك أن ابن أبي حاتم قال (٤ / ١ / ٢٩١) : " كان
ثقة صدوقا ". وإن مما يؤكد ما تقدم، وأنه ثقة يحتج به أمران اثنان: أحدهما
: أن الحافظ الخليلي نفسه احتج لإثبات أن حديث " قبض العلم " المروي في "
الصحيحين "، والمخرج عندي في " الروض " (٥٧٩) من طرق عن هشام بن عروة عن
أبيه عن عبد الله بن عمرو مرفوعا، احتج الحافظ على أن له
стр. 4201
أصلا محفوظا صحيحا من
رواية هشام أيضا عن أبيه عن عائشة، ساقه من طريق المروزي هذا عن ابن عيينة عن
هشام به. ثم قال الحافظ عقبه: " كلاهما محفوظان ". ذكره للحاكم أبي عبد الله
بطلب منه، قال الخليلي: " فاستجاد الحاكم واستحسن ". وفي ذلك دليل قوي على
أن المروزي عندهما ثقة يحتج به، ولولا ذلك لنسباه إلى الوهم لأنه خالف الطرق
بروايته هو عن ابن عيينة بسنده عن عروة عن عائشة ﵂. وإن مما يؤكد
ذلك أنه قد جاء من طرق أخرى عن عروة عنها عند مسلم (٨ / ٦٠ - ٦١) والطحاوي
في " المشكل " (١ / ١٢٧) والبزار (١ / ١٢٣ / ٢٣٣) والخطيب في " التاريخ "
(٥ / ٣١٣) . هذا هو الأمر الأول الدال على أن المروزي هذا ثقة حجة. وأما
الأمر الآخر: فهو أنني كنت ذكرت في خاتمة هذا التخريج أن الذهبي ﵀ صحح
إسناد الحديث من طريق المروزي هذا، وأخونا الذي أنا في صدد الرد عليه على علم
بذلك، لأنه عزا الحديث إلى الذهبي في " السير " في نفس المجلد والصفحة التي
سبقت الإشارة إليها. فليت شعري ما الذي يحمل هؤلاء الشباب الناشئين والباحثين
على عدم الاعتداد بأحكام الحفاظ المخالفة لهم، طبعا لا أريد من هذا أن يقلدوهم
، وإنما أن يقدروا جهودهم وعلمهم وتمكنهم فيه، بحيث أنهم على الأقل لا
يتسرعون في إصدار الأحكام المخالفة لهم. وهذه ذكرى و * (الذكرى تنفع المؤمنين) *. وهنا سؤال يطرح نفسه - كما يقولون اليوم -: لماذا كتم الأخ الفاضل تصحيح
стр. 4202
الذهبي المذكور؟! وهو يعلم من هو الذهبي حفظا ومعرفة بالرجال، والجرح
والتعديل؟ الوجه الآخر: قوله المتقدم: " وما ذكر أن البخاري أخرج له فقد رده
الحافظ.. " إلخ، ففيه نظر لأن الحافظ لم يتعرض في " هدي الساري " لذكر قول
ابن عدي إطلاقا، فلا يجوز القول بأنه رده. وإنما قال الأخ ما قال لظنه
التعارض بينهما ولا تعارض، لأن المثبت غير المنفي، فالذي أثبته ابن عدي يصدق
على شيوخ البخاري خارج " الصحيح "، وما نفاه الحافظ إنما هو فيما يتعلق بـ "
الصحيح "، فلا تعارض ولا رد. هذا آخر ما يتعلق بالنقطة الأولى، وخلاصتها
أن توثيق ابن حبان راوي حديث الترجمة توثيق صحيح لا وجه لرده، وأن حديثه صحيح
كما قال الحافظ النقاد: الإمام الذهبي. النقطة الثانية: أن الأخ لم يكن
دقيقا في نقده للحديث وبعض رواته، فقد عرفت من النقطة الأولى أنه لم يذكر
تصحيح الذهبي للحديث، وأقول الآن: وكذلك لم يذكر قول الحافظ في راويه (
المروزي) " صدوق "! وعلى خلاف ذلك تبنى قول الحافظ هذا في متابعه محمد بن
الفرج وهو القرشي الهاشمي مولاهم، وهو أقل ما قيل فيه، وإلا فقد وثقه
الحضرمي وابن أبي حاتم، والسراج وابن حبان، واحتج به مسلم، ولذلك قال
الذهبي في " الكاشف ": " ثقة ". ومن الواضح جدا أن تجاهله لأقوال هؤلاء
الأئمة، وتصحيح الذهبي لحديث المروزي، وعدم معرفته بكونه حجة عند الحافظ
الخليلي وغيره، إنما هو توطئة منه
стр. 4203
لتوهين طريق المروزي بالجهالة، وطريق
محمد بن الفرج بأنها حسنة فقط، ولم يقف عند هذا فقط، بل شكك في حسنه أيضا
فقال: " لكن بقي النظر في السند من الإسماعيلي إليه، فإن كان منهم من تكلم
فيه، وإلا فهو صدوق، وسنده حسن في الظاهر "! فهذا منه صريح بأنه لم يقف
على إسناد الإسماعيلي وإلا لنظر فيه، ولما تصور خلاف الواقع فيه، فظن أن
بينه وبين محمد بن فرج جمع من الرواة، والحقيقة أنه ليس بينهما إلا شيخه
العباس بن أحمد الوشاء، وهو من الشيوخ الصالحين الدارسين للقرآن، روى عنه
ثلاثة من الثقات الحفاظ الإسماعيلي هذا، والخطبي، وأبو علي الصواف، كما في
" تاريخ بغداد " (١٢ / ١٥١) (١) . فالسند إذن صحيح، لأن رجاله كلهم ثقات كما
هو مصرح في كتب القوم إلا الوشاء، وقد عرفت صلاحه ورواية الحفاظ عنه، ثم هو
متابع فلا يتعلق به إلا من يجهل هذه الصناعة. النقطة الثالثة: وهي أغربها
وأبعدها عن العلم، وذلك لأنه رجح رواية سعيد ابن منصور مع شكه وتردده بين "
المساجد الثلاثة " و " مسجد جماعة "، بحجة أن سعيدا أقوى من الثلاثة الذين
جزموا بـ " المساجد الثلاثة " ولم يشكوا، يعني المروزي وابن الفرج وهشام بن
عمار (٢) . ولم ينتبه أخونا المشار إليه أن الشك ليس علما، وأنه يجب أن يؤخذ
من كلام الشاك ما وافق الثقات، لا أن يرد جزم الثقات بشك الأوثق، فيقال:
وافق سعيد الثقات في طرف من طرفي الشك: " المساجد الثلاثة " فيؤخذ بموافقته،
ويعرض عن شكه وهو قوله: " أو مسجد جماعة "،
стр. 4204
لأنه ليس علما، ولأنه خالف
الثقات الذين جزموا ولم يشكوا. وهذا أمر واضح جدا، لا يشك فيه من أوتي علما
وفقها. أرأيت أيها الأخ لو أن جماعة اتفقوا على إثبات حق على أحد من الناس
لآخر، ثم اتفقوا على أن هذا الحق عدده مثلا خمسة، إلا أن أحدهم شك فقال:
خمسة أو ستة. أفيقول عاقل بأن الحق غير ثابت بحجة أن الشاك أوثق من الذين لم
يشكوا؟! لذلك فإني - ختاما - أقول لهذا الأخ المحب ولأمثاله من الأحبة: أرجو
مخلصا أن لا تشغلوا أنفسكم بالكتابة في علم لم تنضجوا فيه بعد، ولا تشغلونا
بالرد عليكم حين تكتبون ردا علي، ولو بطريق السؤال والاستفادة، فإن ما أنا
فيه من الاشتغال بالمشروع العظيم " تقريب السنة بين يدي الأمة " الذي يشغلني
عنه في كثير من الأحيان ردود تنشر في رسائل وكتب ومجلات من بعض أعداء السنة
من المتمذهبة والأشاعرة والمتصوفة وغيرهم، ففي هذا الانشغال ما يغنيني عن
الرد على المحبين الناشئين، فضلا عن غيرهم. والله المستعان، وعليه التكلان.
٢٧٨٧ - " من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله، أوشك الله
له بالغنى، إما بموت عاجل أو غنى عاجل ".
أخرجه الترمذي (٢٣٢٧) والحاكم (١ / ٤٠٨) وعنه البيهقي (٤ / ١٩٦)
والطبري في " تهذيب الآثار " (١ / ١٣ / ١٢ و ١٣) والدولابي في " الكنى " (١
/ ٩٦) وأبو يعلى في " مسنده " (٣ / ١٢٨٦) والبغوي في " شرح السنة " (١٤ /
٣٠١ / ٤١٠٩) من طرق عن بشير بن سلمان عن سيار (زاد البغوي: أبي الحكم) عن
طارق بن شهاب عن عبد الله بن مسعود مرفوعا به. وقال الترمذي: " حديث حسن
صحيح غريب ". وقال الحاكم:
стр. 4205
" صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. وقال
البغوي: " حديث حسن غريب ". قلت: ورجاله كلهم ثقات رجال الشيخين إن كان
سيار هو أبا الحكم كما عند البغوي، وقد قيل: إنه سيار أبو حمزة، وهو ثقة
عند ابن حبان، وقد روى عنه جمع من الثقات فهو صحيح على كل حال، وقد اختلفوا
في تقييد اسمه على وجوه ثلاثة: الأول: (سيار) دون كنية كما في التخريج
المذكور. الثاني: (سيار أبي الحكم) ، أخرجه الطبري أيضا (١ / ١١ / ١١)
وأبو يعلى (٣ / ١٣٠٨) عن محمد بن بشر العبدي، وأحمد (١ / ٣٨٩ و ٤٤٢) عن
وكيع، و (١ / ٤٠٧) عن أبي أحمد الزبيري، والطبراني في " المعجم الكبير " (
١٠ / ١٥ / ٩٧٨٥) وعنه أبو نعيم في " الحلية " (٨ / ٣١٤) عن أبي نعيم، كلهم
عن بشير بن سلمان عن سيار أبي الحكم عن طارق به. الثالث: (سيار أبي حمزة) ،
أخرجه أبو داود (١٦٤٥) من طريق ابن المبارك عن بشير بن سلمان عن سيار أبي
حمزة به. وتابعه سفيان الثوري عن بشير به. أخرجه أحمد (١ / ٤٤٢) ومن
طريقه الدولابي (١ / ٩٨) : حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان به. وقال أحمد
عقبه: " وهو الصواب: (سيار أبو حمزة) ، [وليس هو سيار أبو الحكم] ،
وسيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق بن شهاب بشيء ". ومثله في كتابه: " العلل "
(١ / ٩٧) والزيادة منه.