← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

وللحديث شاهد من حديث أبي الدرداء مرفوعا بلفظ: " لا تشرك بالله شيئا .. ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر ". وهو حديث صحيح خرجته في " الإرواء " (٢٠٨٦) . ووجدت للشطر الأول منه الشواهد التالية: الأول: عن عثمان رضي الله عنه مرفوعا بلفظ: " اجتنبوا أم الخبائث.. " الحديث. أخرجه ابن حبان في " صحيحه " (٥٣٢٤ - ترتيبه) بإسناد فيه متكلم فيه، وقد خالفه الثقة، فأوقفه كما بينته في التعليق على " الأحاديث المختارة " (رقم ٣٢٠) . الثاني: عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: " اجتنبوا كل ما أسكر ". أخرجه أبو داود (٣٧٠١) وعنه البيهقي (٨ / ٣١٠) والدارقطني (٤ / ٢٥٨) وغيرهم، وقد سبق تخريجه مع شواهد أخرى في المجلد الثاني (٨٨٦) ، فلا داعي للتكرار. ٢٧٩٩ - " لما نزلت هذه الآية التي في * (الفرقان) *: * (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق) * عجبنا للينها، فلبثنا ستة أشهر، ثم نزلت التي في * (النساء) *: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه) * حتى فرغ ". أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٥ / ١٥٠ / ٤٨٦٩) من طريق سعيد

стр. 4237

بن أبي هلال عن جهم بن أبي الجهم أن أبا الزناد أخبرهم أن خارجة بن زيد بن ثابت أخبره عن زيد بن ثابت قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد، رجاله ثقات رجال الشيخين غير جهم بن أبي الجهم، ويقال له: ابن الجهم، مولى الحارث بن حاطب القرشي الجمحي، ذكره ابن أبي حاتم (١ / ١ / ٥٢١ ) برواية اثنين عنه، وابن حبان في " الثقات " (٤ / ١١٣) برواية أحدهما، ويستدرك سعيد بن أبي هلال، فهو ثالث. وتابعه موسى بن عقبة عن أبي الزناد به. أخرجه النسائي (رقم ٤٠٠٧) وابن جرير الطبري في " التفسير " (٤ / ١٣٩) والطبراني أيضا (٤٨٧٠) من طريق محمد بن عمرو عنه به. قلت: وهذا إسناد حسن. وفي رواية للنسائي: عن محمد بن عمرو عن أبي الزناد.. به. لم يذكر بينهما موسى بن عقبة، وقال النسائي: " أدخل أبو الزناد بينه وبين خارجة مجالد بن عوف " ثم ساقه من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي الزناد عن مجالد بن عوف قال : سمعت خارجة بن زيد به نحوه. ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود (٤٢٧٢) . قلت: وهذا إسناد حسن أيضا لولا أن مجالدا هذا لم يوثقه غير ابن حبان (٧ / ٢٩٦) وسماه " عوف بن مجالد " على القلب، لكن قال الحافظ في " التقريب ":

стр. 4238

" صدوق ". (انظر تعليقي على هذه الترجمة من كتابي الجديد " تيسير انتفاع الخلان بكتاب ثقات ابن حبان ") . والظاهر أن مجالدا هذا هو الرجل الذي جاء ذكره في رواية ابن عيينة عن أبي الزناد قال: سمعت رجلا يحدث خارجة بن زيد بن ثابت قال: سمعت أباك في هذا المكان بمنى يقول: فذكره نحوه. ومن الظاهر أيضا أن أبا الزناد بعد أن سمع الحديث من الرجل سمعه من خارجة مباشرة كما تدل عليه رواية الطبراني الأولى. وللحديث شاهد من حديث ابن عباس. أخرجه ابن جرير (٥ / ١٣٨ - ١٣٩) من طريقين عنه يقوي أحدهما الآخر، فيرتقي الحديث بهما إلى مرتبة الصحيح. ويشهد له حديث القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: هل لمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ قال: لا، وقرأت عليه الآية التي في (الفرقان) .. وقال: " هذه آية مكية نسختها آية مدنية: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) * " أخرجه البخاري (٤٧٦٤) والنسائي (٤٠٠١) والسياق له. ( تنبيهان) : الأول: كل هذه الروايات المتقدمة صريحة في تأخر نزول آية (النساء ) عن آية (الفرقان) ، إلا رواية مجالد بن عوف عند النسائي فإنها بلفظ:

стр. 4239

" نزلت * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا..) * أشفقنا منها، فنزلت الآية التي في ( الفرقان) : * (والذين لا يدعون..) * " الآية. فهي رواية منكرة، لا أدري الخطأ ممن، فإنها عند النسائي كما عند أبي داود من طريق واحد: عن مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الرحمن بن إسحاق به، ولولا ذلك لكان من الواضح القول بأن الخطأ من مجالد بن عوف لما عرفت من جهالته. والله أعلم. الثاني: في رواية البخاري المتقدمة عن ابن عباس أنه قال: لا توبة للقاتل عمدا ، وهذا مشهور عنه، له طرق كثيرة كما قال ابن كثير وابن حجر، والجمهور على خلافه، وهو الصواب الذي لا ريب فيه، وآية (الفرقان) صريحة في ذلك، ولا تخالفها آية (النساء) لأن هذه في عقوبة القاتل وليست في توبته، وهذا ظاهر جدا، وكأنه لذلك رجع إليه كما وقفت عليه في بعض الروايات عنه، رأيت أنه لابد من ذكرها لعزتها، وإغفال الحافظين لها: الأولى: ما رواه عطاء بن يسار عنه: أنه أتاه رجل، فقال: إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه، فغرت عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أمك حية؟ قال: لا. قال : " تب إلى الله ، وتقرب إليه ما استطعت ". فذهبت فسألت ابن عباس: لم سألته عن حياة أمه؟ فقال: " إني لا أعلم عملا أقرب إلى الله من بر الوالدة ". أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (رقم ٤) بسند صحيح على شرط " الصحيحين ".

стр. 4240

الثانية: ما رواه سعيد عن ابن عباس في قوله: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) *، قال: ليس لقاتل توبة، إلا أن يستغفر الله. أخرجه ابن جرير (٥ / ١٣٨) بسند جيد، ولعله يعني أنه لا يغفر له، على قوله الأول، ثم استدرك على نفسه فقال: " إلا أن يستغفر الله ". والله أعلم. ٢٨٠٠ - " ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقا لم تكذبوهم وإن كان باطلا لم تصدقوهم ". أخرجه أبو داود (٢ / ١٢٤) وعبد الرزاق في " المصنف " (٢٠٠٥٩) وابن حبان (١١٠) والدولابي في " الكنى " (١ / ٥٨) والبيهقي (٢ / ١٠) وفي " الشعب " (٢ / ٩٩ / ١) وأحمد (٤ / ١٣٦) وابن منده في " المعرفة " (٢ / ٢٦٦ / ٢) من طريق الزهري: أخبرني ابن أبي نملة عن أبيه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ دخل عليه رجل من اليهود فقال: يا محمد أتكلم هذه الجنازة؟ فقال النبي ﷺ : الله أعلم، فقال اليهودي: أنا أشهد أنها تكلم، فقال النبي ﷺ : فذكره. وإسناده ثقات رجال الشيخين غير ابن أبي نملة، قال البيهقي: هو نملة ابن أبي نملة الأنصاري. قلت: في " التقريب ": " إنه مقبول ". فهو في عداد المجهولين، فالإسناد على هذا ضعيف. ولفظ أحمد: " إذا حدثكم ".

стр. 4241

ثم ظهر لي أنني كنت مخطئا في اعتمادي على قول الحافظ: " مقبول "، الذي يعني أنه غير مقبول عند التفرد، وذلك أنه هو نفسه قد ذكر في ترجمة (نملة بن أبي نملة) من " التهذيب " أنه: " روى عنه - غير الزهري - عاصم ويعقوب ابنا عمر بن قتادة، وضمرة بن سعيد ومروان بن أبي سعيد ، وذكره ابن حبان في (الثقات) وأخرج حديثه في (صحيحه) ". قلت: فهؤلاء جمع - أكثرهم ثقات - مع كونه تابعيا يروي عن أبيه، وعهدي بالحافظ ومن قبله الذهبي أنهم يقولون في مثله: " صدوق ". وأنهم يحسنون أو يجودون حديثه لغلبة الظن في صدقه، وسلامة حديثه من الخطأ. والله أعلم. وإن مما يقوي الحديث أن له شاهدا يرويه الحارث بن عبيدة: حدثنا الزهري عن سالم عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال: " كنا مع رسول الله ﷺ فمر بجنازة ، فقال رجل من اليهود: " يا محمد! تكلم هذه الجنازة؟ "، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اليهودي: " أنا أشهد أنها تكلم "، فقال رسول الله ﷺ :.. " فذكره نحوه مختصرا إلى قوله: " ورسله "، ودون قوله: " فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ". أخرجه الحاكم (٣ / ٣٥٨) وقال: " هذا حديث يعرف بالحارث بن عبيدة الرهاوي ". قلت: وهو ضعيف كما قال الذهبي نفسه في " الضعفاء " تبعا للدارقطني، لكن يمكن أن يستشهد به لأنه ليس شديد الضعف، فقد قال أبو حاتم:

стр. 4242

" ليس بالقوي ". وذكره ابن حبان في " الثقات " (٦ / ١٧٦ ) ولكنه سرعان ما تناقض فذكره في " الضعفاء " أيضا (١ / ٢٢٤) وقال: " لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد ". قلت: وهذا يعني أنه ليس شديد الضعف، فيجوز الاستشهاد به والله تعالى أعلم. هذا، وقد زاد ابن حبان في آخر الحديث : " وقد زاد ابن حبان في آخر الحديث: " وقال: قاتل الله اليهود لقد أوتوا علما ". قلت: وتكلم الجنازة مما ينبغي أن يصدق به لثبوت ذلك في بعض الأحاديث الصحيحة، كقوله ﷺ : " إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت : يا ويلها أين يذهبون بها؟! يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لصعق ". أخرجه البخاري وغيره، وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (ص ٧٢) . فقوله ﷺ جوابا عن سؤال اليهودي: " الله أعلم "، الظاهر أنه كان قبل أن يوحى إليه بهذا الحديث الصحيح الصريح في تكلم الجنازة وبصوت. والله أعلم. ثم إن الحديث في " صحيح البخاري " من حديث أبي هريرة مرفوعا دون قوله: " فإن كان حقا.. " إلخ، وقد مضى برقم (٤٢٢) . وقد التبس هذا بحديث الترجمة على شيخ الإسلام ابن تيمية، فانظر التعليق على " فضائل الشام " (ص ٥٥ - عمان) .

стр. 4243

٢٨٠١ - " لا يقولن أحدكم: زرعت، ولكن ليقل: حرثت ". أخرجه ابن جرير الطبري في " التفسير " (٢٧ / ١١٤) والبزار (١٢٨٩) وابن حبان (٥٦٩٣ - الإحسان) والطبراني في " الأوسط " (١ / ١٤٩ / ١ - الظاهرية) وأبو نعيم في " الحلية " (٨ / ٢٦٧) والسهمي في " تاريخ جرجان " (٣٦٩) والبيهقي في " السنن " (٦ / ١٣٨) وفي " شعب الإيمان " أيضا (٤ / ٢٨٠١) كلهم من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي: حدثنا مخلد بن الحسين عن هشام بن حسان عن محمد ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ... (فذكره) ، قال محمد: قال أبو هريرة: " ألم تسمعوا إلى قول الله : * ( أفرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) * ". قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات رجال مسلم غير مسلم بن أبي مسلم الجرمي، أورده ابن حبان في " الثقات " (٩ / ١٥٨) وقال: " حدثنا عنه الحسن بن سفيان وأبو يعلى، ربما أخطأ، مات سنة (٢٤٠) ". قلت: ووثقه الخطيب أيضا في " تاريخ بغداد " (١٣ / ١٠٠) وذكر أنه بغدادي نزل (طرسوس) وبها كانت وفاته. قلت: وحسن له الحافظ في " الفتح " (٤ / ٣٥١) حديثا في النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، وهو مخرج في " أحاديث بيوع الموسوعة " ولم يعرفه الهيثمي، فقال في كل من الحديثين (٤ / ٩٨ - ٩٩ و ١٢٠) : " لم أجد من ترجمه "!! وقلده في ذلك الشيخ الأعظمي في تعليقه على " كشف الأستار " (٢ / ٨٦ و ٩٦) كما قلده في الثاني منهما المناوي في " فيض القدير "!

стр. 4244

وأما البيهقي فقد ضعف الحديث بقوله بعد أن روى من طريق ليث عن مجاهد قال: فذكره نحوه: " هذا من قول مجاهد، وقد روي فيه حديث مرفوع غير قوي ". ثم ساقه. ونقله الحافظ في ترجمة مسلم هذا في " اللسان "، وقال عقبه: " قلت: ليس في إسناده من ينظر فيه غير مسلم هذا ". قلت: قد عرفت أنه وثقه الخطيب أيضا، وهذا مما فات الحافظ وغيره، فلا داعي للتردد في تقويته، والله الموفق. وقد يخطر في البال أن الحديث مخالف لأحاديث صحيحة منها قوله ﷺ : " ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة ". أخرجه الشيخان وغيرهما كما في " الصحيحة " (رقم ٧) . قال الحافظ في " الفتح " (٥ / ٤) : " فيه جواز نسبة الزرع إلى الآدمي، وقد ورد في المنع منه حديث غير قوي أخرجه ابن أبي حاتم.. " فذكره. وأقول: قد عرفت أن الحديث قوي فلابد حينئذ من التوفيق بينه وبين حديث الصحيحين بوجه من وجوه التوفيق المعروفة، كأن يحمل حديث الترجمة على أن النهي فيه للكراهة كما قالوا في التوفيق بين أحاديث النهي عن تسمية العنب كرما وبين أحاديث أخرى جاء فيها كقوله ﷺ : " الخمر من هاتين الشجرتين: الكرمة والنخلة ". رواه مسلم (٦ / ٨٩) وكحديث النهي عن بيع الكرم بالزبيب (" انظر " فتح الباري " ٤ / ٣٨٥ - ٣٨٦) .

стр. 4245

أو يقدم حديث الترجمة أنه حاظر، والحاظر مقدم على المبيح. والله أعلم. ٢٨٠٢ - " إن كان قضاء من رمضان فاقضي يوما مكانه، وإن كان تطوعا فإن شئت فاقضي، وإن شئت فلا تقضي ". أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٦ / ٣٤٣ - ٣٤٤) والدارمي (٢ / ١٦) والطحاوي في " شرح المعاني " (١ / ٣٥٣ - هندية) والطيالسي أيضا (رقم ١٦١٦) والطبراني في " المعجم الكبير " (٢٤ / ٤٠٧ / ٩٩٠) من طريق حماد بن سلمة: حدثنا سماك بن حرب عن هارون ابن بنت أم هانىء أو ابن ابن أم هانىء عن أم هانىء: أن رسول الله ﷺ شرب شرابا فناولها لتشرب، فقالت: إني صائمة ولكن كرهت أن أرد سؤرك. فقال: فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف، هارون هذا مجهول كما قال الحافظ في " التقريب "، وقال الذهبي في " الميزان ": " لا يعرف ولا هو في (ثقات ابن حبان) ". وقد اضطربوا في إسناده على سماك على وجوه ذكرتها وخرجتها في صحيح أبي داود " (٢١٢٠) وقد انتهيت فيه إلى تحسين الحديث أو تصحيحه لطرقه، وقد حسن العراقي أحد أسانيده. إنما خرجت هذا اللفظ هنا للنظر فيما ذكره الشوكاني حوله من الفقه، فقد ذكر في " السيل الجرار " (٢ / ١٥١) عن صاحب " حدائق الأزهار " أنه قال فيمن يقضي ما عليه من الصيام فأفطر: أنه يأثم، فرد عليه الشوكاني بهذا الحديث، فقال:

стр. 4246

" وفيه دليل على جواز إفطار القاضي ويقضي يوما مكانه وإن كان فيه المقال المتقدم ولكن الدليل على من قال : إنه لا يجوز إفطار القاضي ". وأقول: أولا: ليس في الحديث ما ادعاه من الجواز والأمر بالقضاء لا يستلزم جواز الإفطار فيه، كما لا يخفى إن شاء الله تعالى، ألا ترى أنه لا يجوز الإفطار في رمضان بالجماع اتفاقا ومع ذلك أمر صلى الله عليه وسلم الذي أفطر به أن يقضي يوما مكانه مع الكفارة وهو ثابت بمجموع طرقه كما بينته في " صحيح أبي داود " (٢٠٧٣) ولذلك قواه الحافظ وتبعه الشوكاني نفسه في " النيل " (٤ / ١٨٤ - ١٨٥) وفي " السيل " (٢ / ١٢٠ - ١٢١ ) ، فأمره ﷺ بالقضاء لأم هانىء لو كانت أفطرت منه لا يعني جواز ما فعلت، فكيف وإفطارها كان من تطوع؟ ثانيا: أنها قالت في رواية للترمذي وغيره: " إني أذنبت فاستغفر لي "، فقال: " وما ذاك؟ "، قالت: كنت صائمة فأفطرت. فقال: " أمن قضاء كنت تقضينه؟ "، قالت: لا. فإذا اعترفت بخطئها في ظنها لم يبق مجال لينكر عليها إفطارها - ولو كان من القضاء - ولم يبق إلا أن يبين لها وجوب إعادته، وهذا هو ما دل عليه الحديث. وزاد أبو داود في رواية عقب ما تقدم: " قال: فلا يضرك إن كان تطوعا ". ومفهومه أنه يضرها لو كان قضاء. وهذا واضح إن شاء الله. ثالثا: الدليل هو اعتبار الأصل، فكما لا يجوز إبطال الصيام في رمضان بدون عذر، فكذلك لا يجوز إفطار قضائه ومن فرق فعليه الدليل.

стр. 4247

رابعا: لقد سلم الشوكاني في " النيل " (٤ / ٢٢٠) بصواب قول ابن المنير: " ليس في تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة كقوله تعالى: * (ولا تبطلوا أعمالكم) *، إلا أن الخاص يقدم على العام كحديث سلمان.. ". إذا كان الأمر كذلك فتكون الآية بعمومها دليلا واضحا لنا عليه، لعدم وجود الدليل المخصص لها فيما نحن فيه. والله أعلم. ٢٨٠٣ - " أما بعد أيها الناس، فإن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، الناس رجلان: بر تقي كريم على ربه، وفاجر شقي هين على ربه، ثم تلا: * (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) * حتى قرأ الآية، ثم قال: أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم ". أخرجه ابن حبان في " صحيحه " (٣٨١٧) : أخبرنا مكحول بـ (بيروت) قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد قال: حدثنا عبد الله بن رجاء قال: حدثنا موسى بن عقبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته القصواء يوم الفتح واستلم الركن بمحجنه وما وجد لها مناخا في المسجد حتى أخرجت إلى بطن الوادي فأنيخت، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم غير مكحول وشيخه محمد بن عبد الله بن يزيد وهما ثقتان معروفان.

стр. 4248

وللحديث طريق أخرى عن ابن دينار، فقال عبد بن حميد في " المنتخب من المسند " (ق ١٠٥ / ٢) : أنبأنا أبو عاصم عن موسى بن عبيدة الربذي عن عبد الله بن دينار به، ورواه البغوي في " تفسيره " ( ٧ / ٣٤٩) . وموسى بن عبيدة ضعيف، فالعمدة على موسى بن عقبة. وقد تابعهما عبد الله بن جعفر: حدثنا عبد الله بن دينار به مختصرا وليس فيه جملة الاستغفار. وقد مضى لفظ ابن جعفر تحت الحديث (٢٧٠٠) . (عبية) يعني الكبر ، وتضم عينها وتكسر كما في " النهاية ". ٢٨٠٤ - " كل ابن آدم أصاب من الزنا لا محالة، فالعين زناها النظر، واليد زناها اللمس، والنفس تهوى وتحدث، ويصدق ذلك أو يكذبه الفرج ". أخرجه الإمام أحمد (٢ / ٣٤٩ - ٣٥٠) : حدثنا حسن: حدثنا ابن لهيعة حدثنا عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات إلا أن ابن لهيعة في حفظه ضعف لكنه قد توبع فدل على أنه قد حفظه، فهو من صحيح حديثه، فقال ابن حبان في " صحيحه " (٤٤٠٥ - الإحسان) : أخبرنا محمد بن أحمد بن ثوبان الطرسوسي: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي: حدثنا شعيب بن الليث بن سعد عن الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن الأعرج به. قلت: فهذه متابعة قوية لابن لهيعة من جعفر بن ربيعة، فإنه ثقة من رجال الشيخين ومن دونه ثقات أيضا مترجمون في " التهذيب " غير الطرسوسي هذا،

стр. 4249

فإني لم أقف له على ترجمة ولعله في " تاريخ دمشق " لابن عساكر ، فليراجع (١) ، وعلى كل حال، فهو من شيوخ ابن حبان وهم في الغالب من الثقات الذين عرفهم شخصيا وليس على قاعدته المعروفة في توثيقه للمجهولين حتى عنده هو نفسه، فإن لم يكن من أولئك الثقات، فلا أقل من أن يصلح في الشواهد والمتابعات، والله أعلم. وقد جاء الحديث عن أبي هريرة بألفاظ مختلفة من طرق عدة بعضها في " الصحيحين " وقد خرجتها في " الإرواء " (١٧٨٧) و " صحيح أبي داود " (١٨٦٨) . وفي الحديث دليل واضح على تحريم مصافحة النساء الأجنبيات وأنها كالنظر إليهن وأن ذلك نوع من الزنا، ففيه رد على بعض الأحزاب الإسلامية الذين وزعوا على الناس نشرة يبيحون لهم فيها مصافحة النساء غير عابئين بهذا الحديث فضلا عن غيره من الأحاديث الواردة في هذا الباب. وقد سبق بعضها برقم (٢٢٦) ، ولا بقاعدة " سد الذرائع " التي دل عليها الكتاب والسنة، ومنها هذا الحديث الصحيح. والله المستعان. ٢٨٠٥ - " لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها، فإنما رزقها على الله عز وجل ". أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٢٣ / ٢٥٣ / ٥١٧) : حدثنا أبو يحيى الرازي حدثنا محمود بن غيلان حدثنا مؤمل عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي سلمة عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٤ / ٣٣٣) :

стр. 4250

" رواه الطبراني عن شيخه أبي يحيى الرازي ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات ". وأقره المناوي في " الجامع الأزهر " ! كذا قال، وفيه أمور: أولا: أبو يحيى الرازي هو عبد الرحمن بن محمد بن سلم الرازي كما في " المقتنى في الكنى " للذهبي، وقد روى له الطبراني حديثا واحدا في " المعجم الصغير " (١١٩٧) باسمه وكنيته، لكنه نسبه إلى جده لم يذكر أباه وكذلك ذكره دون الكنية في " المعجم الأوسط "، وساق له ستة وعشرين حديثا ( ٤٨٦٤ - ٤٨٩٠ - بترقيمي) أحدها (٤٨٧٤) من روايته عن محمود بن غيلان شيخه في حديث الترجمة، وقد ترجمه أبو الشيخ في " طبقات الأصبهانيين " (٣٣٩ / ٤٥٩) منسوبا إلى أبيه وجده وبكنيته، وكذلك أبو نعيم في " أخبار أصبهان " (٢ / ١١٢) والذهبي في " تذكرة الحفاظ " وقال: " وكان من الثقات، توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين ". ثانيا: مؤمل هو ابن إسماعيل البصري نزيل مكة، مختلف فيه وقد وصفه غير واحد من المتقدمين بأنه كثير الخطأ مع الصدق، وإليه جنح الذهبي في " الكاشف "، وقال الحافظ في " التقريب ": " صدوق، سيىء الحفظ ". فحشر مثله في زمرة الثقات لا يخفى ما فيه من التساهل. ثالثا: أبو إسحاق - وهو السبيعي - كان يدلس، وقد عنعنه. لكن الحديث صحيح فإن له شاهدا قويا من حديث أبي هريرة مرفوعا به إلا أنه قال: " فإن الله رازقها ".

стр. 4251

أخرجه مسلم (٤ / ١٣٦) وهو في " الصحيحين " بنحوه، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (١٨٩١) وأخرجه ابن حبان أيضا في " صحيحه " (٤٠٥٧ - الإحسان) بلفظ " الصحيحين ". ثم ساقه (٤٠٥٨) من وجه آخر بلفظ: " فإن المسلمة أخت المسلمة ". وإسناده صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم غير شيخه ابن سلم، وهو (عبد الله بن محمد بن سلم المقدسي) وثقه ابن حبان والذهبي في " السير " (١٤ / ٣٠٦) . وهنا لابد من التنبيه على أشياء وقفت عليها: ١ - وقع في " المجمع ": " إنائها " مكان " صحفتها " ولعله خطأ مطبعي، وعلى الصواب وقع في " الجامع الكبير ". ٢ - ووقع في " الجامع الأزهر ": " صحيفتها " وفي " المعجم الكبير " " صفحتها "، وكل ذلك خطأ، فإن " الصحيفة " ما يكتب فيه من ورق ونحوه. و " الصفحة " جانب الشيء، وصفحة الورقة أحد جانبيها. وأما " الصحفة " فهي إناء كالقصعة المبسوطة ونحوها، قال ابن الأثير: " وهذا مثل يريد الاستكثار عليها بحظها فتكون كمن استفرغ صحفة غيره وقلب ما في إنائه إلى إناء نفسه ". ٣ - وقع في " المعجم ": ".. أبو يحيى الداري [الرازي] "! كأنه يشير إلى اختلاف النسخ أو القراءة، والصواب " الرازي " وحذف " الداري " كما يتبين من ترجمته المتقدمة. ٢٨٠٦ - " صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر وإفطاره ". أخرجه أحمد (٤ / ١٩ و ٥ / ٣٤ و ٣٥) عن عفان ووكيع ووهب بن جرير

стр. 4252

والبزار (١٠٥٩ - الكشف) عن محمد بن جعفر ويحيى بن سعيد القطان، والطبراني في " المعجم الكبير " (١٩ / ٢٦ / ٥٣) والدارمي أيضا (٢ / ١٩) عن أبي الوليد الطيالسي، ستتهم عن شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح كما قال المنذري (٢ / ٨٢) ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي (٣ / ١٩٦) ، وصححه ابن حبان وقد أخرجه (٣٦٤٥ - الإحسان) من طريق وكيع به. ثم قال (٣٦٤٤) : أخبرنا أبو يعلى: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا يحيى بن سعيد به إلا أنه قال: " وقيامه " مكان: " وإفطاره ". وقال ابن حبان: " قال وكيع عن شعبة في هذا الخبر: " وإفطاره "، وقال يحيى القطان عن شعبة: " وقيامه "، وهما جميعا حافظان متقنان ". كذا قال: وهو يشير بذلك إلى أن اللفظين محفوظان صحيحان! وأرى أن لفظ " وقيامه " شاذ غير محفوظ، لمخالفته للفظ الذي اتفق عليه الستة وفيهم القطان: " وإفطاره "، فاتفاقهم حجة ومن شذ عنهم فليس بحجة، وليس هو القطان كما يشعر به كلام ابن حبان، بل هو راو ممن دونه كائنا من كان، فالاختلاف ليس بين القطان ووكيع وإنما بين أحد المشار إليهم في رواية ابن حبان، ومن رواه عند البزار عن القطان وفق رواية الجماعة. حتى لو فرضنا أن رواية البزار هذه خطأ على القطان، وأن المحفوظ عنه رواية ابن حبان، فهي شاذة أيضا لمخالفته لرواية الثقات الخمسة. وما الحديث الشاذ إلا مخالفة الثقة للثقات، بل هذه الرواية من أحسن الأمثلة عندي للحديث الشاذ. والله أعلم.

стр. 4253

ويشهد للحديث ما رواه الطبراني عن عبد الله بن عمرو مرفوعا في حديث: ".. وصام إبراهيم ﵇ ثلاثة أيام من كل شهر، صام الدهر وأفطر الدهر ". وفيه ابن لهيعة وهو حسن الحديث في الشواهد، وقد أعله المنذري والهيثمي بأبي فراس وهو من رجال مسلم، ولكنهما لم يعرفاه كما كنت بينته قديما في السلسلة الأخرى (٤٥٩) . ويؤيد الحديث قوله ﷺ : " من صام الأبد، فلا صام ولا أفطر ". أخرجه ابن حبان وغيره بسند صحيح كما في " التعليق الرغيب " (٢ / ٨٨) . وذلك لأن الشارع الحكيم إذا جعل صيام ثلاثة أيام من كل شهر كما لو صام الدهر، فمن صامهن فقد صام وأفطر. والله أعلم. ٢٨٠٧ - " اللهم إني أحبه، فأحببه وأحب من يحبه. يعني الحسن بن علي ﵄ ". أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (١١٨٣) وأحمد (١ / ٥٣٢) وابنه عبد الله في " فضائل الصحابة " (٢ / ٧٨٨ / ١٤٠٧) والحاكم (٣ / ١٧٨) من طرق عن هشام بن سعد عن نعيم بن المجمر عن أبي هريرة قال: ما رأيت حسنا قط إلا فاضت عيناي دموعا وذلك أن النبي ﷺ خرج يوما فوجدني في المسجد فأخذ بيدي، فانطلقت معه فما كلمني حتى جئنا سوق بني قينقاع، فطاف به ونظر، ثم انصرف وأنا معه حتى جئنا المسجد فجلس فاحتبى ثم قال:

стр. 4254

" أين لكاع؟ ادع لي لكاع ". فجاء حسن يشتد فوقع في حجره، ثم أدخل يده في لحيته، ثم جعل النبي ﷺ يفتح فاه، فيدخل فاه في فيه، ثم قال: فذكره. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. وأقول: إنما هو حسن فقط للكلام اليسير الذي في هشام بن سعد. (تنبيه) : وقع عند الحاكم (الحسين بن علي) مكان (حسن) ولعله وهم من الراوي عنده (أبو عبيدة بن الفضيل بن عياض) ، فقد قال الذهبي: " فيه لين، قال ابن الجوزي: ضعيف ". فتعقبه الحافظ بقوله: " وثقه الدارقطني، فلا يلتفت إلى تضعيف ابن الجوزي بلا سبب. وذكره ابن حبان في " الثقات " وأخرج حديثه في " صحيحه "، وكذلك الحاكم.. ". قلت: لم أره في نسخة " الثقات " المطبوعة ولا في فهرس " صحيحه " وليس خطأ مطبعيا، فإنه ذكره في ترجمة (الحسين) ﵁. ومما يؤكد الخطأ أن الحديث أخرجه البخاري (٥٨٨٤) مختصرا، وكذا مسلم (٧ / ١٣٠) وابن حبان (٦٩٢٤) وأحمد (٢ / ٣٣١) من طريق أخرى عن أبي هريرة به، وفيه (الحسن) . ومن أوهام الأخ (وصي الله) في تعليقه على " الفضائل " أنه ضعف إسناده بـ (هشام بن سعد) . ثم استدرك فقال: " ولكن الحديث صحيح، فقد أخرجه البخاري.. ومسلم.. "! ولا يخفى أن هذا إنما يشهد لبعضه، فلا يتقوى الحديث كله به، لو كان

стр. 4255

إسناده ضعيفا كما قال، وإنما هو حسن كما قلنا، ويشهد هذا لبعضه، وكأنه اغتر بعزو فؤاد عبد الباقي إياه للشيخين، في تخريجه لـ " الأدب المفرد " (ص ٣٠٤) ! وهذا عكس شارحه (الجيلاني) ، فإنه لم يعزه إلا للحاكم! ٢٨٠٨ - " إن من بعدكم الكذاب المضل، وإن رأسه من بعده حبك حبك - ثلاث مرات - وإنه سيقول: أنا ربكم، فمن قال: لست ربنا، لكن ربنا الله عليه توكلنا وإليه أنبنا، نعوذ بالله من شرك، لم يكن له عليه سلطان ". أخرجه الإمام أحمد (٥ / ٣٧٢) : حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة قال: رأيت رجلا بالمدينة وقد طاف الناس به، وهو يقول: " قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ "، فإذا رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: فسمعته وهو يقول: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح غاية رجاله ثقات رجال الشيخين وجهالة الصحابي لا تضر كما هو مقرر في علم المصطلح. قوله: " من بعده ": أي: من ورائه. " حبك ": أي: شعر رأسه متكسر من الجعودة مثل الماء الساكن أو الرمل إذا هبت عليهما الريح فيتجعدان ويصيران طرائق. كما في " النهاية ". والحديث دليل صريح على أن الدجال الأكبر هو شخص له رأس وشعر، وليس معنى وكناية عن الفساد كما يحلو لبعض ضعفاء الإيمان أن يتناولوا أحاديثه الكثيرة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتواتر كما صرح به أئمة الحديث، فلا تغتر بعد

стр. 4256

ذلك أيها القارىء بمن لا علم عنده بحديث رسول الله ﷺ مهما كان شأنه ومقامه في غير هذا العلم الشريف. والحديث أورده السيوطي في " الجامع الكبير " (٢٧٣٦ و٧٢٢٢) من رواية أحمد والخطيب عن رجل من الصحابة، وبيض له فلم يبين مرتبته من الثبوت كما هي عادته على الغالب، وكذلك فعلت اللجنة القائمة على نشره والتعليق عليه! وكان عليها على الأقل أن تعلق عليه بقول الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٧ / ٣٤٣) : " رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح "! وإن كان هذا لا يدل القارىء على أن السند صحيح كما نبهنا عليه مرارا. وبأن الهيثمي ذكر له شاهدا من رواية أحمد أيضا والطبراني عن هشام بن عامر مرفوعا نحوه، وقال في رجال أحمد: " رجال الصحيح ". وهو عنده (٤ / ٢٠) من طريق عبد الرزاق، وهذا في " المصنف " (١١ / ٣٩٥ / ٢٠٨٢٨) قال: أخبرنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن هشام بن عامر به نحوه. وهذا إسناد صحيح أيضا، استنفدنا منه تسمية الصحابي الذي لم يسم في الإسناد الأول، وإذا كانت التسمية هذه محفوظة فيه، فهي تعطينا فائدة أخرى وهي أن أبا قلابة سمع من هشام بن عامر، خلافا لقيل من قال: إنه لم يسمع منه، والله أعلم. (تنبيه) : من أخطاء بعض المتهافتين على وضع الفهارس الحديثية ممن لا معرفة عندهم بهذا العلم الشريف جعله صحابي حديث الترجمة:

стр. 4257

" أبو قلاب "!! فهذا خطأ علمي مع خطأ مطبعي!! انظر " فهرس مجمع الزوائد " (١ / ٢٧٢) . ثم رأيت الحديث في " تاريخ بغداد " (١١ / ١٦١) من طريق عبيد الله بن عمرو عن أيوب به. قلت: وهذا سند صحيح أيضا. ٢٨٠٩ - " كان يقرأ: * (إنه عمل غير صالح) * ". أخرجه البخاري في " التاريخ " (١ / ١ / ٢٨٦ - ٢٨٧ و ١ / ٢ / ٢٥٢) : قال لنا مالك بن إسماعيل عن إبراهيم بن الزبرقان عن أبي روق عن محمد بن جحادة عن أبيه عن عائشة مرفوعا. وأخرجه الحاكم (٢ / ٢٤١) من طريق أخرى عن إبراهيم بن الزبرقان به. وسكت عنه، وقال الذهبي: " قلت: إسناده مظلم ". قلت: علته جحادة والد محمد، فإنه في عداد المجهولين، أورده البخاري في ترجمته ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وكذلك بيض له ابن أبي حاتم، فلم يذكر فيه شيئا، ولا راويا عنه غير ابنه محمد. وأما ابن حبان فذكره في " ثقاته " (٤ / ١١٩) ! وأبو روق اسمه عطية بن الحارث صدوق، ووقع في " المستدرك " (أبو زوقة) فقال مصححه: " هكذا في الأصول ولعله تصحيف، فإنه لم يوجد: أبو زوقة عن محمد بن جحادة "

стр. 4258

وإبراهيم بن الزبرقان وثقه ابن معين وجمع، وقال أبو حاتم: " محله الصدق يكتب حديثه ولا يحتج به ". قلت: وقد خولف في إسناده، فقال الطبراني في " المعجم الأوسط " (١ / ٢٥٩ / ٢ / ٤٤٦٠) : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: أخبرنا إبراهيم بن دينار قال: حدثنا حماد بن خالد الخياط عن بشر بن خالد عن عطية بن الحارث عن حميد الأزرق عن مسروق عن عائشة به. وقال: " لا يروى عن مسروق إلا بهذا الإسناد، تفرد به إبراهيم بن دينار ". قلت: وهو ثقة من رجال مسلم ومثله شيخه الخياط. وأما بشر بن خالد، فلا يعرف إلا برواية الخياط هذه . ومع ذلك ذكره ابن حبان في " الثقات " (٨ / ١٩٩) ووقع فيه: " بشر بن خالد بن عطية بن الحارث " تبعا لـ " تاريخ البخاري "! خلافا لما في " الجرح "، فهو موافق لهذه الرواية، فهو أرجح. وحميد الأزرق لم أعرفه، وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٧ / ١٥٥) : " رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه حميد بن الأزرق ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات "! كذا وقع فيه: " ابن الأزرق "، وهو خلاف ما في " الأوسط " كما تقدم، وخلاف كتابه الآخر " مجمع البحرين " فالظاهر أن أداة النسبة " ابن " مقحمة من الناسخ أو الطابع. والله أعلم. وللحديث شاهد من رواية شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد مرفوعا. أخرجه أبو داود (٣٩٨٢ - ٣٩٨٣) والترمذي (٣١١٢ - ٣١١٣) وغيره، وبسط القول في تخريجه محله في " صحيح أبي داود " بإذن الله ﵎.

стр. 4259

وشاهد آخر من طريق سليمان بن قتة عن ابن عباس أنه قرأ: * (عمل غير صالح) *. أخرجه ابن جرير الطبري في " تفسيره " (١٢ / ٣٣) : حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا ابن عيينة عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قتة به. قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات غير ابن وكيع واسمه سفيان وهو ضعيف كما قال الذهبي في " الكاشف "، وقال الحافظ في " التقريب " مبينا سبب ضعفه: " كان صدوقا إلا أنه ابتلى بوراقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه فنصح فلم يقبل فسقط حديثه ". ولعله يصلح للشهادة أيضا ما رواه قتادة وغيره عن عكرمة قال: " في بعض الحروف أنه عمل عملا غير صالح ". وإسناده إلى عكرمة صحيح. وجملة القول أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح عندي، ولاسيما وقد قرأ بهذه القراءة التي جاءت فيه جماعة من السلف كما ذكر ابن جرير ، وإن كان رجح هو قراءة جماهير القراء: * (إنه عمل غير صالح) *، فراجعه إن شئت. (تنبيه) : حديث الترجمة عزاه السيوطي في " الدر المنثور " (٣ / ٣٣٦) للبخاري في " تاريخه " وابن مردويه والخطيب من طرق عن عائشة. كذا قال: " من طرق "، فإذا صح ذلك فالحديث يزداد قوة بها. والله أعلم. ثم وجدت ترجمة حميد الأزرق - بدلالة أحد الإخوة جزاه الله خيرا - في " ثقات ابن حبان " (٤ / ١٤٨ - ١٤٩) أورده في (التابعين) وسمى أباه " زاذويه الأزرق "، وقال:

стр. 4260

" يروي عن أنس بن مالك. روى عنه ابن عون. وليس بحميد الطويل ". وكذا في " تاريخ البخاري " و " الجرح والتعديل ". وقال ابن ماكولا وتبعه الحافظ في " التقريب ": " مجهول ". قلت: وفاتهم رواية عطية بن الحارث عنه هذا الحديث، إن كانت محفوظة فإن عطية وإن كان صدوقا فالراوي عنه بشر بن خالد فيه جهالة كما تقدم. والله أعلم. ٢٨١٠ - " ضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، فقال أبو رزين: أويضحك الرب ؟ قال: نعم. فقال: لن نعدم من رب يضحك خيرا ". أخرجه الطيالسي في " مسنده " (١٠٩٢) : حدثنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن أبي رزين قال: قال النبي ﷺ : فذكره. ومن هذا الوجه أخرجه أحمد في " المسند " (٤ / ١٢) وفي " السنة " (٤٥٢ - دار ابن القيم) وابن أبي عاصم في " السنة " (رقم ٥٥٤ - بتحقيقي) وابن ماجه في " سننه " (رقم ٢٨١) وعبد الله بن أحمد في " زوائد السنة " (٤٥٣) والدارقطني في " الصفات " (٤٦ / ٣٠ - تحقيق الدكتور الفقيهي) والآجري في " الشريعة " (ص ٢٧٩ و ٢٧٩ - ٢٨٠) والبيهقي في " الأسماء والصفات " (ص ٤٧٣) من طريق الطيالسي - كلهم عن حماد بن سلمة به. قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات رجال مسلم غير وكيع بن عدس، ويقال: " حدس " بالحاء بدل العين، قال الذهبي في " الميزان ":

стр. 4261

" لا يعرف، تفرد عنه يعلى بن عطاء ". وقال الحافظ في " التقريب ": " مقبول ". قلت: يعني عند المتابعة كما نص عليه في المقدمة ، وقد توبع كما يأتي. وقال الذهبي عنه في " الكاشف ": " وثق "! قلت: يشير إلى أن ابن حبان وثقه، وأن توثيقه هنا غير معتمد لأنه يوثق من لا يعرف، وهذا اصطلاح منه لطيف عرفته منه في هذا الكتاب، فلا ينبغي أن يفهم على أنه ثقة عنده كما يتوهم بعض الناشئين في هذا العلم. وابن حبان أورده في التابعين من " ثقاته " (٥ / ٤٩٦) من رواية يعلى عنه فقط، وحكى الخلاف المتقدم في " عدس " ، وقال: " أرجو أن يكون الصواب بالحاء ". وقد أخرج له حديثا آخر عن أبي رزين في الرؤية، وهو مخرج في " الظلال " (٤٥٩) ، ولم يخرج له هذا الحديث، وهو عجيب منه خالف فيه الجماعة مع أنه على شرطه، وأخشى ما أخشاه أن يكون الصارف له عنه هو أنه صريح في إثبات صفة الضحك لله تعالى بحيث لا يمكن تأويله كما فعل بحديث " ضحك الله من رجلين قتل أحدهما صاحبه وكلاهما في الجنة "، فقد رأيته تأوله تأويلا متكلفا قبيحا (١) ، خالف فيه طريقة السلف في الإثبات مع التنزيه، فانظر كلامه إن شئت

стр. 4262

في " صحيحه " (٤٦٤٧ - الإحسان) ، والحديث مخرج في " الصحيحة " (١٠٧٤ و ٢٥٢٥) ، ولقد كان الأحرى به أن يخرج هذا الحديث - وهو على شرطه - من أن يخرج حديث الرؤية المشار إليه آنفا، لأن هذا قد توبع عليه وكيع بن عدس كما سبقت الإشارة إليه، والآن جاء وقت تخريج المتابع فأقول: رواه عبد الرحمن بن عياش السمعي الأنصاري القبائي - من بني عمرو بن عوف - عن دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي عن أبيه عن عمه لقيط بن عامر - قال دلهم: وحدثنيه أبي: الأسود عن عاصم بن لقيط أن لقيطا خرج وافدا إلى رسول الله ﷺ .. الحديث بطوله في صفحتين كبيرتين، وفيه مرفوعا: " وعلم [الله] يوم الغيث يشرف عليكم، آزلين مشفقين، فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قرب ". قال لقيط: لن نعدم من رب يضحك خيرا. أخرجه عبد الله بن أحمد في " زوائد المسند " (٤ / ١٣) و " السنة " (١١٢٠) هكذا، وابن خزيمة في " التوحيد " (١٢٢ - ١٢٥) والطبراني في " المعجم الكبير " ( ١٩ / ٢١١ - ٢١٤) وليس لابن خزيمة إسناد دلهم الثاني عن عاصم بن لقيط، وهو للطبراني دون الأول، ولذلك قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١٠ / ٣٤٠) : " رواه عبد الله والطبراني بنحوه، وأحد طريقي عبد الله إسنادها متصل، ورجالها ثقات، والإسناد الآخر وإسناد الطبراني مرسل عن عاصم بن لقيط أن لقيطا ... ". قلت: وقوله: ".. ثقات ".

стр. 4263

فهو من تساهله الذي عرف به، فإن كلا من عبد الرحمن السمعي ودلهم بن الأسود وأبيه ثلاثتهم لا يعرفون إلا بهذا الإسناد ، وقد صرح الذهبي في " الميزان " في ترجمة دلهم بأنه لا يعرف. وأشار فيه إلى أن الآخرين كذلك، لأنه ليس لهما إلا راو واحد. نعم نقل الحافظ في ترجمة الأسود عن الذهبي أنه قال فيه: " محله الصدق ". ولا أدري وجهه، وقد قال الحافظ فيه وفي كل من الآخرين: " مقبول ". وثلاثتهم تفرد بتوثيقهم ابن حبان (٤ / ٣٢ و ٦ / ٢٩١ و ٧ / ٧١) وهو عمدة الهيثمي في قوله السابق! من أجل ذلك كنت ضعفت هذا الإسناد في حديث الرؤية المشار إليه في الطريق الأولى، ولكنني حسنت متنه لمجموع الطريقين كما تراه مخرجا في " ظلال الجنة " (٤٥٩) ، كما كنت ضعفت الإسناد نفسه في هذا الحديث في " الظلال " أيضا (٥٥٤) لكنني لم أكن قد وقفت على هذا الطريق الثاني، فتركت الحديث على الضعف الذي يقتضيه إسناده لأنه لا سبيل لنا لمعرفة الصحيح والضعيف من الحديث إلا بالإسناد، ولذلك قال من قال من السلف: " الإسناد من الدين، لولا الإسناد قال من شاء ما شاء ". فلما يسر الله تعالى لي الوقوف على هذا الطريق بادرت إلى تقوية الحديث كسابقه فأخرجته هنا. والحمد لله على توفيقه. ووجدت له طريقا ثالثا، بل شاهدا ولكنه مما لا يفرح به يرويه سلم بن سالم البلخي: حدثنا خارجة بن مصعب عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عائشة أم المؤمنين مرفوعا بلفظ: " إن الله ليضحك من إياس العباد وقنوطهم وقرب الرحمة منهم ".

стр. 4264

قالت عائشة: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أويضحك ربنا تعالى؟ قال: " والذي نفس محمد بيده إنه ليضحك ". فقلت: لن يعدمنا منه خيرا إن ضحك. أخرجه ابن خزيمة أيضا (ص ١٥٣) وابن عدي (٣ / ٩٢٤) والخطيب في " التاريخ " (١٣ / ٤٤) من طريق موسى بن خاقان أبي عمران النحوي قال: حدثنا سلم بن سالم البلخي.. قلت: وهذا إسناد واه، خارجة بن مصعب متروك كما في " التقريب ". وسلم بن سالم البلخي ضعيف. له ترجمة في " اللسان ". والخلاصة أن الحديث بمجموع الطريقين حسن عندي، ولعله الذي يعنيه ابن تيمية بقوله: " حديث حسن " في " العقيدة الواسطية " بخلاف ابن القيم فقد صحح الحديث بطوله في " زاد المعاد " في (الوفود) وقال: " هذا حديث كبير جليل، تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة.. "! قلت: ثم ذكر من رواه من الأئمة، ولم يعرج على الكلام على أحد من رواته المجهولين، وبمثل ذاك الكلام الخطابي لا تصحح الأحاديث! غريب الحديث: ١ - (غيره) ، في " شرح القاموس ": " الغير من تغير الحال، وهو اسم بمعنى القطع والعتب، ويجوز أن يكون جمعا واحدته غيرة ".

стр. 4265

قال أبو الحسن السندي في " حاشية ابن ماجه ": " والضمير لله، والمعنى أنه تعالى يضحك من أن العبد يصير مأيوسا من الخير بأدنى شر وقع عليه مع قرب تغييره تعالى الحال من شر إلى خير ومن مرض إلى عافية ومن بلاء ومحنة إلى سرور وفرحة. لكن الضحك على هذا لا يمكن تفسيره بالرضا ". ٢ - (قلت: لن نعدم) من عدم كعلم إذا فقده. قال السندي: " يريد أن الرب الذي من صفاته الضحك لا نفقد خيره بل كلما احتجنا إلى خير وجدناه، فإنا إذا أظهرنا الفاقة لديه يضحك فيعطي ". ٣ - (أزلين) : " الأزل بسكون الزاي: الشدة، و (الأزل) على وزن (كتف) هو الذي قد أصابه الأزل واشتد به حتى كاد يقنط ". " زاد المعاد ". (تنبيهات) : الأول: قوله في طريق دلهم: (غيركم) هكذا وقع في " المسند " و " السنة " و " مجمع الزوائد " وقد سبق معناه، ويبدو أنه أشكل أمره على بعضهم فتصرفوا فيه، فوقع في " زاد المعاد " و " التوحيد " (غوثكم) وفي " معجم الطبراني " المطبوع: ( عودتكم) ! وقال المعلق عليه: " وفي الأصل (عوتكم) ، وفي " المجمع " ( غيركم) ، واخترت (عودتكم) لأن السياق يدل عليه "! كذا قال، وقد عرفت الصواب. الثاني: قال ابن كثير في تفسير سورة البقرة: " وفي حديث أبي رزين: " عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه، فينظر إليهم قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجهم قريب " الحديث.

стр. 4266

ولم أره بهذا اللفظ، فالظاهر أنه رواه بالمعنى. والله أعلم. تنبيه ثالث: قد عزا الحديث من الطريق الثاني لأحمد في " مسنده " غير ما واحد من المتقدمين والمتأخرين، وهو خطأ، والصواب أنه من زيادات ابنه عبد الله في " المسند " كما تقدم ذكره في التخريج، وكما في " جامع المسانيد " (١٠ / ٦٤٩ / ٨١٦٠) . عظة وعبرة: لقد لفت نظري تناقض موقف الشيخين الحلبيين الصابوني والرفاعي حول حديث ابن كثير الذي ذكره بلفظ: " عجب .. " فالأول لم يورده في " مختصره "، بخلاف الآخر فإنه أورده في " مختصره (١ / ١٧٣) وقد ذكر في مقدمته أنه لا يورد فيه إلا الأحاديث الصحيحة! وكذلك ذكر الأول، وقد أخلا بشرطهما هذا في عشرات الأحاديث كما بينت ذلك في " الضعيفة " ، فليراجع من شاء الوقوف عليها فهرس المواضيع والفوائد من المجلد الثالث والرابع منها. وهذا مثال جديد نذكره هنا يؤكد أن الشيخ نسيب ﵀ حينما يصحح أو يضعف، فإنما هو " خباط عشوات " كما يروى عن علي، وإلا فكيف يصحح حديثا لا أصل له في شيء من كتب السنة باللفظ المذكور؟! وبهذه المناسبة أقول: إن قول صاحبنا الشيخ مقبل بن هادي في تخريجه لحديث ابن كثير هذا (١ / ٤٤٥ - الكويت) : " رواه أحمد (!) ج ٤ ص ١٣ بمعناه، وهو حديث ضعيف لأنه من طريق عبد الرحمن بن عياش السمعي عن دلهم بن الأسود وهما مجهولان ". أقول: فقوله: " بمعناه " ليس بصحيح، لأن " العجب " غير " الضحك "، فهما صفتان لله عند أهل السنة - وهو منهم والحمد لله - خلافا للأشاعرة، فإنهم لا يعتقدونهما، بل يتأولونهما بمعنى الرضا! فلعله لم يتنبه للازم هذا القول، ولهذا قيل: لازم المذهب ليس بمذهب!

стр. 4267

وأما قوله: وهو حديث ضعيف، فهو مسلم بالنظر لطريق السمعي المذكورة، وقد فاته الطريق الأخرى التي ابتدأنا التخريج بها، وحسنا الحديث بمجموعهما. فلعله لو وقف عليها يرجع عن جزمه بضعف الحديث . والله أعلم. وأما الشيخ الصابوني، فغالب الظن أنه لم يورد الحديث لأنه لم يرق له لفظه، فإنه من الأشاعرة أو الماتريديين المؤولين، وليس لأنه عرف أنه لا أصل له بلفظ أصله! ٢٨١١ - " ألا أنبئكم بليلة أفضل من ليلة القدر؟ حارس الحرس في أرض خوف لعله أن لا يرجع إلى أهله ". أخرجه الروياني في " مسنده " (ق ٢٤٧ / ٢) : أخبرنا محمد بن بشار أخبرنا يحيى بن سعيد القطان أخبرنا ثور بن يزيد عن عبد الرحمن بن عائذ عن مجاهد عن ابن عمر عن النبي ﷺ وربما لم يرفعه - قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال البخاري غير عبد الرحمن بن عائذ، وهو ثقة كما في " التقريب ". والحديث أخرجه الحاكم (٢ / ٨٠ - ٨١) وعنه البيهقي (٩ / ١٤٩) من طريق مسدد: حدثنا يحيى بن سعيد به إلا أنه لم يقل: " وربما لم يرفعه ". وقال الحاكم: " صحيح على شرط البخاري "! ووافقه الذهبي! وذلك من أوهامهما لما تقدم من الاستثناء، وقد أقره المنذري أيضا (٢ / ١٥٤) ! ثم قال الحاكم:

стр. 4268

" وقد أوقفه وكيع بن الجراح عن ثور، وفي يحيى بن سعيد قدوة ". قلت: وهو كما قال، لكن يحيى قد ذكر أن الراوي - ولعله ابن عمر أو من دونه - كان ربما لم يرفعه، وذلك مما لا يضر لأن الراوي قد لا ينشط أحيانا فيوقفه، ولأنه لا يقال من قبل الرأي كما هو ظاهر. (تنبيه) : " حارس الحرس " كذا وقع في " المسند " وفي المصدرين الآخرين: " حارس حرس " ولعله الصواب، فإنه كذلك في " مصنف ابن أبي شيبة " (٥ / ٢٩٦) : حدثنا وكيع أخبرنا ثور به موقوفا. وكذا هو في " الترغيب ". والله أعلم. ٢٨١٢ - " لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ". أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٢ / ٣٠٢ / ١) : حدثنا هيثم بن خالد حدثنا عبد الكبير بن المعافى: حدثنا هشيم عن عبيدة عن إبراهيم عن عبد الله بن عبيد الله الهاشمي عن عبد الله بن عكيم قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. وقال: " لم يروه عن عبيدة إلا هشيم، تفرد به عبد الكبير به المعافى ". قلت: قال ابن أبي حاتم (٣ / ١ / ٦٣) : " سمع منه أبي وروى عنه وقال: وكان ثقة رضا، كان يعد من الأبدال ". قلت: وإنما العلة ممن فوقه، فهشيم - وهو ابن بشير الواسطي - مع كونه ثقة ثبتا، فهو كثير التدليس كما في " التقريب ". وشيخه عبيدة - وهو ابن معتب الضبي -، قال الذهبي في " الضعفاء ": " قال أحمد: تركوا حديثه ". وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١ / ٢١٨) : " وفيه عبيدة بن معتب وقد أجمعوا على ضعفه ".

стр. 4269

وعبد الله بن عبيد الله الهاشمي هو من طبقة عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي وهو ثقة من رجال الشيخين، لكنهم لم يذكروا له رواية عن عبد الله بن عكيم ولا ذكروا إبراهيم - وهو النخعي - في الرواة عنه. وهيثم بن خالد وهو المصيصي أورده الذهبي في " الضعفاء " وقال: " قال الدارقطني: ضعيف ". وأقره الحافظ في " التهذيب " وجزم بضعفه في " التقريب ". لكن قد رواه شبيب بن سعيد عن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم قال: جاءنا كتاب رسول الله ﷺ ونحن في أرض جهينة: " إني كنت رخصت لكم في إهاب الميتة وعصبها، فلا تنتفعوا بعصب ولا إهاب ". أخرجه ابن عدي في ترجمة شبيب هذا من " الكامل " (٤ / ١٣٤٧) والطبراني أيضا كما في " التلخيص الحبير " (١ / ٤٧) وقال: " إسناده ثقات، وتابعه فضالة بن المفضل عند الطبراني في ( الأوسط) ". قلت: فضالة لفظ حديثه يختلف عن هذا فإنه بلفظ: " إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا عصب ". فذكر الجلد في الموضعين مكان الإهاب والمحفوظ (الإهاب) وهو الجلد قبل الدبغ، هكذا رواه جماعة عن شعبة به، وهو مخرج في " الإرواء " (رقم ٣٨) . وفضالة بن مفضل قال ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ٧٩) عن أبيه:

стр. 4270

" لم يكن بأهل أن يكتب عنه العلم، سألت عنه سعيد بن عيسى بن تليد؟ فثبطني عنه، وقال: الحديث الذي يحدث به موضوع أو نحو هذا ". واعلم أن حديث ابن عكيم هذا قد اختلف العلماء فيه رواية ودراية: وأما رواية، فقد أعله بعضهم بالإرسال والاضطراب، وهو مردود لأنه إن سلم به بالنظر لبعض الطرق، فهو غير مسلم بالنسبة للطرق الأخرى كما كنت بينته في المصدر المذكور آنفا ولذلك قواه بعض المتقدمين ومنهم الإمام أحمد ﵀ تعالى، فقال ابنه صالح في " مسائله " (ص ١٦٠) : " قال أبي: الله قد حرم الميتة، فالجلد هو من الميتة، وأذهب إلى حديث ابن عكيم، أرجو أن يكون صحيحا : لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ". قال أحمد: " وليس عندي في دباغ الميتة حديث صحيح، وحديث ابن عكيم هو أصحها "! كذا قال ﵀، مع أنه قد ورد في الدباغ خمسة عشر حديثا ساقها الشوكاني في " نيل الأوطار " (١ / ٥٤) بعضها في " الصحيحين " وهي مخرجة في " غاية المرام " (٢٥ - ٢٩) . وأما الدراية فقد اختلف العلماء في كون الدباغ مطهرا أم لا؟ والجمهور على الأول، واختلفوا في الجواب عن حديث الترجمة، وأصح ما قيل إن الإهاب هو الجلد الذي لم يدبغ، فهو المنهي عنه، فإذا دبغ فقد طهر. ومن شاء التفصيل فليراجع " نيل الأوطار " وغيره.

стр. 4271

٢٨١٣ - " أوتي موسى ﵇ الألواح، وأوتيت المثاني ". أخرجه الإسماعيلي في " معجم شيوخه " (ق ٨٢ / ١) : حدثنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن منصور - سجادة - ببغداد: حدثنا أبو معمر حدثنا جرير عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال : فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير سجادة هذا ، ترجمه الخطيب في " التاريخ " (٨ / ٤) برواية جمع من الحفاظ عنه وقال: " وكان لا بأس به ". وأبو معمر اسمه إسماعيل بن إبراهيم الهذلي، وقد تابعه عثمان بن أبي شيبة: حدثنا جرير به أتم منه. أخرجه أبو داود عنه، والنسائي وغيره من طريق أخرى عن جرير به مختصرا، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (١٣١٢) . وقد زعم بعض المعاصرين ممن كتب في فضل بعض السور أن حديث أبي داود هذا موقوف، وهو من أوهامه الظاهرة. والمعصوم من عصمه الله. (تنبيه) : حديث الترجمة كنت أوردته في " ضعيف الجامع الصغير وزيادته " لأنني لم أكن قد وقفت على إسناده ولذلك كنت بيضت له فيه، فلما وقفت على إسناده وتبين لي صحته بادرت إلى تخريجه هنا وقررت نقله إلى " صحيح الجامع "، والله هو الموفق، لا إله إلا هو.

стр. 4272

٢٨١٤ - " أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم ﷺ المدينة صلى إلى كل صلاة مثلها غير المغرب، فإنها وتر النهار، وصلاة الصبح لطول قراءتها ، وكان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى ". أخرجه الطحاوي في " معاني الآثار " (١ / ٢٤١) من طريق مرجى بن رجاء قال: حدثنا داود عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: فذكره. قلت: وهذا إسناد حسن رجاله ثقات غير مرجى بن رجاء فإنه مختلف فيه وأورده الذهبي في " المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد "، وقال (١٧٣ / ٣١٩) : " علق له البخاري، جائز الحديث ". وقد لخص كلام الأئمة فيه الحافظ، فقال في " التقريب ": " صدوق ربما وهم ". قلت: قد قام الدليل على أنه قد حفظ ولم يهم، بمتابع له معتبر وشاهد. أما المتابع فهو محبوب بن الحسن: حدثنا داود به. أخرجه السراج في " مسنده " (ق ١٢٠ / ٢) من طريقين عنه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان كما في " تمام المنة " (٣٠٤) ، واحتج به الحافظ كما يأتي، ومحبوب هذا اسمه محمد ومحبوب لقبه، قال ابن معين: " ليس به بأس ". وذكره ابن حبان في " الثقات ". وقال النسائي: " ضعيف ". وقال أبو حاتم: " ليس بالقوي ". قلت: فمثله يستشهد به على الأقل، وإلى ذلك أشار الحافظ بقوله:

стр. 4273

" صدوق فيه لين ". وتابعهما أبو معاوية الضرير - وهو ثقة - في " مسند ابن راهويه " (٣ / ٩٣٣ - ٩٣٤) لكنه لم يذكر فيه (مسروقا) . وبعضه في " صحيح البخاري " (٣٩٣٥) و " أبي عوانة " (٢ / ٢٨) وابن راهويه (٢ / ١٠٧ / ٣١) من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة مختصرا بلفظ: " فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعا وتركت صلاة السفر على الأولى ". وهو متفق عليه دون ذكر الهجرة، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (١٠٨٢) . وأما الشاهد، ففي " المطالب العالية المسندة " للحافظ ابن حجر (ق ٢٥ / ٢) : " إسحاق (١) : قلت لأبي أسامة: أحدثكم سعد بن سعيد الأنصاري قال: سمعت السائب ابن يزيد يقول: كانت الصلاة فرضت سجدتين سجدتين: الظهر والعصر، فكانوا يصلون بعد الظهر ركعتين وبعد العصر ركعتين، فكتب عليهم الظهر أربعا والعصر أربعا، فتركوا ذاك حين كتب عليهم، وأقرت صلاة السفر [ركعتين] ، وكانت الحضر أربعا؟ فأقر به، وقال: نعم ". وقال الحافظ: " هذا حديث حسن ".

стр. 4274

قلت: وإنما لم يصححه مع أن رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، لأن سعدا الأنصاري مختلف فيه، قال أحمد: " ضعيف ". وكذا قال ابن معين في رواية. وقال في أخرى: " صالح ". وقال النسائي: " ليس بالقوي ". وقال ابن سعد: " كان ثقة قليل الحديث ". وقال الترمذي: " تكلموا فيه من قبل حفظه ". وذكره ابن حبان في " الثقات " (٤ / ٢٩٨) وقال: " كان يخطىء ". قلت: ولهذا أورده الذهبي في رسالته المتقدمة " المتكلم فيهم " (١١١ / ١٤١) فمثله حسن الحديث إن شاء الله تعالى، فهو شاهد جيد. وقد أخرجه السراج في " مسنده " (ق ١٢٠ / ١) والطبراني في " المعجم الكبير " (٧ / ١٨٤ - ١٨٥) من طرق أخرى عن سعيد به مختصرا. وقال الهيثمي (٢ / ١٥٥) : " رواه الطبراني في " الكبير "، ورجاله رجال (الصحيح) ". وله شاهد آخر، ولكنه مما لا يفرح به لشدة ضعف راويه وهو عمرو بن

стр. 4275

عبد الغفار، رواه عن عاصم الأحول عن أبي عثمان عن سلمان قال: " فرضت الصلاة ركعتين [ ركعتين] ، فصلاها رسول الله ﷺ بمكة حتى قدم المدينة، وصلاها في المدينة ما شاء الله، وزيد في صلاة الحضر ركعتين وتركت صلاة السفر على حالها ". أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٢ / ٣١ / ٢ / ٥٥٤١ - بترقيمي) وقال: " لم يروه عن عاصم إلا عمرو، ولا يروى عن سلمان إلا بهذا الإسناد ". قلت: قال الهيثمي (٢ / ١٥٦) : " وفيه عمرو بن عبد الغفار، وهو متروك ". (تنبيه) : زيادة (ركعتين) في حديث سلمان هذا استدركتها من " مجمع الزوائد " ، كما استدركتها في حديث السائب المتقدم من " المطالب العالية " المطبوعة (١ / ١٨٠) ، وقد سقط منها عزو الحديث لإسحاق! والظاهر أن محقق الكتاب الشيخ الأعظمي لم يرجع إلى النسخة المسندة من " المطالب العالية "، وإلا لتدارك هذا السقط، ولما وقع في خطأ تفسيره لقوله المتقدم في الحديث: " فأقر به "، فإنه قال: " أي فأقر به سعد بن سعيد "! وهذا خطأ محض، والصواب أن يقال: " أي فأقر به أبو أسامة " كما هو ظاهر من سياق إسناده المتقدم (ص ٧٤٥) . وهو أبو أسامة حماد بن أسامة من ثقات شيوخ الأئمة الشافعي وأحمد، وإسحاق بن راهويه. (فائدة) : دلت الأحاديث المتقدمة على أن صلاة السفر أصل بنفسها، وأنها
следующие страницы →