← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

٢٨١٣ - " أوتي موسى ﵇ الألواح، وأوتيت المثاني ". أخرجه الإسماعيلي في " معجم شيوخه " (ق ٨٢ / ١) : حدثنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن منصور - سجادة - ببغداد: حدثنا أبو معمر حدثنا جرير عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال : فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير سجادة هذا ، ترجمه الخطيب في " التاريخ " (٨ / ٤) برواية جمع من الحفاظ عنه وقال: " وكان لا بأس به ". وأبو معمر اسمه إسماعيل بن إبراهيم الهذلي، وقد تابعه عثمان بن أبي شيبة: حدثنا جرير به أتم منه. أخرجه أبو داود عنه، والنسائي وغيره من طريق أخرى عن جرير به مختصرا، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (١٣١٢) . وقد زعم بعض المعاصرين ممن كتب في فضل بعض السور أن حديث أبي داود هذا موقوف، وهو من أوهامه الظاهرة. والمعصوم من عصمه الله. (تنبيه) : حديث الترجمة كنت أوردته في " ضعيف الجامع الصغير وزيادته " لأنني لم أكن قد وقفت على إسناده ولذلك كنت بيضت له فيه، فلما وقفت على إسناده وتبين لي صحته بادرت إلى تخريجه هنا وقررت نقله إلى " صحيح الجامع "، والله هو الموفق، لا إله إلا هو.

стр. 4272

٢٨١٤ - " أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم ﷺ المدينة صلى إلى كل صلاة مثلها غير المغرب، فإنها وتر النهار، وصلاة الصبح لطول قراءتها ، وكان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى ". أخرجه الطحاوي في " معاني الآثار " (١ / ٢٤١) من طريق مرجى بن رجاء قال: حدثنا داود عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: فذكره. قلت: وهذا إسناد حسن رجاله ثقات غير مرجى بن رجاء فإنه مختلف فيه وأورده الذهبي في " المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد "، وقال (١٧٣ / ٣١٩) : " علق له البخاري، جائز الحديث ". وقد لخص كلام الأئمة فيه الحافظ، فقال في " التقريب ": " صدوق ربما وهم ". قلت: قد قام الدليل على أنه قد حفظ ولم يهم، بمتابع له معتبر وشاهد. أما المتابع فهو محبوب بن الحسن: حدثنا داود به. أخرجه السراج في " مسنده " (ق ١٢٠ / ٢) من طريقين عنه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان كما في " تمام المنة " (٣٠٤) ، واحتج به الحافظ كما يأتي، ومحبوب هذا اسمه محمد ومحبوب لقبه، قال ابن معين: " ليس به بأس ". وذكره ابن حبان في " الثقات ". وقال النسائي: " ضعيف ". وقال أبو حاتم: " ليس بالقوي ". قلت: فمثله يستشهد به على الأقل، وإلى ذلك أشار الحافظ بقوله:

стр. 4273

" صدوق فيه لين ". وتابعهما أبو معاوية الضرير - وهو ثقة - في " مسند ابن راهويه " (٣ / ٩٣٣ - ٩٣٤) لكنه لم يذكر فيه (مسروقا) . وبعضه في " صحيح البخاري " (٣٩٣٥) و " أبي عوانة " (٢ / ٢٨) وابن راهويه (٢ / ١٠٧ / ٣١) من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة مختصرا بلفظ: " فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعا وتركت صلاة السفر على الأولى ". وهو متفق عليه دون ذكر الهجرة، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (١٠٨٢) . وأما الشاهد، ففي " المطالب العالية المسندة " للحافظ ابن حجر (ق ٢٥ / ٢) : " إسحاق (١) : قلت لأبي أسامة: أحدثكم سعد بن سعيد الأنصاري قال: سمعت السائب ابن يزيد يقول: كانت الصلاة فرضت سجدتين سجدتين: الظهر والعصر، فكانوا يصلون بعد الظهر ركعتين وبعد العصر ركعتين، فكتب عليهم الظهر أربعا والعصر أربعا، فتركوا ذاك حين كتب عليهم، وأقرت صلاة السفر [ركعتين] ، وكانت الحضر أربعا؟ فأقر به، وقال: نعم ". وقال الحافظ: " هذا حديث حسن ".

стр. 4274

قلت: وإنما لم يصححه مع أن رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، لأن سعدا الأنصاري مختلف فيه، قال أحمد: " ضعيف ". وكذا قال ابن معين في رواية. وقال في أخرى: " صالح ". وقال النسائي: " ليس بالقوي ". وقال ابن سعد: " كان ثقة قليل الحديث ". وقال الترمذي: " تكلموا فيه من قبل حفظه ". وذكره ابن حبان في " الثقات " (٤ / ٢٩٨) وقال: " كان يخطىء ". قلت: ولهذا أورده الذهبي في رسالته المتقدمة " المتكلم فيهم " (١١١ / ١٤١) فمثله حسن الحديث إن شاء الله تعالى، فهو شاهد جيد. وقد أخرجه السراج في " مسنده " (ق ١٢٠ / ١) والطبراني في " المعجم الكبير " (٧ / ١٨٤ - ١٨٥) من طرق أخرى عن سعيد به مختصرا. وقال الهيثمي (٢ / ١٥٥) : " رواه الطبراني في " الكبير "، ورجاله رجال (الصحيح) ". وله شاهد آخر، ولكنه مما لا يفرح به لشدة ضعف راويه وهو عمرو بن

стр. 4275

عبد الغفار، رواه عن عاصم الأحول عن أبي عثمان عن سلمان قال: " فرضت الصلاة ركعتين [ ركعتين] ، فصلاها رسول الله ﷺ بمكة حتى قدم المدينة، وصلاها في المدينة ما شاء الله، وزيد في صلاة الحضر ركعتين وتركت صلاة السفر على حالها ". أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٢ / ٣١ / ٢ / ٥٥٤١ - بترقيمي) وقال: " لم يروه عن عاصم إلا عمرو، ولا يروى عن سلمان إلا بهذا الإسناد ". قلت: قال الهيثمي (٢ / ١٥٦) : " وفيه عمرو بن عبد الغفار، وهو متروك ". (تنبيه) : زيادة (ركعتين) في حديث سلمان هذا استدركتها من " مجمع الزوائد " ، كما استدركتها في حديث السائب المتقدم من " المطالب العالية " المطبوعة (١ / ١٨٠) ، وقد سقط منها عزو الحديث لإسحاق! والظاهر أن محقق الكتاب الشيخ الأعظمي لم يرجع إلى النسخة المسندة من " المطالب العالية "، وإلا لتدارك هذا السقط، ولما وقع في خطأ تفسيره لقوله المتقدم في الحديث: " فأقر به "، فإنه قال: " أي فأقر به سعد بن سعيد "! وهذا خطأ محض، والصواب أن يقال: " أي فأقر به أبو أسامة " كما هو ظاهر من سياق إسناده المتقدم (ص ٧٤٥) . وهو أبو أسامة حماد بن أسامة من ثقات شيوخ الأئمة الشافعي وأحمد، وإسحاق بن راهويه. (فائدة) : دلت الأحاديث المتقدمة على أن صلاة السفر أصل بنفسها، وأنها

стр. 4276

ليست مقصورة من الرباعية كما يقول بعضهم، فهي في ذلك كصلاة العيدين ونحوها، كما قال عمر ﵁: " صلاة السفر وصلاة الفطر وصلاة الأضحى وصلاة الجمعة ، ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ ". رواه ابن خزيمة وابن حبان في " صحيحيهما "، وهو مخرج في " إرواء الغليل " (٦٣٨) . وذلك هو الذي رجحه الحافظ في " فتح الباري " بعد أن حكى الاختلاف في حكم القصر في السفر ، ودليل كل، فقال (١ / ٤٦٤) : " والذي يظهر لي - وبه تجتمع الأدلة السابقة - أن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة إلا الصبح، (ثم ذكر حديث محبوب، وفاته متابعة المرجى ، وقال:) ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية السابقة وهي قوله تعالى: * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) *، ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الأثير في " شرح المسند ": أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة.. ". وخالف ما تقدم من التحقيق حديثيا وفقهيا بعض ذوي الأهواء من المعاصرين، وهو الشيخ عبد الله الغماري المعروف بحبه للمخالفة وحب الظهور، وقديما قيل: حب الظهور يقصم الظهور! والأمثلة على ذلك كثيرة كنت ذكرت بعضها في مقدمة المجلد الثالث من السلسلة الأخرى: " الضعيفة "، وفي تضاعيف أحاديثها. وأمامنا الآن هذا المثال الجديد: لقد زعم في رسالته " الصبح السافر " (ص ١٢) في عنوان له: " فرضت الصلاة أربعا لا اثنتين "، واستدل لذلك - مموها على القراء - بأمور ثلاثة:

стр. 4277

الأول: الآية السابقة * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة..) *، وذكر أنها نزلت في صلاة الخوف في العهد المدني. الثاني: أحاديث منها قوله ﷺ : " إن الله وضع عن المسافر الصيام وشطر الصلاة ". رواه أصحاب السنن وغيرهم، وهو مخرج عندي في " صحيح أبي داود " (٢٠٨٣) وغيره. الثالث: أنه ساق خمسة أحاديث صريحة في أن قصر الصلاة كان في مكة حين نزل جبريل ﵇ على النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى به الصلوات الخمس. والجواب على الترتيب السابق: ١ - أما الآية فقد اعترف هو (ص ٢٠) أنها نزلت بعد الهجرة في السنة الرابعة أو الخامسة، وزاد ذلك بيانا فقال (ص ٢١) : " بل الذي وقع أنه كان بين زيادة صلاة الحضر وقصر صلاة السفر فترة زادت على ثلاث سنوات كما مر "! قلت: فهو قد هدم بهذا القول الصريح ذلك العنوان، وما ساقه تحته من الأدلة، وهذا أولها، فإن معنى ذلك أن صلاة الحضر فرضت اثنتين اثنتين، ثم زيدت في المدينة، وهذا يوافق تماما حديث عائشة وبخاصة حديث الترجمة، وما استظهره الحافظ كما تقدم، ويخالف زعمه أنها فرضت أربعا أربعا في مكة! ٢ - الأحاديث التي ذكرها وأشرت إليها، ونقلت إلى القراء واحدا منها، لأن الجواب عنه جواب عنها، وهو في الحقيقة نفس الجواب عن الآية السابقة، لأن الوضع المذكور في الحديث يصح حمله في كل من الاحتمالين أي سواء كانت

стр. 4278

الزيادة مكية كما يزعم الغماري، أو مدنية كما يدل عليه ما تقدم من الأحاديث، فقوله (ص ١٢) : " فهذه ثلاثة أحاديث تصرح بأن صلاة المسافر مقصورة من أربع ركعات، لأن معنى وضع شطر الصلاة حط نصفها بعد أن كان إتمامها واجبا عليه ". قلت: فهذا الكلام لا ينافي ما ذكرته، ولا دليل فيه يؤيد به انحرافه! ٣ - أما الأحاديث الخمسة الصريحة، فهي في الحقيقة أربعة لأن الثالث والخامس منها مدارهما على الحسن البصري مرسلا، وهي كلها ضعيفة منكرة، وقد دلس فيها على القراء ما شاء له التدليس، وأوهمهم صحة بعض أسانيدها وصراحة متونها وهو في ذلك غير صادق، وإليك البيان بإيجاز وتفصيل : أما الإيجاز: فهو أن الأحاديث الخمسة منكرة كلها، لضعف أسانيدها ومخالفتها للأحاديث الصحيحة التي لم تذكر تربيع الركعات في الظهر والعصر والعشاء، وبعضها يصرح أن الصلاة فرضت ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر وزيدت في الحضر. وأما التفصيل، فأقول مستعينا بالله : ١ - أما الحديث الأول: فذكره (ص ١٣) من طريق أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبي مسعود الأنصاري قال: " جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: قم فصل، وذلك لدلوك الشمس حين مالت، فقام رسول الله ﷺ فصلى الظهر أربعا.. ". ثم ذكر مثله في صلاة العصر والعشاء. وقال: " رواه إسحاق بن راهويه في " مسنده " على شرط الشيخين ".

стр. 4279

قلت: هذا من تدليسه فإنه يعلم أن أبا بكر بن عمرو لم يسمعه من أبي مسعود لأنه نقله من كتاب " نصب الراية " للزيلعي (١ / ٢٢٣) وقد نقل عن البيهقي أنه منقطع، وهذا قد أخرجه في " سننه " (١ / ٣٦١) وكذا الباغندي في " مسند عمر ابن عبد العزيز " (رقم ٦٢) من طريق أخرى عن أبي بكر به. وقال البيهقي: " أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لم يسمعه من أبي مسعود الأنصاري وإنما هو بلاغ بلغه ". هذا أولا. وثانيا: هو يعلم أن الحديث في " الصحيحين " وغيرهما من طريق أخرى عن أبي مسعود مختصرا ليس فيه بيان الصلوات بله الركعات، وأخرجه أبو داود ببيان الصلوات دون الركعات، وهذا كله يعني أن ذكر الركعات منكر لأنها زيادة بسند ضعيف على الرواية الصحيحة، وقد أشار إلى هذه الحقيقة الحافظ ابن حجر بقوله عقب حديث أبي بكر: " قلت: وأصله في " الصحيحين " من غير بيان " الأوقات ". وكذا في " نصب الراية ". وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (٤١٨) و " الإرواء " (١ / ٢٦٩) . وثالثا: هو يعلم أيضا أن الحديث قد جاء عن جماعة من الصحابة بلغوا سبعة نفر ليس في حديثهم عدد الركعات، منهم عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وأبو هريرة، وهي مخرجة في " الإرواء " (٢٤٩) ، و " صحيح أبي داود " (٤١٧ و ٤١٩ و ٤٢٠) وهي كلها مخرجة في " نصب الراية "، فماذا يقول الإنسان عن رجل يتجاهل كل هذه الروايات، وبعضها صحيح وحسن لذاته،

стр. 4280

وبعضها حسن لغيره، ويتشبث برواية ضعيفة منكرة هي رواية أبي بكر هذه عند إسحاق. على أن هذا قد روى عنه رواية أخرى موافقة لرواية الجماعة، هي أصح من روايته الأولى المنقطعة، فقد روى معمر عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عمرو بن حزم قال: " جاء جبريل فصلى بالنبي صلى الله عليه وسلم.. " الحديث ليس فيه ذكر الركعات. رواه إسحاق بن راهويه في " مسنده " كما في " نصب الراية " (١ / ٢٢٥) و " المطالب العالية " (ق ٩ / ٢) من طريق عبد الرزاق، وهذا في " المصنف " (١ / ٥٣٤) لكن وقع سقط في إسناده. وقال الحافظ عقبه في " المطالب " أيضا: " هذا إسناد حسن، إلا أن محمد بن عمرو بن حزم لم يسمع من النبي ﷺ لصغره، فإن كان الضمير في " جده " يعود إلى " أبي بكر " توقف على سماع أبي بكر من عمرو ". قلت: هو عن جده مصرح به - كما ترى - فهو منقطع لأن (محمد بن عمرو) لم يدركه، ولكنه صحيح لشواهده المتقدمة، فإنه ليس فيه شيء من النكارة بخلاف رواية أبي بكر الأولى. تدليس آخر للغماري هداه الله، قال عقب حديثه المتقدم عن أبي مسعود وفيه عدد الركعات المنكر: " ورواه البيهقي في " المعرفة " من طريق أيوب بن عتبة: حدثنا أبو بكر بن عمرو ابن حزم عن عروة بن الزبير عن ابن أبي مسعود الأنصاري عن أبيه ". قلت: وجه تدليسه على القراء من ناحيتين: الأولى: سكت عن إسناده فأوهم أن لا شيء فيه وأن البيهقي لم يتكلم

стр. 4281

عليه، وهو خلاف الواقع، فإن الزيلعي لما عزاه للبيهقي لم يدلس كما صنع الغماري! ومنه نقله، بل أتبعه بقوله (١ / ٢٢٣) : " قال البيهقي: فأيوب بن عتبة ليس بالقوي ". والأخرى - وهي أخطر -: أنه ليس في هذه الطريق تربيع الركعات، وقد أشار لذلك البيهقي في " المعرفة " بقوله (١ / ١٧٣) عقب الحديث: " ولم أر ذكر العدد إلا في حديث سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد (يعني: حديثه عن أبي بكر المتقدم والذي أعله بالانقطاع) وقد اختلفوا فيه، وحديث معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة يدل على أنها فرضت بمكة ركعتين ركعتين، فلما خرج إلى المدينة فرضت أربعا، وهو أصح ". قلت: وهذا مما لا شك فيه لحديث الترجمة وغيره مما تقدم، ولكن الغماري لا يقيم وزنا لما صح من الحديث، بل ويضعفه بالرأي لمجرد مخالفته لهواه كحديث معمر هذا، فإنه قد ضعفه مع كونه في " صحيح البخاري " كما سيأتي بيانه، والله المستعان. ويؤيد ما أشار إليه البيهقي، أن الحديث أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (١٧ / ٢٦٠ / ٧١٨) فقد ساقه فيه بتمامه من طريق أيوب بن عتبة، وليس فيه التربيع. وثمة تدليس ثالث للغماري في قوله عقب فقرته السابقة: " ورواه الباغندي في " مسند عمر بن عبد العزيز "، وصرح في روايته باسم بشير ابن أبي مسعود. وبشير قال عنه الحافظ: تابعي جليل.. فالحديث بمجموع الطريقين صحيح ".

стр. 4282

قلت: ليتأمل القارىء هذا التدليس الخبيث، كيف أنه تكلم عن بشير وأنه ثقة - وهذا حق - وانصرف عن الكلام عن علة الحديث وهي أيوب بن عتبة الذي في رواية البيهقي موهما القراء أن لا علة فيه! كما أنه ليس عند الباغندي (رقم ٦٤) التربيع أيضا! وقوله: فالحديث صحيح بمجموع الطريقين إن كان يعني بهما رواية البيهقي والباغندي فهو واضح البطلان لأنه من باب تقوية رواية الضعيف بروايته الأخرى، وهذا لا يصدر إلا من مأفون! وإن كان يعني طريق أيوب هذه وطريق ابن راهويه، فهو قريب من الأول لأن مدارهما على أبي بكر، غاية ما في الأمر أن الطريق الأولى منقطعة كما تقدم، والأخرى متصلة ، لكن الذي وصلها - وهو أيوب - ضعيف، والأولى رجالها ثقات، وقد قال الغماري نفسه كما سبق أن إسنادها على شرط الشيخين فكيف يصح تقوية المنقطع بالمتصل وروايته مرجوحة! هذا لو كان في متن كل منهما التربيع، وليس كذلك كما سبق، ولم يكن ذكر التربيع في رواية أبي بكر منكرا، وهيهات هيهات، فقد أثبتنا نكارته بما لا قبل لأحد برده مهما كان مكابرا كالغماري. وبهذا ينتهي الكلام على حديثه الأول. ٢ - وأما حديثه الثاني وهو عن أنس، فقد كفانا مؤنة رده اعتراف الغماري بأن في إسناده مجهولين، لكن هذا ليس بعلة قادحة عندي لأنهما قد توبعا وإنما هي المخالفة، بل النكارة في المتن، والمخالفة في السند والمتن! أما الأولى: فهي قولهما في حديثهما: أن جبريل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذن للناس بالصلاة. ومعلوم أن الأذان إنما شرع في المدينة !

стр. 4283

والأخرى: أن البيهقي أخرج الحديث بسند صحيح عن شيبان بن عبد الرحمن النحوي عن قتادة: حدثنا أنس بن مالك أن مالك بن صعصعة حدثهم فذكر حديث المعراج بطوله وفيه فرض الصلوات الخمس. قال قتادة: وحدثنا الحسن يعني البصري أن النبي صلى الله عليه وسلم.. قلت: فذكر الحديث نحو رواية المجهولين، لكن دون الأمر بالأذان، وفيه تربيع الصلوات الثلاث، وقال البيهقي عقبه: " ففي هذا الحديث ، وما روي في معناه دليل على أن ذلك كان بمكة بعد المعراج، وأن الصلوات الخمس فرضت حينئذ بأعدادهن، وقد ثبت عن عائشة ﵂ خلاف ذلك ". ثم ساق البيهقي حديث معمر المتقدم برواية البخاري، وحديث داود بن أبي هند من طريق ثالث عنه، استغنيت عن ذكره هناك بالطريقين السابقين. قلت: ووجه المخالفة أن شيبان النحوي بين في روايته عن قتادة عن أنس أنه ليس فيها ذكر التربيع الذي رواه قتادة عن الحسن مرسلا. ومعنى ذلك أن الحسن زادها على أنس، فكانت منكرة بهذا الاعتبار، فكيف إذا ضم إلى ذلك مخالفته أيضا للأحاديث الصحيحة التي سبقت الإشارة إليها؟ ٣ - وأما حديثه الثالث، وقد ساقه من طريق سعيد عن قتادة عن الحسن. فقد عرفت الجواب عنه آنفا، ولذلك فمن التدليس الخبيث قوله: " مرسل صحيح الإسناد، وهو مع حديث أنس حجة، كما تقرر في علم الحديث والأصول "! قلت: يشير إلى قولهم - واللفظ للنووي في " تقريبه " (١ / ١٩٨ - بشرح " التدريب ") :

стр. 4284

" فإن صح مخرج المرسل بمجيئه من وجه آخر مسندا أو مرسلا أرسله من أخذ عن غير رجال الأول كان صحيحا ". وراجع " فتح المغيث " (١ / ١٣٨) . وجوابنا عن قوله المذكور من وجهين: الأول: أن هذا في غير المرسل الذي ثبتت نكارته ومخالفته للأحاديث الصحيحة، ومثله أقول في المسند الشاهد له أنه لا يصلح للشهادة لأنه منكر أيضا كما سبق تحقيقه، فكيف يقوي منكر منكرا ؟! والآخر: أن مراسيل الحسن عند العلماء شبه الريح كما قال الحافظ العراقي فيما نقله السيوطي في " شرحه " (١ / ٢٠٤) ، وذلك لأنه كان ممن يصدق كل من يحدثه، ولذلك قال ابن سيرين: حدثوا عمن شئتم من المراسيل إلا عن الحسن وأبي العالية، فإنهما لا يباليان عمن أخذا الحديث. وقال أحمد: ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح، فإنهما يأخذان عن كل أحد. نقلتهما من " جامع التحصيل " للعلائي (ص ٤٤ و ٨٦ و ٨٧ و ٩٧) . وإن مما يؤكد ما ذكر العلماء أن الحسن نفسه قد يروي حديثا عن صحابي دون أن يسمي من حدثه عنه ، ثم هو يفتي بخلافه! الأمر الذي يشعرنا بأنه هو نفسه كان لا يثق بما يرسله، فانظر " الضعيفة " الحديث (٣٤٢) . ٤ - وأما حديثه الرابع، فقد ذكره من رواية عبد الرزاق في " المصنف " عن ابن جريج قال: قال نافع بن جبير وغيره: ... فذكر الحديث. وقال عقبه: " إسناده صحيح "!

стр. 4285

قلت: وهذا كذب صريح، وتدليس على القراء خبيث، فإن نافع بن جبير تابعي معروف ثقة، فلو أنه قال: إسناده مرسل صحيح، لكان كذابا أيضا، فإن في الطريق إليه علتين تحولان دون التصحيح: الأولى: وهي ظاهرة لكل ذي معرفة بهذا العلم، وما أظن ذلك مما يخفى على الغماري، ولكنه الهوى! وهي قول ابن جريج: قال: قال نافع. فإن ابن جريج كان من المدلسين المعروفين بذلك والمكثرين منه كما في " التحصيل " ( ص ١٢٣) للعلائي، فمثله لا يقبل حديثه إلا إذا صرح بالتحديث، وبخاصة أنه كما قال الدارقطني: " تدليسه قبيح، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح، مثل إبراهيم بن أبي يحيى وموسى بن عبيدة "! والعلة الأخرى: أن عبد الرزاق أخرجه في " كتاب الصلاة " من " مصنفه " (١ / ٥٣٢ / ٢٠٣٠) ، وهذا الكتاب يرويه عنه إسحاق بن إبراهيم الدبري (انظر ص ٣٤٩ منه) وفي سماعه منه كلام معروف، قال النسائي في " الضعفاء " (ص ٢٩٧ / ٣٧٩) في ترجمة عبد الرزاق: " فيه نظر لمن كتب عنه بأخرة ". زاد في " التهذيب " عنه: " كتب عنه أحاديث مناكير ". وقال الذهبي في " الميزان " في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الدبري: " سمع من عبد الرزاق تصانيفه، وهو ابن سبع سنين أو نحوها، لكن روى عن عبد الرزاق أحاديث منكرة، فوقع التردد فيها هل هي منه فانفرد بها، أو هي معروفة مما تفرد به عبد الرزاق ".

стр. 4286

وفي " اللسان ": " ذكر أحمد أن عبد الرزاق عمي فكان يلقن فيتلقن، فسماع من سمع منه بعدما عمي لا شيء. قال ابن الصلاح: وقد وجدت فيما روى الدبري عن عبد الرزاق أحاديث استنكرتها جدا، فأحلت أمرها على الدبري، لأن سماعه منه متأخر جدا ". قلت: وبالجملة فالحديث ضعيف لإرساله، وانقطاعه بين مرسله والراوي عنه، وضعف السند إليه، ظلمات بعضها فوق بعض، ومع هذا كله يقول فيه هذا الهالك في عجبه وغروره: إسناده صحيح!! أضف إلى ذلك العلة العامة الشاملة لأحاديثه الخمسة، وهي مخالفة الأحاديث الصحيحة! ٥ - وأما حديثه الخامس، فهو عن الحسن البصري أيضا كما تقدمت الإشارة إليه وتقدم الجواب عنه في حديثه الثالث بما فيه كفاية وأنه منكر مثل كل أحاديثه! هذا، ومن ضلال هذا المأفون أنه بعد أن ساق هذه الأحاديث الضعيفة وبنى عليها أن الصلوات الثلاث فرضت أربعا أربعا، انبرى ليضعف ما صح من الأحاديث المخالفة لها، وهي ثلاثة: الأول: حديث عائشة المتقدم: فرضت الصلاة ركعتين ... الحديث. وهو مما أخرجه الشيخان وغيرهما من أصحاب الصحاح، حتى قال ابن رشد في " البداية " (٣ / ٣٩٥ - بتخريج الهداية) : " إنه حديث ثابت باتفاق ". وأقره مخرجه الشيخ أحمد الغماري أخو عبد الله هذا، وخرجه ولم يعلق عليه

стр. 4287

بشيء، وأما هذا المأفون، فزعم (ص ١٦ و١٨) : أنه شاذ، والشاذ من قبيل الضعيف. بعد أن ادعى أنه موقوف عليها. وهذه الدعوى وإن كان مسبوقا إليها من بعض فقهاء الشافعية، فقد ردها الحافظ - وهو شافعي أيضا - بقوله في " الفتح " (١ / ٤٦٤) ردا على المخالفين: " فهو مما لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع ". قلت: وإني - والله - لأتعجب كل العجب من أولئك الفقهاء وكيف يجيزون على السيدة عائشة أن تقول من نفسها: " فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر.. " الحديث، وهو متفق عليه - كما تقدم - ولو أنها قالت من نفسها: " فرض رسول الله ﷺ ... " كما قال ذلك ابن عمر في صدقة الفطر، لو أن ذلك قاله قائل دون توقيف من رسول الله ﷺ لاعتبر القائل من الكاذبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون حاله لو قال: " فرض الله.. "؟! تالله إنها لإحدى الكبر أن يقال في عائشة الصديقة ﵂ أنها قالت ذلك من نفسها دون توقيف من رسول الله ﷺ ! ولا يقال: لعلهم لم يقفوا على هذا اللفظ الصريح في الرفع، وإنما على اللفظ الآخر: " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين .. ". لأننا نقول: هب أن الأمر كذلك بالنسبة لغير الغماري، فإنه في معنى الأول، ألا ترى أن العلماء ذكروا في " مصطلح الحديث ": " وقول الصحابي: " أمرنا بكذا " أو " نهينا عن كذا " مرفوع مسند عند أصحاب الحديث ". كذا في " اختصار علوم الحديث " (ص ٥٠) وغيره. وليس بخاف على أحد أنه لا فرق بين قول الصحابي: " أمر " وقوله " فرض "، وبخاصة إذا صرح بالفاعل كما في هذه الرواية الصحيحة عن عائشة

стр. 4288

رضي الله عنها، فالحكم على الحديث والحالة هذه بالوقف مخالف لقواعد علم الحديث، هذه القواعد التي يتبجح الغماري بالإحالة إليها كثيرا دون ما فائدة كما فعل في الحديث الثالث المتقدم. وإنما قلت آنفا : " لغير العماري "، لأن أولئك الفقهاء قد يمكن أن يلتمس لهم العذر من باب إحسان الظن بهم، وأما هذا الغماري فقد أغلق هذا الباب بينه وبين مخالفيه، لكثرة طعنه فيهم بغير حق، كما كنت شرحت ذلك في مقدمة المجلد الثالث المشار إليه فيما سبق، ولمكابرته في رد النصوص إما بردها وتضعيفها، أو بتأويلها وإخراجها عن معانيها الظاهرة. وهذا هو المثال بين يديك حديث عائشة يرده بعلة الوقف، وقد عرفت بطلانها مما بينت آنفا. وهناك شيء ثان وثالث يدل على مكابرته وجحوده. أما الأمر الثاني، فهو مخالفته لأئمة الحديث الذين أوردوا الحديث في " مسانيدهم " كالطيالسي (١٥٣٥) وحديثه صريح في الرفع كما يأتي في الذي بعده، وأحمد (٦ / ٢٣٤ و ٢٤١ و ٢٦٥ و ٢٧٢) وأبي يعلى (٥ / ٤٨ و ٨ / ١٠٧) وغيرهم، ومعلوم أن " المسانيد " وضعها مؤلفوها للأحاديث المرفوعة، ولا يذكرون فيها شيئا من الموقوفات إلا نادرا. أما الأمر الثالث، فهو تقصده الإعراض عن ذكر الأحاديث المرفوعة صراحة كحديث الترجمة وما في معناه مما تقدم تخريجه، لمخالفتها ما ذهب إليه من أن أصل الصلاة التربيع، وهذا مما يؤكد أنه من أهل الأهواء، لأنهم يذكرون ما لهم، ولا يذكرون ما عليهم بخلاف أهل السنة فإنهم يذكرون ما لهم وما عليهم ولا يصح أن يقال: أنه لعله لم يطلع على تلك الأحاديث، ذلك لأن بعضها في " فتح الباري "، وهو من مراجعه يقينا، وقد رآه فيه معزوا لصحيح ابن خزيمة وابن حبان،

стр. 4289

فلماذا أعرض عنه؟! ولقد زاد في المكابرة فقال في الوجه العاشر (ص ١٨) : " ولم يأت في شيء من الطرق التي استندوا إليها صحيحها وضعيفها أن الصلاة كانت اثنتين ثم فرضت بعد الهجرة أربعا ". قلت: يأبى الله بحكمته إلا أن يكشف مكابرة هذا المدبر وضلاله - بقلمه - فإنه ينفي ذلك في كل الطرق حتى الضعيفة منها، فكيف يقول هذا وهو في صدد تضعيف حديث عائشة، ومن ألفاظه في رواية معمر المتقدمة بلفظ: " فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر النبي ففرضت أربعا.. ". وهذا اللفظ قد ذكره هذا المدبر نفسه في رسالته (ص ٢٠) ، فهذا نص صريح ينافي ما نفاه، فهل كان ذلك عن غفلة منه أو تغافل؟ أحلاهما مر، فهذا الحديث صريح في الرفع، فهو يبطل ادعاءه بأنه موقوف ، وحسبك أنه في صحيح البخاري مع وروده من طرق أخرى كما تقدم. وأما زعمه بأنه شاذ ضعيف، فهو أبطل من سابقه، لأنه لم يقله مسلم من قبله، وقد ذكرت آنفا عن ابن رشد أنه ثابت باتفاق. بل إنني أقول: إنه صحيح يقينا لأنه من أحاديث الصحيحين التي تلقتها الأمة بالقبول، لا فرق بين من حمله على الوجوب، ومن حمله على الاستحباب، وما كان كذلك من أحاديثهما فهو يفيد العلم كما هو مقرر في " المصطلح "، وراجع لذلك " شرح اختصار علوم الحديث " لابن كثير. ولهذا فإني أخشى أن يشمله وعيد قوله تعالى * (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) * ( ١١٥: النساء) . ولو علم القارىء الأسباب التي حملته على مخالفته للمسلمين لازداد تعجبا معي من جرأته في المخالفة، ويمكن تلخيصها بما يأتي:

стр. 4290

أولا: مخالفته بزعمه للقرآن وحديث وضع شطر الصلاة، وقد سبق بيان بطلان هذه المخالفة، وأنه موافق لهما، فلا داعي للإعادة. ثانيا: أنه مخالف بزعمه أيضا لأحاديثه الخمسة، وقد عرفت أنها ضعيفة الأسانيد منكرة مخالفة للأحاديث الصحيحة، ومنها حديث الترجمة. ولذلك لم يصححها أحد! ثالثا: أنه يجوز أن يكون شرعت الركعتان حين فرض عليه ﷺ ليلة الإسراء خمسون صلاة، ثم خففت إلى خمس وكملها أربعا أربعا! وهذا تجويز عقلي - ومن عقله هو! - يغني حكايته عن رده لمعارضته للنصوص الصحيحة. رابعا: لما تواتر من بيان ركعاتها من جبريل صبيحة ليلة الإسراء! وهذا كذب وزور لم يقله أيضا مسلم قبله ، وهو تكرار للمخالفة الثانية. والمتواتر إنما هو صلاة جبريل ﵇ بالنبي ﷺ دون بيان الركعات. بل لو قيل بأن المتواتر أنها فرضت ركعتين ركعتين لما كان بعيدا عن الصواب، لتلقي الأمة لحديثها بالقبول كما تقدم آنفا. وبالجملة فالرجل مغرم بالمخالفة للعلماء بسوء فهمه الذي يصور له الصحيح ضعيفا والضعيف صحيحا، ومما ضعفه أيضا من الحديث الصحيح حديث عمر المتقدم (ص ٧٤٨) : " صلاة السفر.. ركعتان تمام غير قصر.. على لسان نبيكم " (ص ٢٣) وحديث ابن عباس: " إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم على المسافر ركعتين.. " حكم عليه أيضا بالشذوذ! (ص ٢٢ - ٢٣) . وإن من خبثه ومكره بقرائه، أن هذه الأحاديث الصحيحة والتي هو يضعفها، لا يخرجها حتى لا يتنبه القراء أنها صحيحة فيشكون على الأقل بتضعيفه إياها! فحديث ابن عباس رواه مسلم وأبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان في

стр. 4291

" صحاحهم "، وحديث عائشة أخرجه الشيخان كما تقدم، وكذا المذكورون مع مسلم آنفا، وحديث ابن عباس مخرج عندي في " صحيح أبي داود " (١١٣٤) و " الروض النضير " (٣٩٣) وحديث عمر سبق تخريجه. ومن الأحاديث الضعيفة التي صححها هذا الغماري المأفون حديث عائشة: " كان يسافر فيتم الصلاة ويقصر " (ص ٢٦ - ٢٨) ولا أريد إطالة الكلام في الرد عليه فإنني قد بينت ضعفه وكشفت عن علته في " إرواء الغليل " (٣ / ٦ - ٩) وإنما أريد أن ألفت نظر القراء إلى أمرين هامين: الأول: أن الغماري لم يبين صحة الحديث على طريقة المحدثين، وبخاصة وهو بصدد الرد على المضعفين له كابن تيمية وابن القيم وابن حجر وإنما اقتصر على تقليد الدارقطني في قوله: " إسناده صحيح " وقد بينت هناك أن فيه مجهول الحال، وأما الغماري فقال (ص ٣٠ ) : " رجال إسناده ثقات "! دون أي بيان أو تحقيق! والآخر: أن من المضعفين لهذا الحديث الذي صححه هذا الغماري الصغير أخاه الكبير أحمد الغماري ﵀ ، فإنه قال معلقا على قول ابن رشد: " لم يصح عنه ﷺ أنه أتم الصلاة قط ". فقال الشيخ أحمد: " قلت: هذا معلوم من سيرته لمن تتبع الأحاديث والأخبار في أسفاره ﷺ ، وقد نص الحفاظ على ذلك، قال ابن القيم في " الهدي النبوي " ... " ثم ساق كلام ابن القيم، وارتضاه. وأما الغماري الصغير، فإنه حكاه ورده بتصحيح الدارقطني لإسناده وتقليده إياه كما تقدم، فتأمل كم هو مغرور بنفسه، هالك في مخالفاته! نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 4292

وخلاصة ما تقدم أن حديث الترجمة صحيح بمتابعه وشاهده، وبعضه في " صحيح البخاري "، وبشاهده الذي حسنه الحافظ. وقد جاء الحديث من طريق أخرى عن عائشة، وهو الآتي بعده. والحمد لله تعالى وحده. ثم رأيت المسمى حسن السقاف الهالك في تقليد شيخه عبد الله الغماري، قد نقل عن كتابه " الصبح " بعض أقواله في أحكام السفر، نقلها في كتاب له أسماه " صحيح صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم كأنك تنظر إليها "، وهو كتاب مزور مسروق من كتابي المعروف كما يشعرك به عنوانه، ويؤكد ذلك لكل باحث بصير مضمونه، فإنه جرى فيه على نهج شيخه في التدليس على القراء وتضعيف الأحاديث الصحيحة وتصحيح الأحاديث الضعيفة مؤكدا بذلك أنه - على الأقل - من أهل الأهواء بما لا مجال لبيان ذلك الآن، فحسبي من ذلك هنا الإشارة إلى أنه في كتابه المذكور عقد فصلا في آخره في قصر الصلاة في السفر، جرى فيه على الإعراض عن دلالة حديث عائشة وغيره في وجوب قصر الصلاة في السفر، مصرحا بأنه رخصة فقط! وأتى برواية باطلة عن عائشة، أن قصره ﷺ إنما كان في حرب، وأنه كان يخاف!! ومن المتواتر عن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين أنهم داوموا على القصر في السفر في حجة الوداع وغيرها، فهل خفي هذا على هذا المقلد، أم هي المكابرة والجحد للحقائق؟! ثم لم يكتف بذلك بل زاد في الطين بلة أنه زعم (ص ٢٧٦) أن سنده حسن ، وهو في ذلك غير صادق، وقد بينت ذلك في " الضعيفة " رقم (٤١٤١) . والله المستعان. وإليك الآن بالطريق الآخر الموعود لحديث عائشة الصحيح رضي الله ﵎ عنها: " كان يصلي بمكة ركعتين - يعني - الفرائض، فلما قدم المدينة، وفرضت عليه الصلاة أربعا، وثلاثا، صلى وترك الركعتين كان يصليهما بمكة تماما للمسافر ".

стр. 4293

٢٨١٥ - " كان يصلي بمكة ركعتين - يعني - الفرائض، فلما قدم المدينة، وفرضت عليه الصلاة أربعا، وثلاثا، صلى وترك الركعتين كان يصليهما بمكة تماما للمسافر ". أخرجه الطيالسي في " مسنده " (١٥٣٥) : حدثنا حبيب بن يزيد الأنماطي قال: حدثنا عمرو بن هرم عن جابر بن زيد قال: قالت عائشة:.. فذكره. قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال مسلم غير الأنماطي هذا فقد اختلفوا فيه، فقال الذهبي في " الكاشف ": " فيه لين ". وقال الحافظ: " صدوق يخطىء ". قلت: فمثله يحسن حديثه وبخاصة إذا توبع، وقد جاء الحديث من طريق أخرى عن عائشة بنحوه، وهو المذكور قبله. وله طريق ثالث عنها قالت: " كان أول ما افترض على رسول الله ﷺ الصلاة ركعتان ركعتان.. " الحديث مثله، وفيه: " ثم أتم الله الظهر والعصر.. " الحديث. أخرجه أحمد (٦ / ٢٧٢) بسند جيد. وهو من جملة الأدلة على بطلان قول من أعل حديث عائشة في " الصحيحين " بالوقف ومنهم الشيخ عبد الله الغماري كما تقدم الرد عليه في الحديث الذي قبله مفصلا بما تقر أعين القراء المحبين لسنة رسول الله ﷺ .

стр. 4294

٢٨١٦ - " كان لا يسبح في السفر قبلها ولا بعدها. يعني الفريضة ". أخرجه السراج في " مسنده " (ق ١٢٠ / ٢) من طريق وكيع: أخبرنا ابن أبي ذئب عن عثمان ابن عبد الله بن سراقة عن ابن عمر قال: فذكره مرفوعا. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري. ثم رواه من طريق ابن أبي فديك: حدثنا ابن أبي ذئب عن عثمان.. قال: كنا مع ابن عمر في سفر، فرأى حفص بن عاصم يسبح، فقلت: إن خالك - يعني - عمر يكره هذا، فأتيت ابن عمر فسألته، فقال: رأيت رسول الله ﷺ لا يسبح.. إلخ. قلت: وإسناده جيد، رجاله رجال الصحيح، وقد أخرجه هو والشيخان وغيرهم من طريق أخرى عن حفص بن عاصم عن ابن عمر نحوه أتم منه، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (١١٠٨) . هذا وفي الأحاديث الأخرى الصحيحة ما يدل أن هذا ليس على إطلاقه وشموله، فإنه قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يدع سنة الفجر حضرا ولا سفرا، وكذلك الوتر. انظر " فتح الباري " (٢ / ٥٧٨ - ٥٧٩) . ٢٨١٧ - " كيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النبل في الكنانة خمسين ألف سنة، ثم لا ينظر الله إليكم؟! ". أخرجه الحاكم في " المستدرك " (٤ / ٥٧٢) عن ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن ميسرة، عن أبي هانىء الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄ قال: تلا رسول الله ﷺ الآية: * (يوم يقوم الناس لرب العالمين) *، فقال رسول الله ﷺ : فذكره، وقال:

стр. 4295

" هذا حديث صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. قلت: ورجاله ثقات معروفون غير عبد الرحمن بن ميسرة، وهو الحضرمي المصري، ولم يوثقه غير الحاكم، وهو متساهل في التوثيق كابن حبان والعجلي، وقد وثقه أيضا (٨٣٥) ، فلا تطمئن النفس لما تفردوا به من التوثيق، لاسيما والحافظ قال في عبد الرحمن هذا: " مقبول ". يعني عند المتابعة. وإلا فلين الحديث كما نبه عليه في المقدمة. وقد أورده ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٢ / ٢ / ٢٨٥) ولم يزد فيه على قوله: " روى عن عقيل بن خالد. روى عنه عبد الله بن وهب ". قلت: فأحسن أحواله أنه مجهول الحال. ثم بدا لي أنه ينبغي أن يسلك به مسلك الثقات، لأنه قد روى عنه جمع آخر من الثقات غير ابن وهب، منهم سعيد بن عفير ويحيى بن بكير، وغيرهم كما في " التهذيب "، ولعله من أجل ذلك أشار إلى توثيقه الهيثمي، فقال في " المجمع " (٧ / ١٣٥) : " رواه الطبراني، ورجاله ثقات ". وهو غير (عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي أبي سلمة الحمصي) الذي وثقه الذهبي في " الكاشف ". فاقتضى التنبيه. والحديث عزاه في " الدر المنثور " ( ٦ / ٣٢٤) لأبي الشيخ أيضا وابن مردويه والبيهقي في " البعث "، ولم أره في الجزء المصور عندي، والذي قام على تكبيره الشيخ حماد الأنصاري، ولا في المطبوع منه، فالظاهر أنه في الجزء الأخير منه والله أعلم.

стр. 4296

ثم إن السيوطي ساق له شاهدا من حديث أبي هريرة مرفوعا نحوه من رواية ابن مردويه، وفي سنده ضعف، وفي متنه نكارة بلفظ: " * (يوم يقوم الناس لرب العالمين) * مقدار ثلاثمائة سنة ". ولذلك خرجته في " الضعيفة " (٤١٤٩) . ولهذا الجزء منه شاهد صحيح عن أبي هريرة في حديث: " ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم. " الحديث، وفيه: " في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.. " الحديث. رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (١٤٦٢) . وشاهد آخر من حديث أبي سعيد الخدري نحوه بسند ضعيف كما في " تخريج المشكاة " (٥٥٦٣) . وحديث أبي هريرة (١) روي بلفظ: " ينصب للكافر يوم القيامة مقدار خمسين ألف سنة، وإن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة ". أخرجه ابن حبان (٢٥٨١ - موارد) وأحمد (٣ / ٧٥) والحاكم (٤ / ٥٩٧) وأبو يعلى (١٣٨٥) وفيه أبو السمح، وهو ذو مناكير. ثم أخرجه ابن حبان (٢٥٧٨) بسند صحيح عنه بسياق آخر مختصرا بلفظ:

стр. 4297

" * (يقوم الناس لرب العالمين) * مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة يهون ذلك على المؤمن، كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب ". لكن قوله: " نصف يوم "، غريب مخالف لما تقدم. والله أعلم. ٢٨١٨ - " كان إذا أتي بالشيء يقول: اذهبوا به إلى فلانة فإنها كانت صديقة خديجة، اذهبوا إلى بيت فلانة فإنها كانت تحب خديجة ". أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (٢٣٢) والبزار في " مسنده " (١٩٠٤ - الكشف) والدولابي في " الذرية الطاهرة " (ق ٩ / ١) والحاكم (٤ / ١٧٥) من طريق مبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس ﵁ قال: فذكره. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد "! ووافقه الذهبي! كذا قالا! وابن فضالة هذا أورده الذهبي في " الضعفاء "، وقال: " ضعفه أحمد والنسائي، وقال أبو زرعة : يدلس. وقال أبو داود وأبو حاتم: إذا قال: " حدثنا " فهو ثقة ". وقال الحافظ في " التقريب ": " صدوق، يدلس ويسوي " (١) . قلت: ولم يصرح بالتحديث كما ترى، فالسند ضعيف، ومع ذلك سكت عنه الحافظ في " الفتح " (١٠ / ٤٣٥) وقد عزاه لـ " الأدب المفرد "! فلعل ذلك لأن له شاهدا من حديث عائشة ﵂ قالت:

стр. 4298

" كان رسول الله ﷺ إذا ذبح الشاة فيقول : أرسلوا إلى أصدقاء خديجة ". أخرجه البخاري (٣٨١٦ و ٣٨١٨ و ٦٠٠٤) ومسلم ( ٧ / ١٣٤) واللفظ له، والترمذي (٢٠١٨ و ٣٨٨٥) وأحمد (٦ / ٥٨ و ٢٠٢ و ٢٧٩ ) والطبراني في " الكبير " (٢٣ / ١١ / ١٥) من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عنها. واستدركه الحاكم على مسلم فوهم، وصححه الترمذي. (تنبيه) : حديث عائشة عزاه الحافظ في ترجمة خديجة من " الإصابة " لـ (الصحيح) بهذا اللفظ، وزاد: " قال: فذكرت له يوما، فقال: إني لأحب حبيبها ". ولم أجد هذه الزيادة في (الصحيح) ولا في المصادر الأخرى، اللهم إلا رواية لمسلم من طريق حفص بن غياث عن هشام بن عروة بهذا الحديث، وزاد: قالت: فأغضبته يوما، فقلت : خديجة؟! فقال رسول الله ﷺ : " إني قد رزقت حبها ". ٢٨١٩ - " يا أيها الناس إني لم أعلم بهذا حتى سمعتموه، ألا وإنه يجير على المسلمين أدناهم ". أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٢ / ٢٩٦ / ٢ / ٤٩٥٨) قال: حدثنا عبد الله بن يحيى ابن بكير قال: حدثني أبي قال: أخبرنا ابن لهيعة قال: أخبرنا موسى بن جبير عن عراك بن مالك عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة : أن زينت بنت رسول الله ﷺ حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا استأذنت أبا العاص بن الربيع زوجها أن تذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لها، فقدمت عليه، ثم

стр. 4299

إن أبا العاص لحق بالمدينة، فأرسل إليها : أن خذي لي أمانا من أبيك، فخرجت فأطلت برأسها من باب حجرتها ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبح يصلي بالناس، فقالت: يا أيها الناس أنا زينب بنت رسول الله ﷺ ، وإني قد أجرت أبا العاص. فلما فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة قال: فذكره. وقال: " لا يروى عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن لهيعة ". وأخرجه في " المعجم الكبير " (٢٣ / ٤٢٥ / ١٠٤٧) من طريق أخرى عن ابن لهيعة به. قلت: قال الهيثمي بعد أن عزاه بهذا السياق لـ " الأوسط " و " الكبير " باختصار (٥ / ٣٣٠) : " وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن وبقية رجاله ثقات ". قلت: المتقرر فيه عند أكثر العلماء أنه حسن الحديث في الشواهد والمتابعات، إلا في رواية أحد العبادلة عنه، فهو صحيح الحديث، وقد رواه عنه عبد الله بن وهب، فقال الدولابي في " الذرية الطاهرة " (ق ١٢ / ١) : حدثني يونس بن عبد الأعلى: أنبأ عبد الله بن وهب أخبرني ابن لهيعة به. وأخرجه الحاكم (٤ / ٤٥) من طريق آخر عن ابن وهب به. قلت: فصح الحديث والحمد لله، وموسى بن جبير الأنصاري روى عنه جمع من الثقات منهم الليث بن سعد وبكر بن مضر وعمرو بن الحارث ويحيى بن أيوب، ولذلك قال الذهبي في " الكاشف ": " ثقة ". وذكره ابن حبان في " الثقات " (٧ / ٤٥١) وقال:

стр. 4300

" يخطىء ويخالف ". وقال الحافظ: " مستور ". قلت: والصواب قول الذهبي المتقدم: " ثقة " لرواية الجماعة عنه، وقد يكون له أخطاء كما يشير إليه قول ابن حبان المتقدم. وللحديث شاهد عن يزيد بن رومان مرسلا. أخرجه ابن هشام في " السيرة " (٢ / ٢٠٢ - ٢٠٣) . وآخر من حديث أنس بن مالك نحوه مختصرا . أخرجه الدولابي (ق ١٢ / ٢) : حدثنا النضر بن سلمة بسند صحيح له عنه. لكن النضر هذا - وهو شاذان المروزي - متهم بالوضع، وهو مترجم في " اللسان ". لكن رواه الطبراني في " الكبير " و " الأوسط " أخصر منه، قال الهيثمي: " وفيه عباد بن كثير الثقفي، وهو متروك ". وللشطر الثاني من حديث الترجمة شاهد من حديث ابن عمرو عند أبي داود وغيره بسند حسن، وهو مخرج في " الإرواء " (٢٢٠٨) وشواهد أخرى في " مجمع الزوائد " و " المستدرك " (٤ / ٤٥) . ٢٨٢٠ - " توضأ يا أبا جبير! لا تبدأ بفيك، فإن الكافر يبدأ بفيه ". أخرجه ابن حبان في " صحيحه " (١٤٨) والدولابي في " الأسماء والكنى " (١ / ٢٣) وأبو أحمد الحاكم في " الكنى " (ق ٦١ / ٢) والبيهقي

стр. 4301

في " السنن الكبرى " (١ / ٤٦) وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (١٧ / ٣١٥ / ١) من طرق عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه: أن أبا جبير قدم على رسول الله ﷺ بابنته التي كان تزوجها رسول الله ﷺ ، فأمر له النبي ﷺ بوضوء، فقال: " توضأ يا أبا جبير "، فبدأ أبو جبير بفيه، فقال رسول الله ﷺ : " لا تبدأ بفيك.. " (الحديث) ، ثم دعا رسول الله ﷺ بالوضوء فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم تمضمض واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل يده اليمنى إلى المرفق (١) [ثلاثا] واليسرى ثلاثا ومسح برأسه وغسل رجليه، والسياق للدولابي. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم، وفيه شبهة الإرسال، لأن جبير بن نفير ليست له صحبة، وإن كان أدرك الجاهلية لكن الظاهر أنه تلقاه عن أبيه نفير، وله صحبة معروفة، وقد أخرج النسائي في " الكنى " من طريق صفوان ابن عمرو: حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن جده. وكذلك قال غيره عن عبد الرحمن به. فانظر " الإصابة "، والحديث الآتي (٢٨٢٣) . (تنبيه) : وقع في (السنن) ".. عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه جبير أنه قدم.. ". فجعله من مسند جبير، وأنه الذي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خطأ مطبعي بلا ريب لمخالفته للمصادر الأخرى، والطريق واحدة.

стр. 4302

٢٨٢١ - " من اقتراب (وفي رواية: أشراط) الساعة أن ترفع الأشرار وتوضع الأخيار ويفتح القول ويخزن العمل ويقرأ بالقوم المثناة، ليس فيهم أحد ينكرها. قيل: وما المثناة؟ قال: ما استكتب (١) سوى كتاب الله ". وهو من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، يرويه عنه عمرو ابن قيس الكندي، رواه عنه جمع رفعه بعضهم وأوقفه بعضهم، وهو في حكم المرفوع لأنه لا يقال بمجرد الرأي، وهم: أولا: يحيى بن حمزة: حدثني عمرو بن قيس الكندي قال: كنت مع أبي الفوارس وأنا غلام شاب، فرأيت الناس مجتمعين على رجل ، قلت: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن عمرو بن العاص، فسمعته يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: فذكره. أخرجه الحاكم (٤ / ٥٥٤) وأورده الهيثمي في " المجمع " (٧ / ٣٢٦) مرفوعا عن عبد الله بن عمرو، وقال: " رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ". قلت: لعله عند الطبراني من طريق أخرى غير طريق الكندي هذا، وإلا فالهيثمي واهم في حشره إياه في جملة (رجال الصحيح ) ! ثانيا: الأوزاعي عن عمرو بن قيس السكوني قال: خرجت مع أبي في الوفد إلى معاوية، فسمعت رجلا يحدث الناس يقول: " إن من أشراط الساعة.. " الحديث.

стр. 4303

قال : فحدثت بهذا الحديث قوما وفيهم إسماعيل بن عبيد الله، فقال: أنا معك في ذلك المجلس، تدري من الرجل؟ قلت: لا، قال: عبد الله بن عمرو. أخرجه الحاكم أيضا، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (١٣ / ٥٩٣ - المدينة) وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. ثالثا: معاوية بن صالح قال: أخبرني عمرو بن قيس الكندي قال: سمعت عبد الله ابن عمرو بن العاص قال: فذكره موقوفا بلفظ : ".. كل كتاب سوى كتاب الله ". أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (١٥ / ١٦٥ / ١٩٣٩٥) : زيد بن الحباب قال: أخبرنا معاوية بن صالح ... رابعا: إسماعيل بن عياش عن عمرو بن قيس به إلى قوله: " ويخزن العمل ". أخرجه أبو عمرو الداني في " الفتن " (ق ٥٣ / ١ - ٢) والبيهقي في " الشعب " (٤ / ٣٠٦ / ٥١٩٩) بتمامه. خامسا: بشر: حدثني عمرو بن قيس به. أخرجه ابن عساكر. (فائدة) : هذا الحديث من أعلام نبوته ﷺ ، فقد تحقق كل ما فيه من الأنباء ، وبخاصة منها ما يتعلق بـ (المثناة) وهي كل ما كتب سوى كتاب الله كما فسره الراوي، وما يتعلق به من الأحاديث النبوية والآثار السلفية، فكأن المقصود بـ (المثناة) الكتب المذهبية المفروضة على المقلدين. التي صرفتهم مع تطاول الزمن

стр. 4304

عن كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ كما هو مشاهد اليوم مع الأسف من جماهير المتمذهبين، وفيهم كثير من الدكاترة والمتخرجين من كليات الشريعة، فإنهم جميعا يتدينون بالتمذهب، ويوجبونه على الناس حتى العلماء منهم، فهذا كبيرهم أبو الحسن الكرخي الحنفي يقول كلمته المشهورة: " كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ " (١) . فقد جعلوا المذهب أصلا، والقرآن الكريم تبعا، فذلك هو (المثناة) دون ما شك أو ريب. وأما ما جاء في " النهاية " عقب الحديث وفيه تفسير ( المثناة) : " وقيل: إن المثناة هي أخبار بني إسرائيل بعد موسى ﵇ وضعوا كتابا فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله، فهو (المثناة) ، فكأن ابن عمرو كره الأخذ عن أهل الكتاب، وقد كان عنده كتب وقعت إليه يوم اليرموك منهم. فقال هذا لمعرفته بما فيها ". قلت: وهذا التفسير بعيد كل البعد عن ظاهر الحديث، وأن (المثناة) من علامات اقتراب الساعة، فلا علاقة لها بما فعل اليهود قبل بعثته ﷺ ، فلا جرم أن ابن الأثير أشار إلى تضعيف هذا التفسير بتصديره إياه بصيغة " قيل " وأشد ضعفا منه ما ذكره عقبه : " قال الجوهري: (المثناة) هي التي تسمى بالفارسية (دوبيتي) . وهو الغناء "!

стр. 4305

٢٨٢٢ - " من كان عليه دين ينوي أداءه كان معه من الله عون وسبب الله له رزقا ". أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٢ / ١٨١ / ١ / ٧٧٥٨) : حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم حدثنا أبي: حدثنا سعد بن الصلت عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره. وقال: " لم يروه عن هشام إلا سعد بن الصلت، ولا رواه عن سعد إلا شاذان ". قلت: يعني به إسحاق بن إبراهيم، فإنه يعرف بـ " شاذان الفارسي قاضي فارس " كما في " الجرح والتعديل " في ترجمة سعد بن الصلت، ومثله في ترجمة إسحاق نفسه، وقال (١ / ١ / ٢١١) : " كتب إلى أبي وإلي، وهو صدوق ". وترجم لشيخه سعد بن الصلت بروايته عن جمع آخر من الثقات غير هشام بن عروة، وعنه محمد بن عبد الله الأنصاري ويحيى الحماني وابن ابنته إسحاق بن إبراهيم المعروف بشاذان الفارسي قاضي فارس. ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. وأورده ابن حبان في " الثقات " (٦ / ٣٧٨) برواية شاذان عنه، وقال: " ربما أغرب ". وقال الهيثمي في " المجمع " (٤ / ١٣٢ - ١٣٣) بعد أن عزاه لأحمد: " وإسناد الطبراني متصل، إلا أن فيه سعيد بن الصلت عن هشام بن عروة، ولم أجد إلا واحدا يروي عن الصحابة، فليس به. والله أعلم ". قلت: إنما هو سعد، وكأنه وقع في نسخة الهيثمي من الطبراني " سعيد "،

стр. 4306

وهو كذلك في بعض المواضع من هذا الحديث وغيره من نسختنا ، والصواب قد عرف من ترجمته. وإسناد أحمد الذي أشار إليه الهيثمي، إنما يرويه القاسم بن الفضل عن محمد بن علي أبي جعفر عن عائشة أنها كانت تدان، فقيل لها: ما لك وللدين؟ فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: " ما من عبد كانت له نية في أداء دينه إلا كان له من الله عون "، فأنا ألتمس ذلك العون. أخرجه أحمد (٦ / ٧٢ و ٩٩ و ١٣١ و ٢٣٤ - ٢٣٥ و ٢٥٠) وكذا الطيالسي (١٥٢٤) والحاكم (٢ / ٢٢) ومن طريقهما البيهقي (٥ / ٣٥٤) . ورجاله ثقات رجال مسلم، إلا أنه منقطع بين أبي جعفر وعائشة، لكن قد روي موصولا وسبق تخريجه برقم (١٠٠٠) . ووصله الحاكم من طريق محمد بن عبد الرحمن بن مجبر: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها. لكن ابن مجبر ضعيف. وشذت ورقاء عن الجماعة فروت أن عائشة قالت: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: " من كان عليه دين همه قضاؤه - أو هم بقضائه - لم يزل معه من الله حارس ". أخرجه أحمد (٦ / ٢٥٥) والطبراني في " الأوسط " (١ / ٢١٩ / ٢ / ٣٩١٣) .

стр. 4307

وورقاء هذه - هي بنت هداب كما في " الأوسط " - لم أعرفها. (تنبيه) : ذكر المنذري في " الترغيب " (٣ / ٤٣) هذه الرواية عقب رواية عائشة المنقطعة، وقال عقبهما: " رواه أحمد، ورواته محتج بهم في الصحيح إلا أن فيه انقطاعا ". وليس الأمر كذلك كما يتبين لك من هذا التخريج، وخلاصته أن حديث الترجمة حسن ، وحديث عائشة بطرقه صحيح، إلا رواية ورقاء فضعيفة. ٢٨٢٣ - " والله لقد بعث الله النبي ﷺ على أشد حال بعث عليها فيه نبي من الأنبياء في فترة وجاهلية، ما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل وفرق بين الوالد وولده حتى إن كان الرجل ليرى والده وولده أو أخاه كافرا، وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان، يعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وإنها للتي قال الله : * (الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) * ". أخرجه أحمد (٦ / ٢ - ٣) : حدثنا يعمر بن بشر حدثنا عبد الله - يعني ابن المبارك -: أنبأنا صفوان بن عمرو: حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما، فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ ، والله إنا لوددنا أن رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت، فاستغضب، فجعلت أعجب ما قال إلا خيرا، ثم أقبل إليه فقال:

стр. 4308

ما يحمل الرجل أن يتمنى محضرا غيبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه؟! والله لقد حضر رسول الله ﷺ أقوام أكبهم الله على مناخرهم في جهنم، لم يجيبوه ولم يصدقوه، أولا تحمدون الله إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم، مصدقين لما جاء به نبيكم، قد كفيتم البلاء بغيركم ؟ والله لقد بعث الله النبي ﷺ .. إلخ. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير يعمر بن بشر، وهو المروزي، قال الخطيب في " تاريخ بغداد " (١٤ / ٣٥٧) : " من كبار أصحاب عبد الله بن المبارك، قال أحمد : ما أرى كان به بأس. وقال علي بن المديني: ثقة. وقال أبو رجاء محمد بن حمدويه: " من ثقات أهل مرو ومتقيهم ". وقال الدارقطني: ثقة ثقة ". وذكره ابن حبان في " الثقات " (٩ / ٢٩١) . قلت: كأن الهيثمي فاته ما ذكرناه من النقول الموثقة ليعمر هذا، فقال في حديث آخر له (٥ / ١٢٢) : " رواه أحمد عن شيخه يعمر بن بشر، ويقال: مشايخ أحمد كلهم ثقات "! وقد تابعه بشر بن محمد عند البخاري في " الأدب المفرد " (٨٧) ، وحبان بن موسى عند ابن حبان (١٦٨٤ - موارد) قالا: أنبأنا عبد الله به. وقال الحافظ ابن كثير في " تفسير سورة الفرقان " بعد أن عزاه لأحمد بسنده: " وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجوه ". ( تنبيه) : التفريق المذكور في هذا الحديث له أصل في " صحيح البخاري " (رقم ٧٢٨١) من حديث جابر بن عبد الله قال:

стр. 4309

" جاءت الملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان.. " الحديث، وفيه: " فمن أطاع محمدا ﷺ فقد أطاع الله، ومن عصى محمدا فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس ". قلت: ففي الحديث دليل صريح أن التفريق ليس مذموما لذاته، فتنفير بعض الناس من الدعوة إلى الكتاب والسنة، والتحذير مما يخالفهما من محدثات الأمور، أو الزعم بأنه ما جاء وقتها بعد! بدعوى أنها تنفر الناس وتفرقهم - جهل عظيم بدعوة الحق وما يقترن بها من الخلاف والتعادي حولها كما هو مشاهد في كل زمان ومكان، سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا، * (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) *. ٢٨٢٤ - " شاهت الوجوه [شاهت الوجوه] ". أخرجه أحمد (١ / ٣٠٣) حدثنا إسحاق بن عيسى: حدثنا يحيى بن سليم عن عبد الله ابن عثمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: " إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ونائلة وإساف، لو قد رأينا محمدا لقد قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة ﵂ تبكي حتى دخلت على رسول الله ﷺ فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك لو قد رأوك، لقد قاموا إليك فقتلوك فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك. فقال يا بنية: أريني وضوءا، فتوضأ ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، وخفضوا

стр. 4310

أبصارهم وسقطت أذقانهم في صدورهم، وعقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصرا، ولم يقم إليه منهم رجل! فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من التراب فقال: " شاهت الوجوه "، ثم حصبهم بها، فما أصاب رجلا منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر كافرا ". قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أن يحيى بن سليم، وهو الطائفي، فيه كلام من جهة حفظه، لكنه قد توبع من جمع فأمنا بذلك سوء حفظه، وصح الحديث والحمد لله. أولا: قال سعيد بن منصور في " سننه " (٣ / ٢ / ٣٥٤) : إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عثمان بن خثيم. ثانيا: تابعه معمر عن ابن خثيم به. أخرجه أحمد (١ / ٣٦٨ ) : حدثنا عبد الرزاق: حدثنا معمر ... قلت: وهذا إسناد جيد على شرط مسلم. ثالثا: أبو بكر بن عياش عن عبد الله بن عثمان بن خثيم به. أخرجه الحاكم (٣ / ١٥٧) مختصرا، والبيهقي في " الدلائل " (٢ / ٢٧٧ - ٢٧٨) وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. والحديث قال الهيثمي (٨ / ٢٢٨) : " رواه أحمد بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح ".
следующие страницы →