وهو كذلك في بعض المواضع من هذا الحديث وغيره من نسختنا
، والصواب قد عرف من ترجمته. وإسناد أحمد الذي أشار إليه الهيثمي، إنما
يرويه القاسم بن الفضل عن محمد بن علي أبي جعفر عن عائشة أنها كانت تدان، فقيل
لها: ما لك وللدين؟ فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: " ما من
عبد كانت له نية في أداء دينه إلا كان له من الله عون "، فأنا ألتمس
ذلك العون. أخرجه أحمد (٦ / ٧٢ و ٩٩ و ١٣١ و ٢٣٤ - ٢٣٥ و ٢٥٠) وكذا
الطيالسي (١٥٢٤) والحاكم (٢ / ٢٢) ومن طريقهما البيهقي (٥ / ٣٥٤) .
ورجاله ثقات رجال مسلم، إلا أنه منقطع بين أبي جعفر وعائشة، لكن قد روي
موصولا وسبق تخريجه برقم (١٠٠٠) . ووصله الحاكم من طريق محمد بن عبد الرحمن
بن مجبر: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها. لكن ابن مجبر ضعيف.
وشذت ورقاء عن الجماعة فروت أن عائشة قالت: سمعت أبا القاسم ﷺ
يقول: " من كان عليه دين همه قضاؤه - أو هم بقضائه - لم يزل معه من الله حارس
". أخرجه أحمد (٦ / ٢٥٥) والطبراني في " الأوسط " (١ / ٢١٩ / ٢ / ٣٩١٣) .
стр. 4307
وورقاء هذه - هي بنت هداب كما في " الأوسط " - لم أعرفها. (تنبيه) : ذكر
المنذري في " الترغيب " (٣ / ٤٣) هذه الرواية عقب رواية عائشة المنقطعة،
وقال عقبهما: " رواه أحمد، ورواته محتج بهم في الصحيح إلا أن فيه انقطاعا ".
وليس الأمر كذلك كما يتبين لك من هذا التخريج، وخلاصته أن حديث الترجمة حسن
، وحديث عائشة بطرقه صحيح، إلا رواية ورقاء فضعيفة.
٢٨٢٣ - " والله لقد بعث الله النبي ﷺ على أشد حال بعث عليها فيه نبي
من الأنبياء في فترة وجاهلية، ما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء
بفرقان فرق به بين الحق والباطل وفرق بين الوالد وولده حتى إن كان الرجل
ليرى والده وولده أو أخاه كافرا، وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان، يعلم أنه
إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وإنها للتي
قال الله : * (الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين
) * ".
أخرجه أحمد (٦ / ٢ - ٣) : حدثنا يعمر بن بشر حدثنا عبد الله - يعني ابن
المبارك -: أنبأنا صفوان بن عمرو: حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن
أبيه قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما، فمر به رجل فقال: طوبى
لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ ، والله إنا لوددنا
أن رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت، فاستغضب، فجعلت أعجب ما قال إلا خيرا،
ثم أقبل إليه فقال:
стр. 4308
ما يحمل الرجل أن يتمنى محضرا غيبه الله عنه، لا يدري لو
شهده كيف كان يكون فيه؟! والله لقد حضر رسول الله ﷺ أقوام
أكبهم الله على مناخرهم في جهنم، لم يجيبوه ولم يصدقوه، أولا تحمدون الله إذ
أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم، مصدقين لما جاء به نبيكم، قد كفيتم البلاء بغيركم
؟ والله لقد بعث الله النبي ﷺ .. إلخ. قلت: وهذا إسناد
صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير يعمر بن بشر، وهو المروزي، قال الخطيب في "
تاريخ بغداد " (١٤ / ٣٥٧) : " من كبار أصحاب عبد الله بن المبارك، قال أحمد
: ما أرى كان به بأس. وقال علي بن المديني: ثقة. وقال أبو رجاء محمد بن
حمدويه: " من ثقات أهل مرو ومتقيهم ". وقال الدارقطني: ثقة ثقة ". وذكره
ابن حبان في " الثقات " (٩ / ٢٩١) . قلت: كأن الهيثمي فاته ما ذكرناه من
النقول الموثقة ليعمر هذا، فقال في حديث آخر له (٥ / ١٢٢) : " رواه أحمد عن
شيخه يعمر بن بشر، ويقال: مشايخ أحمد كلهم ثقات "! وقد تابعه بشر بن محمد
عند البخاري في " الأدب المفرد " (٨٧) ، وحبان بن موسى عند ابن حبان (١٦٨٤
- موارد) قالا: أنبأنا عبد الله به. وقال الحافظ ابن كثير في " تفسير سورة
الفرقان " بعد أن عزاه لأحمد بسنده: " وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجوه ". (
تنبيه) : التفريق المذكور في هذا الحديث له أصل في " صحيح البخاري " (رقم
٧٢٨١) من حديث جابر بن عبد الله قال:
стр. 4309
" جاءت الملائكة إلى النبي صلى الله
عليه وسلم وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة
والقلب يقظان.. " الحديث، وفيه: " فمن أطاع محمدا ﷺ فقد
أطاع الله، ومن عصى محمدا فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس ". قلت: ففي
الحديث دليل صريح أن التفريق ليس مذموما لذاته، فتنفير بعض الناس من الدعوة
إلى الكتاب والسنة، والتحذير مما يخالفهما من محدثات الأمور، أو الزعم بأنه
ما جاء وقتها بعد! بدعوى أنها تنفر الناس وتفرقهم - جهل عظيم بدعوة الحق وما
يقترن بها من الخلاف والتعادي حولها كما هو مشاهد في كل زمان ومكان، سنة
الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا، * (ولو شاء ربك لجعل
الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) *.
٢٨٢٤ - " شاهت الوجوه [شاهت الوجوه] ".
أخرجه أحمد (١ / ٣٠٣) حدثنا إسحاق بن عيسى: حدثنا يحيى بن سليم عن عبد الله
ابن عثمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: " إن الملأ من قريش اجتمعوا
في الحجر، فتعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ونائلة وإساف، لو
قد رأينا محمدا لقد قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت
ابنته فاطمة ﵂ تبكي حتى دخلت على رسول الله ﷺ
فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك لو قد رأوك، لقد قاموا إليك
فقتلوك فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك. فقال يا بنية: أريني وضوءا،
فتوضأ ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، وخفضوا
стр. 4310
أبصارهم
وسقطت أذقانهم في صدورهم، وعقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصرا، ولم
يقم إليه منهم رجل! فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رؤوسهم،
فأخذ قبضة من التراب فقال: " شاهت الوجوه "، ثم حصبهم بها، فما أصاب رجلا
منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر كافرا ". قلت: وهذا إسناد جيد رجاله
ثقات رجال الصحيح إلا أن يحيى بن سليم، وهو الطائفي، فيه كلام من جهة حفظه،
لكنه قد توبع من جمع فأمنا بذلك سوء حفظه، وصح الحديث والحمد لله. أولا:
قال سعيد بن منصور في " سننه " (٣ / ٢ / ٣٥٤) : إسماعيل بن عياش عن عبد الله
بن عثمان بن خثيم. ثانيا: تابعه معمر عن ابن خثيم به. أخرجه أحمد (١ / ٣٦٨
) : حدثنا عبد الرزاق: حدثنا معمر ... قلت: وهذا إسناد جيد على شرط مسلم.
ثالثا: أبو بكر بن عياش عن عبد الله بن عثمان بن خثيم به. أخرجه الحاكم (٣ /
١٥٧) مختصرا، والبيهقي في " الدلائل " (٢ / ٢٧٧ - ٢٧٨) وقال الحاكم: "
صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. والحديث قال الهيثمي (٨ / ٢٢٨) : " رواه
أحمد بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح ".
стр. 4311
قلت: بل كلاهما من رجال الصحيح
. رابعا: مسلم بن خالد الزنجي: حدثني ابن خثيم به. أخرجه ابن حبان في "
صحيحه " (٨ / ١٤٨ / ٦٤٦٨ - الإحسان) . ولحديث الترجمة شاهد من حديث سلمة بن
الأكوع في قصة غزوة حنين، وفيه: " فلما غشوا رسول الله ﷺ
نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض ثم استقبل به وجوههم، فقال: "
شاهت الوجوه "، فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة،
فولوا مدبرين.. ". أخرجه مسلم (٥ / ١٦٩) وابن حبان (٦٤٨٦) بسند حسن.
وشاهد آخر من حديث أبي عبد الرحمن الفهري في القصة ذاتها. أخرجه أحمد (٥ / ٢٨٦
) والبزار (٢ / ٣٥٠ / ١٨٣٣) وكذا الطيالسي (١٩٥ / ١٣٧١) والدارمي (٢ /
٢١٩ - ٢٢٠) والدولابي (١ / ٤٢) من طريق حماد بن سلمة: أخبرني يعلى بن عطاء
عن أبي همام عبد الله بن يسار عنه. وأبو همام هذا مجهول كما في " التقريب "،
وشذ ابن حبان فذكره في " الثقات " (٥ / ٥١) . ومن طريق الطيالسي البيهقي في
" الدلائل " (٥ / ١٤١) والطبراني في " الكبير " (٢٢ / ٢٨٨ - ٢٨٩) . وهو
حديث حسن لغيره كما حققته في " صحيح زوائد البزار "، ورواه أبو داود أيضا (٥٢٣٣) ولكنه لم يسقه بتمامه، فليس فيه موضع الشاهد منه، وقال: " وهو
حديث نبيل، جاء به حماد بن سلمة ".
стр. 4312
٢٨٢٥ - " مثلت لي الحيرة كأنياب الكلاب وإنكم ستفتحونها ".
أخرجه ابن حبان في " صحيحه " (١٧٠٩) وابن أبي عاصم في " الوحدان " (ق ٢٦٩ /
١) من طريق محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني: حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أبي
خالد عن قيس بن أبي حازم عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (فذكره) . فقام رجل فقال: هب لي يا رسول الله ابنة بقيلة، فقال: "
هي لك "، فأعطوها إياه، فجاء أبوها فقال: أتبعنيها؟ فقال: نعم: قال:
بكم؟ قال: احتكم ما شئت. قال: بألف درهم. قال: قد أخذتها. فقيل: لو قلت
ثلاثين ألفا. قال: وهل عدد أكثر من ألف؟ قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات
على شرط مسلم. وأخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (١٧ / ٨١ / ١٨٣)
والبيهقي في " السنن " (٩ / ١٣٦) و " الدلائل " (٦ / ٣٢٦) من طرق أخرى عن
العدني به، إلا أن الطبراني قال: " أخوها " مكان " أبوها ". وقال الهيثمي (
٦ / ٢١٢) : " رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح ". وقال عقب رواية ابن
حبان من " موارد الظمآن ": " قلت: هكذا وقع في هذه الرواية: أن الذي اشتراها
أبوها، والمشهور أن الذي اشتراها: عبد المسيح أخوها. والله أعلم ".
стр. 4313
٢٨٢٦ - " كان إذا غزا فلم يقاتل أول النهار لم يعجل حتى تحضر الصلوات وتهب الأرواح
ويطيب القتال ".
أخرجه ابن جرير الطبري في " التاريخ " (٢ / ٢٣٣ - ٢٣٥) وابن حبان (١٧١٢ -
الموارد) والسياق له من طريق: مبارك بن فضالة: حدثنا زياد بن جبير بن حية
قال: (أخبرني أبي أن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه قال للهرمزان: أما إذ
فتني (١) بنفسك فانصح لي. وذلك أنه قال له: " تكلم لا بأس "، فأمنه، فقال
الهرمزان: نعم، إن فارس اليوم رأس وجناحان. قال: فأين الرأس؟ قال:
نهاوند مع بندار (٢) ، قال: فإنه معه أساورة كسرى وأهل أصفهان. قال: فأين
الجناحان؟ فذكر الهرمزان مكانا نسيته، فقال الهرمزان: اقطع الجناحين توهن
الرأس. فقال له عمر رضوان الله عليه: كذبت يا عدو الله، بل أعمد إلى الرأس
فيقطعه الله، فإذا قطعه الله عني انقطع عني الجناحان. فأراد عمر أن يسير إليه
بنفسه، فقالوا: نذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تسير بنفسك إلى العجم، فإن
أصبت بها لم يكن للمسلمين نظام، ولكن ابعث الجنود. قال: فبعث أهل المدينة
وبعث فيهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وبعث المهاجرين والأنصار، وكتب إلى
أبي موسى الأشعري أن سر بأهل البصرة، وكتب إلى حذيفة بن اليمان أن سر بأهل
الكوفة حتى تجتمعوا بنهاوند جميعا، فإذا اجتمعتم فأميركم النعمان بن مقرن
المزني. فلما اجتمعوا
стр. 4314
بنهاوند أرسل إليهم بندار [العلج] أن أرسلوا إلينا يا
معشر العرب رجلا منكم نكلمه، فاختار الناس المغيرة بن شعبة، قال أبي: فكأني
أنظر إليه: رجل طويل أشعر أعور، فأتاه، فلما رجع إلينا سألناه؟ فقال لنا:
وجدت العلج قد استشار أصحابه في أي شيء تأذنون لهذا العربي؟ أبشارتنا وبهجتنا
وملكنا؟ أو نتقشف له فنزهده عما في أيدينا؟ فقالوا: بل نأذن له بأفضل ما
يكون من الشارة والعدة. فلما رأيتهم رأيت تلك الحراب والدرق يلمع منها البصر
، ورأيتهم قياما على رأسه، فإذا هو على سرير من ذهب، وعلى رأسه التاج،
فمضيت كما أنا، ونكست رأسي لأقعد معه على السرير، فقال: فدفعت ونهرت،
فقلت: إن الرسل لا يفعل بهم هذا. فقالوا لي: إنما أنت كلب، أتقعد مع الملك
؟! فقلت: لأنا أشرف في قومي من هذا فيكم، قال: فانتهرني وقال: اجلس.
فجلست. فترجم لي قوله، فقال: يا معشر العرب، إنكم كنتم أطول الناس جوعا،
وأعظم الناس شقاء، وأقذر الناس قذرا، وأبعد الناس دارا، وأبعده من كل
خير، وما كان منعني أن آمر هذه الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب إلا تنجسا
لجيفكم لأنكم أرجاس، فإن تذهبوا يخلى عنكم، وإن تأبوا نبوئكم مصارعكم. قال
المغيرة: فحمدت الله وأثنيت عليه وقلت: والله ما أخطأت من صفتنا ونعتنا
شيئا، إن كنا لأبعد الناس دارا، وأشد الناس جوعا، وأعظم الناس شقاء،
وأبعد الناس من كل خير، حتى بعث الله إلينا رسولا فوعدنا بالنصر في الدنيا،
والجنة في الآخرة، فلم نزل نتعرف من ربنا - مذ جاءنا رسوله ﷺ
- الفلاح والنصر، حتى أتيناكم، وإنا والله نرى لكم ملكا وعيشا لا نرجع إلى
ذلك الشقاء أبدا حتى نغلبكم على ما في أيديكم أو نقتل في أرضكم. فقال: أما
الأعور فقد صدقكم الذي في نفسه. فقمت من عنده وقد والله أرعبت العلج جهدي،
فأرسل إلينا العلج: إما أن تعبروا إلينا بنهاوند وإما أن نعبر إليكم. فقال
النعمان: اعبروا
стр. 4315
فعبرنا. فقال أبي: فلم أر كاليوم قط، إن العلوج يجيئون
كأنهم جبال الحديد، وقد تواثقوا أن لا يفروا من العرب، وقد قرن بعضهم إلى
بعض حتى كان سبعة في قران، وألقوا حسك الحديد خلفهم وقالوا: من فر منا عقره
حسك الحديد. فقال: المغيرة بن شعبة حين رأى كثرتهم: لم أر كاليوم قتيلا (١)
، إن عدونا يتركون أن يتناموا، فلا يعجلوا. أما والله لو أن الأمر إلي لقد
أعجلتهم به. قال: وكان النعمان رجلا بكاء، فقال: قد كان الله جل وعز
يشهدك أمثالها فلا يحزنك ولا يعيبك موقفك. وإني والله ما يمنعني أن أناجزهم
إلا لشيء شهدته من رسول الله ﷺ أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم.. (فذكر الحديث) . ثم قال النعمان: اللهم إني أسألك أن تقر عيني بفتح
يكون فيه عز الإسلام وأهله، وذل الكفر وأهله. ثم اختم لي على أثر ذلك
بالشهادة. ثم قال: أمنوا رحمكم الله. فأمنا وبكى فبكينا. فقال النعمان:
إني هاز لوائي فتيسروا للسلاح، ثم هازها الثانية، فكونوا متيسرين لقتال عدوكم
بإزائكم، فإذا هززتها الثالثة فليحمل كل قوم على من يليهم من عدوهم على بركة
الله، قال: فلما حضرت الصلاة وهبت الأرواح كبر وكبرنا. وقال: ريح الفتح
والله إن شاء الله، وإني لأرجو أن يستجيب الله لي، وأن يفتح علينا. فهز
اللواء فتيسروا، ثم هزها الثانية، ثم هزها الثالثة، فحملنا جميعا كل قوم على
من يليهم. وقال النعمان: إن أنا أصبت فعلى الناس حذيفة بن اليمان، فإن أصيب
حذيفة ففلان، فإن أصيب فلان [ففلان] حتى عد سبعة آخرهم المغيرة بن شعبة.
قال أبي: فوالله ما علمت من المسلمين أحدا يحب أن يرجع إلى أهله حتى يقتل أو
يظفر. فثبتوا لنا، فلم نسمع إلا وقع الحديد على الحديد، حتى أصيب في
стр. 4316
المسلمين عصابة عظيمة. فلما رأوا صبرنا ورأونا لا نريد أن نرجع انهزموا،
فجعل يقع الرجل فيقع عليه سبعة في قران فيقتلون جميعا، وجعل يعقرهم حسك
الحديد خلفهم. فقال النعمان: قدموا اللواء، فجعلنا نقدم اللواء فنقتلهم
ونهزمهم، فلما رأى النعمان قد استجاب الله له ورأى الفتح، جاءته نشابة فأصابت
خاصرته، فقتلته. فجاء أخوه معقل بن مقرن فسجى عليه ثوبا، وأخذ اللواء،
فتقدم ثم قال: تقدموا رحمكم الله، فجعلنا نتقدم فنهزمهم ونقتلهم، فلما
فرغنا واجتمع الناس قالوا: أين الأمير؟ فقال معقل: هذا أميركم قد أقر الله
عينه بالفتح، وختم له بالشهادة. فبايع الناس حذيفة بن اليمان. قال: وكان
عمر بن الخطاب رضوان الله عليه بالمدينة يدعو الله، وينتظر مثل صيحة الحبلى،
فكتب حذيفة إلى عمر بالفتح مع رجل من المسلمين، فلما قدم عليه قال: أبشر يا
أمير المؤمنين بفتح أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأذل فيه الشرك وأهله.
وقال: النعمان بعثك؟ قال: احتسب النعمان يا أمير المؤمنين، فبكى عمر
واسترجع، فقال: ومن ويحك؟ قال: فلان وفلان - حتى عد ناسا - ثم قال:
وآخرين يا أمير المؤمنين لا تعرفهم. فقال عمر رضوان الله عليه - وهو يبكي -:
لا يضرهم أن لا يعرفهم عمر، لكن الله يعرفهم) . قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله
ثقات، قد صرح مبارك بن فضالة بالتحديث، وقد تابعه سعيد بن عبيد الله الثقفي
: حدثنا بكر بن عبد الله المزني وزياد بن جبير عن جبير بن حية به إلى قوله: "
وتحضر الصلوات ". أخرجه البخاري (٣١٥٩ و ٣١٦٠) ، وفيه زيادة: " والجناح
قيصر "، وأشار الحافظ (٦ / ٢٦٤) إلى شذوذها، لمخالفتها لطريق مبارك بن
فضالة هذه، وطريق معقل بن يسار الآتية، وفيها: " أصبهان الرأس، وفارس
وأذربيجان الجناحان ".
стр. 4317
وهذا أولى كما قال الحافظ فراجعه. قلت: ولعل الوهم
في هذه الزيادة الشاذة من سعيد بن عبيد الله الثقفي، فقد تكلم فيه بعضهم من
قبل حفظه، وقال الحافظ نفسه في " التقريب ": " صدوق ربما وهم ". وللحديث
طريق أخرى من رواية حماد بن سلمة قال: أخبرني أبو عمران الجوني عن علقمة بن
عبد الله المزني عن معقل بن يسار أن عمر بن الخطاب شاور الهرمزان في فارس
وأصبهان وأذربيجان الحديث بطوله مع اختصار بعض الجمل. أخرجه ابن أبي شيبة (١٣
/ ٨ - ١٣) . قلت: وإسناده جيد، رجاله رجال الصحيح غير علقمة بن عبد الله
المزني، وهو ثقة ". وقال الحافظ في " مقدمة الفتح " (ص ٤٠٥) : " سنده قوي
". وعزاه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٦ / ٢١٥ - ٢١٧) للطبراني، وقال:
" ورجاله رجال الصحيح غير علقمة بن عبد الله المزني، وهو ثقة ". وروى منه
أحمد وغيره حديث الترجمة، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (٢٣٨٥) .
٢٨٢٧ - " استعد للفاقة. قاله لرجل قال له: إني أحبك ".
أخرجه البزار في " مسنده " (٤ / ٢٢٩ / ٣٥٩٥) والشجري في " الأمالي " (٢ /
٢٠٢) من طريق إبراهيم بن المنذر: حدثنا بكر بن سليم عن أبي طوالة عن أنس
قال:
стр. 4318
أتى النبي ﷺ رجل، فقال: إني أحبك، قال: فذكره. قلت
: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات معروفون غير بكر بن سليم، ذكره ابن حبان في "
الثقات " (٨ / ١٤٩) ، وقد روى عنه خمسة من الثقات، فهو صدوق كما قال في "
الكاشف "، ووثقه الهيثمي بقوله عقب الحديث (١٠ / ٢٧٤) : " رواه البزار،
ورجاله رجال الصحيح غير بكر بن سليم، وهو ثقة ". قلت: وأبو طوالة اسمه عبد
الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم الأنصاري. وله شاهد من حديث أبي ذر رضي
الله عنه: أنه أتى النبي ﷺ فقال: إني أحبكم أهل البيت،
فقال له النبي ﷺ : الله؟ قال: الله. قال: " فأعد للفقر
تجفافا، فإن الفقر أسرع إلى من يحبنا من السيل من أعلى الأكمة إلى أسفلها ".
أخرجه الحاكم (٤ / ٣٣١) وقال: " صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي.
وأقول إنما هو صحيح فقط، فإنه من طريق محمد بن غالب: حدثنا عفان.. إلخ،
فإن غالبا ليس من رجال الشيخين، وإنما عفان، لكن هذا ليس من شيوخهما،
وإنما يرويان عنه بالواسطة. وللحديث شاهد من حديث عبد الله بن مغفل كنت خرجته
في " الضعيفة " (١٦٨١) قبل الوقوف على هذين الحديثين، ويعود الفضل في ذلك
إلى أحد طلاب
стр. 4319
العلم السعوديين جزاه الله خيرا في كتيب له كان أرسله إلي. ثم
بلغني أنه توفى فجأة رحمه الله تعالى. وللشطر الثاني من حديث أبي ذر شاهد من
حديث أبي سعيد الخدري، وهو الآتي: " اصبر أبا سعيد! فإن الفقر إلى من يحبني
منكم أسرع من السيل على أعلى الوادي ومن أعلى الجبل إلى أسفله ".
٢٨٢٨ - " اصبر أبا سعيد! فإن الفقر إلى من يحبني منكم أسرع من السيل على أعلى الوادي
ومن أعلى الجبل إلى أسفله ".
أخرجه أحمد (٣ / ٤٢) من طريق عمرو عن سعيد بن أبي سعيد الخدري عن أبيه.
أنه شكا إلى رسول الله ﷺ حاجته، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ... فذكره. قلت: ورجاله ثقات رجال مسلم غير سعيد بن أبي سعيد
الخدري، فلم يوثقه غير ابن حبان (٤ / ٢٧٨) وذكر أنه روى عنه عمران بن أبي
أنس وأهل المدينة. لكن حقق الحافظ أن عمران هذا إنما روى عن عبد الرحمن بن
أبي سعيد الخدري، وأن من قال عن عمران عن سعيد بن أبي سعيد الخدري فهو غير
محفوظ، كما بينته في ترجمة سعيد هذا من " تيسير الانتفاع "، وعليه فليس له
راو غير عمرو هذا، وهو ابن الحارث المصري، وعلى ذلك فسعيد هذا في عداد
المجهولين، حتى أن البخاري وابن أبي حاتم لم يذكرا له في ترجمته راويا مطلقا
! فهو علة هذا الإسناد. وقد اختلط هذا الراوي على الهيثمي بغيره، فظنه سعيد
بن أبي سعيد المقبري الثقة! فأورد الحديث في " المجمع " (١٠ / ٣٧٤) هكذا: "
عن سعيد بن أبي سعيد الخدري شكا.." الحديث، وقال:
стр. 4320
" رواه أحمد، ورجاله
رجال الصحيح، إلا أنه شبه المرسل ". قلت: وهذا خطأ بناء على نقله خطأ طرف
الحديث، وهو قوله: " أن أبا سعيد " ولذلك قال: " إنه شبه المرسل "،
وبناء عليه توهم أن سعيد بن أبي سعيد هو المقبري فقال: رجاله رجال الصحيح!
وأساس الخطأ أنه سقط من قلمه قوله: " عن أبيه ". وأبو سعيد الخدري ليس أبا
المقبري الثقة، وقلده في ذلك بعض الناشئين ممن لا تحقيق عندهم. لكن للحديث
شاهد من حديث عبد الله بن مغفل أوله: " إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافا ".
كنت خرجته في " الضعيفة " برقم (١٦٨١) ، فيمكن تقوية هذا به، وبحديث أبي ذر
المخرج تحت الحديث الذي قبله. والله أعلم.
٢٨٢٩ - " يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب يقول لصاحبه: هل تعرفني؟ أنا الذي
كنت أسهر ليلك وأظمئ هواجرك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وأنا لك اليوم
من وراء كل تاجر، فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله ويوضع على رأسه تاج
الوقار ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهم الدنيا وما فيها، فيقولان: يا رب!
أنى لنا هذا؟ فيقال: بتعليم ولدكما القرآن. وإن صاحب القرآن يقال له يوم
القيامة: اقرأ وارق في الدرجات ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند
آخر آية معك ".
стр. 4321
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٢ / ٥٣ / ١ - ٢ / ٥٨٩٤ - بترقيمي) : حدثنا
محمد بن عبد الله الحضرمي قال: أخبرنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال:
أخبرنا شريك بن عبد الله بن عيسى عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي
هريرة مرفوعا به. وقال: " لم يروه عن عبد الله بن عيسى إلا شريك، ولا
رواه عن شريك إلا يزيد بن هارون، ويحيى الحماني ". قلت: وبالحماني أعله
الهيثمي، فقال في " المجمع " (٧ / ١٦٠) : " رواه الطبراني في " الأوسط "،
وفيه يحيى بن عبد العزيز الحماني، وهو ضعيف ". قلت: وفيه نظر من وجهين:
الأول: قوله: ابن عبد العزيز، وإنما هو ابن عبد الحميد كما في كتب الرجال،
ولعله سبق قلم من المؤلف، أو خطأ من الناسخ. والآخر: أن الطبراني قد صرح
بأن الحماني قد تابعه يزيد بن هارون، وهو ثقة من رجال الشيخين، فإعلال
الحديث بالحماني خطأ واضح، والصواب تضعيفه بشريك، وهو ابن عبد الله القاضي
، وهو ضعيف لسوء حفظه. لكن الحديث حسن أو صحيح، لأن له شاهدا من حديث بريدة
بن الحصيب مرفوعا بتمامه. أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (١٠ / ٤٩٢ - ٤٩٣
) وأبو القاسم الأصبهاني في " الترغيب "، وغيره ممن كنت ذكرتهم في تخريجي
إياه قديما في " تخريج الطحاوية " (ص ١٢٦ - الطبعة الرابعة) وبينت أن فيه
بشير بن المهاجر، وهو صدوق لين الحديث كما في " التقريب "، وقلت:
стр. 4322
" فمثله
يحتمل حديثه التحسين، أما التصحيح - كما فعل الحاكم - فهو بعيد ". وقلدني في
ذلك الشيخ شعيب في تعليقه على " شرح العقيدة الطحاوية " (١ / ٩٤) ! وأما في
تعليقه على " شرح السنة " (٤ / ٤٥٤) ، فأقر المؤلف البغوي على قوله: " حديث
حسن غريب "! وكذلك حسن إسناده الحافظ ابن كثير في " تفسير سورة البقرة " (١
/ ٣٣) ، وتكلم على راويه (بشير) بكلام حسن، ثم قال: " لكن لبعضه شواهد..
". قلت: وكلها تدور حول فضيلة سورة البقرة وآل عمران التي جاءت في أول حديث
بريدة، وأما سائر الحديث الذي هو في حديث الترجمة، فلم يذكر له أي شاهد
وكذلك فعل مخرج أحاديثه صاحبنا الفاضل الشيخ مقبل بن هادي فلم يزد عليه شيئا مع
أن الشطر الأخير من الحديث معروف من حديث ابن عمرو عند الترمذي وحسنه، وابن
خزيمة وابن حبان والحاكم، وقد سبق تخريجه برقم (٢٢٤٠) . والحديث بتمامه
له شاهد آخر من رواية يحيى بن أبي كثير بلاغا. أخرجه عبد الرزاق (٣ / ٣٧٤ /
٦٠١٤) عن معمر عنه. فهو بلاغ صحيح.
٢٨٣٠ - " أما إن كل بناء وبال على صاحبه إلا ما لا، إلا ما لا، يعني: ما لابد منه ".
هو من حديث أنس، وله عنه طرق:
стр. 4323
الأولى: عن أبي طلحة الأسدي عنه قال: أن
رسول الله ﷺ خرج، فرأى قبة مشرفة، فقال: " ما هذه؟! "،
قال له أصحابه: هذه لفلان، رجل من الأنصار، قال: فسكت وحملها في نفسه،
حتى إذا جاء صاحبها رسول الله ﷺ يسلم عليه في الناس، أعرض
عنه، صنع ذلك مرارا، حتى عرف الرجل الغضب فيه والإعراض عنه، فشكا ذلك إلى
أصحابه، فقال: والله إني لأنكر رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خرج
فرأى قبتك. قال: فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سواها بالأرض، فخرج رسول
الله ﷺ ذات يوم، فلم يرها، قال: " ما فعلت القبة؟ "،
قالوا: شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه، فأخبرناه فهدمها، فقال: فذكره. أخرجه
أبو داود (٢ / ٣٤٧ - ٣٤٨ - تازية) والطحاوي في " مشكل الآثار " (١ / ٤١٦)
وأبو يعلى في " مسنده " (٧ / ٣٠٨ / ١٥٩٢) والبيهقي في " شعب الإيمان " (٧
/ ٣٩٠ / ١٠٧٠٤) من طريق إبراهيم بن محمد بن حاطب القرشي عن أبي طلحة.. قلت:
وهذا إسناد جيد كما قال الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " (٤ / ٢٣٦ -
المعرفة - لبنان) وكنت خالفته في ذلك في " الضعيفة " (رقم ١٧٦) اعتمادا مني
على أن الحافظ قال في ترجمة أبي طلحة الأسدي من " التقريب ": " مقبول ". يعني
عند المتابعة، وإلا فلين الحديث، يضاف إلى ذلك أنه لم يحك في " التهذيب "
توثيقه عن أحد. ثم إن أحد إخواننا المشتغلين بهذا العلم جزاه الله خيرا لفت
نظري - و " الضعيفة " تحت الطبع مجددا - إلى أن ابن حبان وثقه (٣ / ١٦٦ / ب)
من " ترتيب الهيثمي "، فرجعت إلى " ثقات ابن حبان "، فوجدته قد أورده في "
ثقات التابعين " منه (٥ / ٥٧٤) برواية أبي العميس عنه.
стр. 4324
وقد روى عنه ثقتان
آخران كما ذكرت في كتابي الجديد " تيسير انتفاع الخلان بكتاب ثقات ابن حبان "
يسر الله إتمامه، أحدهما إبراهيم القرشي هذا، وكأنه لذلك قال الذهبي في
ترجمته من " الكاشف ": " صدوق ". من أجل ذلك رجعت إلى قول العراقي المذكور،
واعتمدته، وبخاصة أنه روي من طرق أخرى كما يأتي بيانه. وأخرجه أحمد (٣ /
٢٢٠) وكذا البخاري في " الكنى " (٤٥ / ٣٨٥) والبيهقي أيضا (١٠٧٠٥) من
طريق شريك عن عبد الملك بن عمير عن أبي طلحة عن أنس به مختصرا بلفظ: ".. هد
على صاحبه يوم القيامة، إلا ما كان في مسجد - أو في بناء مسجد، شك أسود (
يعني ابن عامر) - أو، أو ". ثم مر فلم يلقها، فقال: ما فعلت القبة؟ قلت:
بلغ صاحبها ما قلت، فهدمها، فقال: " ﵀ ". قلت: وشريك هو ابن عبد
الله القاضي، وهو سيىء الحفظ. وقد خالف في سياق لفظ النبي صلى الله عليه
وسلم كما ترى، وزاد: " ﵀ ". لكن هذه الزيادة رويت في بعض الطرق
الآتية. ثم رأيت الحافظ في " الفتح " (١١ / ٩٣) ساق حديث الترجمة برواية أبي
داود، وقال عقبه:
стр. 4325
" ورواته موثقون إلا الراوي عن أنس، وهو أبو طلحة
الأسدي، فليس بمعروف ". فهذا يتلقي مع قوله المتقدم فيه: " مقبول "، وقد
عرفت السبب، وهو - والله أعلم - أنه لم يقف على توثيق ابن حبان وقول الذهبي
المتقدم فيه: " صدوق ". الطريق الثانية: عن ابن أبي خالد عمن حدثه عن الربيع
بن أنس مرفوعا بلفظ: " كل بناء وبال على أهله يوم القيامة إلا مسجدا يذكر فيه
، أو بيت، وقال بيديه ". وفيه القصة باختصار مع زيادة " ﵀ ".
أخرجه ابن أبي الدنيا في " قصر الأمل " (٣ / ٢٥ / ٢) : حدثنا عبد الرحمن بن
صالح العتكي قال: حدثنا المحاربي عن ابن أبي خالد.. قلت: وهذا إسناد رجاله
ثقات غير الذي لم يسم، وابن أبي خالد هو إسماعيل، والمحاربي اسمه عبد
الرحمن بن محمد، وقد رمي بالتدليس. وأخرجه البيهقي (١٠٧٠٧) من طريق قيس
بن الربيع عن أبي حمزة عن أنس. وأبو حمزة لم أعرفه، ويحتمل أنه جار شعبة
فقد ذكره المزي في الرواة عن أنس، وهو ثقة. الثالثة: عن عطاء بن جبلة:
حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن أنس قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم في بعض طرق المدينة فإذا قبة ... الحديث نحو لفظ الطريق الأولى، وفيه
زيادة: " يرحمه الله " (مرتين) . أخرجه أبو نعيم في " أخبار أصبهان " (١ /
١٣٩) . وعطاء هذا قال ابن أبي حاتم (٣ / ١ / ٣٣١) عن أبيه: " ليس بالقوي،
يكتب حديثه ". ونقله الذهبي في " الميزان "، وزاد عليه في " اللسان ": "
وقال البرذعي عن أبي زرعة: منكر الحديث ". وهذا في " سؤالاته " (ص ٣٥٠)
المطبوع. وأزيد أنا فأقول: قال الخطيب في ترجمته من " التاريخ " (١٢ / ٢٩٥
) : " وبلغني عن إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد أنه قال ليحيى بن معين: ما
تقول في عطاء بن جبلة الفزاري؟ قال: ليس بشيء ". الرابعة: عن إسحاق بن أبي
طلحة عن أنس به مختصرا، وفيه زيادة: " يرحمه الله " (مرتين) .
стр. 4326
أخرجه ابن
ماجه (٤١٦١) : حدثنا العباس بن عثمان الدمشقي حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا
عيسى بن عبد الأعلى بن أبي فروة: حدثني إسحاق بن أبي طلحة.. كذا قال: " عيسى
بن عبد الأعلى بن أبي فروة ". وقد ذكر الذهبي وغيره أنه لا يعرف، وقد جاء
هكذا مسمى في حديث آخر في صلاة العيد في المسجد يوم المطر، وهو من رواية
الوليد أيضا عنه، وهو مخرج في " ضعيف أبي داود " (٢١٢) ، فلا أدري ممن
الخطأ؟ أهو من الوليد نفسه، أم من العباس بن عثمان الراوي عنه. فقد قال ابن
حبان في " ثقاته " (٨ / ٥١١) : " ربما خالف "، وقد خالفه محمد بن جعفر
الرملي فقال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الله ابن
أبي فروة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة به مختصرا.
стр. 4327
أخرجه الطبراني في "
الأوسط " (١ / ١٧٤ / ٢ / ٣٢٣٣) ومن طريقه الضياء المقدسي في " المختارة " (
١ / ٤٨٤) : حدثنا بكر بن سهل قال: حدثنا مهدي بن جعفر الرملي ... ، وقال
الطبراني: " لم يروه عن إسحاق بن عبد الله إلا عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي
فروة، تفرد به الوليد ". قلت: وهو ثقة من رجال الشيخين، ولكن يخشى منه
تدليس التسوية، وقد صرح بالتحديث في كل السند في رواية العباس الدمشقي
المتقدمة، فلا أدري إذا كان ذلك محفوظا. وتسمية الرملي لشيخ الوليد (عبد
الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة) أرجح عندي من تسمية العباس إياه بـ (عيسى بن
عبد الأعلى بن أبي فروة) ، لأنه هو المعروف بروايته عن إسحاق بن عبد الله،
وعنه الوليد بن مسلم، ولعله لذلك أخرجه الضياء في " المختارة "، لكن بكر بن
سهل أورده الذهبي في " الضعفاء "، وقال: " متوسط، ضعفه النسائي ". وهذا
ملخص من قوله في " الميزان ": " حمل الناس عنه، وهو مقارب الحال، قال
النسائي: ضعيف ". قلت: فإن كان هو عيسى، فهو مجهول. وإن كان عبد الأعلى،
فهو ثقة، وعلى الأول، فهو إن لم يزد الحديث قوة فلا يضره، وعلى الآخر،
يكون الإسناد صحيحا إن سلم من تدليس الوليد بن مسلم. والله أعلم.
٢٨٣١ - " إن الرجل يؤجر في نفقته كلها إلا في هذا التراب ".
أخرجه هناد بن السري في " الزهد " (٢ / ٣٧٤ / ٧٢٢) : حدثنا أبو معاوية عن
إسماعيل ابن أبي خالد عن قيس عن خباب قال:
стр. 4328
اكتوى سبع كيات، فأتيناه نعوده
، فقال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تتمنوا الموت
" لتمنيته، وإذا هو يصلح حائطا له فقال: سمعت رسول الله ﷺ
يقول: فذكره. ومن هذا الوجه أخرجه ابن حبان (٥ / ٩٩ - ١٠٠) دون التمني.
قلت: وهذا إسناد صحيح عزيز، وهو على شرط الشيخين، وقد أخرجه البخاري في "
صحيحه " (٥٦٧٢) و " الأدب المفرد " (٤٥٥) وأحمد (٥ / ١١٠) والحميدي (١٥٤) وعنه الطبراني في " المعجم الكبير " (٤ / ٧٠ / ٣٦٣٣) وكذا أبو نعيم
في " الحلية " (١ / ١٤٦) والطبراني أيضا (٣٦٣٥) من طرق عن إسماعيل به
موقوفا على خباب. قلت: وهو أصح، ولكني أرى أنه في حكم المرفوع، وبخاصة
أنه قد جاء مرفوعا صراحة في بعض الطرق والمتابعات والشواهد، فأذكر ما تيسر
لي منها: أولا: عن إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن أبي خالد به عن خباب قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كل نفقة ينفقها العبد يؤجر فيها
إلا البنيان ". أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٤ / ٧٣ / ٣٦٤١) بسند
صحيح عن ابن عياش، وسائره ثقات إلا ابن عياش، فقد ضعفوه في روايته عن غير
الشاميين وهذه منها، فإن ابن أبي خالد كوفي، فمثله تقبل روايته في المتابعات
والشواهد. ثانيا: عن عمر بن إسماعيل بن مجالد: حدثنا أبي عن بيان بن بشر
وابن أبي مجلد به، ولفظه: " إن المسلم يؤجر في نفقته كلها إلا ما يجعله في
التراب ". أخرجه الطبراني أيضا (٣٦٤٥) .
стр. 4329
ورجاله كلهم ثقات غير عمر بن
إسماعيل، فهو متروك لا يستشهد به ولا كرامة، وبه أعله الحافظ في " الفتح "
(١٠ / ١٢٩) فقال: " وعمر كذبه يحيى بن معين ". ومن الغريب أن الحافظ ذكر
هذه الطريق تقوية لكون الموقوف المتقدم في رواية البخاري قد روي مرفوعا، ففاته
الطريق الأولى وهي خير من هذه بكثير، كما فاته إسناد هناد الصحيح، وغيره
مما يأتي، مصداقا للمثل السائر: " كم ترك الأول للآخر؟! ". ثالثا: عن شريك
عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: دخلنا على خباب، وفي داره حائط يبنى،
فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره بلفظ عمر بن إسماعيل،
ففيه إشارة إلى أن الكذوب قد يصدق، بله المتهم بالكذب، كما أشار إلى ذلك
النبي ﷺ في قصة الشيطان مع أبي هريرة ﵁: " صدقك
وهو كذوب ". وهذه الطريق شاهد قوي لحديث الترجمة، ذلك لأن رجاله ثقات غير
شريك، وهو ابن عبد الله القاضي، فإنه ضعيف لسوء حفظه، فيصلح للاحتجاج في
المتابعات والشواهد، بل إن بعضهم صحح حديثه، كالترمذي والحاكم وغيرهما،
بل الأول منهما قد قوى هذا الحديث بالذات، فقد أخرجه هو (٢٤٨٥) وابن ماجه (٤١٦٣) والطبراني (٣٦٧٥) ، فقال الترمذي عقبه: " حديث حسن صحيح ". وأقره
الحافظ (١١ / ٩٢) . رابعا: عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن
أبي أمامة عن خباب قال: سمعت رسول الله يقول:
стр. 4330
" ما أنفق المؤمن من نفقة إلا
أجر فيها، إلا النفقة في هذا التراب ". أخرجه الطبراني (٤ / ٦٤ / ٣٦٢٠) .
قلت: وإسناده ضعيف، عبيد الله بن زحر صدوق يخطىء، وشيخه علي بن يزيد -
وهو الألهاني - ضعيف. وفي الباب عن أنس مرفوعا بلفظ: " النفقة كلها في سبيل
الله، إلا البناء فلا خير فيه ". أخرجه الترمذي (٢٤٨٤) واستغربه، وذكره
الحافظ (١١ / ٩٢) شاهدا لحديث خباب المتقدم من رواية الترمذي، ولكني لاحظت
أن الشطر الأول منه يختلف عن الطرق المتقدمة، ولا يلتقي معها إلا في الشطر
الثاني منه، هذا مع ضعف إسناده الذي أشار إليه الترمذي، وقد خرجته وبينت
علته في " الضعيفة " (١٠٦١) . واعلم أن المراد من هذا الحديث والذي قبله -
والله أعلم - إنما هو صرف المسلم عن الاهتمام بالبناء وتشييده فوق حاجته،
وإن مما لا شك فيه أن الحاجة تختلف باختلاف عائلة الباني قلة وكثرة، ومن يكون
مضيافا، ومن ليس كذلك، فهو من هذه الحيثية يلتقي تماما مع الحديث الصحيح: "
فراش للرجل، وفراش لامرأته، والثالث للضيف، والرابع للشيطان ". رواه
مسلم (٦ / ١٤٦) وغيره، وهو مخرج في " صحيح أبي داود ". ولذلك قال الحافظ
بعد أن ساق حديث الترجمة وغيره: " وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه
، مما لابد منه للتوطن وما يقي البرد والحر ".
стр. 4331
ثم حكى عن بعضهم ما يوهم أن
في البناء كله الإثم! فعقب عليه الحافظ بقوله: " وليس كذلك، بل فيه التفصيل
، وليس كل ما زاد منه على الحاجة يستلزم الإثم.. فإن في بعض البناء ما يحصل
به الأجر، مثل الذي يحصل به النفع لغير الباني، فإنه يحصل للباني به الثواب،
والله أعلم ".
٢٨٣٢ - " إن بني إسرائيل كتبوا كتابا فاتبعوه وتركوا التوراة ".
أخرجه الطبراني في " المعجم الأوسط " (٢ / ٣٩ / ١ / ٥٨٧٦) : حدثنا محمد بن
عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا جندل بن والق قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو عن
عبد الملك ابن عمير عن أبي بردة عن أبيه مرفوعا. وقال: " تفرد به جندل
بن والق ". قلت: وهو مختلف فيه، فوثقه ابن حبان (٨ / ١٦٧) وأبو زرعة
بروايته عنه، وقال أبو حاتم: " صدوق "، وضعفه آخرون، فراجع " التهذيب "
إن شئت، فهو إذن وسط حسن الحديث. والله أعلم. والحديث عزاه الهيثمي (١ /
١٩٢) للطبراني في " الكبير "، وتبعه السيوطي - رمزا - كما هي عادته في "
الجامع الصغير " و " الجامع الكبير " (رقم ٦٤٠٥) ، فلا أدري إذا كان هذا
العزو صحيحا، أو هو سبق قلم، أو خطأ من الناسخ، فإن الجزء الذي فيه مسند أبي
موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس والد أبي بردة، لم يطبع بعد لنرجع إليه
ونتحقق من وجوده فيه أو لا.
стр. 4332
ويشهد للحديث قوله تعالى في اليهود وغيرهم: * (
ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون، فويل للذين
يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل
لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) * (البقرة: ٧٨ و ٧٩) . وقد صح
عن ابن عباس ﵄ أنه قال: " يا معشر المسلمين! كيف تسألون أهل
الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم ﷺ أحدث
الأخبار بالله محضا لم يشب. وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب
الله وغيروا، فكتبوا بأيديهم [فـ] قالوا: * (هذا من عند الله ليشتروا به
ثمنا قليلا) *؟! أولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟! فلا والله ما
رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم! ". أخرجه البخاري (٢٦٨٥ و ٧٣٦٣
و٧٥٢٢ و ٧٥٢٣) وعبد الرزاق في " المصنف " (١١ / ١١٠ / ٢٠٠٦٠) ومن طريقه
الحاكم (٢ / ٢٦٢ - ٢٦٣) وعنه البيهقي في " الشعب " (٤ / ٣٠٨ / ٥٢٠٤) وعن
غيره فيه، وفي السنن (١٠ / ١٦٢) وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين،
ولم يخرجاه ". ووافقه الذهبي، واستدراكه على البخاري وهم، فقد أخرجه كما
ترى.
٢٨٣٣ - " إن بني إسرائيل استخلفوا خليفة عليهم بعد موسى ﷺ ، فقام
يصلي ليلة فوق بيت المقدس في القمر فذكر أمورا كان صنعها فخرج، فتدلى بسبب،
فأصبح السبب معلقا في المسجد وقد ذهب. قال: فانطلق حتى أتى قوما على شط
البحر فوجدهم يضربون لبنا أو يصنعون لبنا، فسألهم: كيف تأخذون على هذا
стр. 4333
اللبن
؟ قال: فأخبروه، فلبن معهم، فكان يأكل من عمل يده، فإذا كان حين الصلاة قام
يصلي، فرفع ذلك العمال إلى دهقانهم، أن فينا رجلا يفعل كذا وكذا، فأرسل
إليه فأبى أن يأتيه، ثلاث مرات، ثم إنه جاء يسير على دابته فلما رآه فر
فاتبعه فسبقه، فقال: أنظرني أكلمك، قال: فقام حتى كلمه، فأخبره خبره فلما
أخبره أنه كان ملكا وأنه فر من رهبة ربه، قال: إني لأظنني لاحق بك، قال:
فاتبعه، فعبدا الله حتى ماتا برميلة مصر، قال عبد الله: لو أني كنت ثم
لاهتديت إلى قبرهما بصفة رسول الله ﷺ التي وصف لنا ".
أخرجه البزار في " مسنده " (٤ / ٢٦٧ / ٣٦٨٩) من طريق عمرو بن أبي قيس عن سماك
- يعني ابن حرب - عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود عن
النبي ﷺ ... وقال: " لا نعلم رواه عن سماك عن القاسم إلا
عمرو، ورواه المسعودي عن سماك عن عبد الرحمن عن أبيه، ولم يذكر القاسم ".
قلت: رواية المسعودي أخرجها أحمد (١ / ٤٥١) وأبو يعلى (٩ / ٢٦١ / ٥٣٨٣)
من طريق يزيد بن هارون: أنبأنا المسعودي عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد
الله عن ابن مسعود قال: فذكره. وتابعهما قيس بن الربيع عن سماك بن حرب به،
لم يذكر القاسم أيضا في إسناده. أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (١٠ /
٢١٦ / ١٠٣٧٠) و " الأوسط " أيضا (٢ / ١١٢ / ١ / ٦٧٤٣) وقال: " لم يروه عن
سماك إلا قيس بن الربيع "!
стр. 4334
كذا قال! وقد تابعه المسعودي، وكذا عمرو بن أبي
قيس - كما تقدم - وإن كان خالفهما بذكر القاسم بن عبد الرحمن في السند،
وروايتهما أرجح، وإن كان في حفظهما شيء فأحدهما يقوي الآخر، وعمرو بن أبي
قيس - وهو الرازي - صدوق له أوهام كما في " التقريب "، فإن كان حفظه، فيمكن
القول بأن سماكا سمعه عن القاسم عن أبيه، ثم سمعه من أبيه مباشرة. ولعل صنيع
الهيثمي يشير إلى ذلك بقوله (١٠ / ٢١٩) : " رواه البزار والطبراني في "
الأوسط " و " الكبير "، وإسناده حسن ". قلت: فجمع بين رواية البزار
والطبراني مع اختلاف روايتهما عن سماك، كأنه يشير أنه لا اختلاف بينهما يضر.
وأورد قبل ذلك رواية أحمد وأبي يعلى، وقال عقبها: " وفي إسنادهما المسعودي
، وقد اختلط ". وقصر السيوطي في " الجامع الكبير " (٦٤٠٤) فعزاه لـ "
الطبراني " فقط في " المعجم الكبير "!!
٢٨٣٤ - " إنهم يوفرون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم. يعني المجوس ".
أخرجه ابن حبان في " صحيحه " (٥٤٥٢ - الإحسان) والبيهقي في " سننه " (١ /
١٥١) وأبو حامد الحضرمي في " حديثه " (ق ٢ / ٢) وأبو عروبة الحراني في "
حديث الجزريين " (ق ١٤٦ / ١) من طرق عن معقل بن عبيد الله عن ميمون بن مهران
عن ابن عمر قال: ذكر لرسول الله ﷺ المجوس فقال: فذكره،
وزاد:
стр. 4335
" فكان ابن عمر يجز سباله كما تجز الشاة أو البعير ". قلت: وهذا
إسناد جيد، رجاله ثقات، وفي معقل بن عبيد الله كلام يسير لا يضر، وقد أخرج
له مسلم، ولذلك سكت عنه الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " (١ / ١٤١ -
بيروت) والحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (١٠ / ٣٤٧ - ٣٤٨) وعزاه
للطبراني والبيهقي. وللحديث شواهد خرجت بعضها في " جلباب المرأة المسلمة " (
ص ١٨٥ - ١٨٧ / طبعة المكتبة الإسلامية) و " آداب الزفاف " (ص ٢٠٩ و ٢١٠ /
طبعة المكتبة الإسلامية) . (السبال) جمع (السبلة) بالتحريك: (الشارب)
كما في " النهاية ". هذا، ولقد كان الباعث على تخريج الحديث أنني لم أجده في
" موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان " للهيثمي، فظننت أنه تعمد ذلك لورود أصله
في " الصحيحين " كما تراه في " جلباب المرأة "، أو أنه سها عنه، كما سها عن
كثير غيره، وكما سها عنه الحافظ في اقتصاره على عزوه إياه للطبري والبيهقي!
واعلم أن في هذا الحديث توجيها نبويا كريما طالما غفل عنه كثير من خاصة
المسلمين فضلا عن عامتهم، ألا وهو مخالفة الكفار المجوس وغيرهم كما في
الحديث المتفق عليه: " إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ". والأحاديث
بهذا المعنى كثيرة جدا معروفة. فالذي أريد بيانه إنما هو التنبيه على أن
المخالفة المأمور بها هي أعم من التشبه المنهي عنه، ذلك أن التشبه أن يفعل
المسلم فعل الكافر، ولو لم يقصد التشبه، وبإمكانه أن لا يفعله. فهو مأمور
بأن يتركه. وحكمه يختلف باختلاف ظاهرة التشبه قوة وضعفا. وأما المخالفة
فهي على العكس من ذلك تماما فإنها تعني أن يفعل المسلم فعلا لا يفعله الكافر،
إذا لم يكن في فعله
стр. 4336
مخالفة للشرع، كمثل الصلاة في النعال، فقد أمر النبي صلى
الله عليه وسلم بها مخالفة لليهود، وقد تكون المخالفة لهم فيما هو من خلق
الله في كل البشر لا فرق في ذلك بين مسلم وكافر، ورجل وامرأة، كالشيب مثلا
، ومع ذلك أمر بصبغه مخالفة لهم كما تقدم، وهذا أبلغ ما يكون من الأمر
بالمخالفة، فعلى المسلم الحريص على دينه أن يراعي ذلك في كل شؤون حياته، فإنه
بذلك ينجو من أن يقع في مخالفة الأمر بالمخالفة، فضلا عن نجاته من التشبه
بالكفار، الذي هو الداء العضال في عصرنا هذا. والله المستعان.
٢٨٣٥ - " استو يا سواد! ".
أخرجه ابن إسحاق في " السيرة " (٢ / ٢٦٦ - سيرة ابن هشام) ومن طريقه أبو
نعيم في " معرفة الصحابة " (ق ٣٠٣ / ١) وابن الأثير في " أسد الغابة " (٢ /
٣٣٢) قال ابن إسحاق: وحدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه: أن
رسول الله ﷺ عدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدل به
القوم، فمر بسواد بن غزية - حليف بني عدي بن النجار - وهو مستنتل من الصف،
فطعن في بطنه بالقدح، وقال: " استو يا سواد "، فقال: يا رسول الله!
أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدني. قال: فكشف رسول الله صلى
الله عليه وسلم عن بطنه، وقال: " استقد "، قال: فاعتنقه فقبل بطنه، فقال
: " ما حملك على هذا يا سواد؟ " قال: يا رسول الله! حضر ما ترى، فأردت أن
يكون آخر العهد بك: أن يمس جلدي جلدك! فدعا له رسول الله ﷺ
بخير وقال له: فذكره. قلت: وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى لأن الأشياخ
من قوم حبان من الأنصار، فإن كانوا من الصحابة فلا إشكال، وإن كانوا من
التابعين فهم من
стр. 4337
كبارهم، لأن حبان تابعي من الخامسة عند الحافظ، وهم جمع لا
يضر جهالتهم كما هو معروف عند أهل العلم. وروايتهم لهذه القصة تدل على أنها
كانت مشهورة عندهم، متداولة بينهم. وقد ذكر لها الحافظ في " الإصابة " شاهدا
من مرسل جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي ﷺ كان يتخطى بعرجون
، فأصاب به سواد بن غزية الأنصاري.. فذكر القصة. قلت: وأخرجها ابن سعد في
ترجمة سواد بن غزية (٣ / ٥١٦ - ٥١٧) بسند صحيح عن الحسن مرسلا بلفظ: " رأى
سواد بن عمرو.. " قال ابن سعد: هكذا قال إسماعيل. يعني ابن علية. ومال
الحافظ إلى تعدد القصة. والله أعلم.
٢٨٣٦ - " ما من أمتي من أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة. قالوا: وكيف تعرفهم يا
رسول الله في كثرة الخلائق؟ قال: أرأيت لو دخلت صيرة فيها خيل دهم بهم وفيها
فرس أغر محجل، أما كنت تعرفه منها؟ قال: بلى. قال: فإن أمتي يومئذ غر من
السجود، محجلون من الوضوء ".
أخرجه أحمد (٤ / ١٨٩) والضياء المقدسي في " المختارة " (٥٥ / ١١٤ / ١ - ٢)
من طرق عن صفوان بن عمرو: حدثنا يزيد بن خمير الرحبي عن عبد الله بن بسر
المازني عن رسول الله ﷺ أنه قال: فذكره. قلت: وهذا
إسناد صحيح، وهو على شرط مسلم كما قال الضياء، وأخرج الترمذي (٦٠٧)
الجملة الأخيرة منه، وقال: " حسن صحيح غريب من هذا الوجه ".
стр. 4338
والحديث عزاه
السيوطي في " الجامع الكبير " للطبراني في " الكبير " والبيهقي في " الشعب ".
وللجملة المشار إليها شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعا. رواه البخاري وغيره.
وفي آخره زيادة: " فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل "، ولكنها مدرجة في
الحديث لا تصح، كما تراه مفصلا في " الضعيفة " (١٠٣٠) . غريب الحديث: (
الصيرة) : حظيرة تتخذ للدواب من الحجارة وأغصان الشجر، جمعها (صير) . (
دهم) : جمع أدهم، وهو الأسود. (بهم) : جمع بهيم، وهو في الأصل: الذي
لا يخالط لونه لون سواه كما في " النهاية "، أي أن لون هذه الخيل أسود خالص لا
يخالطه لون آخر. (محجل) : هو الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد،
ويجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين لأنهما موضع الأحجال، وهي الخلاخيل
والقيود، ولا يكون التحجيل باليد أو اليدين ما لم يكن معها رجل أو رجلان. (
تنبيه) : وقعت لفظة (صيرة) في " المسند " (صبرة) ، وهو خطأ مطبعي كنت
نقلته هكذا مع الحديث في كتابي " صفة الصلاة / فضل السجود "، وقيدته في
الحاشية بالضم، وفسرت بـ (الكومة) ، وهذا - والله - منتهى الغفلة، لأن
هذا المعنى لا صلة له بسياق الحديث كما هو ظاهر، ولا غرابة في ذلك، لأنه
يؤكد أنني ألباني حقا! وقد استمر هذا الخطأ في كل طبعات الكتاب حتى
стр. 4339
العاشرة
منها، فالمرجو تصحيح هذا الخطأ ممن كان عنده نسخة من الكتاب، كما أرجو أن
يتاح لي إعادة طبع الكتاب هنا في عمان مصححا ومزيدا بإذنه تعالى. ويعود
الفضل في تنبيهي لهذا الخطأ إلى فضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في خطاب
تفضل بإرساله إلي بتاريخ ٢٠ / ٢ / ١٤٠٩ هـ. جزاه الله ﵎ خيرا. ثم
طبع الكتاب طبعة جديدة في عمان - ١٤١١ هـ، منقحة مزيدة، وقد صحح فيها اللفظ
المذكور، والحمد لله، مع الإشادة بصاحب الفضل فيه.
٢٨٣٧ - " صنعت هذا لكي لا تحرج أمتي. يعني الجمع بين الصلاتين ".
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (١٠ / ٢٦٩ / ١٠٥٢٥) : حدثنا إدريس بن
عبد الكريم الحداد حدثنا أحمد بن حاتم الطويل حدثنا عبد الله بن عبد القدوس عن
الأعمش عن عبد الرحمن بن ثروان عن زاذان قال: قال عبد الله بن مسعود:
قال: جمع رسول الله ﷺ بين الأولى والعصر، وبين المغرب
والعشاء، فقيل له، فقال: فذكره. ورواه في " الأوسط " (١ / ٤٦ / ١) من
طريق أخرى عن ابن القدوس به. ثم أشار إلى رواية (أحمد الطويل) المذكورة.
قلت: وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات غير عبد الله بن عبد القدوس ذكره ابن
حبان في " الثقات " (٧ / ٤٨) ، وحكى الحافظ عنه أنه قال: " ربما أغرب ".
وليس هذا في النسخة المطبوعة منه، فلعلها في بعض النسخ، فإنه قد
стр. 4340
تكون في نفسي
أثناء عملي لفهرسته التي أنا في صدد إتمامها أن نسخه مختلفة، فيراجع لهذا "
ترتيب الثقات " للهيثمي، فإن فيه زيادات أحيانا على المطبوعة، وأحيانا فيه
نقص عنها. ثم حكى الحافظ عن البخاري أنه قال فيه: " هو في الأصل صدوق، إلا
أنه يروي عن أقوام ضعاف ". لكنه ذكر عن أبي داود تضعيفه، وكذا عن ابن معين
وغيره، فلا تطمئن النفس للاحتجاج بحديثه، إلا إذا وافق الثقات، وهذا الحديث
من هذا القبيل، فإن له شاهدا من حديث ابن عباس في صحيح مسلم وغيره (١) ، وهو
مخرج في " الإرواء " (٣ / ٣٤ / ٥٧٩ / ٢) ، فالحديث صحيح بلا ريب، ولكن هل
رواه ابن مسعود؟ فهو موضع نظر لما عرفت من حال ابن عبد القدوس. وقال الهيثمي
(٢ / ١٦١) بعد أن عزاه لـ (المعجمين) : " وفيه عبد الله بن عبد القدوس،
ضعفه ابن معين والنسائي، ووثقه ابن حبان، وقال البخاري: " صدوق إلا أنه
يروي عن أقوام ضعفاء ". قلت: وقد روى هذا عن الأعمش وهو ثقة ". وقد مال
الشوكاني إلى تقوية الحديث، ومن قبله الحافظ في " الفتح " (٢ / ٢٤) ، فإنه
جزم به، وأجاب الشوكاني (٣ / ١٨٣) عن التضعيف المتقدم بقوله: " لم يتكلم
فيه إلا بسبب روايته عن الضعفاء ". ثم ذكر كلام البخاري في ذلك، وزاد:
стр. 4341
"
وقال أبو حاتم: لا بأس به ". وهذه الزيادة وهم منه، فإنما قال أبو حاتم ذلك
في الراوي الذي عقب المترجم (٢ / ٢ / ١٠٥) وأما هذا فلم يحك ابنه فيه إلا
تضعيفه. وأما قوله: " لم يتكلم فيه إلا.. ". فهو تعليل مردود بالنسبة
للمضعفين لأنه ليس في كلام أحدهم ما يشعر بذلك، بل فيه بخلافه، فراجعه إن شئت
في " التهذيب "، ولذلك قال الحافظ في " التقريب ": " صدوق رمي بالرفض،
وكان أيضا يخطىء ". قلت: فالتعليل بروايته عن الضعفاء، هو بالنسبة للبخاري،
وأما الآخرون، فالتعليل عندهم سوء الحفظ. والله أعلم. وقد خولف ابن عبد
القدوس، فأخرجه الطبراني أيضا (١٠ / ٤٧ / ٩٨٨٠) من طريق أبي مالك النخعي -
واسمه عبد الملك بن الحسين - عن حجاج عن عبد الرحمن بن ثروان عن هزيل بن شرحبيل
عن عبد الله قال: " كان رسول الله ﷺ يجمع بين المغرب
والعشاء، يؤخر هذه في آخر وقتها، ويعجل هذه في أول وقتها ". وأبو مالك هذا
ضعفه الهيثمي (٢ / ١٥٩) وقال الحافظ في " التقريب ": " متروك ". وحجاج،
الظاهر أنه ابن أرطاة، وهو مدلس. ثم أخرجه الطبراني (٩٨٨١) من طريق ابن
أبي ليلى عن أبي قيس عن هزيل به مختصرا بلفظ:
стр. 4342
" كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يجمع بين الصلاتين في السفر ". قال الهيثمي: " رواه أبو يعلى والبزار
والطبراني في " الكبير "، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح ". وأقول: هذا وهم
مرتين لأن أبا يعلى أخرجه أيضا (٩ / ٢٨٤ / ٥٤١٣) من طريق ابن أبي شيبة،
وهذا في " المصنف " (٢ / ٤٥٨) من طريق ابن أبي ليلى، وكذا البزار (١ / ٣٣٠
/ ٦٨٥) وقال: " لا يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد ". قلت: هذا هو
الوهم الأول: أنه غاير بين إسناد أبي يعلى وغيره، وإسنادهم واحد. والآخر
: أنه قال: " رجاله رجال الصحيح "! وابن أبي ليلى - وهو محمد بن عبد الرحمن
بن أبي ليلى - ليس من رجال الصحيح، ثم هو إلى ذلك سيىء الحفظ جدا كما في "
التقريب ". وبالجملة، فحديث الترجمة صحيح، من حديث ابن عباس بلا شك رواية
ولكنه صحيح دراية، دون رواية أبي مالك النخعي التي فيها بيان أن الجمع كان جمعا
صوريا. فإنه شديد الضعف كما تقدم. واعلم أن الشوكاني ﵀ ذهب إلى أن
المقصود بالحديث إنما هو الجمع الصوري، وأطال البحث في ذلك جدا، وتكلف في
تأويل الحديث وصرف معناه
стр. 4343
عن الجمع الحقيقي الثابت صراحة في بعض أحاديث الجمع
في السفر. واحتج لذلك بأمور يطول الكلام عليها جدا، والذي أريد أن ألفت
النظر إليه إنما هو أنه لم يتنبه إلى أن قوله: " كي لا يحرج أمته " نص في
الجمع الحقيقي، لأن رفع الحرج إنما يعني في الاصطلاح الشرعي رفع الإثم
والحرام (راجع النهاية) كما في أحاديث أخرى، الأصل فيها المؤاخذة لولا الحرج
، كمثل ترك صلاة الجمعة والجماعة من أجل المطر والبرد، كما في حديث ابن عباس
لما أمر المؤذن يوم الجمعة أن يقول: " الصلاة في الرحال "، فأنكر ذلك بعضهم،
فقال: " كأنكم أنكرتم هذا، إن هذا فعله من هو خير مني. يعني النبي صلى الله
عليه وسلم، إنها عزمة، إني كرهت أن أحرجكم ". رواه البخاري (٦١٦ و ٦٦٨
و٩٠١) وابن أبي شيبة (٢ / ١٥٣) نحوه، ثم روى (٢ / ٢٣٤) الموقوف منه.
وحديث نعيم بن النحام قال: " نودي بالصبح في يوم بارد وهو في مرط امرأته،
فقال: ليت المنادي نادى: " ومن قعد فلا حرج "، فنادى منادي النبي صلى الله
عليه وسلم في آخر أذانه: " ومن قعد فلا حرج ". رواه عبد الرزاق في " المصنف
" (١ / ٥٠١ / ١٩٢٦) وأحمد (٤ / ٣٢٠) والبيهقي (١ / ٣٩٨ و ٣٢٣) وأحد
إسناديه صحيح، وصحح الحافظ (٢ / ٩٨ - ٩٩) إسناد عبد الرزاق! وقد مضى
تخريجه وما يستفاد منه في هذا المجلد برقم (٢٦٠٥) . ومن المعلوم وجوب
الحضور لصلاة الجمعة والجماعة، فإذا ثبت في الشرع أنه
стр. 4344
لا حرج على على من لم
يحضر في المطر. كان ذلك حكما جديدا لولاه بقي الحكم السابق على ما كان عليه من
العموم والشمول. فكذلك نقول: لما كان من المعلوم أيضا وجوب أداء كل صلاة في
وقتها المحدد شرعا بفعله ﷺ ، وإمامة جبريل ﵇ إياه
، وقوله: " الوقت بين هذين "، ثم ثبت أنه ﷺ جمع بين
الصلاتين، لرفع الحرج عن أمته ﷺ ، كان ذلك دليلا واضحا على
أن جمعه ﷺ في ذلك الوقت، كان جمعا حقيقيا، فحمله على الجمع
الصوري والحالة هذه تعطيل للحديث كما هو ظاهر للمنصف المتأمل، إذ إنه لا حرج
في الجمع الصوري أصلا، ولذلك فلم يبالغ الإمام النووي ﵀ حين قال في
حمل الحديث على الجمع الصوري: " إنه باطل، لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل
". وإن مما يؤكد ذلك أمران: الأول: إن في حديث ابن عباس أن الجمع كان في
غير خوف ولا مطر، ففيه إشارة قوية إلى أن جمعه ﷺ في المطر
كان معروفا لدى الحاضرين، فهل كان الجمع في المطر صوريا أيضا؟! اللهم لا.
يخبرنا بذلك نافع مولى ابن عمر قال: كانت أمراؤنا إذا كانت ليلة مطيرة أبطأوا
بالمغرب، وعجلوا بالعشاء قبل أن يغيب الشفق، فكان ابن عمر يصلي معهم لا يرى
بذلك بأسا، قال عبيد الله (هو الراوي عن نافع) : ورأيت القاسم وسالما
يصليان معهم في مثل تلك الليلة. أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " (٢ / ٢٣٤)
بسند صحيح غاية. قلت: فقوله: " قبل أن يغيب الشفق " صريح في أن جمعهم كان
جمعا حقيقيا، لأن مغيب الشفق آخر وقت المغرب كما في حديث ابن عمرو عند مسلم (
٢ / ١٠٤ - ١٠٥) وغيره، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (٤٢٥) .
стр. 4345
والأمر
الآخر: أن التعليل المتقدم برفع الحرج قد ثبت أيضا في الجمع في السفر من حديث
معاذ: جمع رسول صلى الله ﷺ في غزوة تبوك بين الظهر والعصر
، وبين المغرب والعشاء. قال أبو الطفيل: فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال:
فقال: أراد أن لا يحرج أمته. أخرجه مسلم، وابن خزيمة (٢ / ٨١ / ٩٦٦)
وغيرهما، وهو مخرج في " الإرواء " (٣ / ٣١) وفي رواية لأبي داود وغيره
: أن الجمع كان تقديما تارة، وتأخيرا تارة. وهو مخرج في المصدر المذكور
برقم (٥٧٨) وثبت نحوه من حديث أنس وغيره، وهو مخرج هناك (٥٧٩) . قلت
: وإذا عرفت ما تقدم تأكدت إن شاء الله أن الصحيح في الجمع المعلل برفع الحرج
إنما هو الجمع الحقيقي، لأن الجمع الصوري في أصله لا حرج فيه مطلقا لا في
السفر ولا في الحضر ولذلك كان من أدلة الجمهور على الحنفية الذين لا يجيزون
الجمع الحقيقي في السفر أيضا أنه ثبت فيه جمع التقديم أيضا، وهو يبطل تأويلهم
الجمع بالجمع الصوري كما ثبت في بعض الأحاديث المشار إليها آنفا جمع التأخير
بلفظ صريح يبطل أيضا تأويلهم، كحديث أنس عن النبي ﷺ : إذا
عجل عليه السفر يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب
حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق. متفق عليه. وبهذه المناسبة
أقول: يبدو لي من تعليل الجمع في حديث ابن عباس برفع الحرج - أنه إنما يجوز
الجمع حيث كان الحرج، وإلا فلا، وهذا يختلف باختلاف الأفراد وظروفهم،
ولعل القائلين بجوازه مطلقا من السلف أشاروا إلى ما ذكرته حين اشترطوا أن لا
يتخذ ذلك عادة كما تفعل الشيعة. ولا أتصور ذلك إلا لمن كان