فكان يمر الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم فيقول للتاجر: ويحك إنه قد صدق، إن رسول الله ﷺ قد كان
جعله بالخيار ثلاثا. قال: وأخبرنا محمد بن إسحاق أخبرنا محمد بن يحيى بن
حبان قال: ما علمت ابن الزبير ... ". قلت: فذكر الحديث كما تقدم نقلي إياه
عن " المصنف ". وأخرجه البيهقي في " سننه " (٥ / ٢٧٣) من طريق يونس: حدثنا
محمد بن إسحاق: حدثني نافع عن ابن عمر قال: سمعت رجلا من الأنصار كانت بلسانه
لوثة.. الحديث مثل رواية الدارقطني دون ما في آخرها من الرواية عن ابن الزبير
، لكن فيه ما في حديث الترجمة من التخيير ثلاث ليال، وفيه: " فيرجع إلى بيعه
فيقول: خذ سلعتك ورد دراهمي، فيقول: لا أفعل، قد رضيت فذهبت به، حتى يمر
به الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ ... ". ورواه سفيان: حدثني
ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر به مختصرا دون الزيادة، وفيه قول ابن عمر: "
فكنت أسمعه يقول: لا خذابة لا خذابة! وكان يشتري الشيء فيجيء به أهله
فيقولون: هذا غال، فيقول: إن رسول الله ﷺ خيرني في بيعي "
أخرجه الدارقطني، والحاكم (٢ / ٢٢) والبيهقي، وابن الجارود (٥٦٧) .
وقال أحمد (٢ / ١٢٩) : حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني نافع به دون
قوله: " وكان يشتري الشيء.. ". وبالجملة، فالحديث حسن لتصريح ابن إسحاق
بالتحديث في كثير من هذه
стр. 4412
الروايات الثابتة عنه. وإعلال البوصيري إياه بعنعنة
ابن إسحاق، إنما كان منه وقوفا عند رواية ابن ماجه، مع كونها مرسلة، وقد
أورده السيوطي في " الزيادة " من رواية ابن ماجه والبيهقي مرسلا. وقد انجبر
الإرسال بمجيئه موصولا من طريق نافع عن ابن عمر كما تقدم. والله أعلم.
وللحديث شاهدان مختصران: أحدهما من حديث ابن عمر، عند الشيخين وغيرهما.
والآخر: من حديث أنس. رواه أصحاب السنن وغيرهم، وصححه ابن حبان (٥٠٢٧
و٥٠٢٨ - الإحسان) وابن الجارود (٥٦٨) وهما مخرجان في " أحاديث البيوع "،
وليس فيهما التخيير ثلاثة، فالعمدة فيه على مرسل ابن حبان، ومسند ابن عمر،
فهو بهما صحيح، ولعل هذا هو ملحظ الحافظ في سكوته عليه، بل واحتجاجه به في
" الفتح " (٤ / ٣٣٧) وفي تثبيت صديق حسن خان للحديث في " الروضة الندية " (
٢ / ١٢١) وهو الحق الذي لا ريب فيه، ومن ضعفه أو أعله، فلم يتتبع طرقه
وألفاظه. وفي الحديث إثبات الخيار ثلاثة أيام لمن يخدع، وفي المسألة خلاف
بين العلماء وتفصيل يراجع في " الفتح " وغيره من المطولات.
٢٨٧٦ - " في كل ركعتين تشهد وتسليم على المرسلين وعلى من تبعهم من عباد الله
الصالحين ".
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٢٣ / ٣٦٧ / ٨٦٩) من طريق أبي همام
الخاركي: حدثني عدي بن أبي عدي عن علي بن زيد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة
أن النبي ﷺ قال: فذكره. قلت: وهذا حديث حسن، رجاله ثقات
على ضعف في علي بن زيد، وهو
стр. 4413
ابن جدعان، وقال الهيثمي في " المجمع " (٢ /
١٣٩) : " واختلف في الاحتجاج به، وقد وثق ". قلت: فمثله يستشهد بحديثه،
ولذلك حسنت حديثه هذا لأن له شاهدا من حديث علي ﵁، سبق تخريجه
برقم (٢٣٧) . وأم الحسن - وهو البصري - اسمها (خيرة) ، وهي ثقة كما في "
ثقات ابن حبان " (٤ / ٢١٦) وقول الحافظ فيها: " مقبولة " تقصير منه غير
مقبول، فقد روى عنها جمع من الثقات، مع كونها تابعية. وعدي بن أبي عدي هو
الكندي. قال ابن حبان في " ثقات التابعين " (٥ / ٢٧٠) : " واسم أبي عدي:
فروة، يروي عن أبيه، ويقال: إن له صحبة. روى عنه عيسى ابن عاصم. مات سنة
ست وعشرين ومائة ". وهو مترجم في " التهذيب ". وأبو همام الخاركي (الأصل
: الخارجي، وهو تصحيف) اسمه الصلت بن محمد، وهو ثقة من رجال البخاري،
وقد صرح بسماعه من عدي، فلا أدري إذا كان ذلك محفوظا أم لا، فإن صنيعهم في
ترجمته يشعر بأنه متأخر عن هذه الطبقة، فأورده ابن حبان (٨ / ٣٢٤) فيمن روى
عن (أتباع التابعين) وليس في (أتباعهم) ! والله أعلم.
٢٨٧٧ - " كن مع صاحب البلاء تواضعا لربك وإيمانا ".
أخرجه الطحاوي في " شرح معاني الآثار " (٢ / ٣٧٩) : حدثنا علي بن زيد قال:
حدثنا موسى بن داود قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم عن يحيى بن سعيد عن أبي
стр. 4414
مسلم
الخولاني عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قلت
: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال مسلم غير علي بن زيد، وهو ابن عبد الله
أبو الحسن الفرائضي، قال الخطيب في " تاريخ بغداد " (١١ / ٤٢٧) : " من أهل (
طرسوس) ، قدم (سر من رأى) وحدث بها عن موسى بن داود الضبي و.. و.. قال
ابن يونس المصري: تكلموا فيه ". وكذا في " اللسان "، إلا أنه وقع فيه: "
قدم مصر.. "، وزاد: " وقال مسلمة بن قاسم: ثقة. توفي سنة ثلاث وستين
ومائتين ". (تنبيه) : كذا وقع الحديث في " الشرح " (كن) ، ووقع في "
الجامع الصغير " و " الكبير " أيضا (١٦٧٦٠) : (كل) ، فلا أدري أيهما الصواب
، والثاني في المعنى أخص من الأول، وقد روي ذلك في حديث آخر من مسند جابر
بلفظ: " كل باسم الله، ثقة بالله، وتوكلا على الله ". وإسناده ضعيف كما
كنت بينته في " الضعيفة " (١١٤٤) ، فإن صح حديث الترجمة باللفظ الثاني، فهو
شاهد قوي لحديث جابر، فينقل حينئذ إلى " سلسلة الأحاديث الصحيحة " من جهة،
وإلى " صحيح الجامع " من جهة أخرى، فإنه حتى الآن في " ضعيف الجامع " (٤٢٠٠)
، كما كنت أوردت فيه (٤٢٠٣) حديث أبي ذر باللفظ الثاني لعدم وقوفي يومئذ على
إسناده حسب الشرط الذي كنت ذكرته في المقدمة، فإن صح نقل أيضا إلى " الصحيح "
في الطبعة القادمة منه إن شاء الله تعالى. (تنبيه آخر) : لم يتكلم المناوي
على إسناد هذا الحديث بشيء، والظاهر أنه لم يقف عليه، ويؤيده أنه فسر عزو
السيوطي إياه لـ (الطحاوي) بقوله: " في
стр. 4415
مسنده "، وقلدته اللجنة القائمة
على نشر " الجامع الكبير " كما هي عادتهم، وكل ذلك خطأ، لأن الطحاوي رحمه
الله ليس له كتاب يعرف بهذا الاسم " المسند ". والله أعلم.
٢٨٧٨ - " سموه بأحب الأسماء إلي حمزة بن عبد المطلب ".
أخرجه الحاكم (٣ / ١٩٦) من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب: حدثنا سفيان بن
عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: ولد لرجل منا غلام،
فقالوا: ما نسميه؟ فقال النبي ﷺ : فذكره. وقال: " صحيح
الإسناد ". ورده الذهبي بقوله: " قلت: يعقوب ضعيف ". كذا قال، والرجل
مختلف فيه كما تراه في " تهذيب التهذيب "، ولخص ذلك في " التقريب "، فقال:
" صدوق ربما وهم ". وحكى الذهبي نفسه في " الكاشف " شيئا من ذلك الاختلاف،
وقال: " وقال البخاري: لم نر إلا خيرا (وفي " التهذيب ": لم يزل خيرا) ،
هو في الأصل صدوق ". ولذلك أورده الذهبي في كتابه: " معرفة الرواة المتكلم
فيهم بما لا يوجب الرد " (ص ١٩١) ورمز له فيه بـ (م) ، وأظنه خطأ مطبعيا
لمخالفته لجميع المصادر التي ترجمت له، ومنها " الكاشف "، فإنه لم يرمز له
فيها إلا بـ (عخ، ق) . ثم إنه قد توبع، فأخرجه الحاكم أيضا من طريق يوسف بن
سلمان المازني: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، سمع رجلا بالمدينة
يقول:
стр. 4416
جاء جدي بأبي إلى رسول الله ﷺ فقال: هذا ولدي فما
أسميه؟ قال: " سمه بأحب الناس إلي حمزة بن عبد المطلب ". وأعله الحاكم
بقوله: " قد قصر هذا الراوي المجهول برواية الحديث عن ابن عيينة، والقول فيه
قول يعقوب بن حميد، وقد كان أبو أحمد الحافظ يناظرني: أن البخاري قد روى عنه
في " الجامع الصحيح "، وكنت آبى عليه ". قلت: قد ذكر الحافظ في " التهذيب "
منشأ الخلاف الذي أشار إليه الحاكم، ومال إلى موافقة أبي أحمد الحافظ (وهو
الحاكم صاحب كتاب الكنى) وسبقه إلى ذلك الذهبي في " الكاشف ". وسواء صح هذا
أو ذاك فالرجل وسط، يحتج بحديثه. لكن يبقى النظر في يوسف بن سلمان الذي خالفه
في إسناده ومتنه. أما السند فهو أنه قال مكان (جابر) : ".. رجلا.. جاء
جدي بأبي "، وأما المتن فقوله: (الناس) مكان (الأسماء) . ولعل هذا هو
الأرجح، لأنه جاء في " الصحيحين ": " أحب الناس إلي عائشة، ومن الرجال
أبوها "، وما خالفه من الأحاديث فيه ضعف كما بينته في " الضعيفة " (١٨٤٤
و١٨٤٣) . ويوسف هذا قد روى عنه جماعة من الحفاظ كالترمذي والنسائي وابن
خزيمة وغيرهم، ووثقه ابن حبان ومسلمة، وقال النسائي: لا بأس به، فلا
وجه لتجهيل الحاكم إياه، ولاسيما وهو يوثق من دونه شهرة بكثير! هذا،
وقوله: " بأحب الأسماء إلي " كان قبل أن يوحى إليه بحديث " أحب الأسماء إلى
الله عبد الله، وعبد الرحمن ". وتقدم (٩٠٤ و ١٠٤٠) و " الإرواء " (١١٧٦) .
стр. 4417
٢٨٧٩ - " من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله! هذا خير، فمن كان
من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد
ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب
الريان. قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله! ما على أحد يدعى من تلك الأبواب
من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون
منهم ".
أخرجه البخاري (١٨٩٧ و ٢٨٤١ و ٣٢١٦ و ٣٦٦٦) ومسلم (٣ / ٩١) والترمذي (٣٦٧٥) وصححه، والنسائي (١ / ٣١٢ و ٣٣٢ - ٣٣٣ و ٢ / ٥٨) وابن حبان (١ /
٢٦٣ / ٣٠٨) ومالك في " الموطأ " (٢ / ٢٤ - ٢٥) من طريق حميد بن عبد الرحمن
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. وأخرجه مسلم
من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأحمد (٢ / ٣٦٦) من طريق أبي صالح،
كلاهما عن أبي هريرة به مختصرا بلفظ: " من أنفق زوجين في سبيل الله، دعاه
خزنة الجنة كل خزنة باب: أي فل! هلم ". فقال أبو بكر: " يا رسول الله! ذلك
الذي لا توى عليه ". زاد أبو سلمة: قال رسول الله ﷺ : " إني
لأرجو أن تكون منهم ". وله شاهد مختصر من حديث أبي ذر مرفوعا بالشطر الأول
منه دون قوله: " يا عبد الله ... " إلخ.
стр. 4418
أخرجه الدارمي (٢ / ٢٠٤) وأحمد (
٥ / ١٥١ و ١٥٣ و ١٥٩ و ١٦٤) وزاد في رواية: قلنا: ما هذان الزوجان؟ قال:
إن كانت رجالا، فرجلان، وإن كانت خيلا ففرسان، وإن كانت إبلا فبعيران،
حتى عد أصناف المال. وإسناده صحيح. وقال الدارمي عقبه: " هو درهمين، أو
أمتين، أو عبدين، أو دابتين ". قوله: (لا توى عليه) : أي لا ضياع ولا
خسارة، وهو من التوى: الهلاك.
٢٨٨٠ - " من قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر غرس الله بكل
واحدة منهن شجرة في الجنة ".
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٢ / ٢٣٥ / ١ / ٨٦٤٠) وفي " الدعاء " (٣ /
١٥٥٨ / ١٦٧٦) من طريق علي بن عثمان اللاحقي قال: حدثنا عمران بن عبيد الله
مولى عبيد الصيد قال: سمعت الحكم بن أبان يحدث عن عكرمة عن ابن عباس قال:
قال رسول الله ﷺ : فذكره. وقال: " تفرد به علي بن عثمان "
. قلت: وهو ثقة كما في " اللسان "، والعلة من شيخه عمران، ضعفه ابن معين
والبخاري كما يأتي، ووثقه ابن حبان (٨ / ٤٩٧) ولذا قال الهيثمي (١٠ / ٩١)
: " رواه الطبراني في " الأوسط "، ورجاله وثقوا ". يشير بقوله: " وثقوا "
إلى ضعف توثيق أحد رجاله، وهو عمران هذا، وكذلك فعل المنذري، فإنه قال في
" الترغيب " (٢ / ٢٤٥) :
стр. 4419
" رواه الطبراني، وإسناده حسن لا بأس به في
المتابعات ". وهو كما قال أو أعلى، فإن له شواهد حسن أحدها المنذري، وصححه
الحاكم، ووافقه الذهبي، كما في تعليقي على " الترغيب " (٢ / ٢٤٤) وهو عن
أبي هريرة والحديث رواه إسحاق بن أبي إسرائيل أيضا عن عمران، علقه البخاري في
" التاريخ " (٣ / ٢ / ٤٢٧) في ترجمة عمران بن عبيد الله هذا، وقال: " فيه
نظر ". ثم إن للحديث شاهدا آخر من حديث جابر مختصرا، وقد سبق تخريجه برقم (٦٤) . ولحديث أبي هريرة طريق آخر، رواه البزار (٣٠٧٨ - كشف الأستار) من
طريق حميد مولى علقمة: حدثنا عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة مثله. وقال: "
لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، وحميد لا نعلم روى عنه إلا زيد
بن الحباب "! قلت: ولذلك قال الحافظ فيه: " مجهول ". قلت: ومع ذلك فقد
حسن له الترمذي حديث: " إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا.. ". وقد مضى تخريجه
(٢٥٦٢) . (تنبيه) : وقع في " دعاء الطبراني ": (عمران بن عبيد مولى عبيد
الصيد) فلم يعرفه المعلق عليه، فقال: " لم أقف على ترجمته، وبقية رجاله
حسن "!
стр. 4420
٢٨٨١ - " من تداوى بحرام لم يجعل الله له فيه شفاء ".
أخرجه أبو نعيم في " الطب " (ق ١٤ / ٢) عن إبراهيم بن أيوب عن النعمان عن عبد
الحكم قال: سمعت ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم:.. فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف، إبراهيم بن أيوب هو الفرساني
الأصبهاني، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: " لا أعرفه ". وذكره أبو العرب في "
الضعفاء " كما في " الميزان ". والنعمان هو ابن عبد السلام الأصبهاني، وهو
ثقة فقيه. لكن شيخه عبد الحكم لم أعرفه. لكن ذكر له أبو نعيم شاهدا من رواية
يونس بن محمد: حدثنا الهياج أو الصباح بن عبد الله حدثنا غالب القطان عن ابن
سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " من أصابه شيء من
الأدواء فلا يفزعن إلى شيء مما حرم الله، فإن الله لم يجعل في شيء مما حرم
شفاء ". وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين غير الهياج - هكذا ظهر لي من
النسخة المصورة ولم أعرفه، أما إن كان: الصباح بن عبد الله، فالظاهر أنه
العبدي المترجم في " التهذيب " برواية موسى بن إسماعيل التبوذكي عنه. قال ابن
معين: ثقة. وقال أبو حاتم: مجهول. وذكره ابن حبان في " الثقات " - لكن من
دونه أحمد بن إسحاق شيخ أبي نعيم لم أعرفه، واثنان فوقه لم أعرفهما لغموض
صورة أسمائهما.
стр. 4421
وله شاهد ثان من حديث أم سلمة مرفوعا، ثالث موقوف على ابن
مسعود سبق تخريجهما تحت الحديث (١٦٣٣) ، والموقوف صحيح الإسناد، والذي
قبله يحتمل التحسين، فإنه ليس في رجاله إلا ثقة، إلا أن حسان بن مخارق لم
يوثقه غير ابن حبان (٤ / ١٦٣ و ٦ / ٢٢٣) وقد روى عنه ثقتان مع تابعيته، على
ما ترجح عندي في " تيسير الانتفاع ". ولما تقدم فقد ترجح لدي أن الحديث
بمجموع هذه الطرق حسن على أقل تقدير، ولاسيما وقد ثبت النهي عن التداوي
بالحرام والدواء الخبيث كما بينته في المكان المشار إليه آنفا. والله أعلم.
(تنبيه) حديث ابن سيرين عن أبي هريرة المتقدم من رواية أبي نعيم، قد عزاه
إليه السيوطي في " الجامع الكبير " عن ابن سيرين مرسلا لم يذكر أبا هريرة، فلا
أدري إذا كان وصله عنه سقط من نسخة " الطب " التي نقل عنها السيوطي، أم هو
زيادة من بعض النساخ في نسختنا. والله أعلم.
٢٨٨٢ - " من ضم يتيما له أو لغيره حتى يغنيه الله عنه وجبت له الجنة ".
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٢ / ٢٦ / ١ / ٥٤٧٧) : حدثنا محمد بن أحمد بن
أبي خيثمة قال: حدثنا القاسم بن سعيد عن المسيب بن شريك قال: حدثنا الهيثم
أبو (الأصل: ابن) سعيد قال: حدثنا عبد الله بن تميم بن طرفة عن أبيه عن
عدي بن حاتم مرفوعا. وقال: " لم يسند عبد الله بن تميم بن طرفة حديثا غير
هذا، ولا يروى عن عدي إلا بهذا الإسناد، تفرد به القاسم بن سعيد عن المسيب
بن شريك ".
стр. 4422
قلت: وهذا متروك، وبه أعله الهيثمي (٨ / ١٦٢) . والراوي عنه
القاسم بن سعيد لم أجد له ترجمة، ومثله عبد الله بن تميم، وقد ذكره المزي
في الرواة عن أبيه مصغرا: " عبيد الله "، وأشار إلى عدم صحة السند بذلك إليه
بقوله: " إن كان محفوظا ". وأما الهيثم أبو سعيد فقد ذكره البخاري وابن أبي
حاتم في كتابيهما بروايته عن غالب القطان، ولم يذكرا عنه راويا، وأفادا أنه
بصري. فالإسناد مع ذاك المتروك مجهول. وقد روى طرفه الأول سفيان عن أبي
الحويرث عن رجل من جهينة مرفوعا به، وتمامه: " فاتقى الله فيه وأصلح كان
كالمجاهد في سبيل الله القائم ليله لا يرقد، والصائم نهاره لا يفطر ". أخرجه
ابن منده في " المعرفة " (٢ / ٢٧٨ / ٢) . قلت: وأبو الحويرث هذا اسمه عبد
الرحمن بن معاوية بن الحويرث الأنصاري، وهو ضعيف لسوء حفظه. وأخرج ابن
المبارك في " الزهد " (١٨٥ / ٢ - الكواكب ٥٧٥) : حدثنا سفيان عن علي ابن زيد
عن زرارة بن أبي أوفى عن مالك بن عمرو، أو عمرو بن مالك مرفوعا بلفظ: " من ضم
يتيما بين أبوين مسلمين حتى يستغني، فقد وجبت له الجنة البتة ".
стр. 4423
وأخرجه أحمد
(٤ / ٣٤٤) من طريق أخرى عن سفيان، وعن هشيم عن علي بن زيد به، وكذلك
أخرجه أحمد في مكان آخر (٥ / ٢٩) والطبراني في " المعجم الكبير " (١٩ / ٦٦٧
- ٦٧٠) من طرق أخرى عن علي بن زيد به. وعلي بن زيد هو ابن جدعان، وهو ضعيف
، ويقول الهيثمي فيه هنا في هذا الحديث (٨ / ١٦١) : " وهو حسن الحديث ".
وقال في رواية الطبراني: " وهو حسن الإسناد ". وأقول: إن وجد له شاهد معتبر
بهذه الزيادة " البتة " فهو حسن، وإلا فلا. نعم هو حسن أو أعلى بالشاهد الذي
رواه محمد بن عمرو عن صفوان بن سليم عن أم سعد بنت عمرو الجمحية قالت: سمعت
رسول الله ﷺ يقول: " من كفل يتيما له أو لغيره من الناس كنت
أنا وهو في الجنة كهاتين ". أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٢٥ / ٩٨ /
٢٥٥ - ٢٥٦) ورجاله ثقات كما قال الهيثمي (٨ / ١٦٣) ، فهو حسن لولا أن في
إسناده اختلافا بينه الحافظ في ترجمة مرة بن عمرو من " الإصابة "، ولكن ذلك
لا يمنع من الاستشهاد به، وقد أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (١٣٣)
مختصرا، وكذلك رواه في " صحيحه "، وقد مضى تخريجه برقم (٨٠٠) . لكن
للحديث شاهد قوي رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: " كافل اليتيم له أو لغيره
أنا وهو كهاتين في الجنة ". وأشار مالك بالسبابة والوسطى.
стр. 4424
وقد سبق تخريجه
أيضا برقم (٩٦٢) . وجملة القول أن الحديث صحيح بمجموع شواهده، وبخاصة هذا
الأخير منها. والله تعالى أعلم. ويشهد له أيضا حديث ليث عن محمد بن المنكدر
عن أم درة عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أنا
وكافل اليتيم له أو لغيره في الجنة، والساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد
في سبيل الله ". أخرجه الطبراني في " المعجم الأوسط " (١ / ٢٩١ / ٢ / ٤٨٧٨)
عن سهل بن عثمان قال: حدثنا حفص بن غياث عنه. وقال: " لم يروه عن محمد بن
المنكدر إلا ليث، ولا عن ليث إلا حفص، تفرد به سهل بن عثمان "! كذا قال!
ويرده قول أبي يعلى في " مسنده " (٨ / ٢٨٠ / ٤٨٦٦) : حدثنا عبد الرحمن ابن
صالح الأزدي حدثنا حفص بن غياث به، إلا أنه لم يذكر: " له أو لغيره ". فقد
تابع سهلا عبد الرحمن بن صالح. ولا يقال: لعله - أعني الطبراني - أراد
بالنفي المذكور الحديث بهذه الزيادة، لأن ذلك ليس من عادتهم، كما يعلم ذلك من
يقف على كلامهم. ثم إن أبا يعلى زاد في آخر الحديث: ".. والصائم القائم لا
يفتر ". ويشهد لهذه الزيادة حديث أبي هريرة المذكور آنفا عند مسلم في رواية
له بلفظ:
стр. 4425
" الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وأحسبه قال
: وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر ". ورواه البخاري أيضا (٥٣٥٣
و٦٠٠٦ و ٦٠٠٧) ولم يقل: " وأحسبه " في رواية. ورواه ابن حبان في " صحيحه "
(٢٤٣١) بالرواية الأولى، وذكره الهيثمي في " زوائد ابن حبان " (٢٠٤٧) ،
فوهم.
٢٨٨٣ - " ألا عدلت بينهما. يعني ابنه وبنته في تقبيلهما ".
أخرجه البزار في " مسنده " (٢ / ٣٧٨ / ١٨٩٣) عن عبد الله بن موسى، وابن
الأعرابي في " معجمه " (ق ١٨٢ / ١) وأبو القاسم الهمداني في " الفوائد " (١
/ ٣ / ٢) كلاهما من طريق عبد الله بن معاذ الصنعاني عن معمر عن الزهري عن
أنس قال: كان رجل جالس مع النبي ﷺ ، فجاءه ابن له فأخذه
فقبله ثم أجلسه في حجره، وجاءت ابنة له، فأخذها إلى جنبه، فقال النبي صلى
الله عليه وسلم: فذكره. وقال البزار: " لا نعلم رواه عن معمر إلا عبد الله
، وكان صنعانيا تحول إلى مكة ". قلت: وقع في " كشف الأستار " (عبد الله بن
موسى) ، وأنا أظن أن (موسى) محرف (معاذ) ، وهذا هو الصواب، كما وقع في
المصدرين الآخرين، وهو ثقة، ومن فوقه ثقات كذلك، فالسند صحيح. وقال
الهيثمي في " المجمع " (٨ / ١٥٦) : " رواه البزار فقال: حدثنا بعض أصحابنا -
ولم يسمه - وبقية رجاله ثقات ". قلت: هو متابع في المصدرين الآخرين من
راويين اثنين:
стр. 4426
أحدهما: محمد بن عباد المكي، وهو صدوق يهم من رجال الشيخين،
بل من شيوخهما والآخر: سويد بن سكين، ولم أعرفه.
٢٨٨٤ - " أي ذلك عليك أيسر فافعل. يعني إفطار رمضان أو صيامه في السفر ".
أخرجه تمام في " الفوائد " (ق ١٦١ / ١) : أخبرنا أبو علي أحمد بن محمد بن
فضالة ابن غيلان بن الحسين السوسي الحمصي الصفار: حدثنا أبو عبد الله بحر بن
نصر حدثنا ابن وهب حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عمران ابن أبي أنس
حدثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن حمزة بن عمرو: أنه سأل رسول الله صلى
الله عليه وسلم عن الصيام في السفر؟ فقال: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح
رجاله ثقات من رجال " التهذيب " غير السوسي هذا، ترجمه ابن عساكر في " تاريخ
دمشق " (٢ / ٢١٣) برواية جمع عنه، وروى عن أبي سعيد بن يونس أنه قال فيه:
" توفي سنة (٣٣٩) وكان ثقة، وكانت كتبه جيادا ". وابن لهيعة في حفظه ضعف
إلا في رواية العبادلة عنه، فإنها صحيحة، وهذه منها كما ترى. وللحديث طرق
أخرى عن حمزة بن عمرو ﵁ بألفاظ أخرى. أحدها في " صحيح مسلم " وهي
مخرجة في " الإرواء " (٩٢٦) . وإنما آثرت تخريج هذا اللفظ هنا لعزة مصدره
أولا، ولتضمنه سبب ترخيصه ﷺ وتخييره للمسافر بالصوم أو
الإفطار ثانيا، وهو التيسير، والناس يختلفون في
стр. 4427
ذلك كل الاختلاف كما هو
مشاهد ومعلوم من تباين قدراتهم وطبائعهم، فبعضهم الأيسر له أن يصوم مع الناس
، ولا يقضي حين يكونون مفطرين، وبعضهم لا يهمه ذلك فيفطر ترخصا ثم يقضي،
فصلى الله على النبي الأمي الذي أنزل عليه: * (يريد الله بكم اليسر ولا يريد
بكم العسر) *.
٢٨٨٥ - " إن شر الرعاء الحطمة ".
أخرجه مسلم (٦ / ٩ - ١٠) وأبو عوانة (٤ / ٤٢٤) وابن حبان (٧ / ٢٢ / ٤٤٩٤
) والبيهقي في " السنن الكبرى " (٨ / ١٦١) وأحمد (٥ / ٦٤) والروياني في
" مسنده " (ق ١٥٣ / ٢) والطبراني في " المعجم الكبير " (١٨ / ١٧ / ٢٦)
والدولابي في " الكنى " (١ / ٩٣) من طرق عن جرير بن حازم: حدثنا الحسن أن
عائذ بن عمرو - وكان من أصحاب رسول الله ﷺ دخل على عبيد
الله بن زياد فقال: أي بني! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (
فذكره) فإياك أن تكون منهم، فقال له: اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد
ﷺ ! فقال: وهل كانت لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم،
وفي غيرهم! وتابعه شعبة عن يونس عن الحسن: أن عائذ بن عمرو قال لزياد: كان
يقال لنا: " شر الرعاء الحطمة ".. إلخ. قلت: لكن الحسن - وهو البصري -
كثير الإرسال والتدليس، وقوله: " أن عائذ ابن عمرو.. " صورته صورة المرسل
، وما وجدت له سماعا منه ولو في غير هذا الحديث، ولو ثبت له ذلك، فذلك مما
لا يستلزم ثبوت اتصال هذا لكون الحسن مدلسا، ومثله لا يقبل حديثه إلا إذا صرح
بالتحديث، وهذا ما لم نجده كما تقدم.
стр. 4428
بل رأيت علي بن المديني - شيخ البخاري
- ينفي في رسالته " علل الحديث ومعرفة الرجال " (ص ٦٩) سماعه منه، فقال:
" ما أراه سمع منه شيئا ". ونقله عنه العلائي في " مراسيله " (ص ١٩٧)
وأقره. لكني وجدت للحديث شاهدا من رواية إسحاق بن سعيد: حدثنا عبد الكريم عن
الحسن عن أنس مرفوعا بلفظ: " إن شر الولاة الحطمة ". أخرجه البزار (٢ / ٢٣٨
/ ١٦٠٤) وقال: " لا نعلم رواه بهذا اللفظ إلا عبد الكريم، وهو بصري،
وروي عن غير أنس، رواه أبو برزة وعائذ بن عمرو ". قلت: وعبد الكريم هذا
يحتمل أنه ابن أبي أمية، وبه جزم الهيثمي (٥ / ٢٣٩ - ٢٤٠) وقال: " وهو
ضعيف ". ويحتمل أنه غيره، فإن ابن أبي حاتم في " الجرح " بعد أن ذكر في
ترجمة ابن أبي أمية الحسن البصري قال (٣ / ١ / ٦١) : " عبد الكريم، روى عن
الحسن، سمع منه محمد بن سلام. قال أبي: مجهول "، وكذا في " الميزان " و "
اللسان ". فالله أعلم أيهما هو؟ فإنه لم يذكر في ترجمتهما راوي الحديث عنه
هنا: إسحاق ابن سعيد، وهو القرشي الأموي الكوفي، يحتمل أنهما واحد.
стр. 4429
وأي
ذلك كان، فالحسن هو البصري المذكور في حديث عائذ، وقد عرفت آنفا أنه يرسل
ويدلس، لكنهم قد صرحوا بصحة سماعه من أنس بن مالك، لو أنه صرح هنا بالتحديث،
وصح السند إليه. لكن يبدو أن الحديث كان معروفا عند السلف، فقد جزم البزار -
كما رأيت آنفا - أنه رواه أبو برزة أيضا. ويؤيده أن الإمام الأوزاعي جزم
بنسبته إلى النبي ﷺ في قصة سلامه على أبي جعفر العباسي
بالخلافة، ووعظه إياه، في قصة طويلة رواها محمد بن مصعب القرقساني عنه.
أخرجها أبو نعيم في " الحلية " (٦ / ١٣٦ - ١٤٠) . وبالجملة، فالحديث بهذه
الشواهد اطمأنت النفس لثبوته، مع تصحيح الأئمة الثلاثة إياه: مسلم، وأبو
عوانة، وابن حبان. واعلم أن الحديث أورده النووي في " رياض الصالحين " في
موضعين منه، ذكره في الأول منهما (رقم ١٩٧) بتمامه معزوا لمسلم، وفي الآخر
(٦٦١) دون قول ابن زياد: " اجلس.. " إلخ، وقال: " متفق عليه ". وهو
وهم لا ندري من الناسخ هو أو من المؤلف. وقد نبه عليه صاحب المكتب الإسلامي
في طبعته الجديدة لـ " الرياض " لسنة (١٤١٢) التي زينها بتصديرها بصفحتين
مصورتين من مخطوطتين للكتاب زعم أنه رجع إليهما، يعني للتحقيق، ولا أثر لذلك
في طبعته هذه، وإلا فهذا هو المكان المناسب ليثبت للقراء زعمه المذكور بأن
يبين ما في المخطوطتين حول هذا الوهم. وتلك شنشنة نعرفها من أخزم فهو كثيرا
ما يزين مطبوعاته ببعض الصفحات المصورة من مخطوطات يدعي أنها في مكتبته ٠ وقد
تكون مصورات - يوهم القراء بأنه رجع إليها في التحقيق، وليس الأمر كذلك،
وأوضح مثال على ذلك طبعه أخيرا السنن الأربعة التي كنت ميزت صحيحها من ضعيفها
فقدمت إليه فطبعها طبعات تجارية ظاهرة، وقسم كل كتاب
стр. 4430
منها إلى قسمين: "
الصحيح " و " الضعيف "، فخلط في ذلك خلطا عجيبا لأن ذلك ليس من علمه، ولا
أقول من اختصاصه، فجعل في " الصحيح " ما ينبغي أن يكون في " الضعيف "، وعلى
العكس، ولبيان هذا مجال آخر، والشاهد هنا أنه زين هذه الكتب بصور صفحات من
مخطوطات السنن، كأنه كلف أن يقوم بطباعتها من جديد محققة على المخطوطات،
وإنما كلف بطبع التصحيح والتضعيف الذي قمت به على السنن! ولكنه التشبع بما لم
يعط! ثم إن المحقق الجديد المدعو بـ (حسان عبد المنان) لكتاب " رياض
الصالحين " قد حذف الحديث من المكان الأول منه - وهو الأتم فائدة - واقتصر
على إيراده إياه في الموضع الآخر منه، وحذف منه قوله: " متفق عليه ". دون
أي بيان منه هل كان الحذف عن رأي منه، أم عن تحقيق وقع له برجوعه إلى بعض
المخطوطات، وهذا مما لم يعن به، ولم يدعه - والحمد لله - كما فعل غيره.
ثم إن الظاهر أنه لم ينتبه للإرسال الذي فيه أو الانقطاع، وإلا لسارع إلى
التشبث به لتضعيف الحديث كما فعل بغيره مما رواه البخاري ومسلم، فضلا عما
رواه غيرهما من أصحاب السنن، وقدمت نماذج كثيرة منها في الاستدراكات التي
ألحقتها بالمجلد الثاني من " الصحيحة " الطبعة الجديدة. والله المستعان. (
الرعاء) : جمع (راع) . (الحطمة) : هو العنيف برعاية الإبل في السوق
والإيراد والإصدار، ويلقي بعضها على بعض، ويعسفها، ضربه مثلا لوالي السوء
. كما في " النهاية ".
٢٨٨٦ - " اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا ".
أخرجه ابن حبان في " صحيحه " (٢٤٢٧) وابن السني (٣٥١) والضياء
стр. 4431
في "
المختارة " (١٦٨٣ و ١٦٨٤) وأبو نعيم في " أخبار أصفهان " (٢ / ٣٠٥)
والأصبهاني في " الترغيب " (١٣١ / ١) من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس
أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط
مسلم.
٢٨٨٧ - " اجلسي لا يتحدث الناس أن محمدا يغزو بامرأة ".
أخرجه ابن سعد (٨ / ٢٢٥ - ٢٢٦) : أخبرنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة حدثنا
حميد بن عبد الرحمن الرواس عن حسن بن صالح عن الأسود بن قيس عن سعيد بن عمرو عن
أم كبشة امرأة من قضاعة: أنها استأذنت النبي ﷺ أن تغزو
معه؟ فقال: لا، فقالت: يا رسول الله إني أداوي الجريح، وأقوم على المريض
، قال: فقال رسول الله ﷺ :.. الحديث. قلت: وهذا إسناد
صحيح على شرط مسلم إلى أم كبشة، لكن أم كبشة هذه ذكرها ابن أبي عاصم " في
الوحدان " (٦ / ٢٤٢) والطبراني من طريق ابن أبي شيبة كما تقدم برقم (٢٧٤٠)
، متعقبا الحافظ في إعلاله إياه بالإرسال، وذكرت له شاهدا يزداد به قوة.
ولقد قدر إعادة تخريجه باللفظ المذكور أعلاه للفائدة الآتية: قلت: وفي قبول
خبر " الوحدان " من الصحابة - وهم الذين لم يرو عنهم غير واحد من التابعين -
خلاف عند المحدثين، قال الحافظ في " الإصابة " (١ / ١٥) : " ثم من لم يعرف
حاله إلا من جهة نفسه فمقتضى كلام الآمدي الذي سبق ومن تبعه أنه لا تثبت صحبته
، ونقل أبو الحسن بن القطان فيه الخلاف، ورجح عدم الثبوت، وأما ابن عبد
البر فجزم بالقبول بناء على أن الظاهر سلامته
стр. 4432
من الجرح، وقوى ذلك بتصرف أئمة
الحديث في تخريجهم أحاديث هذا الضرب في مسانيدهم، ولا ريب في انحطاط رتبة من
هذا سبيله عن من مضى، ومن صور هذا الضرب أن يقول التابعي: " أخبرني فلان
مثلا أنه سمع النبي ﷺ يقول "، سواء أسماه أم لا ". وقد رجح
الحافظ ثبوت الصحبة بذلك فقد قال قبيل ذلك: " الفصل الثاني: في الطريق إلى
معرفة كون الشخص صحابيا ": " وذلك بأشياء أولها أن يثبت بطريق التواتر أنه
صحابي، ثم بالاستفاضة والشهرة، ثم بأن يروي عن أحد من الصحابة أن فلانا له
صحبة مثلا، وكذا عن آحاد التابعين بناء على قبول التزكية من واحد وهو الراجح
". والله أعلم. قلت: وعلى هذا جرى إمام السنة أحمد بن حنبل ﵀ في "
مسنده "، فإن فيه عشرات الأحاديث عن جماعة من الصحابة لم يسموا، يقول التابعي
فيهم: عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، أو بعض من شهد النبي صلى الله
عليه وسلم، وتارة: " خادم النبي ﷺ "، وأحيانا كثيرة: "
رجل من أصحاب النبي ﷺ "، ونحوه كثير وكثير جدا، يتبين ذلك
بوضوح لمن يراجع كتابي " فهرس رواة المسند " المطبوع في أول " المسند "، بحيث
لو جمع ذلك في كتاب لكان في مجلد كبير. وفي كتب " التخريج " من ذلك الشيء
الكثير، ومنها هذه " السلسلة ".
٢٨٨٨ - " وددت أني لقيت إخواني، فقال أصحابه: أوليس نحن إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي
ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني ".
أخرجه أحمد (٣ / ١٥٥) : حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا جسر (الأصل: حسن) عن
ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره.
стр. 4433
وهذا إسناد
رجاله ثقات رجال الشيخين غير جسر، وهو ابن فرقد، وهو ضعيف لسوء حفظه،
واختلفت أقوال الأئمة في تضعيفه، ولعل أعدل ما قيل فيه قول أبي حاتم: " ليس
بالقوي، كان رجلا صالحا ". ومثله قول البخاري في " التاريخ " (١ / ١ / ٢٤٦
) : " ليس بذاك ". وقد أشار إلى هذا الذي ذكرته الذهبي في " الميزان "، فقد
ساق له حديثا في اسم الله الأعظم، فعقب عليه بقوله: " هذا شبه موضوع، وما
يحتمله جسر ". وأقره الحافظ. قلت: فمثله يستشهد به، ويتقوى بغيره، خلافا
لمن نفى ذلك من بعض المعاصرين الذين لم يتقنوا هذه الصناعة، فإنه قد توبع،
فقال أبو عبيدة الحداد: حدثنا محتسب بن عبد الرحمن عن ثابت البناني به،
ولفظه: " متى ألقى إخواني؟ ". قالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟ قال:
فذكره. أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (٦ / ١١٨) وعنه ابن عدي (٦ / ٢٤٥٧)
والطبراني في " المعجم الأوسط " (٢ / ٣٩ / ٥٦٢٤) وقال: " لم يروه عن ثابت
إلا المحتسب ".
стр. 4434
كذا قال، ورواية أحمد عن جسر ترده، وهذه متابعة لا بأس بها
، فإن المحتسب هذا ذكره ابن حبان في " الثقات " (٧ / ٥٢٨) برواية أبي شهاب
الحناط عنه. وزاد في " الجرح ": " وعبد الواحد بن واصل أبو عبيدة الحداد "
. يعني راوي هذا الحديث عنه. فحديثه يحتمل التحسين، ولم يضعفه أحد سوى ابن
عدي، ولم يزد في ذلك على قوله: " يروي عن ثابت أحاديث ليس محفوظة ". وهذا
معناه أنه يتقى من حديثه ما تفرد به، أو خالف الثقات فيه، وليس الأمر كذلك
هنا، فإنه لم يتفرد به كما عرفت. ثم إن له شاهدا من حديث أبي هريرة نحوه في
حديث السلام على المقبرة بلفظ: " وددت أنا قد رأينا إخواننا ". قالوا:
أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: " أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا
بعد " الحديث. أخرجه مسلم (١ / ١٥٠) وغيره، وهو مخرج في " الإرواء " (٣
/ ٢٣٥ / ٧٧٦) و " أحكام الجنائز " (ص ١٩٠) و " التعليق الرغيب " (١ / ٩٣)
. والحديث أورده الهيثمي في " المجمع " (١٠ / ٦٦) وقال: " رواه أحمد وأبو
يعلى، وفي رجال أبي يعلى (محتسب أبو عائذ) ، وثقه ابن حبان، وضعفه ابن
عدي، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح غير الفضل بن الصباح، وهو ثقة، وفي
إسناد أحمد جسر، وهو ضعيف، ورواه الطبراني في
стр. 4435
" الأوسط "، ورجاله رجال
الصحيح غير (محتسب) ، وبسند أبي يعلى إلى أنس قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: " طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يراني سبع مرات
". رواه أحمد، وإسناد أبي يعلى - كما تقدم - حسن، وإسناد أحمد فيه جسر
وهو ضعيف ". قلت: تقدم تخريجه بهذا اللفظ، مع شواهد له، بعضها صحيحة برقم (١٢٤١) ، فراجع إن شئت.
٢٨٨٩ - " كان إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن، ثم قال: اللهم أسلمت نفسي إليك
ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ
ولا منجأ منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت، وقال
ﷺ : " من قالهن ثم مات تحت ليلته مات على الفطرة ".
أخرجه البخاري في " صحيحه " (١١ / ١١٥ / ٦٣١٥) وفي " الأدب المفرد " (١٢١٣) ومن طريقه البغوي في " شرح السنة " (٥ / ١٠٢ / ١٣١٦) : حدثنا مسدد حدثنا
عبد الواحد بن زياد حدثنا العلاء بن المسيب قال: حدثني أبي عن البراء بن
عازب قال: فذكره. وقال البغوي: " متفق على صحته ". كذا قال، وفيه نظر
لأنه يعني عادة أنه أخرجه الشيخان! ولم يخرجه مسلم
стр. 4436
من هذه الطريق، وإنما من
طريقين آخرين عن البراء من أمره ﷺ ، وليس من فعله، وقد خفي
هذا على بعض الكاتبين من المعاصرين كما يأتي. وأخرجه الطبراني في " الدعاء "
(٢ / ٩٠٥ / ٢٤٦) من طريق مسدد به. ثم أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (١٢١١) من طريق عبد الله بن سعيد بن حازم أبي بكر النخعي قال: أخبرنا العلاء
بن المسيب به. قلت: وعبد الله بن سعيد هذا، لا بأس به في المتابعات، فقد
روى عنه ثلاثة من الثقات، ولهذا قال الحافظ في " التقريب ": " مقبول ".
وللحديث طريق أخرى، يرويه خلف بن خليفة عن حصين عن سعد بن عبيدة عن البراء به
أخرجه النسائي في " عمل اليوم والليلة " (٤٦١ / ٧٨٥) . قلت: ورجاله ثقات
رجال الشيخين غير خلف بن خليفة، فمن رجال مسلم، لكن كان اختلط. وقد خولف في
متنه، فرواه منصور عن سعد بن عبيدة به مرفوعا بلفظ: " إذا أتيت مضجعك فتوضأ
وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل.. " فذكره، وزاد في آخره: "
واجعلهن آخر ما تتكلم به ". قال: فرددتها على النبي ﷺ ،
فلما بلغت: " اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت ". قلت: ورسولك! قال: " لا،
ونبيك الذي أرسلت ".
стр. 4437
أخرجه البخاري (١ / ٣٥٧ / ٢٤٧) ومسلم (٨ / ٧٧)
وأبو داود (٥٠٤٦ - ٥٠٤٧) والترمذي (٣٥٦٩) وصححه، والنسائي (٧٨١ و ٧٨٢)
وابن حبان (٥٥١١) والطبراني في " الدعاء " (٢ / ٩٠٥ / ٢٤٥) وكذا أحمد (
٤ / ٢٩٣) والبيهقي في " شعب الإيمان " (٤ / ١٧٣ / ٤٧٠٤) من طرق عن منصور به
. وأخرجه مسلم، والنسائي (٧٨٣ - ٧٨٥) ، وابن أبي شيبة (٩ / ٧٣ / ٦٥٧٧
و١٠ / ٢٤٦ / ٩٣٤٥) وأحمد (٤ / ٢٤٦) من طرق عن سعد بن عبيدة به نحوه. طريق
ثالثة: قال الحميدي في " مسنده " (٣١٦ / ٧٢٣) : حدثنا سفيان قال: حدثنا أبو
إسحاق الهمداني قال: سمعت البراء بن عازب يقول: كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول عند مضجعه، أو أمر أن يقال عند المضجع، أو أمرني أن أقول عند مضجعي
- شك فيه سفيان لا يدري أيتهن - قال: اللهم.. الحديث. قلت: وهذا إسناد
صحيح متصل بالسماع من سفيان - وهو ابن عيينة - لأبي إسحاق - وهو السبيعي -
قبل اختلاطه، مصرحا بسماعه من البراء، فأمنا بذلك تدليسه واختلاطه، لكن فيه
شك سفيان في متن الحديث هل هو من فعله ﷺ كان يقوله عند مضجعه
، أو أمر غيره به، وبكل من الأمرين جاءت به الروايات عن أبي إسحاق من رواية
سفيان وغيره عنه، وعن غيره، وإليك البيان: أولا: عن سفيان بن عيينة عنه
. أخرجه الترمذي (٣٣٩١) والروياني في " مسنده " (ق ٨٤ / ٢ - ٨٥ / ١)
والطبراني في " الدعاء " (٢ / ٩٠٣ / ٢٤١) من طرق عنه بلفظ الأمر، الأول بلفظ
:
стр. 4438
" أن النبي ﷺ قال له: ألا أعلمك كلمات تقولها إذا أويت إلى
فراشك.. " وقال: " حسن صحيح غريب ". والآخر بلفظ: " سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يأمر رجلا إذا أخذ مضجعه من الليل أن يقول.. " فذكره. ورواه
النسائي (٧٧٨) من طريق قتيبة بن سعيد عنه بلفظ الفعل: " كان إذا أوى.. ".
ثانيا: سفيان الثوري عنه بلفظ: " إذا أويت.. ". أخرجه النسائي (٤٥٧ / ٧٧٠
) وأحمد (٤ / ٣٠١) من طريق علي بن حفص: أخبرنا الثوري به. ثالثا: شعبة
عنه أنه سمع البراء بن عازب يقول: أمر رسول الله ﷺ رجلا به.
أخرجه البخاري (١١ / ١١٣ / ٦٣١٣) ومسلم والنسائي (٧٧٥) والطيالسي (٩٧ /
٧٠٨) وأحمد (٤ / ٣٠٠) والروياني (ق ٨٤ / ٢) والطبراني (٢ / ٩٠٢ / ٢٤١
) من طرق عنه به. وخالف أبو الوليد الطيالسي فقال عن شعبة ... بلفظ الفعل: "
كان إذا أخذ مضجعه قال:.. " فذكره. أخرجه البيهقي في " الشعب " (٤ / ١٧٣ /
٤٧٠٦) وقال: " أخرجاه في " الصحيح " من حديث شعبة ".
стр. 4439
كذا قال! وقد عرفت
أنهما إنما أخرجاه من أمره ﷺ ، وليس من فعله، فكأنه يرى أن
أمره ﷺ به يستلزم فعله إياه، لقاعدة * (أتأمرون الناس بالبر
وتنسون أنفسكم) * إلا لدليل، وهنا مع أنه لا دليل، فاختلاف الروايات عن
البراء ما بين أمر وفعل يدل على ثبوت الأمرين عنه ﷺ ، وقد
جمع بينهما العلاء بن المسيب في حديث الترجمة، فإنه بعد أن ساقه من فعله صلى
الله عليه وسلم ختمه بقوله ﷺ : " من قالهن ثم مات.. " الحديث
، وهذا مذكور في أكثر روايات الأمر. وكذلك وقع الجمع في رواية خلف بن خليفة
المتقدمة على ما فيه من ضعف، لكن يقويه رواية العلاء وما نحن في صدد ذكره من
الطرق، وإلى هذا مال الحافظ في " الفتح " (١١ / ١١٠) . ثم استدركت فقلت:
لعل رواية أبي الوليد عند البيهقي غير محفوظة، أو أن أحد الرواة اختصره فروى
الفعل دون الأمر، فقد قال الدارمي في " سننه " (٢ / ٢٩٠) : أخبرنا أبو
الوليد: حدثنا شعبة ... أن رسول الله ﷺ أمر رجلا إذا أخذ
مضجعه أن يقول: فذكره. وقد استوعب الطبراني في " الدعاء " طرقه عن أبي إسحاق
استيعابا واسعا لم أره لغيره، ومنها طريق أبي الوليد هذه، ولكنه لم يذكر
معها إلا لفظا واحدا وهو لفظ الأمر، وكذلك هو في " المعجم الصغير " بإحدى
تلك الطرق (رقم ١٤٥ - الروض) وأخرى في " المعجم الأوسط " (١ / ١٥٩ / ٢٩٧٥)
لكن قد أخرجه ابن حبان (٥٥٠٢ و ٥٥١٧) بإسناد واحد عن شيخه أبي خليفة الفضل بن
الحباب قال: حدثنا أبو الوليد بالمتنين قوله وفعله، مفرقا في موضعين، فهذا
يؤيد ما ذهبنا إليه من الجمع. والله الموفق. رابعا: أبو الأحوص: حدثنا أبو
إسحاق الهمداني به بلفظ الأمر:
стр. 4440
" يا فلان إذا أويت.. " الحديث. أخرجه
البخاري (١٣ / ٤٦٢ / ٧٤٨٨) ومسلم، وابن أبي شيبة (٩ / ٧٥ / ٦٥٨٣ و ١٠ /
٢٤٦ / ٩٣٤٤) والطبراني (٢ / ٩٠٣ / ٢٤١) . خامسا: معمر عن أبي إسحاق به من
أمره ﷺ . أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (١١ / ٣٤ / ١٩٨٢٩)
والطبراني (٢ / ٩٠٢ و ٩٠٣) من طريقين عنه. سادسا وسابعا: عبد الله بن
المختار وحبيب بن الشهيد عن أبي إسحاق به بلفظ: " كان إذا أوى إلى فراشه قال
: " فذكره. أخرجه النسائي (٧٧٤) : أخبرنا الحسن بن أحمد بن حبيب قال: حدثنا
إبراهيم - وهو ابن الحجاج - قال: حدثنا حماد عن عبد الله بن المختار وحبيب
بن الشهيد به. قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات معروفون غير الحسن بن
أحمد هذا شيخ النسائي، وقد قال فيه: " لا بأس به ". قلت: لكن قد خالفه في
متنه إبراهيم بن هاشم البغوي، فقال: حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي به.. أن
النبي ﷺ أمر رجلا إذا أخذ مضجعه.. الحديث. أخرجه الطبراني
في " الدعاء " (٢ / ٩٠٢ / ٢٤١) وفي " الأوسط " (١ / ١٥٩ / ٢٩٧٥) وقال فيه
: " لم يروه عن عبد الله بن المختار وحبيب إلا حماد ".
стр. 4441
قلت: والبغوي هذا
قال الدارقطني: " ثقة "، فالجمع بين روايتهما أن كلتيهما صحيح ثابت، روى
أحدهما هذا، والآخر هذا كما يشعر بذلك حديث الترجمة وغيره كما تقدم، ويؤيد
ذلك ما يأتي. ولحماد - وهو ابن سلمة - إسناد آخر، إن صح عنه، يرويه محمد
بن السكن الأيلي قال: حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال: حدثنا حماد بن سلمة قال:
حدثنا ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: " كان
النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال: " فذكره. أخرجه الطبراني في
" الأوسط " (١ / ٦٨ / ٢ / ١٢٥٨ و ٢ / ٧٢ / ٦١٨٨) من طريق شيخين له قالا:
حدثنا محمد بن السكن الأيلي به. وقال: " تفرد به مؤمل بن إسماعيل ". قلت:
وهو صدوق سيىء الحفظ، كما في " التقريب ". ومحمد بن السكن الأيلي لا أدري
إذا كان هو الذي في " الميزان ": " محمد بن السكن عن عبد الله بن بكير. لا
يعرف، وخبره منكر، قال البخاري: في إسناد حديثه نظر.. ". لكن الذي في "
تاريخ البخاري " (١ / ١ / ١١١) : " محمد بن سكين.. ". وكذا في " الجرح "،
و" الثقات " (٩ / ٦٧) . وروي الحديث عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي
﵁ قال: فذكره من فعله ﷺ . أخرجه الطبراني (٢ /
٩٠١ / ٢٣٩) من طريق علي بن عابس عنه.
стр. 4442
وعلي بن عابس ضعيف. وقد خالفه
إسرائيل فرواه عن أبي إسحاق به عن علي موقوفا عليه. وهو أصح. أخرجه النسائي
(٤٥٤ / ٧٠٨) . ورجاله ثقات. وبالجملة، فالحديث صحيح من فعله صلى الله
عليه وسلم وأمره، وهو على الاستحباب كما ذكر الحافظ في " الفتح ". هذا،
وقد امتحن بحديث الترجمة بعض المتعلقين بهذا العلم الشريف، والمتاجرين به، من
الناشرين المدعين للعلم، والكاتبين، ولا أقول المؤلفين فيه، يجمعهم في ذلك
أنهم جميعا أنكروا رواية البخاري من فعله ﷺ ، بعضهم صراحة،
وبعضهم ضمنا. الأول: محمد فؤاد عبد الباقي، فإنه قال تحت حديث العلاء بن
المسيب في " الأدب المفرد " (ص ٣١٢ / ١٢١١) : " البخاري في: ٤ - كتاب الوضوء
، ٧٥ - باب فضل من بات على وضوء. مسلم في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة
.. ح ٥٦ و ٥٧ و ٥٨ ". وهذا خطأ من ناحيتين: الأولى: أن البخاري إنما روى
الحديث في المكان الذي أشار إليه من " الوضوء " من طريق منصور التي هي من أمره
ﷺ ، وليس من فعله كما تقدم بيانه، فكان حقه - لو كان يعلم -
أن يعزوه لكتاب " الدعوات "، فإن الحديث فيه كما تقدم مشارا إليه برقمه.
والأخرى: أن مسلما لم يرو الحديث مطلقا من فعله ﷺ لا من طريق
العلاء بن المسيب، ولا من غيره، كما تبين لك من هذا التخريج. والثاني:
الشيخ الجيلاني في شرحه على " الأدب المفرد " (٢ / ٦١٩) ، فقد
стр. 4443
بالغ في الوهم
أنه قرن مع مسلم أبا داود والترمذي! وأضاف إلى البخاري كتاب التوحيد أيضا.
يشير بذلك إلى رواية أبي الأحوص التي هي من أمره ﷺ كما تقدم
في (رابعا) ، وإنما يقع هذا الشيخ الفاضل في مثل هذا الخطأ في التخريج لعدم
ممارسته هذا العلم، وانتباهه للفرق بين القول والفعل، مع أن هذا ضروري جدا
من الناحية الفقهية كما لا يخفى على العلماء، وقد وقع له وللمذكور الأول مثل
هذا الخطأ في تخريجهما لأحاديث " الأدب المفرد " الشيء الكثير، كما ستراه
منبها عليه في كتابي الجديد " صحيح الأدب المفرد " الذي أرجو أن أنتهي منه
قريبا بإذن الله ﵎. ثم انتهيت منه، وطبع وصدر هو وقسيمه "
ضعيف الأدب المفرد "، والحمد لله على توفيقه. الثالث: جماعة من العلماء
بإشراف زهير شاويش! كذا قال في الوجه الأول من طبعته الأولى بالترتيب الجديد!
لكتاب " رياض الصالحين " الذي كنت حققته من قبل، وطبعه سنة (١٩٧٩ - ١٣٩٩)
الطبعة الأولى، ثم أعادها ثانية سنة (١٤٠٤) ، والثالثة سنة (١٤٠٦) . ثم
قام بطبعه هذه السنة (١٤١٢) بالترتيب الجديد، وقدم لها بمقدمة ملؤها الكذب
والزور وقلب الحقائق بما لا مجال لبيان ذلك الآن، فحسب القراء دليلا على ذلك
زعمه أنه " تحقيق جماعة من العلماء "، فانظروا الآن في المثال الآتي: لقد
علقت " جماعة العلماء " على هذا الحديث، وقد قال النووي في تخريجه إياه (رقم
٨١٧ - الطبعة الأولى بتحقيقي) و (رقم ٨١٨ - تحقيق جماعة من العلماء) ، قال
النووي: " رواه البخاري بهذا اللفظ في كتاب الأدب من صحيحه ". علقت عليه
الجماعة بقولها (ص ٣٣٧) :
стр. 4444
" تقدم هذا الحديث برقم (٨١) وسيأتي برقم (١٤٧٠) ورواه الإمام البخاري في الوضوء والدعوات والتوحيد. بزيادة عما هنا،
ولم أجده في كتاب الأدب. وانظر " فتح الباري " (١ / ٣٥٧ و ١١ / ١٠٩، ١١٣،
١١٥، ١٣ / ٤٦٢) . ولعل المؤلف وهم إذ إن الحديث في كتاب الأدب المفرد
للبخاري ". فتأمل أيها القارىء الكريم في هذا التخريج، هل هو أولا من عمل "
جماعة من العلماء " أم الجهلة، أم هو عمل فرد واحد لا يدري ما ينطق به لسانه،
وما يجري به قلمه، ألا وهو الذي أعلن أن التحقيق المذكور هو بإشرافه، بدليل
قوله: " ولم أجده.. "؟! هذا أولا. وثانيا: هل كان عزوه تحقيق الطبعة
الجديدة لـ " جماعة من العلماء " من باب تغيير شكل من أجل الأكل الذي تمثل جليا
في حشره نفسه وغيره معي في تحقيق كتاب " التنكيل " كما شرحت ذلك في مقدمة
طبعته الجديدة؟ أم هو الإعجاب والغرور بالتحقيق المزعوم هنا فعزاه لنفسه هنا
دونهم؟ (أحلاهما مر) . وسواء كان هذا أو ذاك، فهذا التخريج وحده أكبر دليل
على أن كاتبه ليس طالب علم، فضلا عن أنه ليس عالما، فكيف " جماعة من العلماء
"؟! وذلك للوجوه الآتية: أولا: أن الحديث في " صحيح البخاري " كما علمت،
فإنكار وجوده فيه مع توفر الفهارس الميسرة للاطلاع عليه يؤكد ما ذكرت. ثانيا:
أن الأرقام التي عزاها لـ " فتح الباري " هي ليست من كده وبحثه وتنقيبه،
وإنما هي من سرقاته الكثيرة التي فشت في كتاباته وتعليقاته، فهو استفادها من
الطبعة السلفية التي استقصى أطراف أحاديثها محمد فؤاد عبد الباقي ﵀،
فقد أشار في الموضع الأول لحديث البراء (١ / ٣٥٧) إلى أرقام أطرافه، فجاء
هذا المتشبع بما لم يعط! فحول أرقامها إلى أرقام الصفحات
стр. 4445
والمجلدات!! تبجحا
وتدليسا على القراء، وإيهاما أن ذلك من تتبعه للحديث الذي لم يجده. ثالثا:
يا لله! ما أجمل ما قيل: ومهما تكن عند امرىء من خليقة وإن خالها تخفى على
الناس تعلم. كما روي في الحديث الضعيف: " ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله
رداءها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر "، فما أجمله من حديث لو صح (١) . لقد
كشف الله عن سرقة هذا المدعي وعن جهله وعجبه وغروره، بأن ألهمه أن يحول
أرقام أطراف الأحاديث إلى أرقام صفحاتها تدليسا وتمويها - كما سبق - وفيها
صفحة (١١٥) من المجلد (١١) ، والحديث الذي نفى وجوده فيها! وبالرقم الذي
رقمه محمد فؤاد (٦٣١٥) ! فحوله هو إلى رقم الصفحة كما رأيت، ليعمي عنه،
وقد جمعت أنا بين ذكر المجلد والصفحة ورقم الحديث في أول هذا التخريج. وله
من مثل هذا النوع من الخلط والعدوان على العلم الشيء الكثير في تعليقاته التي
يعتدي بها علي وعلى كتبي، وقد سبق له مثال تحت الحديث (٢٨٤٠) فراجعه.
والرابع والأخير إن شاء الله من الممتحنين في هذا الحديث، ألا وهو المدعو
حسان عبد المنان، فقد قام هذا الرجل في هذه السنة بطبع " رياض الصالحين " طبعة
جديدة مسخها مسخا وتصرف فيه تصرفا سيئا بحيث صار نسبة الكتاب إلى الإمام
النووي كذبا وزورا مكشوفا لأسباب كثيرة قد ذكرت شيئا منها في موضع آخر (٢) ،
منها أنه حذف منه نحو أربعمائة حديث كما حذف كلام النووي عليه شرحا، أو تحسينا
وتصحيحا. وهذا الحديث من تلك الأحاديث التي حذفها
стр. 4446
تحت بابه رقم (١٢٧ - باب
آداب النوم..) ، وقد ذكر النووي فيه حديث الترجمة هذا، وحديثه من رواية
منصور المتقدم، فاحتفظ بطرفه الأول من هذا مشيرا إلى أنه يأتي بتمامه، وحذف
الأول دون أن يشير إلى ذلك، والسبب واضح لأنه فيما بدا لي من صنيعه في هذا
الكتاب أنه لا معرفة عنده بما في الأصول من الأحاديث، وإنما هو يستفيد من
الكتب الجامعة للأحاديث، ومن بعض الكتب التي تعني بتخريج الأحاديث والكلام
عليها، فإذا وجد فائدة أو نقدا تبناه وذكره دون أن ينسبه إلى صاحبه، فيظهر
لي أنه ما حذفه إلا وقد شك على الأقل في وجوده في " صحيح البخاري "، ولم
يساعده الوقت للبحث عنه مستعينا بالفهارس، وليس بالعلم الذي في صدره - إن كان
فيه -، وإلا لم يكن لحذفه معنى معقول لو كان واجدا له، لأن فيه فائدة لا
توجد في رواية منصور وهي مداومة النبي ﷺ على النوم على شقه
الأيمن، والدعاء فيه، والنووي ﵀ ما أوردها إلا لذلك.
٢٨٩٠ - " من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من
يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم ".
أخرجه مسلم (٢ / ١٢٥) وأبو عوانة (٢ / ١١ - ١٢) والبيهقي في " السنن " (
١ / ٤٦٤) والطبراني في " المعجم الكبير " (٢ / ١٧٩ / ١٦٨٣ و ١٦٨٤) وكذا
الروياني في " مسنده " (١٦٤ / ٢) من طريق خالد الحذاء عن أنس بن سيرين قال:
سمعت جندبا القسري يقول: قال رسول الله ﷺ : فذكره.
وتابعه الحسن عن جندب به مختصرا دون قوله: " فإنه من يطلبه.. " إلخ. أخرجه
مسلم وأبو عوانة والترمذي (٢٢٢) وابن حبان (٣ / ١٢٠ /
стр. 4447
١٧٤٠) وأحمد (٤
/ ٣١٢ / ٣١٣) والروياني أيضا (١٦٥ / ٢) وأبو يعلى (٣ / ٩٥ / ١٥٢٦)
والطبراني أيضا (٢ / ١٦٩ / ١٦٥٤ - ١٦٦١) وفي " الأوسط " (١ / ١٣٥ / ٢ / ٢٦١١
) والبيهقي أيضا من طرق عنه، وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ". قلت: هو
كذلك لو أن الحسن - وهو البصري - صرح بالتحديث، فإنه معروف بالتدليس، بل قال
أبو حاتم: " لم يصح له السماع منه ". لكن أشار الحافظ المزي في " تهذيبه "
إلى رد ذلك بتصريحه بسماعه منه في إسناد صحيح ذكره، وهو يشير بذلك إلى حديث
رواه الشيخان، وسيأتي تخريجه برقم (٣٠١٣) ، فالعلة إذن عنعنته في حديث
الترجمة عند كل من ذكرنا ممن خرجه. ولعله من أجل ذلك أخرجه مسلم عقب حديث أنس
بن سيرين، كأنه ذكره استشهادا به. والله أعلم. وقد زاد بعضهم في متنه من
روايته عن الحسن: " فانظر يا ابن آدم! لا يطلبنك.. ". وهي عند أبي عوانة
وابن حبان والبيهقي وأحمد والطبراني دون مسلم، ولعله ﵀ تعمد أن
لا يذكرها إشارة منه إلى ما ذكرته آنفا من العلة، مع عدم ورودها في الطريق
الأولى الصحيحة، فهي شاذة إن لم نقل منكرة، فقد جاء الحديث عن جمع من الصحابة
دون هذه الزيادة، منهم: أبو هريرة عند الترمذي (٢١٦٥) والدارمي (١ / ٣٣٢
) . وسمرة بن جندب عند ابن ماجه (٣٩٤٦) وأحمد (٥ / ١٠) .
стр. 4448
وأبو بكر
الصديق عند ابن ماجه (٣٩٤٥) . وعبد الله بن عمر، في " المسند " (٢ / ١١١)
والبزار (٢ / ١٢٠ / ٣٣٤٢) عن نافع، والطبراني في " الأوسط " (١ / ١٩٧ / ٢
/ ٣٦٠٨) عن سالم كلاهما عنه. وأنس بن مالك، عند البزار أيضا (٣٣٤٣) وأبي
يعلى (٧ / ١٤١ / ٤١٠٧ و ١٥١ / ٤١٢٠) والطبراني أيضا (١ / ١٥٨ / ٢ / ٢٩٦٢)
وابن عدي (٢ / ٢٧٦) . (تنبيه على أمور) : أولا: أورد النووي الحديث في "
رياض الصالحين " (١٠٥٥) من رواية مسلم دون قوله: " فإنه من يطلبه.. " إلخ،
وبالزيادة المنكرة التي في رواية الحسن البصري عند غير مسلم! وفي ظني أنه
نقلها من سنن " البيهقي " لأنه عزاها لمسلم أيضا! ثانيا: لم يتنبه لهذا الذي
ذكرته حسان عبد المنان في طبعته الجديدة لـ " الرياض "، التي لم يعد من الجائز
نسبتها إلى مؤلفه الإمام النووي لمسخه إياه مسخا غير معالمه بالحذف والتقديم
والتأخير بما يطول ذكره، وقد بينت شيئا من ذلك في غير ما موضع (١) ، والمقصود
هنا أن الرجل ادعى من العلم في تحقيقه لهذا الكتاب ما يدل واقعه على أنه ليس
كما يدعي، إنما هو ناقل لا تحقيق عنده وهذا هو المثال أمامك، فإنه على رغم
أنه رجع إلى الحديث في " مسلم "، ووضع بجانبه رقمه فيه (٦٣٢) ، فإنه لم
ينبه على الاختلاف الذي بينه وبين نصه في " مسلم "، كأنه لا يعنيه من تعقيبه
أحاديث " رياضه " بأرقامها في " البخاري "
стр. 4449
و " مسلم " إلا إيهام القراء أنه
راجع ألفاظها، وقابلها بأحاديث " الرياض "، وهو لم يصنع من ذلك شيئا (
كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد) ! ثالثا: وأما صاحب (المكتب الإسلامي) ،
فإنه أيضا أعاد طبع " الرياض " في هذه السنة (١٤١٢) ، وهي نفسها التي صدرت
فيها طبعة المذكور قبله، ولا أدري أيهما غار من الآخر فطبع طبعته منافسا له!
والشاهد أن الصاحب المشار إليه علق على الحديث بقوله: " سكت الشيخ ناصر عن
هذا الحديث، وليس في روايات مسلم ١ / ٤٥٤: " فانظر يا ابن آدم "، وفي
روايات مسلم زيادة مفادها: فيدركه فيكبه في نار جهنم ". قلت: وفيه ملاحظات
عديدة: الأولى: السكوت الذي نسبه إلي - وقد كرره مرارا! فيه غمز خبيث ما
أظنه إلا منه، وليس من " جماعة العلماء " الذين ادعى في مقدمة طبعته الجديدة
أنها من تحقيقهم، فهل يقع العلماء في مثل هذا الغمز الذي لا فائدة منه إلا
التشفي، وبغير حق! لأنه يريد أن يشعر القراء بإخلالي في تحقيقي السابق
للكتاب: " الرياض " الذي لم يكن هو قد أراد له كل جوانب التحقيق، وإنما على
ما تيسر، فضلا عن أنه لم يكن فيه التزام مقابلة أحاديثه بأصولها، ولا الصاحب
المذكور يرضى بذلك، ولو فعل لأفلس، لأن تأليف الكتاب من جديد أيسر من ذلك
التحقيق. وعلى الباغي تدور الدوائر، ويؤكد ذلك ما يلي: الثانية: لقد
انتبه لتلك الزيادة أنها ليست في مسلم، ولكنه لم يعزها لمصدر، ولا بين
ضعفها، مع أنه زعم في مقدمة طبعته الجديدة أنها من " تحقيق جماعة من العلماء "
!
стр. 4450
الثالثة: قوله: " مفادها.. " تعبير غير علمي لأنه يساوي قوله: " معناها "
، فالصواب أن يقال: نصها. كما هو ظاهر لا يخفى إلا على جاهل غبي. الرابعة:
هذا النص هو في رواية لمسلم مختصرة جدا، فكان عليه أو على " جماعة العلماء " -
إن كان صادقا - أن يذكروا رواية مسلم الأخرى التي اعتمدتها في حديث الترجمة،
لأنها أتم كما ترى. الخامسة: كان عليه أو عليهم! أن ينبهوا أن هناك في متن
حديث " الرياض " مخالفة أخرى لما في " مسلم "، ففيه: " فلا يطالبنكم "، وفي
" الرياض ": " لا يطالبنك "! لقد ذكرني هذا الغماز اللماز بالمثل العامي: من
كان بيته من زجاج فلا يرمي الناس بالحجارة! رابعا: عزا المنذري الحديث في "
الترغيب " (١ / ١٤١) لأبي داود أيضا، وهو وهم. فاقتضى التنبيه.
٢٨٩١ - " أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا
رجعت عليه (وفي رواية: " على الآخر ") ".
أخرجه مسلم (١ / ٥٧) وأبو عوانة (١ / ٢٣) وابن حبان (١ / ٢٣٤ / ٢٥٠)
وأحمد (٢ / ٤٤) من طرق عن عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول: قال
رسول الله ﷺ : فذكره. وأخرجه البخاري (٦١٠٤) وأبو عوانة
، وابن حبان (٢٤٩) والترمذي (٧ / ٢٩٣ / ٢٦٣٩) ، وأحمد (٢ / ١٨ و ٤٧
و٦٠ و ١١٢ و ١١٣) من طرق أخرى عن ابن دينار به دون قوله: " إن كان.. " إلخ،
وكذا هو في " موطأ مالك " (٣ / ١٤٨) ومن طريقه