قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات رجال الشيخين، لولا ضعف في
الفضيل هذا من قبل حفظه، وقد أورده الحافظ في " مقدمة الفتح " (ص ٤٣٥) ،
وقال ما خلاصته: " كان صدوقا، وعنده مناكير، روى له الجماعة، وليس له في "
البخاري " سوى أحاديث توبع عليها ". فأقول: ولحديثه شاهد يدل على أنه حديث
محفوظ غير منكر، يرويه أبو سلمة عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم في المسح على الخفين أنه لا بأس به. أخرجه النسائي (١ / ٣١)
وأحمد (١ / ١٦٩ و ١٦٩ - ١٧٠) وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (٧ / ١٦٨) من
طريق موسى بن عقبة عن أبي النضر عنه. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين
، وأخرجه البيهقي (١ / ٢٦٩ - ٢٧٠) ولكنه أدخل عبد الله بن عمر بين أبي سلمة
وسعد، وزاد في متنه قصة ابن عمر مع أبيه وسعد، وهي عند البخاري (٢٠٢)
من طريق عمرو (وهو ابن الحارث) : حدثني أبو النضر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن
عن عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه مسح
على الخفين، وأن عبد الله بن عمر سأل عمر عن ذلك؟ فقال: نعم، إذا حدثك
شيئا سعد عن النبي ﷺ فلا تسأل عنه غيره. وقال موسى بن عقبة
: أخبرني أبو النضر أن أبا سلمة أخبره أن سعدا.. فقال عمر لعبد الله.. نحوه.
كذا علقه البخاري عن موسى ولم يسق لفظه، وكذلك فعل الحافظ في " شرحه " (١ /
٣٠٥) ولم يوصله خلافا لعادته! ولما وصله وخرجه في " تغليق التعليق "
стр. 4587
(٢ /
١٣٢ - ١٣٣) وعزاه للنسائي لم يسق لفظه!! وكذلك فعل المعلق على " الإحسان "
(٤ / ١٦٣ - طبع المؤسسة) بحديث الترجمة، فإنه لم يزد فيه على تضعيفه لفضيل
ابن سليمان وقوله: " وهو صحيح بشواهده "! ويعني غير حديث سعد مما صح عنه
ﷺ فعلا وقولا في المسح على الخفين! وكان عليه أن يخرجه
وأن يتوسع في تخريجه كما هي عادته، ولكن الفهارس لم تساعده على ذلك!! واعلم
أن الأحاديث في المسح على الخفين متواترة، كما صرح بذلك غير ما واحد من أئمة
الحديث والسنة، والآثار بعمل الصحابة والسلف بها كثيرة جدا مشهورة، وما
روي عن بعضهم من الإنكار، فذلك قبل أن تصل بذلك إليهم الأخبار، كما هو شأن
كثير من المسائل الفقهية، ولذلك عادوا إلى القول والعمل بها لما وصلتهم،
وذلك مطابق لقراءة الجر في قوله تعالى في آية الوضوء: * (وأرجلكم إلى الكعبين
) *. فبقاء بعض الفرق الإسلامية على إنكار هذه السنة كالرافضة والخوارج ومنهم
الإباضية مما يؤكد أنهم من أهل الأهواء المتوعدين بقوله تعالى: * (ومن يشاقق
الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله
جهنم وساءت مصيرا) *. وإن تعجب فالعجب من الشيخ عبد الله بن حميد السالمي
الإباضي أن يصر إصرار هؤلاء على المشاققة للرسول واتباع غير سبيل المؤمنين،
ويتمسك في ذلك بالآثار الواهية رواية ودراية التي ذكرها إمامهم المزعوم الربيع
بن حبيب في " المسند " المنسوب إليه! (١ / ٣٥ - ٣٦) ومدارها على شيخه أبي
عبيدة المجهول عنده، وغير معروف عندهم في الرواية بالضبط والحفظ والإتقان!
ثم يعرض في شرحه إياه (١ / ١٧٧ - ١٧٩) عن تلك الأحاديث الصحيحة المتواترة،
والآثار الكثيرة الثابتة المشهورة، ويضعفها تعصبا لإباضيته بشطبة قلم، فيقول
:
стр. 4588
" وقد عرفت أن السنة لم تثبت في ذلك "!! وهو غير صادق فيما قال لوجهين:
الأول: أنه جحد التواتر، فصدق في مثله قوله تعالى: * (وجحدوا بها
واستيقنتها أنفسهم) *. والآخر: قوله: " قد عرفت.. "، إذ لا يمكن معرفة
صحة الدعوى إلا بتقديم الحجة والبرهان كما هو مستقر بداهة في الأذهان، وهو
لم يفعل شيئا من ذلك مطلقا إلا مجرد الدعوى، وهذا شأن عالمهم الذي زعم بعض
الكتاب أنه معتدل غير متعصب، وايم الحق إن من بلغ به التعصب من أهل الأهواء
إلى رد أخبار التواتر التي عني بها أهل الحديث عناية لا قبل لأهل الأهواء
بمثلها، لحري به أن يعجز عن إقامة البرهان على صحة مذهبهم الذي شذوا فيه عن
أهل السنة والحديث. فهذا الحق ليس به خفاء فدعني من بنيات الطريق. وقبل أن
أمسك القلم أقول: لقد اعتاد الرجل السالمي أن يسوق كلامه على عواهنه مؤيدا به
مذهبه وهواه، من ذلك أنه قرن مع الشيعة والخوارج بعض علماء السنة من
الظاهرية، فقال (ص ١٧٨) عطفا على المذكورين: " وأبو بكر بن داود الظاهري "
. فأقول: أبو بكر هذا هو محمد بن داود بن علي الظاهري، ترجمه الحافظ الذهبي
في " السير " (١٣ / ١٠٩) : " حدث عن أبيه، وعباس الدوري.. وله بصر تام
بالحديث وبأقوال الصحابة، وكان يجتهد ولا يقلد أحدا ".
стр. 4589
فأقول: فيستبعد
جدا من مثله أن يخالف الحديث والصحابة، وأن يوافق الخوارج في إنكار سنة
المسح على الخفين، لاسيما وهو قد تفقه على أبيه داود، وهذا مع أئمة الفقه
والحديث في القول بالمسح على الخفين كما ذكر ذلك الإمام ابن حزم في " المحلى " (
٢ / ٨٩) فمن أين جاء السالمي بما عزاه لأبي بكر الظاهري؟! وما أحسن ما قيل:
والدعاوي ما لم تقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء!
٢٩٤١ - " جاءنا رسول الله ﷺ في مسجدنا بـ (قباء) ، فجئت وأنا غلام
[حدث] حتى جلست عن يمينه، [وجلس أبو بكر عن يساره] ثم دعا بشراب فشرب منه
، ثم أعطانيه، وأنا عن يمينه، فشربت منه، ثم قام يصلي، فرأيته يصلي في
نعليه ".
أخرجه أحمد (٤ / ٢٢١) وابن أبي عاصم في " الوحدان " (٤ / ١٦٧ / ٢١٤٨) من
طريق مجمع بن يعقوب: أخبرنا محمد بن إسماعيل قال: قيل لعبد الله بن أبي
حبيبة ﵁: هل أدركت من رسول الله ﷺ ؟ قال:
فذكره. قلت: وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى، محمد بن إسماعيل هذا روى
عنه أيضا عاصم بن سويد إمام مسجد قباء كما في " الجرح والتعديل "، وذكره ابن
حبان في " الثقات " (٧ / ٣٩٤) في أتباع التابعين، وكذلك ذكر فيهم الراويين
المذكورين عنه: مجمع بن يعقوب وعاصم بن سويد، وهذا مستغرب منه، لأن الظاهر
أن محمد بن إسماعيل تابعي أدرك جده من قبل أم عبد الله بن أبي حبيبة هذا.
ولذلك قال ابن السكن في ترجمته، أعني عبد الله هذا كما في " الإصابة ":
стр. 4590
"
إسناد حديثه صالح ". ثم ساق له هذا الحديث، وعزاه لابن أبي شيبة أيضا
والبغوي والطبراني. ويؤيد ما ذكرت إخراج الضياء المقدسي للحديث في " المختارة
" (ج ٥٦ / ١٣٦ / ٢ - ١٣٧ / ١) من طريق أحمد والطبراني - ومنه استفدت
الزيادتين بين المعقوفتين. وهذا كله يدل على أن محمدا هذا تابعي، وأن
الإسناد متصل. ثم رأيت الحديث في " معجم الطبراني الكبير " (١٩١ / ٤٤٩) قطعة
من الجزء (١٣) طبع حديثا بتحقيق الأخ حمدي السلفي جزاه الله خيرا. وللحديث
شاهد مختصر يرويه الصلت بن غالب الهجيمي عن مسلم به بديل عن أبي هريرة قال:
رأيت النبي ﷺ يشرب على راحلته، ثم ناول الذي عن يمينه. ذكره
ابن حبان في ترجمة مسلم هذا من " ثقاته " (٥ / ٤٠٠) وأفاد أنه روى عنه غير
الصلت هذا، فقال: " وهو الذي روى عنه عبد الله بن عون حديث الطفيل بن عمرو
الدوسي ". وحديث ابن عون هذا أخرجه ابن حبان في " صحيحه " (٢ / ١٦٢ / ٩٧٦)
بسنده الصحيح عن ابن عون عن مسلم بن بديل عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول
الله ﷺ فذكر دوسا، فقال: إنهم ... (بياض في الأصل) فذكر
رجالهم ونساءهم، فرفع النبي ﷺ يديه، فقال الرجل: * (إنا
لله وإنا إليه راجعون) * هلكت دوس ورب الكعبة، فرفع النبي صلى الله عليه
وسلم يديه وقال: " اللهم اهد دوسا ". وقد تابع مسلما على هذا أبو سلمة عن
أبي هريرة بأتم منه قال:
стр. 4591
قدم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه، فقالوا: يا
رسول الله! إن دوسا قد عصت وأبت، فادع الله عليها، قال أبو هريرة: فرفع
رسول الله ﷺ يديه، فقلت: هلكت دوس، فقال: " اللهم اهد
دوسا، وائت بها ". أخرجه أحمد (٢ / ٥٠٢) : حدثنا يزيد أنبأنا محمد بن عمرو
عن أبي سلمة به. قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات رجال الشيخين، إلا أنهما
أخرجا لمحمد بن عمرو - وهو ابن علقمة - في الشواهد والمتابعات لضعف فيه يسير
. وقد توبع، فقال سفيان - وهو ابن عيينة -: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن
أبي هريرة به، إلا أنه قال مكان الرفع: " فظن الناس أنه يدعو عليهم ". أخرجه
البخاري (٦٣٩٧) : حدثنا علي: حدثنا سفيان به. وبهذا الإسناد أخرجه في "
الأدب المفرد " (٦١١) ، لكنه زاد قبيل جملة الظن هذه: " فاستقبل رسول الله
ﷺ القبلة ورفع يديه ". وهذه الزيادة قد توبع عليها علي -
شيخ البخاري وهو ابن المديني -، فقال أحمد (٢ / ٢٤٣) والحميدي في " مسنده
" (١٠٥٠) : حدثنا سفيان به. وأخرجها البيهقي في " دلائل النبوة " (٥ / ٣٥٩
) من طريق سعدان بن نصر: حدثنا سفيان به. وقال: " رواه البخاري في " الصحيح
" عن علي بن عبد الله عن سفيان "! كذا قال، وهو يعني أصل الحديث - وهي عادة
له في كتبه ومنها " السنن "،
стр. 4592
فقد عرفت أن هذه الزيادة ليست في " الصحيح "،
وقد صرح بذلك الحافظ في " الفتح " (١١ / ١٤٢) . وقد تابع سفيان بن عيينة
سفيان الثوري فرواه البخاري (٤٣٩٢) : حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن ابن
ذكوان به مختصرا. وابن ذكوان اسمه عبد الله، وهو أبو الزناد. وكذلك أخرجه
ابن حبان في " صحيحه " (٢ / ١٦٢ / ٩٧٥) من طريق أخرى عن أبي نعيم، وأحمد (٢ / ٤٤٨) : حدثنا وكيع عن سفيان به. وتابعه المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي
الزناد به، إلا أنه زاد بعد قوله: " فادع الله عليها ": " فقيل: هلكت دوس "
. أخرجه مسلم (٧ / ١٨٠) . لقد ابتعدت كثيرا عن حديث الترجمة في صدد الكلام
على راوي شاهده المختصر، لأقول الآن: إن له شاهدا آخر أصح منه وأتم من حديث
أنس. وفيه قوله ﷺ : " الأيمن فالأيمن ". رواه الشيخان
وغيرهما، وقد سبق تخريجه برقم (١٧٧١) . ففي هذا نص على أن الساقي يبدأ بمن
عن يمينه، وليس بكبير القوم، أو أعلمهم، أو أفضلهم، وعلى ذلك جرى السلف
الصالح كما تراه في " مصنف ابن أبي شيبة " (٨ / ٢٢٣) . وقد روى هو ومسلم
وعبد الرزاق والحميدي في حديث أنس المشار إليه: أن النبي ﷺ
لما شرب: كان عن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر، وعمر
стр. 4593
تجاهه، فقال: يا
رسول الله! أعط أبا بكر، وخشي أن يعطي الأعرابي، فأبى ﷺ
وأعطى الأعرابي، وقال: الحديث. وفي رواية لمسلم: وقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: " الأيمنون، الأيمنون، الأيمنون ". قال أنس: فهي سنة، فهي سنة
، وهي سنة. فأقول: فمن الغرائب أن يصر كثير من الأفاضل على مخالفة هذه السنة
، بل هذا الأدب الاجتماعي الذي تفرد الإسلام به - في مجالسهم الخاصة -، حيث لا
يخشى أن يقع أي محظور في العمل بها سوى مخالفة عادة الآباء والأجداد! ولقد
كان إعراضهم عن هذه السنة الصحيحة اعتمادا منهم على تلك الفلسفة التي نفيتها
آنفا - سببا لمخالفتهم هم أنفسهم إياها، حين لم يلتزموها عمليا، فصار الساقي
يبدأ - على علم منهم - بأكابرهم وأمرائهم، ولو كانت فلسفتهم لا تنطبق عليهم
! وأنا حين أقول هذا - أعلم أنهم إنما يصرون على هذه المخالفة من باب الحكمة
والسياسة والمداراة، وأنهم لا يملكون غير ذلك لفساد النفوس والأخلاق.
ولكني أقول: لو أنهم التزموا العمل بهذه السنة في مجالسهم الخاصة، وحضرها أحد
أولئك الأمراء لانقلب الأمر ولاضطر هؤلاء إلى أن يسايسوا أهل المجلس،
ولاسيما وهم من الساسة! ولما طمعوا أن يعاملوا بخلاف السنة، ثم لانتشرت هذه
إلى مجالس الساسة الخاصة! ويشبه هذه المسألة إيجابا وسلبا مسألة القيام
للداخل، فلما تركت هذه السنة بدعوى الاحترام والإكرام لأهل العلم والفضل،
تحول ذلك مع الزمن إلى القيام لمن ليس في العير ولا النفير كما يقال، بل إلى
القيام للفساق والفجار. بل ولأعداء الله! فهل من معتبر؟!
стр. 4594
أما صلاته صلى
الله عليه وسلم في نعليه الوارد في آخر حديث الترجمة فله شواهد كثيرة تبلغ مبلغ
التواتر في " الصحيحين "، وغيرهما، وبعضها مخرج في " صحيح أبي داود " (٦٥٧
و٦٥٨ و ٦٥٩ و ٦٦٠) .
٢٩٤٢ - " قال الله : أنا عند ظن عبدي، وأنا معه إذا دعاني ".
أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (٦١٦) : حدثنا خليفة بن خياط قال: حدثنا
كثير بن هشام: حدثنا جعفر عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم رجال الصحيح
، وقد أخرجه مسلم (٨ / ٦٦) من طريق وكيع عن جعفر بن برقان به. وله طريق
أخرى بزيادة في متنه بلفظ: ".. عبدي عند ظنه بي، وأنا معه إذا دعاني، فإن
ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وأطيب
، وإن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، وإن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا،
وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ". أخرجه أحمد (٢ / ٤٨٠) : حدثنا محمد بن جعفر
قال: حدثنا شعبة عن سليمان عن ذكوان عن أبي هريرة به. وهذا إسناد صحيح على
شرط الشيخين. ومن هذا الوجه أخرجه ابن حبان (٢ / ٩١ / ٨٠٩) إلى قوله: "
وأطيب ". وهو في " الصحيحين " من طريق أخرى عن سليمان - وهو الأعمش - بلفظ:
стр. 4595
".. وأنا معه إذا ذكرني.. "، وهو رواية لابن حبان (٨٠٨) ، وهو مما تقدم
تخريجه تحت الرقم (٢٠١١) ، وذكرت هناك لحديث الترجمة شاهدا من حديث أنس رضي
الله عنه بسند صحيح.
٢٩٤٣ - " ذهبت بي أمي إلى النبي ﷺ [وأنا غلام] فمسح على رأسي،
ودعا لي بالرزق، [وفي رواية: بالبركة] ".
أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (١٦٤ / ٦٣٢) قال: حدثنا أبو نمير حدثنا
أبو اليمان قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت عمرو بن حريث يقول
: فذكره. قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات غير أبي نمير هذا فلم أعرفه، وليس في
الرواة من يكنى بهذه الكنية سوى واحد فوق هذه الطبقة، ولم يذكر الحافظ الذهبي
سواه في " كناه ". وفي الإسناد إشكال ثان، وهو أن أبا اليمان - واسمه
الحكم بن نافع البهراني - وهو من شيوخ المؤلف هنا، وفي " الصحيح "، روى عنه
مباشرة هنا نحو خمسة عشر حديثا، ولم يذكروا أنه يروي عنه بالواسطة، وبخاصة
لأبي نمير هذا المجهول. وثمة إشكال ثالث، وهو تصريح أبي اليمان بتحديث
إسماعيل بن أبي خالد إياه، فإن هذا مستبعد جدا بالنظر إلى تاريخ الولادة
والوفاة، فقد ذكروا في ترجمة أبي اليمان أنه ولد سنة (١٣٨) ، وفي ترجمة
إسماعيل أنه مات سنة (١٤٦) ، فيكون عمر أبي اليمان (٨) سنوات حين وفاة
إسماعيل، ولذلك لم يذكروا له
стр. 4596
رواية عنه. ولعله لما ذكرت من الإشكال ذهب
الشيخ الجيلاني في شرحه على " الأدب "، إلى أن الصواب في اسم شيخ المؤلف: "
ابن نمير "، ثم قال (٢ / ٨٩) : " لعله انقلب السند، والصحيح: حدثنا أبو
اليمان حدثنا ابن نمير، أي: عبد الله بن نمير، وكان في المطبوعة: حدثنا
أبو نمير ". فأقول: هذا احتمال قوي، فقد ذكروا لابن نمير هذا رواية عن
إسماعيل بن أبي خالد، ووجدت تصريحه بتحديث إسماعيل إياه في " سنن ابن ماجه "
(رقم ٨١٧) بحديث القراءة في صلاة الفجر، لكنه أدخل بينه وبين عمرو بن حريث
(أصبغ مولى عمرو بن حريث) ، فإذا صح هذا الاحتمال، فالإسناد صحيح لتصريح
إسماعيل فيه بسماعه إياه من عمرو بن حريث. وإن مما يؤكد ذلك أنني وجدت تصريح
إسماعيل بالسماع في هذا الحديث نفسه من طريق أخرى عنه، فقال أبو يعلى في "
مسنده " (٣ / ٤١ / ١٤٥٦) : حدثنا محمد بن عبد الله ابن نمير: حدثنا يحيى بن
يمان حدثنا إسماعيل قال: سمعت عمرو بن حريث به. قلت: وهذا إسناد لا بأس به
في المتابعات والشواهد، رجاله ثقات رجال الشيخين غير يحيى هذا، وهو صدوق
يخطىء كثيرا، وكان تغير كما في " التقريب "، وأما قول المعلق على " مسند
أبي يعلى ": " وقد صحح مسلم حديثه في الزهد رقم (٢٩٧٢) ". ففيه تدليس لعله
غير مقصود، لأن مسلما لم يحتج به وإنما قرنه بـ " عبدة بن سليمان " وهو
الكلابي ثقة ثبت، فتصحيح مسلم لحديثه، وليس لحديث يحيى
стр. 4597
كما زعم، فكان الحق
أن يقال روى له مقرونا. ومن الغريب أن فؤاد عبد الباقي قد لفت نظر القراء في
الحاشية إلى هذا المعنى، ومع ذلك لم يتنبه له المعلق المشار إليه، أو أنه لم
يأخذ به، لأنه رأى المترجمين له قد رمزوا له بأنه من رجال مسلم كالحافظ في
كتابيه، وكأبي نصر الكلاباذي في " الجمع بين رجال الصحيحين " أطلقوا ولم
يقيدوا بأنه مقرون عنده، ولكن هذا إن صح، فما كان ينبغي للمومى إليه أن يقول
ما قال، لأن ذلك لا يصدق على الحديث الذي أشار إليه، لما ذكرت أنه مقرون،
والكلاباذي قد أشار إليه أيضا ولم يزد! فتنبه، فإنه من خفايا هذا العلم
الشريف. ومع الضعف المشار إليه، فقد خالفه في إسناده محمد بن يزيد - وهو
الواسطي الثقة - فقال: عن إسماعيل بن أبي خالد عن مولى عمرو بن حريث عن عمرو
بن حريث.. فذكر حديث القراءة المشار إليه آنفا، وزاد عقبه: " وقال: ذهبت
بي أمي أو أبي إليه، فدعا لي بالرزق ". أخرجه أبو يعلى (١٤٦٩) . قلت: فزاد
الواسطي في الإسناد مولى عمرو بن حريث، فزيادته مقبولة لثقته وحفظه.
والظاهر أن هذا المولى هو (أصبغ) المذكور في إسناد حديث ابن ماجه المتقدم،
وهو ثقة، إلا أنه كان تغير كما في " التقريب "، ويحتمل عندي أن يكون هو
الوليد بن سريع، فإنه مولى عمرو بن حريث أيضا، وشارك (أصبغ) في رواية حديث
القراءة عن مولاه عمرو عند مسلم وغيره كأبي يعلى (١٤٥٧) وهو مخرج في "
الإرواء " (٢ / ٦٣) ، فيحتمل عندي أيضا أن يكون هو (أصبغ) نفسه، ويكون
هذا لقبا له. والله أعلم.
стр. 4598
وحديث عمرو هذا أورده الهيثمي في
" المجمع " (٩ / ٤٠٥) بروايتيه، أعني عن أصبغ وعن الوليد، وقال: "
رواهما أبو يعلى والطبراني بأسانيد، ورجال أبي يعلى وبعض أسانيد الطبراني
رجال الصحيح ". ثم وجدت للحديث طريقا أخرى عن عمرو بن حريث يزداد بها قوة،
فقال البخاري في " التاريخ الكبير " (١ / ٢ / ١٩٠) : قال أبو نعيم: حدثنا
فطر عن أبيه: سمع عمرو ابن حريث قال: انطلق بي أبي إلى النبي صلى الله عليه
وسلم، وأنا غلام، فدعا لي بالبركة، ومسح على رأسي. وهذا إسناد حسن في
الشواهد والمتابعات، رجاله رجال البخاري غير والد فطر، وهو خليفة مولى عمرو
بن حريث، أورده ابن حبان في " الثقات " (٤ / ٢٠٩) برواية أبيه هذه، وقال
ابن القطان: " مجهول الحال ". وقال الحافظ في " التقريب ": " لين الحديث "
. أي عند التفرد، وإلا فهو مقبول الحديث عند المتابعة كما هنا. ولعله لذلك
جزم ابن عبد البر بالحديث، فقال في ترجمة عمرو بن حريث من " الاستيعاب ": "
رأى النبي ﷺ وسمع منه، ومسح برأسه ودعا له بالبركة، وخط
له بالمدينة دارا بقوس ".
стр. 4599
وذكر هذا بتمامه الذهبي في " السير " (٣ / ٤١٨ -
٤١٩) من طريق فطر بن خليفة عن أبيه، دون أن يعزوه لأحد. أما المعلق عليه
فعزاه لأبي داود برقم (٣٠٦٠) ! وهذا العزو خطأ، لأنه يوهم القراء أن الحديث
بتمامه عند أبي داود، وليس كذلك، وإنما عنده وبالرقم الذي أشار إليه جملة
الدار منه، وللضعف الذي في خليفة ولعدم وجود المتابع له أو الشاهد لهذه
الجملة، أوردتها في " ضعيف أبي داود " برقم (٥٤٥) . والله الموفق لا رب
غيره، ولا معبود بحق سواه.
٢٩٤٤ - " كان من دعائه ﷺ : اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما
أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، إنك أنت المقدم والمؤخر، لا إله
إلا أنت ".
أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (١٧٤ / ٦٧٣) وأحمد (٢ / ٢٩١ و ٥١٤ و ٥٢٦
) من طرق عن عبد الرحمن المسعودي عن علقمة بن مرثد عن أبي الربيع عن أبي
هريرة قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات معروفون، وأبو
الربيع هو المدني، روى عنه أيضا سماك بن حرب ويزيد بن أبي زياد، وقال أبو
حاتم: " صالح الحديث ". وذكره ابن حبان في " الثقات " (٥ / ٥٨٢) ، وحسن
له الترمذي، وقال الذهبي: " صدوق ". وأما اقتصار الحافظ فيه على قوله:
стр. 4600
"
مقبول ". فهو غير مقبول. والحق في أمثاله ما قاله الذهبي: " صدوق "،
وكثيرا ما أرى الحافظ يوافقه. والله الهادي. وأما المسعودي فهو وإن كان قد
اختلط، فهو صحيح الحديث إذا حدث قبل الاختلاط، وطريق معرفة ذلك النظر في
الراوي عنه، فإذا كان بصريا أو كوفيا، كان صحيحا حديثه لأنهم حدثوا عنه قبل
الاختلاط، ومنهم خالد بن الحارث كما في كتاب " ابن الكيال " مع كون خالد هذا
ثقة ثبتا، وهو بصري. وللحديث شواهد كثيرة أقربها إليه حديث أبي موسى
الأشعري عنه ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء: " اللهم اغفر لي
خطيئتي وجهلي.. " الحديث بطوله، وفيه هذا، وزاد في آخره: " وأنت على كل
شيء قدير ". أخرجه البخاري (٦٣٩٨ و ٦٣٩٩) ومسلم (٨ / ٨١) والبخاري في "
الأدب المفرد " أيضا (١٧٧ / ٦٨٨) والزيادة في " المستدرك " (١ / ٥١١) من
طريق أخرى عنه نحوه. وصححه على شرطهما، ووافقه الذهبي، ومن شواهده حديث
علي الطويل في دعاء الاستفتاح، وفي آخره: " ثم يكون من آخر ما يقول بين
التشهد والتسليم.. " فذكره بتمامه. وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (٧٣٨)
برواية مسلم وغيره.
стр. 4601
وله شاهد آخر عن ابن عباس فيما كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل، فذكره في آخره، ولكن ليس
فيه: " وما أنت أعلم به مني ". اللهم إلا في رواية للبخاري برقم (٧٤٤٢)
وكذا ابن أبي شيبة في " المصنف " (١٠ / ٢٥٩ - ٢٦٠) .
٢٩٤٥ - " لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها، وأما أن لا تكلم أحدا، فلعمري
لأن تكلم بمعروف، وتنهى عن منكر خير من أن تسكت ".
أخرجه أحمد (٥ / ٢٢٤ - ٢٢٥) والطبراني في " المعجم الكبير " (٢ / ٣١ / ١٢٣٢
) والبيهقي في " السنن " (١٠ / ٧٥ - ٧٦) من طرق عن عبيد الله بن إياد بن
لقيط قال: سمعت ليلى - امرأة بشير - قالت: أخبرني بشير أنه سأل رسول الله
ﷺ قال: أصوم يوم الجمعة، ولا أكلم ذلك اليوم أحدا؟ قال:
فذكره. ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي في " الشعب " أيضا (٦ / ٩٢ / ٧٥٧٨)
وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (٣ / ٣٨٢) . قلت: وهذا إسناد صحيح، ورجاله
ثقات، وليلى هذه صحابية على الراجح. وبشير هو ابن الخصاصية، وفي مسنده
أورده الإمام أحمد. ثم روى هو والطبراني (١٢٣٠) ، وكذا البخاري في " الأدب
" (٨٣٠) بالسند نفسه عنه قال: " وكان قد أتى النبي ﷺ ،
قال: اسمه " زحم "، فسماه النبي ﷺ : بشيرا ".
стр. 4602
ولهذا طريق
آخر مخرج في " الجنائز " (١٣٦ - ١٣٧) و " الإرواء " (رقم ٧٦٠) . والشطر
الأول من الحديث عزاه الحافظ في " الفتح " (٤ / ٢٣٤) لأحمد، وسكت عنه مشيرا
إلى تقويته إياه. وله شواهد تقدم بعضها برقم (٩٨٠ و ٩٨١ و ١٠١٤) وهو صريح
الدلالة أنه لا يجوز صيامه وحده ولو صادف يوم فضيلة كعاشوراء وعرفة خلافا
للحافظ، وقد بسطت القول في ذلك فيما تقدم، وانظر الحديث (٢٣٩٨) .
٢٩٤٦ - " لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي، [أنا أبو القاسم، والله يعطي، وأنا أقسم]
".
أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " والترمذي (٢٨٤٣) وابن حبان (٥٧٨٤ -
الإحسان) وأحمد (٢ / ٤٣٣) وابن سعد في " الطبقات " (١ / ١٠٦ و ١٠٧)
والدولابي في " الكنى " (١ / ٥) وأبو نعيم في " الحلية " (٧ / ٩١)
والبيهقي في " الدلائل " (١ / ١٦٣) كلهم من طريق ابن عجلان عن أبيه عن أبي
هريرة مرفوعا. والزيادة للبخاري، وابن حبان في رواية (٥٧٨٧) وأحمد
والبيهقي، وكذا ابن حبان في رواية (٥٧٨٥) والترمذي، لكن مختصرا بلفظ: "
ويسمي: محمدا أبا القاسم ". وقال: " حديث حسن صحيح ". قلت: وهو كما قال،
فإن إسناده حسن، وله شاهد من حديث سفيان عن عبد الكريم الجزري عن عبد الرحمن
بن أبي عمرة عن عمه مرفوعا به. دون الزيادة.
стр. 4603
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف
" (٨ / ٦٧٢ / ٥٩٧٩) وأحمد (٣ / ٤٥٠ و ٥ / ٣٦٣ - ٣٦٤) وابن سعد أيضا، لكن
سقط منه أو من أحد رواته قوله: " عن عمه "، فصار مرسلا! وإسنادهم صحيح.
فهو شاهد قوي للحديث. وهو بمعنى اللفظ الآخر عن أبي هريرة: " تسموا (أو
سموا) باسمي، ولا تكنوا بكنيتي ". أخرجه البخاري (٦١٨٨) وفي " الأدب
المفرد " (٨٣٦) ومسلم (٦ / ١٧١) وأبو داود (٤٩٦٥) وابن ماجه (٣٧٣٥)
وابن حبان (٥٧٨٢) وأحمد (٢ / ٤٥٧ و ٤٦١) والبيهقي (٩ / ٣٠٨) وفي "
الدلائل " (١ / ١٦٢) من طرق عنه وأخرجه الشيخان وغيرهما من حديث سالم بن
أبي الجعد عن جابر بن عبد الله مرفوعا به. وخالفه أبو الزبير فقال: عن جابر
أن النبي ﷺ قال: " من تسمى باسمي فلا يكتني بكنيتي، ومن
تكنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي ". أخرجه أبو داود (٤٩٦٦) والترمذي (٢٨٤٥)
وابن حبان (٥٧٨٦) والبيهقي (٩ / ٣٠٩) وفي " الشعب " (٦ / ٣٩٣ / ٨٦٣٤)
وأحمد (٣ / ٣١٣) واللفظ لهما ولأبي داود، ولفظ ابن حبان: " إذا كنيتم فلا
تسموا بي، وإذا سميتم بي فلا تكنوا بي ". وكذا لفظ الترمذي إلا أنه لم يسق
الشطر الأول منه، وكأنه فعل ذلك عمدا لمخالفته الطرق الصحيحة عن أبي هريرة
كما تقدم، وقال عقبه:
стр. 4604
" حديث حسن غريب من هذا الوجه ". ولعله لم يصححه
لعنعنة أبي الزبير، فإنه كان مدلسا، ولذلك فلم يصب البيهقي في قوله عقبه في
" الشعب ": " هذا إسناد صحيح "! وكذلك أخطأ المعلق على " الإحسان " (١٣ /
١٣٣ - المؤسسة) في قوله: " حديث صحيح على شرط مسلم ". فإنه تجاهل تفريق
الحفاظ النقاد بين ما أخرجه مسلم من طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر، فهو
صحيح لأنه لم يرو عنه إلا ما صرح بسماعه من جابر، وبين ما رواه عنه غيره
بالعنعنة. كما أنه تجاهل أو أنه لم يتنبه لكونه زاد على سالم بن أبي الجعد
وغيره أيضا تلك الزيادة المخالفة للأحاديث الصحيحة: ".. وإذا سميتم فلا تكنوا
بكنيتي ". وعلى إنكارها يفسر حديث الترجمة الناهي عن الجمع بين الاسم
والكنية، ويؤيد ذلك تلك الزيادة الصحيحة: " أنا أبو القاسم.. "، فإنها تشعر
باختصاصه ﷺ بهذه الكنية مطلقا كما هو ظاهر. هذا، وقد أصاب
حديث أبي هريرة من بعض رواته المعروفين بسوء الحفظ ما أصاب حديث جابر من
الزيادة المنكرة، فقال شريك عن سلم بن عبد الرحمن النخعي عن أبي زرعة عن أبي
هريرة مرفوعا بلفظ أبي الزبير عن جابر. أخرجه أحمد (٢ / ٣١٢ و ٤٥٤ - ٤٥٥
و٤٥٧ و ٤٦١) . وشريك هو ابن عبد الله النخعي القاضي صدوق يخطىء كثيرا، وقد
خالفه شعبة فرواه عن عبد الله بن يزيد النخعي قال: سمعت أبا زرعة يحدث عن أبي
هريرة به مختصرا بلفظ: " تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي ".
стр. 4605
أخرجه أحمد (٢ /
٤٥٧ و ٤٦١) . وهو لفظ الجماعة عن أبي هريرة كما تقدم، وهو المحفوظ عنه في
هذا الحديث وعن جابر وغيره. وقد أشار إلى هذا البيهقي بقوله عقب حديث أبي
الزبير عن جابر المتقدم، قال في " السنن ": " وروي ذلك أيضا من وجه آخر عن
أبي هريرة ﵁، واختلف عليه فيها، وأحاديث النهي على الإطلاق أكثر
وأصح ". وإن مما يؤكد خطأ رواية شريك عن.. أبي هريرة، ورواية أبي الزبير
عن جابر سبب ورود الحديث، من رواية محمد بن المنكدر عنه. فقال ابن أبي شيبة (
٨ / ٦٧٢ / ٥٩٨٠) وأحمد (٣ / ٣٠٧) والحميدي (١٢٣٢) ، قالوا: حدثنا سفيان
عن ابن المنكدر سمع جابر بن عبد الله يقول: ولد لرجل منا غلام، فأسماه القاسم
، فقلنا: لا نكنيك أبا القاسم، ولا ننعمك عينا، فأتى النبي صلى الله عليه
وسلم فذكر ذلك له، فقال: " أسم ابنك عبد الرحمن ". وإسناده ثلاثي صحيح على
شرط الشيخين، وقد أخرجاه البخاري (٦١٨٦ و ٦١٨٩) ومسلم (٦ / ١٧١)
وغيرهما من طرق عن سفيان بن عيينة به. وتابعه سالم بن أبي الجعد عن جابر به،
إلا أنه قال: " تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي ". أخرجه البخاري (٣١١٤
و٦١٨٧) و " الأدب المفرد " (٨٤٢) . وزاد: " أحسنت الأنصار، تسموا.. "
الحديث.
стр. 4606
وهي عند مسلم أيضا (٦ / ١٧٠ - ١٧١) إلا أنه قال: " فسماه محمدا،
فقلنا: لا نكنيك برسول الله ﷺ .. ". ورواية البخاري أرجح
عندي لموافقتها لرواية ابن المنكدر المتفق عليها أولا، ولأنه لو كان سماه
محمدا لم يأمره ﷺ بأن يسميه عبد الرحمن كما هو ظاهر والمقصود
أن حديث جابر هذا صريح الدلالة في أنه ﷺ لم يرض للأنصاري أن
يكتني بكنيته ﷺ ، واستحسن إنكار الأنصار عليه، فبطل ما
أفاده حديث أبي الزبير وشريك من جواز الاكتناء بكنيته ﷺ
وحدها غير مقرون باسمه. وقد وقفت على حديث آخر، لكن في إسناده نظر أسوقه
لبيان حاله، فقال يعقوب بن محمد الزهري: حدثنا إدريس بن محمد بن يونس بن محمد
بن أنس بن فضالة الأنصاري ثم الظفري قال: حدثني جدي عن أبيه قال: قدم النبي
ﷺ المدينة وأنا ابن أسبوعين، فأتي بي إليه، فمسح على رأسي
وقال: " سموه باسمي ولا تكنوه بكنيتي ". قال: وحج بي معه حجة الوداع،
وأنا ابن عشر سنين ولي ذؤابة. قال يونس بن محمد: فلقد عمر أبي حتى شاب رأسه
كله وما شاب موضع يد رسول الله ﷺ من رأسه. أخرجه البخاري في
" التاريخ " (١ / ١٦) والدولابي في " الكنى " (١ / ٥) والطبراني في "
المعجم الكبير " (١٩ / ٢٤٤ / ٥٤٧) . قلت: وهذا إسناد ضعيف، يعقوب هذا قال
الحافظ: " صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء ".
стр. 4607
وشيخه إدريس بن محمد
ذكره ابن أبي حاتم في " الجرح " بهذه الرواية، وبرواية ابن أبي فديك عنه.
وأما ابن حبان فذكره في " ثقاته " (٨ / ١٣٢) بهذه الرواية فقط! وأما جده
يونس بن محمد، فذكره في " الجرح " بهذه الرواية فقط، أي برواية حفيده إدريس
بن محمد. وكذلك البخاري في " التاريخ "، وتبعهما ابن حبان في " الثقات " (
٥ / ٥٥٥) ذكره في التابعين هكذا: " يونس بن محمد بن فضالة الظفري الأنصاري "
. وهكذا هو في " الجرح "، لكنه زاد في النسب فقال: ".. فضالة بن أنس الظفري
" وهذا على القلب مما في إسناد الحديث - وسياقه للدولابي - فإنه فيه " يونس
بن محمد بن أنس بن فضالة الأنصاري " كما تقدم. ولعل هذا هو الصواب، فإنه
المثبت في " الإصابة ". وإن من غرائب ابن حبان أنه ذكره قبل الترجمة السابقة
بترجمة على الصواب، لكنه لم يذكر: " ابن فضالة "، وقال: " وعنه فضيل بن
سليمان " (١) . وكذلك ذكره البخاري في " التاريخ " (٤ / ٢ / ٤١٠) لكنه لم
يذكر له راويا غير إدريس بن محمد كما تقدم، وهو الصواب. ثم زاد ابن حبان
إغرابا فذكره في " أتباع التابعين " أيضا! فقال (٧ / ٦٤٧) : " يونس بن محمد
بن فضالة بن أنس الظفري أبو محمد المدني. روى عن
стр. 4608
جماعة من التابعين. وعنه
أهل المدينة. مات سنة ست (١) وخمسين ومائة، وهو ابن خمس وثمانين سنة ".
فهذا خلاف كل ما تقدم، فإنه سمى جد يونس الأعلى (أنسا) ، وهو جده الأدنى
عكس ما في " الإصابة "! وهذا الاختلاف في نسب يونس هذا إنما يدل على أنه غير
مشهور، ومع ذلك مشى ابن حبان على ما وقع له من الاختلاف وجعلها ثلاث تراجم
وهي لراو واحد! وكذلك ذكرها الهيثمي في " ترتيب الثقات " على نسق واحد.
والله أعلم. وجملة القول أن إسناد هذا الحديث ضعيف لجهالة بعض رواته، وأما
الهيثمي فقال في " مجمع الزوائد ": " رواه الطبراني، وفيه يعقوب بن محمد
الزهري، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات "! ومثله
ما رواه محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه
عن جده قال: كنت أتكنى بأبي القاسم، فجئت أخوالي من بني ساعدة، فسمعوني
وأنا أتكنى بها، فنهوني وقالوا: إن رسول الله ﷺ قال: " من
تسمى باسمي فلا يتكن بكنيتي ". فحولت كنيتي، فتكنيت بأبي عبد الملك.
стр. 4609
أخرجه
الدولابي بإسناد رجاله كلهم ثقات معروفون من رجال " التهذيب "، فهو حسن لولا
عنعنة ابن إسحاق. بعد هذا التخريج والتحقيق، وتمييز الصحيح من الضعيف من
أحاديث الباب، يحق لي أن أنتقل إلى الثمرة المقصودة من ذلك وهي الناحية
الفقهية فأقول: لقد اختلف العلماء في مسألة التكني بأبي القاسم على مذاهب
ثلاثة، حكاها الحافظ في " الفتح "، واستدل لها، وناقشها، وبين ما لها
وما عليها، ولست أشك بعد ذلك أن الصواب إنما هو المنع مطلقا، وسواء كان اسمه
محمدا أم لا، لسلامة الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عن المعارض الناهض كما
تقدم، وهو الثابت عن الإمام الشافعي ﵀، فقد روى البيهقي (٩ / ٣٠٩)
بالسند الصحيح عنه أنه قال: " لا يحل لأحد أن يكتني بأبي القاسم كان اسمه
محمدا أو غيره ". قال البيهقي: " وروينا معنى هذا عن طاووس اليماني رحمه
الله ". ويؤكد ما تقدم حديث علي ﵁ أنه قال: يا رسول الله! أرأيت
إن ولد لي بعدك، أسميه محمدا وأكنيه بكنيتك؟ قال: " نعم ". قال: فكانت
رخصة لي. أخرجه الترمذي (٢٨٤٦) وقال:
стр. 4610
" حديث صحيح ". وقواه الحافظ في "
الفتح " (١٠ / ٥٧٣) وهو مخرج في " المشكاة " (٤٧٧٢ / التحقيق الثاني) .
٢٩٤٧ - " من بنى بناء فليدعمه حائط جاره. وفي لفظ: من سأله جاره أن يدعم على حائطه
فليدعه ".
أخرجه ابن ماجه (٢٣٣٧) وابن جرير الطبري في " تهذيب الآثار " (٢ / ١ / ٧٧٢
- ٧٧٤ و ٧٧٧) والطحاوي في " مشكل الآثار " (٣ / ١٥٠) والبيهقي (٦ / ٦٩)
وأحمد (١ / ٢٣٥ و ٢٥٥ و ٣٠٣ و ٣١٧) والطبراني (١١ / ١١٧٣٦) من طرق عن
عكرمة عن ابن عباس مرفوعا بألفاظ متقاربة، واللفظان لأحمد، ولابن جرير
والطبراني الثاني، وله شاهد من حديث أبي هريرة، رواه مسلم وغيره، وهو
مخرج في " الإرواء " (٥ / ٢٥٥) وأصله متفق عليه، ونحوه لفظ ابن ماجه،
ورواية لأحمد بلفظ: " لا يمنع أحدكم جاؤه أن يغرز خشبة على جداره ". ولفظ
أحمد: ".. أخاه مرفقه أن يضعه على جداره ". وإسنادهما صحيح. ومن هذا
الوجه أخرجه الطبراني (١١٥٠٢) وقال الهيثمي (٤ / ١٦٠) : " رواه الطبراني
في " الكبير "، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح ".
стр. 4611
وخفي عليه أنه ليس من شرط " زوائده " لأنه عند ابن ماجه كما تقدم، كما أنه
قصر في عدم عزوه إياه لأحمد. وكذلك وهم البوصيري في " زوائده " حيث قال: "
في إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف ". فلم يتنبه أنه عند ابن ماجه من رواية عبد
الله بن وهب عن ابن لهيعة، وحديث ابن وهب عنه صحيح كما تقدم التنبيه عليه
مرارا، وتابعه قتيبة بن سعيد عنه، وهو صحيح الحديث أيضا عنه، كما كنت
نقلته عن الذهبي. وقال ابن جرير بعد ما رواه من طرق عن سماك بن حرب عن عكرمة
عن ابن عباس: " وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب
الآخرين سقيما غير صحيح، لعلل.. ". ثم ذكرها. وهي مما لا قيمة لها إلا
الأخيرة منها، وهي أن بعض الثقات خالفوا سماكا فرووه عن عكرمة عن أبي هريرة،
وهذا لا يقدح في رواية تلك الطرق المشار إليها في أول التخريج عن عكرمة،
لاحتمال أن يكون هذا رواه عن كل من ابن عباس وأبي هريرة، فالحديث صحيح عنهما
كليهما، وهو عن أبي هريرة أصح لاتفاق الشيخين عليه كما تقدم. هذا، وقد
اختلف العلماء في الأمر المذكور في الحديث هل هو للوجوب أو الندب، وقد أطال
الكلام فيه كثير من العلماء كأبي جعفر الطحاوي وابن جرير الطبري وابن حجر
العسقلاني وغيرهم، وذهب إلى الوجوب الإمام أحمد وغيره، ومذهب الجمهور
الاستحباب وإلى هذا مال الطبري في أول بحثه، وأطال النفس
стр. 4612
والمناقشة فيه.
ولكنه انتهى في آخره إلى أنه ليس للجار أن يمنع جاره من الوضع، قال (ص ٧٩٦ -
٧٩٧) : " فهو بتقدمه على ما نهاه عنه ﵇ من ذلك لله عاص، ولنهي
نبيه ﷺ مخالف، من غير أن يكون ذلك لجاره الممنوع منه حقا
يلزم الحكام الحكم به على المانع، أحب المانع ذلك أو سخط ". فأقول: وهذا
الذي انتهى إليه الإمام الطبري هو الصواب إن شاء الله تعالى، إلا ما ذكره في
الحكام، فأرى أن يترك ذلك للقضاء الشرعي يحكم بما يناسب الحال والزمان، فقد
وصل الحال ببعض الناس إلى وضع لا يطاق من الأنانية والاستبداد ومنع الارتفاق
، بسبب القوانين الوضعية القائمة على المصالح المادية دون المبادىء الخلقية،
فقد حدثني ثقة أنه لما استعد لبناء داره في أرضه رمى مواد البناء في أرض بوار
بجانبه، فمنعه من ذلك صاحبها، وساعده القانون على ذلك ولم يتمكن من متابعة
البناء إلا بعد أن دفع لهذا الظالم الجشع من الدنانير ما أسكته، وأسقط الدعوى
التي كان أقامها على الباني! مع أنه من كبار الأغنياء، وصدق الله: * (كلا
إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) *، ولا ينفع في مثل هذا الطاغي إلا مثل ما
فعل الأنصار في مثله، وهو ما رواه البيهقي في " سننه " (٦ / ٦٩) من طريق
إسحاق بن إبراهيم الحنظلي بإسناده الصحيح إلى يحيى بن جعدة - وهو تابعي ثقة -
قال: أراد رجل بالمدينة أن يضع خشبة على جدار صاحبه بغير إذنه فمنعه، فإذا من
شئت من الأنصار يحدثون عن رسول الله أنه نهاه أن يمنعه، فجبر على ذلك. وفي
الطريق إلى إسحاق - وهو ابن راهويه - شيخ البيهقي أبو عبد الرحمن السلمي،
وفيه كلام كثير، فإن كان قد توبع فالأثر صحيح، وهو الظاهر من صنيع
стр. 4613
الحافظ،
فقد عزاه في " الفتح " (٥ / ١١١) لإسحاق في " مسنده "، والبيهقي، وسكت
عنه. فإن " مسند إسحاق " الذي طبع حديثا بعض مجلداته ليس من رواية السلمي هذا
. والله أعلم.
٢٩٤٨ - " يا فاطمة! ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة
".
أخرجه البخاري (٦٢٨٦) ومسلم (٧ / ١٤٢ - ١٤٤) والنسائي في " الكبرى " (٥
/ ٩٦) وابن ماجه (١٦٢١) والطحاوي في " مشكل الآثار " (٤٨ - ٤٩) وابن
سعد (٨ / ٢٦ - ٢٧) وأحمد (٦ / ٢٨٢) من طرق عن فراس عن عامر عن مسروق:
حدثتني عائشة أم المؤمنين قالت: إنا كنا أزواج النبي ﷺ
عنده جميعا لم تغادر منا واحدة، فأقبلت فاطمة ﵍ تمشي، ولا والله
ما تخفى مشيتها مشية رسول الله ﷺ ، فلما رآها رحب بها، قال:
" مرحبا بابنتي ". ثم أجلسها عن يمينه، أو عن شماله، ثم سارها، فبكت بكاء
شديدا، فلما رأى حزنها سارها الثانية، فإذا هي تضحك، فقلت لها - أنا من بين
نسائه -: خصك رسول الله ﷺ بالسر من بيننا ثم أنت تبكين!
فلما قام رسول الله ﷺ سألتها: عما سارك؟ قالت: ما كنت
لأفشي على رسول الله ﷺ سره. فلما توفي قلت لها: عزمت عليك -
بما لي عليك من الحق - لما أخبرتني. قالت: أما الآن فنعم، فأخبرتني، قالت:
أما حين سارني في الأمر الأول، فإنه
стр. 4614
أخبرني أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل
سنة مرة، وإنه قد عارضني به العام مرتين، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب،
فاتقي الله واصبري، فإني نعم السلف أنا لك. قلت: فبكيت بكائي الذي رأيت،
فلما رأى جزعي سارني الثانية قال: (فذكر الحديث) [فضحكت ضحكي الذي رأيت] .
والسياق للبخاري، والزيادة لمسلم، ولمن دونه نحوه. وزاد مسلم في رواية
بعد قولها: " فإذا هي تضحك ": " فقلت: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن ".
وهو رواية للبخاري (٣٦٢٣) وفي " الأدب المفرد " (١٠٣٠) بعضه. ثم أخرجه
هو، ومسلم، وابن حبان (٦٩١٥) والنسائي وغيرهم من طرق أخرى مختصرا ليس
فيها ذكر للكلمتين ولا لفضل فاطمة، إلا في رواية للنسائي، وابن حبان (٦٩١٣) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنها مختصرا وفي آخره: " فأخبرني أني أول
أهله لحوقا به، وأني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران، فضحكت ".
وإسناده حسن، ولهذه الزيادة شاهد من حديث أبي سعيد الخدري تقدم تخريجه برقم (٧٩٦) . ولكلمة " السلف " من قوله ﷺ شاهد من رواية ابن إسحاق
عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ على
هذا المنبر يقول: " إني لكم سلف على الكوثر ".
стр. 4615
ورجاله ثقات، إلا أن ابن
إسحاق مدلس وقد عنعنه، ومع هذا فقد خالفه القاسم ابن عباس الهاشمي عن عبد
الله بن رافع به، فقال: " فرط " مكان " سلف ". أخرجه مسلم (٧ / ٦٧)
وللحديث عنده تتمة. أخرجه هو وغيره من حديث أبي هريرة بتمامه وبأتم منه فيه
السلام على قبور المؤمنين، وهو مخرج في " الإرواء " (٧٧٦) و " أحكام
الجنائز " (١٩٠) . ثم رأيت حديث ابن إسحاق في " معجم الطبراني الكبير " (٢٣
/ ٤١٣ / ٩٩٦) بلفظ: " إني سابقكم على الكوثر، فبينما أنا عليه.. " الحديث.
أخرجه من طريق ابن أبي شيبة بهذا اللفظ، فلا أدري إذا كان محفوظا هو والذي
قبله عن ابن أبي شيبة، أو أحدهما خطأ عليه، كما يبدو أن كلمة " السلف " في
حديث ابن إسحاق - إن كانت هي المحفوظة في رواية ابن أبي شيبة - فليست محفوظة في
رواية شيخ ابن إسحاق عبد الله بن رافع، لمخالفة القاسم بن عباس إياه كما تقدم
، وقد أخرجها الطبراني أيضا (رقم ٦٦١) . وإن مما يؤيد هذه المخالفة،
ويؤكد شذوذ لفظ ابن إسحاق أن الحديث جاء عن جمع من الصحابة بلفظ: " أنا فرطكم
على الحوض ". وقد أخرج ابن أبي عاصم في " السنة " روايات الكثيرين منهم
بأسانيد كثيرة خرجتها في " ظلال الجنة " (٢ / ٢٤٢ - ٢٤٦) .
стр. 4616
٢٩٤٩ - " لا شيء في الهام، والعين حق، وأصدق الطير الفأل ".
أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (٩١٤) و " التاريخ " (٢ / ١ / ١٠٧ - ١٠٨
) والترمذي (٢ / ٦) وأحمد (٤ / ٦٧ و ٥ / ٧٠ و ٣٧٩) وابن سعد (٧ / ٦٦)
وأبو يعلى في " مسنده " (٥٨٢) وفي " المفاريد " (٢ / ١٣ / ٢) والطبراني
(١ / ١٧٥ / ٢) من طرق عن يحيى بن أبي كثير: حدثني حية بن حابس التميمي:
حدثني أبي مرفوعا. وقال الترمذي: " حديث غريب. وروى شيبان عن يحيى بن أبي
كثير عن حية بن حابس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . وعلي
بن المبارك وحرب بن شداد لا يذكران فيه: عن أبي هريرة ". قلت: وإنما
استغربه الترمذي لأن حية بن حابس غير مشهور بالعدالة، بل لم يرو عنه غير يحيى
بن أبي كثير كما في " الميزان ". وفي " التقريب ": " مقبول ". يعني عند
المتابعة، وإلا فلين الحديث. ثم قال: " ووهم من زعم أن له صحبة ". لكن
لغالب الحديث شاهد، يرويه أبو معشر عن محمد بن قيس عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ:
" أصدق الطيرة الفأل، والعين حق ". أخرجه أحمد (٢ / ٢٨٩) . وإسناده حسن
في الشواهد، أبو معشر اسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي،
стр. 4617
وهو ضعيف من قبل حفظه
. والشطر الأول منه رواه عبد الرزاق (١٠ / ٤٠٦) عن الأعمش مرفوعا. ورجاله
ثقات إلا أنه معضل. وجملة " العين حق " متفق عليها من حديث أبي هريرة، وقد
سبق تخريجها (١٢٤٨) وصحت من حديث ابن عباس أيضا، وقد مضى (١٢٥٠ و ١٢٥١)
. ثم وقفت على شاهد للجملة الأولى، ولكنه مما لا يفرح به، لأنه يرويه عفير
بن معدان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة مرفوعا بلفظ حديث الترجمة. أخرجه
الطبراني في " المعجم الكبير " (٨ / ١٩٢ / ٧٦٨٦) . قلت: ورجاله ثقات غير
عفير بن معدان، فهو متروك، وقد تقدمت له عدة أحاديث موضوعة تدل على حاله،
فراجع فهارس المجلدات الأربعة المطبوعة. ثم استدركت فقلت: إن قوله: " لا شيء
في الهام ". هو في المعنى مثل قوله ﷺ : " لا هامة "، وهذا
قد ثبت في جملة من الأحاديث الصحيحة عند الشيخين وغيرهما من حديث أبي هريرة
وغيره، وقد سبق تخريجها بالأرقام التالية (٧٨٠ و ٧٨٢ و ٧٨٣ و ٧٨٥ و ٧٨٩)
وفي بعضها بلفظ: ".. ولا هام ". وإذا كان الأمر كذلك، فقد قررت إيراد
الحديث في هذه السلسلة الصحيحة لمجموع هذه الشواهد بعد أن كنت أوردته في " ضعيف
الجامع الصغير " (٦٣٠٩ - الطبعة الأولى الشرعية) . ولذلك حولته إلى " صحيح
الجامع "، كما أوردته في كتابي الجديد من مشروع تقريب السنة بين يدي الأمة: "
صحيح الأدب المفرد " تحت (٣٥٥ - باب الفأل - ٤١١) ، وأنا على وشك الانتهاء
منه إن شاء الله تعالى. ثم انتهيت منه،
стр. 4618
وصدر هو وقسيمه " ضعيف الأدب المفرد
". والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. واعلم أن (هام) هو جمع (هامة)
، قال ابن الأثير في " النهاية ": " الهامة: الرأس، واسم طائر، وهو
المراد في الحديث. وذلك أنهم كانوا يتشاءمون بها، وهي من طير الليل. وقيل
: هي البومة. وقيل: كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير
هامة، فتقول: اسقوني، فإذا أدرك بثأره طارت.. ". وبهذه المناسبة لابد لي
من التنبيه على خطأين فاحشين وقعا في هذه اللفظة (هام) من بعض الناس أحدهم من
أهل العلم، وهو الشيخ فضل الله الجيلاني في شرحه لكتاب " الأدب المفرد "
للإمام البخاري، فقد تحرفت في متنه إلى (الهوام) ! وهو في ذلك تبع لنسخة
الطبعة الهندية سنة (١٣٠٦ هـ) (ص ١٣١) ، ثم اشتط الشيخ الجيلاني في الخطأ
حين فسره بقوله (٢ / ٣٦٧) : " (الهوام) جمع هام اسم طير من طير الليل.. "
!! والصواب: أن (هام) هو الجمع، مفرده (هامة) كما في " القاموس " وغيره
. وأما (الهوام) فهو جمع (الهامة) وهي الدابة، وكل ذي سم يقتل سمه كما
في كتب اللغة. وأما الخطأ الآخر، فهو ما صدر من زهير الشاويش صاحب المكتب
الإسلامي، فإنه أعاد طبع كتابي المذكور آنفا " ضعيف الجامع الصغير " طبعة
ثانية دون إذني وعلمي، فوقعت له فيه أمور عجيبة، وتصرفات غريبة، وتعليقات
وحواش تنبئ عن اعتداء صارخ على مؤلفه وادعاء للعلم مهلك، وحسبي الآن
стр. 4619
مثال
واحد، وهو ما أنا في صدده، فقد وقع الحديث في طبعته هذه المتوجة بإشرافه
كعادته: " لا شيء في البهائم "! نعم هكذا تحرف عليه لفظ (الهام) في الحديث
إلى (البهائم) ! وليس هذا خطأ مطبعيا حتى يغتفر كما زعم بعض الجهلة، لأن
الطابع أعاده على عجره وبجره في تعليق له على طبعته الجديدة أيضا - ودون إذني
أيضا - لكتابي " صحيح الجامع " (٢ / ١٢٤٨) على هذا الحديث قال: " أوله: لا
شيء في البهائم ".. "! فهذا إن دل على شيء فهو يدل - كما يقال اليوم - على أن
الرجل يهرف بما لا يعرف، وينقل الخطأ الذي وقع فيه أولا، ينقله بأمانة ثانيا
! والله المستعان.
٢٩٥٠ - " السلام عليكم يا صبيان! ".
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٨ / ٦٣٣ / ٥٨٢٦) وأحمد (٣ / ١٨٣) قالا
: حدثنا وكيع عن حبيب بن حجر العبسي عن ثابت عن أنس قال: مر علينا رسول
الله ﷺ ونحن صبيان، فقال: فذكره. وأخرجه ابن السني في "
عمل اليوم والليلة " (٧٧ / ٢٢٣) وأبو نعيم في " الحلية " (٨ / ٣٧٨) من
طريقين آخرين عن وكيع به. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير
حبيب هذا، روى عنه جمع آخر من الثقات غير وكيع، وقد ذكره ابن حبان في موضعين
من " أتباع التابعين " من " الثقات "، قال في الأول منهما (٦ / ١٧٩) : "
حبيب بن حجر، شيخ يروي عن ثابت البناني. روى عنه روح بن عبادة ". وقال في
الموضع الآخر (٦ / ٢٤٩) :
стр. 4620
" حبيب بن حجر أبو يحيى العبسي البصري، يروي عن
الأزرق بن قيس عن ابن عمر. روى عنه موسى بن إسماعيل ". فأقول: فرق ابن حبان
بينهما وهو واحد، كما يدل عليه صنيع المتقدمين كالبخاري (١ / ٢ / ٣١٦)
وابن أبي حاتم (١ / ٢ / ٣٠٨) والمتأخرين كالحسيني، والعسقلاني في " التعجيل
" (٥ / ١٨٠) . ثم إنهم اختلفوا في ضبط (حبيب) هل هو على الجادة بالتخفيف،
أم هو (حبيب) بالتشديد، حكى الحافظ القولين دون أن يرجح. لكنه قال: "
وذكره البخاري في آخر من اسمه (حبيب) بالتخفيف ". قلت: وفاته أن يذكر أن
ابن أبي حاتم ذكره بالتشديد. ثم انتبهت لأمر كنت غافلا عنه تبعا للحافظ، ألا
وهو أن البخاري هو سلف ابن أبي حاتم، فقد أورده - أعني البخاري - في آخر حرف
(الحاء) في " باب حبيب " بالتشديد، فهو سلف ابن حبان أيضا في التفريق بين
هذا وبين الذي قبله (حبيب) بالتخفيف، لكن ابن حبان لم يقيد، وإنما أشار
إلى ذلك إشارة لم أتنبه لها، ولا نبه المحقق عليه، وهو أنه أورده فريدا بين
أمثاله من الأسماء المفردة! وبالجملة، فالتفريق المذكور بين الترجمتين
للاختلاف في ضبط الاسم غير ظاهر، شأنه في ذلك شأن نسبته: (العبسي) ، فإنه
هكذا وقع في إسناد الحديث - والسياق لابن أبي شيبة -، وكذلك وقع في ترجمة (
حبيب) من " الثقات "، خلافا لكتاب ابن السني، ولـ (الكتابين) ، أعني "
التاريخ " و " الجرح " وتوابعهما، مثل " التعجيل " وغيره، فقالوا: "
القيسي " وهو الراجح. والله أعلم. وقد تحرفت هذه النسبة في " المسند "،
فصار شيخا لـ " حبيب " هكذا: " حبيب عن قيس عن ثابت "!
стр. 4621
(تنبيه) لقد وهم
الحافظ في هذا الحديث حين قال في " الفتح " (١٠ / ٣٣) : " ووقع لابن السني
وأبي نعيم في " عمل اليوم والليلة " من طريق عثمان بن مطر عن ثابت بلفظ: (
فذكر الحديث، وقال:) وعثمان واه ". ذكره عقب حديث جعفر بن سليمان عن ثابت
- يعني عن أنس - بسياق أتم من هذا، لكن ليس فيه لفظ السلام. وهو مخرج فيما
تقدم تحت الحديث (١٢٧٨) ، ثم قال الحافظ عقب ما نقلته عنه: " وعثمان واه "
. قلت: ووهم الحافظ من ناحيتين: الأولى: أن عثمان هذا ليس في إسناد ابن
السني. والأخرى: نزوله في تخريج الحديث إلى هذا وأبي نعيم! وإهماله عزوه
إياه إلى ابن أبي شيبة وأحمد مع سلامة إسنادهما من الضعف، الأمر الذي لا يليق
بـ (الحافظ) ! ثم إن الحديث من شرط " مجمع الزوائد " للهيثمي، ولكنه لم
يورده، ولعل السبب أن أصله في " الصحيحين " من طريق أخرى عن ثابت عن أنس،
وما أظن هذا يشفع له في تركه إياه. والله أعلم.
٢٩٥١ - " نهى رسول الله ﷺ عن نبيذ الجر ".
أخرجه النسائي في " السنن الكبرى " (٤ / ١٨٩ / ٦٨٣٦) وأحمد (٣ / ٦٦)
والطبراني في " المعجم الأوسط " (١ / ١١٢ / ١ / ٢٢٤٦) من طرق عن هشام بن حسان
عن ابن سيرين عن أبي العالية قال: سئل أبو (وفي رواية: سألت أبا) سعيد
الخدري عن نبيذ الجر؟ قال: فذكره.
стр. 4622
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين،
والرواية الأخرى لأحمد، وزاد: " قال: قلت: فالجف؟ قال: ذاك أشر وأشر "
. وخالف الطرق المشار إليها في تابعي الحديث عاصم - وهو الأحول - فقال:
حدثنا محمد عن أبي العلانية قال: " أتيت أبا سعيد الخدري، فسلمت، فلم يؤذن
لي.. " الحديث، فذكر قصة وفيه: " فسألته عن الأوعية؟ فلم أسأله عن شيء إلا
قال: حرام، حتى سألته عن الجف؟ فقال: حرام. قال محمد: يتخذ على رأسه أدم
فيوكأ ". أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (١٠٧٧) . قلت: ورجاله رجال
الشيخين، لكن قوله في الإسناد المتقدم: " أبو العلانية ". خطأ أشار إليه
النسائي بقوله عقب الإسناد المتقدم: " أبو العالية: الصواب، والذي قبله خطأ
". قلت: وفيه إشارة إلى أن قبل هذا الإسناد إسنادا آخر فيه الخطأ، وهو غير
موجود في مطبوعة " كبرى النسائي " ولا في المصورة، ولعلها أصل المطبوعة،
وقد وقفت على الساقط بواسطة " تحفة المزي " في موضعين منه (٣ / ٣٥٣ / ٤٥١) ،
فقال في الموضع الثاني: " س في الوليمة عن عمرو بن علي عن يحيى عن هشام عن
محمد عن أبي العلانية. تابعه يزيد بن هارون عن هشام. ورواه مخلد بن يزيد عن
هشام عن
стр. 4623
محمد بن سيرين فقال: عن أبي العالية، وقد مضى. قال (س) في حديث
يحيى (!) هذا الصواب والذي قبله خطأ. والله أعلم ". قلت: ورواية عمرو
بن علي.. عن أبي العلانية.. ومتابعة يزيد بن هارون لم أرها في " وليمة
النسائي الكبرى "، ولا في غيره من مظان وجودها، بخلاف رواية مخلد فهي في "
الأشربة " منه، من المطبوعة، والمصورة التي عندي، لكن وقع فيها " أبو
العالية "، ولذلك قال النسائي عقبها: " أبو العالية الصواب، والذي قبله
خطأ ". قلت: ولم يتقدم في المطبوعة ما يخالف الصواب المذكور، فالظاهر أن
فيها سقطا يدل عليه ما تقدم. ثم إنه يبدو أن قوله في المطبوعة " أبو العالية "
خطأ من الطابع أو الناسخ في السند وتعقيب النسائي عليه، وأن الصواب في
الموضعين: أبو العلانية "، وبذلك يلتقي مع كلام المزي المتقدم، ويتفق مع
كلام الحافظ العسقلاني في ترجمة أبي العلانية: " وقيل عن محمد عن أبي العالية
عن أبي سعيد. قال النسائي: وهو خطأ ". ويبدو أيضا أن الخطأ المذكور قديم،
فقد قال المزي عقب كلامه السابق: " وقع في بعض النسخ: " عن أبي العالية " في
الحديثين جميعا، وكذلك ذكرهما أبو القاسم (يعني ابن عساكر) ، وهو وهم،
فإن النسائي قد نبه على الخلاف في موضعين. والله أعلم ". وعلى هذا، فما في
المصدرين المقرونين في أول التخريج مع النسائي: أحمد والطبراني خطأ أيضا،
ويؤيده بالنسبة لرواية أحمد أن المزي رواه بإسناده عن أحمد
стр. 4624
بسنده في " المسند "
فقال: " أبو العلانية "، وبالنسبة للطبراني الذي رواه من طريق فهد بن عوف
أبي ربيعة قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن أيوب السختياني، وعاصم الأحول،
وهشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي العالية.. فالجواب سهل، وهو أن فهدا
هذا غير ثقة فلا يعتد بروايته فكيف بمخالفته؟! فقد تركه مسلم وغيره، وكذبه
ابن المديني. أما بالنسبة لهشام، فقد تبين مما تقدم. وأما بالنسبة لعاصم
الأحول، فقد خالفه عبد الواحد بن زياد، فقال البخاري في " الأدب المفرد " (١٠٧٧) : حدثنا موسى بن إسماعيل: قال: حدثنا عبد الواحد قال: حدثنا عاصم
حدثنا محمد عن أبي العلانية قال: فذكره بنحوه. وفيه قصة وهذا إسناد صحيح
كما تقدم. وأما بالنسبة لروايته عن حماد عن أيوب، فالأمر مختلف، فقد وجدت
له متابعا قويا، فقال عبد الرزاق في " المصنف " (٩ / ٢٠٦ / ١٦٩٤٧) : عن معمر
عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي العالية، فهل هذا أيضا من بعض النساخ، ذلك مما
يصعب القطع به إلا بعد الوقوف على نسخة أخرى عتيقة من " المصنف " غير التي طبع
عليها، أو ما يؤيد ذلك من طرق أخرى عن أيوب. والله أعلم. ثم
إن الحديث قد توبع عليه أبو العالية أو أبو العلانية، فقال قتادة: حدثني
أربعة رجال عن أبي سعيد الخدري: فذكره. أخرجه أحمد (٣ / ٧٨) بسند صحيح،
ومن هؤلاء الأربعة أبو نضرة. رواه مسلم (٦ / ٩٤) وأحمد (٣ / ٣) . وله
شاهد من حديث عبد الله بن أبي أوفى. رواه البخاري (٥٥٩٦) وابن
стр. 4625
حبان (٥٣٧٨) ومن حديث ابن عمر من طرق عند مسلم (٦ / ٩٥ - ٩٧) وابن حبان (٥٣٧٩ و ٥٣٨٧
) وعنده عن أبي هريرة (٥٣٨٠) ومن طريق أخرى عنه نحوه (٥٣٧٧) . والحديث
ظاهر في تحريم نبيذ الجر، وقد صرح بالتحريم ابن عمر في رواية لمسلم عنه،
وفيه تصديق ابن عباس إياه، وقال: " الجر: كل شيء يصنع من المدر ". و (
المدر) : التراب. وقال ابن الأثير في " النهاية ": " وهو الإناء المعروف
من الفخار، وأراد بالنهي: عن الجرار المدهونة لأنها أسرع في الشدة والتخمير
". وقد اختلف العلماء في حكم الانتباذ في الجرار على مذاهب ذكرها الحافظ في "
الفتح " (١٠ / ٥٨ - ٦٢) ، فمن شاء الوقوف عليها رجع إليه. والذي يبدو لي -
والله أعلم - أن النهي معلل بخشية تحول النبيذ في الجرار إلى مسكر دون أن يشعر
المنتبذ، فإذا وجدت الخشية بالنسبة لبعض الناس، أو في بعض البلاد وجد المنع،
وإلا جاز، وفي هذه الحالة يأتي قوله ﷺ : ".. ونهيتكم عن
الأشربة ألا تشربوا إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء، غير أن لا تشربوا
مسكرا ". رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (ص ١٧٨ - ١٧٩)
وغيره.
٢٩٥٢ - " كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أحمد الله إليك يا رسول الله! فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: هذا الذي أردت منك ".
أخرجه الطبراني في " المعجم الأوسط " (١ / ٢٦٥ / ١ / ٤٥٣٨) من طريق