أخرجه البخاري (٧ / ١٧٦ - ١٧٨) ومسلم، وأحمد (٥ / ٣٢١
) . الثالثة: عن أبي الأشعث الصنعاني عنه قال: " أخذ علينا رسول الله صلى
الله عليه وسلم كما أخذ على النساء: أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا
نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا يعضه بعضنا بعضا، [ولا نعصيه في معروف]
فمن وفي منكم.. " الحديث. أخرجه مسلم، وأحمد (٥ / ٣٢٠) وابن ماجه (٢ /
١٢٩) طرفه الأخير. وفي الحديث رد كما قال العلماء على الخوارج الذين يكفرون
بالذنوب، وعلى المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة، لأن
النبي ﷺ أخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل لابد أن يعذبه.
قلت: ومثله قوله تعالى: * (إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك
لمن يشاء) *. فقد فرق تعالى بين الشرك وبين غيره من الذنوب، فأخبر أن الشرك
لا يغفره، وأن غيره تحت مشيئته، فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ولابد من
حمل الآية والحديث على من لم يتب، وإلا فالتائب من الشرك مغفور له، فغيره
أولى، والآية قد فرقت بينهما، وبهذا احتججت على نابتة نبتت في العصر الحاضر
، يرون تكفير المسلمين بالكبائر تارة، وتارة يجزمون بأنها ليست تحت مشيئة
الله تعالى وأنها لا تغفر إلا بالتوبة، فسووا بينها وبين الشرك فخالفوا
الكتاب والسنة، ولما أقمت عليهم الحجة بذلك في ساعات، بل جلسات عديدة، رجع
بعضهم إلى الصواب، وصاروا من خيار الشباب السلفيين، هدى الله الباقين. قوله
: (ولا يعضه) : أي لا يرميه بـ (العضيهة) ، وهي البهتان والكذب.
стр. 4797
٣٠٠٠ - " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن،
ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم وهو
مؤمن ".
أخرجه البخاري ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة، وله عنه طرق:
الأولى: عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عنه. أخرجه البخاري (٥
/ ٩٠ و ١٢ / ٤٨) ومسلم (١ / ٥٤) والنسائي (٢ / ٣٣٠) وابن ماجه (٢ /
٤٦٠ - ٤٦١) من طرق عن الزهري عنه به. وإسناد البخاري في الموضع الأول:
حدثنا سعيد بن عفير قال: حدثني الليث: حدثنا عقيل عن ابن شهاب ... وإسناده
في الموضع الآخر: حدثني يحيى بن بكير: حدثنا الليث به. وهو عند الآخرين من
طرق أخرى عن الليث به. وتابعه يونس عن ابن شهاب الزهري به. أخرجه مسلم،
وكذا البخاري. الثانية والثالثة: قال ابن شهاب: وعن سعيد وأبي سلمة عن أبي
هريرة عن النبي ﷺ مثله، إلا النهبة. أخرجه البخاري (٥ / ٩١
و١٠ / ٢٨) ومسلم من طريق يونس عنه به. وتابعه الأوزاعي عن الزهري به، إلا
أنه قرن معهما أبا بكر بن عبد الرحمن. أخرجه مسلم، والنسائي. وأخرجه
الدارمي (٢ / ١١٥) عن أبي سلمة وحده، وكذا رواه ابن أبي شيبة في " الإيمان
" رقم (٣٨ - بتحقيقي) . الرابعة: عن ذكوان عن أبي هريرة به، دون النهبة،
وزاد:
стр. 4798
" والتوبة معروضة بعد ". أخرجه البخاري (١٢ / ٦٧ و ٩٥) ومسلم
والنسائي (٢ / ٢٥٤) وكذا أبو داود (٢ / ٢٧٠) والترمذي (٢٦٢٧) وأحمد (٢
/ ٣٧٦ - ٣٧٧ و ٤٧٩) كلهم عن الأعمش عنه به. وتابعه القعقاع ويزيد بن أبي
زياد عن أبي صالح به دون الزيادة، إلا أن الأول منهما ذكر النهبة، وأشار
الأول إليها بقوله: " وذكر رابعة فنسيتها "، وزاد: " فإذا فعل ذلك خلع
ربقة الإسلام من عنقه، فإن تاب تاب الله عليه ". وهذه زيادة منكرة تفرد بها
يزيد هذا، وهو الهاشمي مولاهم، وفيه ضعف لسوء حفظه. الخامسة: عن همام عنه
به نحوه، إلا أنه قال: " ولا ينتهب أحدكم نهبة ذات شرف يرفع إليه المؤمنون
أعينهم فيها وهو حين ينتهبها مؤمن، ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن،
فإياكم إياكم ". أخرجه مسلم، وأحمد (٢ / ٣١٧) . السادسة والسابعة:
يرويهما صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار - مولى ميمونة - وحميد بن عبد الرحمن
عنه. أخرجه مسلم، وأحمد من طريق آخر عن عطاء وحده كما يأتي قريبا. الثامنة
: عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عنه. أخرجه مسلم. التاسعة: عن قتادة عن
الحسن وعطاء عنه.
стр. 4799
أخرجه أحمد (٢ / ٣٨٦) ، وأخرجه مسلم من طريق آخر عن عطاء
كما سبق قريبا. العاشرة: عن الأعرج عنه. دون الزيادات. أخرجه أحمد (٢ /
٢٤٣) ، وسنده صحيح على شرط الشيخين، وقال الترمذي عقب الحديث: " وفي
الباب عن ابن عباس وعائشة وعبد الله بن أبي أوفى، (وقال:) حديث أبي
هريرة حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه ". قلت: أما حديث ابن عباس، فأخرجه
البخاري (١٢ / ٦٧ و ٦٥) والنسائي (٢ / ٢٥٤) من طريق الفضيل بن غزوان عن
عكرمة عنه دون الزيادات المتقدمة، إلا أنه زاد في آخره: " ولا يقتل وهو
مؤمن ". زاد البخاري في إحدى روايتيه: " قال عكرمة: قلت لابن عباس: كيف
ينزع الإيمان منه؟! قال: هكذا - وشبك بين أصابعه ثم أخرجها - فإن تاب عاد
إليه هكذا. وشبك بين أصابعه ". وأما حديث عائشة، فأخرجه أحمد (٦ / ١٣٩)
وابن أبي شيبة (رقم ٣٩) ، بإسناد رجاله ثقات، لولا عنعنة ابن إسحاق. وأما
حديث ابن أبي أوفى، فأخرجه ابن أبي شيبة (٤٠ و ٤١) بسند حسن كما بينته في
التعليق عليه، وأخرجه أحمد (٤ / ٣٥٢ - ٣٥٣) أيضا. وروي من حديث ابن عمر
أيضا، فقال ابن لهيعة: عن أبي الزبير قال: سألت جابرا: أسمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: (فذكر فقرة الزنى والسرقة فقط) ؟ قال جابر: لم أسمعه
. قال جابر: وأخبرني ابن عمر، وأنه قد سمعه.
стр. 4800
أخرجه أحمد (٣ / ٣٤٤٦) ،
ورجاله ثقات لولا ضعف ابن لهيعة، وقد أورده الهيثمي في " المجمع " (١ / ١٠٠)
عن ابن عمر مرفوعا بالفقرات الأربع، وقال: " رواه الطبراني في " الكبير "
بطوله، والبزار، وروى أحمد منه: لا يزني الزاني ولا يسرق فقط، وفي
إسناد أحمد ابن لهيعة، وفي إسناد الطبراني معلى ابن مهدي، قال أبو حاتم:
يحدث أحيانا بالحديث المنكر، وذكره ابن حبان في (الثقات) ". ثم ذكر لهما
شاهدين آخرين من رواية الطبراني من حديث عبد الله بن مغفل وأبي سعيد الخدري،
فليراجعهما من شاء. واعلم أن الداعي إلى تخريج هذا الحديث المجمع على صحته
عند أئمة الحديث من الشيخين وغيرهما أنني رأيت الشيخ زاهد الكوثري المعروف
بعدائه الشديد لأهل السنة والحديث، قد علق عليه في حاشيته على كتاب " التنبيه
" بما يشعر القارىء العادي أنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة، فرأيت من الضروري
القيام بهذا التخريج الذي يمكن به لكل قارىء أن يكشف ما في تعليقه عليه من
تضليل القراء، بإفهامه إياهم خلاف الحقيقة من نواح يأتي بيانها، فقد قال في
التعليق المشار إليه (ص ١٥٤) بعد أن ذكر حديثين آخرين صحيحين أحدهما حديث
عبادة المتقدم آنفا، والآخر حديث أبي ذر المتقدم برقم (٨٢٦) : " وإن سرق
وإن زنى "، قال: " وأما حديث " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " فأحط
منهما في الصحة (!) بل أنكر بعض أهل العلم صحته بالمرة كما حكى ابن جرير،
وفي سنده يحيى بن عبد الله بن بكير، وهو ممن لا يحتج به أبو حاتم، وقد ضعفه
النسائي، لكن مشاه الجمهور وأولوا الحديث لمخالفة ظاهر معناه الكتاب والسنة
والإجماع - راجع فتح الباري (١٢ - ٤٧) ".
стр. 4801
والرد عليه من وجوه: الأول:
أنه ليس أحط منهما في الصحة، بل هو أعلى منهما فيها، كيف لا وهو قد رواه
سبعة من الصحابة وهم أبو هريرة ولحديثه وحده عشرة طرق عنه كما تقدم بيانه!
وابن عباس، وعائشة، وابن أبي أوفى، وابن عمر، وعبد الله بن مغفل، وأبو
سعيد الخدري. وأما حديث أبي ذر، فله عنه ثلاث طرق فقط، وله شاهد من حديث
أبي الدرداء ضعفه البخاري، وآخر من حديث سلمة بن نعيم عند الإمام أحمد.
وأما حديث عبادة، فله عنه ثلاث طرق أيضا، ولم أجد له شاهدا في المصادر
المتوفرة لدي الآن. إذا عرفت هذا أيها القارىء الكريم يتبين لك بجلاء لا غموض
فيه بطلان قول الكوثري إن حديث الترجمة أحط من الحديثين المشار إليهما في الصحة
! إذ كيف يعقل ذلك وقد عرفت أنه أكثر منهما طرقا وشواهد؟ وهذا القول منه في
الحقيقة مما يؤكد أن الرجل - مع علمه - لا يوثق بأقواله، لأنه يتبع هواه
فيدفعه إلى أن يهرف بما لا يعرف، أو إلى أن ينحرف عما يعرف، فيجعل المرجوح
راجحا، أو المفضول فاضلا، وبالعكس، نسأل الله العافية. الثاني: هب أنه
أحط منهما في الصحة، فذلك مما لا يقدح فيه عند أهل المعرفة بهذا العلم الشريف
، ألا ترى أن الحديث الحسن لغيره أحط في الثبوت من الحسن لذاته، وهذا أحط في
الصحة من الصحيح لغيره، وهذا أحط من الصحيح لذاته، وهكذا يقال في المشهور
والمستفيض مع المتواتر كما هو ظاهر، والكوثري لا يخفى عليه هذا، ولكنها
المكابرة واتباع الهوى الذي يحمله على الغمز في الحديث الصحيح لمخالفته لمذهبه
، بل لهواه، كما يأتي بيانه!
стр. 4802
الثالث: قوله: بل أنكر بعض أهل العلم صحته
بالمرة كما حكى ابن جرير. فأقول: فيه تحريف خبيث لغاية في نفسه من المبالغة
في تعظيم المنكر لصحة هذا الحديث، فإن نص كلام ابن جرير كما حكاه الحافظ عنه
في المكان الذي أشار إليه الكوثري نفسه: " وأنكر بعضهم أن يكون صلى الله عليه
وسلم قاله ". فقوله: " بعضهم " شرحه الكوثري بقوله: " بعض أهل العلم ".
وهذا مما لا دليل عليه، فقد يكون المنكر الذي أشار إليه ابن جرير ليس عنده من
أهل العلم الذين يستحقون أن يحشروا في زمرتهم، بل هو عنده من أهل الأهواء
والبدع كالمرجئة ونحوهم، كما هو شأن الكوثري عندي، فتأمل كيف حرف هذا النقل
عن ابن جرير لتضخيم شأن المنكر، مما يؤكد أنه لا يوثق بنقله عن العلماء، وكم
له من مثله مما لا مجال الآن للإفاضة فيه. الرابع: قوله: وفي سنده يحيى بن
عبد الله بن بكير، وهو ممن لا يحتج به أبو حاتم ... إلخ. قلت: وهذا أسوأ
ما في هذا التعليق من الجور والطعن في الراوي الثقة، وفي حديثه بدون حجة
ولا بينه، وإليك البيان: أولا: لقد اعتمد في الطعن في ابن بكير على كلام أبي
حاتم والنسائي، وهو يعلم أنه طعن غير مفسر، وأن مثله لا يقبل، لاسيما إذا
كان وثقه الجمهور، واحتج به الشيخان، ولذلك قال الذهبي: " ثقة صاحب حديث
ومعرفة، يحتج به في " الصحيحين " (ثم ذكر كلام أبي حاتم والنسائي فيه ثم قال
:) ووثقه غير واحد ". ثانيا: هب أن جرح من جرحه مقدم على توثيق من وثقه،
فلا يلزم أن يكون
стр. 4803
مجروحا في كل من روى عنهم، كما أن العكس غير لازم أيضا، أي
لا يلزم من كون الراوي ثقة أن يكون ثقة في كل من روى عنهم، كما هو معلوم عند
المشتغلين بهذا العلم، فقد يكون المجروح له نوع اختصاص ببعض الرواة والحفظ
لحديثهم فيكون ثقة في مثلهم، وهذا الحديث قد رواه ابن بكير عن الليث كما تقدم
في أول هذا التخريج، وقد قال ابن عدي فيه: " كان جار الليث بن سعد، وهو
أثبت الناس فيه، وعنده عن الليث ما ليس عند أحد ". وقد لاحظ الحافظ ابن حجر
اختصاصه المذكور بالليث، فقال في " التقريب ": " ثقة في الليث، وتكلموا في
سماعه من مالك ". فتأمل أيها القارىء الكريم كيف كتم الكوثري الاختصاص المذكور
الذي لا يسمح مطلقا بجرح ابن بكير في روايته عن الليث خاصة، فما أجرأه على
كتمان الحق، والتدليس على الناس. ثالثا: هب أنه مجروح مطلقا حتى في روايته
عن الليث، فجرحه ليس لتهمة في نفسه، وإنما لضعف في حفظه يخشى أن يعرض له في
بعض حديثه، وهذه الخشية منفية هنا، لأنه قد تابعه سعيد بن عفير قال: حدثني
الليث به كما تقدم أيضا من رواية البخاري. وتابعه آخرون عند مسلم وغيره كما
سبقت الإشارة إلى ذلك في مطلع هذا التخريج، فماذا يقال عن هذا الكوثري الذي
تجاهل هذه المتابعات كلها وهي بين يديه وعلى مرأى منه، ثم كيف تجاهل الطرق
الأخرى عن سائر الصحابة الذين تابعوا أبا هريرة ﵃ جميعا، لقد
تجاهل الكوثري كل هذه الحقائق، ليوهم القارىء أن الحديث تفرد به ابن بكير
وأنه متكلم فيه، وأن الحديث ضعيف، وهو صحيح مستفيض، إن لم نقل إنه متواتر.
فالله تعالى يعامله بما يستحق، فما رأيت له شبها في قلب الحقائق وكتمانها إلا
السقاف والهدام!
стр. 4804
رابعا: ولا يفيده شيء قوله: " لكن مشاه الجمهور "، لأنه
من قبيل التضليل والتغطية لعورته! لأنه إن كان معهم في تمشية حاله والاحتجاج
بحديثه، فلماذا نقل تضعيفه عن أبي حاتم والنسائي؟! وما المراد من التعليق
كله حينئذ؟! ولكن الحقيقة أن الكوثري يماري ويداري، ويتخذ لنفسه خط الرجعة
إذا ما رد عليه أحد من أهل العلم! خامسا: قوله: وأولوا الحديث ... إلخ.
قلت: وماذا في التأويل إذا كان المقصود منه التوفيق بين نصوص الشريعة، وهل
هو أول حديث صحيح يؤول؟! فماذا يفعل الكوثري بقوله ﷺ : " لا
يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "؟ متفق عليه. وقد مضى تخريجه رقم (٧٣) وقوله: " والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، الذي لا يأمن
جاره بوائقه ". رواه البخاري. والحقيقة أن الحديث وإن كان مؤولا، فهو حجة
على الحنفية الذين لا يزالون مصرين على مخالفة السلف في قولهم بأن الإيمان لا
يزيد ولا ينقص، فالإيمان عندهم مرتبة واحدة، فهم لا يتصورون إيمانا ناقصا،
ولذلك يحاول الكوثري رد هذا الحديث، لأنه بعد تأويله على الوجه الصحيح يصير
حجة عليهم، فإن معناه: " وهو مؤمن إيمانا كاملا ". قال ابن بطال: " وحمل
أهل السنة الإيمان هنا على الكامل، لأن العاصي يصير أنقص حالا في الإيمان ممن
لا يعصي ". ذكره الحافظ (١٠ / ٢٨) . ومثله ما نقله (١٢ / ٤٩) عن الإمام
النووي قال: " والصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي
وهو كامل
стр. 4805
الإيمان، هذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء، والمراد نفي
كماله، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا ما نيل، ولا عيش إلا
عيش الآخرة ". ثم أيده الحافظ في بحث طويل ممتع، فراجعه. ومن الغرائب أن
الشيخ القارىء مع كونه حنفيا متعصبا فسر الحديث بمثل ما تقدم عن ابن بطال
والنووي، فقال في " المرقاة " (١ / ١٠٥) : " وأصحابنا تأولوه بأن المراد
المؤمن الكامل.. "، ثم قال: " على أن الإيمان هو التصديق، والأعمال خارجة
عنه "! فهذا يناقض ذاك التأويل. فتأمل.
стр. 4806
الاستدراكات
١- صفحة ٧٠٢، تحت الحديث (٢٧٩٦) :
ثم استدركت فقلت:
أولًا: حديث طلحة من رواية سليمان بن أيوب، قد أخرجه من طريقه الضياء في "المختارة" (٣/٤٣/٨٤٨) .
ثانيًا: حديث أنس أخرجه ابن عساكر (٨/٥٤٨) من طريق أبي نعيم عند الطبراني بسنده الضعيف عمن سمع أنس بن مالك: يعني طلحة يوم أحد.
أقول: فلعل عزو السيوطي حديث أنس هذا للطبراني إنما هو تسليم منه لرواية ابن عساكر إياه عنه، ومثل هذا يفعله هو وغيره كثيرًا، والله أعلم.
ثالثًا: حديث الزهري أخرجه ابن عساكر أيضًا (٥٤٩) من طريق الوليد بن مسلم: حدتني الليث عن (الأصل: بن) عقيل عن ابن شهاب الزهري به.
قلت: وهذا إسناد صحيح مرسل، فهو شاهد قوي لما تقدم.
وللحديث طريق أخرى عن طلحة، أخرجه أحمد في "فضائل الصحابة" (٢/٧٤٥/١٢٩٤) : ثنا هشيم قال: أنا إبراهيم بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن موسى بن طلحة: أن طلحة ضربت كفه يوم أحد ... وهذا صورته صورة المرسل.
وتابعه أبان بن سفيان: نا هشيم به، إلا أنه قال: عن أبيه ... فوصله.
أخرجه ابن عساكر (٨/٢٤٧-٥٤٨) من طريق الدارقطني، وقال:
"قال الدارقطني: تفرد به هشيم، وهو قديم حديثه".
ثم رواه ابن عساكر من طريق الحافظ عبد الله بن سليمان بن الأشعث من
стр. 4807
طريق أبان بن سفيان، إلا أنه قال: (إبراهيم بن محمد بن طلحة) مكان (إبراهيم ابن عبد الرحمن مولى آل طلحة) .
قلت: وهذا لم أعرفه، فقول المعلق على "الفضائل": "إسناده صحيح"؛ لا أدري وجهه! والذي قبله تابعي من رجال مسلم، مات سنة (١١٠) ، وهشيم لم يدركه؛ مات سنة (١٨٣) ، وكان يدلس.
وله إسناد آخر يرويه عن أبي حمزة عمران بن أبي عطاء، وتابعه صفوان بن عمرو قال: حدثني أبو حمزة مولى أبي مريم الغساني قال: كان طلحة.. أخرجه الدولابي في "الكنى" (١/٢٥٧٧) ، وهو مرسل أيضًا؛ أبو حمزة هذا تابعي ثقة.
٢- صفحة ٩٤٨، تحت الحديث (٢٩٠٢ - هامش) :
ثم رأيته في "جامع المسانيد" للحافظ ابن كثير، ذكره (١/١٩٦/١٧٣) من طريق علي بن عياش فقط. وقد عزاه المعلق عليه الدكتور قلعجي لأحمد في "مسنده" (٣: ٤١٧) ! هكذا بالجزء والصفحة! ولست أدري -والله- أهذا من أوهامه، أم من تشبعه بما لم يعط؛ كما يفعل بلديه الشيخ الصابوني؟ فإنه لا يوجد في المكان المشار إليه من "المسند" إلا حديث تخطي الرقاب الآتي ذكره (ص ٩٥١) ، وذكره ابن كثير قبيل هذا!
٣- صفحة ١٠٤٧، تحت الحديث (٢٩٣٤) :
قوله في حديث الدجال: "وإنه يمطر السماء، وتنبت الأرض". كذا وقع في "مصنف ابن أبي شيبة"، وفي "الدر النثور" (٥/٣٥٥) معزوًا إليه: " ... وتنبت الأرض"، بحذف (لا) النافية: وفي "المسند" و"السنة": " ... ولا ينبت الشجر"، فأثبت (لا) ، وذكر "الشجر" مكان "الأرض"، وكذا في "كنز العمال" (١٤/٦٠٥) برواية البغوي.
стр. 4808
ولعل الصواب هذا الأخير: إثبات (لا) ؛ لاتفاق المصادر المذكورة عليها، إلا "الدر"، فيكون قد سقط منه؛ من الناسخ أو الطابع، وإثبات "الشجر" مكان "الأرض"، وأما رواية "المصنف": "ولا تنبت الأرض"، فهي شاذة لمخالفتها لحديث النواس الطويل: "فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت..". رواه مسلم وغيره، ومضى تخريج طرف منه (١/٨٦٩ و٤/٣٨٣) ، وهو بتمامه في "صحيح الجامع" (٤٠٤٢) . ومثله في حديث أبي أمامة الطويل عند ابن ماجه وغيره، ومضى تخريجه برقم (٢٤٥٧) ، وهو في "صحيح الجامع"، برقم (٧٧٥٢) محذوف ما لم أجد له شاهدًا. ثم أفرزته في رسالة خاصة بعنوان (قصة المسيح الدجال ونزول عيسى ﵇ وقتله إياه في آخر الزمان) ، وضممت إليه ما صح فيها عن غيره من الصحابة.
وأما رواية: "ولا ينبت الشجر"، فلا تخالف رواية "وتنبت الأرض"، لأنها أخص منها، فيكون المراد: ما تنبته الأرض من العشب لا الشجر، وهذا المعنى يكاد أن يكون صريحًا في تمام حديث النواس: "فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذُرًا، وأسبغه ضروعًا، وأمده خواصر ... ".
٤- صفحة ١١١٣، تحت الحديث (٢٩٥٧) :
أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير" (١٣٤ و١٣٥/الروض النضير) بإسنادين أحدهما ضعيف، وهو مخرج في "الضعيفة" (٥٧٦٥) لزيادة في متنه، والآخر -وهذا متنه-، ورجاله ثقات رجال البخاري؛ غير شيخ الطبراني (كوشاذ ابن شهردان) ، ولم أجد له ترجمة، وقد ذكره أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/١٦٧) ، لروايته هذا الحديث عن شيخه الطبراني، ولم يذكر فيه شيئًا آخر، فهو في عداد المجهولين، وقد فات هذا الإسناد الحافظ الهيثمي، فلم يذكره في "المجمع" إلا بالإسناد الأول!
стр. 4809
وأصله في "صحيح البخاري" مطولًا (٥٤٦٦) عن الوجه الثاني بنحوه، وله طرق كثيرة عن أنس في "الصحيحين" وغيرهما، وقد مضى تخريج أحدها تحت الحديث (٣١٤٨) .
٥- الصفحة ١١٣١، تحت الحديث (٢٩٦٣) :
ثم طبع كتاب "الصلاة على النبي ﷺ " لابن أبي عاصم، في سنة (١٤١٥) تحقيق أخينا حمدي السلفي، فرأيت الحديث فيه كما تقدم برواية الديلمي عنه، إلا أنه وقع فيه مكان (.. ابن أزهر) ( ... ابن زاهر) ، فلم أعرفه، لكن يحتمل أنه (محمد بن زاهر ابن أخي خيثمة زهير بن حرب) ، فإنه من هذه الطبقة، وقد ترجمه ابن أبي حاتم، والخطيب (٥/٢٨٩) ، وابن عساكر (١٥/ ٣٢٧) فإن يكن هو فالإسناد جيد، فإن سائر رجاله ثقات على ضعف في بعضهم.
ثم قال ابن أبي عاصم (٥٤/٧٠) : حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم: حدثنا الحسين بن محمد: حدثنا شيبان عن قتادة عن أنس بن مالك عن أبي طلحة مرفوعًا بلفظ حديث (أبي العوام) المتقدم (ص ١١٢٦) ؛ دون قوله: "فإنما أنا رسول من المرسلين".
ورواه ابن أبي حاتم عن شيخه علي بن الحسين بن الجنيد: حدثنا أبو بكر الأعين ومحمد بن عبد الرحيم -صاعقة- قالا: حدثنا حسين بن محمد به. كما في "تفسير ابن كثير" (٤/٢٥) .
قلت: فهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، والحسين بن محمد هو ابن بهرام التميمي المرُّوزي، وشيبان هو ابن عبد الرحمن النحوي، فصح الحديث والحمد لله.
стр. 4810
سلسة الأحاديث الصحيحة
وشيء من فقهها وفوائدها
تأليف
محمد ناصر الدين الألباني
﵀
المجلد السابع
القسم الأول
مكتبة المعارف للنشر والتوزيع
لصاحبها
سعد بن عبد الرحمن الراشد
الرياض
стр. 4811
الطبعة الأولى
١٤٢٢هجري -٢٠٠٢م
стр. 4812
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الناشر
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
فإنه كان من توفيق الله لي أن شرفني بالمشاركة في خدمة سنة نبيه ﷺ ، فكنت ناشراً لهذه السلسلة الذهبية، والدراري المضية، من الأحاديث الصحيحة النبوية، للشيخ المجدد الإمام، المحدث الفذ الهمام، محمد ناصر الدين الألباني، أبي عبد الرحمن، ﵀ وأسكنه فسيح الجنان.
وها هو بين يديك- أخي القارئ- آخر ما كتب الشيخ من "السلسلة الصحيحة"،
وهو يضم المجلد السابع (٣٠٠١- ٣٥٠٠) ، والمجلد الثامن (٣٥٠١- ٤٠٠٠) ، وبداية المجلد التاسع (٤٠٠١- ٤٠٣٥) ، وننبه هنا أننا وجدنا قفزاً في الترقيم في المجلد الثامن بعد الحديث (٣٦٢٤) إلى (٣٩٣٧) ، وقفزاً آخر في المجلد التاسع (٤٠٠٦- ٤٠٣٣) - لم نعلم سببهما- فسقط بذلك (٣٤٠) حديثاً، وقد رأينا الإبقاء على هذا الوضع لأهمية الترقيم الذي كان يعتمده الشيخ ﵀، حيث إنه يحيل في كتبه على أرقام الأحاديث التي يحققها ويرقمها بترقيمه الخاص.
ونظرأ لكثافة مادة هذا الكم من الأحاديث رأينا تقسيمها إلى ثلاثة مجلدات.
ومن الجدير بالذكر هنا أن هذا المجلد يمثل- بطبيعة الحال- خاتمة ما توصل إليه الشيخ من أسس وقواعد منهجه في البحث والتحقيق في مجال هذا العلم
стр. 4813
الشريف، وعصارة فكره وفقهه، وكل هذا يجده القارئ في هذا الكتاب- بأقسامه الثلاثة- الزاخر بالأبحاث الحديثية والفقهية القيمة، والردود العلمية، مما فتح الله به على الشيخ رحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة.
ويحسن التنبيه هنا إلى أن الشيخ ﵀ قد ذكر حديثين برقمي (٣١٠٦، ٣٥٢٨) ، ثم عَدَلَ عن تصحيحهما ونَقَلَهُمَا إلى "الضعيفة" (٦٧٢٠، ٥٨٤٨) ، وقد أشار الشيخ إلى نقل الأول منهما، وأشرنا إلى نقل الآخر في مكانه.
وأخيراً؛ فقد قمنا بطباعة الكتاب كما هو في أصل الشيخ، مع تصويب ما لا ينجو منه بشر من خطأ ظاهر، وقمنا بصنع فهارسه العلمية على نحو ما كانت تصنع في حياة الشيخ- على قدر الإمكان- وذلك بالتعاون مع بعض إخواننا من طلبة العلم، جزاهم الله خيراً.
والله نسأل أن ينفع بهذا المجلد- كما نفع بما سبقه- المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يجزل للشيخ المثوبة، وينعم عليه بالمغفرة، إنه سميع مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.
الناشر
٨ جمادى الآخرة ١٤٢١هـ *
стр. 4814
٣٠٠١ - (إنْ أُدْخِلْتَ الجنَّةَ أُتِيتَ بفَرسٍ من ياقُوتَة لهُ جناحانِ، فَحُمِلْتَ عليهِ ثُمَّ طار بِكَ حيثُ شِئْتَ) .
أخرجه الترمذي (٢٥٤٧) ، والطبراني (٤/٢١٥/٤٠٧٥) ، وعنه أبو نعيم في "صفة الجنة" (٢٦١/٤٢٣) من طريق واصل بن السائب عن أبي سَوْرة عن أبي أيوب قال:
أتى النبي ﷺ أعرابي، فقال: يا رسول الله! إني أحب الخيل، أفي الجنة خيل؟ قال رسول الله ﷺ فذكره. وقال الترمذي:
"هذا حديث حسن، ليس إسناده بالقوي، ولا نعرفه من حديث أبي أيوب إلا من هذا الوجه، وأبو سورة- هو ابن أخي أيوب- يُضعَّف في الحديث، ضعّفه يحيى بن معين جداً، قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: أبو سورة هذا منكر الحديث؛ يروي مناكير عن أبي أيوب لا يتابع عليها ".
قلت: وواصل أيضاً ضعيف كما في "التقريب ".
فإن قيل: كيف يحسن الترمذي الحديث مع تضعيفه لإسناده؟!
والجواب: أنه لا غرابة في ذلك؛ لأن التحسين المذكور إنما هو بالنظر لشواهده، وقد ساق الترمذي أحدها في الباب من طريق عاصم بن علي: حدثنا المسعودي عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه:
أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هل في الجنة من خيل؟ قال:
"إن الله أدخلك الجنة؛ فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت ".
стр. 4815
قال: وسأله رجل فقال: يا رسول الله! هل في الجنة من إبل؟ قال: فلم يقل
له مثلما قال لصاحبه، قال:
"إن يدخلك الله الجنة؛ يكن لك فيها ما اشتهت نفسك، ولذّت عينك ".
حدثنا سويد بن نصر: أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن عبد الرحمن بن سابط عن النبي ﷺ بمعناه. وهذا أصح من حديث المسعودي.
قلت: واسناد الموصول ضعيف؛ لضعف المسعودي، ونحوه عاصم بن علي، إلا أن هذا قد توبع؛ فقال أحمد (٥/٣٥٢) : ثنا يزيد: ثنا المسعودي به.
وبهذا الإسناد أخرجه ابن أبي شيبة (١٣/١٠٧/١٥٨٣٨) ، وأخرجه الطيالسي (١٠٨/٨٠٦) ، وأبو نعيم (٤٢٥) ، والبيهقي في "البعث " (٤٣٥- ٤٣٧) . وأما المرسل فإسناده صحيح، فهو شاهد قوي لحديث الباب.
وللحديث شاهد آخر موصول من حديث عبد الرحمن بن ساعدة ﵁ مرفوعاً. قال المنذري (٤/٢٦٩) ، ثم الهيثمي (١٠/٤١٣) :
"رواه الطبراني؛ ورواته ثقات ".
وقد أخرجه أبو نعيم (٤٢٤) ، وفي "معرفة الصحابة " (٢/٤٨/ ١) ، والبيهقي (٤٣٩) من طرق عن حَنَش بن الحارث عن علقمة بن مرثد عن عبد الرحمن بن ساعدة. ولم يذكر أبو نعيم في رواية له (عبد الرحمن بن ساعدة) . وقال البيهقي:
"ورواه الثوري عن علقمة بن مرثد عن عبد الرحمن بن سابط الجمحي عن النبي ﷺ مرسلاً ".
стр. 4816
وأشار إلى ترجيحها، وهو ما رجحه الترمذي أنفاً.
وقال الحافظ في ترجمة (عبد الرحمن بن ساعدة) من "الإصابة ":
" وهو المحفوظ ".
وهكذا رواه ابن المبارك في "الزهد" (٧٧/ ٢٧١- نعيم) ، وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (٧٨/٢٤٤) من طريق سفيان به مرسلأ.
والخلاصة: أنه إذا ضم إلى هذا المرسل الصحيح حديث المسعودي المسند عن بريدة ﵁؛ ارتقى الحديث إلى درجة الحسن على أقل تقدير. والله أعلم.
وللجملة الأخيرة من حديث بريدة شاهد من حديث المغيرة بن شعبة في حديثه المرفوع في أدنى أهل الجنة منزلة بلفظ:
"فقال في الخامسة: رضيت رب! فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك.. " الحديث.
أخرجه مسلم (١/ ١٢١) . *
٣٠٠٢ - (إنَّ الحُورَ في الجنَّةِ يَتَغَنَّينَ يَقُلْنَ: نَحْنُ الحُورُالحِسَان هدِينا لأزواجٍ كرام) .
أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/١/١٦) ، وابن أبي داود في "البعث والنشور" (رقم: ٧٥) ، والطبراني في "الأوسط " (٦٦٤٢) من طرق عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن عون بن الخطاب بن عبد الله بن رافع عن ابنٍ لأنس
стр. 4817
ابن مالك: أنَّ أنس بن مالكٍ ... مرفوعاً.
وعون هذا لم يذكر فيه البخاري جرحاً ولا تعديلاً، وكذلك صنع ابن أبي
حاتم (٣/١/٣٨٦) ، ولعله في "ثقات ابن حبان "، فإن يدي لا تطوله الآن (١) . وظني أن الهيثمي أشار إلى توثيق ابن حبان إياه بقوله في "المجمع " (١٠/٤١٩) :
"رواه الطبراني في "الأوسط "، ورجاله وثقوا ".
وابنُ أنسٍ- ﵁: لم يُسَمَّ
(تنبيه) : قد ذكر الطبراني أن الحسن بن داود المنكدري تفرد به عن ابن أبي فديك، وهذا إنما هو بالنسبة لما أحاط علمه، وإلا فهو عند غيره من غير طريقه عنه كما أشرت إلى ذلك بقولي المتقدم: "من طرق ".
وكذلك رواه أبو نعيم، ومن طريقه: الضياء المقدسي في "صفة الجنة" (٣/١٨٢) ، وابن أبي الدنيا كما في "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" (٢/٤) .
ثم إن الحديث قد روي من حديث عبد الله بن عمر، وعلي بن أبي طالب، وأبي أمامة الباهلي، وعبد الله بن أبي أوفى، وقد خرجتها وتكلمت على أسانيدها في "الروض النضير" برقم (٤٩٦) ، وأقواها حديث ابن عمر مرفوعاً بلفظ:
"إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات، ما سمعها أحد قط، إن مما يغنين:
نحن الخَيْرات الحسان أزواج قوم كرام
ينظرن بِقُرّة أعيان.
стр. 4818
وإن مما يغنين به:
نحن الخالدات فلا يَمُتْنَهْ نحن الآمنات فلا يَخَفْنَهْ
نحن المقيمات فلا يَظْعَنَّهْ".
رواه الطبراني في "الصغير" و"الأوسط " (رقم ٥٠٤٩) ، ومن طريقه أبو نعيم
في "صفة الجنة " (ق ٥٩/ ١- ٢) ، وكذا الواحدي في "الوسيط " (١/١١/١) ، ورجاله ثقات رجال الستة؛ غير شيخ الطبراني أبي رفاعة عُمارة بن وَثِيمة المصري؛ فإني لم أجد له ترجمة كما كنت ذكرت في "الروض "؛ خلافاً لما يوهمه إطلاق المنذري والهيثمي. *
من آداب الاستئذان
٣٠٠٣ - (كانَ إذا جاءَ البابَ يستأذِنُ لم يستقبِلْهُ، يقولُ: يمشي مع الحائطِ حتى يستأذِنَ فَيُؤذنُ لهُ أو ينصرِفُ) .
أخرجه الإمام أحمد (٤/١٨٩- ١٩٠) وابنه عبد الله (٤/١٨٩- ١٩٠) قال: حدثني أبي: ثنا الحكم بن موسى- قال عبد الله: وسمعته أنا من الحكم-: ثنا بقية قال: وحدثني محمد بن عبد الرحمن اليَحْصَبي قال: سمعت عبد الله بن بُسْر صاحب النبي ﷺ يقول ... فذكره.
وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (١٠٧٨) ، وأبو داود (٥١٨٦) من طرق أخرى عن بقية به.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات قد صرح فيه بقية بالتحديث،
ولا يضره قول ابن حبان في "الثقات " عن اليحصبي هذا:
стр. 4819
"لا يعتد بحديثه ما كان من حديث بقية، ويحيى بن سعيد دونه؛ بل يعتبر
بحديثه من رواية الثقات عنه ".
قلت: وذلك لأمرين:
الأول: أن بقية قد صرح بالتحديث كما عرفت، وإنما يخشى من عنعنته،
وقد زالت.
والآخر: أنه قد تابعه إسماعيل بن عياش قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن الحميري به، ولفظه:
" كان إذا أتى بيت قوم أتاه مما يلي جداره، ولا يأتيه مستقبل بابه "
أخرجه أحمد أيضاً، وكذا ابنه عبد الله بإسنادهما السابق: ثنا الحكم: ثنا
إسماعيل بن عياش به.
وهذا إسناد صحيح؛ فإن ابن عياش ثقة في روايته عن الشاميين، وهذه منها؛
فإن محمد بن عبد الرحمن هذا- وهو ابن عِرْق، شامي حمصي- قال دُحيم:
"ما أعلمه إلا ثقة".
ووثقه ابن حبان أيضاً كما تقدم.
وقد رواه من طريقه الطبراني في "الكبير" بلفظ: عن عبد الله بن بسر: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"لا تأتوا البيوت من أبوابها، ولكن ائتوها من جوانبها فاستأذنوا، فإن أذن
لكم فادخلوا؛ وإلا فارجعوا ".
стр. 4820
قال الهيثمي (٨/٤٤) :
"رواه الطبراني من طرق، ورجال هذا رجال "الصحيح "؛ غير محمد بن عبد الرحمن بن عرق، وهو ثقة".
وقال المنذري (٣/٢٧٣)
"رواه الطبراني في "الكبير" من طرق أحدها جيد".
قلت: وأنا أخشى أن يكون شاذاً بهذا اللفظ؛ لأنه مخالف للفظ الأول؛ فإنه
من قوله ﷺ ، وذاك من فعله، وقد اتفق عليه ثقتان، فلينظر.
ولعل من هذا القبيل زيادة أبي داود في اللفظ الأول:
"يقول: السلام عليكم، السلام عليكم. وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذٍ ستور".
وظني أنها مدرجة. والله أعلم. *
٣٠٠٤ - (كانَ في [مَفْرِقِ] رَأْسِهِ شَعَرَاتٌ إذا دَهَنَ رأسَهُ لم تَتَبيَّنْ، وإذا لم يَدهنْهُ تَبيَّنَ) .
أخرجه الطيالسي في "مسنده " (٢٤١٧- ترتيبه) : حدثنا شعبة عن سماك ابن حرب قال: سمعت جابر بن سمرة، وذكر شيب النبي ﷺ قال ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه في "صحيحه " (٢٣٤٤) ، والترمذي في " الشمائل " رقم (٣٧- طبع سوريا) ، والنسائي في " الزينة " (٨/١٥٠) ، وابن سعد في "الطبقات " (١١/٤٣٣) ؛ كلهم عن الطيالسي به.
стр. 4821
وتابعه حماد بن سلمة عن سماك به نحوه، والزيادة له.
أخرجه الترمذي (٤٣) ، والحا كم (٢/٦٠٧) ، وأحمد (٥/ ٩٠ و ٩٢ و٩٥
و١٠٠ و ١٠٣ و١٠٤) من طرق عنه. وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. وحقه أن يقولا:
"على شرط مسلم ". *
٣٠٠٥ - (كانَ رسولُ الله ﷺ قد شَمِطَ مُقدَّمُ رأسِهِ ولحيتِهِ، فإذا ادَّهَنَ ومشَطَ لم يتبيَّنْ، وإذا شَعِثَ رأسُهُ تَبَيَّنَ، وكانَ كَثِيرَ الشَّعرِ واللّحيةِ، فقالَ رجُلٌ:
وَجهُهُ مِثْلُ السَّيْفِ؟ قال: لا، بلْ كانَ مِثْلَ الشَّمسِ والقَمَرِ مُسْتدِيراً؛ قال:
ورأيتُ خَاتمهُ عِندَ كَتِفِهِ مِثْلَ بَيْضَةِ الحمامَةِ يُشْبِهُ جَسَدَهُ) .
أخرجه مسلم (٢٣٤٤) ، وأحمد (٥/١٠٤) من طرق عن إسرائيل عن سماك: أنه سمع جابر بن سمرة يقول ... فذكره. وعزاه النابلسي في "الذخائر" للنسائي في "الزينة "، ولعله من أوهامه؛ فإنه ليس فيه، وكان من الممكن أن يكون فيه من "الكبرى" له، ولكن الحافظ المزي في "تحفة الأشراف " لم يعزه إلا لمسلم!
ثم رأيته فيه (٨/٥٠) بالقطعة الأولى منه. *
٣٠٠٦ - (كانَ أحَبَّ الشَّرَابِ إليهِ ﷺ الحُلوُ البارِدُ) .
أخرجه أحمد (٦/٣٨، ٤٠) : ثنا سفيان عن معمر عن الزهري عن عائشة
قالت: ... فذكرته.
стр. 4822
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وسفيان هو ابن عيينة، ومن طريقه أخرجه الترمذي في "الشمائل " (رقم- ٢٠٥) ، وأبو الشيخ في "أخلاقه ﷺ " (ص ٢٢٧ و ٢٢٨) ، والحاكم (٤/١٣٧) وصححه، والترمذي أيضاً في "السنن " (رقم- ١٨٩٦) ، وأعلّه بالإرسال فقال:
"هكذا روى غير واحد عن ابن عيينة عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة، والصحيح ما روي عن الزهري عن النبي ﷺ مرسلاً".
ثم ساقه من طريق عبد الله بن المبارك: أخبرنا معمر ويونس عن الزهري: أن رسول الله ﷺ سئل: أي الشراب أطيب؟ قال: "الحلو البارد".
وقال: "وهكذا روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن النبي ﷺ مرسلاً، وهذا أصح من حديث ابن عيينة ﵀ ".
وما ذكره عن عبد الرزاق هو كذلك في "مصنفه " (١٠/٤٢٦) مرسلاً، وهو الأرجح من الروايتين عن الزهري. وقد ذكر الحاكم للرواية الموصولة شاهداً من طريق عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير: ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به. وكذلك أخرجه أبو الشيخ.
قلت: ولكنه لا يصلح شاهداً لشدة ضعفه، ولذلك تعقبه الذهبي بقوله عقبه: "قلت: عبد الله هالك ".
وقال ابن حبان في "المجروحين " (٢/١١) :
"يروي عن هشام بن عروة، روى عنه إبراهيم بن المنذر الحزامي، كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، ويأتي عن هشام بن عروة ما لم يحدِّث به هشام قط، لا يحل كتابة حديثه ولا الرواية عنه ".
стр. 4823
قلت: فهو بهذا اللفظ منكر عن هشام بن عروة، والمحفوظ ما رواه أبو أسامة وغيره عن هشام به بلفظ:
"كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل ".
أخرجه أحمد (٦/٥٩) ، والشيخان وغيرهما، وهو مخرج في كتابي الجديد " مختصر الشمائل النبوية" (١٦٤) .
لكني وجدت لحديث الترجمة شاهداً من رواية إسماعيل بن أمية عن رجل
عن ابن عباس: أن النبي ﷺ سئل: أي الشراب أطيب؟ قال:
"الحلو البارد".
أخرجه أحمد (١/٣٣٨) .
قلت: ورجاله إسناده رجال "الصحيحين "؛ غير الرجل الذي لم يُسمَّ، وهو تابعي، فمثله يستشهد به. والله أعلم.
وقد تقدَّم الحديث مخرجاً - في المجلد الخامس برقم (٢١٣٤) -؛ فاقتضى التنبيه. *
٣٠٠٧ - (سيكونُ بعدي خلفاءُ يَعملونَ بما يَعلمونَ، ويَفعلون ما يُؤمرُونَ، وسيكونُ بعدي خلفاءُ يَعملونَ بما لا يَعلمون، ويَفعَلون ما لا يُؤمرونَ، فمن أنكرَ عليهم برئَ، ومن أمسك بيده سلم، ولكنْ من رضِيَ وتابع) .
أخرجه أبو يعلى في "مسنده " (٤/١٤١٣) : حدثنا أبو بكر بن زنجويه: نا أبو المغيرة عبد القدوس: نا الأوزاعي: حدثني الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة
стр. 4824
قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره.
وأخرجه البيهقي في "السنن " (٨/١٥٧- ١٥٨) من طريق أبي المغيرة وغيره
عن الأوزاعي به. وكذا أخرجه ابن حبان (٨/٢٢٩/٦٦٢٤و٦٦٢٥) .
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي بكر هذا، واسمه محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغدادي، وهو ثقة اتفاقاً.
وللحديث شاهد من حديث عبد الله بن عمر، رواه الطبراني في "الأوسط "؛
لكن فيه مسلمة بن علي، وهومتروك كما في "المجمع " (٧/٢٧٠) .
ولآخره شاهد آخر من حديث أم سلمة ﵂ مرفوعاً بلفظ:
" ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف (وفي رواية: كره) برئَ، ومن
أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع ". قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا؛ ما صلوا".
رواه مسلم (٦/٢٣) ، وأبو عوانة (٤/ ٤٧١- ٤٧٣) ، والبيهقي أيضاً، وأبو داود
(٤٧٦٠) ، والترمذي (٢٢٦٦) وقال: "حديث حسن صحيح "، وأحمد (٦/٢٩٥ و ٣٠٢ و٣٠٥ و ٣٠٦ و ٣٢١) ، ومن طريقه: المزي في "تهذيبه "، والطبراني في "الكبير" (٢٣/٣٣١) من طريق ضَبَّة بن محصن عنها.
(تنبيه) : وقع في آخر حديث أم سلمة هذا في "صحيح الجامع " (٣٦١٨) زيادة: "لم يبرأ"، ولا أصل لها عند أحد ممن ذكرنا، فلتُحذفْ.
ثم بعد سنين من هذا التخريج، وقفت على طعن في إسناد حديث أم سلمة
هذا من محقق "رياض الصالحين " المدعو حسان عبد المنان، فقد علق على الحديث بقوله (ص ٨٩/١٢٩) :
стр. 4825
"في صحته نظر؛ فإن في إسناده ضبة بن محصن، وفيه جهالة حال، ولم أر
له غير هذا الحديث مما اتصل إليه بإسناد صحيح "!
فأقول- والله المستعان-:
لقد كنت أسمع عن هذا الرجل ومجازفاته في الطعن في الأحاديث الصحيحة، وأنه وضع لنفسه قواعد- بزعمه- ينطلق منها في تضعيفها، وأحيانأ يتساهل فيقويها- اتباعاً للهوى- غير ملتزم في ذلك القواعد العلمية التي وضعها العلماء، فكنت أتريث حتى نجد من آثاره ما ندينه به؛ حتى صدر كتابه، فتأكدت من ذلك، وصدَّق الخُبر الخَبر، ولا أريد الإفاضة في ضرب الأمثلة، فالمجال ضيق الآن، فحسبنا الآن قوله المذكور أعلاه؛ فإنه يكفي للدلالة على ما تقدم، وذلك من وجوه:
الأول: زعمه أن ضَبة بن محصن مجهول الحال؛ فإنه مما لم يقله قبله أحد، ولا هو مما يساعد عليه قواعد هذا العلم وصنيع الحفاظ العارفين به.
الثاني: أن ضبة هذا قد وثقه ابن حبان، وقال الحافظ ابن خلفون الأندلسي: "ثقة مشهور"، وكذلك وثقه كل من صحّح حديثه؛ إما بإخراجه إياه في "الصحيح" كمسلم وأبي عوانة؛ أو بالنص على صحته كالترمذي.
الثالث: أنه قد روى عنه جمع من الثقات مثل عبد الرحمن بن أبي ليلى، والحسن البصري، وقتادة، وميمون بن مهران، فلو أنه لم يوثقه من سبق ذكرهم لكانت رواية هؤلاء الثقات عنه كافيةً في إثبات عدالته، والاحتجاج بحديثه؛ ما دام أنه لم يرو منكراً، ولا سيما وهو من التابعين إن لم يكن من كبارهم؛ كما يدل على ذلك صنيع الحفاظ المتأخرين في أمثالهم، ولذلك صرح الذهبي في
стр. 4826
" الكاشف " بأنه: "ثقة "، والحافظ في " التقريب " بأنه: "صدوق ".
الرابع: لو سلمنا جدلاً بأنه مجهول الحال- كما زعم مدعي التحقيق- فمثله يصحح حديثه؛ أو على الأقل يحسن بالشواهد والمتابعات التي منها حديث الترجمة، وإن كان ليس فيه جملة الصلاة، فإنه يشهد لها حديث عوف ابن مالك عند مسلم من طريق مسلم بن قَرَظَة عنه، وفيه: أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: "لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة". وقد مضى تخريجه برقم (٩٠٧) ؛ إلا أن المحقق المزعوم أعلّه أيضاً بمثل ما أعلّ حديث أم سلمة، فقال في تعليقه عليه (٢١٨/٥٠١) :
"في إسناده مسلم بن قرظة، وهو مجهول الحال. وانظر الحديث المتقدم برقم (١٢٩) ". يعني: حديث أم سلمة.
وهذا مما يدل الباحث على أنه قد وضع لنفسه قاعدة تضعيف أحاديث الثقات الذين تفرد ابن حبان بتوثيقهم- في حد علمه- ولو كان أحدهم من رجال "الصحيح"، وروى عنه جمع من الثقات، ووثقه بعض الحفاظ المتأخرين! فالمحقق المزعوم- بجهله وعجبه وغروره- يضرب بكل ذلك عرض الحائط! فإن القول في ابن قرظة هذا وحديثه كالقول في ضبة بن محصن وحديثه، فقد روى عنه ثلاثة من الثقات: رزيق بن حيان، وربيعة بن يزيد، ويزيد بن يزيد بن جابر؛ كما في "تاريخ البخاري " (٤/١/٢٧٠ - ٢٧١) وساق له هذا الحديث، و"جرح ابن أبي حاتم " (٤/١/١٩٢) ، و"ثقات ابن حبان " (٥/٣٩٦) ، و"تاريخ ابن عساكر" (١٦/٤٨٢) ، ولذلك جزم الذهبي في "الكاشف " بأنه "ثقة "، وصحح حديثه هذا مسلم وأبو عوانة وابن حبان، وكذلك البيهقي بإقراره لتصحيح مسلم، ثم هو إلى ذلك من كبار التابعين المشهورين؛ كما يدل على
стр. 4827
ذلك أقوال مؤلفي "الطبقات "؛ فقد روى ابن عساكر عن ابن سعد أنه أورده في (الطبقة الثانية) من تابعي الشام. وعن أبي زرعة الدمشقي أنه ذكره في الطبقة التي تلي أصحاب النبي ﷺ وهي العليا. وهكذا قال يعقوب الفسوي في "المعرفة" (٢/٣٣٣) . وقد احتج أحمد في عدم جواز الخروج على الأئمة بهذا الحديث، وذكر أنه جاء من غير وجه كما رواه عنه الخلال في "السنة" (١- ٣/١٢٩- تحقيق الزهراني) .
وجملة القول؛ أن الرجل واسع الخطو جداً في تضعيف الأحاديث الصحيحة دون الاعتماد على القواعد العلمية، وفي كثير من الأحيان يتشبث في التضعيف ببعض الأقوال المرجوحة، كما فعل في إعلاله لحديث أبي قتادة مرفوعأ (رقم ٩٥٧) : "صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية " بأن الراوي عن أبي قتادة- وهو عبد الله بن معبد الزماني- لا يعرف له سماع من أبي قتادة! وهو تابعي ثقة، والمعاصرة كافية في الاتصال، ولم يُرْمَ بالتدليس، فلا أدري هل هو يجهل هذا؛ أم هو التجاهل؟!
كما تجاهل الشواهد التي تؤكد صحته، وقد خرجته مع شواهده في "إرواء الغليل " (٤/١٠٨- ١١٠) . وقد وصل به التجاهل والطغيان في التضعيف للأحاديث الصحيحة إلى أن ضعف حديث العرباض بن سارية: "أوصيكم بتقوى الله.. " الحديث، وفيه: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، عَضّوا عليها بالنواجذ.. " الحديث. قال (ص ٧٩) :
" صححه الترمذي وابن حبان والحاكم، وضعفه ابن القطان لجهالة حال عبد الرحمن بن عمرو السلمي، وإليه أميل "!
стр. 4828
كذا قال- هداه الله- وقد تجاهل الحقائق التالية:
الأولى: أن عبد الرحمن هذا روى عنه أيضأ جمع من الثقات، ووثقه ابن حبان، وذكره مسلمة في (الطبقة الأولى) من التابعين، ووثقه أيضأ كل الحفاظ الذين صرحوا بصحة حديثه- وهم جمع سيأتي تسميتهم- غير الثلاثة الذين سماهم هذا المكابر، وصرح الذهبي في "الكاشف " بأنه "صدوق ".
الثانية: أنه لم يتفرد به؛ فقال الحاكم (١/٩٧) :
"وقد تابع عبد الرحمن بن عمرو على روايته عن العرباض اثنان من الثقات الأثبات من أئمة أهل الشام: حجر بن حجر الكلاعي ويحيى بن أبي المطاع القرشي ".
ثم ساق إسناده إليهما، وقال عقب ذلك:
"وقد صح هذا الحديث والحمد الله ".
ووافقه الذهبي.
قلت: وإسناده صحيح إلى يحيى القرشي، وهو ثقة، وقد صرح بالسماع من العرباض عند الحاكم وابن ماجه أيضاً وابن أبي عاصم.
الثالثة: أنه صحح الحديث- غير الذين تقدم ذكرهم- جمع من الحفاظ مثل البزار، فقال:
"حديث ثابت صحيح ".
والهروي في "ذم الكلام "، فقال: "هذا من أجود حديث أهل الشام ".
стр. 4829
وابن عبد البر حافظ المغرب؛ قال:
"حديث ثابت ".
ومنهم الضياء المقدسي في "جزء اتباع السنن واجتناب البدع ".
وقد ذكرت أقوالهم بعد أن خرجت الحديث في "الإرواء" كما تقدم، وهو على علم بذلك؛ فإنه كثير الرجوع إلى هذا الكتاب وغيره من تأليفي والاستفادة منها كشيخه؛ كما يعلم ذلك كل من وقف على تخاريجهما، ثم "لا حمداً ولا شكوراً" كما يقال في بعض البلاد، وإنما هو الغمز واللمز وتتبع العثرات مقروناً بالحسد والحقد الدفين؛ كما ينبئك به عن ذلك اطلاقه على السلسلتين "الصحيحة" و"الضعيفة" كلما عزا إليهما قال: "صحيحته "، "ضعيفته "؛ تقليداً منه للمتعصب الحاقد الشيخ حبيب الأعظمي ثم الغماري الصغير: السقاف! "فيا عجباً لوبْر تدلى علينا من قَدوم ضال " (١) يتعالى على هؤلاء الحفاظ، ويخطئهم وهو كما قيل: "ليس في العير، ولا في النفير"، وما ذلك منه إلا تشوفاً وحباً للظهور، متجاهلاً قول العلماء: "حب الظهور يقصم الظهور". وذاك- والله- منتهى العجب والغرور! كيف ل؛ وهذا أستاذه ومعلمه- الذي يسبح بحمده! ويتمسح به ويداهنه، ويتفاخر بموافقته إياه في عشرات الأحاديث (٢) - لم يسعه إلا أن يصرح بصحة الحديث في تعليقه على "صحيح ابن حبان/ الإحسان " (١/١٧٨- ١٧٩) ، و"السير" (٣/٤٢٠ و ١٧/٢٨٣) ، ولو وجد سبيلاً- هو الآخر- للمخالفة لم يقصر!! فما أشبهه بذلك الضال السقاف الذي يضلل أئمة السلف، ويخالف الحفاظ؛
стр. 4830
فيضعّف ما صححوه من الأحاديث كحديث: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"! ولا يكتفي بذلك؛ بل يخالف شيوخه الغماريين الذين صححوه أيضاً! كما تراه محققاً في الاستدراك رقم (١٢) في آخر المجلد الثاني من "الصحيحة" الطبعة الجديدة بفضل الله تعالى ومنته.
(تنبيه) : ثم وقفت على حديث يخالف ظاهره حديث عوف بن مالك الناهي
عن منابذة الأئمة والحكام بالسيف، فرأيت أن أبين حاله خشية أن يتشبث به بعض الجهلة من خوارج هذا الزمان، أو ممن لا علم عنده بهذا العلم الشريف وفقه الحديث، ألا وهو ما أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١/٣٩- ٤٠) من طريق الهياج بن بسطام عن ليث عن طاوس عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ:
"سيكون أمراء تعرفون وتنكرون، فمن نابذهم نجا، ومن اعتزلهم سلم، ومن خالطهم هلك ".
وهذا إسناد ضعيف بمرة؛ ليث- وهو ابن أبي سليم- ضعيف مختلط، والهياج ابن بسطام- وهو الخراساني- متفق على ضعفه؛ بل اتهمه ابن حبان؛ فقال: "يروي الموضوعات عن الثقات ". وبه أعله الهيثمي (٥/٢٢٨) .
أقول: وهذا الحديث قد عزاه السيوطي لابن أبي شيبة أيضاً؛ يعني في "المصنف "، ولم أره فيه بعد البحث الشديد، فإن صح إسناده عنده أو غيره كان لا بد من تأويل قوله: "نابذهم " أي: بالقول والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لا بالسيف؛ توفيقاً بينه وبين حديث عوف كما تقتضيه الأصول العلمية والقواعد الشرعية، وان لم يصح نبذناه لشدة ضعف إسناده. والله أعلم. *
стр. 4831
٣٠٠٨ - (يُؤْتَى بالرجلِ مِن أهلِ الجنةِ، فيقول [الله] له: يا ابنَ آدمَ! كيف وجدتَ مَنزلَكَ؟ فيقول: أيْ ربِّ! خيرَ منزلِ، فيقول: سَلْ وتمنَّ، فيقولُ: ما أسألُ وأتمنى؟ إلا أن تَرُدَّني إلى الدنيا فَأُقتَلَ في سبيلكَ عشرَ مراتٍ، لما يرى من فضل الشهادة (وفي طريق بلفظ: من الكرامة) .
وُيؤتَى بالرجل من أهلِ النارِ، فيقول [الله] له: يا ابن آدم! كيف وجدت منزلكَ؟ فيقول: أي ربِّ! شرَّ منزلٍ، فيقول [الربُّ ] له: أَتَفْتَدِي منه بِطِلاعِ الأرضِ ذهباً؟ فيقولُ: أي ربِّ! نعم. فيقولُ: كَذَبْتَ؟ قدْ سألتُكَ أقَلْ من ذلكَ وأَيْسَرَ فلم تفعل. فَيُرَدُّ إلى النار) .
أخرجه أحمد (٣/٢٠٧- ٢٠٨ و ٢٣٩) ، وابن حبان (٩/٢٢٤/٧٣٠٦) ، والحاكم (٢/٧٥) من طرق عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره. وقال الحاكم:
"صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي، وأقره المنذري في "الترغيب " (٢/١٨٩) ، وهو كما قالوا، والزيادات الثلاث للحاكم.
وللنسائي في أول (الجهاد) الشطر الأول منه فقط، وهو رواية لأحمد (٣/١٢٦ و ١٣١ و ١٥٣ و ٢٨٤) من هذا الوجه.
ورواه البخاري (٢٨١٧) ، ومسلم (٦/ ٣٥) ، وابن حبان (٧٣٠٧) وأحمد أيضاً
(٣/١٠٣ و ١٧٣ و ٢٥١ و ٢٧٦ و ٢٧٨) من طريق قتادة عن (وفي رواية: سمعت) أنس بن مالك يقول ... فذكره. وفيها اللفظ الآخر. وفي رواية أخرى عن قتادة بأتم مما هنا، وقد تقدمت برقم (١٧٢) مقرونة برواية أبي عمران الجوني عن أنس.
стр. 4832
وذكرت له هناك طريقاً ثالثاً من رواية مسلم والنسائي عن ثابت عن أنس- نقلاً عن "الفتح "- ونفيت ثمة وجودها في "مسلم "، واستظهرت أن تكون رواية النسائي في "الكبرى"، وقد تأكدت الآن من النفي المذكور، وتَبَيَّنْتُ أن رواية النسائي هي بالشطر الأول من حديث الترجمة، وليس له علاقة بالحديث المتقدم، كما أن لمسلم بإسناد حديث الترجمة حديثاً آخر تقدم برقم (١١٦٧) ؛ أظنه اشتبه على الحافظ بذاك. والله أعلم.
(طِلاع الأرض) ؟ أي: ما يملؤها حتى يطلع عنها ويسيل؛ كما في "النهاية". وقال الحافظ في "الفتح " (٧/٥٢) :
"أي: ملؤها، وأصل (الطلاع) : ما طلعت عليه الشمس، والمراد هنا ما يطلع عليها ويشرف فوقها من المال ". *
٣٠٠٩ - (كان يُنتَبذُ له في سِقَاءٍ، فإذا لم يَكُنْ سِقَاءٌ فَتَوْرٌ من حجارةٍ) .
أخرجه أحمد (٣/٣٠٧) : ثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير: سمعه من
جابر ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ثلاثي صحيح على شرط الشيخين؛ إلا أن البخاري قرن
أبا الزبير بغيره- واسمه محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي- وهو ثقة حافظ مدلس، لكن قد صرح سفيان عنه بأنه سمعه من جابر، وهذه فائدة هامة خلا منها "صحيح مسلم " وغيره من "السنن " وغيرها، ولذلك خرجته، ولعلو إسناده.
وقد تابعه زكريا بن إسحاق: ثنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله به نحوه.
стр. 4833
أخرجه أحمد أيضاً (٣/٣٨٤) : ثنا روح: ثنا زكريا به.
وهذا صحيح أيضاً.
ثم أخرجه هو (٣/ ٣٠٤ و ٣٢٦ و ٣٧٩) ، ومسلم (٦/٩٨) ، وأبو داود (٢/١٣٢
- التازية) ، والنسائي (٢/٢٢٧ و ٢٢٩) ، والدارمي (٢/١١٦) ، وابن ماجه (٢٤٠٠) ، وأبو يعلى (١٧٦٩) بالشطر الثاني، والطيالسي في "مسنده " (١٧٥١) بالشطر الأول، وابن أبي شيبة في "المصنف " (٨/١٤٠/ ٣٩٢١) بتمامه، وزاد:
"قال أشعث: و (التور) : من لحاء الشجر".
قلت: وهذا تفسير غريب هنا على الأقل! فإن المعروف في كتب اللغة مثل "النهاية " وغيره أنه: "إناءٌ مِنْ ُصْفرٍ أو حجارةٍ) .
فالظاهر أن ذلك من أوهام أشعث هذا، وهو ابن سوار الكوفي. *
٣٠١٠ - (كان يصومُ، فَتَحَيَّنْتُ فِطْرَهُ بِنَبِيذٍ صَنعتُهُ في دُبَّاءٍ، ثم أَتَيْتُهُ به، فإذا هو يَنِشُّ، فقال:
اضْرِبْ بهذا الحائطِ، فإنَّ هذا شرابُ مَنْ لا يؤمنُ بالله واليوم الآخر) .
أخرجه أبو داود (٢/ ١٣٤) ، ومن طريقه: البيهقي (٨/٣٠٣) ، والنسائي (٢/٣٢٧) عن هشام بن عمار: ثنا صدقة بن خالد: ثنا زيد بن واقد عن خالد بن عبد الله بن حسين عن أبي هريرة قال: علمت أن رسول الله ﷺ كان يصوم ... الحديث.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير أن هشاماً فيه ضعف، وقد خالفه الوليد
стр. 4834
ابن مسلم فقال: عن صدقة أبي معاوية عن زيد بن واقد به دون الصيام والفطر.
أخرجه ابن ماجه (٣٤٠٩)
وصدقة أبو معاوية- وهو ابن عبد الله السمين- ضعيف، بخلاف صدقة بن خالد- وهو الأموي أبو العباس-؛ فهو ثقة، فإن كان هشام قد حفظه فالإسناد جيد؛ لأن شيخه زيد بن واقد ثقة من رجال البخاري.
وأما خالد بن عبد الله بن حسين فقد ذكره ابن حبان في "الثقات "، وروى
عنه ثقتان آخران، وقال البخاري: "سمع أبا هريرة"؛ كما في "التهذيب ".
قلت: ذكره في "التاريخ الكبير" (٢/١/١٥٧) ، ثم رواه معلقاً، ووصله أحمد في "الأشربة" (٦٨/١٥٣) : حدثنا الهيثم بن خارجة قال: حدثنا ابن علاق- وهو عثمان بن حصن (١) - عن زيد بن واقد قال: حدثني خالد بن حسين مولى عثمان ابن عفان قال: سمعت أبا هريرة يقول: علمت.. الحديث.
ووصله البيهقي من طريق أخرى عن الهيثم.
وتابعه علي بن حجر: حدثنا عثمان بن حصن.
أخرجه النسائي (٢/٣٣٤)
وهذا إسناد جيد أيضاً؛ فإن الهيثم وابن علاق ثقتان.
ولزيد بن واقد إسناد آخر أصح من هذا؛ فقال منصور بن أبي مزاحم: نا يحيى بن حمزة عن زيد بن واقد قال: حدثني قزعة: حدثني أبو هريرة به.
стр. 4835
أخرجه الدارقطني (٤/٢٥٢/٣٢) من طريقين عن منصور به.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، وقزعة هو ابن يحيى البصري.
وله شاهد مرسل يرويه الأوزاعي: حدثني محمد بن أبي موسى أنه سمع القاسم بن مخيمرة يخبر:
أن أبا موسى الأشعري ﵁ أتى النبي ﷺ بنبيذ جَرٍّ ينِشُّ فقال: "اضرب به الحائط.. " الحديث مثله.
أخرجه أبو يعلى (١٣/ ٧٢٥٩) ، وأحمد (٨٩/٢٣٩) ، والبيهقي، وقال:
"ولو كان إلى إحلاله- بصب الماء عليه- سبيل؛ لما أمر بإراقته. والله أعلم ".
قلت: وهو مرسل قوي الإسناد، فيزداد به الحديث قوة على قوة، وقد أشار النسائي إلى أنه صحيح عنده؛ فقال عقبه:
"وفي هذا دليل على تحريم السكر قليله وكثيره، وليس كما يقول المخادعون لأنفسهم بتحريمهم آخر الشربة، وتحليلهم ما تقدمها الذي يشرب في الفَرَق قبلها. ولا خلاف بين أهل العلم أن السكر بكليته لا يحدث على الشربة الأخيرة دون الأولى والثانية بعدها، وبالله التوفيق ".
ووافقه أبو الحسن السندي الحنفي في "حاشيته " عليه، فقال:
"وهو المعتمد عند علمائنا الحنفية، والاعتماد على القول بأن المحرم هو الشربة المسكرة، وما كان قبلها فحلال قد ردّه المحققون؛ كما رده المصنف رحمه الله تعالى". *