على التلقي والحفظ، وإنما قلت: "أقرب "؛ لأنني وجدت هذا الحديث في ترجمة (أبي بشر الأنصاري) من "الإصابة "؛ قال:
"ذكره ابن أبي خيثمة، وأخرج له.. (فساق الحديث، ثم قال:) ، وغاير ابن أبي خيثمة بينه وبين (أبي بشير) الأنصاري الآتي المخرج حديثه في "الصحيحين "، فهذا أوله كسرة ثم سكون، والآتي فتحة ثم كسرة، ووحّد بينهما ابن عبد البر". ونحوه في "تهذيب التهذيب ".
وحديث "الصحيحين " الذي أشار إليه هو بلفظ: ((لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت)) ، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٢٣٠٠) .
والخلاصة؛ أن صحابي هذا الحديث هو (أبو بشير الأنصاري) ؛ كما في رواية الجماعة، وأن رواية من كناه بـ (أبي بشر) أو (أبي هبيرة) شاذة، وأما تكنيته فيه بـ (أبي اليسر) فلم يروه أحد، وإنما هو من أوهام المعلق. والله الموفق، لا إله إلا هو. *
مَنْعُ المرأةِ أنْ َتُمَّر بَيْنَ يَدَيِ المصَلِّي بالإشارةِ إليها
٣٠٤٢ - (كانَ يُصلي بهم ذاتَ يومٍ، فمَرَّتِ امرأةُ بالبطحاءِ، فأشارَ إليها أنْ تَأَخَّرِي، فَرَجَعَتْ حتى صَلَّى، ثُمَّ مَرَّتْ) .
أخرجه أحمد (٥/٢١٦) من طريق عبد الله، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/٢٩٤/٧٥١) من طريق يحيى بن بكير: ثنا ابن لهيعة: حدثنى حبان بن واسع عن أبيه عن عبد الله بن زيد وأبي بشير الأنصاري أن رسول الله ﷺ ... الحديث.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير أنه روى لابن
стр. 4902
لهيعة مقروناً؛ لكنه ثقة في نفسه، صحيح الحديث إذا روى العبادلة عنه، وهذا قد رواه عنه أحدهم: عبد الله- وهو ابن المبارك- وغفل عن هذا الهيثمي فأعله بقوله (٢/٦٠) :
" وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام "! *
مِنْ تَوَاضُعهِ ﷺ وَجُودِهِ
٣٠٤٣ - (إنَّكَ وَطِئْت بنَعْلِكَ على رِجْلي بالأمسِ فَأَوْجَعْتَنِي، فَنَفحْتُكَ بالسَّوْطِ؛ فهَذِهِ ثَمَانُونَ نَعْجَة ًفَخُذْها بِها) .
أخرجه الدارمي (١/٣٤- ٣٥) من طريق محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله
ابن أبي بكر عن رجل من العرب قال:
زحمت رسول الله ﷺ يوم حنين، وفي رجلي نعل كثيفة، فوطئت على رجل رسول الله ﷺ فنفحني نفحة بسوط في يده، وقال:
((بسم الله، أوجعتني)) .
قال: فبت لنفسي لائماً أقول: أوجعت رسول الله ﷺ ، فبت بليلة كما يعلم الله، فلما أصبحنا إذا رجل يقول: أين فلان؟ قال: قلت: هذا والله الذي كان مني بالأمس. قال: فانطلقت وأنا متخوف، فقال لي رسول الله ﷺ ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ إلا أنه إنما أخرج لابن إسحاق متابعة، ولكنه قد صرح بالتحديث؛ فأمنا بذلك تدليسه، فهو حجة؛ ولا سيما في السيرة النبوية. *
стр. 4903
٣٠٤٤ - (لمَّا جاءَ نَعْيُ النَّجَاشِيُّ قال رسول الله- ﷺ :
صَلُّوا عليه. قالوا: يا رسول الله! نُصَلِّي على عَبْدٍ حَبَشِيٍّ [ليس بمسلم] ؟ فأنزل الله : ((وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لايشترون بآيات الله ثمناً قليلاً))
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (٦/٣١٩/١١٠٨٨) من طريق أبي بكر ابن عياش، والبزار في "مسنده " (١/٣٩٢/ ٨٣٢) ، والواحدي في "أسباب النزول " (ص ١٠٤) ، والدارقطني في " الأ فراد" (ج ٣ رقم ٣٦- منسوختي) من طريق المعتمر ابن سليمان؛ كلاهما عن حميد عن أنس.
قلت: وهذا إسناد صحيح.
وله طريق أخرى عن أنس، وشاهد من مرسل قتادة.
أما الطريق؛ فهي من رواية مؤمل بن إسماعيل: نا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عنه قال:
لما مات النجاشي قال النبي- ﷺ : "استغفروا لأخيكم ". فقال بعض الناس: يأمرنا أن نستغفر له وقد مات بأرض الحبشة؟! فنزلت..
أخرجه ابن أبي حاتم في "التفسير" (٢/ ١٠٠/ ١) ، والطبراني في "المعجم الأوسط " (١/ ١٥٠/ ١/٢٨٢٦) ، وقال:
((لم يروه عن حماد إلا مؤمل)) .
قلت: وهو ضعيف لسوء حفظه، بذلك وصفه غير واحد من الحفاظ
стр. 4904
المتقدمين والمتأخرين. وأما قول الهيثمي (٣/٣٨) - بعد أن ساقه بلفظ البزار، وهو بنحو المذكور أعلاه-:
"رواه البزار، والطبراني في " الأوسط "، ورجال الطبراني ثقات ".
فهو منتقد من وجوه:
الأول: أنه أطلق توثيق مؤمل هذا، وليس بجيد لما ذكرت آنفاً، بل ولا هو من عادته؛ فقد جرى على حكاية الخلاف فيه، واذا ذكر عن أحد أنه وثقه أتبعه بقوله: "وضعفه الجمهور"، أو ذكر من خالفه، وتجد جملة أقواله- أو من أقواله- في ذلك في (المجلد الثالث) من فهرس الأخ الفاضل أبي هاجر لـ "مجمع الزوائد" (٣/٤٠٤-٤٠٥) .
الثاني: أن توثيقه لرجال الطبراني دون رجال البزار يشعر إشعاراً قوياً أن إسناد البزار لايستحق التوثيق، والواقع خلاف ذلك تماماً، ولعل السبب أن البزار ساقه بسندين له عن حميد؛ الأول فيه كلام كما يأتي دون الآخر، ولم يتنبه لهذا! فقال البزار (١/٣٩٢/٨٣٢) : حدثنا محمد (!) بن عبد الرحمن بن المفضل (!) الحراني: ثنا عثمان بن عبد الرحمن: ثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حميد عن أنس عن النبي ﷺ . ح وحدثنا أحمد بن بكار الباهلي: ثنا المعتمر بن سليمان: ثنا حميد الطويل.. إلخ.
قلت: فهذا الإسناد الثاني رجاله ثقات، أما حميد والمعتمر؛ فمن رجال الشيخين المشهورين.
وأما أحمد بن بكار الباهلي؛ فذكره ابن حبان في "الثقات " (٨/٢٣) ، وقال: "مستقيم الحديث ".
стр. 4905
قلت: وهذا توثيق منه معتبر قائم على سبر حديث الرجل، وليس على أصله الشاذ القائم على توثيق المجهولين، فانتبه، فالإسناد صحيح لا غبار عليه، ولذلك قلت: لعل الهيثمي لم يتنبه له ولم نره عيَّنه كما ذكرت آنفاً.
ثم بدا لي شيء أخر، وهو أنه لعله لم يقف على توثيق ابن حبان المذكور؛ فقد مر بي كثير من الرواة لم يعرفهم الهيثمي، مع أنهم مترجمون في كتاب "ثقات ابن حبان " الذي عني هو به عناية خاصة، فرتبه على الحروف تسهيلاً للمراجعة!
ثم قوي عندي هذا الاحتمال حينما وجدته قال في حديث آخر للبزار (١٤٤٥) أورده في " المجمع " (٤/٢٦٢) :
"رواه البزار عن أحمد بن بكار الباهلي، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال (الصحيح) ".
فتعقبه الحافظ في "مختصر الزوائد" فقال (١/٥٦٨) :
"قلت: هو ثقة، ولكن قد بين البزار علة هذا الإسناد؛ فقال: أخطأ فيه عثمان بن عثمان؛ إنما يرويه هشام عن أبيه عن حجاج بن حجاج عن أبيه ".
قلت: وحجاج بن حجاج هذا مجهول، لم يرو عنه غير عروة، وقد أخطأ بعض المتأخرين فصحح حديثه، وقد شرحت ذلك في "ضعيف أبي داود" (٣٥١) .
وخلاصة هذا الوجه الثاني؛ أن إسناد البزار صحيح، ما كان ينبغي للهيثمي
أن يسكت عنه.
والوجه الثالث: أنه لم ينبه على اختلاف متن الطبراني عن متن البزار، وأنه كان ينبغي أن يسوق متن الأول لثقة رجاله عنده دون متن الآخر، والله الهادي.
стр. 4906
وبهذا ينتهي الكلام على الطريق الأخرى عن أنس.
وأما الشاهد؛ فهو الذي يرويه الطبري في "التفسير" (٤/١٤٦) من طريقين
عن قتادة: أن النبي ﷺ قال:
"إن أخاكم النجاشي قد مات، فصلوا عليه ". قالوا: نصلي على رجل ليس
بمسلم؟ فنزلت.. ".
وهو مرسل صحيح كما تقدم.
وبمعناه حديث وحشي بن حرب في "كبير الطبراني " (٢٢/١٣٦/٣٦١) ، وإسناده ضعيف.
ونحوه حديث أبي سعيد الخدري في "أوسط الطبراني " (١/٢٨٤/٢/٤٧٨٢) ، وإسناده ضعيف جداً وفيما تقدم كفاية.
(تنبيه) : حديث الطبراني في "الأوسط " لم يذكره الهيثمي في "مجمع البحرين "، وله أمثال.
وقد بقي الكلام على إسناد البزار الأول لننظر فيه؛ هل للهيثمي في عدم كلامه عنه وجه من النظر؟ فأقول:
أولاً: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان الراوي عن حميد؛ قال الذهبي في "المغني ":
"صدوق، وقال أحمد: ليس بالقوي ".
وقال الحافظ:
((صدوق يخطىء))
стр. 4907
قلت: فمثله حسن الحديث، وبخاصة إذا توبع كما هنا.
ثانياً: عثمان بن عبد الرحمن- وهو الطرائفي-؛ وقد وثقه ابن معين وغيره، ومن تكلم فيه لم يذكر جرحاً يقدم على التعديل، بل إن بعضهم ذكر ما يدل على الضعف من بعض شيوخه؛ كمثل قول البخاري:
((يروي عن قوم ضعاف))
ولذلك لم يضعفه الحافظ؛ فقال في "التقريب " ملخصاً به ما يؤخذ من مجموع أقوال المحدثين فيه:
"صدوق، أكثر الرواية عن الضعفاء والمجاهيل، فضعَّف بسبب ذلك حتى نسبه ابن نمير إلى الكذب، وقد وثقه ابن معين ".
قلت: فهو حسن الحديث أيضاً إذا كان من فوقه حجة كما هو الشأن هنا.
ثالثاً: محمد بن عبد الرحمن بن المُفَضَّل الحراني. هكذا وقع الأصل، وكذلك هو في "مختصر الزوائد" (١/ ٣٦٠/٥٨٩) ، فالظاهر أنه من البزار، أو الهيثمي تبعه عليه الحافظ، والصواب (أحمد بن عبد الرحمن بن الفضل) ، هكذا ذكره الحافظ المزي في ترجمة (الطرائفي) من "تهذيبه "، وترجمه الخطيب البغدادي في "التاريخ " (٤/٢٤٣) برواية جمع من الثقات الحفاظ عنه- كابن صاعد وغيره- ثم قال:
"وما علمت من حاله إلا خيراً".
ونقله السمعاني في نسبة (الكُزبُراني) ، وقد تحرفت في "التاريخ " إلى " الكريزاني "؛ فلتصحح.
стр. 4908
وبعد الاطلاع على حال هؤلاء الرواة الثلاثة؛ نستطيع أن نتوصل إلى القول
بأن هذا الإسناد حسن لذاته؛ صحيح بغيره. والله ولي التوفيق. *
٣٠٤٥ - (رَشَّ على قَبْرِ ابنِهِ إبراهيمَ [الماء] ) .
أخرجه أبو داود في "المراسيل " (٣٠٤/ ٤٢٤) ، ومن طريقه: البيهقي في "السنن " (٣/٣١١) من طريقين عن عبد العزيز بن محمد عن عبد الله بن محمد - يعني ابن عمر- عن أبيه مرسلاً.
وأبوه- هو محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب- صدوق من أتباع التابعين. لكن قد جاء موصولاً بإسناد آخر لعبد العزيز بن محمد، فقال الطبراني في "المعجم الأوسط " (٢/ ٨٠/ ١/٦٢٨٢) : حدثنا محمد بن زهير الأبلي؛ قال: نا أحمد بن عبدة الضبي قال: نا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعاً به. وقال:
((لم يروه عن هشام بن عروة إلا الدراوردي؛ تفرد به أحمد بن عبدة)) .
قلت: وهو ثقة من شيوخ مسلم، وكذلك من فوقه كلهم ثقات من رجاله، فالإسناد صحيح إذا كان محمد بن زهير الأبلي قد توبع كما يشعر بذلك قول الطبراني المذكور، وإلا فهو حسن؛ لأن الأبلي هذا فيه كلام؛ قال الذهبي في
((الميزان)) :
"قال الدارقطني: أخطأ في أحاديث، ما به بأس. وقال ابن غلام الزهري: اختلط قبل موته بسنتين، مات سنة ثمان عشرة وثلاث مئة، أدخل عليه شخص حراني حديثاً)) .
стр. 4909
وأما قول المعلق على "مجمع البحرين " (٢/١٣٨) بعد أن ذكر قول الدارقطني: "وذكره ابن حبان في "الثقات "، وقال: "يخطئ ويهم "، توفي سنة (٣١٨) . اللسان (٥/ ١٧٠) والميزان (٣/ ٥٥١) "!
فهو من عجائب الأوهام، وإليك البيان:
أولاً: ليس لمحمد بن زهير الأبلي هذا ذكر في "ثقات ابن حبان " مطلقاً، بل ليس فيه بهذا الاسم (محمد بن زهير) ؛ إلا مترجم واحد لم ينسب، ومن التابعين؛ كما حققته في "تيسير الانتفاع "؛ فلا أدري كيف وقع له هذا؟!
ثانياً: إذا رجعت إلى المصدرين اللذين أحال عليهما؛ لم تجد فيهما ذكراً لابن حبان وقوله!
ثالثاً: ليس من أسلوب العلماء تقديم المتأخر طبقة على المتقدم فيها، فالصواب تقديم "الميزان " على "اللسان " كما لا يخفى.
ثم إن في رش النبي ﷺ الماء على قبر ابنه وغيره أحاديث أخرى كنت خرجتها في "الإرواء" (٣/٢٠٥- ٢٠٦) ، وكلها معلولة؛ لم أجد فيها يومئذ ما يقويها، فلما وجدت هذا الحديث في "أوسط الطبراني " بادرت إلى تخريجه تقوية لها. والله هو الموفق، لا رب سواه. *
٣٠٤٦ - (الراعي يَرْمِي بالليلِ، ويَرْعَى بالنهارِ) .
أخرجه الطحاوي في "شرح المعاني " (١/٤١٥) ، وابن عدي في "الكامل " (٥/٨) ، والبيهقي في "السنن " (٥/ ١٥١) من طريق ابن وهب: أخبرني عمر بن قيس عن عطاء بن أبي رباح قال: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله ﷺ ... فذكره.
стр. 4910
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ عمر بن قيس هو المعروف بـ (سندل) ؛ وهو متروك
وقد رواه ابن وهب عن شيخين آخرين مرسلاً.
١- فقال: أخبرني ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح: أن رسول الله ﷺ رخَّص لرعاء الإبل أن يرموا الجمار بالليل.
أخرجه البيهقي. وهذا إسناد صحيح مرسل إن كان ابن جريج سمعه من عطاء- كما هو الظن الراجح-.
٢- وقال أيضاً: أخبرني يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزيّة عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن النبي ﷺ مثله.
أخرجه البيهقي أيضاً.
وهذا إسناد صحيح مرسل رجاله رجال "الصحيح ".
ويشهد له مسند مسلم بن خالد: ثنا عبيد الله بن عمرعن نافع عن ابن عمر؛
مثل حديث ابن جريج.
أخرجه البزار في "مسنده " (٢/٣٢/١١٣٩) ، والبيهقي أيضاً.
قلت: وهذا إسناد جيد عندي في الشواهد، رجاله كلهم رجال مسلم؛ غير مسلم بن خالد وهو الزنجي، وهو فقيه صدوق كثير الأوهام؛ كما قال الحافظ، ونحوه قول الذهبي:
" صدوق يهم ".
وأما قول ابن التركماني في " الجوهر النقي " متعقباً البيهقي بقوله:
стр. 4911
" قلت: ذكر في هذا الباب أربعة أحاديث وسكت عنها، ولا يحتج بشيء منها ... "
ثم أعل المسندين بعمر ومسلم، والمرسلين بالإرسال، وهذا تعقب مخالف الأصول؛ فإن قوله: "ولا يحتج بشيء منها" يصدق على كل حديث قوي بمجموع طرقه؛ مفرداتها ضعيفة ضعفاً يسيراً كما هنا؛ باستثناء طريق عمر بن قيس، فالتضعيف والحالة هذه مخالف لما عليه العلماء قاطبة من تقوية الأحاديث بالمتابعات والشواهد، وهذا أمر واضح جداً عند كل من شم رائحة هذا العلم الشريف، وبخاصة على قواعد الحنفية الذين يرون الاحتجاج بالحديث المرسل مطلقاً؛ سواء جاء مسنداً من طريق أخرى أو لا؛ خلافاً لمذهب الشافعي الذي يحتج بالحديث المرسل إذا جاء موصولاً من طريق آخر كما هنا، فالحديث صحيح على المذهبين؛ لولا التعصب وحب التعقب!
وقد تقدم الحديث في هذه "السلسلة" (٢٤٧٧) . *
٣٠٤٧ - (أرأيتَ لو كانَ على أبِيكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قاضِيَهُ؟ قال: نعم. قال: حُجَّ عَنْ أَبِيكَ) .
أخرجه ابن حبان (٦/١٢١/٣٩٧١- الإحسان) من طريق حكيم بن سيف، والطحاوي في "المشكل " (٣/ ٢٢١) ، والطبراني في "الكبير" (١٢/١٥/١٢٣٣٢) من طريقين آخرين؛ ثلاثتهم عن عبيد الله بن عمرو عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبيرعن ابن عباس:
أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال ...
فذكره.
стр. 4912
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين.
ثم أخرجه ابن حبان (٣٩٨٣ و ٣٩٨٦) من طريقين عن أبي الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال ... فذكره نحوه؛ إلا أنه قال:
"إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج؛ أفأحج عنه؟ قال:
"نعم؛ فحج عنه ".
ورجاله ثقات؛ لكن سماك مضطرب الحديث عن عكرمة، فلا يحتج به إلا
في المتابعات والشواهد، وقد توبع في الطريق الأولى؛ إلا في قوله: "لا يستطيع الحج "، وقد جاء من طريق أخرى؛ فقال محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس قال: أخبرني حصين بن عوف قال:
قلت: يا رسول الله! إن أبي أدركه الحج ولا يستطيع أن يحج ... الحديث. أخرجه ابن ماجه (٠٨ ٢٩) ، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٤/٤٦٨/ ٢٥٢١) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٤/ ٣١/٣٥٤٨ و ٣٥٤٩) .
ومحمد بن كريب ضعيف.
وله عند الطبراني (٣٥٥٠) طريق أخرى عن الحصين.
وسنده ضعيف أيضاً.
لكن له شاهد صحيح من حديث أبي رزين، انظره في "المشكاة" (٢٥٢٨) .
ويغني عن ذاك الضعيف حديث ابن عباس عن أخيه الفضل- المتفق عليه-،
وإن كان فيه أن السائل المرأة الخثعمية، فالخطب في ذلك سهل، ولا سيما وفي بعض الروايات أن السائل رجل، وجمع الحافظ بينهما بما تراه في "الفتح " (٤/٦٨) ،
стр. 4913
وفي بعض ما ذكره نظر عندي؛ لا مجال لذكره الآن، والمهم أن جوابه- ﷺ واحد في كل هذه الروايات، وسواء بعد ذلك أكان السائل رجلاً أو امرأة، والمسؤول عنه أباً أو أماً؛ فلا يلحق بهما غيرهما؛ إلا إذا كان معذوراً وأوصى كما هو مذهب مالك، وعليه يحمل حديث شبرمة، وتفصيل هذا لا مجال له الآن.
ثم رأيت للحديث طريقاً آخر، يرويه ابن إسحاق: حدثني خالد بن كثير أن عطاء بن أبي رباح حدثه أن عبد الله بن عباس حدثه:
أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الحج عن أبيه؟ قال:
"احجج عنه؛ ألا ترى أنه لو كان عليه دين.. " الحديث.
أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٦٠/١١٤) .
قلت: إسناده حسن.
ويزيده قوة أنه رواه من طريق شريك عن ابن أبي ليلى عن عطاء.
ثم أخرج له شاهداً من حديث عبَّاد بن راشد: نا ثابت عن أنس بن مالك:
أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال:
هلك أبي ولم يحج؟ قال: " أرأيت.. " الحديث.
ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني في "الكبير" (١/ ٢٣١/٧٤٨) و"الأوسط " (١/٨/ ١/٩٨) وقال:
" لم يروه عن ثابت إلا عباد ".
كذا قال! وقد توبع كما يأتي، وهو صدوق له أوهام من رجال البخاري، فهو
стр. 4914
إسناد حسن، ويرتقي إلى الصحة بمتابعة صدقة بن موسى عن ثابت به.
أخرجه البزار في "مسنده " (٢/٣٦/١١٤٤) ، وقال:
"لا نعلم رواه عن ثابت إلا صدقة، وهو بصري، ليس به بأس، ولم يتابع على هذا، واحتمل حديثه ".
كذا قال! فهو في جانب، وقول الطبراني في جانب، وصدق الله: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) [الإسراء/٨٥] .
وقد تعقبه الحافظ في "مختصر الزوائد" (١/ ١/٤٦٨/٧٩) بقوله:
"قلت: بل هو ضعيف؛ لكن توبع ".
كذا جزم هنا بضعفه- وهو صدقة الدقيقي-. ونحوه قول الذهبي في "الكاشف ": "ضُعّف ".
وقال الحافظ في " التقريب ":
" صدوق له أوهام ". *
٣٠٤٨ - (كانَ رجلٌ ممَّن كان قبلكم لم يعمل خيراً قطُّ؛ إلا التوحيد، فلما احتُضر قال لأهله: انظروا: إذا أنا متُّ أن يحرِّقوه حتى يدعوه حمماً، ثم اطحنوه، ثم اذروه في يوم ريح، [ثم اذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فوالله؛ لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين] ، فلما مات فعلوا ذلك به، [فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه] ، فإذا هو [قائم] في قبضة الله،
стр. 4915
فقال الله : يا ابن آدم! ما حملك على ما فعلت؟ قال: أي ربِّ! من مخافتك (وفي طريق آخر: من خشيتك وأنت أعلم) ، قال: فغفر له بها، ولم يعمل خيراً قطُّ إلا التوحيد) .
أخرجه أحمد (٢/٣٠٤) : ثنا أبو كامل: ثنا حماد عن ثابت عن أبي رافع
عن أبي هريرة عن النبي- ﷺ . وغير واحد عن الحسن وابن سيرين عن النبي ﷺ
قلت: وهذا إسناد صحيح متصل عن أبي هريرة، رجاله ثقات رجال مسلم؛
غير أبي كامل، وهو مظفر بن مدرك الخراساني، وهو حافظ ثقة اتفاقاً.
وحماد هو ابن سلمة، وله في هذا الحديث إسنادان آخران:
أحدهما: عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله بن وائل عن عبد الله
ابن مسعود ﵁:
أن رجلاً لم يعمل من الخير شيئاً قط إلا التوحيد.. الحديث.
أخرجه أحمد (١/٣٩٨) هكذا موقوفاً (١) . وهو في حكم المرفوع كما لايخفى
وكأنَّ أحمد ﵀ أشار إلى ذلك بأن عقب عليه بإسناده إياه من طريق حماد
عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عن النبي ﷺ قال بمثله.
والآخر: عن أبي قزعة عن حكيم بن معاوية عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال:
" إن رجلاً كان فيمن كان قبلكم رَغَسَهُ الله ﵎ مالاً وولداً حتى
стр. 4916
ذهب عصر وجاء عصر، فلما حضرته الوفاة قال: أي بني! أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب. قال: فهل أنتم مطيعي؟ قالوا: نعم. قال: انظروا: إذا مت أن تحرقوني حتى تدعوني فحماً، قال رسول الله- ﷺ : ففعلوا ذلك. ثم اهرسوني بالمهراس- يومئ بيده-، قال رسول الله ﷺ : ففعلوا- والله! - ذلك. ثم اذروني في البحر في يوم ريح؛ لعلي أَضِلُّ الله ﵎. قال رسول الله ﷺ : ففعلوا - والله! - ذلك، فإذا هو في قبضة الله ﵎، فقال: يا ابن آدم! ما حملك على ما صنعت؟ فال: أي رب! مخافتك. قال: فتلافاه الله ﵎ بها".
أخرجه أحمد (٤/٤٤٧و٥/٣) ؛ والطبراني في " المعجم الكبير" (١٩/٤٢٧/١٠٧٣)
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات.
وأقول: إن رواية حماد بن سلمة لهذا الحديث بأسانيد ثلاثة عن ثلاثة من الصحابة مما يدل على أنه كان من كبار الحفاظ؛ كما يدل على أن الحديث كان مشهوراً بين الأصحاب. ويؤكد هذا أنه جاء عن أبي هريرة من طرق أخرى، وعن صحابة آخرين.
أما الطرق عن أبي هريرة:
١- فرواه أبو الزناد عن الأعرج عنه مرفوعاً نحوه.
أخرجه مالك (١/٢٣٨) ، ومن طريقه: البخاري (٧٥٠٦) ، ومسلم (٨/٩٧) ، والخطيب في "التاريخ " (٤/٣٨٩) ، وابن عبد البر في "التمهيد" (١٨/٣٨) ، كلهم عن مالك به. والزيادات والطريق لمسلم.
стр. 4917
٢- الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة به.
أخرجه البخاري (٣٤٨١) ، ومسلم (٨/٩٧- ٩٨) ، والنسائي (١/ ٢٩٤) ،
وا بن ماجه (٤٢٥٥) ، وعبد الرزاق في "المصنف " (١١/٢٨٣/٢٠٥٤٨) ، وأحمد (٢/٢٦٩) ، وابن صاعد في "زوائد الزهد" (٣٧٢/١٠٥٦) .
وأما الصحابة:
١ و ٢- حذيفة بن اليمان ﵁ قال: سمعته ﷺ يقول ... فذكر
نحوه. قال عقبة بن عمرو:
وأنا سمعته يقول ذاك، وكان نباشاً.
أخرجه البخاري (٣٤٥٢) ؛ وأحمد (٥/٣٩٥) ؛ والبيهقي في " الشعب "
(٥/٤٣٠/ ٧١٦٠) ، وا لطبراني (١٧/٢٣١- ٢٣٥) .
ورواه النسائي، وابن حبان (٢/٢٢/ ٦٥٠) عن حذيفة وحده، وهو رواية للبخاري (٦٤٨٠) .
٣- أبو سعيد الخدري عن النبي- ﷺ : أنه ذكر رجلاً فيمن سلف.. الحديث نحوه، وفيه:
"وإن يقدِرِ الله عليه يعذِّبه ".
وفيه:
"فأخذ مواثيقهم على ذلك ".
أخرجه البخاري (٦٤٨١ و ٧٥٠٨) ، ومسلم، وابن حبان (٦٤٩) ، وأحمد (٣/٦٩- ٧٠ و ٧٧- ٧٨) ، وابن عبد البر (١١/٣٩) ، والطبراني (٦/٣٠٦) .
стр. 4918
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده " (٢/٢٨٤/١٠٠١ و ٨/٤٦٩/٥٠٥٥) من طريق أخرى ضعيفة عن أبي سعيد به مختصراً.
٤- سلمان ﵁:
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٦/٣٠٦/٦١٢٣) عقب حديث أبي سعيد الخدري، وأحال في لفظه عليه، فقال:
"نحوه، وقال: اذروا نصفي في البر، ونصفي في البحر".
وكذلك رواه البخاري (٦٤٨١) في آخر حديث أبي سعيد أيضاً، ولكنه لم يذكر هذه الزيادة بتمامها، وهي ثابتة في حديث أبي هريرة- كما تقدم- من الطريق المتفق عليه، فلا ريب في صحتها.
واعلم أن قوله في حديث الترجمة: "إلا التوحيد" مع كونها صحيحة الإسناد، فقد شكك فيها الحافظ ابن عبد البر من حيث الرواية، وإن كان قد جزم بصحتها من حيث الدراية، فكأنه لم يقف على إسنادها، لأنه علقها على أبي رافع عن أبي هريرة، فقال ﵀ (١٨/ ٤٠) :
"وهذه اللفظة- إن صحت- رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل، وإن لم تصح من جهة النقل؛ فهي صحيحة من جهة المعنى، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها، لأنه محال غير جائز أن يغفر للذين يموتون وهم كفار؛ لأن الله قد أخبر أنه (لا يغفر أن يشرك به) لمن مات كافراً، وهذا ما لا مدفع له، ولا خلاف فيه بين أهل القبلة.
والدليل على أن الرجل كان مؤمناً قوله حين قيل له " لم فعلت هذا؟ " فقال:
" من خشيتك يارب! ". والخشية لاتكون إلا لمؤمن مصدق؛ بل ما تكاد تكون إلا
стр. 4919
لمؤمن عالم؛ كما قال الله : (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ، قالوا: كل من خاف الله فقد آمن به وعرفه، ومستحيل أن يخافه من لا يؤمن به. وهذا واضح لمن فهم وألهم رشده.
وأما قوله: "لئن قدر الله علي "؛ فقد اختلف العلماء في معناه؛ فقال منهم قائلون: هذا رجل جهل بعض صفات الله ، وهي القدرة، فلم يعلم أن الله على كل ما يشاء قدير، قالوا: ومن جهل صفة من صفات الله عزوجل، وآمن بسائر صفاته وعرفها؛ لم يكن بجهله بعض صفات الله كافراً. قالوا: وإنما الكافر من عاند الحق لا من جهله. وهذا قول المتقدمين من العلماء ومن سلك سبيلهم من المتأخرين.
وقال آخرون: أراد بقوله: "لئن قدر الله علي " من القدر الذي هو القضاء، وليس من باب القدرة والاستطاعة في شيء. قالوا: وهو مثل قول الله في ذي النون: (إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه) .
وللعلماء في تأويل هذه اللفظة قولان:
أحدهما: أنها من التقدير والقضاء.
والآخر: أنها من التقتير والتضييق.
وكل ما قاله العلماء في تأويل هذه الآية فهو جائز في تأويل هذا الحديث في قوله: "لئن قدر الله علي "، فأحد الوجهين تقديره: كأن الرجل قال: لئن كان سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه؛ ليعذبني الله على إجرامي وذنوبي عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين غيري.
والوجه الآخر: تقديره: والله! لئن ضيق الله علي وبالغ في محاسبتي وجزائي على ذنوبي ليكونن ذلك. ثم أمر بأن يحرق بعد موته من إفراط خوفه.
стр. 4920
وأما جهل هذا الرجل بصفة من صفات الله في علمه وقدره؛ فليس ذلك بمخرجه من الإيمان، ألا ترى أن عمر بن الخطاب وعمران بن حصين وجماعة من الصحابة سألوا رسول الله ﷺ عن القدر. ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين، أو يكونوا حين سؤالهم عنه غير مؤمنين.
وروى الليث عن أبي قبيل عن شُفَيٍّ الأصبحي عن عبد الله بن عمرو بن العاص- فذكر حديثاً في القدر، وفيه: فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فأي شيء نعمل إن كان الأمر قد فرغ منه؟ (١) -، فهؤلاء أصحاب رسول الله- ﷺ وهم العلماء الفضلاء- سألوا عن القدر سؤال متعلم جاهل؛ لا سؤال متعنت معاند، فعلمهم رسول الله ﷺ ما جهلوا من ذلك، ولم يضرهم جهلهم به قبل أن يعلموه، ولو كان لا يسعهم جهله وقتاً من الأوقات؟ لعلمهم ذلك مع الشهادة بالإيمان، وأخذ ذلك عليهم في حين إسلامهم، ولجعله عموداً سادساً للإسلام، فتدبر واستعن بالله.
فهذا الذي حضرني على ما فهمته من الأصول ووعيته، وقد أديت اجتهادي في تأويل حديث هذا الباب كله ولم آلُ، وما أبرئ نفسي، وفوق كل ذي علم عليم. وبالله التوفيق ".
هذا كله كلام الحافظ ابن عبد البر، وهو كلام قوي متين يدل على أنه كان إماماً في العلم والمعرفة بأصول الشريعة وفروعها، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً.
стр. 4921
وخلاصته؛ أن الرجل النباش كان مؤمناً موحداً، وأن أمره أولاده بحرقه ...
إنما كان إما لجهله بقدرة الله تعالى على إعادته- وهذا ما أستبعده أنا- أو لفرط خوفه من عذاب ربه، فغطى الخوف على فهمه؛ كما قال ابن الملقن فيما ذكره الحافظ (١١/٣١٤) ، وهو الذي يترجح عندي من مجموع روايات قصته، والله أعلم.
وسواء كان هذا أو ذاك؛ فمن المقطوع به أن الرجل لم يصدر منه ما ينافي توحيده، ويخرج به من الإيمان إلى الكفر؛ لأنه لو كان شيء من ذلك لما غفر الله له؛ كما تقدم تحقيقه من ابن عبد البر.
ومن ذلك يتبين بوضوح أنه ليس كل من وقع في الكفر من المؤمنين وقع الكفر عليه وأحاط به. ومن الأمثلة على ذلك: الرجل الذي كان قد ضلت راحلته، وعليها طعامه وشرابه، فلما وجدها قال من شدة فرحه:
"اللهم! أنت عبدي وأنا ربك " (١) !
وفي ذلك كله رد قوي جداً على فئتين من الشباب المغرورين بما عندهم من علم ضحل:
الفئة الأولى: الذين يطلقون القول بأن الجهل ليس بعذر مطلقا؛ حتى ألف بعض المعاصرين منهم رسالة في ذلك! والصواب الذي تقتضيه الأصول
стр. 4922
والنصوص التفصيل؛ فمن كان من المسلمين يعيش في جو إسلامي علمي مصفى، وجهل من الأحكام ما كان منها معلوماً من الدين بالضرورة- كما يقول الفقهاء- فهذا لا يكون معذوراً؛ لأنه بلغته الدعوة وأقيمت الحجة. وأما من كان في مجتمع كافر لم تبلغه الدعوة، أو بلغته وأسلم؛ ولكن خفي عليه بعض تلك الأحكام لحداثة عهده بالإسلام، أو لعدم وجود من يبلغه ذلك من أهل العلم بالكتاب والسنة؛ فمثل هذا يكون معذوراً. ومثله- عندي- أولئك الذين يعيشون في بعض البلاد الإسلامية التي انتشر فيها الشرك والبدعة والخرافة، وغلب عليها الجهل، ولم يوجد فيهم عالم يبين لهم ما هم فيه من الضلال، أو وجد ولكن بعضهم لم يسمع بدعوته وإنذاره؛ فهؤلاء أيضاً معذورون بجامع اشتراكهم مع الأولين في عدم بلوغ دعوة الحق إليهم؛ لقوله تعالى: (لأنذركم به ومن بلغ) وقوله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) ، ونحو ذلك من الأدلة التي تفرع منها تبني العلماء عدم مؤاخذة أهل الفترة؛ سواء كانوا أفراداً أو قبائل أو شعوباً؛ لاشتراكهم في العلة؛ كما هو ظاهر لا يخفى على أهل العلم والنُّهى.
ومن هنا يتجلى لكل مسلم غيور على الإسلام والمسلمين عظم المسؤولية الملقاة على أكتاف الأحزاب والجماعات الإسلامية الذين نصبوا أنفسهم للدعوة للإسلام، ثم هم مع ذلك يدعون المسلمين على جهلهم وغفلتهم عن الفهم الصحيح للإسلام، ولسان حالهم يقول- كما قال لي بعض الجهلة بهذه المناسبة-: "دعوا الناس في غفلاتهم "! بل وزعم أنه حديث شريف!! أو يقولون- كما تقول العوام في بعض البلاد-: "كل مين على دينه، الله يعينه "! وهذا خطأ جسيم لو كانوا يعلمون، ولكن صدق من قال: "فاقد الشيء لا يعطيه "!
стр. 4923
والفئة الثانية: نابتة نبتت في هذا العصر؛ لم يؤتوا من العلم الشرعي إلا نزراً يسيراً، وبخاصة ما كان منه متعلقاً بالأصول الفقهية، والقواعد العلمية المستقاة من الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، ومع ذلك؛ اغتروا بعلمهم فانطلقوا يبدِّعون كبار العلماء والفقهاء، وربما كفروهم لسوء فهم أو زلة وقعت منهم، لا يرقبون فيهم (إلاً ولا ذمة) ، فلم يشفع عندهم ما عرفوا به عند كافة العلماء من الإيمان والصلاح والعلم، وما ذلك إلا لجهلهم بحقيقة الكفر الذي يخرج به صاحبه من الإيمان؛ ألا وهو الجحد والإنكار لما بلغه من الحجة والعلم؛ كما قال تعالى في قوم فرعون: (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين. وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) [النمل /١٣-١٤] . وقال في الذين كفروا بالقرآن: (ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاءً بما كانوا بآياتنا يجحدون) [فصلت/٢٨] ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه (١٦/ ٤٣٤- مجموع الفتاوى) :
" لا يجوز تكفير كل من خالف السنة؛ فليس كل مخطئ كافراً لا سيما في المسائل التي كثر فيها نزاع الأمة ".
يشير إلى مثل مسألة كلام الله وأنه غير مخلوق، ورؤية الله في الآخرة، واستواء الله على عرشه، وعلوه على خلقه؛ فإن الإيمان بذلك واجب، وجحدها كفر، ولكن لا يجوز تكفير من تأولها من المعتزلة والخوارج والأشاعرة بشبهة وقعت لهم؛ إلا من أقيمت عليه الحجة وعاند.
وهذا هو المثال بين أيدينا: الرجل النباش؟ فإنه مع شكه في قدرة الله على بعثه غفر الله له؛ لأنه لم يكن جاحداً معانداً؛ بل كان مؤمناً بالله وبالبعث على الجملة دون تفصيل لجهله. قال شيخ الإسلام بعد أن ساق الحديث برواية
стр. 4924
" الصحيح " وذكر أنه حديث متواتر (١٢/٤٩١) :
" وهنا أصلان عظيمان:
أحدهما: متعلق بالله تعالى؛ وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير.
والثاني: متعلق باليوم الآخر؛ وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت، ويجزيه على أعماله. ومع هذا فلما كان مؤمناً بالله في الجملة، ومؤمناً باليوم الآخر في الجملة، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت، وقد عمل عملاً صالحاً- وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه-؛ غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ".
ولهذا؛ فإني أنصح أولئك الشباب أن يتورعوا عن تبديع العلماء وتكفيرهم، وأن يستمروا في طلب العلم حتى ينبغوا فيه، وأن لا يغتروا بأنفسهم، ويعرفوا حق العلماء وأسبقيتهم فيه، وبخاصة من كان منهم على منهج السلف الصالح كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، وأَلْفِتُ نظرهم إلى " مجموع الفتاوى " فإنه " كُنَيْف مُلِىءَ علماً "، وبخاصة إلى فصول خاصة في هذه المسالة الهامة (التكفير) ، حيث فرق بين التكفير المطلق وتكفير المعين، وقال في أمثال أولئك الشباب:
"ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين؛ إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع. يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه ".
يعني الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق. ومن قال: إن الله لا يرى في
الآخرة؛ وأمثالهم.
стр. 4925
فأقول: وملاحظة هذا الفرق هو الفيصل في هذا الموضوع الهام، ولذلك فإني أحث الشباب على قراءته وتفهمه من "المجموع " (١٢/٤٦٤- ٥٠١) الذي ختمه بقوله:
"وإذا عُرف هذا؛ فتكفير (المعين) من هؤلاء الجهال وأمثالهم- بحيث يحكم عليه أنه من الكفار- لا يجوز الإقدام عليه؛ إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت مقالتهم لا ريب أنها كفر. (يعني: الدعاة إلى البدعة) .
وهكذا الكلام في تكفير جميع (المعينين) ؛ مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض. فليس لأحد أن يكفر أحدآ من المسلمين- وإن أخطأ وغلط- حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة ".
هذا؛ وفي الحديث دلالة قوية على أن الموحد لا يخلد في النار؛ مهما كان فعله مخالفاً لما يستلزمه الإيمان ويوجبه من الأعمال؛ كالصلاة ونحوها من الأركان العملية، وإن مما يؤكد ذلك ما تواتر في أحاديث الشفاعة؛ أن الله يأمر الشافعين بأن يخرجوا من النار من كان في قلبه ذرة من الإيمان. ويؤكد ذلك حديث أبي سعيد الخدري أن الله ﵎ يخرج من النار ناساً لم يعملوا خيراً قط. ويأتي تخريجه وبيان دلالته على ذلك، وأنه من الأدلة الصريحة الصحيحة على أن تارك الصلاة المؤمن بوجوبها يخرج من النار أيضاً ولا يخلد فيها، فانظره بالرقم (٣٠٥٤) . *
стр. 4926
٣٠٤٩ - (رُدُّوهُ على صاحبِهِ (يعني: التمر الريان) ، فَبِيعُوهُ (يعني: التمر الرديء) بعينٍ، ثم ابتاعوا التمر) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط " (١/٧٥/٢/١٣٩٣) : حدثنا أحمد
قال: نا محمد بن الحسن بن تسنيم قال: نا روح بن عبادة؛ قال: نا أبو الفضل
كثير بن يسار قال: نا ثابت البناني قال: نا أنس بن ماللك:
أن رسول الله ﷺ أتي بتمر ريان؛ فقال:
" أنى لكم هذا؟ "
فقالوا: كان عندنا تمر بعل؛ فبعنا صاعين بصاع؛ فقال رسول الله ﷺ ...
فذكره.
وأخرجه البزار في "مسنده " (٢/١٠٨/١٣١٧) : حدثنا محمد بن معمر: ثنا
روح بن عبادة به، دون قوله: "بعين، ثم.. ". وقال الطبراني:
"لم يروه عن ثابت إلا كثير أبو الفضل، تفرد به روح ".
قلت: هو ثقة من رجال الشيخين، وكذا ثابت.
وأما كثير بن يسار أبو الفضل، فقد روى عنه جمع من الثقات؛ كما في "تهذيب الحافظ "، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٥/ ٣٣١ و ٧/ ٣٥٠) ، فالسند صحيح.
ثم رأيت الحديث قد أخرجه البخاري في ترجمة كثير هذا من "التاريخ " (٤/١/٢١٤) من طريق عبد الله بن أبي الأسود: نا روح بن عبادة قال: ثنا كثير بن يسار أبو الفضل- قال عبد الله: وأثنى عليه سعيد بن عامر خيراً- قال: أخبرنا
ثابت به.
стр. 4927
قلت: وهذه فائدة من عبد الله- وهو ابن محمد بن أبي الأسود البصري، من شيوخ البخاري-، وهو ثقة حافظ.
وللحديث شاهد من حديث أبي سعيد الخدري مثله.
أخرجه الطحاوي في "شرح المعاني " (٢/٢٣٤) ، وأحمد (٣/٤٥) من طريق سعيد بن المسيب عنه.
وإسناده صحيح.
وأخرجه مسلم (٥/ ٤٨) ، والبيهقي (٥/٢٩٦) من طريق أبي نضرة عنه نحوه.
وأخرجه الشيخان وغيرهما من طريق أخرى عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد وأبي هريرة معاً نحوه أتم منه؛ وهو مخرج في " إرواء الغليل " (٥/١٩٠/١٣٤٠) ؛ و" أحاديث البيوع ".
(تنبيهات) :
الأول: (أحمد) شيخ الطبراني الراوي عن (محمد بن الحسن بن تسنيم) هر (أحمد بن محمد بن صدقة أبو بكر البغدادي) ، وهو ثقة حافظ، وشيخه (محمد ابن الحسن بن تسنيم) صدوق، ولذلك حسن إسناده الهيثمي كما يأتي. وتداخل اسمه في اسم شيخه فصار ابناً له في مصورة "مجمع البحرين " هكذا: (أحمد بن محمد بن الحسن بن تسنيم) ! ولم يتنبه لذلك محققه، فوقع كذلك في مطبوعته (٤/٢٠/٢٠٢٧) ! وترتب عليه أنه لم يجد ترجمته، ولا وجد الحديث في " المعجم الأوسط "!!
وأيضاً فقد وقع في تعليقه هو عليه تحريف وسقط لما ترجم لـ (كثير بن يسار) ؛
стр. 4928
فقال: "وقال ابن حجر: أثنى عليه كثيراً "!
الثاني: أورد الحديث الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/١١٣) برواية البزار المختصرة، وقال عقبها:
"رواه الطبراني في "الأوسط "؛ إلا أنه قال: "ردوه على صاحبه فبيعوه بعين،
ثم ابتاعوا التمر". وإسناده حسن ".
فسقط من الطابع ذكر البزار، فالصواب:
"رواه [البزار، و] الطبراني.. ".
ولم يتنبه لهذا السقط الدكتور الطحان في تعليقه على "المعجم الأوسط " (٢/٢٣١) ، فنقله كما رآه في "المجمع " دون أي تعليق عليه! وكذلك فعل من قبله الشيخ الأعظمي في تعليقه على "زوائد البزار" للهيثمي، ولكنه عقب عليه- ضِغْثآ على إبالة- فقال (٢/١٠٨) :
"لم يعزه الهيثمي للبزار وعنده حرفاً بحرف "!
وهذا مما يدل على بالغ غفلته، وإلا لما قال: ".. حرفاً بحرف " ورواية البزار أمامه مختصرة عن رواية الطبراني، وقد ذكرهما الهيثمي معاً؛ إلا أن الأولى لم تقع معزوة للبزار خطأ مطبعياً، فلو أنه تنبه لصنيع الهيثمي هذا لنجا من الوقوع في هذين الخطأين: "حرفاً بحرف "، و"لم يعزه الهيثمي "!!
ثالثاً: سقط من "كشف الأستار" قول البزار عقب الحديث:
"لا نعلم رواه عن ثابت إلا كثير".
وهو ثابت في "مختصر الزوائد" للحافظ (١/٥١٧) . *
стр. 4929
كراهةُ النُّخاعة في المسجد وتَخْلِيقُهًُ
٣٠٥٠ - (ما أحسن هذا!)
أخرجه النسائي (١/١١٩) ، وابن ماجه (٧٦٢) من طريق عائذ بن حبيب
عن حميد عن أنس:
أن النبي- ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فجاءته امرأة من الأنصار فحكتها، وجعلت مكانها خلوقاً، فقال رسول الله ﷺ ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وحميد- وهو الطويل- وإن كان رمي بالتدليس؛ فقد ذكروا أن ما يرويه عن أنس بالعنعنة فإنما تلقاه عنه بواسطة ثابت البناني الثقة. *
٣٠٥١ - (حَضْرَمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ بني الحارثِ) .
أخرجه ابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (ص ١٢٤- ١٢٥) من طريق ابن لهيعة عن عتبة بن أبي حكيم عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ قال ... فذكره
قلت: وهذا إسناد ضغيف مرسل؛ ولكنه قد جاء موصولاً من حديث عمرو ابن عبسة مرفوعاً به في حديث له في مدح بعض القبائل وذم أخرى.
أخرجه أحمد (٤/٣٨٧) : ثنا أبو المغيرة: ثنا صفوان بن عمرو: حدثني شريح
ابن عبيد عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي عن عمرو بن عبسة السلمي. وأخرجه
الطبراني في " مسند الشاميين " (ص١٩٣)
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات.
стр. 4930
وقد تابعه معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي بتمامه.
أخرجه الحاكم (٤/ ٨١) وقال:
"غريب المتن، صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي.
ثم رواه الإمام أحمد من طريق يزيد بن يزيد بن جابر عن رجل عن عمرو بن عبسة به.
ورجاله ثقات؛ غير الرجل الذي لم يسم.
والحديث قال الهيثمي (٥/٤٣) :
"رواه أحمد متصلاً ومرسلاً والطبراني، ورجال الجميع ثقات ".
ثم ساقه بتمامه وفيه موضع الشاهد منه، ثم قال:
"رواه الطبراني عن شيخه بكر بن سهل الدمياطي؛ قال الذهبي: "حمل عنه الناس وهو مقارب الحال "، وقال النسائي: "ضعيف ". وبقية رجاله رجال "الصحيح "، وقد رواه بنحوه بإسناد جيد عن شيخين آخرين ".
(تنبيه هام) : وقع حديث الترجمة سهواً في "ضعيف الجامع " (٧٢٢٥) ، وهو من حق "صحيح الجامع "، فلينقل إليه، وأستغفر الله وأتوب إليه. *
٣٠٥٢ - (يُؤتَى بالرجل يوم القيامة فيُقالُ: اعرِضوا عليه صغارَ ذُنُوبِهِ. فتُعرضُ عليه، ويُخَبَّأُ عنه كبارُها، فيُقالُ: عملت يوم كذا وكذا؛ كذا وكذا، وهو مُقرٌّ لا يُنكرُ، وهو مُشفِقٌ من الكبارِ، فيُقالُ: أعطُوهُ مكان كلِّ سيئةٍ عَمِلَها حسنةً. قال: فيقول: إنَّ لي ذنوباً ما أراها هَهُنا.
стр. 4931
قال أبو ذرٍّ: فلقد رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ضَحِكَ حتى بَدَتْ نَواجِذُهُ) .
أخرجه وكيع في " الزهد " (٢/٦٥١/٣٦٧) : حدثنا الأعمش عن المعرور بن
سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره
ومن طريق وكيع أخرجه أحمد (٥/١٥٧) ، وهناد في "الزهد" (٢/١٥٥/ ٢١١) ،
وأبو عوانة في "صحيحه " (١/١٧٠) ، ومسلم أيضاً (١/١٢٢) ، إلا أنه لم يسق لفظه، وإنما أحال به على لفظ عبد الله بن نمير الآتي، وفيه زيادة في أوله.
وشذ الحسين بن حريث؛ فقال: حدثنا وكيع به، وزاد الزيادة بلفظ:
"إني لأعلم آخر رجل يدخل الجنة، وآخر رجل يخرج من النار؛ يؤتى بالرجل.. " الحديث.
أخرجه الترمذي في "الشمائل " (٢/ ٢٠ بشرح الشيخ القاري) ، ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" (١٥/١٩٢- ١٩٣) .
والحسين بن حريث ثقة من رجال الشيخين، لكن النفس لم تطمئن لمخالفته لرواية الجماعة عن وكيع. أقول هذا بالنسبة لروايته إياها عن وكيع، وإلا فقد رواه غيره عن الأعمش.
أولاً: عبد الله بن نمير: حدثنا الأعمش به، ولفظه:
"إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وآخر أهل النار خروجاً منها؛ رجل يؤتى به.. " الحديث.
أخرجه مسلم، وأبو عوانة، والبيهقي في "السنن " (١٠/١٩٠) ، وفي "الأسماء والصفات " (ص ٥٤) .
стр. 4932
ثانياً: أبو معاوية محمد بن خازم: ثنا الأعمش به؛ إلا أنه قال:
".. يؤتى برجل.. " الحديث.
أخرجه أحمد (٥/ ١٧٠) ، ومسلم أيضاً- ولم يسق لفظه-، والترمذي في "السنن " (٨/ ٢٦١/٢٥٩٩) ، وابن حبان (٩/٢٣٣/ ٧٣٣١- الإحسان) ، وابن جرير في "تفسيره " (١٩/ ٣٠) ؛ إلا أنه قال:
".. قال: يؤتى برجل.. ".
وقال الترمذي:
" حديث حسن صحيح "
ثالثاً: أبو يحيى الحماني قال: ثنا الأعمش به مثل لفظ ابن نمير. أخرجه أبو عوانة.
واسم أبي يحيى عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، وهو صدوق يخطئ من رجال الشيخين.
فقد اختلف على الأعمش في متن هذا الحديث؛ فابن نمير والحماني قالا:
".... آخر أهل النار خروجاً منها رجل يؤتى.. ".
وظاهره أن الرجل الذي يؤتى به هو الأول الذي ذكر قبله، وهذا مشكل جداً كما سيأتي بيانه.
وقال أبو معاوية:
".. يؤتى برجل ".
стр. 4933
فظاهره أنه غير الرجل الأول؛ وأكد ذلك بقوله في رواية ابن جرير:
".... قال: يؤتى برجل ".
فهذا صريح في أنه رجل آخر غير الأول؛ لأنه استأنف الحديث عنه، وفصله
عن الذي قبله، وأكد ذلك وكيع في حديث الترجمة؛ فإنه ابتدأ الحديث عنه دون الرجل الأول.
وأما أن رواية ابن نمير والحماني مشكلة؛ فمما لا يخفى على المتأمل؛ فإنها تدل على أن الرجل مع كونه قد بدلت سيئاته حسنات؛ فهو آخر من يخرج من النار، وآخر من يدخل الجنة! وهذا مما لا يستقيم في العقل.
وقد تكلم العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه "طريق الهجرتين " (ص ٢٤٧- ٢٥٠) ، ورد على من احتج بالحديث (حديث مسلم) أن التبديل المذكور في آية الفرقان: (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) ، إنما هو يوم القيامة، ورجح أن ذلك في الدنيا بتحول التائب من أعماله القبيحة إلى أضدادها وهي حسنات، فأصاب في ذلك وأجاد، ولكنه لم يتعرض لإزالة الإشكال؛ بل إنه قال في صدد الرد المذكور (ص ٢٤٨) :
"وهو صريح في أن هذا الذي قد بدلت سيئاته حسنات قد عذب عليها في النار؛ حتى كان آخر أهلها خروجاً منها، فهذا قد عوقب على سيئاته، فزال أثرها بالعقوبة، فبدل مكان كل سيئة بحسنة"!
فهذا إشكال جديد في كلامه، فإنه يؤكد أن التبديل كان بعد العقوبة!!
وقد أكد الإشكال ابن جرير ﵀؛ فإنه قال بعد أن رجح تفسير الآية بما تقدم عن ابن القيم:
стр. 4934
" وإنما قلنا: ذلك أولى بتأويل الآية؛ لأن الأعمال السيئة قد كانت مضت على ما كانت عليه من القبح، وغير جائز تحويل عين قد مضت بصفة إلى خلاف ما كانت عليه؛ إلا بتغييرها عما كانت عليه من صفتها في حال أخرى، فيجب إن فعل ذلك كذلك أن يصير شرك الكافر الذي كان شركاً في الكفر بعينه إيماناً يوم القيامة بالإسلام، ومعاصيه كلها بأعيانها طاعة، وذلك ما لا يقوله ذو حجى ".
وقد أشار الشيخ علي القاري ﵀ إلى الإشكال في "المرقاة" (٥/٢٧٢) ، وأجاب عنه بقوله:
"ويمكن أن يقال: فعل بعد التوبة ذنوباً استحق بها العقاب (!) وإما وقع التبديل له من باب الفضل من رب الأرباب، والثاني أظهر"!
قلت: لو كان كذلك لم يعذب ولم يكن أخر من يخرج من النار! وكأنه أخذ الجواب الثاني من ترجمة ابن حبان للحديث، فإنه قال:
"ذكر إبدال سيئات من أحب من عباده في القيامة بالحسنات ".
فأقول: وهذا إنما يصح على رواية أبي معاوية التي فصلت، وجعلت الرجل الذي بدلت سيئاته حسنات غير الرجل الأول الذي هو آخر من يخرج من النار. وبذلك يزول الإشكال من أصله، والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات.
(تنبيه) : زاد أبو عوانة في رواية في آخر الحديث:
" ثم تلا رسول الله ﷺ : (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) ".
وإسناده هكذا: حدثنا ابن أبي رجاء المصيصي قال: ثنا وكيع بسنده المتقدم.
стр. 4935
وابن أبي رجاء هذا اسمه أحمد بن محمد بن عبيد الله الطرسوسي، وقد
وثقه النسائي؛ وقال مرة:
" لا بأس به "
قلت: فمثله تقبل زيادته؛ لولا أنه خالف كل الذين رووه عن وكيع- وعلى رأسهم الإمام أحمد كما تقدم- " فإنهم لم يذكروها، فكانت زيادة شاذة إسناداً ومنكرة متناً؛ لمخالفتها للمعنى الصحيح للآية أولاً؛ ولأنها تؤكد الإشكال ثانياً. والله أعلم. *
٣٠٥٣ - (لَيَتَمَنَّيَنَّ أقوامٌ لو أَكثَرُوا مِنَ السَّيِّئاتِ. قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: الذِينَ بَدَّلَ اللهُ سَيِّئاتِهم حَسَناتٍ) .
أخرجه الحاكم (٤/٢٥٢) من طريق الفضل بن موسى عن أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره. وقال:
"أبو العنبس هذا: سعيد بن كثير، وإسناده صحيح ".
ووافقه الذهبي. وهو كما قالا، وتقدم لسعيد وأبيه حديث آخر برقم (٣٠١١) ، وصححاه أيضاً. وكثير هو ابن عبيد التيمي مولى أبي بكر الصديق، رضيع عائشة، وقد روى عنه جمع من الثقات، وذكره ابن حبان في "الثقات "، فهو صدوق، ولم يعرفه ابن القيم ولا عرف ابنه سعيداً؛ فقد ساق الحديث في "طريق الهجرتين " (ص ٢٤٨) من طريق أبي حفص المستملي عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة: حدثنا الفضل بن موسى القطيعي به. ثم قال:
"لا يثبت مثله، ومن أبو العنبس؟ ومن أبوه؟! ".
стр. 4936
قلت: وهذا منه عجيب! فإنهما من رجال البخاري في "الأدب المفرد" ورجال أبي داود، والأول وثقه جمع، منهم ابن معين، والآخر عرفت من وثقه وأنه صدوق.
والحديث عزاه في "الدر المنثور" (٥/٧٩) لابن أبي حاتم وابن مردويه.
وفيه إشارة إلى فضل الله ورحمته بمن يشاء من عباده الذين يبدل يوم القيامة سيئاتهم حسنات؛ كما في الحديث الذي قبله. والله أعلم. *
حديثُ الشفاعة وأنَّها تشملُ تاركي الصلاةِ منَ المسلمين
٣٠٥٤ - (إذا خَلصَ المؤمنونَ من النار وأَمِنُوا؛ فـ[والذي نفسي بيده!] ما مُجَادَلَةُ أحَدِكُم لصاحبِهِ في الحقِّ يكون له في الدنيا بأشدِّ من مجادلة المؤمنين لربِّهم في إخوانِهِمُ الذين أُدْخِلُوا النار. قال: يقولون: ربَّنا:! إخوانُنَا كانوا يصلُّون معنا؛ ويصومون , معنا؛ ويحُجُّون معنا؛ [ويُجاهدون معنا] ؛ فأدخلتَهم النار. قال: فيقولُ: اذهَبُوا فأخرِجُوا من عَرَفْتُم منهم؛ فيأتُونهم؛ فَيَعْرفونَهُم بِصُورِهم؛ لا تأكلُ النار صُوَرَهُم؛ [لم تَغْشَ الوَجْهَ] ؛ فَمِنْهم من أَخَذتْهُ النارُ إلى أنصافِ ساقَيْهِ؛ ومنهم من أخذته إلى كَعْبَيْه (١) [فَيُخرِجُونَ مِنْها بشراً كثيراً] ؛ فيقولون: ربَّنا! قد أَخْرَجنا مَنْ أَمَرتنا. قال: ثم [يَعُودون فيتكلمون فـ] يقولُ: أَخْرِجُوا من كان في قلبهِ مِثقالُ دينارٍ من الإيمانِ. [فيُخرِجُون]
стр. 4937
خلقاً كثيراً] ، ثم [يقولون: ربَّنا! لم نَذَرْ فيها أحداً ممن أَمَرتَنا. ثم
يقول: ارجعوا، فـ] من كان في قلبه وزنُ نصف دينارٍ [فأًخْرِجُوهُ. فيُخرِجونَ خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربَّنا! لم نَذَرْ فيها ممن أمرتنا ... ] ؛
حتى يقول: أخرِجُوا من كان في قلبه مثقال ذَرَّةٍ. [فيخرجون خلقاً
كثيراً] ، قال أبو سعيد: فمن لم يُصّدِّقْ بهذا الحديث فليَقْرَأْ هذه
الآية: (إن الله لايظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من
لَدُنْهُ أجراً عظيماً) [النساء /٤٠] ؛ قال: فيقولون: ربنا! قد أَخْرَجْنا من
أمرتنا؛ فلم يَبْقَ في النار أحدٌ فيه خيرٌ. قال: ثم يقول الله: شفعَتِ
الملائكة؛ وشَفَعَتِ الأنبياء؛ وشَفَعَ المؤمنون؛ وبَقِيَ أرحم الراحمين
قال: فَيَقْبضُ قبضةً من النار- أو قال: قَبْضَتَينِ - ناساً لم يعملوا خيراً
قََطُّ؛ قد احتَرَقُوا حتى صاروا حُمَماً. قال: فَيُؤْتَى بهم إلى ماء يُقالُ
له: (الحياةُ) ؛ فَيُصَبُّ عليهم؛ فَيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الحبَّةُ في حَمِيلِ
السَّيلِ؛ [قد رَأَيْتُمُوها إلى جانب الصخرة؛ وإلى جانب الشجرة؛ فما
كان إلى الشمس منها كان أخضر؛ وما كان منها إلى الظلِّ كان
أبيض] ؛ قال: فَيَخْرُجُونَ من أجسادِهِم مِثلَ اللؤلؤِ؛ وفي أعناقهم
الخاتمُ؛ (وفي رواية: الخواتِمُ) : عُتَقاءُ الله. قال: فيُقالُ لَهُمُ: ادخلوا
الجنة؛ فما تمنَّيتمُ وَرَأيتُم من شيءٍ فهو لكُم [ومِثلُهُ مَعَهُ] . [فيقول أهل
الجنة: هؤلاء عُتقاءُ الرحمن أَدْخَلَهُمُ الجنة بغيرِ عملٍ عَمِلُوهُ؛ ولا خيرٍ
َقدَّمُوهُ] . قال: فيقولون: ربَّنا! أَعَطَيْتَنا ما لم تُعطِ أحداً من العالمين.
قال: فيقول: فإن لكم عندي أفْضَلَ منه. فيقولون: ربَّنا! وما أَفْضَلُ
стр. 4938
من ذلكَ؟ [قال:] فيقولُ: رِضائي عَنْكُم؛ فلا أَسْخَطُ عليكم أبداً) .
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف " (١١/٤٠٩- ٤١١) : أخبرنا معمر عن زيد
ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره.
ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٣/ ٩٤) ، والنسائي (٢/ ٢٧٠) ، وابن
ماجة (رقم ٦٠) ، والترمذي (٢٥٩٨) - مختصراً-، وابن خزيمة في " التوحيد "
(ص ١٨٤و٢٠١و٢١٢) ؛ وابن نصر المروزي في (تعظيم قدرالصلاة رقم: ٢٧٦)
وتابعه محمد بن ثور عن معمر به؛ لم يسق لفظه؛ وإنما قال: بنحوه. يعني:
حديث هشام بن سعد الآتي تخريجه.
أخرجه أبوعوانة.
وتابعه سعيد بن هلال عن زيد بن أسلم به أتم منه؛ وأوله:
" هل تضارُّون في رؤية الشمس والقمر.." الحديث بطوله.
أخرجه البخاري (٧٤٣٩) ، ومسلم (١/١١٤- ١١٧) ، وابن خزيمة أيضاً (ص٢٠١) ؛ وابن حبان (٧٣٣٣- الإحسان) .
وحفص بن ميسرة عن زيد
أخرجه مسلم (١/١١٤- ١١٧) ، وكذا البخاري (٤٥٨١) ؛ لكنه لم يسقه بتمامه؛ وكذا أبو عوانة (١/١٦٨- ١٦٩) .
وهشام بن سعد عنه
أخرجه أبو عوانة (١/١٨١-١٨٣) بتمامه؛ وابن خزيمة (ص ٢٠٠) ؛والحاكم
стр. 4939
(٤/٥٨٢- ٥٨٤) وصححه، وكذا مسلم (١/١١٧) ؛ إلا أنه لم يسق لفظه، وإنما أحال به على لفظ حديث حفص بن ميسرة نحوه.
وتابع عطاء (١) : سليمان بن عمرو بن عبيد العتواري- أحد بني ليث، وكان في حجر أبي سعيد- قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول ... فذكره نحوه مختصراً، وفيه الزيادة الثالثة.
أخرجه أحمد (٣/ ١١- ١٢) ، وابن خزيمة (ص ٢١١) ، وابن أبي شيبة في "المصنف " (١٣/١٧٦/١٦٠٣٩) ، وعنه ابن ماجه (٤٢٨٠) ، وابن جرير في "التفسير" (١٦/٨٥) ، ويحيى بن صاعد في "زوائد الزهد" (ص ٤٤٨/١٢٦٨) ، والحا كم (٤/ ٥٨٥) وقال:
"صحيح الإسناد على شرط مسلم "! وبيض له الذهبي، وإنما هو حسن فقط؛ لأن فيه محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث.
أقول- بعد تخريج الحديث هذا التخريج الذي قد لا تراه في مكان آخر، وبيان أنه متفق عليه بين الشيخين وغيرهما من أهل" الصحاح " و" السنن" و" المسانيد"-:
فيه فوائد جمة عظيمة؛ منها شفاعة المؤمنين الصالحين في إخوانهم المصلين الذين أدخلوا النار بذنوبهم، ثم في غيرهم ممن هم دونهم على اختلاف قوة إيمانهم.
ثم يتفضل الله ﵎ على من بقي في النار من المؤمنين، فيخرجهم
من النار بغير عمل عملوه؛ ولا خير قدموه. ولقد توهم بعضهم أن المراد بالخير
المنفي تجويز إخراج غير الموحدين من النار! قال الحافظ في الفتح (١٣/٤٢٩) :
стр. 4940
"ورد ذلك بأن المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين؛ كما
تدل عليه بقية الأحاديث ".
قلت: منها قوله ﷺ في حديث أنس الطويل في الشفاعة أيضاً:
"فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع. فأقول: يا رب! ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله. فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله ".
متفق عليه، وهو مخرج في "ظلال الجنة" (٢/٢٩٦/ رقم: ٨٢٨) .
وفي طريق أخرى عن أنس ﵁:
".. وفرغ الله من حساب الناس، وأدخل من بقي من أمتي النار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله لا تشركون بالله شيئاً؟ فيقول الجبار : فبعزتي لأعتقنهم من النار. فيرسل إليهم فيخرجون وقد امتحشوا، فيدخلون في نهر الحياة، فينبتون.. " الحديث.
أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح، وهو مخرج في "الظلال " تحت الحديث (٨٤٤) ، وله فيه شواهد (٨٤٢- ٨٤٣) ، وفي "الفتح " (١١/٤٥٥) شواهد أخرى. وفي الحديث رد على استنباط ابن أبي جمرة من قوله ﷺ فيه:
"لم تغش الوجه "، ونحوه الحديث الآتي بعده: "إلا دارات الوجوه ": أن من
كان مسلماً ولكنه كان لايصلي لايخرج؛ إذ لا علامة له! ولذلك تعقبه الحافظ