← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

قلت: وهذا منه عجيب! فإنهما من رجال البخاري في "الأدب المفرد" ورجال أبي داود، والأول وثقه جمع، منهم ابن معين، والآخر عرفت من وثقه وأنه صدوق. والحديث عزاه في "الدر المنثور" (٥/٧٩) لابن أبي حاتم وابن مردويه. وفيه إشارة إلى فضل الله ورحمته بمن يشاء من عباده الذين يبدل يوم القيامة سيئاتهم حسنات؛ كما في الحديث الذي قبله. والله أعلم. * حديثُ الشفاعة وأنَّها تشملُ تاركي الصلاةِ منَ المسلمين ٣٠٥٤ - (إذا خَلصَ المؤمنونَ من النار وأَمِنُوا؛ فـ[والذي نفسي بيده!] ما مُجَادَلَةُ أحَدِكُم لصاحبِهِ في الحقِّ يكون له في الدنيا بأشدِّ من مجادلة المؤمنين لربِّهم في إخوانِهِمُ الذين أُدْخِلُوا النار. قال: يقولون: ربَّنا:! إخوانُنَا كانوا يصلُّون معنا؛ ويصومون , معنا؛ ويحُجُّون معنا؛ [ويُجاهدون معنا] ؛ فأدخلتَهم النار. قال: فيقولُ: اذهَبُوا فأخرِجُوا من عَرَفْتُم منهم؛ فيأتُونهم؛ فَيَعْرفونَهُم بِصُورِهم؛ لا تأكلُ النار صُوَرَهُم؛ [لم تَغْشَ الوَجْهَ] ؛ فَمِنْهم من أَخَذتْهُ النارُ إلى أنصافِ ساقَيْهِ؛ ومنهم من أخذته إلى كَعْبَيْه (١) [فَيُخرِجُونَ مِنْها بشراً كثيراً] ؛ فيقولون: ربَّنا! قد أَخْرَجنا مَنْ أَمَرتنا. قال: ثم [يَعُودون فيتكلمون فـ] يقولُ: أَخْرِجُوا من كان في قلبهِ مِثقالُ دينارٍ من الإيمانِ. [فيُخرِجُون]

стр. 4937

خلقاً كثيراً] ، ثم [يقولون: ربَّنا! لم نَذَرْ فيها أحداً ممن أَمَرتَنا. ثم يقول: ارجعوا، فـ] من كان في قلبه وزنُ نصف دينارٍ [فأًخْرِجُوهُ. فيُخرِجونَ خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربَّنا! لم نَذَرْ فيها ممن أمرتنا ... ] ؛ حتى يقول: أخرِجُوا من كان في قلبه مثقال ذَرَّةٍ. [فيخرجون خلقاً كثيراً] ، قال أبو سعيد: فمن لم يُصّدِّقْ بهذا الحديث فليَقْرَأْ هذه الآية: (إن الله لايظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لَدُنْهُ أجراً عظيماً) [النساء /٤٠] ؛ قال: فيقولون: ربنا! قد أَخْرَجْنا من أمرتنا؛ فلم يَبْقَ في النار أحدٌ فيه خيرٌ. قال: ثم يقول الله: شفعَتِ الملائكة؛ وشَفَعَتِ الأنبياء؛ وشَفَعَ المؤمنون؛ وبَقِيَ أرحم الراحمين قال: فَيَقْبضُ قبضةً من النار- أو قال: قَبْضَتَينِ - ناساً لم يعملوا خيراً قََطُّ؛ قد احتَرَقُوا حتى صاروا حُمَماً. قال: فَيُؤْتَى بهم إلى ماء يُقالُ له: (الحياةُ) ؛ فَيُصَبُّ عليهم؛ فَيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الحبَّةُ في حَمِيلِ السَّيلِ؛ [قد رَأَيْتُمُوها إلى جانب الصخرة؛ وإلى جانب الشجرة؛ فما كان إلى الشمس منها كان أخضر؛ وما كان منها إلى الظلِّ كان أبيض] ؛ قال: فَيَخْرُجُونَ من أجسادِهِم مِثلَ اللؤلؤِ؛ وفي أعناقهم الخاتمُ؛ (وفي رواية: الخواتِمُ) : عُتَقاءُ الله. قال: فيُقالُ لَهُمُ: ادخلوا الجنة؛ فما تمنَّيتمُ وَرَأيتُم من شيءٍ فهو لكُم [ومِثلُهُ مَعَهُ] . [فيقول أهل الجنة: هؤلاء عُتقاءُ الرحمن أَدْخَلَهُمُ الجنة بغيرِ عملٍ عَمِلُوهُ؛ ولا خيرٍ َقدَّمُوهُ] . قال: فيقولون: ربَّنا! أَعَطَيْتَنا ما لم تُعطِ أحداً من العالمين. قال: فيقول: فإن لكم عندي أفْضَلَ منه. فيقولون: ربَّنا! وما أَفْضَلُ

стр. 4938

من ذلكَ؟ [قال:] فيقولُ: رِضائي عَنْكُم؛ فلا أَسْخَطُ عليكم أبداً) . أخرجه عبد الرزاق في "المصنف " (١١/٤٠٩- ٤١١) : أخبرنا معمر عن زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٣/ ٩٤) ، والنسائي (٢/ ٢٧٠) ، وابن ماجة (رقم ٦٠) ، والترمذي (٢٥٩٨) - مختصراً-، وابن خزيمة في " التوحيد " (ص ١٨٤و٢٠١و٢١٢) ؛ وابن نصر المروزي في (تعظيم قدرالصلاة رقم: ٢٧٦) وتابعه محمد بن ثور عن معمر به؛ لم يسق لفظه؛ وإنما قال: بنحوه. يعني: حديث هشام بن سعد الآتي تخريجه. أخرجه أبوعوانة. وتابعه سعيد بن هلال عن زيد بن أسلم به أتم منه؛ وأوله: " هل تضارُّون في رؤية الشمس والقمر.." الحديث بطوله. أخرجه البخاري (٧٤٣٩) ، ومسلم (١/١١٤- ١١٧) ، وابن خزيمة أيضاً (ص٢٠١) ؛ وابن حبان (٧٣٣٣- الإحسان) . وحفص بن ميسرة عن زيد أخرجه مسلم (١/١١٤- ١١٧) ، وكذا البخاري (٤٥٨١) ؛ لكنه لم يسقه بتمامه؛ وكذا أبو عوانة (١/١٦٨- ١٦٩) . وهشام بن سعد عنه أخرجه أبو عوانة (١/١٨١-١٨٣) بتمامه؛ وابن خزيمة (ص ٢٠٠) ؛والحاكم

стр. 4939

(٤/٥٨٢- ٥٨٤) وصححه، وكذا مسلم (١/١١٧) ؛ إلا أنه لم يسق لفظه، وإنما أحال به على لفظ حديث حفص بن ميسرة نحوه. وتابع عطاء (١) : سليمان بن عمرو بن عبيد العتواري- أحد بني ليث، وكان في حجر أبي سعيد- قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول ... فذكره نحوه مختصراً، وفيه الزيادة الثالثة. أخرجه أحمد (٣/ ١١- ١٢) ، وابن خزيمة (ص ٢١١) ، وابن أبي شيبة في "المصنف " (١٣/١٧٦/١٦٠٣٩) ، وعنه ابن ماجه (٤٢٨٠) ، وابن جرير في "التفسير" (١٦/٨٥) ، ويحيى بن صاعد في "زوائد الزهد" (ص ٤٤٨/١٢٦٨) ، والحا كم (٤/ ٥٨٥) وقال: "صحيح الإسناد على شرط مسلم "! وبيض له الذهبي، وإنما هو حسن فقط؛ لأن فيه محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث. أقول- بعد تخريج الحديث هذا التخريج الذي قد لا تراه في مكان آخر، وبيان أنه متفق عليه بين الشيخين وغيرهما من أهل" الصحاح " و" السنن" و" المسانيد"-: فيه فوائد جمة عظيمة؛ منها شفاعة المؤمنين الصالحين في إخوانهم المصلين الذين أدخلوا النار بذنوبهم، ثم في غيرهم ممن هم دونهم على اختلاف قوة إيمانهم. ثم يتفضل الله ﵎ على من بقي في النار من المؤمنين، فيخرجهم من النار بغير عمل عملوه؛ ولا خير قدموه. ولقد توهم بعضهم أن المراد بالخير المنفي تجويز إخراج غير الموحدين من النار! قال الحافظ في الفتح (١٣/٤٢٩) :

стр. 4940

"ورد ذلك بأن المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين؛ كما تدل عليه بقية الأحاديث ". قلت: منها قوله ﷺ في حديث أنس الطويل في الشفاعة أيضاً: "فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع. فأقول: يا رب! ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله. فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله ". متفق عليه، وهو مخرج في "ظلال الجنة" (٢/٢٩٦/ رقم: ٨٢٨) . وفي طريق أخرى عن أنس ﵁: ".. وفرغ الله من حساب الناس، وأدخل من بقي من أمتي النار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله لا تشركون بالله شيئاً؟ فيقول الجبار : فبعزتي لأعتقنهم من النار. فيرسل إليهم فيخرجون وقد امتحشوا، فيدخلون في نهر الحياة، فينبتون.. " الحديث. أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح، وهو مخرج في "الظلال " تحت الحديث (٨٤٤) ، وله فيه شواهد (٨٤٢- ٨٤٣) ، وفي "الفتح " (١١/٤٥٥) شواهد أخرى. وفي الحديث رد على استنباط ابن أبي جمرة من قوله ﷺ فيه: "لم تغش الوجه "، ونحوه الحديث الآتي بعده: "إلا دارات الوجوه ": أن من كان مسلماً ولكنه كان لايصلي لايخرج؛ إذ لا علامة له! ولذلك تعقبه الحافظ

стр. 4941

بقوله (١١/٤٥٧) : " لكن يحمل على أنه يخرج في القبضة؛ لعموم قوله: " لم يعملوا خيراً قط "؛ وهو مذكور في حديث أبي سعيد الآتي في (التوحيد) ". يعني هذا. وقد فات الحافظ ﵀ أن في الحديث نَفْسِهِ تعقباً على ابن أبي جمرة من وجه آخر؛ وهو أن المؤمنين كما شفعهم الله في إخوانهم المصلين والصائمين وغيرهم في المرة الأولى، فأخرجوهم من النار بالعلامة، فلما شُفِّعوا في المرات الأخرى، وأخرجوا بشراً كثيراً؛ لم يكن فيهم مصلون بداهة، وإنما فيهم من الخير كل حسب إيمانه. وهذا ظاهر جداً لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى. وعلى ذلك؛ فالحديث دليل قاطع على أن تارك الصلاة- إذا مات مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله- لا يخلد في النار مع المشركين، ففيه دليل قوي جداً أنه داخل تحت مشيئة الله تعالى في قوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء/٤٨؛١١٦] ، وقد روى الإمام أحمد في "مسنده " (٦/٢٤٠) حديثاً صريحاً في هذا من رواية عائشة ﵂ مرفوعاً بلفظ: " الدواوين عند الله ثلاثة.. " الحديث، وفيه: " فأما الديوان الذي لا يغفره الله؛ فالشرك بالله، قال الله : (ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة) [المائدة/٧٢] وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً؛ فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه؛ من صوم يوم تركه؛ أو صلاة تركها؛ فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء.." الحديث. وقد صححه الحاكم (٤/٥٧٦) ، وهذا وإن كان غير مُسَلْمٍ عندي - لما بينته في "تخريج شرح الطحاوية" (رقم: ٣٨٤) -؛ فإنه يشهد له هذا الحديث الصحيح: حديث الترجمة. فتنبه. إذا عرفت ما سلف يا أخي المسلم! فإن عجبي حقاً لا يكاد ينتهي من إغفال

стр. 4942

جماهير المؤلفين الذين توسعوا في الكتابة في هذه المسألة الهامة؛ ألا وهي: هل يكفر تارك الصلاة كسلاً أم لا؟ لقد غفلوا جميعاً- فيما اطلعت- عن إيراد هذا الحديث الصحيح مع اتفاق الشيخين وغيرهما على صحته، لم يذكره من هو حجة له، ولم يجب عنه من هو حجة عليه، وبخاصة منهم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، فإنه مع توسعه في سوق أدلة المختلفين في كتابه القيم: "الصلاة"، وجواب كل منهم عن أدلة مخالفه؛ فإنه لم يذكر هذا الحديث في أدلة المانعين من التكفير؛ إلا مختصراً اختصاراً مخلاً لا يظهر دلالته الصريحة على أن الشفاعة تشمل تارك الصلاة أيضاً، فقد قال ﵀: "وفي حديث الشفاعة: "يقول الله : وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله ". وفيه: "فيخرج من النار من لم يعمل خيراً قط ... ". قلت: وهذا السياق ملفق من حديثين؛ فالشطر الأول هو في آخر حديث أنس المتفق عليه؛ وقد سبق أن ذكرت (ص ١٣١) الطرف الأخير منه؛ والشطر الآخر هو في حديث الترجمة: " فيقبض قبضة من النار ناساً لم يعملوا لله خيراً قط ... ". وأما أن اختصاره اختصار مخل؛ فهو واضح جداً إذا تذكرت أيها القارىء الكريم ما سبق أن استدركته على الحافظ (ص١٣٢) متمماً به تعقيبه على ابن أبي جمرة؛ مما يدل على أن شفاعة المؤمنين كانت لغير المصلين في المرة الثانية وما بعدها؛ وأنهم أخرجوهم من النار؛ فهذا نص قاطع في المسألة؛ ينبغي أن يزول به النزاع في هذه المسألة بين أهل العلم الذين تجمعهم العقيدة الواحدة؛ التي منها: عدم تكفير أهل الكبائر من الأمة المحمدية؛ وبخاصة في هذا الزمان الذي توسع

стр. 4943

فيهم بعض المنتمين إلى العلم في تكفير المسلمين؛ لإهمالهم القيام بما يجب عليهم عمله مع سلامة عقيدتهم؛ خلافاً للكفار الذين لا يصلون تديناً وعقيدة؛ والله يقول: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين. ما لكم كيف تحكمون) ؟! [القلم/٣٥-٣٦] لما تقدم كنت أحب لابن القيم ﵀ أن لا يغفل ذكر هذا الحديث الصحيح كدليل صريح للمانعين من التكفير؛ وأن يجيب عنه إن كان لديه جواب؛ وبذلك يكون قد أعطى البحث والإنصاف للفريقين دون تحيز لفئة. نعم؛ إنه لممّا يجب علي أنوه به أنه عقد فصلاً خاصاً " في الحكم بين الفريقين؛ وفصل الخطاب بين الطائفتين "؛ يساعد الباحث على تفهم نصوص الفريقين؛ فهماً صحيحاً؛ فإنه حقق فيه تحقيقاً رائعاً ما هو مسلم به عند العلماء؛ أنه ليس كل كفر يقع فيه المسلم يخرج به من الملة. فمن المفيد أن أقدم إلى القارىء فقرات أو خلاصات من كلامه تدل على مرامه؛ ثم أعقب عليه بما يلزم مما يلتقي مع هذا الحديث الصحيح؛ ويؤيد المذهب الرجيح. لقد أفاد ﵀ أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود واعتقاد. وأن كفر العمل ينقسم إلى ما يضاد الإيمان، وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه؛ يضاد الإيمان. وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة؛ فهو من الكفر العملي قطعاً. (قلت: قد يكون ذلك من الكفر الاعتقادي أحياناً، وذلك إذا اقترن به ما يدل على فساد عقيدته؛ كاستهزائه بالصلاة والمصلين، وكإيثاره القتل على أن يصلي إذا دعاه الحاكم إليها، كما سيأتي، فتذكر هذا؛ فإنه مهم. ثم قال:)

стр. 4944

ولا يمكن أن يُنفى عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه؛ ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد. وقد نفى رسول الله ﷺ الإيمان عن الزاني، والسارق، وشارب الخمر، وعمن لا يأمن جاره بوائقه، وإذا نفى عنه اسم الإيمان؛ فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد. (قلت: لكني أرى أنه لا يصح أن يطلق على أمثال هؤلاء لفظة الكفر؛ فيقال مثلاً: من زنى فقد كفر، فضلاً عن أنه لا يجوز أن يقال: فهو كافر، حتى على تارك الصلاة وعلى غيره ممن وصف في الحديث بالكفر، وقوفاً مع النص- ودفعاً لإيهام الوصف بالكفر الاعتقادي-، ومن باب أولى أن لا يقال: كافر حلال الدم! قال بعد أن ذكر الحديث الصحيح: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر") : ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية؛ كما لا يخرج الزاني والشارب من الملة، وإن زال عنه اسم الإيمان. وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله، وبالإسلام والكفر ولوازمهما. ثم ذكر الأثر المعروف عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) : ليس بالكفر الذي تذهبون إليه. (قلت: زاد الحاكم: إنه ليس كفراً ينقل عن الملة، كفر دون كفر. وصححه هو (٢/٣١٣) والذهبي. وهذا قاصمة ظهر جماعة التكفير وأمثالهم من الغلاة. ثم قال ابن القيم ﵀:)

стр. 4945

والمقصود أن سلب الإيمان عن تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر، وسلب اسم الإسلام عنه أولى من سلبه عمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده، فلا يسمى تارك الصلاة مسلماً ولا مؤمناً؛ وإن كان معه شعبة من شعب الإسلام والإيمان. (قلت: نفي التسمية المذكورة عن تارك الصلاة فيه نظر؛ فقد سمى الله تعالى الفئة الباغية بالمؤمنة في الآية المعروفة: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما..) مع قوله ﷺ في الحديث المتقدم: "وقتاله كفر"، فكما لم يلزم من وصف المسلم الباغي بالكفر نفي اسم المؤمن عنه فضلاً عن اسم المسلم، فكذلك تارك الصلاة؛ إلا إن كان يقصد بذلك أنه مسلم كامل، وذلك بعيد. قال:) نعم، يبقى أن يقال: فهل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النار؟ فيقال: ينفعه إن لم يكن المتروك شرطاً في صحة الباقي واعتباره، وإن كان المتروك شرطاً في اعتبار الباقي لم ينفعه. فهل الصلاة شرط لصحة الإيمان؟ هذا سر المسألة. (قلت: ثم أشار إلى الأدلة التي كان ذكرها للفريق الأول المكفر، ثم قال:) وهي تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة. (فأقول: يبدو لي جلياً أن ابن القيم ﵀ بعد بحثه القيم في التفريق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي، وأن المسلم لا يخرج من الملة بكفر عملي؛ لم يستطع أن يحكم للفريق المكفر بترك الصلاة؛ مع الأدلة الكثيرة التي ساقها لهم؛ لأنها كلها لا تدل إلا على الكفر العملي. ولذلك لجأ أخيراً إلى أن يتساءل: هل ينفعه إيمانه؟ وهل الصلاة شرط لصحة الإيمان؟

стр. 4946

وإن كل من تأمل في جوابه على هذا التساؤل يلاحظ أنه حاد عنه إلى القول بأن الأعمال الصالحة لا تقبل إلا بالصلاة، فأين الجواب عن كون الصلاة شرطاً لصحة الإيمان؟ أي: ليس فقط شرط كمال؛ فإن الأعمال الصالحة كلها شرط كمال عند أهل السنة؛ خلافاً للخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار؛ مع تصريح الخوارج بتكفيرهم، فلو قال قائل بأن الصلاة شرط لصحة الإيمان، وأن تاركها مخلد في النار؛ فقد التقى مع الخوارج في بعض قولهم هذا، وأخطر من ذلك أنه خالف حديث الشفاعة هذا كما تقدم بيانه. ولعل ابن القيم ﵀ بحيدته عن ذاك الجواب أراد أن يشعر القارئ بأهمية الصلاة في الإسلام من جهة؛ وأنه لا دليل على أنها شرط لصحة الإيمان من جهة أخرى. وعليه؛ فتارك الصلاة كسلاً لا يكفر عنده إلا إذا اقترن مع تركه إياها ما يدل على أن كفره كفر اعتقادي، فهو في هذه الحالة فقط يكفر كفراً يخرج به من الملة؛ كما تقدمت الإشارة بذلك مني. وهو ما يشعر به كلام ابن القيم في آخر هذا الفصل) ؛ فإنه قال: " ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها ودعي إلى فعلها على رؤوس الملأ، وهو يرى بارقة السيف على رأسه، ويشد للقتل، وعصبت عيناه، وقيل له: تصلي وإلا قتلناك؟ فيقول: اقتلوني ولا أصلي أبداً! ".. قلت: وعلى مثل هذا المصر على الترك والامتناع عن الصلاة- مع تهديد الحاكم له بالقتل- يجب أن تحمل كل أدلة الفريق المكفر للتارك، وبذلك تجتمع أدلتهم مع أدلة المخالفين؛ ويلتقون على كلمة سواء: أن مجرد الترك لا يكفر؛ لأنه

стр. 4947

كفر عملي لا اعتقادي؛ كما تقدم عن ابن القيم، وهذا ما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أعني أنه حمل تلك الأدلة هذا الحمل-، فقال في "مجموع الفتاوى" (٢٢/٤٨) - وقد سئل عن تارك الصلاة من غير عذر هل هو مسلم في تلك الحال؟ فأجاب ﵀ ببحث طويل ملىء علماً؛ لكن المهم منه الآن ما يتعلق منه بحديثنا هذا؛ فإنه بعد أن حكى أن تارك الصلاة يقتل عند جمهور العلماء: مالك والشافعي وأحمد؛ قال-: "وإذا صبر حتى يقتل؛ فهل يقتل كافراً مرتداً؛ أو فاسقاً كفساق المسلمين؟ على قولين مشهورين حُكيا روايتين عن أحمد؛ فإن كان مقراً بالصلاة في الباطن معتقداً لوجوبها؛ يمتنع أن يصر على تركها حتى يقتل ولا يصلي، هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم، ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام، ولا يعرف أن أحداً يعتقد وجوبها، ويقال له: إن لم تصل وإلا قتلناك. وهو يصر على تركها مع إقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قط في الإسلام. ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقراً بوجوبها ولا ملتزماً بفعلها، فهذا كافر باتفاق المسلمين؛ كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة؛ كقوله ﷺ : "ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة ". رواه مسلم ... فمن كان مصراً على تركها حتى يموت لا يسجد لله سجدة قط فهذا لا يكون قط؛ مسلماً مقراً بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب، واعتقاد أن تاركها يستحق القتل؛ هذا داع تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإن كان قادراً ولم يصل قط؛ علم أن الداعي في حقه لم يوجد، والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل. لكن هذا قد يعارضه أحياناً أمور

стр. 4948

توجب تأخيرها، وترك بعض واجباتها، وتفويتها أحياناً. فأما من كان مصراً على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك؛ فهذا لا يكون مسلماً. لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في "السنن "، حديث عبادة عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة؛ من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله؛ إن شاء عذبه؛ وإن شاء غفر له " (١) . فالمحافظ عليها: الذي يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى. والذي يؤخرها (الأصل: ليس يؤخرها) أحياناً عن وقتها، أو يترك واجباتها؛ فهذا تحت مشيئة الله تعالى. وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه كما جاء في الحديث " (٢) . وعلى هذا المحمل يدل كلام الإمام أحمد أيضاً؛ الذي شهر عنه بعض أتباعه المتأخرين القول بتكفير تارك الصلاة دون تفصيل، وكلامه يدل على خلاف ذلك " بحيث لا يخالف هذا الحديث الصحيح، كيف وهو قد أخرجه في "مسنده " كما أخرج حديث عائشة بمعناه كما تقدم؟! فقد ذكر ابنه عبد الله في "مسائله (٥٥) قال:

стр. 4949

" سألت أبي ﵀ عن ترك الصلاة متعمداً؟ قال: والذي يتركها لا يصليها، والذي يصليها في غير وقتها؛ أدعوه ثلاثاً؛ فإن صلى وإلا ضربت عنقه، هو عندي بمنزلة المرتد.. ". قلت: فهذا نص من الإمام أحمد بأنه لم يكفر بمجرد تركه للصلاة، وإنما بامتناعه من الصلاة مع علمه بأنه سيقتل إن لم يصل، فالسبب هو إيثاره القتل على الصلاة، فهو الذي دل على أن كفره كفر اعتقادي، فاستحق القتل. ونحوه ما ذكره المجد ابن تيمية- جد شيخ الإسلام ابن تيمية- في كتابه " المحرر في الفقه الحنبلي " (ص ٦٢) : " ومن أخر صلاة تكاسلاً لا جحوداً أمر بها؛ فإن أصر حتى ضاق وقت الأخرى؛ وجب قتله ". قلت: فلم يكفر بالتأخير، وإنما بالإصرار المنبئ عن الجحود. ولذلك قال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ في "مشكل الآثار" في باب عقده في هذه المسألة، وحكى شيئاً من أدلة الفريقين، ثم اختار أنه لا يكفر؛ قال (٤/٢٢٨) : " والدليل على ذلك أنا نأمره أن يصلي، ولا نأمر كافراً أن يصلي، ولو كان بما كان منه كافراً لأمرناه بالإسلام؛ فإذا أسلم أمرناه بالصلاة؛ وفي تركنا لذلك وأمرنا إياه بالصلاة؛ ماقد دل على أنه من أهل الصلاة؛ ومن ذلك أمر النبي ﷺ الذي أفطر في رمضان يوماً متعمداً بالكفارة التي أمره بها وفيها الصيام؛ لايكون الصيام إلا من المسلمين. ولما كان الرجل يكون مسلماً إذا أقر بالإسلام قبل أن يأتي بما يوجبه الإسلام من الصلوات الخمس؛ ومن صيام رمضان كان كذلك؛ ويكون كافراً بجحوده لذلك؛ ولا يكون كافراً بتركه إياه بغير جحود منه له؛ ولا يكون

стр. 4950

كافراً إلا من حيث كان مسلماً، وإسلامه كان بإقراره بالإسلام؛ فكذلك ردته لا تكون إلا بجحوده الإسلام ". قلت: وهذا فقه جيد، وكلام متين لا مرد له، وهو يلتقي تماماً ما تقدم من كلام الإمام أحمد ﵀ الدال على أنه لا يكفر بمجرد الترك؛ بل بامتناعه من الصلاة بعد دعائه إليها، وإن مما يؤكد ما حملت عليه كلام الإمام أحمد؛ ما جاء في كتاب " الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل " للشيخ علاء الدين المرداوي؛ قال ﵀ (١/٤٠٢) - كالشارح لقول أحمد المتقدم آنفاً: " أدعوه ثلاثاً " -: " الداعي له هو الإمام أو نائبه، فلو ترك صلوات كثيرة قبل الدعاء لم يجب قتله، ولا يكفر على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم ". وممن اختار هذا المذهب أبو عبد الله بن بطة، كما ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة المقدسي في كتابه " الشرح الكبير على المقنع " للإمام موفق الدين المقدسي (١/٣٨٥) ، وزاد أنه أنكر قول من قال بكفره. قال أبو الفرج: " وهو قول أكثر الفقهاء؛ منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي.. ". ثم استدل على ذلك بأحاديث كثيرة أكثرها عند ابن القيم، ومنها حديث عبادة المتقدم في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال عقبه: " ولو كان كافراً لم يدخله في المشيئة ". قلت: ويؤكد ذلك حديث الترجمة وحديث عائشة تأكيداً لا يدع لأحد شكاً أو شبهة، فلا تنسى. ثم قال أبو الفرج:

стр. 4951

" ولأن ذلك إجماع المسلمين؛ فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه، ولا مُنع ميراث مورِّثه، ولا فُرِّقَ بين زوجين لِتَرْكِ الصلاة من أحدهما- مع كثرة تاركي الصلاة-! ولوكفر لثبتت هذه الأحكام، ولا نعلم خلافاً بين المسلمين أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها مع اختلافهم في المرتد (١) . وأما الأحاديث المتقدمة (يعني: التي احتج بها المكفرون كحديث: " بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة "؛ فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة؛ كقوله- ﷺ : " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر".. وأشباه هذه مما أريد به التشديد في الوعيد. قال شيخنا ﵀ (يعني: الموفق المقدسي) : وهذا أصوب القولين. والله أعلم ". قلت: ونقله الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ في حاشيته على "المقنع " لابن قدامة (١/٩٥- ٩٦) مقراً له. ومع تصريح الإمام الشوكاني في "السيل الجرار" (١/٢٩٢) بتكفير تارك الصلاة عمداً، وأنه يستحق القتل، ويجب على إمام المسلمين قتله؛ فقد بين في "نيل الأوطار" أنه لا يعني كفراً لا يغفر، فقال بعد أن حكى أقوال العلماء واختلافهم، وذكر شيئاً من أدلتهم (١/ ٢٥٤- ٢٥٥) : " والحق أنه كافر يقتل، أما كفره؛ فلأن الأحاديث صحت أن الشارع سمى تارك الصلاة بذلك الاسم (!) وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة، فتركها مقتض لجواز الإطلاق. ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها الأولون؛ لأنا نقول: لايمنع أن

стр. 4952

يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة؛ ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفراً. فلا مُلْجِئَ إلى التأويلات التي وقع الناس في مضيقها ". ولقد صدق ﵀. لكن ذهابه إلى جواز إطلاق اسم (الكافر) على تارك الصلاة؛ هو توسع غير محمود عندي، لأن الأحاديث التي أشار إليها ليس فيها الإطلاق المدعى، وإنما فيها: "فقد كفر"، وما أظن أن أحداً يستجيز له أن يشتق منه اسم فاعل فيقول فيه: (كافر) ، إذن؛ لزمه أن يطلقه أيضاً على كل من قيل فيه: "كَفَر"؛ كالذي يحلف بغير الله، ومن قاتل مسلماً، أو تبرأ من نسب، ونحو ذلك مما جاء في الأحاديث. نعم؛ لو صح ما رواه أبو يعلى وغيره عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ: " عُرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة؛ عليهن أسس الإسلام؛ من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان ". أقول: لو صح هذا؛ لكان دليلاً واضحاً على جواز إطلاقه على تارك الصلاة، ولكنه لم يصح كما كنت بينته في " السلسلة الضعيفة " (٩٤) . والخلاصة؛ أن مجرد الترك لا يمكن أن يكون حجة لتكفير المسلم، وإنما هو فاسق، أمره إلى الله، إن شاء عذبه؛ وإن شاء غفر له، وحديث الترجمة نص صريح في ذلك لا يسع مسلماً أن يرفضه. وأن من دعي إلى الصلاة، وأنذر بالقتل؛ إن لم يستجب فقتل؛ فهو كافر يقيناً حلال الدم، لا يُصَلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، فمن أطلق

стр. 4953

التكفير فهو مخطئ، ومن أطلق عدم التكفير فهو مخطئ , والصواب التفصيل. فهذا الحق ليس به خفاءُ فدعني عن بنيات الطريق وبعد؛ فإن أخشى ما أخشاه أن يبادر بعض المتعصبين الجهلة إلى رد هذا الحديث الصحيح؛ لدلالته الصريحة على أن تارك الصلاة كسلاً مع الإيمان بوجوبها داخل في عموم قوله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ؛كما فعل بعضهم أخيراً بتاريخ (١٤٠٧ هـ) ، فقد تعاون اثنان من طلاب العلم: أحدهما سعودي، والآخر مصري، فتعقباني في بعض الأحاديث من المئة الأولى من " سلسلة الأحاديث الصحيحة "؛ منها حديث حذيفة بن اليمان ﵁ المتقدم برقم (٨٧) ولفظه: " يَدْرُسُ الإسلام كما يَدْرُسُ وشْيُ الثوب حتى لا يُدرى ما صيام؛ ولا صلاة ولا نسك، ولا صدقة، ولَيُسْرَى على كتاب الله في ليلة؛ فلا يبقى منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير، والعجوز؛ يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: " لا إله إلا الله "، فنحن نقولها ". قال صلة بن زفر لحذيفة: ما تغني عنهم " لا إله إلا الله " وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟! فأعرض عنه حذيفة، ثم رددها عليه ثلاثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة. ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة! تنجيهم من النار (ثلاثاً) . قلت: فسوّدا في تضعيف هذا الحديث ثلاث صفحات كبار في الرد عليَّ لتصحيحي إياه، لم يجدا ما يتعلقان به لتضعيفه؛ إلا أنه من رواية أبي معاوية محمد بن خازم الضرير؛ بحجة أنه كان يرى الإرجاء! وأن الحديث موافق لبدعة الإرجاء!!

стр. 4954

وهذا من الجهل البالغ، ولا مجال الآن لبيانه إلا مختصراً، فإن أبا معاوية مع كونه ثقة محتجاً به عند الشيخين؛ فإنه قد توبع من ثقة مثله، ثم إن الحديث لا صلة له بالإرجاء مطلقاً، وهما إنما ادعيا ذلك لجهلهما بالعلم، وكيف يكون كذلك وقد صححه الحاكم والذهبي، وكذا ابن تيمية والعسقلاني والبوصيري؟! ولئن جاز في عقلهما أنهم كانوا في تصحيحهم إياه جميعاً مخطئين فهل وصل الأمر بهما أن يعتقدا بأنهم يصححون ما يؤيد الإرجاء؟! تالله إنها لإحدى الكبر؛ أن يتسلط على هذا العلم من لا يحسنه، وأن يضعف ما يصححه أهل العلم! وهذا الحديث الصحيح يستفاد منه؛ أن الجهل قد يبلغ ببعض الناس أنهم لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادة، وهذا لا يعني أنهم يعرفون وجوب الصلاة وسائر الأركان ثم هم لا يقومون بها؛ كلا، ليس في الحديث شيء من ذلك، بل هم في ذلك ككثير من أهل البوادي والمسلمين حديثاً في بلاد الكفر لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادتين، وقد يقع شيء من ذلك في بعض العواصم، فقد سألني أحدهم هاتفياً عن امرأة تزوجها، وكانت تصلي دون أن تغتسل من الجماع! وقريباً سألني إمام مسجد ينظر إلى نفسه أنه على شيء من العلم يسوغ له أن يخالف العلماء! سألني عن ابنه أنه كان يصلي جنباً بعد أن بلغ مبلغ الرجال واحتلم؛ لأنه كان لا يعلم وجوب الغسل من الجنابة! وقد قال ابن تيمية ﵀ في " مجموع الفتاوى " (٢٢/ ٤١) : " ومن علم أن محمداً رسول الله فآمن بذلك، ولم يعلم كثيراً مما جاء به؛ لم يعذبه الله على ما لم يبلغه؛ فإنه إذا لم يعذر على ترك الإيمان بعد البلوغ، فإنه [أن] لا يعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلوغ أولى وأحرى، وهذه سنة رسول الله ﷺ المستفيضة عنه في أمثال ذلك ".

стр. 4955

ثم ذكر أمثلة طيبة؛ منها: المستحاضة؛ قالت: إني أستحاض حيضة شديدة تمنعني الصلاة والصوم؟ فأمرها بالصلاة زمن دوام الاستحاضة، ولم يأمرها بالقضاء. قلت: وهذه المستحاضة هي فاطمة بنت أبي حبيش ﵂، وحديثها في "الصحيحين " وغيرهما، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٢٨١) . ومثلها: أم حبيبة بنت جحش زوجة عبد الرحمن بن عوف، واستحيضت سبع سنين، وحديثها عند الشيخين أيضاً، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " أيضاً (٢٨٣) . وثمة ثالثة؛ وهي حمنة بنت جحش، وهي التي أشار إليها ابن تيمية؛ فإن في حديثها: "إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة؛ فما ترى فيها؛ قد منعتني الصلاة والصوم.. " الحديث. أخرجه أبو داود وغيره من أصحاب "السنن " بإسناد حسن، وصححه جمع، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٢٩٣) ، و"الإرواء" (٨٨ ١) . هذا؛ وهناك نص آخر للإمام أحمد كان ينبغي أن يضم إلى ما سبق نقله عنه؛ لشديد ارتباطه به ودلالته أيضاً على أن تارك الصلاة لا يكفر بمجرد الترك، ولكن هكذا قُدِّر؛ قال عبد الله بن أحمد في "مسائله " (ص ٥٦/١٩٥) : " سألت أبي عن رجل فرط في صلوات شهرين؟ فقال: يصلي ما كان في وقت يحضره ذكر تلك الصلوات؛ فلا يزال يصلي حتى يكون آخر وقت الصلاة التي ذكر فيها هذه الصلوات التي فرط فيها؛ فإنه يصلي هذه التي يخاف فوتها؛ ولا يضيع مرتين؛ ثم يعود فيصلي أيضاً حتى يخاف فوت الصلاة التي بعدها؛ إلا إن كثر عليه؛ ويكون ممن يطلب المعاش؛ ولا يقوى أن يأتي بها؛ فإنه يصلي حتى يحتاج إلى أن يطلب ما يقيمه من معاشه؛ ثم يعود إلى

стр. 4956

الصلاة؛ لا تجزئه صلاة وهو ذاكر الفرض المتقدم قبلها، فهو يعيدها أيضاً إذا ذكرها وهو في صلاة ". فانظر أيها القارئ الكريم! هل ترى في كلام الإمام أحمد هذا إلا ما يدل على ما سبق تحقيقه؛ أن المسلم لا يخرج من الإسلام بمجرد ترك الصلاة؛ بل صلوات شهرين متتابعين! بل وأذن له أن يؤجل قضاء بعضها لطلب المعاش. وهذا عندي يدل على شيئين: أحدهما - وهو ما سبق -: أنه يبقى على إسلامه، ولو لم تبرأ ذمته بقضاء كل ما عليه من الفوائت. والآخر: أن حكم القضاء دون حكم الأداء؛ لأنني لا أعتقد أن الإمام أحمد - بل ولا من هو دونه في العلم- يأذن بترك الصلاة حتى يخرج وقتها لعذر طلب المعاش. والله أعلم. واعلم أخي المسلم! أن هذه الرواية عن الإمام أحمد- وما في معناها- هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه كل مسلم لذات نفسه أولاً؛ ولخصوص الإمام أحمد ثانياً؛ لقوله ﵀: " إذا صح الحديث فهو مذهبي "؛ وبخاصة أن الأقوال الأخرى المروية عنه على خلاف ما تقدم مضطربة جداً؛ كما تراها في كتاب " الإنصاف " (١٠/٣٢٧-٣٢٨) وغيره من الكتب المعتمدة؛ ومع اضطرابها؛ فليس في شيء منها التصريح بأن المسلم يكفر بمجرد ترك الصلاة؛ وإذ الأمر كذلك؛ فيجب حمل الروايات المطلقة عنه على الروايات المقيدة والمبنية لمراده ﵀؛ وهي ما تقدم نقله عن ابنه عبد الله. ولو فرضنا أن هناك رواية صريحة عنه في التكفير بمجرد الترك؛ وجب تركها والتمسك بالروايات الأخرى؛ لموافقتها لهذا الحديث الصحيح الصريح في خروج

стр. 4957

تارك الصلاة من النار بإيمانه ولو مقدار ذرة. وبهذا صرح كثير من كبار علماء الحنابلة المحققين؛ كابن قدامة المقدسي - كما تقدم في نقل أبي الفرج عنه -، ونص كلام ابن قدامة: " وإن ترك شيئاً من العبادات الخمس تهاوناً؛ لم يكفر". كذا في كتابه "المقنع "، ونحوه في "المغني " (٢/٢٩٨- ٣٠٢) في بحث طويل له؛ ذكر الخلاف فيه وأدلة كل فريق؛ ثم انتهى إلى هذا الذي في " المقنع"؛ وهو الحق الذي لاريب فيه؛ وعليه مؤلف " الشرح الكبير" و" الإنصاف " كما تقدم وإذا عرفت الصحيح من قول أحمد؛ فلا يرد عليه ما ذكره السبكي في ترجمة الإمام الشافعي؛ من " طبقات الشافعية الكبرى " (١/ ٢٢٠) ، قال: " حكي أن أحمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة؛ فقال له الشافعي: يا أحمد! تقول: إنه يكفر؟ قال: نعم. قال: إذا كان كافراً فبم يسلم؟ قال: يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه!! قال: يسلم بأن يصلي. قال: صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بالإسلام بها. فانقطع أحمد وسكت ". فأقول: لايرد هذا على أحمد ﵀ لأمرين: أحد هما: أن الحكاية لا تثبت، وقد أشار إلى ذلك السبكي ﵀ بتصديره إياها بقوله: " حُكي"، فهي منقطعة. والآخر: أنه ذكر بناءً على القول بأن أحمد يكفر المسلم بمجرد ترك الصلاة؛ وهذا لم يثبت عنه كما تقدم بيانه؛ وإنما يرد هذا على بعض المشايخ الذين لا يزالون يقولون بالتكفير بمجرد الترك! وأملي أنهم سيرجعون عنه بعد أن يقفوا على هذا الحديث الصحيح؛ وعلى قول أحمد وغيره من كبار أئمة الحنابلة الموافق له؛

стр. 4958

فإنه لا يجوز تكفير المسلم الموحد بعمل يصدر منه؛ حتى يتبين منه أنه جاحد ولو بعض ما شرع الله؛ كالذي يدعى إلى الصلاة فإن استجاب وإلا قتل كما تقدم. ويعجبني بهذه المناسبة ما نقله الحافظ في "الفتح " (١٢/٣٠٠) عن الغزالي أنه قال: " والذي ينبغي الاحتراز منه: التكفير؛ ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة دماء المسلمين المقرِّين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد ". هذا؛ وقد بلغني أن بعضهم لما أُوِقف على هذا الحديث؛ شك في دلالته على نجاة المسلم التارك للصلاة من الخلود في النار مع الكفار، وزعم أنه ليس له ذكر في كل الدفعات التي أخرجت من النار. وهذه مكابرة عجيبة تذكرنا بمكابرة متعصبة المذاهب في رد دلالات النصوص انتصاراً للمذهب، فإن الحديث صريح في أن الدفعة الأولى شملت المصلين بعلامة أن النار لم تأكل وجوههم، فما بعدها من الدفعات ليس فيها مصلون بداهة، فإن لم ينفع مثل هذا بعض المقلدين الجامدين؛ فليس لنا إلا أن نقول: (سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) . (تنبيه) : ابن قدامة ﵀ من جملة الذين فاتهم الاستدلال بهذا الحديث الصحيح للمذهب الصحيح في عدم تكفير تارك الصلاة كسلاً. لكن العجيب أنه ذكر حديثاً آخر لو صح لكان قاطعاً للخلاف؛ لأن فيه أن مولى للأنصار مات وكان يصلي ويدع، ومع ذلك أمر ﷺ بغسله والصلاة عليه ودفنه، وهو وإن كان قد سكت عنه؛ فإنه قد أحسن بذكره مع إسناده من رواية الخلال، الأمر الذي مكنني من دراسته والحكم عليه بما يستحق من الضعف والنكارة، ولذلك أودعته في الكتاب الآخر: " الضعيفة " (٦٠٣٦) .

стр. 4959

بعد كتابة ما تقدم بأيام أطلعني بعض إخواني على كتاب بعنوان هام: "فتح من العزيز الغفار بإثبات أن تارك الصلاة ليس من الكفار" تأليف عطاء بن عبد اللطيف بن أحمد، ففرحت به فرحاً كبيراً، وازداد سروري حينما قرأته، وتصفحت بعض فصوله، وتبين لي أسلوبه العلمي وطريقته في معالجة الأدلة المختلفة التي منها- بل هي أهمها- تخريج الأحاديث وتتبع طرقها وشواهدها، وتمييز صحيحها من ضعيفها؛ ليتسنى له بعد ذلك إسقاط ما لا يجوز الاشتغال به لضعفه، والاعتماد على ما ثبت منها، ثم الاستدلال به أو الجواب عنه، وهذا ما صنعه الأخ المؤلف جزاه الله خيراً؛ خلافاً لبعض المؤلفين الذي يحشرون كل ما يؤيدهم دون أن يتحروا الصحيح فقط؛ كما فعل الذين ردوا علي في مسألة وجه المرأة من المؤلفين في ذلك من السعوديين والمصريين وغيرهم. أما هذا الأخ (عطاء) ؛ فقد سلك المنهج العلمي في الرد على المكفرين؛ فتتبع أدلتهم، وذكر ما لها وما عليها، ثم ذكر الأدلة المخالفة لها على المنهج نفسه، ووفق بينها وبين ما يخالفها بأسلوب رصين متين، وإن كان يصحبه أحياناً شيء من التساهل في التصحيح باعتبار الشواهد، ثم التكلف في التوفيق بينه وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على عدم كفر تارك الصلاة؛ كما فعل في حديث أبي الدرداء في الصلاة: " فمن تركها فقد خرج من الملة ". فإنه بعد أن تكلم عليه وبين ضعف إسناده؛ عاد فقواه بشواهده، وهي في الحقيقة شواهد قاصرة لا تنهض لتقوية هذا الحديث، ثم أغرب فتأول الخروج المذكور فيه بأنه خروج دون الخروج!! وله غير ذلك من التساهل والتأويل؛ كالحديث المخرج في " الضعيفة " (٦٠٣٧) . والحق؛ أن كتابه نافع جداً في بابه؛ فقد جمع كل ما يتعلق به سلباً أو إيجاباً، قبولاً أو رفضاً؛ دون تعصب ظاهر منه لأحد أو على أحد، وأحسن ما فيه

стр. 4960

الفصل الأول من الباب الثاني؛ وهو كما قال: " في ذكر أدلة خاصة تدل على أن تارك الصلاة لا يخرج من الملة "! وعدد أدلته المشار إليها (١٢) دليلاً، ولقد ظننت حين قرأت هذا العنوان في مقدمة كتابه أن منها حديث الشفاعة هذا؛ لأنه قاطع للنزاع كما سبق بيانه، ولكنه- مع الأسف- قد فاته كما فات غيره من المتقدمين على ما سلف ذكره. غير أنه لابد لي من التنويه بدليل من أدلته لأهميته وغفلة المكفرين عنه؛ ألا وهو قوله ﷺ : " إن للإسلام صُوىً ومناراً كمنار الطريق.. " الحديث، وفيه ذكر التوحيد، والصلاة وغيرها من الأركان الخمسة المعروفة والواجبات، ثم قال ﷺ : " فمن انتقص مِنْهُنَّ شيئاً؛ فهو سهم من الإسلام تركه؛ ومن تركهن؛ فقد نبذ الإسلام وراءه ". وقد خرجه المومى إليه تخريجاً جيداً، وتتبع طرقه؛ وبين أن بعضه صحيح الإسناد، ثم بين دلالته الصريحة على عدم خروج تارك الصلاة من الملة. فراجعه وراجع الكتاب كله؛ إن كان عندك شك في المسألة. وقد كنت خرجته قديماً برقم (٣٣٣) منذ أكثر من ثلاثين سنة، واستفاد هو منه- كما هو شأن المتأخر مع المتقدم- ولكنه لم يشر إلى ذلك أدنى إشارة، ولقد كان يحسن به ذلك؛ ولا سيما أنه خصني بالنقد في بعض الأحاديث، وذلك مما لا يضرني البتة؛ بل إنه لينفعني أصاب أم أخطأ، وليس الآن مجال تفصيل القول في ذلك. والخلاصة؛ أن حديثنا هذا حديث الشفاعة حديث عظيم، ومن ذلك دلالته

стр. 4961

القاطعة على أن تارك الصلاة- مع إيمانه بوجوبها- لا يخرج من الملة، وأنه لا يخلد في النار مع الكفرة الفجرة. ولذلك؛ فإني أرجو مخلصاً كل من وقف على هذا الحديث وغيره مما في معناه أن يتراجع عن تكفير المسلمين التاركين للصلاة مع إيمانهم بها، والموحدين لله ﵎؛ فإن تكفير المسلم أمر خطير جداً كما تقدم. وعليهم فقط أن يذكروا بعظمة منزلة الصلاة في الإسلام بما جاء في ذلك في الكتاب والأحاديث النبوية، والآثار السلفية الصحيحة، فإن الحكم قد خرج- مع الأسف- من أيدي العلماء، فهم لذلك لا يستطيعون أن ينفذوا حكم الكفر والقتل في تارك واحد الصلاة؛ بله جمع من التاركين؛ ولو في دولتهم فضلاً عن الدول الإسلامية الأخرى! فإن قتل التارك للصلاة بعد دعوته إليها إنما كان لحكمة ظاهرة، وهو لعله يتوب إذا كان مؤمناً بها، فإذا آثر القتل عليها؛ دل ذلك على أن تركه كان عن جحد، فيموت- والحالة هذه- كافراً؛ كما تقدم عن ابن تيمية، فامتناعه منها في هذه الحالة دليل عملي على خروجه من الملة. وهذا مما لا سبيل إلى تحقيقه اليوم مع الأسف، فليقنع العلماء- إذن من الوجهة النظرية- على ما عليه جمهور أئمة المسلمين؛ بعدم تكفير تارك الصلاة مع إيمانه بها، وقد قدمنا الدليل القاطع على ذلك من السنة الصحيحة؛ فلا عذر لأحد بعد ذلك (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) [النور/٦٣] . ثم طَبَعْتُ هذا البحث في رسالة خاصة بعنوان " حكم تارك الصلاة " فنفع الله بها من شاء من عباده، واستنكر بعض المؤلفين ما فيه من الحكم: أن تارك الصلاة كسلاً- مع إيمانه بها- ليس بكافر؛ لمخالفته إياه عقيدة، فهو بهذا الاعتبار مخالف له؛ وهو عمل قلبي؛ والله ضمن أن لا يضيعه؛ كما قال أبو سعيد في

стр. 4962

الحديث هذا: " فمن لم يصدق بهذا الحديث؛ فليقرأ هذه الآية: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة..) ". وبالنظر إلى تركه الصلاة فهو مشابه للكفار عملاً؛ الذين يتحسرون يوم القيامة؛ فيقولون وهم في سقر: (لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين) ؛ فكفره كفر عملي؛ لأنه عمل عمل الكفار؛ فهو كالتارك للزكاة؛ وقد صح الحديث أيضاً أن مانع الزكاة يعذب يوم القيامة بماله الذي كان منعه، ثم يساق إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولكن المؤلف المشار إليه- هدانا الله وإياه-تأول هذا الحديث كما تأول حديث المانع للزكاة تأويلاً عطل دلالته الصريحة على ما ذهبنا إليه من الفرق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي؛ مع أنه قد صح هذا عن ابن عباس وبعض تلامذته، وجرى عليه من بعدهم من أتباع السلف؛ كابن القيم وشيخه؛ كما تقدم في هذا البحث؛ ومع ذلك لم يعرج عليه المومى إليه مطلقاً ولو لرده؛ ولا سبيل له إليه! والله يقول: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين. مالكم كيف تحكمون) ؟ وكذلك صرف المؤلف المذكور نظره عن حديث: " إن للإسلام صوى.." الصريح في التفريق بين: " من ترك سهماً؛ فهو سهم من الإسلام تركه "؛ وبين " من ترك الأسهم كلها؛ فقد نبذ الإسلام كله "؛ فلم يتعرض له بجواب. ولا أستبعد أن يحاول تأويله أو تضعيفه؛ كما فعل بغيره من الأحاديث الصحيحة. وبالجملة؛ فمجال الرد عليه واسع جداً، ولا أدري متى تسنح لي الفرصة للرد عليه، وبيان ما يؤخذ عليها فقهاً وحديثاً؟ وإن كنت أشكر له أدبه ولطفه وتبجيله لكاتب هذه الأحرف، ودفاعه عن عقيدة أهل الحديث في أن الإيمان يزيد وينقص؛ وإن كان قد اقترن به أحياناً شيء من الغلو والمخالفة؛ والاتهام بالإرجاء؛ مع أنه يعلم أنني أخالفهم مخالفة جذرية؛ فأقول: الإيمان يزيد وينقص؛ وإن

стр. 4963

الأعمال الصالحة من الإيمان، وإنه يجوز الاستثناء فيه؛ خلافاً للمرجئة، ومع ذلك رماني أكثر من مرة بالإرجاء! فقلب بذلك وصية النبي ﷺ : " وأتبع السيئة الحسنة تمحها.. "! فقلت: ما أشبه اليوم بالبارحة! فقد قال رجل لابن المبارك: " ما تقول فيمن يزني ويشرب الخمر؛ أمؤمن هو؟ قال: لا أخرجه من الإيمان. فقال الرجل: على كبر السن صرت مرجئاً! فقال له ابن المبارك: إن المرجئة لا تقبلني! أنا أقول: الإيمان يزيد وينقص. والمرجئة لا تقول ذلك. والمرجئة تقول: حسناتنا متقبلة. وأنا لا أعلم تُقبلت مني حسنة؟ وما أحوجك إلى أن تأخذ سبورة فتجالس العلماء ". رواه ابن راهويه في "مسنده " (٣/٦٧٠- ٦٧١) . قلت: ووجه المشابهة بين الاتهامين الظالمين هو الإشراك بالقول مع المرجئة في بعض ما يقوله المرجئة؛ أنا بقولي بعدم تكفير تارك الصلاة كسلاً؛ وابن المبارك في عدم تكفير مرتكب الكبيرة ولو أردت أن أقابله بالمثل لرميته بالخروج؛ لأن الخوارج يكفرون تارك الصلاة وبقية الأركان الأربعة! و (أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) . * ٣٠٥٥ - (إن قوماً يَخرجونَ مِنَ النارِ؛ يَحترقونَ فيها إلا داراتِ وجوهِهِم، حتى يَدْخلوا الجنة) . أخرجه أحمد (٣/٣٥٥) : ثنا أبو أحمد الزبيري: حدثنا قيس بن سُلَيْمٍ العنبري حدثني يزيد الفقير: حدثنا جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ ... فذ كره. ومن هذا الوجه أخرجه مسلم (١/١٢٢-١٢٣) ؛ وأبو عوانة (١/١٨٠) ؛ وفيه قصة.

стр. 4964

ورواه الآجري (ص ٣٣٣) من طريق أخرى عن يزيد نحوه، وأحمد (٣/٣٣٠) من طريق سعيد بن المهلب عن طلق بن حبيب عن جابر به ,والبخاري في " الأدب المفرد " (٨١٨) مختصراً، وسعيد هذا مجهول. وأخرجه مسلم والطيالسي في "مسنده " (١٧٠٣) من طريق حماد بن زيد قال: قلت لعمرو بن دينار: أسمعت جابر بن عبد الله يحدث عن رسول الله ﷺ : " إن الله يخرج قوماً من النار بالشفاعة "؟ قال: نعم. وهذا الحديث والذي قبله لم يوردهما السيوطي في "الجامع الصغير"، ولا في " الزيادة عليه "، وأورد هذا في " الجامع الكبير"، وعزاه للطيالسي فقط! وأخرجه الحميدي في "مسنده " (١٢٤٥) ، وابن حبان (٩/٢٨٣/ ٧٤٤٠) من طريق سفيان- وهو ابن عيينة-: ثنا عمرو بن دينار به نحوه. وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة " (٨٣٩ و٨٤٠) ، والآجري في "الشريعة " (ص ٣٣٤) من الطريقين. وأخرجه البخاري (٦٥٥٨) من طريق حماد مختصراً. * ٣٠٥٦ - (ما أَشْخَصَ أبصاركم عني؟ قالوا: نَظرْنا إلى القمرِ، قال: فكيف بكم إذا رأيتم الله جَهْرَةً؟ !) . أخرجه الآجري في "الشريعة" (ص ٢٦٣- ٢٦٤) : حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال: حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري قال: حدثني أبي يحيى بن كثير قال: حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أسلم العجلي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري- عن النبي ﷺ قال:

стр. 4965

بينما هو يعلمهم من أمر دينهم إذْ شَخَصَتْ أبصارهم، فقال ... فذكره. قلت: وهذا إسناد جيد؛ أبو بكر بن أبي داود- وهو السجستاني- حافظ ابن حافظ. وسائرهم ثقات من رجال " التهذيب ". وهذا شاهد قوي لحديث البخاري (٧٤٣٥) عن جرير بن عبد الله قال: قال: النبي ﷺ : " إنكم سترون ربكم عِياناً ". ولمَّا أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢/٢٩٦/٢٢٣٣) من طريق أبي شهاب الحناط (الأصل: الخياط) بسنده الصحيح عن جرير؛ قال الطبراني: " لفظة: "عياناً " تفرد بها أبو شهاب، وهو حافظ متقن من ثقات المسلمين ". قلت: وقد تابعه جمع على أصل الحديث دون الزيادة، ولذلك فقد كنت حكمت عليها في "ظلال الجنة" (١/ ٢٠١/ ٤٦١) بالشذوذ، والآن فقد رجعت عن ذلك لهذا الشاهد القوي، ولعله لذلك احتج به الحافظ في " الفتح " (١٣/٤٢٦) ، ولم يعله بالشذوذ. والله أعلم. والحديث أورده السيوطي بلفظ البخاري في "الجامع الكبير"، ولم يعزه إلا للطبراني! وقد رواه غيرهما كما تراه في " الظلال ". وفيه رد على المعتزلة والإباضية المنكرين لهذه النعمة العظيمة: رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وعلى المثبتين لها الذين تأولوها بمعنى العلم. انظر " الفتح ". *

стр. 4966

٣٠٥٧ - (اقرأُوا القرآنَ، ولا تَغْلُوا فيه، ولا تَجْفُوا عنه، ولا تأكلُوا به، ولا تستكثرُوا به) . أخرجه أحمد (٣/٤٢٨) : ثنا إسماعيل بن إبراهيم عن هشام- يعني: الدَّستُوائي- قال: حدثني يحيى بن أبي كثير (الأصل: نمير!) عن أبي راشد الحُبْراني قال: قال عبد الرحمن بن شبل: سمعت رسول الله ﷺ يقول ... فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح إن كان يحيى سمعه من أبي راشد الحبراني؛ فإنه موصوف بشيء من التدليس؛ لكن قد صح في بعض الروايات عنه أنه تلقاه عن زيد بن سلام بن أبي سلام (ممطور الحبشي) عن أبي سلام عن أبي راشد الحبراني كما يأتي. ثم أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة (٢/٤٠٠- ٤٠١) قالا: ثنا وكيع عن الدستوائي به. وتابعه أيوب عن يحيى عن أبي راشد به. أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط " (١/ ١٤٣/ ١/ ٢٧٤١) . وأخرجه أحمد (٣/٤٤٤) ، والطحاوي في "شرح المعا ني " (٢/ ١٠) ، وأبو يعلى في "مسنده " (٣/٨٨/١٥١٨) ، وعنه ابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٩/٩٧٠٧) من طريق أبان: حدثنا يحيى بن أبي كثير: حدثني زيد عن أبي سلام عن الحبراني به. قلت: وهذا إسناد صحيح متصل، وقال الحافظ (٩/ ١٠١) - بعدما عزاه لأحمد وأبي يعلى -: " وسنده قوي ".

стр. 4967

وتابعه علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير به. وقد تقدم تخريج هذا الحديث برقم (٢٦٠) بنحو آخر، وفي تخريجه هنا زيادة بيان ومصادر أخرى اقتضاه التمهيد لتخريج الحديث التالي. وثمة حديث آخر ساقه الإمام أحمد وغيره بهذا السند أيضاً؛ تقدم تخريجه برقم (٣٦٦) . * ٣٠٥٨ - (نَّ الفُسَّاقَ هم أهلُ النارِ. قيل: يا رسول الله! ومَنِ الفساقُ؟ قال: النساءُ. قال رجلٌ: يا رسول الله! أَوَلَسْنَ أُمَّهاتِنا وأخواتِنا وأزواجَنا؟ قال: بلى؛ ولكنّهنّ إذا أُعْطِينَ لم يَشْكُرْنَ، وإذا ابْتُلِينَ لم يَصْبِرْنَ) . أخرجه أحمد بإسناد الحديث الذي قبله. وكذلك أخرجه الحاكم (٤/٦٠٤) من طريق مسلم بن إبراهيم: ثنا هشام به. وقال: " صحيح على شرط الشيخين "! ووافقه الذهبي! قلت: وهو من أوهامهما؛ فإن أبا راشد الحبراني- الراوي له عن عبد الرحمن ابن شبل- ليس من رجالهما وإن كان ثقة. ونحوه في "المجمع " (١٠/٣٩٤) . ثم إن فيه عنعنة يحيى بن أبي كثير؛ لكن قد تبين في تخريج الحديث الذي قبله أنه سمعه من زيد بن سلام عن أبي سلام عن أبي راشد. وكذلك وقع له في هذا الحديث، فقد أخرجه الحاكم (٢/١٩٠- ١٩١) من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده (هو أبو سلام: ممطور) قال:

стр. 4968

كتب معاوية إلى عبد الرحمن بن شبل: أنْ علِّم الناس ما سمعت من رسول الله ﷺ . فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول ... فذكره. وقال: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. قلت: كذا في رواية معمر لم يذكر فيها: " أبا راشد الحبراني ". وكذلك رواه عنه أحمد (٣/ ٤٤٤) ، وابن عساكر في "التاريخ " (٩/٩٧٧) وقال: "رواه أبان بن يزيد العطار مختصراً عن يحيى بن أبي كثير، وزاد في إسناده أبا راشد الحبراني ". ثم ساق إسناده بالحديث الذي قبله من طريق أبي يعلى، وليس فيه قصة معاوية: ثم قال: " وكذا رواه معاوية بن سلام عن أخيه زيد ". ثم ساق إسناده من طريق محمد بن شعيب: حدثني معاوية بن سلام عن أخيه عن جده عن أبي سلام عن أبي راشد قال: كنا مع معاوية ... فذكر الحديث مختصراً. ثم رواه من طريق الربيع بن نافع: نا معاوية بن سلام به. * ٣٠٥٩ - (إنّ الله إذا أرادَ رحمةَ أُمَّةٍ من عبادِهِ قَبَضَ نبيَِّها قبلها؛ فجعله لها فَرَطاً وسََلَفاً بين يديها؛ وإذا أراد هلكةَ أُمَّةٍ عَذَّبَها ونبيُّها حَيٌِّ؛ فَأَهْلَكَها وهو يَنظرُ؛ فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكَتِها حينَ كَذَّبُوهُ وعَصَوْا أمرَهُ) . أخرجه مسلم (٧/٦٥) معلقاً؛ فقال: وحدثت عن أبي أسامة- وممن روى

стр. 4969

ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري: حدثنا أبو أسامة-: حدثني بُريد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال ... فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ فإنهما أخرجا أحاديث كثيرة عن أبي أسامة بإسناده هذا؛ لولا أنه منقطع بين مسلم وأبي أسامة؛ فإنه لم يذكر من الذي حدثه عنه؛ لكنه قد جزم بأنه رواه عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري، وقد وصله جمع عنه. فأخرجه ابن حبان في "صحيحه " (٨/٢٢٣/٦٦١٣ و ٩/١٧٢/٧١٧١- الإحسان) ، وابن عدي في "الكامل " (٢/٤٩٦) ، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/٧٧) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق " (١٥/٥١٨/٢) من طرق عن الجوهري به. ذكره ابن عدي في ترجمة (بريد بن عبد الله بن أبي بردة الأشعري) ، وقال: " وبريد بن عبد الله قد اعتبرت حديثه؛ فلم أر فيه حديثاً منكراً، وأنكر ما روى هذا الحديث، وهذا طريق حسن رواه ثقات، وقد أدخله قوم في "صحاحهم"؛ وأرجو أن لا يكون ببريد هذا بأس". قلت: قد أخرج له الشيخان كما ذكرت آنفاً، وقال الذهبي في " الكاشف ": " صدوق ". وقال الحافظ في " التقريب ": " ثقة يخطئ قليلاً ". ثم إن أبا أسامة- واسمه حماد بن أسامة- قد تابعه يحيى بن بريد بن أبي بردة عن أبيه. أخرجه ابن عدي (٧/٢٦٨١) من طريق القواريري عنه.

стр. 4970

ويحيى هذا مختلف فيه، وترجمته مبسوطة في "اللسان "، ووقع فيه: " يحيى ابن بردة.. " خطأ، فالعمدة على رواية أبي أسامة، فإنه ثقة ثبت. * ٣٠٦٠ - (أَتَعَلَّمُ بها قبرَ أخي، وأَدْفِنُ إليه مَنْ مات من أهلي. يعني: عثمانَ بنَ مَظْعُونٍ ﵁ . أخرجه أبو داود (٣٢٠٦) ، ومن طريقه: البيهقي (٣/٤١٢) ، وابن شبَّة في " تاريخ المدينة " (١/١٠٢) عن كثير بن زيد المدني عن المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أُخرج بجنازته، فدُفن، فأمر النبي ﷺ رجلاً أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليها رسوله الله- ﷺ وحسر عن ذراعيه، قال كثير: قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسوله الله ﷺ : كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسوله الله ﷺ حين حسر عنهما، ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال ... فذكره. قلت: وهذا إسناد متصل حسن؛ للخلاف المعروف في كثير بن زيد المدني هذا، ولخص ذلك الحافظ بقوله في " التقريب ": " صدوق يخطئ ". ولذلك قال في " التلخيص الحبير " (٥/٢٢٩- المنيرية) : " وإسناده حسن، ليس فيه إلا كثير بن زيد راويه عن المطلب، وهو صدوق، وقد بين المطلب أن مخبِراً أخبره، ولم يسمِّه، ولا يضر إبهام الصحابي. ورواه ابن ماجه، وابن عدي مختصراً؛ من طريق كثير بن زيد أيضاً عن زينب بنت نبيط عن أنس. قال أبو زرعة: هذا خطأ. وأشار إلى أن الصواب رواية من رواه عن كثير عن المطلب. ورواه الطبراني في" الأوسط " من حديث أنس بإسناد آخر فيه ضعف ".

стр. 4971

وقال النووي في " شرح المهذب " (٥/٢٨٢) بعد أن ساق الحديث: " فهو مسند لا مرسل؛ لأنه رواه عن صحابي، والصحابة ﵃ كلهم لا تضر الجهالة بأعيانهم، ورواه ابن ماجه ﵀ عن أنس ﵁ ". قلت: قد عرفت أن الرواية عن أنس غير محفوظة، وأن الصحيح أنه من رواية كثير بن زيد عن المطلب، هكذا ذكر ابن أبي حاتم في "العلل " (١/٣٤٨-٣٤٩) عن أبي زرعة، ونقلته آنفاً، وهو عن أنس عند ابن ماجه (١٥٦١) ، و" الكامل " لابن عدي (٦/٢٠٨٩) ؛ وقال عقبه وفي آخر ترجمة (كثير) : " ولم أر بحديثه بأساً، وأرجو أنه لا بأس به ". قلت: وإذا عرفت ما تقدم من التحقيق؛ تبين لك أنه أخطأ في هذا الحديث رجلان: الأول: الحافظ الذهبي؛ بإعلاله إياه بالإرسال، فقال في " سير أعلام النبلاء " (١/١٥٤) : " هذا مرسل "! وسبب وهمه أنه ذكر الحديث مختصراً دون قول كثير بن زيد: " قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك.... "! والظاهر أنه ذكره من ذاكرته، فهذا عذره، ولكن ما عذر المعلق عليه حين قال: " وسنده حسن؛ لكنه مرسل كما قال المؤلف؛ فإن المطلب هو ابن عبد الله بن المطلب.. تابعي، وقد أخطأ من ظنه المطلب بن أبي وداعة الصحابي.. "؟! فأقول: نعم لقد أخطأ من ظن ما ذكرت، ولكن ما بالك تبصر القذاة في عين

стр. 4972

أخيك؛ ولا ترى الجذع في عينيك؟! فها أنت تتابع الذهبي في وهمه , بدل أن تنبه عليه، وأنت لا عذر لك؛ لأنك تشير إلى الحديث برقمه في "السنن "؛ مشعراً بذلك أنك رجعت إلى الحديث فيه مباشرة! ومع ذلك لم تر قول المطلب فيه: " قال الذي يخبرني.. "! فلا عذر لك والحالة هذه! اللهم! إلا إذا كان الواقع خلاف ما أشعرت به القارىء! وكان ذكرك للرقم تزييناً منك للتخريج! كما تفعل أنت وغيرك من المتشبعين الموهمين للقراء بطول الباع في التحقيق! ولا تحقيق سوى التحويش والتقميش!! وحينئذ فلك عذر كالذهبي! ولكن شتان ما بين عذريكما؛ فإن عذره عذر العارفين بالتأليف- وبخاصة إذا كان مثل "السير"- يكون مقبولاً عندهم، وأما عذرك؛ فهو مثل ما يقال: "عذر أقبح من ذنب "!! والرجل الآخر: البوصيري؛ فإنه قال في " زوائد ابن ماجه " (٢/ ٤٠) تحت حديث أنس المشار إليه آنفاً: " هذا إسناد حسن، كثير بن زيد مختلف فيه، وله شاهد من حديث المطلب ابن أبي وداعة، رواه أبو داود في (سننه) ". قلت: ووجه الخطأ ظاهر جداً لمن عرف أن حديث المطلب وحديث أنس حديثٌ واحدٌ، رواهما راوٍ واحد هو كثير بن زيد، وأنه أخطأ حين قال مرة: "عن أنس " فكيف يصح أن يجعل خطؤه شاهداً لصوابه؟! هذا مما لا يعقل! ومن الغريب حقاً أن يخفى هذا الخطأ على المعلق المشار إليه آنفاً، فينقل عن البوصيري تحسينه لسند ابن ماجه؛ وهو يرى في السطور التي كتبها بيده- فيما أظن- أن سنده وسند أبي داود مدارهما على الراوي الواحد، الذي اضطرب هو فيه! فلو أنه كان يعي ما يكتب، ويعرف الفرق بين الحديث المعلول وغير المعلول؛ لما وقع في هذا الخطأ المجسد المجسم!!

стр. 4973

وأما قول البوصيري: ".. حديث المطلب بن أبي وداعة "؛ فهو خطأ تقدم التنبيه عليه في كلام المعلق المذكور، وقد كنت وقعت أنا أيضاً فيه حين ألفت كتابي "أحكام الجنائز وبدعها " منذ نحو خمس وعشرين سنة، ثم نبهني عليه الدكتور الفاضل عبد العليم عبد العظيم جزاه الله خيراً، بناء على ما في "تحفة الأشراف " للحافظ المزي. ثم لما أعدت النظر في السند وفي ترجمة (كثير بن زيد) تبين لي الخطأ، وازددت تبصراً حين رأيت ابن سعد قد أخرج الحديث (٣/٣٩٩) مختصراً من طريق كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب.. وإن كان رواه عن شيخه محمد بن عمر، وهو الواقدي، وهو متروك، فإنه في مثل ما نحن فيه إن كان لا ينفع؛ فإنه لا يضر. وقد أشار غير واحد إلى ثبوت الحديث في الجملة؛ فقال ابن عبد البر في ترجمة (عثمان بن مظعون) من "الاستيعاب ": " وأَعْلَمَ رسولُ الله ﷺ قبرَه بحجر، وكان يزوره ". وكذا قال ابن الأثير في " أسد الغابة ". ووجدت له شاهداً مختصراً أيضاً من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: رأيت قبر عثمان بن مظعون وعنده شيء مرتفع. يعني: كأنه علم. أخرجه ابن سعد (٣/٣٩٧) بسند حسن عنه. وفيه إشارة إلى أن الحجر الذي وضعه رسول الله ﷺ بيده كان باقياً على قبر ابن مظعون ﵁ إلى القرن الثاني الهجري؛ فإن أبا بكر بن محمد بن حزم هذا مات سنة عشرين ومئة، ويظهر من قوله: " شيء " أن الحجر لم يكن ظاهراً، فلعل ذلك من تراكم الأتربة عليه. والله أعلم.

стр. 4974

ثم إنه قد ذكر غير واحد: أن عثمان بن مظعون كان أول من دفن في البقيع، ولم أر ذلك متصلاً من وجه يحتج به، وأعلى ما وقفت عليه ما أخرجه ابن سعد (٣/٣٩٧) من طريق الواقدي نفسه قال: أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهري عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: " أول من دفن بالبقيع من المسلمين عثمان بن مظعون.. ". وابن ربيعة هذا ولد في عهد النبي ﷺ ؛ لكن السند إليه هالك؛ لأن الواقدي متروك كما تقدم، وشيخه محمد بن عبد الله- هو ابن أبي سبرة أبو بكر المدني- قال الذهبي في " الميزان ": " قال أحمد: كان يضع الحديث ". وذكر ابن عبد البر من طريق الواقدي عن [ابن] أبي سبرة عن عاصم بن عبيد الله عن عبيد الله بن أبي رافع قال ... فذكره. وابن أبي رافع هذا تابعي ثقة. ثم أخرج ابن سعد (٣/٦١٢) من طريق الواقدي أيضاً قال: أخبرنا عبد الجبار ابن عمارة عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: أول من دفن بالبقيع أسعد بن زرارة. قال الواقدي: هذا قول الأنصار. والمهاجرون يقولون: أول من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون. وعلقه ابن شبة في "تاريخه " (١/٩٦) على الواقدي بإسناد آخر له نحوه مختصراً لم يذكر دفن عثمان.

стр. 4975

ثم روى (١/١٠١) بسند فيه متروكان عن شيخ مخزومي يقال له: عمر قال: كان عثمان بن مظعون ﵁ من أول من مات من المهاجرين، فقالوا: يارسول الله! أين ندفنه؟ قال: " بالبقيع ". قال: فَلَحَدَ له رسولُ الله ﷺ ، وفضل حجر من حجارة لحده، فحمله رسول الله ﷺ فوضعه عند رجليه، فلما ولي مروان ابن الحكم المدينة مر على ذلك الحجر؛ فأمر به فرمي.. إلخ. وبالجملة؛ فلا يدرى من هو الصحابي الذي دفن في البقيع أولاً؛ أهو عثمان ابن مظعون؛ أم أسعد بن زرارة؟ على أن ذلك كله مدار روايته على الواقدي المتروك وبأسانيده المختلفة الواهية. وقد استدل الشافعية وغيرهم بهذا الحديث على أنه يستحب أن يجعل عند رأسه علامة من حجر أو غيره؛ قالوا: ولأنه يعرف به فَيُزار. وأقول: ولأنه إذا عرف لم يجلس عليه ولم يدس بالنعال. وقد ترجم له أبو داود بقوله: " باب في جمع الموتى في قبر، والقبر يُعَلَّمُ ". والبيهقي فقال: " باب إعلام القبر بصخرة أو علامة ما كانت ". * ٣٠٦١ - (لا تقومُ الساعةُ حتى تزولَ الجبالُ عن أماكِنها؛ وترونَ الأمورَ العِظامَ التي لم تكونوا ترونَها) . أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٧/٢٥٠/٦٨٥٧) من طريق عُفير بن مَعْدان عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره.
следующие страницы →