← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وعلى هذا فنحو قوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب) محمول على من مات على الكفر، والظاهر أنه لا دليل على خلافه، وفضل الله أوسع من هذا وأكثر فلا استبعاد فيه، وحديث " الإيمان يجب ما قبله " من الخطايا في السيئات لا في الحسنات ". قلت: ومثل الآية التي ذكرها السندي ﵀ سائر الآيات الواردة في إحباط العمل بالشرك كقوله تعالى: (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك، ولتكونن من الخاسرين) ، فإنها كلها محمولة على من مات مشركا، ومن الدليل على ذلك قوله : (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ويترتب على ذلك مسألة فقهية وهي أن المسلم إذا حج، ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، لم يحبط، حجه ولم يجب عليه إعادته، وهو مذهب الإمام الشافعي وأحد قولي الليث بن سعد، واختاره ابن حزم وانتصر له بكلام جيد متين، أرى أنه لابد من ذكره، قال رحمه الله تعالى (٧ / ٢٧٧) : " مسألة - من حج واعتمر، ثم ارتد، ثم هداه الله تعالى واستنقذه من النار فأسلم فليس عليه أن يعيد الحج ولا العمرة، وهو قول الشافعي وأحد قولي الليث وقال أبو حنيفة ومالك وأبو سليمان: يعيد الحج والعمرة، واحتجوا بقول الله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) ، ما نعلم لهم حجة

стр. 492

غيرها، ولا حجة لهم فيها، لأن الله تعالى لم يقل فيها: لئن أشركت ليحبطن عملك الذي عملت قبل أن تشرك، وهذه زيادة على الله لا تجوز، وإنما أخبر تعالى أنه يحبط عمله بعد الشرك إذا مات أيضا على شركه، لا إذا أسلم، وهذا حق بلا شك. ولو حج مشرك أو اعتمر أو صلى أو صام أو زكى لم يجزه شيء من ذلك عن الواجب، وأيضا فإن قوله تعالى فيها: (ولتكونن من الخاسرين) بيان أن المرتد إذا رجع إلى الإسلام لم يحبط ما عمل قبل إسلامه أصلا بل هو مكتوب له ومجازى عليه بالجنة، لأنه لا خلاف بين أحد من الأمة في أن المرتد إذا رجع إلى الإسلام ليس من الخاسرين بل من المربحين المفلحين الفائزين، فصح أن الذي يحبط عمله هو الميت على كفره، مرتدا أو غير مرتد، وهذا هو من الخاسرين بلا شك، لا من أسلم بعد كفره أو راجع الإسلام بعد ردته، وقال تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) فصح نص قولنا: من أنه لا يحبط عمله إن ارتد إلا بأن يموت وهو كافر، ووجدنا الله تعالى يقول: (إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى) ، وقال تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) ، وهذا عموم لا يجوز تخصيصه، فصح أن حجه وعمرته إذا راجع الإسلام سيراهما، ولا يضيعان له. وروينا من طرق كالشمس عن الزهري وعن هشام بن عروة المعنى كلاهما عن عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله ﵇: أي رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، أفيها أجر؟ فقال رسول الله ﷺ : " أسلمت على ما أسلفت من خير ".

стр. 493

٢٤٨ - " أسلمت على ما أسلفت من خير ". قال ابن حزم: فصح أن المرتد إذا أسلم، والكافر الذي لم يكن أسلم قط إذا أسلما، فقد أسلما على ما أسلفا من الخير، وقد كان المرتد إذ حج وهو مسلم قد أدى ما أمر به وما كلف كما أمر به، فقد أسلم الآن عليه فهو له كما كان. وأما الكافر يحج كالصابئين الذين يرون الحج إلى مكة في دينهم، فإن أسلم بعد ذلك لم يجزه لأنه لم يؤده كما أمر الله تعالى به، لأن من فرض الحج وسائر الشرائع كلها أن لا تؤدى إلا كما أمر بها رسول الله محمد بن عبد الله عليه السلام في الدين الذي جاء به الذي لا يقبل الله تعالى دينا غيره، وقال عليه السلام: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ". والصابئ إنما حج كما أمره يوراسف أو هرمس فلا يجزئه، وبالله تعالى التوفيق. ويلزم من أسقط حجه بردته أن يسقط إحصانه وطلاقه الثلاث وبيعه وابتياعه وعطاياه التي كانت في الإسلام، وهم لا يقولون بهذا، فظهر فساد قولهم، وبالله تعالى نتأيد ". وإذا تبين هذا فلا منافاة بينه وبين الحديث المتقدم برقم (٥٢) " أن الكافر يثاب على حسناته ما عمل بها لله في الدنيا " لأن المراد به الكافر الذي سبق في علم الله أنه يموت كافرا بدليل قوله في آخره: " حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها "، وأما الكافر الذي سبق في علم الله أنه يسلم ويموت مؤمنا فهو يجازى على حسناته التي عملها حالة كفره في الآخرة، كما أفادته الأحاديث المتقدمة، ومنها حديث حكيم بن حزام الذي أورده ابن حزم في كلامه المتقدم وصححه ولم يعزه لأحد من المؤلفين، وقد أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤ / ٣٢٧، ٥ / ١٢٧، ١٠ / ٣٤٨) ومسلم (١ / ٧٩) وأبو عوانة في " صحيحه " أيضا (١ / ٧٢ - ٧٣) وأحمد (٣ / ٤٠٢) .

стр. 494

ومنها حديث عائشة في ابن جدعان الذي ذكره الحافظ غير معزو لأحد، فأنا أسوقه الآن وأخرجه وهو: " لا يا عائشة، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ". ٢٤٩ - " لا يا عائشة، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ". أخرجه مسلم (١ / ١٣٦) وأبو عوانة (١ / ١٠٠) وأحمد في " المسند " وابنه عبد الله في " زوائده " (٦ / ٩٣) وأبو بكر العدل في " اثنا عشر مجلسا " (ق ٦ / ١) والواحدي في " الوسيط " (٣ / ١٦٧ / ١) من طرق عن داود عن الشعبي عن مسروق (ولم يذكر الأخيران مسروقا) عن عائشة قالت: " قلت: يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المساكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: " فذكره. وله عنها طريق أخرى، فقال عبد الواحد بن زياد: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن عبيد بن عمير عنها أنها قالت: " قلت للنبي ﷺ : إن عبد الله بن جدعان كان في الجاهلية يقري الضيف ويصل الرحم ويفك العاني ويحسن الجوار - فأثنيت عليه - هل نفعه ذلك؟ قال: " فذكره. أخرجه أبو عوانة وأبو القاسم إسماعيل الحلبي في " حديثه " (ق ١١٤ - ١١٥) من طرق عن عبد الواحد به. ووجدت له طريقا ثالثا، رواه يزيد بن زريع حدثنا عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة عنها به نحوه. أخرجه يحيى بن صاعد في " حديثه " (٤ / ٢٨٨ / ١ - ٢) من طريقين عن يزيد به. قلت: وهذا سند صحيح على شرط البخاري على اختلاف قولي أبي حاتم

стр. 495

في سماع عكرمة - وهو مولى ابن عباس - من عائشة، فأثبته في أحدهما ونفاه في الآخر، لكن المثبت مقدم على النافي، كما هو في علم الأصول مقرر. وفي الحديث دلالة ظاهرة على أن الكافر إذا أسلم نفعه عمله الصالح في الجاهلية بخلاف ما إذا مات على كفره فإنه لا ينفعه بل يحبط بكفره، وقد سبق بسط الكلام في هذا في الحديث الذي قبله. وفيه دليل أيضا على أن أهل الجاهلية الذين ماتوا قبل البعثة المحمدية ليسوا من أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة رسول، إذ لو كانوا كذلك لم يستحق ابن جدعان العذاب ولما حبط عمله الصالح، وفي هذا أحاديث أخرى كثيرة سبق أن ذكرنا بعضها. ٢٥٠ - " لا ضرر، ولا ضرار ". حديث صحيح ورد مرسلا، وروي موصولا عن أبي سعيد الخدري، وعبد الله ابن عباس، وعبادة بن الصامت، وعائشة، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وثعلبة بن مالك ﵃. أما المرسل، فقال مالك في " الموطأ " (٢ / ٢١٨) : عن عمرو ابن يحيى المازني عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. قلت: وهذا سند صحيح مرسلا. وقد روي موصولا عن أبي سعيد الخدري رواه عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: فذكره وزاد: " من ضار ضاره الله، ومن شاق شاق الله عليه ". أخرجه الحاكم (٢ / ٥٧ - ٥٨) والبيهقي (٦ / ٦٩ - ٧٠) وقال: " تفرد به عثمان بن محمد عن الدراوردي ".

стр. 496

قلت: وتعقبه ابن التركماني فقال: " قلت: لم ينفرد به، بل تابعه عبد الملك بن معاذ النصيبي، فرواه كذلك عن الدراوردي. كذا أخرجه أبو عمر في كتابيه (التمهيد) و (الاستذكار) . قلت: وكأنه لهذه المتابعة قال الحاكم عقبه: " صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي، وإلا فلولا المتابعة هذه لم يكن الحديث على شرط مسلم لأن عثمان بن محمد ليس من رجاله، وفوق ذلك فهو متكلم فيه قال الدارقطني: ضعيف. وقال عبد الحق: الغالب على حديثه الوهم. ولكن قد يتقوى حديثه بمتابعة النصيبي هذا له، وإن كان لا يعرف حاله، كما قال ابن القطان وتابعه الذهبي، وهو بالتالي ليس من رجال مسلم أيضا، فهو ليس على شرطه أيضا، ولكنهم قد يتساهلون في الرواية المتابعة ما لا يتساهلون في الرواية الفردة، فيقولون في الأول: إنه على شرط مسلم باعتبار من فوق المتابعين مثلما هنا كما هو معروف، ولذلك فقد رأينا الحافظ ابن رجب في " شرح الأربعين النووية " (٢١٩) لم يعل الحديث بعثمان هذا ولا بمتابعة النصيبي، وإنما أعله بشيخهما، فقد قال عقب قول البيهقي المتقدم: " قال ابن عبد البر: لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث. قال: ولا بسند من وجه صحيح. ثم خرجه من رواية عبد الملك بن معاذ النصيبي عن الدراوردي موصولا والدراوردي كان الإمام أحمد يضعف ما حدث به من حفظه ولا يعبأ به، ولا شك في تقديم قول مالك على قوله ".

стр. 497

قلت: يعني أن الصواب في الحديث عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلا كما رواه مالك، ولسنا نشك في ذلك فإن الدراوردي وإن كان ثقة من رجال مسلم فإن فيه كلاما يسيرا من قبل حفظه، فلا تقبل مخالفته للثقة، لاسيما إذا كان مثل مالك رحمه الله تعالى. والحديث أخرجه الدارقطني أيضا (ص ٥٢٢) موصولا من الوجه المتقدم لكن بدون الزيادة: " من ضار ... " ثم رأيته قد أخرجه في مكان آخر (ص ٣٢١) من الوجه المذكور بالزيادة. وأما حديث ابن عباس، فيرويه عنه عكرمة، وله عنه ثلاث طرق: الأولى: عن جابر الجعفي عنه به. أخرجه ابن ماجه (٢ / ٥٧) وأحمد (١ / ٣١٣) كلاهما عن عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن جابر الجعفي به. قال ابن رجب: " وجابر الجعفي ضعفه الأكثرون ". الثانية: عن إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين عن عكرمة به. أخرجه الدارقطني (٥٢٢) . قال ابن رجب: " وإبراهيم ضعفه جماعة، وروايات داود عن عكرمة مناكير ". قلت: لكن تابعه سعيد بن أبي أيوب عند الطبراني في " الكبير " (٣ / ١٢٧ / ١) قال: حدثنا أحمد بن رشدين المصري أنبأنا روح بن صلاح أنبأنا سعيد بن أبي أيوب عن داود بن الحصين به، إلا أنه أوقفه على ابن عباس. لكن السند واه، فإن روح ابن صلاح ضعيف. وابن رشدين كذبوه، فلا تثبت المتابعة. الثالثة: قال ابن أبي شيبة كما في " نصب الراية " (٤ /٣٨٤) : حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة عن سماك عن عكرمة به.

стр. 498

قلت: وهذا سند رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، غير أن سماكا روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخره فكان، ربما يلقن كما في " التقريب ". وأما حديث عبادة بن الصامت، فيرويه الفضيل بن سليمان حدثنا موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة مرفوعا به. أخرجه ابن ماجه وعبد الله بن أحمد في " زوائد المسند " (٥ / ٣٢٦) . قلت: وهذا سند ضعيف منقطع بين عبادة وحفيده إسحاق. قال الحافظ: " أرسل عن عبادة، وهو مجهول الحال ". وأما حديث عائشة، فله عنها طريقان: الأولى: يرويها الواقدي: أنبأنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت عن أبي الرجال عن عمرة عنها. أخرجه الدارقطني (٥٢٢) ، قال ابن رجب: " والواقدي متروك، وشيخه مختلف في تضعيفه ". الثانية: عن روح بن صلاح حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن أبي سهيل عن القاسم ابن محمد عنها، وعن أبي بكر بن أبي سبرة عن نافع بن مالك أبي سهيل عن القاسم به. أخرجه الطبراني في " المعجم الوسط " وقال: " لم يروه عن القاسم إلا نافع بن مالك ". قلت: هو ثقة محتج به في " الصحيحين "، لكن الطريقان إليه ضعيفان كما قال ابن رجب، ففي الأولى روح بن صلاح وهو ضعيف، وفي الأخرى أبو بكر بن أبي سبرة، وهو أشد ضعفا، قال في " التقريب ": "

стр. 499

رموه بالوضع ". وأما حديث أبي هريرة، فيرويه أبو بكر بن عياش قال: عن ابن عطاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا. أخرجه الدارقطني، وأعله الزيلعي بأبي بكر هذا فقال: " مختلف فيه ". وأعله ابن رجب بابن عطاء فقال: " وهو يعقوب وهو ضعيف ". وأما حديث جابر فيرويه حيان بن بشر القاضي قال: حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عنه. رواه الطبراني في " الأوسط "، وسكت عليه الزيلعي. وقال ابن رجب: " هذا إسناد مقارب، وهو غريب خرجه أبو داود في " المراسيل " من رواية عبد الرحمن بن مغراء عن ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع مرسلا. وهذا أصح ". قلت: ومداره على ابن إسحاق وهو مدلس وقد عنعنه، وحيان بن بشر الذي في الطريق الموصولة، قال ابن معين: لا بأس به. وله ترجمة في " تاريخ بغداد " (٨ / ٢٨٥) ، وقد روي عن واسع بن حبان عن أبي لبابة عن النبي صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود في " المراسيل "، كما نقله الزيلعي ولم يسق إسناده لننظر فيه.

стр. 500

وأما حديث ثعلبة فهو من رواية إسحاق بن إبراهيم مولى مزينة عن صفوان ابن سليم عنه. رواه الطبراني في " معجمه " كما في " الزيلعي " (٤ / ٣٨٥) وسكت عليه، وإسحاق بن إبراهيم هذا لم أعرفه، وفات هذا الحديث الحافظ الهيثمي فلم يورده في " المجمع " (٤ / ١١٠) وأورد فيه فقط حديث جابر وعائشة. وبالجملة فهذه طرق كثيرة أشار إليها النووي في " أربعينه " ثم قال: " يقوي بعضها بعضا ". ونحوه قول ابن الصلاح: " مجموعها يقوي الحديث، ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم واحتجوا به. وقول أبي داود: إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف ". ٢٥١ - " حريم البئر أربعون ذراعا من حواليها كلها لأعطان الإبل والغنم ". أخرجه الإمام أحمد (٢ / ٤٩٤) : حدثنا هشيم قال: أنبأنا عوف عن رجل حدثه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قلت: وهذا سند ضعيف لجهالة الرجل الذي لم يسم، وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٣ / ١٢٥) :

стр. 501

" رواه أحمد، وفيه رجل لم يسم، وبقية رجاله ثقات ". قلت: وهكذا أخرجه البيهقي (٦ / ١٥٥) من طريق أخرى عن هشيم به ثم قال: " وقد كتبناه من حديث مسدد عن هشيم: أخبرنا عوف حدثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. أخبرناه أبو الحسن المقري ... ". ثم ساق السند إلى مسدد به. ومسدد ثقة من رجال البخاري، لكن في السند إليه من لم أعرفه. ولم يتعرض الحافظ الزيلعي في " نصب الراية " (٤ / ٢٩٢) وكذا الحافظ العسقلاني في " التلخيص " (ص ٢٥٦) لهذه الطريق. والله أعلم. وللحديث شاهد من رواية عبد الله بن مغفل مرفوعا بلفظ: " من حفر بئرا فله أربعون ذراعا عطنا لماشيته ". أخرجه الدارمي (٢ / ٢٧٣) وابن ماجه (٢ / ٩٦) من طريق إسماعيل بن مسلم المكي عن الحسن عنه. وهذا سند ضعيف وله علتان: الأولى: عنعنة الحسن وهو البصري فقد كان مدلسا. والأخرى: ضعف إسماعيل بن مسلم المكي قال الحافظ في " التقريب ": " كان فقيها، ضعيف الحديث ". وقال في " التلخيص " (٢٥٦) بعد أن عزاه لابن ماجه وحده: " وفي سنده إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف، وقد أخرجه الطبراني من طريق أشعث عن الحسن، وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد ". قلت: فما دام أنه قد تابعه أشعث، فإعلال الحديث بالعلة الأولى أولى كما لا يخفى. وأشعث هذا واحد من أربعة، كلهم يروون عن الحسن:

стр. 502

الأول: أشعث بن إسحاق بن سعد الأشعري القمي. الثاني: أشعث بن سوار الكندي. الثالث: أشعث بن عبد الله بن جابر الحداني. الرابع: أشعث بن عبد الملك الحمراني. وكل هؤلاء ثقات غير الثاني ففيه ضعف، ولكن لا بأس به في المتابعات، كما يشير إلى ذلك ما حكاه البرقاني عن الدارقطني، قال: " قلت للدارقطني: أشعث عن الحسن؟ قال: هم ثلاثة يحدثون جميعا عن الحسن: الحمراني وهو ابن عبد الملك أبو هاني ثقة. وابن عبد الله بن جابر الحداني يعتبر به، وابن سوار، يعتبر به وهو أضعفهم ". قلت: وقد فاته الأول، وهو ثقة أيضا كما قال ابن معين وغيره. وبالجملة، فهذا شاهد لا بأس به، فالحديث به حسن عندي والله أعلم. وقد ذهب إلى العمل به أبو حنيفة والشافعي كما في " سبل السلام " (٣ / ٧٨ - ٧٩) .

стр. 503

٢٥٢ - " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ". صحيح من حديث أبي هريرة مصرحا بسماعه من النبي ﷺ ، وله عنه طريقان: الأولى: عن خلف بن خليفة عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم قال: " كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى يبلغ إبطه، فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ أنتم ها هنا؟ ! لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء! سمعت خليلي ﷺ يقول: " فذكره. أخرجه مسلم (١ / ١٥١) وأبو عوانة (١ / ٢٤٤) والنسائي (١ / ٣٥) والبيهقي (١ / ٥٦) وأحمد (٢ / ٣٧١) عنه. وخلف هذا فيه ضعف من قبل حفظه وكان اختلط، لكنه قد توبع فرواه أبو عوانة من طريق عبد الله بن إدريس قال: سمعت أبا مالك الأشجعي به بلفظ: " قال: رأيته يتوضأ فيبلغ بالماء عضديه، فقلت: ما هذا؟ قال: وأنتم حولي يا بني فروخ؟ ! سمعت رسول الله ﷺ يقول: الحلية تبلغ مواضع الطهور ". وهذا إسناد صحيح لا غبار عليه. والطريق الأخرى عن يحيى بن أيوب البجلي عن أبي زرعة قال: " دخلت على أبي هريرة فتوضأ إلى منكبيه، وإلى ركبته، فقلت له: ألا تكتفي بما فرض الله عليك من هذا؟ قال: بلى، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مبلغ الحلية مبلغ الوضوء، فأحببت أن يزيدني في حليتي ". أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (١ / ٤٠) : حدثنا ابن المبارك عن يحيى به. وعلقه عنه أبو عوانة في " صحيحه " (١ / ٢٤٣) . قلت: وهذا سند جيد، رجاله كلهم ثقات رجال " الصحيحين " غير يحيى هذا وهو ثقة اتفاقا إلا رواية عن ابن معين، وقال الحافظ:

стр. 504

" لا بأس " به. ولا يضره إن شاء الله تعالى أن خالفه غيره من الثقات فأوقفه، لأن الرفع زيادة، وهي من ثقة فهي مقبولة، لاسيما ويشهد لها الطريق الأولى، فأخرج البخاري (١٠ / ٣١٧ ) وابن أبي شيبة (١ / ٤١ - ٤٢) وأحمد (٢ / ٢٣٢) عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة قال: " دخلت مع أبي هريرة دار مروان فدعا بوضوء فتوضأ، فلما غسل ذراعيه جاوز المرفقين، فلما غسل رجليه جاوز الكعبين إلى الساقين، فقلت: ما هذا؟ قال: هذا مبلغ الحلية ". واللفظ لابن أبي شيبة. قال الشيخ إبراهيم الناجي متعقبا رواية مسلم الأولى وقد أوردها المنذري في " الترغيب ": " وهذه الرواية تدل على أن آخره ليس بمرفوع أيضا ". قلت: يعني قوله: " تبلغ الحلية ... ". وقد عرفت الجواب عن هذا الإعلال أنفا وغالب ظني أن الناجي لم يقف على المتابعة المذكورة لخلف عند أبي عوانة ولا على هذه الطريق الأخرى الصحيحة أيضا، وإلا لما قال ذلك. على أنه قد بدى لي أن هذه الرواية وإن كانت موقوفة ظاهرا، فهي في الحقيقة مرفوعة، لأن قوله: " هذا مبلغ الحلية " فيه إشارة قوية جدا إلى أن المخاطب يعلم أن هناك حديثا مرفوعا بلفظ " مبلغ الحلية مبلغ الوضوء " كما هو مصرح به في الطريق الثانية، فاكتفى الراوي بذلك عن التصريح برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتأمل. وجملة القول: أن الحديث مرفوع من الطريقين، ولا يعله الموقوف لأنه في حكم المرفوع كما سبق بيانه.

стр. 505

إذا عرفت هذا، فهل في الحديث ما يدل على استحباب إطالة الغرة والتحجيل؟ والذي نراه إذا لم نعتد برأي أبي هريرة ﵁ أنه لا يدل على ذلك، لأن قوله: " مبلغ الوضوء " من الواضح أنه أراد الوضوء الشرعي، فإذا لم يثبت في الشرع الإطالة، لم يجز الزيادة عليه كما لا يخفى. على أنه إن دل الحديث على ذلك، فلن يدل على غسل العضد لأنه ليس من الغرة ولا التحجيل، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى في " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح " (١ / ٣١٥ - ٣١٦) : " وقد احتج بهذا الحديث من يرى استحباب غسل العضد وإطالته، والصحيح أنه لا يستحب، وهو قول أهل المدينة، وعن أحمد روايتان، والحديث لا يدل على الإطالة فإن الحلية إنما تكون زينة في الساعد والمعصم، لا في العضد والكتف ". واعلم أن هناك حديثا آخر يستدل به من يذهب إلى استحباب إطالة الغرة والتحجيل وهو بلفظ: " إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم

стр. 506

أن يطيل غرته فليفعل ". وهو متفق عليه بين الشيخين، لكن قوله: " فمن استطاع ... " مدرج من قول أبي هريرة ليس من حديثه ﷺ كما شهد بذلك جماعة من الحفاظ كالمنذري وابن تيمية وابن القيم والعسقلاني وغيرهم وقد بينت ذلك بيانا شافيا في " الأحاديث الضعيفة " فأغنى عن الإعادة، ولو صحت هذه الجملة لكانت نصا على استحباب إطالة الغرة والتحجيل لا على إطالة العضد. والله ولى التوفيق. ٢٥٣ - " من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بوجه الله فأعطوه ". أخرجه أبو داود (٢ / ٦٢٢ - الحلبية) وأحمد (رقم ٢٢٤٨) والخطيب في " تاريخه " (٤ / ٢٥٨) من طرق عن خالد بن الحارث حدثنا سعيد (بن أبي عروبة) عن قتادة عن أبي نهيك عن ابن عباس مرفوعا. قلت: وهذا سند جيد إن شاء الله تعالى، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير أبي نهيك واسمه عثمان بن نهيك كما جزم الحافظ تبعا لابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٣ / ١ / ١٧١) وذكر أنه روى عنه جماعة من الثقات، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكره ابن حبان في " الثقات ". وقال ابن القطان: لا يعرف. وتناقض فيه الحافظ فإنه في الأسماء قال: " مقبول "، وفي " الكنى " قال: " ثقة ". والظاهر أنه وسط حسن الحديث، لأنه تابعي وقد روى عنه الجماعة، فهو حكم مستوري التابعين الذين يحتج بحديثهم ما لم يظهر خطؤهم فيه، وهذا الحديث من

стр. 507

هذا القبيل، بل قد وجدنا ما شهد لصحته، وهو حديث عبد الله ابن عمر ﵁ وهو الحديث الآتي بعده. (فائدة) روى ابن أبي شيبة (٤/٦٨) بسند صحيح إلى ابن جريج عن عطاء أنه كره أن يسأل بوجه الله أو بالقرآن شيء من أمر الدنيا. ٢٥٤ - " من استعاذكم بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، (ومن استجار بالله فأجيروه) ، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا الله له حتى تعلموا أن قد كافأتموه ". أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (رقم ٢١٦) وأبو داود (١ / ٣٨٩، ٢ / ٦٢٢) والنسائي (١ / ٣٥٨) وابن حبان في " صحيحه " (رقم ٢٠٧١) والحاكم (١ / ٤١٢) والبيهقي (٤ / ١٩٩) وأحمد (٢ / ٦٨، ٩٩) وأبو نعيم في " الحلية " (٩ / ٥٦) من طرق عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعا. والزيادة لأحمد في رواية، وهي عند النسائي بديل التي قبلها. وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وتابعه ليث عن مجاهد به دون الجملة الأولى والرابعة. أخرجه أحمد (٢ / ٩٥ - ٩٦) ، ولابن أبي شيبة (٤ / ٦٨) الجملة الثانية فقط، وليث هو ابن أبي سليم وهو ضعيف. وقد خالف الجماعة أبو بكر بن عياش فقال: عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره دون الجملة الرابعة وما بعدها وجعله من مسند أبي هريرة ومن رواية أبي حازم عنه.

стр. 508

أخرجه أحمد (٢ / ٥١٢) والحاكم (١ / ٤١٣) وقال: " إسناد صحيح، فقد صح عند الأعمش الإسنادان جميعا على شرط الشيخين، ونحن على أصلنا في قبول الزيادات من الثقات في الأسانيد والمتون ". ووافقه الذهبي، وفي ذلك نظر عندي من وجهين: الأول: أن أبا بكر بن عياش لم يخرج له مسلم شيئا، وإنما البخاري فقط. الآخر: أن أبا بكر فيه ضعف من قبل حفظه وإن كان ثقة في نفسه فلا يحتج به فيما خالف الثقات. قال الذهبي نفسه في " الميزان " من ترجمته: " صدوق، ثبت في القراءة، لكنه في الحديث يغلط ويهم ". وقال الحافظ في " التقريب ": " ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح ". ٢٥٥ - " ألا أخبركم بخير الناس منزلة؟ قلنا: بلى، قال: رجل ممسك برأس فرسه - أو قال: فرس - في سبيل الله حتى يموت أو يقتل، قال: فأخبركم بالذي يليه؟ فقلنا: نعم يا رسول الله قال: امرؤ معتزل في شعب يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة ويعتزل الناس، قال: فأخبركم بشر الناس منزلة؟ قلنا: نعم يا رسول الله قال : الذي يسأل بالله العظيم، ولا يعطي به ". أخرجه النسائي (١ / ٣٥٨) والدارمي (٢ / ٢٠١ - ٢٠٢) وابن حبان في " صحيحه " (١٥٩٣) وأحمد (١ / ٢٣٧، ٣١٩، ٣٢٢) والطبراني في " المعجم

стр. 509

الكبير " (٣ / ٩٧ / ١) من طرق عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن إسماعيل ابن عبد الرحمن بن ذؤيب عن عطاء بن يسار عن ابن عباس. " أن النبي ﷺ خرج عليهم وهم جلوس فقال ... " فذكره. قلت: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات. وأخرجه الترمذي (٣ / ١٤) من طريق ابن لهيعة عن بكير بن الأشج عن عطاء بن يسار به نحوه باختصار ألفاظ، وقال: " هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ويروى من غير وجه عن ابن عباس عن النبي ﷺ ". قلت: وابن لهيعة سيء الحفظ، لكنه قد توبع، فأخرجه ابن حبان (١٥٩٤) والطبراني في " الكبير " (٣ / ٩٧ / ١) عن عمرو بن الحارث أن بكرا حدثه به، فصح بهذا الإسناد أيضا عن عطاء. (فائدة) في الحديث تحريم سؤال شيء من أمور الدنيا بوجه الله تعالى، وتحريم عدم إعطاء من سأل به تعالى. قال السندي في حاشيته على النسائي: " (الذي يسأل بالله) على بناء الفاعل، أي الذي يجمع بين القبحتين أحدهما السؤال بالله، والثاني عدم الإعطاء لمن يسأل به تعالى، فما يراعي حرمة اسمه تعالى في الوقتين جميعا. وأما جعله مبنيا للمفعول فبعيد إذ لا صنع للعبد في أن يسأله السائل بالله، فلا وجه للجمع بينه وبين ترك الإعطاء في هذا المحل ". قلت: ومما يدل على تحريم عدم الإعطاء لمن يسأل به تعالى حديث ابن عمر وابن عباس المتقدمين: " ومن سألكم بالله فأعطوه ". ويدل على تحريم السؤال به تعالى حديث: " لا يسأل بوجه الله إلا الجنة ".

стр. 510

ولكنه ضعيف الإسناد كما بينه المنذري وغيره، ولكن النظر الصحيح يشهد له، فإنه إذا ثبت وجوب الإعطاء لمن سأل به تعالى كما تقدم، فسؤال السائل به، قد يعرض المسؤول للوقوع في المخالفة وهي عدم إعطائه إياه ما سأل وهو حرام، وما أدى إلى محرم فهو محرم، فتأمل. وقد تقدم قريبا عن عطاء أنه كره أن يسأل بوجه الله أو بالقرآن شيء من أمر الدنيا. ووجوب الإعطاء إنما هو إذا كان المسؤول قادرا على الإعطاء ولا يلحقه ضرر به أو بأهله، وإلا فلا يجب عليه. والله أعلم. ٢٥٦ - " من أخذ على تعليم القرآن قوسا، قلده الله قوسا من نار يوم القيامة ". رواه أبو محمد المخلدي في " الفوائد " (ق ٢٦٨ / ١) : حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله قال: قال لي عبد الملك بن مروان: يا إسماعيل علم ولدي، فإني معطيك أو مثيبك، قال إسماعيل: يا أمير المؤمنين! وكيف بذلك وقد حدثتني أم الدرداء عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. قال عبد الملك: يا إسماعيل لست أعطيك أو أثيبك على القرآن، إنما أعطيك أو أثيبك على النحو. وأخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (٢ / ٤٢٧ / ٢) من طريق أخرى عن أحمد بن منصور الرمادي به. وأخرجه البيهقي في " سننه " (٦ / ١٢٦) من طريق عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل به.

стр. 511

ثم روى البيهقي عن عثمان بن سعيد الدارمي عن دحيم قال: " حديث أبي الدرداء هذا ليس له أصل ". قلت: كذا قال، وقد رده ابن التركماني بقوله: " قلت: أخرجه البيهقي هنا بسند جيد فلا أدري ما وجه ضعفه وكونه لا أصل له ". قلت: وهذا رد قوي، ويؤيده قول الحافظ في " التلخيص " (٣٣٣) : " رواه الدارمي بسند على شرط مسلم، لكن شيخه عبد الرحمن بن يحيى ابن إسماعيل لم يخرج له مسلم، وقال فيه أبو حاتم: ما به بأس ". ثم ذكر قول دحيم. قلت: ولم يتفرد به عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل، بل تابعه إبراهيم ابن يحيى بن إسماعيل أخوه، أخرجه ابن عساكر في ترجمته (٢ / ٢٨٤ / ٢) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. ثم أخرجه ابن عساكر من طريق هشام بن عمار أنبأنا عمرو بن واقد أنبأنا إسماعيل ابن عبيد الله به. قلت: فهذه طريق أخرى عن إسماعيل، ولكنها واهية، فإن عمرو بن واقد متروك كما في " التقريب "، فالاعتماد على الطريق الأول، وقد علمت أن ابن التركماني جود إسناده، وأشار إلى ذلك الحافظ، وهو حري بذلك لولا أن فيه علتين: الأولى: أن سعيد بن عبد العزيز وإن كان على شرط مسلم فقد اختلط في آخر عمره كما في " التقريب "، ولا ندري أحدث بهذا قبل الاختلاط أم بعده. الثانية: أن الوليد بن مسلم وإن كان من رجال الشيخين، فإنه كثير التدليس والتسوية، فيخشى أن يكون أسقط رجلا بين سعيد وإسماعيل وعليه فيحتمل أن يكون المسقط ضعيفا، مثل عمرو بن واقد أو غيره، ولعل هذا هو وجه قول دحيم في

стр. 512

هذا الحديث " ليس له أصل ". غير أن له شاهدا يدل على أن له أصلا أصيلا، وهو من حديث عبادة بن الصامت ﵁، وله طريقان: الأولى: عن مغيرة بن زياد عن عبادة بن نسي، عن الأسود بن ثعلبة عنه قال: " علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فأهدى إلي رجل منهم قوسا، فقلت: ليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله ، لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأسألنه، فأتيته فقلت: يا رسول الله رجل أهدى إلي قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله؟ قال: إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها ". أخرجه أبو داود (٢ / ٢٣٧ - الحلبي) وابن ماجه (٢ / ٨) والطحاوي (٢ / ١٠) وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " (٢ / ٨٢) والحاكم (٢ / ٤١) والبيهقي (٦ / ١٢٥) وأحمد (٥ / ٣١٥) . وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". وقال الذهبي: " قلت: مغيرة صالح الحديث، وقد تركه ابن حبان ". وقال البيهقي عن ابن المديني: " إسناده كله معروف إلا الأسود بن ثعلبة، فإنا لا نحفظ عنه إلا هذا الحديث ". كذا قال، وله أحاديث أخرى ثلاثة أشار إليهما ابن التركماني وابن حجر، وانصرفا بذلك عن بيان حال الأسود هذا وهو مجهول كما في " التقريب ". وقال في " الميزان ": " لا يعرف "،

стр. 513

لكنه لم يتفرد به، فقال بقية: حدثني بشر ابن عبد الله بن يسار: وحدثني عبادة بن نسي عن جنادة بن أبي أمية عن عبادة ابن الصامت نحو هذا الخبر والأول أتم: فقلت: ما ترى فيها يا رسول الله ! فقال: جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقها. أخرجه أبو داود وعنه البيهقي وقال: " هذا حديث مختلف فيه على عبادة بن نسي كما ترى ". يعني أن المغيرة بن زياد سمى شيخ ابن نسي الأسود بن ثعلبة، وبشر بن عبد الله بن يسار سماه جنادة بن أبي أمية، وليس هذا في نقدي اختلافا، لاحتمال أن يكون لابن نسي فيه شيخان، فكان يرويه تارة عن هذا، وتارة عن هذا، فروى كل من المغيرة وبشر ما سمع منه، وكأنه لما ذكرنا لم يعله ابن حزم بالاختلاف المذكور، بل أعل الطريق الأولى بجهالة الأسود، وأعل الأخرى بقوله: " بقية ضعيف ". قلت: والمتقرر في بقية أنه صدوق فهو حسن الحديث إلا إذا عنعن فلا يحتج به حينئذ، وفي هذا الحديث قد صرح بالتحديث فأمنا بذلك تدليسه، على أنه لم يتفرد به، فقال الإمام أحمد (٥ / ٣٢٤) : حدثنا أبو المغيرة حدثنا بشر بن عبد الله يعني ابن يسار به. ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم (٣ / ٣٥٦) أيضا وقال: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. قلت: وهو كما قالا إن شاء الله تعالى فإن رجاله كلهم ثقات معروفون غير بشر هذا، وقد روى عنه جماعة ووثقه ابن حبان، وقال الحافظ فيه: " صدوق ".

стр. 514

(تنبيه) عزى الحافظ في " التلخيص " (ص ٣٣٣) هذا الحديث للدارمي وتبعه على ذلك الشوكاني في " نيل الأوطار " (٥ / ٢٤٣) ، ومن المصطلح عليه عند أهل العلم أن الدارمي إذا أطلق فإنما يراد به الإمام عبد الله بن عبد الرحمن صاحب كتاب " السنن " المعروف بـ " المسند "، وعليه فإني أخذت أبحث عنه فيه، ولكن عبثا، وكان ذلك قبل أن أقف على سند الحديث في سنن البيهقي، وحينذاك تبين لي أنه ليس هو المراد، وإنما هو عثمان بن سعيد الدارمي الذي من طريقه رواه البيهقي، فرأيت التنبيه على ذلك. وأيضا فقد وقع من الشوكاني ما هو أبعد عن الصواب، وذلك أنه قال: إن إسناد الدارمي على شرط مسلم. ولم يذكر الاستثناء الذي تقدم على الحافظ! ثم إن للحديث شاهد آخر من حديث أبي بن كعب، ولكن سنده ضعيف، وقد تكلمت عليه في " الإرواء " (١٤٨٨) ، وفيما تقدم كفاية. ٢٥٧ - " من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرءون القران يسألون به الناس ". أخرجه الترمذي (٤ / ٥٥) وأحمد (٤ / ٤٣٢ - ٤٣٣ و ٤٣٩) عن سفيان عن الأعمش عن خيثمة عن الحسن عن عمران بن حصين أنه مر على قارىء يقرأ، ثم سأل، فاسترجع ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره. وقال الترمذي: " وقال محمود (يعني شيخه ابن غيلان) : هذا خيثمة البصري الذي روى عنه جابر الجعفي، وليس هو خيثمة بن عبد الرحمن، هذا حديث حسن، وخيثمة هذا شيخ بصري يكنى أبا نصر ". قلت: قال فيه ابن معين: ليس بشيء.

стр. 515

وأما ابن حبان فذكره في " الثقات "، وقال الحافظ: " لين الحديث ". قلت: والحسن هو البصري وهو مدلس وقد عنعنه، لكن أخرجه أحمد (٤ / ٤٣٦) من طريق شريك بن عبد الله عن منصور عن خيثمة عن الحسن قال: " كنت أمشي مع عمران بن حصين، أحدنا آخذ بيد صاحبه، فمررنا بسائل يقرأ القرآن ... " الحديث نحوه. قلت: وشريك هذا هو القاضي، وهو سييء الحفظ فلا يحتج به، لاسيما مع مخالفته لرواية سفيان. وإنما حسن الترمذي هذا الحديث مع ضعف إسناده لما له من الشواهد الكثيرة، وذلك اصطلاح منه نص عليه في " العلل " التي في آخر " السنن " فقال (٤ / ٤٠٠) : " وما ذكرنا في هذا الكتاب " حديث حسن "، فإنما أردنا حسن إسناده عندنا كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن ". ومن الغرائب أن يخفى قول الترمذي هذا على الحافظ ابن كثير، فإنه لما ذكره في " اختصار علوم الحديث " عن ابن الصلاح تعقبه بقوله (ص ٤٠) : " وهذا إذا كان قد روي عن الترمذي أنه قاله، ففي أي كتاب له قاله؟ ! ". فقد عرفت في أي كتاب له قاله، فسبحان من لا تخفى عليه خافية. ثم إن الحديث نقل الشوكاني (٥ / ٢٤٣) عن الترمذي أنه قال بعد إخراجه: " هذا حديث حسن، ليس إسناده بذاك ". وليس في نسختنا منه هذا: ليس إسناده بذاك. والله أعلم. ثم رأيتها في

стр. 516

نسخة بولاق من " السنن " (٢ / ١٥١) . أما شواهد الحديث، فهي عن جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة وهاك بعضها: " تعلموا القرآن، وسلوا الله به الجنة، قبل أن يتعلمه قوم، يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرأه لله ". ٢٥٨ - " تعلموا القرآن، وسلوا الله به الجنة، قبل أن يتعلمه قوم، يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرأه لله ". رواه ابن نصر في " قيام الليل " (ص ٧٤) عن ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي ﷺ يقول: فذكره. قلت: وهذا سند ضعيف، من أجل ابن لهيعة، فإنه سييء الحفظ، لكنه لم يتفرد به كما يأتي فالحديث جيد. وأبو الهيثم اسمه سليمان بن عمرو العتواري المصري. والحديث عزاه الحافظ في " الفتح " (٩ / ٨٢) لأبي عبيد في " فضائل القرآن " عن أبي سعيد وصححه الحاكم، وأقره الحافظ عليه، ولم أجده الآن في " المستدرك "، ولعله من غير طريق ابن لهيعة. وله طريق أخرى عند البخاري في " خلق أفعال العباد " (ص ٩٦) والحاكم (٤ / ٥٤٧) وأحمد (٣ / ٣٨ - ٣٩) وابن أبي حاتم كما " في تفسير ابن كثير " (٣ / ١٢٨) عن بشير بن أبي عمرو الخولاني أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يخلف قوم من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا، ثم يكون قوم يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن

стр. 517

ومنافق وفاجر قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به ". وقال الحاكم: " صحيح الإسناد "، ووافقه الذهبي. قلت: ورجاله ثقات غير أن الوليد هذا لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، لكن روى عنه جماعة، وقال الحافظ في " التقريب ": " مقبول "، فحديثه يحتمل التحسين، وهو على كل حال شاهد صالح. وللحديث شواهد أخرى تؤيد صحته عن جماعة من الصحابة لابد من ذكرها إن شاء الله تعالى. ٢٥٩ - " اقرءوا فكل حسن، وسيجىء أقوام يقيمونه كما يقام القدح، يتعجلونه، ولا يتأجلونه ". أخرجه أبو داود (١ / ١٣٢ - الطبعة التازية) : حدثنا وهب بن بقية، أخبرنا خالد عن حميد الأعرج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: " خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي والعجمي، فقال " فذكره.

стр. 518

وأخرجه أحمد (٣ / ٣٩٧) : حدثنا خلف بن الوليد حدثنا خالد به. ووقع فيه خالد بن حميد الأعرج. وهو تصحيف. قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، غير وهب ابن بقية فمن رجال مسلم وحده، وتابعه خلف بن الوليد ولا بأس به في " المتابعات ". وتابعه أسامة بن زيد الليثي عن محمد بن المنكدر به. أخرجه أحمد (٣ / ٣٥٧) وإسناده حسن. وله شاهد من حديث سهل بن سعد الساعدي قال: " خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقترئ، فقال: " الحمد لله كتاب الله واحد، وفيكم الأحمر، وفيكم الأبيض، وفيكم الأسود، اقرؤوه.. " الحديث. أخرجه أبو داود وابن حبان في " صحيحه " (رقم ١٨٧٦) عن عمرو بن الحارث (زاد الأول منهما: وابن لهيعة) عن بكر بن سوادة عن وفاء بن شريح الصدفي عن سهل بن سعد به إلا أنه قال: " يتعجل أجره، ولا يتأجله ". قلت: ورجاله ثقات رجال مسلم باستثناء ابن لهيعة - غير وفاء هذا، فلم يوثقه غير ابن حبان، ولم يرو عنه سوى بكر هذا، وزياد بن نعيم، ولهذا قال الحافظ فيه " مقبول " ولم يوثقه. ورواية ابن لهيعة، قد أخرجها الإمام في " المسند " (٣ / ١٤٦، ١٥٥) من طريقين عنه به إلا أنه جعله من مسند أنس بن مالك، لا من مسند سهل، ولعل ذلك من أوهامه، فإنه معروف بسوء الحفظ، وقال في رواية " عن وفاء الخولاني " وفي الأخرى " عن أبي حمزة الخولاني ". فإن كان حفظه، فهذه فائدة عزيزة لا توجد في التراجم، فقد نسبه خولانيا وكناه بأبي حمزة، وهذا مما لم يذكر في ترجمته من " التهذيب " وغيره.

стр. 519

نعم أورده ابن أبي حاتم في " الكنى " فقال: (٤ / ٢ / ٣٦١) : " أبو حمزة الخولاني، سمع جابرا. روى عنه بكر بن سوادة. قال أبو زرعة: هه مصري لا يعرف اسمه ". وأورده في " الأسماء " فقال (٤ / ٢ / ٤٩) : " وفاء (في الأصل: وقاء بالقاف) بن شريح الصدفي، روى عن سهل ابن سعد ورويفع بن ثابت، روى عنه زياد بن نعم وبكر بن سوادة ". قلت: والظاهر أنهما واحد إذا صحت رواية ابن لهيعة. والله أعلم. ٢٦٠ - " اقرءوا القرآن، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه ". أخرجه الطحاوي في " شرح المعاني " (٢ / ١٠) وأحمد (٣ / ٤٢٨، ٤٤٤) والطبراني في " الأوسط " (١ / ١٤٢ / ٢، ١٧٠ / ٢ - من " زوائد المعجمين ") وابن عساكر (٩ / ٤٨٦ / ٢) من طرق عن يحيى بن أبي كثير عن (وفي رواية: حدثنا) زيد بن سلام عن أبي سلام (ولم يقل الطبراني: عن أبي سلام) عن أبي راشد الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري أن معاوية قال له: إذا أتيت فسطاطي فقم فأخبر ما سمعت من رسول الله ﷺ ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره والسياق لأحمد، ورواه الطبراني في " الكبير " أيضا كما في " المجمع " (٤ / ٧٣) : وقال: " ورجاله ثقات ". قلت: وهو كما قال، بل هو إسناده صحيح، رجاله كلهم رجال مسلم غير أبي راشد الحبراني بضم المهملة وسكون الموحدة، وهو ثقة، روى عنه جماعة من

стр. 520

الثقات، وقد ذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة العليا التي تلي الصحابة. وقال العجلي: " تابعي ثقة، لم يكن في زمانه بدمشق أفضل منه ". وذكره ابن حبان في " الثقات ". وقال الحافظ في " التقريب ": " قيل اسمه أخضر، وقيل النعمان، ثقة من الثالثة ". قلت: فلا يقبل بعد هذا قول ابن حزم فيه (٨ / ١٩٦) : " وهو مجهول " وأعل الحديث به، فإنه لا سلف له في ذلك، وقد وثقه هؤلاء الأئمة. ولهذا قال الحافظ في " الفتح " (٩ / ٨٢) بعد أن عزاه لأحمد وأبي يعلى: " وسنده قوي ". ٢٦١ - " هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ". رواه ابن شاهين في " الترغيب " (٢٦٢ / ١ - ٢) عن محمد بن مصفى أنبأنا ابن أبي فديك قال: حدثني طلحة بن يحيى عن أنس بن مالك قال: " دعا رسول الله ﷺ بوضوء، فغسل وجهه مرة ويديه مرة، ورجليه مرة مرة وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ثم دعا بوضوء فتوضأ مرتين مرتين، وقال: هذا وضوء من توضأ ضاعف الله له الأجر مرتين ثم دعا بوضوء فتوضأ ثلاثا وقال: هكذا وضوء نبيكم ﷺ والنبيين قبله، أو قال: هذا ... " فذكره. قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف، ولكنه منقطع، فإن طلحة بن يحيى وهو ابن النعمان بن أبي عياش الزرقي لم يذكروا له رواية عن أحد من الصحابة، بل ولا عن التابعين. والحديث ذكره الحافظ في " التلخيص " (ص ٣٠) من رواية ابن السكن في

стр. 521

" صحيحه " عن أنس به. وسكت عليه، وليس بجيد، إذا كان عنده من هذا الوجه المنقطع. لكن للحديث شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الحسن إن لم نقل الصحة، وهي من حديث ابن عمر، وله عنه طريقان، ومن حديث أبي بن كعب وزيد ابن ثابت وأبي هريرة وعبيد الله بن عكراش عن أبيه. وقد خرجتها في إرواء الغليل " (رقم ٨٥) فلا داعي للإعادة، وقد أشار الصنعاني في " سبل السلام " (١ / ٧٣ - طبع المكتبة التجارية) إلى تقوية الحديث بقوله: " وله طرق يشد بعضها بعضا ". وقد ذكره من حديث ابن عمر، وزيد بن ثابت وأبي هريرة فقط! وساقه بلفظ: " توضأ ﷺ على الولاء ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ". فقوله " على الولاء " مما لا أصل له في شيء من الطرق التي ذكرها، ولا فيما زدنا عليه من الطرق الأخرى! ومثله قول الشيخ إبراهيم بن ضويان في " منار السبيل " (١ / ٢٥) " توضأ ﷺ مرتبا وقال ... "! والحديث مع أنه لم يذكر فيه الترتيب صراحة فلا يؤخذ ذلك من قوله فيه " فغسل وجهه مرة، ويديه مرة ورجليه مرة، وقال هذا.. " لما اشتهر أن الواو لمطلق الجمع فلا تفيد الترتيب، لاسيما والأحاديث الأخرى التي أشرنا إليها لم يذكر فيها أعضاء الوضوء، بل جاءت مختصرة بلفظ " توضأ مرة مرة، ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ". ومن الواضح، أن الإشارة بـ (هذا) هنا إنما هو إلى الوضوء مرة مرة كما أن الإشارة بذلك في الفقرتين الأخريين إنما هو للوضوء مرتين مرتين والوضوء ثلاثا ثلاثا.

стр. 522

فلا دلالة في الحديث على الموالاة، ولا على الترتيب والله أعلم. وليس هناك ما يدل على وجوب الترتيب. وقول ابن القيم في " الزاد " (١ / ٦٩) : " وكان وضوؤه ﷺ مرتبا متواليا لم يخل به مرة واحدة البتة " غير مسلم في الترتيب، لحديث المقدام بن معدي كرب قال: " أتي رسول الله ﷺ بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مضمض واستنشق ثلاثا، ومسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا ". رواه أحمد (٤ / ١٣٢) وعنه أبو داود (١ / ١٩) بإسناد صحيح. وقال الشوكاني (١ / ١٢٥) : " إسناده صالح، وقد أخرجه الضياء في " المختارة ". فهذا يدل على أنه ﷺ لم يلتزم الترتيب في بعض المرات، فذلك دليل على أن الترتيب غير واجب، ومحافظته عليه في غالب أحواله دليل على سنيته والله أعلم. ٢٦٢ - " كان إذا أصبح قال: اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور وإذا أمسى قال: اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير ". أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (رقم ١١٩٩) : حدثنا معلى قال: حدثنا وهيب قال: حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: فذكره مرفوعا. قلت: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، ومعلى هو ابن منصور الرازي احتج به البخاري أيضا في " صحيحه "،

стр. 523

وقد توبع فقال أبو داود (٢ / ٦١١ - طبع الحلبي) حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا وهيب به، إلا أنه قال: " وإليك النشور " في دعاء المساء أيضا. ورواه ابن حبان في " صحيحه " (٢٣٥٤) من طريق عبد الأعلى بن حماد حدثنا وهيب به. إلا أنه قال: " وإليك المصير وإليك النشور " جمعهما معا في دعاء الصباح! ولعله سهو من بعض النساخ. وتابعه حماد وهو ابن سلمة: أخبرني سهيل به، دون دعاء المساء وقال: " وإليك المصير " بدل " وإليك النشور ". أخرجه أحمد (٢ / ٣٥٤ - ٥٢٢) . ورواه آخران عن سهيل به من قوله ﷺ وأمره، وهو الحديث الآتي بعده: " إذا أصبحتم فقولوا: اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت (وإليك النشور) ، وإذا أمسيتم فقولوا: اللهم بك أمسينا، وبك أصبحنا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك المصير ". ٢٦٣ - " إذا أصبحتم فقولوا: اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت (وإليك النشور) وإذا أمسيتم فقولوا: اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٤٤٠) : حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب حدثنا عبد العزيز ابن أبي حازم عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره. قلت: وهذا سند جيد، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير يعقوب بن حميد. قال الحافظ في " التقريب ": " صدوق ربما وهم ".

стр. 524

قلت: وقد توبع على الشطر الأول منه. فقال ابن السني في " عمل اليوم والليلة " (رقم ٣٣) : أخبرنا أبو محمد بن صاعد، حدثنا محمد بن زنبور حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم به. وفيه الزيادة التي بين القوسين. قلت: ومحمد بن زنبور صدوق له أوهام كما قال الحافظ، فمتابعته قوية. ولم يتفرد به عبد العزيز بن أبي حازم، بل تابعه عبد الله بن جعفر أنبأنا سهيل ابن أبي صالح به، وفيه الزيادة. أخرجه الترمذي في " سننه " (٤ / ٢٢٩ - بشرح التحفة) وقال: " هذا حديث حسن ". قلت: وهو كما قال: ويعني أنه حسن لغيره كما نص عليه في آخر كتابه وذلك لأن عبد الله بن جعفر هذا هو أبو جعفر المدني والد علي بن المديني - وهو ضعيف، ولكن يتقوى حديثه بمتابعة عبد العزيز بن أبي حازم إياه وهو ثقة محتج به في " الصحيحين "، فلو قال الترمذي: " حديث صحيح " لكان أقرب إلى الصواب. وقد رأيت ابن تيمية قد نقل عنه أنه قال: " حديث حسن صحيح ". وهذا هو الأولى به، ولكني لم أجد ذلك في نسختنا المشار إليها من الترمذي. والله أعلم.

стр. 525

٢٦٤ - " إذا أويت إلى فراشك فقل: أعوذ بكلمات الله التامة، من غضبه وعقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون ". أخرجه ابن السني (رقم ٢٣٨) من طريق أبي هشام الرفاعي حدثنا وكيع بن الجراح حدثنا سفيان عن محمد بن المنكدر قال: " جاء رجل إلى النبي ﷺ فشكا إليه أهاويل يراها في المنام فقال " فذكره. قلت: وهذا سند رجاله ثقات غير أبي هشام هذا واسمه محمد بن محمد بن يزيد الرفاعي العجلي قال الذهبي في " الضعفاء ": " قال البخاري: رأيتهم مجمعين على ضعفه ". واتهمه عثمان ابن أبي شيبة بأنه يسرق حديث غيره فيرويه على وجه الكذب، انظر " التهذيب ". وإذا كان كذلك، فلعل أصل الحديث ما رواه مسدد: حدثنا سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن محمد بن محمد بن يحيى بن حبان. " أن خالد بن الوليد ﵁ كان يؤرق، أو أصابه أرق فشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يتعوذ عند منامه بكلمات الله التامة ... " الحديث.

стр. 526

أخرجه ابن السني أيضا (رقم ٧٣٦) ، ورجاله ثقات غير شيخه علي بن محمد ابن عامر فلم أعرفه. لكن يشهد له حديث محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة ... " الحديث بالحرف الواحد، وزاد: " قال: فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيرا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه ". أخرجه أبو داود (٢ / ٢٣٩) والحاكم (١ / ٥٤٨) وأحمد (٢ / ١٨١) واللفظ له من طرق صحيحه عن ابن إسحاق به. ورواه الترمذي (٤ / ٢٦٦) من طريق إسماعيل بن عياش عن محمد بن إسحاق به، بلفظ: " إذا فزع أحدكم في النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة. الحديث بتمامه مع الزيادة. وكذا أخرجه ابن السني (٧٤٥) من طريق يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق به. ثم قال الترمذي: " هذا حديث حسن غريب ". قلت: لكن ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه في جميع الطرق عنه، وهذه الزيادة منكرة عندي، لتفرده بها. والله أعلم. وجملة القول: أن الحديث بهذا الشاهد حسن وقد علقه البخاري في " أفعال العباد " (ص ٨٨ طبع الهند) : قال أحمد بن خالد حدثنا محمد بن إسحاق به مثل لفظ ابن عياش.

стр. 527

٢٦٥ - " كان إذا رأى ما يحب قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكرهه قال: الحمد لله على كل حال ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٤٢٢) وابن السني (رقم ٣٧٢) والحاكم (١ / ٤٩٩) من طريق الوليد بن مسلم حدثنا زهير بن محمد عن منصور بن عبد الرحمن عن أمه صفية بنت شيبة عن عائشة قالت: فذكره. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". وأقره الذهبي فلم يتعقبه بشيء، وفي ذلك نظر، لأن زهير بن محمد هذا وهو التميمي الخراساني ثم الشامي متكلم فيه. فقال الحافظ في " التقريب ": " رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة فضعف بسببها، قال البخاري عن أحمد: كأن زهير الذي يروي عنه الشاميون آخر! وقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه ". قلت: وهذا من رواية الشاميين عنه وهو الوليد بن مسلم، ثم إن هذا كان يدلس تدليس التسوية، ولم يصرح بالتحديث في بقية رجال السند، فهذه علة أخرى. ومن ذلك تعلم خطأ تصحيح الحاكم إياه ومثله قول البوصيري في " الزوائد ": " إسناده صحيح ورجاله ثقات "! ومثله قول النووي في " الأذكار " وإن أقره شارحه ابن علان (٦ / ٢٧١) : " رواه ابن ماجه وابن السني بإسناد جيد "! كل ذلك ذهول عما بيناه من علة الحديث من هذا الوجه. نعم وجدت للحديث شاهدا من رواية أبي هريرة بلفظ: " كان لرسول الله ﷺ حمدان يعرفان: إذا جاءه ما يكره قال: الحمد لله على

стр. 528

كل حال، وإذا جاءه ما يسره قال: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، بنعمته تتم الصالحات ". أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (٣ / ١٥٧) من طريق الفضل الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة. وقال: " غريب من حديث محمد، والفضل الرقاشي، لم نكتبه إلا من هذا الوجه ". قلت: وهو ضعيف من أجل الرقاشي هذا، وهو الفضل بن عيسى فإنه متفق على تضعيفه وقال الحافظ في " التقريب ": " منكر الحديث ". وقد رواه ابن ماجه (٢ / ٤٢٣) من طريق أخرى عن موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت عن أبي هريرة مرفوعا مختصرا بلفظ. " كان يقول: الحمد لله على كل حال، رب أعوذ بك من حال أهل النار ". وهذا ضعيف أيضا، قال في " الزوائد ": " موسى بن عبيدة ضعيف، وشيخه محمد بن ثابت مجهول ". قلت: وقد اختلط بعض هذا الحديث من هذه الطريق بحديث عائشة في " الجامع الصغير " للسيوطي، فإنه أورد حديث عائشة فيه من رواية ابن ماجه بزيادة في آخره وهي " رب أعوذ بك من حال أهل النار "! وتبعه على ذلك بعض المعلقين على كتاب " الكلم الطيب " لابن تيمية! والسبب في ذلك أن حديث أبي هريرة عند ابن ماجه عقب حديث عائشة، فاختلط على السيوطي حديث بحديث، فوجب التنبيه على ذلك. بقي شيء واحد، وهو هل يصلح حديث الرقاشي شاهدا لهذا الحديث؟ ذلك مما أنا متوقف فيه الآن، ويخيل إلي أن للحديث شاهدا أو طريقا آخر ولكن لم يحضرني الساعة، فنظرة إلى ميسرة.

стр. 529

٢٦٦ - " اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك ". أخرجه الترمذي (٤ / ٢٧٦) والحاكم (١ / ٥٣٨) وأحمد (١ / ١٥٣) عن عبد الرحمن بن إسحاق القرشي عن سيار أبي الحكم عن أبي وائل قال: " أتى عليا رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني عجزت عن مكاتبتي فأعني، فقال علي ﵁: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله ﷺ لو كان عليك مثل جبل صير دنانير لأداه الله عنك؟ قلت: بلى، قال: قل " فذكره. وقال الترمذي: " حديث حسن غريب ". وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. قلت: والصواب أنه حسن الإسناد، كما قال الترمذي، فإن عبد الرحمن بن إسحاق هذا وهو عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة العامري القرشي مولاهم مختلف فيه، وقد وثقه ابن معين والبخاري. وقال أحمد:

стр. 530

" صالح الحديث ". وقال أبو حاتم: " يكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو قريب من ابن إسحاق صاحب المغازي، وهو حسن الحديث، وليس بثبت، وهو أصلح من الواسطي ". وقال النسائي وابن خزيمة: " ليس به بأس ". وقال ابن عدي: " في حديثه بعض ما ينكر ولا يتابع عليه، وهو صالح الحديث كما قال أحمد ". وقال الدارقطني: " ضعيف ". وقال العجلي: " يكتب حديثه، وليس بالقوي ". ولخص ذلك الحافظ بقوله في " التقريب " " صدوق ". وقد أخرج له مسلم في " الشواهد ". وقد وقع اسمه في الترمذي " عبد الرحمن بن إسحاق " غير منسوب إلى قريش فظن شارحه المبارك فوري ﵀ أنه الواسطي الذي سبقت الإشارة إليه فقال: " هو الواسطي الكوفي المكنى بأبي شيبة ". قلت: وهو عبد الرحمن بن إسحاق بن سعد بن الحارث أبو شيبة الواسطي
следующие страницы →