Полный текст (6 550 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
أخرجه ابن السني أيضا (رقم ٧٣٦) ، ورجاله ثقات غير شيخه علي بن محمد ابن
عامر فلم أعرفه.
لكن يشهد له حديث محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
" كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع:
بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة ... " الحديث بالحرف الواحد، وزاد:
" قال: فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه،
ومن كان منهم صغيرا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه ".
أخرجه أبو داود (٢ / ٢٣٩) والحاكم (١ / ٥٤٨) وأحمد (٢ / ١٨١) واللفظ
له من طرق صحيحه عن ابن إسحاق به. ورواه الترمذي (٤ / ٢٦٦) من طريق إسماعيل
بن عياش عن محمد بن إسحاق به، بلفظ:
" إذا فزع أحدكم في النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة. الحديث بتمامه مع
الزيادة. وكذا أخرجه ابن السني (٧٤٥) من طريق يونس بن بكير عن محمد بن
إسحاق به. ثم قال الترمذي: " هذا حديث حسن غريب ".
قلت: لكن ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه في جميع الطرق عنه، وهذه الزيادة منكرة
عندي، لتفرده بها. والله أعلم.
وجملة القول: أن الحديث بهذا الشاهد حسن وقد علقه البخاري في " أفعال
العباد " (ص ٨٨ طبع الهند) : قال أحمد بن خالد حدثنا محمد بن إسحاق به مثل
لفظ ابن عياش.
стр. 527
٢٦٥ - " كان إذا رأى ما يحب قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما
يكرهه قال: الحمد لله على كل حال ".
أخرجه ابن ماجه (٢ / ٤٢٢) وابن السني (رقم ٣٧٢) والحاكم (١ / ٤٩٩) من
طريق الوليد بن مسلم حدثنا زهير بن محمد عن منصور بن عبد الرحمن عن أمه صفية
بنت شيبة عن عائشة قالت: فذكره.
وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ".
وأقره الذهبي فلم يتعقبه بشيء، وفي ذلك نظر، لأن زهير بن محمد هذا وهو
التميمي الخراساني ثم الشامي متكلم فيه.
فقال الحافظ في " التقريب ":
" رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة فضعف بسببها، قال البخاري عن أحمد: كأن
زهير الذي يروي عنه الشاميون آخر! وقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه فكثر
غلطه ".
قلت: وهذا من رواية الشاميين عنه وهو الوليد بن مسلم، ثم إن هذا كان يدلس
تدليس التسوية، ولم يصرح بالتحديث في بقية رجال السند، فهذه علة أخرى.
ومن ذلك تعلم خطأ تصحيح الحاكم إياه ومثله قول البوصيري في " الزوائد ":
" إسناده صحيح ورجاله ثقات "! ومثله قول النووي في " الأذكار " وإن أقره
شارحه ابن علان (٦ / ٢٧١) :
" رواه ابن ماجه وابن السني بإسناد جيد "!
كل ذلك ذهول عما بيناه من علة الحديث من هذا الوجه.
نعم وجدت للحديث شاهدا من رواية أبي هريرة بلفظ:
" كان لرسول الله ﷺ حمدان يعرفان: إذا جاءه ما يكره قال:
الحمد لله على
стр. 528
كل حال، وإذا جاءه ما يسره قال: الحمد لله رب العالمين الرحمن
الرحيم، بنعمته تتم الصالحات ".
أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (٣ / ١٥٧) من طريق الفضل الرقاشي عن محمد بن
المنكدر عن أبي هريرة. وقال:
" غريب من حديث محمد، والفضل الرقاشي، لم نكتبه إلا من هذا الوجه ".
قلت: وهو ضعيف من أجل الرقاشي هذا، وهو الفضل بن عيسى فإنه متفق على تضعيفه
وقال الحافظ في " التقريب ": " منكر الحديث ".
وقد رواه ابن ماجه (٢ / ٤٢٣) من طريق أخرى عن موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت
عن أبي هريرة مرفوعا مختصرا بلفظ.
" كان يقول: الحمد لله على كل حال، رب أعوذ بك من حال أهل النار ".
وهذا ضعيف أيضا، قال في " الزوائد ":
" موسى بن عبيدة ضعيف، وشيخه محمد بن ثابت مجهول ".
قلت: وقد اختلط بعض هذا الحديث من هذه الطريق بحديث عائشة في " الجامع الصغير
" للسيوطي، فإنه أورد حديث عائشة فيه من رواية ابن ماجه بزيادة في آخره وهي
" رب أعوذ بك من حال أهل النار "! وتبعه على ذلك بعض المعلقين على كتاب
" الكلم الطيب " لابن تيمية! والسبب في ذلك أن حديث أبي هريرة عند ابن ماجه
عقب حديث عائشة، فاختلط على السيوطي حديث بحديث، فوجب التنبيه على ذلك.
بقي شيء واحد، وهو هل يصلح حديث الرقاشي شاهدا لهذا الحديث؟ ذلك مما أنا
متوقف فيه الآن، ويخيل إلي أن للحديث شاهدا أو طريقا آخر ولكن لم يحضرني
الساعة، فنظرة إلى ميسرة.
стр. 529
٢٦٦ - " اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك ".
أخرجه الترمذي (٤ / ٢٧٦) والحاكم (١ / ٥٣٨) وأحمد (١ / ١٥٣) عن عبد
الرحمن بن إسحاق القرشي عن سيار أبي الحكم عن أبي وائل قال:
" أتى عليا رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني عجزت عن مكاتبتي فأعني، فقال
علي ﵁: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله ﷺ لو
كان عليك مثل جبل صير دنانير لأداه الله عنك؟ قلت: بلى، قال: قل " فذكره.
وقال الترمذي: " حديث حسن غريب ".
وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي.
قلت: والصواب أنه حسن الإسناد، كما قال الترمذي، فإن عبد الرحمن بن إسحاق
هذا وهو عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة العامري القرشي
مولاهم مختلف فيه، وقد وثقه ابن معين والبخاري.
وقال أحمد:
стр. 530
" صالح الحديث ".
وقال أبو حاتم: " يكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو قريب من ابن إسحاق صاحب
المغازي، وهو حسن الحديث، وليس بثبت، وهو أصلح من الواسطي ".
وقال النسائي وابن خزيمة: " ليس به بأس ".
وقال ابن عدي: " في حديثه بعض ما ينكر ولا يتابع عليه، وهو صالح الحديث
كما قال أحمد ".
وقال الدارقطني: " ضعيف ".
وقال العجلي: " يكتب حديثه، وليس بالقوي ".
ولخص ذلك الحافظ بقوله في " التقريب " " صدوق ".
وقد أخرج له مسلم في " الشواهد ".
وقد وقع اسمه في الترمذي " عبد الرحمن بن إسحاق " غير منسوب إلى قريش فظن
شارحه المبارك فوري ﵀ أنه الواسطي الذي سبقت الإشارة إليه فقال:
" هو الواسطي الكوفي المكنى بأبي شيبة ".
قلت: وهو عبد الرحمن بن إسحاق بن سعد بن الحارث أبو شيبة الواسطي
стр. 531
الأنصاري
ويقال: الكوفي ابن أخت النعمان بن سعد، فهذا ضعيف اتفاقا وليس هو راوي هذا
الحديث، فإنه أنصاري كما رأيت، والأول قرشي، والذي أوقع المبارك فوري في
ذلك الوهم أمور.
أولا: أنه لم ينسب قرشيا كما سبق.
ثانيا: أنهما من طبقة واحدة.
ثالثا: أنه رأى في ترجمته من " التهذيب " أنه روى عن سيار أبي الحكم وعنه
أبو معاوية، وهو كذلك في هذا الحديث. ولم ير مثل ذلك في ترجمة الأول.
ولكنه لو رجع إلى ترجمتها في " الجرح والتعديل " لوجد عكس ذلك تماما في سيار
فإنه ذكره في شيوخ الأول، لا في شيوخ هذا. فلو رأى ذلك لم يجزم بأنه الثاني
بل لتوقف، حتى إذا ما وقف على الزيادة التي وقفنا عليها في سنده وهي
(القرشي) إذن لجزم بما جزمنا نحن به وهو أنه العامري الحسن الحديث.
٢٦٧ - " من قال: اللهم إني أشهدك، وأشهد ملائكتك، وحملة عرشك، وأشهد من في
السموات ومن في الأرض أنك أنت الله، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك،
وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك، من قالها مرة أعتق الله ثلثه من النار، ومن
قالها مرتين أعتق الله ثلثيه من النار، ومن قالها ثلاثا أعتق الله كله من
النار ".
أخرجه الحاكم (١ / ٥٢٣) من طريق حميد بن مهران حدثنا عطاء عن أبي هريرة
﵁ قال: حدثنا سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: فذكره.
وقال: " صحيح الإسناد "، ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
وله شاهد من حديث أنس مرفوعا نحوه مقيدا بالصباح والمساء، وسنده ضعيف كما
بينته في " سلسلة الأحاديث الضعيفة " رقم (١٠٤١) .
стр. 532
٢٦٨ - " أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا، ثم قال: أول جيش من أمتي يغزون
مدينة قيصر مغفور لهم ".
أخرجه البخاري في " صحيحه " (٦ / ٧٧ - ٧٨) والحسن بن سفيان في " مسنده "
وعنه أبو نعيم في " الحلية " (٢ / ٦٢) والطبراني في " مسند الشاميين " عن
يحيى بن حمزة قال: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان أن عمير بن الأسود
العنسي حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل في ساحل حمص وهو في بناء له
ومعه أم حرام، قال عمير: فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي صلى الله عليه
وسلم يقول: فذكره، وفيه بعد قوله " قد أوجبوا ": " قالت أم حرام: قلت: يا
رسول الله أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم " وبعد قوله " مغفور لهم ": " فقلت:
أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا ".
وتابعه أيوب بن حسان الجرشي حدثنا ثور بن يزيد به.
٢٦٩ - " من تعزى بعزى الجاهلية، فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا ".
رواه البخاري في " الأدب المفرد " (٩٦٣، ٩٦٤) والنسائي في " السير " من
" السنن الكبرى " له (١ / ٣٦ / ١ - ٢) وأحمد في " المسند " (٥ / ١٣٦)
وأبو عبيد في " غريب الحديث " (ق ٢٢ / ٢ و ٥٣ / ١) وابن مخلد في
" الفوائد " (ق ٣ / ١) والهيثم بن كليب في " مسنده " (ق ١٨٧ / ١)
والطبراني في " المعجم الكبير " (ق ٢٧ / ٢) والبغوي في " شرح السنة "
(٤ / ٩٩ / ٢) والضياء المقدسي في
стр. 533
" الأحاديث المختارة " (١ / ٤٠٧) من طرق
عن الحسن عن عتي بن ضمرة السعدي عن أبي بن كعب أنه سمع رجلا يقول:
يال فلان! فقال له: اعضض بهن أبيك، ولم يكن، فقال له: يا أبا المنذر ما
كنت فحاشا، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات، فهو صحيح إن كان الحسن سمعه من عتي بن ضمرة،
فإنه كان مدلسا وقد عنعنه، وقد رواه ابن السني (٤٢٧) من طريق سعيد بن بشير
عن قتادة عن الحسن عن مكحول عن عجر بن مدراع التميمي قال: يا آل تميم - وكان
من بني تميم، فقال وهو عند أبي بن كعب - فقال أبي: أعضك الله بهن أبيك.
الحديث نحوه.
فهذا خلاف السند الأول، وذاك أصح لأن هذا فيه سعيد بن بشير، وفيه ضعف
ولعله وهم فيه، وإلا فيكون للحسن فيه إسنادان عن أبي.
وقد وجدت للحديث إسنادا آخر عن أبي فقال عبد الله بن أحمد (٥ / ١٣٣) :
حدثنا محمد بن عمرو بن العباس الباهلي حدثنا سفيان عن عاصم عن أبي عثمان عن أبي
﵁ أن رجلا اعتزى فأعضه أبي بهن أبيه، فقالوا: ما كنت فحاشا،
قال: إنا أمرنا بذلك.
ومن طريق عبد الله رواه الضياء في " المختارة " (١ / ٤٠٥) .
قلت: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير محمد بن عمرو وهو ثقة
كما قال أبو داود وغيره، وعاصم هو ابن سليمان الأحول، وسفيان هو ابن عيينة.
(تنبيه) لم يقع (أبي) منسوبا في " الأدب المفرد " فكان ذلك سببا لغفلة
стр. 534
عجيبة من المعلق عليه محمد فؤاد عبد الباقي ﵀، فإن لفظه فيه " ... عن
عتي بن ضمرة قال: رأيت عند أبي رجلا تعزى ... ". فظن المذكور أن لفظة " أبي "
بفتح الهمزة بإضافة ياء النسبة إلى لفظ " الأب " أي أبي المتكلم عتي بن ضمرة،
فيكون على ذلك أبوه ضمرة صحابي الحديث، فقال في تعليقه عليه:
" ليس لهذا الصحابي ذكر عندي "!
وإنما هو (أبي) بضم الهمزة وهو أبي بن كعب الصحابي المشهور.
وقد عمل بهذا الحديث الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ فقال:
" من اعتز بالقبائل فأعضوه، أو فأمصوه ".
رواه ابن أبي شيبة كما في " الجامع الكبير " (٣ / ٢٣٥ / ٢) .
٢٧٠ - " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ".
الرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (٦ / ١) حدثنا الحسن بن عثمان التستري حدثنا
أحمد بن أبي سريج الرازي حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة
стр. 535
عن قتادة عن
مطرف عن عمران بن حصين مرفوعا به. وزاد في آخره:
" قال يزيد بن هارون: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم؟ ".
قلت: وهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات من رجال الصحيح غير التستري وليس بثقة،
فاتهم بالكذب وسرقة الحديث، لكن يظهر أن للحديث أصلا من غير طريقه، فقد ذكره
السيوطي في " الجامع الكبير " (١ / ٣٤١ / ١) من رواية ابن قانع وابن عساكر
والضياء المقدسي في " المختارة " عن قتادة عن أنس، ثم قال:
" قال البخاري: هذا خطأ، إنما هو قتادة عن مطرف عن عمران ".
قلت: فهذا نص من البخاري على أن الحديث محفوظ من حديث عمران ابن حصين.
واعلم أن الحديث صحيح ثابت مستفيض عن جماعة من الصحابة:
١ - معاوية بن أبي سفيان. عند الشيخين وأحمد.
٢ - المغيرة بن شعبة. عندهما.
٣ - ثوبان مولى رسول الله ﷺ . عند مسلم والترمذي وابن ماجه
وأحمد (٥ / ٢٧٨، ٢٧٩) وأبي داود في " الفتن " والحاكم (٤ / ٤٤٩) .
٤ - عقبة بن عامر. عند مسلم.
٥ - قرة المزني. في " المسند " (٣ / ٤٣٦ و ٥ / ٣٤) بسند صحيح وصححه الترمذي
٦ - أبو أمامة. في " المسند " (٥ / ٢٦٩) .
٧ - عمران بن حصين. عند أحمد أيضا (٥ / ٤٢٩، ٤٣٧) من طرق أخرى عن حماد
ابن سلمة به دون الزيادة. وكذا رواه أبو داود في أول " الجهاد " والحاكم
(٤ / ٤٥٠) وصححه ووافقه الذهبي.
стр. 536
٨ - عمر بن الخطاب. في " المستدرك " (٤ / ٤٤٩) وصححه ووافقه الذهبي.
فالحديث صحيح قطعا، وإنما أوردته من أجل هذه الزيادة، وقد عرفت أن سندها
إلى يزيد بن هارون ضعيف، وبهذا الإسناد رواه أبو بكر الخطيب في كتابه
" شرف أصحاب الحديث " (ق / ٣٤ / ١) . وقد عزاها الحافظ في " الفتح "
(١٣ / ٢٤٩ / بولاق) إلى الحاكم في " علوم الحديث "، وما أظنه إلا وهما،
فإني قد بحثت عنها فيه، فلم أجدها، وإنما وجدت عنده ما يأتي عن الإمام أحمد.
بيد أن هذه الزيادة معروفة وثابتة عن جماعة من أهل الحديث من طبقة يزيد
ابن هارون وغيرها، وهم:
١ - عبد الله بن المبارك (١١٨ - ١٨١) ، فروى الخطيب بسنده عن سعيد ابن يعقوب
الطالقاني أو غيره قال:
" ذكر ابن المبارك حديث النبي ﷺ : لا تزال طائفة ... قال ابن
المبارك: هم عندي أصحاب الحديث ".
٢ - علي بن المديني (١٦١ - ٢٣٤) ، وروى الخطيب أيضا من طريق الترمذي وهذا
في " سننه " (٢ / ٣٠) وقد ساق الحديث من رواية المزني المتقدمة (رقم ٥)
ثم قال:
стр. 537
" قال محمد بن إسماعيل (هو البخاري) قال علي بن المديني: هم أصحاب الحديث "
٣ - أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١) ، روى الحاكم في " معرفة علوم الحديث " (ص ٢)
والخطيب بإسنادين، صحح أحدهما الحافظ ابن حجر عن الإمام أحمد أنه سئل عن معنى
هذا الحديث فقال:
" إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث، فلا أدري من هم ".
وروى الخطيب (٣٣ / ٣) مثل هذا في تفسير الفرقة الناجية.
٤ - أحمد بن سنان الثقة الحافظ ( ... - ٢٥٩) روى الخطيب عن أبي حاتم قال:
سمعت أحمد بن سنان وذكر حديث " لا تزال طائفة من أمتي على الحق " فقال: هم
أهل العلم وأصحاب الآثار.
٥ - البخاري محمد بن إسماعيل (١٩٤ - ٢٥٦) ، روى الخطيب عن إسحاق بن أحمد
قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري - وذكر حديث موسى بن عقبة عن أبي الزبير
عن جابر عن النبي ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي "، فقال
البخاري: يعني أصحاب الحديث. وقال في " صحيحه " وقد علق الحديث وجعله
بابا: " وهم أهل العلم " ولا منافاة بينه وبين ما قبله كما هو ظاهر، لأن
أهل العلم هم أهل الحديث، وكلما كان المرء أعلم بالحديث كان أعلم في العلم
ممن هو دونه في الحديث كما لا يخفى. وقال في كتابه " خلق أفعال العباد "
(ص ٧٧ - طبع الهند) وقد ذكر بسنده حديث أبي سعيد الخدري في قوله تعالى
(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا
стр. 538
شهداء على الناس) قال البخاري:
" هم الطائفة التي قال النبي ﷺ : " فذكر الحديث.
وقد يستغرب بعض الناس تفسير هؤلاء الأئمة للطائفة الظاهرة والفرقة الناجية
بأنهم أهل الحديث، ولا غرابة في ذلك إذا تذكرنا ما يأتي.
أولا: أن أهل الحديث هم بحكم اختصاصهم في دراسة السنة وما يتعلق من معرفة
تراجم الرواة وعلل الحديث وطرقه أعلم الناس قاطبة بسنة نبيهم صلى الله عليه
وسلم وهديه وأخلاقه وغزواته وما يتصل به ﷺ .
ثانيا: أن الأمة قد انقسمت إلى فرق ومذاهب لم تكن في القرن الأول، ولكل
مذهب أصوله وفروعه، وأحاديثه التي يستدل بها ويعتمد عليها. وأن المتمذهب
بواحد منها يتعصب له ويتمسك بكل ما فيه، دون أن يلتفت إلى المذاهب الأخرى
وينظر لعله يجد فيها من الأحاديث ما لا يجده في مذهبه الذي قلده، فإن من
الثابت لدى أهل العلم أن في كل مذهب من السنة والأحاديث ما لا يوجد في المذهب
الآخر، فالمتمسك بالمذهب الواحد يضل ولابد عن قسم عظيم من السنة المحفوظة لدى
المذاهب الأخرى، وليس على هذا أهل الحديث فإنهم يأخذون بكل حديث صح إسناده،
في أي مذهب كان، ومن أي طائفة كان راويه ما دام أنه مسلم ثقة، حتى لو كان
شيعيا أو قدريا أو خارجيا فضلا عن أن يكون حنفيا أو مالكيا أو غير ذلك، وقد
صرح بهذا الإمام الشافعي ﵁ حين خاطب الإمام أحمد بقوله:
" أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا جاءكم الحديث صحيحا فأخبرني به حتى أذهب إليه
سواء كان حجازيا أم كوفيا أم مصريا " فأهل الحديث - حشرنا الله معهم - لا
يتعصبون لقول شخص معين مهما علا
стр. 539
وسما حاشا محمد ﷺ ، بخلاف
غيرهم ممن لا ينتمي إلى الحديث والعمل به، فإنهم يتعصبون لأقوال أئمتهم -
وقد نهوهم عن ذلك - كما يتعصب أهل الحديث لأقوال نبيهم! ! فلا عجب بعد هذا
البيان أن يكون أهل الحديث. هم الطائفة الظاهرة والفرقة الناجية. بل والأمة
الوسط، الشهداء على الخلق.
ويعجبني بهذا الصدد قول الخطيب البغدادي في مقدمة كتابه " شرف أصحاب الحديث "
انتصارا لهم وردا على من خالفهم:
" ولو أن صاحب الرأي المذموم شغل بما ينفعه من العلوم، وطلب سنن رسول رب
العالمين، واقتفى آثار الفقهاء والمحدثين، لوجد في ذلك ما يغنيه عن سواه،
واكتفي بالأثر عن رأيه الذي يراه، لأن الحديث يشتمل على معرفة أصول التوحيد
وبيان ما جاء من وجوه الوعد والوعيد، وصفات رب العالمين - تعالى عن مقالات
الملحدين - والإخبار عن صفة الجنة والنار، وما أعد الله فيها للمتقين
والفجار، وما خلق الله في الأرضين والسماوات وصنوف العجائب وعظيم الآيات
وذكر الملائكة المقربين، ونعت الصافين والمسبحين.
وفي الحديث قصص الأنبياء وأخبار الزهاد والأولياء ومواعظ البلغاء، وكلام
الفقهاء، وسير ملوك العرب والعجم، وأقاصيص المتقدمين من الأمم، وشرح
مغازي الرسول ﷺ ، وسراياه، وجمل أحكامه وقضاياه، وخطبه
وعظاته، وأعلامه ومعجزاته، وعدة أزواجه وأولاده، وأصهاره وأصحابه،
وذكر فضائلهم ومآثرهم، وشرح أخبارهم ومناقبهم، ومبلغ أعمارهم، وبيان
أنسابهم.
وفيه تفسير القرآن العظيم، وما فيه من النبأ والذكر الحكيم، وأقاويل
الصحابة في الأحكام المحفوظة عنهم، وتسمية من ذهب إلى قول كل واحد منهم،
من الأئمة الخالفين، والفقهاء المجتهدين.
وقد جعل الله أهله أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله
في خليقته، والواسطة بين النبي ﷺ وأمته، والمجتهدون في
حفظ ملته، أنوارهم
стр. 540
زاهرة، وفضائلهم سائرة، وآياتهم باهرة، ومذاهبهم
ظاهرة، وحججهم قاهرة. وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه، وتستحسن رأيا
تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث، فإن الكتاب عدتهم، والسنة حجتهم، والرسول
فئتهم، وإليه نسبتهم، لا يعرجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء.
يقبل منهم ما رووا عن الرسول، وهم المأمونون عليه العدول. حفظة الدين
وخزنته، وأوعية العلم وحملته، إذا اختلف في حديث كان إليهم الرجوع، فما
حكموا به فهو المقبول المسموع. منهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد
في قبيلة، ومخصوص بفضيلة، وقارىء متقن، وخطيب محسن. وهم الجمهور العظيم
وسبيلهم السبيل المستقيم، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير
مذاهبهم لا يتجاسر، من كادهم قصمهم الله، ومن عاندهم خذله الله، لا يضرهم
من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم، المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وبصر
الناظر بالسوء إليهم حسير، وإن الله على نصرهم لقدير. (ثم ساق الحديث من
رواية قرة ثم روى بسنده عن علي بن المديني أنه قال: هم أهل الحديث والذين
يتعاهدون مذاهب الرسول، ويذبون عن العلم لولاهم لم تجد عند المعتزلة
والرافضة والجهمية وأهل الإرجاء والرأي شيئا من السنن: قال الخطيب) فقد
جعل رب العالمين الطائفة المنصورة حراس الدين، وصرف عنهم كيد العاندين،
لتمسكهم بالشرع المتين، واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين، فشأنهم حفظ
الآثار، وقطع المفاوز والقفار، وركوب البراري والبحار في اقتباس ما شرع
الرسول المصطفى، لا يعرجون عنه إلى رأي ولا هوى. قبلوا شريعته قولا وفعلا،
وحرسوا سنته حفظا ونقلا، حتى ثبتوا بذلك أصلها، وكانوا أحق بها وأهلها،
وكم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها، والله تعالى يذب بأصحاب
الحديث عنها، فهم الحفاظ
стр. 541
لأركانها، والقوامون بأمرها وشأنها، إذا صدف
عن الدفاع عنها، فهم دونها يناضلون، أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم
المفلحون ".
ثم ساق الخطيب رحمه الله تعالى الأبواب التي تدل على شرف أصحاب الحديث وفضلهم
لا بأس من ذكر بعضها، وإن طال المقال، لتتم الفائدة، لكني أقتصر على أهمها
وأمسها بالموضوع:
١ - قوله ﷺ : نضر الله امرءا سمع منا حديثا فبلغه.
٢ - وصية النبي ﷺ بإكرام أصحاب الحديث.
٣ - قول النبي ﷺ : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله.
٤ - كون أصحاب الحديث خلفاء الرسول ﷺ في التبليغ عنه.
٥ - وصف الرسول ﷺ إيمان أصحاب الحديث.
٦ - كون أصحاب الحديث أولى الناس بالرسول ﷺ لدوام صلاتهم عليه
٧ - بشارة النبي ﷺ أصحابه بكون طلبة الحديث بعده واتصال
الإسناد بينهم وبينه.
٨ - البيان أن الأسانيد هي الطريق إلى معرفة أحكام الشريعة.
٩ - كون أصحاب الحديث أمناء الرسل صلى الله عليهم وسلم لحفظهم السنن وتبيينهم
لها.
١٠ - كون أصحاب الحديث حماة الدين بذبهم عن السنن.
١١ - كون أصحاب الحديث ورثة الرسول ﷺ ما خلفه من السنة
وأنواع الحكمة.
١٢ - كونهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
١٣ - كونهم خيار الناس.
١٤ - من قال: إن الأبدال والأولياء أصحاب الحديث.
стр. 542
١٥ - من قال: لولا أهل الحديث لا ندرس الإسلام.
١٦ - كون أصحاب الحديث أولى الناس بالنجاة في الآخرة، وأسبق الخلق إلى الجنة
١٧ - اجتماع صلاح الدنيا والآخرة في سماع الحديث وكتبه.
١٨ - ثبوت حجة صاحب الحديث.
١٩ - الاستدلال على أهل السنة بحبهم أصحاب الحديث.
٢٠ - الاستدلال على المبتدعة ببغض الحديث وأهله.
٢١ - من جمع بين مدح أصحاب الحديث وذم أهل الرأي والكلام الخبيث.
٢٢ - من قال: طلب الحديث من أفضل العبادات.
٢٣ - من قال: رواية الحديث أفضل من التسبيح.
٢٤ - من قال: التحديث أفضل من صلاة النافلة.
٢٥ - من تمنى رواية الحديث من الخلفاء ورأى أن المحدثين أفضل العلماء.
هذه هي أهم أبواب الكتاب وفصوله. أسأل الله تعالى أن ييسر له من يقوم بطبعه
من أنصار الحديث وأهله، حتى يسوغ لمثلي أن يحيل عليه من شاء التفصيل في معرفة
ما جاء في هذه الفصول الرائعة من الأحاديث والنقول عن الأئمة الفحول!
وأختم هذه الكلمة بشهادة عظيمة لأهل الحديث من عالم من كبار علماء الحنفية في
الهند، ألا وهو أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي (١٢٦٤ - ١٣٠٤)
قال ﵀:
" ومن نظر بنظر الإنصاف، وغاص في بحار الفقه والأصول متجنبا الاعتساف،
يعلم علما يقينيا أن أكثر المسائل الفرعية والأصلية التي اختلف العلماء فيها،
فمذهب المحدثين فيها أقوى من مذاهب غيرهم، وإني كلما أسير في شعب الاختلاف
أجد
стр. 543
قول المحدثين فيه قريبا من الإنصاف، فلله درهم، وعليه شكرهم (كذا) كيف
لا وهم ورثة النبي ﷺ حقا، ونواب شرعه صدقا، حشرنا الله في
زمرتهم، وأماتنا على حبهم وسيرتهم ".
٢٧١ - " يا أيها الناس ابتاعوا أنفسكم من الله من مال الله، فإن بخل أحدكم أن يعطي
ماله للناس فليبدأ بنفسه، وليتصدق على نفسه فليأكل وليكتس مما رزقه الله
".
أخرجه الخرائطي في " مكارم الأخلاق " (٥٤) : حدثنا حماد بن الحسن الوراق
حدثنا حبان بن هلال حدثنا سليم بن حيان حدثنا حميد بن هلال عن أبي قتادة
قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره.
قلت: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير سليم بن حيان وقد وثقه
أحمد وابن معين وغيرهما وترجمته في " الجرح والتعديل " (٢ / ١ / ٣١٤) .
стр. 544
٢٧٢ - " قال الله تعالى " إذا ابتليت عبدي المؤمن، ولم يشكني إلى عواده أطلقته من
أساري، ثم أبدلته لحما خيرا من لحمه، ودما خيرا من دمه، ثم يستأنف العمل ".
أخرجه الحاكم في " المستدرك " (١ / ٣٤٩) ومن طريقه البيهقي في " سننه "
(٣ / ٣٧٥) من طريق أبي بكر الحنفي حدثنا عاصم بن محمد بن زيد عن سعيد ابن أبي
سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله ﷺ : فذكره.
وقال: " صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ".
ووافقه الذهبي في " تلخيصه ".
وأما في " المهذب " وهو مختصر سنن البيهقي، فأشار إلى أن له علة، فقال:
" لم يخرجه الستة، لعلته ".
وكأنه يريد بها الوقف، فقد أخرجه البيهقي عقب هذا المرفوع من طريق أبي صخر
حميد بن زياد أن سعيد المقبري حدثه قال: سمعت أبا هريرة يقول:
" قال الله : أبتلي عبدي المؤمن، فإذا لم يشك إلى عواده ذلك، حللت
عنه عقدي، وأبدلته دما خيرا من دمه، ولحما خيرا من لحمه، ثم قلت له:
أئتنف العمل ".
قلت: ورجاله ثقات رجال مسلم إلا أن أبا صخر هذا فيه كلام من قبل حفظه، وفي
" التقريب ": " صدوق يهم ".
стр. 545
قلت: فمثله حسن الحديث، لكنه لا يصلح لمعارضة الرواية المرفوعة، لأن رواتها
كلهم ثقات لا مغمز فيهم، فإما أن يقال: إن أبا صخر وهم في وقفه والصواب
المرفوع، وإما أن يقال: إن أبا هريرة كان يرفعه تارة، ويوقفه أخرى، وكل
حفظ ما وصل إليه، والرفع لا يعارض الوقف، ولاسيما وهو في حكم المرفوع.
لكن وجدت له علة أخرى غريبة، فقد قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح علل
الترمذي آخر السنن (٢٠٦ / ١) .
" قاعدة مهمة: حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم
للرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث
فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك، وهذا مما لا يعبر عنه
بعبارة مختصرة، وإنما يرجع فيه أهله إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها
عن سائر أهل العلم، كما سبق ذكره في غير موضع، فمن ذلك ... " ثم ذكر أمثلة
كثيرة، بعضها مسلم، وبعضها غير مسلم، ومن ذلك هذا الحديث مع وهمه في عزوه
فقال (٢٠٧ / ١ - ٢) :
" ومن ذلك أن مسلما خرج في " صحيحه " (!) عن القواريري عن أبي بكر الحنفي عن
عاصم بن محمد العمري: حدثنا سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة (فذكر الحديث
ثم قال:) قال الحافظ أبو الفضل بن عمار الهروي الشهيد:
هذا حديث منكر، وإنما رواه عاصم بن محمد عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه
وعبد الله بن سعيد شديد الضعف، قال يحيى القطان: ما رأيت أحدا أضعف منه.
ورواه معاذ بن معاذ عن عاصم بن محمد عن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة
وهو يشبه أحاديث عبد الله بن سعيد. انتهى ".
قلت: معاذ بن معاذ وهو العنبري، وأبو بكر الحنفي واسمه: عبد الكبير
ابن عبد المجيد كلاهما ثقة محتج به في " الصحيحين "، فلا أرى استنكار حديث هذا
برواية ذاك بدون حجة ظاهرة، سوى دعوى أن حديثه يشبه أحاديث عبد الله ابن سعيد
стр. 546
الواهي! فإن هذه المشابهة إن كانت كافية لإقناع من كان من النقاد الحذاق فليس
ذلك بالذي يكفي لاقناع الآخرين الذين قنعوا بصدق الراوي وحفظه وضبطه، ثم لم
يشعروا بذلك الشبه، أو شعروا به، ولكن لم يروا من الصواب في شيء جعله علة
قادحة يستنكر الحديث من أجلها، ويسلم للقادح بها مع مخالفته لقاعدة أخرى هي
أهم وأقوى من القاعدة التي بنى ابن رجب عليها رد هذا الحديث وهي أن زيادة
الثقة مقبولة. ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وما المانع أن يكون الحديث قد
رواه عن أبي سعيد المقبري كل من ولديه: سعيد الثقة، وعبد الله الضعيف، وأن
عاصما أخذ الحديث عنهما كليهما، فكان يرويه تارة عن سعيد فحفظه عنه أبو بكر
الحنفي، وتارة عن عبد الله فحفظه معاذ بن معاذ؟ ! لا يوجد قطعا ما يمنع من
القول بهذا، بل هو أمر لابد منه، للمحافظة على القاعدة التي ذكرناها، لقوتها
واضطرادها، بخلاف القاعدة الأخرى فإنها غير مضطردة ولا هي منضبطة كما لا
يخفى عمن له فهم وعلم في هذا الفن الشريف، فإن كون الحديث الثقة مشابها لحديث
الضعيف، لا يوجد في العلم الصحيح ما يدل على أن حديث حديث الضعيف، وأن الثقة
وهم فيه، إذ قد يروي الضعيف ما يشبه أحاديث الثقات على قاعدة
" صدقك وهو كذوب "، فكيف يجوز مع ذلك أن نرد حديث الثقة لمجرد مشابهته لحديث
الضعيف؟ ! بل العكس هو الصواب: أن نقبل من حديث الضعيف ما يشبه حديث الثقة
ويوافقه. بل إن الراوي المجهول حفظه وضبطه لا يعرف ذلك منه إلا بعرضه على
أحاديث الثقات، فما وافقها من حديثه قبل، وما عارضه وخالفه ترك. وهذا علم
معروف في " مصطلح الحديث ".
ومما يؤيد صحة هذا الحديث، وأن أبا بكر الحنفي قد حفظه، وليس هو من حديث
عبد الله بن سعيد وحده، أن الإمام مالك قال في " الموطأ " (٢ / ٩٤٠ / ٥) :
" عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: إذا
مرض العبد بعث الله تعالى إليه ملكين، فقال: انظروا ماذا يقول لعواده، فإن
هو إذا جاؤوه حمد
стр. 547
الله وأثنى عليه، رفعا ذلك إلى الله وهو أعلم -
فيقول: لعبدي علي إن توفيته أن أدخله الجنة، وإن أنا شفيته أن أبدل له لحما
خيرا من لحمه، ودما خيرا من دمه، وأن أكفر عنه سيئاته ".
وهذا سند مرسل صحيح، فهو شاهد قوي لحديث أبي بكر الحنفي الموصول والحمد لله
على توفيقه.
ثم رأيته موصولا عن مالك، أخرجه أبو الحسين الأبنوسي في " جزء فيه فوائد عوال
حسان منتقاة غرائب " (٣ / ٢) : أخبرنا علي (هو الدارقطني) قال: حدثنا
أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث إملاء سنة ست عشرة وثلاثمائة قال:
حدثنا علي بن محمد الزياداباذي قال: حدثنا معن بن عيسى قال: حدثنا مالك عن
سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: وقال: " قال الدارقطني: تفرد به علي بن محمد عن معن عن مالك، وما
نكتبه إلا عن ابن أبي داود ".
قلت: لكن الزباداباذي هذا كأنه مجهول، فقد أورده السمعاني في هذه النسبة،
وذكر أنه روى عنه جماعة (وفي النسخة سقط) ولم يحك فيه جرحا ولا تعديلا.
وأورده في " الميزان " وتبعه في " اللسان " من أجل هذا الحديث وقال:
" وأشار الدارقطني في " غرائب مالك " إلى لينه. وأنه تفرد عن معن عن مالك به
وقال: إنما هو في " الموطأ " بسند منقطع عن غير سهيل ".
٢٧٣ - " أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وبيت في وسط
الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلق ".
رواه أبو داود في سننه (٤٨٠٠) : حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي أبو الجماهر
قال: حدثنا أبو كعب أيوب بن محمد السعدي قال:
стр. 548
حدثني سليمان بن حبيب المحاربي
عن أبي أمامة مرفوعا.
قلت: وهذا سند رجاله ثقات معروفون غير أيوب بن محمد السعدي، كذا وقع في
رواية أبي داود، قال الحافظ في " التهذيب ":
" ورواه أبو زرعة الدمشقي ويزيد بن محمد بن عبد الصمد، وهارون بن أبي جميل
وأبو حاتم وغيرهم عن أبي الجماهر فقالوا: " أيوب بن موسى ". قال ابن عساكر
: وهو الصواب ".
قلت: رواية هارون بن أبي جميل، أخرجها ابن عساكر في ترجمته من " تاريخ دمشق "
(١٧ / ٤٩٣ / ١) لكن وقع في نسختنا منه " حدثنا أبو أيوب بن موسى " فالظاهر
أنه سقط منها " كعب " فإنه أبو كعب أيوب بن موسى.
وفي اسمه اختلاف آخر، فقد رواه الدولابي في " الكنى " (٢ / ١٣٣) هكذا:
حدثنا عبد الصمد بن عبد الوهاب - صعيد - قال: حدثنا محمد بن عثمان أبو الجماهر
قال: حدثنا أبو موسى كعب السعدي عن سليمان بن حبيب - دون الفقرة الوسطى وليس
هذا خطأ مطبعيا أو من بعض النساخ، فإن الدولابي أورده في " باب من كنيته موسى
" ثم سرد من يكنى بذلك من الرواة فقال " ... وأبو موسى كعب السعدي عن سليمان
بن حبيب، روى عنه محمد بن عثمان أبو الجماهر ".
وعلى كل حال فالصواب كما قال ابن عساكر " أيوب بن موسى " لاتفاق الجماعة عليه
ثم هو قد أورده الذهبي في " الميزان " فقال:
" روى عنه أبو الجماهر وحده لكنه وثقه ".
قلت: وسكت عنه ابن أبي حاتم (١ / ١ / ٢٥٨) وقال الحافظ في " التقريب ":
" صدوق ".
стр. 549
ولا يطمئن القلب لذلك لتفرد أبي الجماهر عنه، بل هو بوصف الجهالة
أولى كما تقتضيه القواعد الحديثية أن الراوي لا ترتفع عنه الجهالة برواية
الواحد.
لكن للحديث شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن على أقل الأحوال. فمنها حديث
ابن عباس ولفظه:
" أنا الزعيم ببيت في رياض الجنة، وبيت في أعلاها، وبيت في أسفلها، لمن
ترك الجدل وهو محق، وترك الكذب وهو لاعب، وحسن خلقه ".
رواه الطبراني في " المعجم الكبير " (٣ / ١١٦ / ١) من طريق سويد أبي حاتم،
أنبأنا عبد الملك - رواية عطاء - عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا.
قلت: وهذا سند ضعيف من أجل سويد هذا وهو ابن إبراهيم، أورده الذهبي في
" الضعفاء " وقال:
" ضعفه النسائي ". وقال الحافظ في " التقريب ".
" صدوق سيء الحفظ، له أغلاط، وقد أفحش ابن حبان فيه القول ".
وقال الهيثمي بعد أن عزاه للطبراني (٨ / ٢٣) :
" وفيه أبو حاتم سويد بن إبراهيم ضعفه الجمهور، ووثقه ابن معين، وبقية
رجاله رجال الصحيح ".
قلت: لو قال: " ووثقه ابن معين في رواية " لكان أقرب إلى الصواب فقد قال
أبو داود: " سمعت يحيى بن معين يضعفه ".
فابن معين في هذه الرواية يلتقي مع الجمهور، فهي أولى بالقبول.
وأما قول الهيثمي في مكان آخر (١ / ١٥٧) :
" وإسناده حسن إن شاء الله تعالى ".
فتساهل منه لا يخفى،
стр. 550
بل إن هذا الحديث ليدل على ضعفه، فإنه قد خلط في هذا
الحديث وأفسد معناه، فإن المعروف في حديث غيره توزيع هذه المنازل الثلاث،
على ثلاثة أشخاص، وفي ذلك أحاديث عن أبي أمامة وأنس بن مالك وقد اتفقا على
أن البيت الذي في أعلى الجنة لمن حسن خلقه، على خلاف هذا، فإنه جعل له البيت
الذي في أسفلها، هذا إن اعتبرنا الترتيب المذكور فيه من قبيل لف ونشر مرتب.
ثم اختلف الحديثان المشار إليهما في البيتين الآخرين فحديث أبي أمامة جعل البيت
في ربض الجنة لمن ترك المراء وهو محق، والبيت في وسطها لمن ترك الكذب،
وعكس ذلك حديث أنس، فأردنا أن نرجح أحدهما على الآخر بشاهد، فلم نجد أصلح من
هذا إسنادا، وقد علمت ما في متنه من الفساد في المعنى.
نعم وجدنا حديثا آخر يصلح شاهدا لحديث أبي أمامة، وهو ما أخرجه الطبراني في
" المعجم الصغير " (ص ١٦٦) وفي المعجمين الآخرين من طريق محمد بن الحصين
القصاص، حدثنا عيسى بن شعيب عن روح بن القاسم عن زيد بن أسلم عن مالك بن عامر
عن معاذ بن جبل مرفوعا بلفظ:
" أنا زعيم ببيت في ربض الجنة، وبيت في وسط الجنة، وبيت في أعلى الجنة لمن
ترك المراء وإن كان محقا، وترك الكذب وإن كان مازحا، وحسن خلقه ".
وقال الطبراني:
" لم يروه عن روح إلا عيسى تفرد به ابن الحصين ".
قلت: ولم أجد من ترجمه.
وعيسى بن شعيب وهو النحوي قال الحافظ في " التقريب ".
" صدوق له أوهام ".
وقال الهيثمي في " المجمع " (٨ / ٢٣) :
" رواه الطبراني في الثلاثة والبزار، وفي إسناد الطبراني محمد بن الحصين
стр. 551
ولم أعرفه، والظاهر أنه التميمي وهو ثقة، وبقية رجاله ثقات ".
قلت: وما استظهره بعيد عندي، فإن ابن الحصين هذا في طبقة الإمام أحمد،
وأما التميمي فمن أتباع التابعين، جعله الحافظ من الطبقة السادسة التي عاصرت
الطبقة الخامسة من صغار التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة،
بخلاف السادسة فلم يثبت لهم لقاء أحد منهم.
وقوله في التميمي: إنه ثقة. فيه تساهل، لأنه لم يوثقه غير ابن حبان، وهو
معروف بتساهله في التوثيق، أضف إلى ذلك أن الدارقطني خالفه، فقال: " مجهول "
وهو الذي اعتمده الحافظ في " التقريب ".
وجملة القول أن هذا الإسناد ضعيف، ولكن ليس شديد الضعف، فيصلح شاهدا لحديث
أبي أمامة، فيرتقي به إلى درجة الحسن. والله أعلم.
٢٧٤ - " أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة، تنفي الناس، كما
ينفي الكير خبث الحديد ".
أخرجه البخاري (٤ / ٦٩ - ٧٠) ومسلم (٩ / ١٥٤) ومالك (٣ / ٨٤ - ٨٥)
والطحاوي في " مشكل الآثار " (٢ / ٢٣٢ - ٢٣٣) وأحمد (رقم ٧٢٣١، ٧٣٦٤)
والخطيب في " الفقيه والمتفقه " (٦٢ / ٢) . وأبو يعلى في " مسنده "
(٣٠٠ / ٢) عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله صلى الله عليه
وسلم يقول: فذكره.
وفي رواية من طريق أخرى عنه مرفوعا بلفظ:
(يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء، هلم إلى
الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده لا يخرج منهم
أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه، ألا إن المدينة كالكير تخرج
الخبيث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها، كما ينفي الكير خبث
الحديد) .
стр. 552
أخرجه مسلم (٩ / ١٥٣) .
الغريب
١ - أمرت بقرية ... قال الخطيب:
" المعنى أمرت بالهجرة إلى قرية (تأكل القرى) أي يأكل أهلها القرى كما قال
الله تعالى: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة) يعني قرية كان أهلها
مطمئنين، وكان ذكر القرية عن هذا كناية عن أهلها، وأهلها المرادون بها لا
هي، والدليل على ذلك قوله تعالى " (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما
كانوا يصنعون) والقرية لا صنع لها، وقوله: (فكفرت بأنعم الله) والقرية
لا كفر لها.
٢ - (تأكل القرى) بمعنى تقدر عليها، كقوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال
اليتامى ظلما) ليس يعني بذلك أكلتها دون محتجبيها عن اليتامى، لا بأكل لها،
وكقوله تعالى: (ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا) يعني تغلبوا عليها
إسرافا على أنفسكم، وبدارا أن يكبروا فيقيموا الحجة عليكم بها فينتزعوها منكم
لأنفسهم، فكان الأكل فيما ذكرنا يراد به الغلبة على الشيء، فكذلك في الحديث ".
٢٧٥ - " كان يصلي عند المقام، فمر به أبو جهل بن هشام، فقال: يا محمد ألم أنهك عن
هذا؟ ! وتوعده، فأغلظ له رسول الله ﷺ وانتهره، فقال: يا
محمد بأي شيء تهددني؟ ! أما والله إني لأكثر
стр. 553
هذا الوادي ناديا، فأنزل الله
* (فليدع ناديه. سندع الزبانية) *. قال ابن عباس: لو دعا ناديه أخذته زبانية
العذاب من ساعته ".
رواه الترمذي (٢ / ٢٣٨) وابن جرير في تفسيره (٣٠ / ١٦٤) من طرق عن داود
ابن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: فذكره.
والسياق لابن جرير.
قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وقال الترمذي: " حديث حسن غريب صحيح ".
قلت: وقد رواه البخاري والطبراني في " الكبير " (٣ / ١٤١ / ١) وغيره
من طرق أخرى عن عكرمة به نحوه.
وله في " المعجم " (٣ / ١٧٣ / ١) طريق أخرى عن ابن عباس.
٢٧٦ - " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل،
مثراة في المال، منسأة في الأثر ".
أخرجه الترمذي (١ / ٣٥٧ - ٣٥٨) والحاكم (٤ / ١٦١) وأحمد (٢ / ٣٧٤)
والسمعاني في " الأنساب " (١ / ٥) عن عبد الملك بن عيسى الثقفي عن يزيد مولى
المنبعث عن أبي هريرة مرفوعا به.
وقال الترمذي: " حديث غريب من هذا الوجه ".
قلت: وإسناده جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الملك هذا، قال أبو
حاتم " صالح ".
стр. 554
وذكره ابن حبان في " الثقات " (٢ / ١٧٥) وروى عنه جماعة
من الثقات منهم عبد الله بن المبارك وهو الذي روى عنه هذا الحديث، فلا أدري
لماذا لم يحسنه الترمذي على الأقل.
وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي.
وللشطر الأول منه طريق أخرى، يرويه أبو الأسباط الحارثي اليماني عن يحيى ابن
أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة به.
أخرجه ابن عدي (٣٣ / ٢) . وأبو الأسباط هذا هو بشر بن رافع.
قال الحافظ: " فقيه ضعيف الحديث ".
وقد وجدت له شاهدين أحدهما: من حديث العلاء بن خارجة مرفوعا به.
أخرجه الطبراني ورجاله قد وثقوا كما في " المجمع " (٨ / ١٥٢) ،
وقال المنذري (٣ / ٢٢٣) : " لا بأس بإسناده ".
والآخر من حديث علي ﵁.
أخرجه الخطيب في " الموضح " (٢ / ٢١٥) ورجاله ثقات غير علي بن حمزة العلوي
ولم أجد له ترجمة، ولا أورده الطوسي في " فهرسته ".
والشطر الثاني من الحديث رواه الطبراني في " الأوسط " من حديث عمرو ابن سهل.
قال الهيثمي:
стр. 555
" وفيه من لم أعرفهم ".
وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال:
" من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه ".
متفق عليه من حديث أنس. وأخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، والحاكم
(٤ / ١٦٠) من حديث علي وابن عباس.
وللحديث شاهد ثالث بنحوه وهو:
" اعرفوا أنسابكم، تصلوا أرحامكم، فإنه لا قرب بالرحم إذا قطعت، وإن كانت
قريبة، ولا بعد بها إذا وصلت، وإن كانت بعيدة ".
٢٧٧ - " اعرفوا أنسابكم، تصلوا أرحامكم، فإنه لا قرب بالرحم إذا قطعت، وإن كانت
قريبة، ولا بعد بها إذا وصلت، وإن كانت بعيدة ".
أخرجه أبو داود الطيالسي في " مسنده " (٢٧٥٧) : حدثنا إسحاق بن سعيد قال:
حدثني أبي قال:
" كنت عند ابن عباس، فأتاه رجل فسأله: من أنت؟ قال: فمت له برحم بعيدة
فألان له القول، فقال: قال رسول الله ﷺ ... " فذكره.
وأخرجه الحاكم (٤ / ١٦١) والسمعاني في " الأنساب " (١ / ٧) من طريق
الطيالسي به.
وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي.
وأقول: إنما هو على شرط مسلم وحده، فإن الطيالسي لم يحتج به البخاري وإنما
روى له تعليقا.
والحديث أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (رقم ٧٣) : حدثنا أحمد ابن يعقوب
قال: أخبرنا إسحاق بن سعيد بن عمرو به موقوفا على ابن عباس دون قصة
стр. 556
الرجل
وزاد:
" وكل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها، تشهد له بصلة إن كان وصلها، وعليه
بقطيعة إن كان قطعها ".
وهذا سند على شرط البخاري في " صحيحه "، ولكنه موقوف، بيد أن من رفعه ثقة
حجة وهو الإمام الطيالسي، وزيادة الثقة مقبولة.
٢٧٨ - " خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت، ولا فقه في الدين ".
أخرجه الترمذي (٢ / ١١٤) : حدثنا أبو كريب حدثنا خلف بن أيوب العامري عن عوف
عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره
وقال: " هذا حديث غريب، ولا نعرف هذا الحديث من حديث عوف إلا من حديث هذا
الشيخ خلف ابن أيوب العامري، ولم أر أحدا يروي عنه غير أبي كريب محمد بن
العلاء، ولا أدري كيف هو؟ ".
قلت: ومن هذا الوجه أخرجه العقيلي في " الضعفاء " (ص ١٥٣) وأبو بكر ابن
لال في " أحاديث أبي عمران الفراء " (ق ١ / ٢) والهروي في " ذم الكلام "
(١ / ١٤ / ٢) وقال:
" قال الجارودي: تفرد به أبو كريب ".
قلت: هو ثقة من رجال الشيخين، وإنما العلة في شيخه خلف، فقد جهله الترمذي
كما عرفت، وروى عنه غير أبي كريب جماعة، مثل الإمام أحمد وأبي معمر القطيعي
ومحمد بن مقاتل المروزي، فليس بمجهول، وروى العقيلي عن ابن معين أنه قال
فيه:
" بلخي ضعيف ".
стр. 557
ثم قال العقيلي عقب حديثه هذا:
" ليس له أصل من حديث عوف، وإنما يروى هذا عن أنس، بإسناد لا يثبت ".
وقال ابن أبي حاتم (١ / ٢ / ٣٧٠ - ٣٧١) :
" وسألت أبي عنه؟ فقال: يروى عنه ".
وذكره ابن حبان في " الثقات " وقال:
" كان مرجئا غاليا، استحب مجانبة حديثه لتعصبه وبغضه من ينتحل السنن ".
وقال الخليلي: " صدوق مشهور، كان يوصف بالستر والصلاح، والزهد، وكان
فقيها على رأي الكوفيين ".
وأورده الذهبي في " الميزان " وقال:
" أبو سعيد أحد الفقهاء الأعلام ببلخ ". ثم ذكر بعض ما قيل فيه مما سبق، ثم
قال: قلت: كان ذا علم وعمل وتأله، زاره سلطان بلخ، فأعرض عنه ".
وقال في " الضعفاء ":
" مفتي بلخ، ضعفه ابن معين ".
ونحوه في " التقريب " للحافظ العسقلاني.
قلت: ولم تطمئن نفسي لجرح هذا الرجل، لأنه جرح غير مفسر، اللهم إلا في كلام
ابن حبان، ولكنه صريح في أنه لم يجد فيه ما يجرحه إلا كونه مرجئا، وهذا لا
يصح أن يعتبر جرحا عند المحققين من أهل الحديث، ولذلك رأينا البخاري يحتج في
صحيحه ببعض الخوارج والشيعة والقدرية وغيرهم من أهل الأهواء، لأن العبرة في
رواية الحديث إنما هو الثقة والضبط، وكأنه لذلك لم يجزم الحافظ بتضعيف
стр. 558
الرجل
وإنما اكتفى على حكايته عن ابن معين كما فعل الذهبي، وهذا وإن كان يشعرنا
بأنه ينبىء بضعفه إلا أنه ليس كما لو قال فيه " ضعيف " جازما به.
والذي أراه أن الرجل وسط أو على الأقل مستور، لأن الجرح فيه لم يثبت، كما
أنه لم يوثق من موثوق بتوثيقه، وفي قول الخليلي المتقدم ما يؤيد الذي رأيت.
وهو لم يرو شيئا منكرا، وغاية ما ذكر له العقيلي حديثان.
أحدهما هذا. والآخر حديثه بسنده الصحيح عن أبي هريرة مرفوعا:
" لا عدوى ولا صفر ولا هامة ".
وقال العقيلي فيه: " إسناده مستقيم ".
وأما هذا الحديث فلم يتفرد به البلخي، فقد جاء من طريقين آخرين:
أحدهما: عن أنس. وقد أشار إليه العقيلي نفسه.
والآخر يرويه عبد الله بن المبارك في " الزهد " (ق ١٧٥ / ١ - كواكب ٥٧٥) :
أنبأ معمر عن محمد بن حمزة بن عبد الله بن سلام مرفوعا به.
قلت: وهذا إسناد مرسل صحيح، محمد بن حمزة، هو ابن يوسف بن عبد الله ابن عبد
الله بن سلام، روى عن أبيه عن جده عبد الله بن سلام.
قال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبان في " الثقات ".
وقد رواه القضاعي في " مسند الشهاب " (ق ٢٤ / ٢) من طريقين آخرين، عن معمر
عن محمد بن حمزة عن عبد الله بن سلام، فجعله من مسند جده عبد الله، فإن صح
هذا، ولم يكن في الرواية خطأ، أو في النسخة تحريف، فهو مسند، لكنه منقطع
بين محمد بن حمزة وجده عبد الله بن سلام.
стр. 559
وبالجملة فالحديث عندي صحيح بمجموع هذه الطرق، وقد أشار إلى صحته عبد الحق
الإشبيلي في " الأحكام الكبرى " رقم ٦٣ - نسختي بسكوته عنه كما نص عليه في
المقدمة. والله أعلم.
٢٧٩ - " لا تقوم الساعة حتى يبني الناس بيوتا يوشونها وشي المراحيل ".
رواه البخاري في " الأدب المفرد " (رقم ٧٧٧) : حدثنا إبراهيم بن المنذر قال:
حدثنا ابن أبي فديك عن عبد الله بن أبي يحيى عن سعيد بن أبي هند عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره.
قلت: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال البخاري في " صحيحه " غير عبد الله
بن أبي يحيى، وهو عبد الله بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وهو ثقة اتفاقا.
(المراحيل) فسرها إبراهيم شيخ البخاري بأنها الثياب المخططة. وفي
" النهاية ": " المرحل الذي قد نقش فيه تصاوير الرحال، ومنه الحديث: كان
يصلي وعليه من هذه المرحلات يعني المروط المرحلة وتجمع على المراحل، ومنه
هذا الحديث ... يوشونها وشي المراحل، ويقال لذلك العمل الترحيل ".
стр. 560
٢٨٠ - " كان رسول الله ﷺ يوصينا بكم. يعني طلبة الحديث ".
أخرجه تمام في " الفوائد " (١ / ٤ / ٢ - نسخة الحافظ عبد الغني المقدسي) عن
عبد الله بن الحسين المصيصي، وأبو بكر بن أبي علي في " الأربعين " (ق ١١٧ /
١) عن موسى بن هارون، والرامهرمزي في " الفاصل بين الراوي والواعي "
(ق ٥ / ٢) وعنه العلائي في " بغية المتلمس " (٢ / ٢) عن ابن إ٣
شكاب، والحاكم (١ / ٨٨) عن القاسم بن مغيرة الجوهري وصالح بن محمد بن حبيب
الحافظ كلهم عن سعيد بن سليمان (زاد موسى بن هارون والجوهري وصالح: الواسطي
) حدثنا عباد بن العوام عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أنه قال
: مرحبا بوصية رسول الله ﷺ ، كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم ... فذكره.
وقال الحاكم: " هذا حديث صحيح ثابت لاتفاق الشيخين على الاحتجاج بسعيد بن
سليمان وعباد بن العوام، ثم الجريري، ثم احتجاج مسلم بحديث أبي نضرة، فقد
عددت له في " المسند الصحيح " أحد عشر أصلا للجريري، ولم يخرجا هذا الحديث
الذي هو أول حديث في فضل طلاب الحديث، ولا يعلم له علة، ولهذا الحديث طرق
يجمعها أهل الحديث عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد، وأبو هارون ممن سكتوا
عنه ".
ووافقه الذهبي، وقال العلائي عقبه:
" إسناده لا بأس به، لأن سعيد بن سليمان هذا هو النشيطي، فيه لين يحتمل، حدث
عنه أبو زرعة وأبو حاتم الرازي، وغيرهما ".
قلت: ليس هو النشيطي وذلك لأمور:
стр. 561
الأول: أنه جاء مصرحا في بعض الطرق كما رأيت أنه (الواسطي) ، والنشيطي بصري
وليس بواسطي.
الثاني: أن شيخه في هذا السند عباد بن العوام لم يذكر في ترجمة النشيطي،
وإنما في ترجمة الواسطي.
الثالث: أن بعض الرواة لهذا الحديث عنه لم يذكروا في ترجمته أيضا وإنما في
ترجمة الواسطي مثل صالح بن محمد الحافظ الملقب بـ (جزرة) .
فثبت مما ذكرنا أن سعيد بن سليمان إنما هو الواسطي وهو ثقة احتج به الشيخان
كما تقدم في كلام الحاكم، وتوثيقه موضع اتفاق بين أهل العلم بالرجال، اللهم
إلا قول الإمام أحمد في " كتاب العلل ومعرفة الرجال " (ص ١٤٠) :
" كان صاحب تصحيف ما شئت ".
وليس في هذا الحديث ما يمكن أن يصحف من مثل هذا الثقة لقصره! فينبغي أن تكون
صحته موضع اتفاق أيضا، لكن قد جاء عن أحمد أيضا غير ذلك، ففي " المنتخب "
لابن قدامة (١٠ / ١٩٩ / ١) :
" قال مهنا: سألت أحمد عن حديث حدثنا سعيد بن سليمان (قلت: فساقه بسنده)
فقال أحمد: ما خلق الله من ذا شيئا، هذا حديث أبي هارون عن أبي سعيد ".
قلت: وجواب أحمد هذا يحتمل أحد أمرين:
إما أن يكون سعيد عنده هو الواسطي، وحينئذ فتوهيمه في إسناده إياه مما لا وجه
له في نظرى لثقته كما سبق.
وإما أن يكون عنى أنه النشيطي الضعيف، وهذا مما لا وجه له بعد ثبوت أنه
الواسطي. على أنه لم يتفرد به، فرواه بشر بن معاذ العقدي، حدثنا أبو عبد
الله - شيخ ينزل
стр. 562
وراء منزل حماد بن زيد -: حدثنا الجريري عن أبي نضرة عنه.
أنه كان إذا رأى الشباب قال: مرحبا بوصية رسول الله ﷺ ،
أمرنا أن نحفظكم الحديث، ونوسع لكم في المجالس.
أخرجه الرامهرمزي ومن طريقه الحافظ العلائي وقال:
" أبو عبد الله هذا لم أعرفه ".
لكن للحديث طريقان آخران عن أبي سعيد:
١ - عن أبي خالد مولى ابن الصباح الأسدي عنه أنه كان يقول:
" مرحبا بوصية رسول الله ﷺ إذا جاؤوه في العلم ".
أخرجه الرامهرمزي وأبو خالد هذا لم أعرفه.
٢ - عن شهر بن حوشب عنه به وزاد:
" سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيأتيكم أناس يتفقهون، ففقهوهم
وأحسنوا تعليمهم ".
أخرجه عبد الله بن وهب في " المسند " (٨ / ١٦٧ / ٢) وعبد الغني المقدسي في
" كتاب العلم " (٥٠ / ١) عن ابن زحر عن ليث بن أبي سليم عن شهر.
قلت: وهذا سند ضعيف مسلسل بالضعفاء: شهر فمن دونه. ولكنه أحسن حالا من
حديث أبي هارون العبدي الذي سبقت الإشارة إليه في كلام الحاكم، كذلك ذكر
ابن معين، ففي " المنتخب ":
" عن إبراهيم بن الجنيد قال: ذكر ليحيى بن معين حديث أبي هارون هذا فقال:
قد رواه ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد مثله.
فقيل ليحيى: هذا أيضا ضعيف مثل أبي هارون؟ قال: لا، هذا أقوى من ذلك وأحسن
حدثناه ابن أبي مريم عن يحيى بن أيوب عن ليث ".
стр. 563
قلت: كذا في الأصل ليس فيه " ابن زحر " وهو في المصدرين السابقين من رواية
يحيى بن أيوب عنه عن ليث. فالله أعلم.
وبالجملة فهذه الطرق إن لم تزد الطريق الأولى قوة إلى قوة، فلن توهن منها.
وله شاهد من حديث جابر ﵁ مرفوعا بلفظ:
" إنه سيضرب إليكم في طلب العلم، فرحبوا، وبشروا، وقاربوا ".
أخرجه الرامهرمزي عن زنبور الكوفي حدثنا رواد بن الجراح عن المنهال بن عمرو عن
رجل عنه.
وهذا سند ضعيف، للرجل الذي لم يسم، وزنبور لم أجد له ترجمة. والعمدة على
ما تقدم.
وللحديث طريقان آخران عن أبي سعيد، وشاهد آخر عن أبي هريرة بأسانيد واهية
جدا، ولذلك استغنيت عن ذكرهما، وفيما ذكرنا كفاية. وقد تكلمت على أحد
الطريقين المشار إليهما في تعليقنا على " الأحكام الكبرى " لعبد الحق الإشبيلي
(رقم الحديث ٧١) وصححه.
ثم وجدت للحديث شاهدا آخر، فقال الدارمي (١ / ٩٩) : أخبرنا إسماعيل ابن أبان
حدثنا يعقوب هو القمي عن عامر بن إبراهيم قال:
" كان أبو الدرداء إذا رأى طلبة العلم قال: مرحبا بطلبة العلم، وكان يقول:
إن رسول الله ﷺ أوصى بكم ".
قلت: وهذا إسناد رجاله موثقون غير عامر بن إبراهيم فلم أعرفه وليس هو عامر
بن واقد الأصبهاني، فإن هذا من شيوخ القمي المتوفى سنة (١٧٤) وذاك من
الرواة عن القمي، وتوفي سنة (٢٠٢) ، إلا أن يكون من رواية الأكابر عن
الأصاغر. والله أعلم.
стр. 564
٢٨١ - " أشد الناس عذابا يوم القيامة: رجل قتله نبي، أو قتل نبيا، وإمام ضلالة،
وممثل من الممثلين ".
أخرجه أحمد (١ / ٤٠٧) : حدثنا عبد الصمد حدثنا أبان حدثنا عاصم عن أبي وائل
عن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد، وعاصم هو ابن بهدلة أبي النجود.
وله طريق أخرى يرويه أبو إسحاق عن الحارث عن ابن مسعود به ولفظه: " ... أو
رجل يضل الناس بغير علم، أو مصور يصور التماثيل ".
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٣ / ٨٠ / ٢) وإليه فقط عزاه الهيثمي
في " المجمع " (١ / ١٨١) وقال:
" وفيه الحارث الأعور وهو ضعيف ".
قلت: الطريق الأولى سالمة منه، ولعل البزار قد أخرجه منها فقد عزاه إليه
عبد الحق الإشبيلي في " الأحكام الكبرى " (رقم ١٤٢) باللفظ الأول دون قوله
" وممثل من الممثلين "، وسكت عليه مشيرا إلى صحته عنده كما نص عليه في
المقدمة.
وقال المنذري (٣ / ١٣٦) : " ورواه البزار بإسناد جيد ".
وله طريق ثالثة يرويها عباد بن كثير عن ليث بن أبي سليم عن طلحة بن مصرف
عن خيثمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود إلا أنه قال:
" وإمام جائر ".
стр. 565
أخرجه الطبراني (٣ / ٨١ / ١) .
قلت: وهذا سند واه جدا، ليث ضعيف، وعباد بن كثير متروك.
وروى عن ابن عباس نحوه بلفظ:
" ... أو قتل أحد والديه، والمصورون، وعالم لم ينتفع بعلمه ".
أخرجه أبو القاسم الهمداني في " الفوائد " (١ / ١٩٦ / ١) عن عبد الرحيم أبي
الهيثم عن الأعمش عن الشعبي عن ابن عباس به.
قلت: وهذا سند ضعيف، عبد الرحيم هذا هو ابن حماد الثقفي، قال العقيلي في
" الضعفاء " (٢٧٨) :
" حدث عن الأعمش مناكير، وما لا أصل له من حديث الأعمش ".
وقال الحافظ في " اللسان ":
" وأشار البيهقي في " الشعب " إلى ضعفه ".
وحديث ابن عباس هذا أورده المناوي في " فيض القدير " شاهدا للحديث المشهور:
" أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه " فقال متعقبا على السيوطي
بعد أن بين ضعفه:
" لكن للحديث أصل أصيل، فقد روى الحاكم في " المستدرك " من حديث ابن عباس
مرفوعا ... " قلت: فذكره، ولم أقف على سنده عند الحاكم الآن لننظر فيه،
وغالب الظن أنه من طريق عبد الرحيم المذكور، فإن كان كذلك، فالحديث لا يرتفع
به عن درجة الضعف. والله أعلم.
следующие страницы →