← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قِبَل الروم يمنعون ذاك. قال: ثم أمسك هُنَيَّةً، ثم قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره. وأخرجه مسلم (٨/١٨٥) ، وابن حبان (٦٦٤٧) من طرق عن إسماعيل ابن علية به وأخرجه أبو عمرو الداني في "الفتن " (ق ١١٥/٢) دون حديث الترجمة. وتابعه عبد الوهاب، بن عطاء: أنبأ سعيد بن إياس الجريري به. أخرجه الحاكم (٤/ ٤٥٤) بزيادات في المتن وقال: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذه السياقة! إنما أخرج مسلم حديث داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي ﷺ : " يكون في آخر الزمان خليفة يعطي المال ولا يعده عداً ". وهذا له علة.. ". ثم ساقه من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد- وهو الثقفي- (وفي الأصل: عبد الحميد، وهو تصحيف) : ثنا داود بن أبي هند به؛ لكنه قال: " عن جابر أو أبي سعيد.. " على الشك. وأقول: لي على هذا الكلام ملاحظات: الأولى: أنه أوهم أن مسلماً لم يخرج حديث الجريري مطلقاً، وليس كذلك كما ترى. الثانية: أن العلة التي أشار إليها ليست قادحة؛ لأن مسلماً قد أخرج الحديث من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث: حدثنا أبي: حدثنا داود به؛ إلا أنه قال: "عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله قالا.. "، هكذا بدون شك.

стр. 5007

وكذلك أخرجه أحمد (٣/٣٣٣) . وهذا أصح، لأن عبد الوارث والد عبد الصمد ثقة ثبت؛ بخلاف عبد الوهاب ابن عبد المجيد (وفي الأصل: عبد الحميد، وهو خطأ مطبعي) ؛ ففيه ما يأتي. الثالثة: أن عبد الوهاب هذا- وإن كان ثقة من رجال الشيخين؛ فإنه- مذكور فيمن كان اختلط، فلا يعل بروايته ما رواه الثقة الثبت عبد الوارث. ثم إن الحديث قد أورده السيوطي في "الجامع الكبير" مفرقاً من حديث جابر دون جملة الشام، وعزا الجملة الأولى المتعلقة بالعراق لأحمد وأبي عوانة وابن عساكر، وعزا حديث الترجمة لأحمد ومسلم فقط، وفي ذكره للجملة الأولى فيه - مع كونها موقوفة- إشارة منه إلى أنها في حكم المرفوع، وذلك لأنها من الأمور الغيبية التي لا تقال بالرأي والاجتهاد. وأيضاً، فإنه يشهد له حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: " منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مُدْيَها ودينارها، ومنعت مصر إِرْدَبًّها ودينارها.. " الحديث. رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٢٦٧٩) ، وأخرجه البيهقي (١٩/١٣٧) ، وابن عبد البر في "التمهيد" (٦/٤٥٧) . (فائدة) : قال النووي ﵀ في "شرح مسلم ": "وفي معنى " منعت العراق " وغيرها قولان مشهوران: أحدهما: لإسلامهم، فتسقط عنهم الجزية، وهذا قد وُجد. والثاني: أن العجم والروم يستولون على البلاد في آخر الزمان؛ فيمنعون

стр. 5008

حصول ذلك للمسلمين. وقد روى مسلم عن جابر: " يوشك أن لا يجبى إليهم قفيز " فذكر الحديث، قال النووي: " وهذا قد وجد في زماننا في العراق، وهو الآن موجود. وقيل: لأنهم يرتدون في آخر الزمان؛ فيمنعون ما لزمهم من الزكاة وغيرها. وقيل: معناه أن الكفار الذين عليهم الجزية تقوى شوكتهم في آخر الزمان؛ فيمتنعون مما كانوا يؤدونه من الجزية والخراج وغير ذلك ". قلت: وهذا المعنى هو الظاهر المتبادر من لفظ "المنع "؛ بخلاف المعنى الأول، فهو عنه بعيد جداً؛ لأن من أسلم وسقطت عنه الجزية لا يصح أن يقال فيه: امتنع من أداء ما عليه؛ كما هو ظاهر بين. ولقد كان الداعي إلى تخريج هذا الحديث؛ وبيان أن الموقوف منه في حكم المرفوع؛ وبيان معناه؛ أن بعض الناس اليوم ظنوا أن لهذا الحديث علاقة بالفتنة العمياء التي حلت على المسلمين بسبب اجتياح الجيش العراقي لدولة الكويت، ما فرض على العراق من الحصار البري والبحري والجوي؛ لمنع وصول المؤن والأرزاق إليها من البلاد المسالمة لها! فكثر السؤال عن هذا الحديث بهذه المناسبة، وهل له علاقة أو ارتباط بهذا الحصار للعراق؟ فأجبت بالنفي، وبينت لهم معناه بنحو ما تقدم نقله عن الإمام النووي ﵀. كتبت هذا نهار الأربعاء: ١ صفر سنة ١٤١١هـ. كفى الله المسلمين شر الفتن ماظهر منها وما بطن. *

стр. 5009

٣٠٧٣ - (مَنْ صبرَ على شِدَّتِها ولأْوَائِها؛ كنتُ له شهيداً أو شفيعاً يومَ القيامةِ. يعني: المدينةَ. وفي لفظ: لا يَصبرُ على لأوَائِها وشدتِها أَحَدٌ إلا كنتُ.....) . أخرجه الترمذي (٣٩١٨) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق " (١/١٦٩- طبع المجمع العلمي) من طريق المعتمر بن سليمان قال: سمعت عبيد الله (وفي "التاريخ ": " عبد الله " مكبراً) بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أن مولاةً له أتته فقالت: اشتد علي الزمان، وإني أريد أن أخرج إلى العراق؟ قال: فَهَلا الشام أرض المنشر (وفي "التاريخ ": المحشر) ؟! اصبري لَكاعِ! فإني سمعت رسول الله- ﷺ -يقول ... فذكره باللفظ الأول، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح غريب من حديث عبيد الله ". قلت: وهو ثقة من رجال الشيخين؛ بخلاف أخيه عبد الله (المكبَّر) ؛ فإنه ضعيف سيئ الحفظ. والمعتمر بن سليمان ثقة محتج به في "الصحيحين "، وفي حفظه ضعف يسير، وقد خالفه عبيد الله بن عبد المجيد، فقال: حدثنا عبيد الله بن عمر عن قََطََن ابن وهب: أن مولاة لابن عمر أتته لتسلِّم عليه لتخرج من المدينة، وقالت: أخرج إلى الريف؛ فقد اشتد علينا الزمان؟ فقال ابن عمر: اجلسي لَكاعِ!.. الحديث، لم يذكر الشام. أخرجه أبو يعلى في "مسنده " (١٠/١٦٦/٥٧٨٩) . قلت: وإسناده صحيح؛ لولا الانقطاع في إسناده كما سيأتي، وعبيد الله بن

стр. 5010

عبد المجيد فيه كلام يسير؛ إلا أنه قد توبع كما سترى. إلا أن عبيد الله بن عمر قد توبع على إسناده؛ فقال أحمد (٢/١٥٥) : ثنا عثمان بن عمر: ثنا عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: " من صبر.. " الحديث. وكذا أخرجه مسلم (٤/١١٩) من طريق زهير بن حرب: حدثنا عثمان بن عمر به. وتابعه أيوب عن نافع بلفظ: " من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها؛ فإني أشفع لمن يموت بها ". أخرجه الترمذي (٣٩١٧) ، وابن ماجه (٣١١٢) ، وابن حبان (٣٧٣٣- الإحسان) ، وأحمد (٢/ ٧٤) ، والبغوي في "شرح السنة " (٧/ ٣٢٤/ ٢٠٢٠) ، وقال - هو والترمذي-: " حديث حسن ". زاد الترمذي " صحيح غريب " ولعبيد الله بن عمر إسناد آخر؛ يرويه عن قطن بن وهب عن مولاة لعبد الله ابن عمر: أنها أرادت الجلاء في الفتنة، واشتد عليها الزمان، فاستأمرت عبد الله بن عمر، فقال: أين؟ فقالت: العراق. فقال: فهلا إلى الشام إلى المحشر؟! اصبري لكاع!.. الحديث مثل روايته المتقدمة عن نافع؛ لكن باللفظ الثاني. أخرجه ابن عساكر أيضاً من طريق أحمد بن محمد بن سليم المخرمي: ثنا الزبير بن بكار بن عبد الله: حدثني أبو ضمرة عن عبيد الله بن عمر به.

стр. 5011

قلت: ورجاله ثقات؛ غير المخرمي هذا فلم أعرفه، وأخشى أن يكون هو أحمد ابن محمد المخرمي الذي حدث عن عبد العزيز بن الرماح بسنده الصحيح عن ابن عباس موقوفاً: لما قتل ابن آدم أخاه قال آدم ﵇: تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح الحديث. رواه الخطيب في "التاريخ " (٥/١٢٨) ، وذكره الذهبي في ترجمة المخرمي هذا، وقال: " هو الآفة أو شيخه ". وكذا في "اللسان "، لكن وقع فيه: "المخزومي "، وهو تحريف. لكن قد توبع عبيد الله عن قطن، فقال مالك في "الموطأ" (٣/٨٣) : عن قطن ابن وهب بن عويمر بن الأجدع أن يُحَنَّسَ مولى الزبير بن العوام أخبره: أنه كان جالساً عند عبد الله بن عمر في الفتنة، فأتته مولاة له تسلم عليه، فقالت: إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن! اشتد علينا الزمان. فقال لها عبد الله ابن عمر: اقعدي لكع! فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يصبر.. " الحديث. ومن طريق مالك أخرجه مسلم (٤/١١٩) ، وأحمد (٢/١١٣ و ١١٩ و ١٣٣) وأبو يعلى (١٠/١٦٦/٥٧٩٠) ، والطبراني في" المعجم الكبير" (١٢/٣٤٧/١٣٣٠٧) وله شاهد بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة وغيره عند مسلم وغيره،

стр. 5012

وصححه البغوي (٢٠١٩) ، وابن حبان (٣٧٣١و٣٧٣٢) ؛ وراجع "مسند أبي يعلى" (١٠/٣٤٧/٥٩٤٣) ، فقد توسع المعلق عليه بذكر طرقه وبعض شواهده. (تنبيه) : قد أورد السيوطي حديث الترجمة بلفظيه في "الجامع الكبير" من رواية ابن عساكر وحده! وهو في "كنز العمال " (١٤/١٦٠/ ٣٨٢٣١) ، ففاته أن الترمذي رواه- كابن عساكر- باللفظ الأول! * ٣٠٧٤ - (إذا قال الرجلُ: هَلَكَ الناسُ؛ فهو أَهْلَكهم) . أخرجه مالك في "الموطأ" (٣/١٤٨) ، ومسلم (٨/٣٦) ، والبخاري في "الأدب المفرد" (٧٥٩) ، وأبو داود (٤٩٨٣) ، وابن حبان في "صحيحه " (٥٧٣٢) ، وأحمد (٢/٢٧٢و٣٤٢و٤٦٥و٥١٧) ، وأبو نعيم في" الحلية" (٧/١٤١) و"أخبار أصبهان" (١/١٥٠و٢٧٦و٢/٣٦٤) ، والبغوي في"شرح السنة" (١٣/١٤٤) من طرق عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال ... فذكره. وقال البغوي: "هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم "* ٣٠٧٥ - (إنَّ موسى كان رجلاً حَيِيّاً سِتِّيراً، لا يُرَى من جِلْدِهِ شيءٌ استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يَسْتَترُ هذا التستر إلا من عيبٍ بجلدِهِ؛ إما بَرَصٍ، وإما أدْرَةٍ، وإما آفةٍ. وإنَّ الله أراد أن يُبرِّئَهُ مما قالوا لموسى، فخلا يوماً وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإنَّ الحجر عَدَا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حَجَرُ!

стр. 5013

ثوبي حَجَرُ! حتى انتهى إلى ملإ من بني إسرائيل، فَرَأَوْهُ عُرْيَاناً أحسَنَ ما خَلَقَ الله، وأبرأهُ مما يقولون، [قالوا: والله ما بموسى من بأس] ، وقام الحجرُ، فأخذَ ثوبَهُ فَلَبِسَهُ، وطَفِقَ بالحجر ضرباً بعصاه، فوالله! إنَّ بالحجر لندباً من أثر ضَرْبهِ؛ ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً، فذلك قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً) .) أخرجه البخاري (٢٧٨ و ٣٤٠٤ و ٤٧٩٩) والسياق له، ومسلم (١/١٨٣ و ٧/٩٩) ، وأبو عوانة (١/ ٢٨١) ، والزيادة لهما، والترمذي (٣٢١٩) وقال: "حسن صحيح "، والطحاوي في "مشكل الآثار" (١/ ١١) ، وابن جرير الطبري (٢٢/٣٧) ، وأحمد (٢/ ٣٢٤ و ٣٩٢ و ٥١٤ و ٥٣٥) ، وعبد الله (٢/٣١٥) مطولاً ومختصراً، والطيالسي (٢٤٦٥) ، والبغوي في " التفسير" (٦/٣٧٨- ٣٧٩) مختصراً جداً من طرق عن أبي هريرة مرفوعاً به. وللحديث شاهد يرويه علي بن زيد عن أنس به مختصراً. أخرجه البزار (٣/٦٦- ٦٧) وقال: "لا يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد". قلت: وحسنه الحافظ في "مختصر الزوائد" (٢/١٠٣) ؛ لأنه يشهد له حديث أبي هريرة هذا. (تنبيه) : وقعت للمدعو (حسان عبد المنان) في تخريج هذا الحديث خبطات عشوائية عجيبة في تعليقه على "إغاثة اللهفان " (٢/٣٩٨- ٣٩٩) ، فعزا نصفه الأول للشيخين، ونصفه الآخر للطبري! وأعله براوٍ تحرف اسمه على الطابع، فلم

стр. 5014

يعرفه (الهدام) ! ثم عزا رواية أخرى- هي في " الصحيح " أيضاً- للطبري، وأعله براو لا وجود له عنده! (ظلمات بعضها فوق بعض) ، (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور) . وقد فصلت هذا الذي أجملته هنا في ردي عليه: "النصيحة" (ص ٠ ٢٧) . * ٣٠٧٦ - (غَطُّوا الإناء، وأوكُوا السِّقاء؛ فإن في السّنَةِ ليلة ينزل فيها وباء لا يَمُرُّ بإناءٍ لم يُغَطَّ ولا سقاءٍ لم يُوكَ؛ إلا وقع فيه من ذلك الوباء) . أخرجه الإمام أحمد (٣/٣٥٥) : ثنا يونس: ثنا ليث عن يزيد- يعني: ابن الهاد- عن يحيى بن سعيد عن جعفر بن عبد الله بن الحكم عن القعقاع بن حكيم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ... فذكره قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ إلا أن البخاري لم يرو لجعفر ابن عبد الله وشيخه القعقاع إلا في "الأدب المفرد". وقد أخرج مسلم حديثهما كما يأتي. وليث هو ابن سعد الإمام المصري. ويونس هو ابن محمد، أبو محمد المؤدب، وهو ثقة ثبت. والحديث أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان " (٥/١٢٧/٦٠٥٩- بيروت) من طريق يونس هذا. وتابع يونس: هاشم بن القاسم أبو النضر، وهو ثقة ثبت أيضاً. أخرجه مسلم (٦/١٠٧) ، ومن طريقه: البغوي في "شرح السنة" (١١/٣٩٢/٣٠٦١) ، وأبو عوانة (٥/ ٣٣٤) .

стр. 5015

وقال البغوي: "هذا حديث صحيح". وتابعه موسى بن داود- وهو صدوق له أوهام-، وعلي بن عياش- وهو ثقة ثبت- عند أبي عوانة. وسعيد بن سليمان- وهو الضبي الواسطي، ثقة حافظ- عند البيهقي. قلت: وكلهم قالوا في الحديث: "ليلة". وخالفهم علي بن نصر الجهضمي: حدثنا ليث بن سعد به؛ إلا أنه قال: " يوماً" مكان: "ليلة " أخرجه مسلم وحده، وزاد في آخره: "قال الليث: فالأعاجم عندنا يتقون ذلك في كانون الأول ". وجمع النووي بين الروايتين: " ليلة " و " يوماً " بقوله: "لا منافاة بينهما؛ إذ ليس في أحدهما نفي الآخر". فأقول: كان ينبغي أن يكون الأمر كذلك؛ لولا أن تتبعنا للرواة عن الليث بن سعد قد دلنا على شذوذ رواية: "يوما"؛ لتفرد الجهضمي بها مخالفاً الثقات الخمسة الذين رووه باللفظ الأول، فاتفاق هؤلاء عليه يدل على وهم الجهضمي وشذوذ روايته، والشذوذ يثبت بأقل من هذا؛ كما يعرف ذلك من له ممارسة في هذا العلم الشريف. ويشبه هذا الشذوذ ما وقع في حديث عمر؛ أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف

стр. 5016

ليلة.. الحديث، وفي رواية لمسلم: "يوماً"، فحكم الحافظ عليها بالشذوذ؛ مع أن الذي خالف فيها شعبة. انظر"الفتح" (٤/٢٧٤) ؛ و"صحيح أبي داود" (٢١٣٧) وإن مما يؤيد الشذوذ: ما أخرجه مسلم في الباب من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرني أبو حميد الساعدي قال: أتيت النبي ﷺ بقدح لبن من النقيع ليس مخمراً، فقال: "ألا خمَّرته؟! ولو تَعْرُض عليه عوداً". قال أبو حميد: إنما أُمِر بالأسقية أن توكأ ليلاً، وبالأبواب أن تغلق ليلاً. قلت: فقول أبي حميد هذا صريح في تخصيص ذلك بالليل؛ لكن رده النووي بقوله في"شرح مسلم ": "ما قاله أبو حميد من تخصيصهما بالليل ليس في اللفظ ما يدل عليه، والمختار عند الأكثرين من الأصوليين- وهو مذهب الشافعي وغيره- أن تفسير الصحابي إذا كان خلاف ظاهر اللفظ ليس بحجة، ولا يلزم غيره من المجتهدين موافقته على تفسيره، وأما إذا لم يكن في ظاهر الحديث ما يخالفه- بأن كان مجملاً- فيرجع إلى تأويله، ويجب الحمل عليه؛ لأنه إذا كان مجملاً لا يحل له حمله على شيء إلا بتوقيف، وكذا لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي عند الشافعي والأكثرين، والأمر بتغطية الإناء عام؛ فلا يقبل تخصيصه بمذهب الراوي؛ بل يتمسك بالعموم ". وأقول: ليس هذا من باب التخصيص بمذهب الراوي؛ وإنما هو من باب التخصيص بالنص؛ فإن قول أبي حميد: "أُمِر" بالبناء للمجهول في حكم المرفوع كما هو مقرر في علم المصطلح؛ كما في "الإرشاد" للنووي نفسه (١/١٦١- ١٦٣-

стр. 5017

تحقيق الأخ الفاضل عبد الباري السلفي) ، وضربوا لذلك مثلاً بحديث أنس: "أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة". متفق عليه، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٥٢٥) . بل قال النووي في شرحه على "صحيح مسلم ": "وقوله: "أُمر" هو بضم الهمزة وكسر الميم؛ أي: أمره رسول الله ﷺ ، هذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء من الفقهاء وأصحاب الأصول وجميع المحدثين، وشذ بعضهم فقال: هذا اللفظ وشبهه موقوف؛ لاحتمال أن يكون الآمر غير رسول الله ﷺ . وهذا خطأ، والصواب أنه مرفوع؛ لأن إطلاق ذلك إنما ينصرف إلى صاحب الأمر والنهي، وهو رسول الله ﷺ ". قلت: فقول أبي حميد: "أمر" كقول أنس ولا فرق، فهو- إذن- في حكم المرفوع. وأصرح منه رواية ابن حبان (١٢٦٧) بلفظ: "إنما كنا نؤمر.. ". * ٣٠٧٧ - (ما أظنُّ فلاناً وفلاناً يَعْرِفانِ من دِينِنا [الذي نحن عليه] شيئاً) أخرجه البخاري (٦٠٦٧و ٦٠٦٨) من طريق سعيد بن عُفير- والسياق له- ويحيى بن بكير- والزيادة له- قالا: ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت ... فذكرته، زاد ابن عفير: "قال الليث: كانا رجلين منافقين ". وزاد يحيى في أوله: دخل عليَّ النبي- ﷺ يوماً، وقال ... فذكره.

стр. 5018

وترجم له البخاري بقوله: "باب ما يجوز من الظن ". قلت: والحديث مطابق لمفهوم قوله تعالى: (إن بعض الظن إثم) [الحجرات/١٢] ؛ أي: ليس كل الظن إثماً. ولهذا؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٥/ ٣٣١) : "فهذا الحديث يقتضي جواز بعض الظن؛ كما احتج البخاري على ذلك؛ لكن مع العلم بما عليه المرء المسلم من الإيمان الوازع له عن فعل الفاحشة يجب أن يُظن به الخير دون الشر". وقد استشكل بعضهم ترجمة البخاري للحديث بما سبق؛ فقال: "الحديث لا يطابق الترجمة؛ لأن في الترجمة إثبات الظن، وفي الحديث نفي الظن ". حكاه الحافظ في "الفتح " (١٠/٤٨٥) ، ثم رده بقوله: "والجواب أن النفي في الحديث لظن النفي؛ لا لنفي الظن، فلا تنافي بينه وبين الترجمة. وحاصل الترجمة؛ أن مثل هذا الذي وقع في الحديث ليس من الظن المنهي عنه؛ لأنه في مقام التحذير من مثل من كان حاله كحال الرجلين، والنهي إنما هو عن الظن السوء بالمسلم المسالم في دينه وعرضه. وقد قال ابن عمر: إنا كنا إذا فقدنا الرجل في عشاء الآخرة أسأنا به الظن. ومعناه: أنه لا يغيب إلا لأمر سيئ؛ إما في بدنه، وإما في دينه ". قلت: وأثر ابن عمر: أخرجه البزار (١/٢٢٨/٤٦٢ و٤٦٣) بإسنادين عن نافع عنه، وإسناده الثاني عنه صحيح.

стр. 5019

ورواه الطبراني (١٣٠٨٥) بسند واه، ويشهد له قول ابن مسعود في "صحيح مسلم " (٢/١٢٤) : "..ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ". يعني: صلاة الجماعة. * ٣٠٧٨ - (يُوشِكُ أن تطلبُوا في قُراكُم هذه طَسْتاً من ماءٍ فلا تَجدونَهُ، يَنْزَوِي كلُّ ماءٍ إلى عُنْصُرِهِ؛ فيكون في الشام بَقِيَّةُ المؤمنين والماءُ) . أخرجه الحاكم في "المستدرك " (٤/٥٠٤) من طريق سفيان: وحدثني المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال عبد الله ... فذكره موقوفاً عليه، وقال: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. قلت: وهو كما قالا؛ فإن المسعودي هذا- واسمه عبد الرحمن بن عبد الله ابن عتبة- وإن كان قد اختلط؛ فقد ذكروا أن رواية سفيان- وهو الثوري- عنه قبل الاختلاط، كما ذكروا أن أحاديثه عن القاسم صحيحة، وهذا من روايته عنه كما ترى. فراجع إن شئت ترجمته في "التهذيب " و"الكواكب النيرات " (ص ٢٨٢- ٢٩٨) . والحديث وإن كان موقوفاً؛ فهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي، كما هو ظاهر. والحديث حمله مؤلف كتاب "المسيح الدجال قراءة سياسية في أصول

стр. 5020

الديانات الكبرى" (ص ٢١٤) على أنه يكون بعد القحط الذي قال: إنه يأتي بعده الدجال! وليس فيه ولا في غيره- فيما أعلم- ما يدل على هذا التحديد، فيمكن أن يكون قبل ذلك أو بعده، وهذا لعله هو الأقرب أن يكون بين يدي القيامة. ومن المفيد هنا أن أنقل إلى القراء ما جاء في الكتاب المذكور (ص ٢١٠) فيما يتعلق بنضوب المياه: "أصدر معهد (وواردوانش) الأ مريكي دراسة تشير إلى أن العالم استخرج كميات كبيرة من المياه الجوفية، وفي (تكساس) و (نيومكسيكو) أصبح هناك احتمال بنضوب المياه الجوفية تماماً في هذه المنطقة؛ وفي الأقاليم الشمالية يهبط مستوى المياه الجوفية بمقدار ١٢ قدماً كل عام. (الأهرام ١/ ١٠/١٩٨٥) . وأشارت دراسة في الولايات الأمريكية أن العالم سوف يتعرض لنقص في موارد المياه التي لا علاج لها، ولن تفيد الطرق التقليدية في توفير المياه، مثل السدود والخزانات والقنوات. (أهرام ٢/ ١٠/١٩٨٥) . كما أعلن مركز تحليل المناخ الفيدرالي في الولايات المتحدة في بيان له أن درجة حرارة مياه المحيط الهادي آخذة في الارتفاع. وهذه الظاهرة تؤثر على الأحوال المناخية في جميع أنحاء العالم، وتؤدي إلى تفاقم حالة الجفاف في إفريقيا واستراليا، وفيضانات في الصين، وسيول رعدية في (بيرو) و (أكوادور) ، وعواصف وأعاصير على الولايات المتحدة وكندا وجنوب إفريقيا. (أهرام ١٦/١٠/١٩٨٦) ". ثم وجدت للمسعودي متابعاً عند عبد الرزاق (١١/٣٧٣/٢٠٧٧٩) عن معمر عن الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن، قال.. لم يقل: "عن أبيه ". *

стр. 5021

٣٠٧٩ - (يا عائشةُ! العربُ يومئذٍ قليلٌ. (يعني: بين يدي الدجال) . فقلت: ما يُجْزِي المؤمنين يومئذٍ من الطعامِ؟ قال: ما يُجْزِي الملائكة؛ التسبيحُ والتكبيرُ والتحميدُ والتهليلُ) . أخرجه أحمد (٦/٧٥- ٧٦ و ١٢٥) ، وأبو يعلى (٧/٧٨/٤٦٠٧) من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن عائشة: أن رسول الله ﷺ ذكر جهداً شديداً يكون بين يدي الدجال، فقلت: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال ... فذكره. وزاد: فأي المال يومئذ خير؟ قال "غلام شديد يسقي أهله من الماء، وأما الطعام فلا طعام ". قلت: ورجاله ثقات رجال مسلم؛ غير علي بن زيد- وهو ابن جدعان-، وهو ضعيف. والحسن- وهو البصري- مدلس كثير التدليس؛ كما قال العلائي في "جامع التحصيل " (ص ١٩٤) ؛ وإن صح ما حكاه (ص ١٩٨) عن الحسن أنه سمع من عائشة ﵂؛ فلا يفيد مع العنعنة. لكن للحديث شواهد أو شاهد يتقوى به دون الزيادة في آخر حديث أبي أمامة الطويل في فتنة الدجال عند ابن ماجه (٤٠٧٧) وغيره، وهو مخرج في "ظلال الجنة" (٣٩١) . وأزيد هنا فأقول: روى الحاكم (٤/٥٣٦- ٥٣٧) طرفه الأول، وقال: "صحيح

стр. 5022

على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي! وفيه عمرو بن عبد الله السَّيْباني؛ أشار في "الميزان " إلى جهالته بقوله: "ما علمت روى عنه سوى يحيى بن أبي عمرو السّيْباني ". وفي" الكاشف" (٢/٣٣٥) بقوله: " وثق". يشير إلى تليين توثيق ابن حبان إياه؛ لأنه يوثق المجهولين. وروى الحاكم أيضا (٤/ ٥١١) من طريق سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن طعام المؤمنين في زمن الدجال؟ قال: "طعام الملائكة ". قالوا: وما طعام الملائكة؟ قال: "طعامهم منطقهم بالتسبيح والتقديس.. " الحديث نحوه. وقال: "صحيح الإسناد على شرط مسلم ". ورده الذهبي بقوله: "قلت: كلا؛ فسعيد متهم تالف ". ولقد أصاب هنا رحمه الله تعالى. وشاهد ثالث من رواية شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن نحو حديث ابن عمر مختصراً. أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق " (١/٦١٦- ٦١٧) . ولجملة العرب شاهد عن أم شريك: عند مسلم (٨/٢٠٧) ، وابن حبان (٦٧٥٩) ، وأحمد (٦/٤٦٢) . *

стр. 5023

٣٠٨٠ - (يَتْبَعُ الدجال من يهودِ أصبهانَ سبعون ألفاً؛ عليهم الطيالِسةُ) . أخرجه مسلم (٨/٢٠٧) ، وابن حبان (٦٧٦٠) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٢/ ٢٥٠- مصورة المدينة) من طريقين عن الأوزاعي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري: حدثني أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ ... فذ كره. وخالفهما في الإسناد محمد بن مصعب: حدثنا الأوزاعي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك به. أخرجه أحمد (٣/ ٢٢٤) ، وأبو يعلى (٦/٣٦٣٩) . وابن مصعب هذا فيه ضعف من قبل حفظه، فلا يحتج بمخالفته. وقد روي الحديث بلفظ: "يتبع الدجال من أمتي سبعون.. " الحديث. وفيه متهم بالكذب، ولذلك خرجته في "الضعيفة " (٦٠٨٨) ، وهو بظاهره مخالف لهذا الحديث الصحيح؛ إلا أن يؤول. راجع المصدر المذكور. وللحديث شاهد قوي من حديث جابر، وهو الآتي بعده: * ٣٠٨١ - (نِعْمَتِ الأرضُ المدينةُ إذا خرجَ الدجالُ؛ على كُلِّ نَقْبٍ من أنقابها مَلَكٌ لا يدخُلُها، فإذا كان كذلك رَجَفَتِ المدينة بأهلها ثلاث رجفات، لا يبقى منافقٌ ولا منافقةٌ إلا خرج إليه، وأكثرُ- يعني- من يَخْرُجُ إليه النساء، وذلك يوم التخليص، وذلك يوم تنفي المدينة

стр. 5024

الخَبَثَ كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديد، يكون معه سبعون ألفاً من اليهود، على كل رجلٍ منهم ساجٌ وسيف محلى، فتُضْرَبُ قُبَّتُهُ بهذا الضرب الذي عند مجتمع السيول. ثم قال رسول الله ﷺ : ما كانت فتنة- ولا تكون حتى تقوم الساعة- أكبر من فتنة الدجال، ولا من نبيٍّ إلا حذر أمته، ولأخبِرَنَّكُم بشيء ما أخبَرهُ نبيٌّ قبلي. ثم وضع يده على عينه، ثم قال: أشهد أن الله ليس بأعور) . أخرجه الإمام أحمد (٣/٢٩٢) : ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو: ثنا زهير عن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أشرف رسول الله ﷺ على فلق من أفلاق الحَرَّة ونحن معه، فقال ... فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، وزهير- وهو ابن محمد التميمي، أبو المنذر الخراساني- الراجح فيه أن رواية البصريين عنه مستقيمة - كما قال الإمام أحمد وغيره-، وهذه منها، ولهذا قال ابن كثير في "النهاية" (١/١٢٧) : "تفرد به أحمد، وإسناده جيد، وصححه الحاكم ". وقال الهيثمي (٣/٣٠٨) : " رواه أحمد، والطبراني في " الأوسط ".. ورجاله رجال (الصحيح) ". قلت: وهذا يوهم أن إسناد الطبراني كإسناد أحمد، وليس كذلك؛ فإنه في

стр. 5025

المعجم الأوسط " (١/١١٩/٢/٢٣٥٤) من طريق علي بن عاصم عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن جابر به نحوه، ولم يسق لفظه بتمامه. وعلي بن عاصم مضعف؛ لإصراره على خطئه كما تقدم مراراً. وأما الحاكم؛ فإنما أخرج الشطر الثاني منه (١/٢٤) من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم به. ولم يصرح بتصحيحه؛ بل ذكره شاهداً لحديث أبي هريرة قال: "قرأ رسول الله ﷺ : إنه (كان سميعاً بصيراً) ، فوضع إصبعه الدَّعَّاء على عينه؛ وإبهامه على أذنه". وقال: "حديث صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٣١) ، ومن طريقه: ابن حبان (١٧٣٢ - موارد) ، والبيهقي في "الأسماء" (١٧٩) ، وأبو داود في "السنة " من آخر كتابه "السنن " (٤٧٢٨) ، وسنتكلم على إسناده هناك إن شاء الله تعالى. وجملة (الأنقاب) ، و (الثلاثة رجفات) رواها البخاري (١٨٨١) من حديث أنس، وجملة (التحذير) أخرجها بنحوها (٧١٢٧) من حديث ابن عمر. وجملة (نفي الخبث) أخرجها (١٨٨٤) من حديث زيد بن ثابت، و (١٨٨٣) من طريق أخرى عن جابر. * ٣٠٨٢ - (لأنَا لِفِتْنَةِ بَعْضِكْم أخْوَفُ عندي فتنة الدجال، ولن ينجو أحد مما قبلها إلا نجا منها، وما صُنِعَتْ فتنةٌ - منذ كانت الدنيا- صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال) . أخرجه أحمد (٥/٣٨٩) : ثنا وهب بن جرير: ثنا أبي قال: سمعت الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال:

стр. 5026

ذُكر الدجال عند رسول الله ﷺ فقال ... فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين؛ إن كان الأعمش سمعه من أبي وائل؛ فإنه قد خولف في إسناده؛ فأخرجه البزار (٣٣٩١- كشف الأستار) ، وكذا ابن حبان (٦٨٠٧- الإحسان) من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب عن حذيفة نحوه، وزاد في آخره: "والله! لا يضر مسلماً، مكتوب بين عينيه: كافر". وإسناده حسن للخلاف المعروف في أبي بكر بن عياش. لكن تابعه منصور بن أبي الأسود عن الأعمش: رواه البزار (٣٣٩٢) . قال مُخْتَصِرُ" البزار": "قلت: فذكر نحوه باختصار". فلم ندر ما لفظه، وما حدود اختصاره؟! وقد رواه كذلك الطبراني في "المعجم الكبير" (٣/١٨٥/٣٠١٧) من طريق حفص بن غياث: ثنا الأعمش به بلفظ: قال رسول الله ﷺ وذكر الدجال-: "مكتوب بين عينيه: كافر؛ يقرؤه كل مسلم" وهذا القدر أخرجه مسلم (٨/١٩٥) ، وأحمد (٥/٣٨٦ و٤٠٤ - ٤٠٥) من طريق ربعي بن حراش عن حذيفة في آخر حديث له، وزاد: "كاتب وغير كاتب ". والحديث قال الهيثمي (٧/٣٣٥) : "رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال (الصحيح) ". *

стр. 5027

٣٠٨٣ - (ليتَ شِعْري! متى تَخْرُجُ نارٌ من اليمن من جبل الوِرَاقِ؛ تضيء منها أعناقُ الإبل بُروكاً بِبُصرى كضَوْءِ النهارِ) . أخرجه أحمد (٥/١٤٤) : ثنا وهب بن جرير: ثنا أبي قال: سمعت الأعمش يحدث عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن حبيب بن جماز عن أبي ذر قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ فنزلنا (ذا الحليفة) ، فتعجلت رجال إلى المدينة، وبات رسول الله ﷺ ، وبتنا معه، فلما أصبح سأل عنهم؟ فقيل: تعجلوا إلى المدينة. فقال: "تعجلوا إلى المدينة والنساء! أما إنهم سيدعونها أحسن ما كانت ". ثم قال ... فذ كره. وأخرجه ابن حبان (١٨٩١- موارد) من طريق علي بن المديني: حدثنا وهب ابن جرير به، وزاد- بعد قوله: "أحسن ما كانت "-: "وقال للذين تخلفوا معروفاً". وهي عند البزار في "مسنده " (٢/٥٣- ٥٤) . قلت: وهذا إسناد جيد في نقدي، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير حبيب بن جماز؛ ترجمه البخاري وابن أبي حاتم برواية سماك بن حرب عنه أيضاً، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً. وذكره ابن حبان في "الثقات " (٤/١٣٩) ؛ وكذا العجلي فقال (١٠٦/٢٤٥) : "كوفي تابعي ثقة". قلت: وروى عنه عمرو بن قيس أيضاً؛ كما يأتي قريباً، فهؤلاء ثلاثة من

стр. 5028

الثقات رووا عنه مع توثيق من ذُكر، وتصحيح ابن حبان لحديثه، وكذا الحاكم والذهبي كما سيأتي، فالنفس تطمئن لروايته والحالة هذه؛ ولا سيما أن لحديثه شواهد كثيرة في الجملة. ثم أخرجه أحمد: ثنا معاوية بن عمرو: ثنا زائدة عن الأعمش بسنده المذكور عن أبي ذر قال: كنا مع رسول الله ﷺ ... فذكر معناه. وبهذا الإسناد أخرج ابن أبي شيبة (١٥/٧٨/١٩١٦٦) منه حديث الترجمة فقط، ومن طريقه: أخرجه ابن شبة في "أخبار المدينة " (١/ ٢٨٠) بتمامه. وأخرجه الحاكم (٤/٤٤٢) من طريق أبي أسامة: حدثني زائدة به بتمامه. وقال: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً (١٩١٦٢) : حدثنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس عن رجل عن أبي ذر به. وهذا إسناد جيد أيضاً؛ لأن الرجل هو حبيب بن جماز المصرح به فيما تقدم من إلأسانيد. (تنبيه) : اختلفوا كثيراً في ضبط "جماز"؛ فقيل هكذا (١) ؛ وقيل: "جمار"؛ وقيل: " حمار"، وغير ذلك انظر " التعجيل "، والتعليق على " التاريخ " وغيرهما. وللحديث شاهد من حديث حذيفة بن أسيد مرفوعاً بلفظ:

стр. 5029

"إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات.. " الحديث، وفيه: "ونار تخرج من قعر عدن ". وفي رواية: "وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم ". أخرجه مسلم (٨/١٧٩) ، وغيره كابن حبان (٦٨٠٤- الإحسان) . واعلم أن هذه النار التي تخرج من اليمن قبل قيام الساعة، هي غير النار التي خرجت في المدينة سنة (٦٥٤ هـ) وفق قوله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى". أخرجه البخاري (٧١١٨) ؛ومسلم (٨/١٨٠) ؛وابن حبان (٦٨٠٠- الإحسان) ؛ وأبو نعيم في "أخبار أصبهان " (١/١٤٧) ، والحاكم (٤/٤٤٣) من حديث سعيد ابن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً. وهو من الأحاديث التي خلا منها "مسند أحمد" على سعته. وللحديث شاهد آخر مختصر من حديث ابن عمر؛ صححه الترمذي وابن حبان، وهو مخرج في "فضائل الشام " رقم (١١) ، ورواه ابن أبي شيبة أيضاً (١٥/٧٨) . وراجع لشرح حديث الشيخين: "فتح الباري" (١٣/٧٨- ٧٩) . * ٣٠٨٤ - (إن الدجال يطوي الأرض كلها إلا مكة والمدينة، فيأتي المدينة فيجد بكل نقب من أنقابها صفوفاً من الملائكة، فيأتي سبخة الجرف، فيضرب رواقه، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل منافق ومنافقة) . أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (١٢/١٨١ و١٥/١٤٣) : يونس بن

стр. 5030

محمد عن حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس: أن رسول الله ﷺ -قال ... فذكره. وأخرجه مسلم (٨/٢٠٦- ٢٠٧) من طريق ابن أبي شيبة، ولم يسق لفظه بتمامه، وإنما أحال به على ما قبله من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: حدثني أنس بن مالك بلفظ: "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال؛ إلا مكة والمدينة.. "، والباقي نحوه. وأخرجه البخاري (١٨٨١) أيضاً، ومن طريقه: البغوي في "شرح السنة " (٧/٣٢٦/٢٠٢٢) ، وابن حبان (٦٧٦٥- الإحسان) ، وأحمد (٣/٢٣٨) . * ٣٠٨٥ - (يا أيُّها الناس! لا تَطْرُقُوا النساء ليلاً، ولا تَغْتَرُّوهُنَّ) . أخرجه البزار في "مسنده " (٢/ ١٨٦/ ١٤٨٥- كشف الأستار) : حدثنا محمد بن معمر: ثنا محمد بن عبد الله (!) : أنبأ عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أقبل من غزوة فقال ... فذكره، وقال البزار: "إنما يعرف عن ابن عجلان عن نافع، تفرد به محمد بن عبيد عن عبيد الله ". قلت: وهما ثقتان من رجال الشيخين، وكذلك سائر الرواة، ومحمد بن عبيد- هو الطنافسي-؛ ذكره الحافظ المزي في جملة الرواة عن عبيد الله- وهو ابن عمر العمري المصغر-، وعليه: فقوله في أول السند: ".. محمد بن عبد الله " كأنه خطأ من الناسخ، وإنما لم أقل: "من الطابع "؛ لأنه كذلك وقع في النسخة المصورة.

стр. 5031

وقد تابع نافعاً سالم بن عمر؛ فقال البزار (١٤٨٦) : "نسخت من كتاب أحمد بن الفرج: عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن [سالم عن] أبيه أن النبي- ﷺ نهى أن تطرق النساء ليلا". فلما نظر في الكتاب قال: "رأيته عندي في موضعين: مَرَّةَّ: عن سالم عن أبيه؛ ومَرَّةَّ: عن سالم " (١) . قلت: أحمد بن الفرج- وهو أبو عتبة الحمصي- ضعيف، وقد اضطرب بين وصله وارساله، والأول أرجح، فقد تابعه عليه الحسن بن داود المنكدري قال: ثنا ابن أبي فديك به موصولاً. أخرجه ابن عدي في "الكامل " (٢/٣٣٣) ، وهذه متابعة قوية؛ فالحسن هذا قال الحافظ في "التقريب ": "لا بأس به ". فثبت الإسناد من هذا الوجه أيضاً، والحمد الله. وقول البزار: "إنما يعرف عن ابن عجلان عن نافع ". لعله يعني من حيث الشهرة، فلا ينافي صحته من غير طريق ابن عجلان، فقد تابعه من هو أحفظ وأوثق منه، وهو عبيد الله العمري كما تقدم. وتابعه أيضاً عمر بن محمد- وهو ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدني- عن نافع بلفظ:

стр. 5032

أن رسول الله ﷺ لما قدم من غزوة قال: "لا تطرقوا النساء". وأرسل من يؤذن في الناس أنه قادم بالغداة. أخرجه أبو عوانة في "صحيحه " (٥/١١٧) ، وكذا ابن خزيمة (٩/٣٤٠) ، والبيهقي (٩/١٧٤) من طريق ابن وهب: أخبرني عمر بن محمد به. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وأما حديث ابن عجلان فيرويه خالد بن الحارث: ثنا محمد بن عجلان عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ نزل العقيق؛ فنهى عن طروق النساء الليلة التي يأتي فيها، فعصاه فتيان؛ فكلاهما رأى ما يكره. أخرجه أحمد (٢/ ١٠٤) ، والبزار (١٤٨٥) . قلت: وهذا إسناد جيد، كما قال الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (٢/٤٦) . وللعصيان الذي في هذه الرواية شاهد من حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطرقوا النساء ليلاً"؛ يعني: إذا قدم أحدكم من سفر لا يأتي أهله إلا نهاراً. قال: فقدم رسول الله ﷺ قافلاً من سفر، وذهب رجلان؛ فسبقا بعد قول رسول الله ﷺ ؛ فأتيا أهليهما؛ فوجد كل واحد مع أهله رجلاً. أخرجه الدارمي (١/١١٨) ، والبزار (١٤٨٧) ، والطبراني في " الكبير" (١١/٢٤٥/١١٦٢٦) من طريق زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عنه، والسياق للطبراني.

стр. 5033

قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ من أجل زمعة وسلمة، ولكنهما ليسا شديدي الضعف، فيستشهد بهما. وروى أحمد (٣/ ٤٥١) ، والحاكم (٤/٢٩٣) من طريق أبي سلمة عن عبد الله ابن رواحة ﵁. أنه كان في سفر، فقدم، فتعجل إلى أهله ليلاً، فإذا شيء نائم مع امرأته فأخذ السيف، فقالت امرأته: [إليك إليك عني] ؛ هذه فلانة مشطتني، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك، فقال النبي ﷺ : "لا تطرقوا النساء ليلاً". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ". ورده الذهبي بقوله: "قلت: ذا مرسل ". وبينه الهيثمي فقال (٤/ ٣٣٠) : "رواه أحمد والطبراني باختصار، ورجاله رجال "الصحيح "؛ إلا أن أبا سلمة لم يلق ابن رواحة". قلت: لكن له شاهد من حديث جابر قال: أتى ابن رواحة ﵁ امرأته وامرأة تمشطها، فأشار بالسيف، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فنهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً. أخرجه أبو عوانة (٥/١١٦) بسند صحيح، وأصله في "صحيح مسلم " (٦/٥٦) ، ونحوه البخاري (٥٢٤٣) .

стр. 5034

ورواه أحمد (٣/٣٩١) من طريق أخرى عن جابر مختصراً مرفوعاً بلفظ: "لا يطرقن أحدكم أهله ليلا" وإسناده صحيح أيضاً. (تنبيه) : حديث الترجمة أخرجه عبد الرزاق في "المصنف " (٧/٤٩٥/١٤٠١٦) عن عبيد الله بن عمر به؛ لكن لم يذكر فيه رسول الله ﷺ ؛ فلا أدري أسقط ذلك من الناسخ أو الطابع؛ أم الرواية هكذا عنده؟ ! وقد وقعت فيه كلمة (دعمروهن) هكذا مهملة الحروف، وكذلك وقعت في "كشف الأستار"، ولم يعرف وجهها الشيخ الأعظمي في تعليقه عليه وعلى "المصنف "، فأهمل إعجامه وتفسيره، وقد بينها ابن الأثير في "النهاية"، فقال في مادة (غرر) : "وفي حديث عمر (!) : "لا تطرقوا النساء ولا تغتروهن "، أي: لا تدخلوا إليهن على غرة، يقال: اغتررت الرجل: إذا طلبت غرته؛ أي: غفلته ". * ٣٠٨٦ - (ألا لا يَبِيتنَّ رجلُ عند امرأةٍ ثيبٍ؛ إلا أنْ يكون ناكحاً أو مَحْرَماً) . أخرجه مسلم (٧/٧) ، وابن أبي شيبة في "المصنف " (٤/٤٠٩) - ومن طريقه: عبد بن حميد (١٠٧٣) -، والنسائي في "السنن الكبرى" (٢/٣٨٦/ ٩٢١٥) ، ومن طريقه: ابن عبد البر في "التمهيد" (١/٢٢٧) ، وأبو يعلى في "مسنده " (٣/٣٧٦ و ٣٨٤/١٨٤٨ و ١٨٥٩) ، وعنه ابن حبان (٥٥٨٧ و٥٥٩٠- المؤسسة) ، وكذا البيهقي (٧/٩٨) ، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٨/١٠٩) من

стр. 5035

طرق عن هُشَيْمٍ: أخبرنا أبو الزبير عن جابر قال: قال: رسول الله ﷺ ... فذكره. قلت: ولم يصرح أبو الزبير بالتحديث عندهم جميعاً؛ وهو مدلس معروف؛ ولا رأيته من رواية الليث بن سعد عنه عند أحد منهم أومن غيرهم؛ لكنه بمعنى ما رواه عبد الرحمن بن جبير أن عبد الله بن عمرو بن العاص حدثه: أن نفراً من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس، فدخل أبو بكر الصديق- وهي تحته يومئذ- فرآهم، فكره ذلك، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ -وقال: لم أر إلا خيراً! فقال رسول الله- ﷺ : "إن الله قد برأها من ذلك ". ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر، فقال: "لا يَدْخُلَنَّ رجل بعد يومي هذا على مُغِيبَةٍ إلا ومعه رجل أو اثنان ". أخرجه مسلم (٧/٨) ، والنسائي في "الكبرى" (٩٢١٧) ، وفي "فضائل الصحابة " (٢٨٤) ، وابن حبان (٥٥٨٥- المؤسسة) ، والبيهقي (٧/٩٠) ، وأحمد (٢/١٧١، ١٨٦، ٢١٣) ، وزاد في رواية: " قال عبد الله بن عمرو: فما دخلت بعد ذلك المقام على مُغِيبَة إلا ومعي واحد أو اثنان ". (تنبيهات) : الأول: قوله في حديث الترجمة: "امرأة ثيِّب "؛ هكذا وقع في "صحيح مسلم "، و"تاريخ بغداد"، ورواية للبيهقي. ووقع في رواية أبي يعلى، وابن حبان: "امرأة في بيت "، وأما ابن أبي شيبة، والنسائي فأسقطا اللفظين: "ثيب " و"بيت "، وهو رواية للبيهقي! ولعل الراجح من ذلك رواية مسلم؛ لموافقتها حديث أسماء بنت عميس. والله تعالى أعلم.

стр. 5036

قال النووي في "شرح مسلم ": "قال العلماء: إنما خص (الثيب) بالذكر، لكونها التي يدخل إليها غالباً، وأما البكر فمصونة متصونة في العادة؛ مجانِبَةٌ للرجال أشد مجانَبَةٍ، فلم يُحتج إلى ذكرها. ولأنه من باب التنبيه؛ لأنه إذا نهى عن الثيب التي يتساهل الناس في الدخول عليها في العادة؛ فالبكر أولى". قلت: يعني أنه باب القياس الأولوي؛ كقوله تعالى في تأديب الولد مع والديه: (ولا تقل لهما أف) [الإسراء/٢٣] ؛ فمن باب أولى أنه لا يجوز له أن يضربهما بكف! الثاني: من أوهام السيوطي أو تساهله أنه ذكر الحديث في "الزيادة على الجامع الصغير" بلفظ أبي يعلى المذكور: "في بيت " وعزاه لمسلم فقط! وهكذا وقع في " الفتح الكبير" تبعاً لأصله؛ وكذلك في " صحيح الجامع الصغير"؛ فليصحَّح. الثالث: أن بعض المشتغلين بهذا العلم الشريف لا يصارحون قراءهم بالكشف عن علة الإسناد أداء للأمانة العلمية، فهذا- مثلاً- المعلق على "الإحسان/ طبعة مؤسسة الرسالة" يقول في تعليقه على الحديث في الموضع الأول منه (١٢/٤٠٠) : "رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي الزبير فمن رجال مسلم ". ثم عزاه لمسلم، ولما جاء دور تعليقه عليه في الموضع الآخر (١٢/٤٠٣) منه؛ زاد هناك على قوله المذكور: "وهو مدلس، وقد عنعن "!

стр. 5037

ولم يعزه هنا لمسلم؛ وانما أحال في تخريجه على الموضع الأول. ولقد كان حقه أن يذكر هذا هناك أداء للأمانة، وإنما لم يفعل لكي لا ينتقده بعض الجهلة - مبطلين- بأنه أعل حديث مسلم! فكان عاقبة أمره أنه انتقد بحق!! * ٣٠٨٧ - (أنا آخذ بِحُجَزِكُم عن النار؛ أقولُ: إيَّاكم وجهنم! إياكم والحدود! فإذا متُّ فأنا فَرَطُكُم ومَوْعِدُكُم على الحوضِ، فَمَن وَرَدَ أفلح. ويأتي قومٌ فيُؤخَُ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربِّ أمتي! فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك مُرتدِّين على أعقابهم) . أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/٧١/١٢٥٠٨) : حدثنا جعفر بن أحمد الشامي الكوفي: ثنا أبو كريب: ثنا مختار بن غسان عن أبي محياة يحيى ابن يعلى عن أبيه عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال ... فذكره. قلت: وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد، وفيه ما يلي: ١- يعلى- وهو ابن حرملة التيمي والد يحيى-؛ لم يوثقه غير ابن حبان (٥/٥٥٦) ، ولم يرو عنه غير ابنه. ٢- مختار بن غسان؛ لم يوثقه أحد، وذكر له في "التهذيب " راويين آخرين: إبراهيم بن إسماعيل الطلحي، وأحمد بن علي الأسدي، ولم أعرفهما. ٣- جعفر بن أحمد الشامي الكوفي، لم أجد له ترجمة، وليس من شيوخ الطبراني المشهورين؛ فإنه لم يرو له في "المعجم الأوسط " (١/١٩٢/ ١) إلا أربعة أحاديث (٣٥١١- ٣٥١٤) ؛ أحدها في "المعجم الصغير" (ص ٦٥- هندية) رقم (٦٣- الروض النضير) .

стр. 5038

ومن هذا البيان يتضح تساهل- أو خطأ- المعلق على "مجمع البحرين " حين قال (٨/١٢٨) تحت حديث ليث بن أبي سليم الآتي: "لكن رواه الطبراني في "الكبير" (١٢/ ٧١) بنحوه، وإسناده حسن "! والصواب أن يقال: "إسناده حسن لغيره ". لرواية ليث المشار إليها؛ أخرجها البزار (٤/١٧٦/ ٣٤٨٠) من طريق عبد الواحد ابن زياد عن ليث عن طاوس عن ابن عباس به. وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١/٣٣/١٠٩٥٣) ، و"الأوسط " (١/١٦٢/١/ ٣٠٢٢) وقال: "لم يرو هذا الحديث إلا عبد الواحد". قلت: وهو ثقة، وكذلك سائر الرواة؛ لكن الليث كان اختلط، فهو ممن يصلح للاستشهاد به، وقد رواه باسناد آخر؛ فقال: عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس به مثل رواية يعلى والد يحيى دون الشطر الثاني منه. أخرجه البزار (٢/٢١٠/١٥٣٦) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (٢/٢٤٦/٧٤٥ و٣٥٩/٧٧٣) مختصراً وأخرجه أحمد وابنه عبد الله في زوائده (١/٢٥٧) بالشطر الثاني دون ما قبله إلا مختصراً بلفظ: "وأنا فرطكم على الحوض؛ فمن ورد أفلح. ويؤتى بأقوام.." الحديث. ومن الغرائب قول الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على " المسند" (٤/٩٤) :

стр. 5039

"إسناده صحيح؛ عبد الملك بن سعيد بن جبير ثقة؛ أخرج له.." فتكلم حول هذا الثقة، وكان يكفي منه الاشارة إلى ذلك، وأعرض عن الكلام في الليث بن أبي سليم. ولله في خلقه شؤون. والشطر الثاني من الحديث قد جاء عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة في " الصحيحين " وغيرهما. وأما قوله: "أنا فرطكم على الحوض "؛ فهو متواتر عن النبي ﷺ ، وقد خرج الكثير الطيب منها الحافط ابن أبي عاصم في أول الجزء الثاني من "كتاب السنة"، فليراجعها من شاء. (تنبيه) : عرفت مما سبق اختلاف ألفاظ الحديث عند مخرجيه: أحمد والبزار والطبراني في "معجميه "، واختلاف أحد طريقي "المعجم الكبير" عن الطريق الأخرى عندهم. فمن سوء الكلام والتخريج لهذا الحديث: ما وقع فيه الشيخ الأعظمي في تعليقه على "كشف الأستار"؛ فإنه لم يبين الفرق بين رواياتهم والاختلاف الذي فيها طولاً وقصراً، فأوهم أن اللفظ الذي عند أحمد هو لفظ البزار؛ كما أنه أوهم أنه ليس له طريق آخر غير طريق الليث، والواقع خلافه كما سبق بيانه. * ٣٠٨٨ - (كان بعث الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط إلى بني المُصطَلِقِ ليأخذ منهم الصدقات، وأنه لما أتاهم الخبرُ فرحوا، وخرجوا ليتلقَّوا رسولَ رسولِ الله ﷺ ، وأنَّه لَمَّا حُدِّثَ الوليدُ أنهم خرجوا يَتَلَقَّوْنَهُ رجع إلى رسول الله ﷺ ؛ فقال: يا رسول الله! إن بني المصطلق قد مَنَعُوا الصدقة.

стр. 5040

فَغَضِبَ رسول الله ﷺ من ذلك غضباً شديداً، فبينما هو يُحَدِّثُ نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد، فقالوا: يا رسول الله! إنا حُدِّثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنّا خشينا أن يكون إنما رّدَّهُ كتابٌ جاءه منك لغضبٍ غَضِبتَهُ علينا، وإنا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله! وأن رسول الله اسْتَعْتَبَهُم (!) وهَمَّ بهم، فأنزل الله عُذرَهُم في الكتاب: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) [الحجرات/٦] أخرجه ابن جرير الطبري في "التفسير" (٢٥/٧٨) ، والبيهقي في "سننه " (٩/٥٤- ٥٥) - والسياق له- من طريق عطية بن سعد عن ابن عباس ﵄ قال ... فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف عطية وبعض من دونه؛ لكن له شواهد تدل على صحته: أولاً: ما رواه موسى بن عبيدة عن ثابت مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: "بعث رسول الله ﷺ رجلاً في صدقات بني المصطلق.. " الحديث نحوه. أخرجه ابن جرير وموسى بن عبيدة ضعيف. ثانياً: ما روى يعقوب بن حميد: ثنا عيسى بن الحضرمي بن كلثوم بن علقمة بن ناجية بن الحارث الخزاعي عن جده كلثوم عن أبيه علقمة قال:

стр. 5041

"بعث إلينا رسول الله ﷺ -الوليد بن عقبة بن أبي معيط يُصَدِّقُ أموالنا.. " الحديث نحوه، وفيه: "وذلك بعد وقعة (المريسيع) ، وفيه: "فقبل منهم الفرائض.. فرجعوا إلى أهليهم، وبعث إليهم من يقبض بقية صدقاتهم " أخرجه ابن أبي عاصم في "الأفراد" (٤/٣٠٩- ٣١٠) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٨/٦- ٧) . قلت: وهذا إسناد حسن؛ كما سيأتي بيانه في حديث آخر برقم (٣٢٣٢) . وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد" (٧/ ١١٠) : "رواه الطبراني بإسنادين؛ في أحدهما يعقوب بن حميد بن كاسب، وثقه ابن حبان، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات ". قلت: الراجح في يعقوب هذا أنه حسن الحديث؛ كما بينت هناك، وأما الإسناد الآخر الذي أشار إليه الهيثمي؛ ففيه يعقوب بن محمد الزهري؛ فهو ضعيف. ثم إن متنه مختصر جداً؛ مع زيادة فيه غريبة، ولفظه برقم (٥) : عن أبيه: أنه كان في وفد بني المصطلق إلى رسول الله ﷺ في أمر الوليد بن عقبة: أن رسول الله- ﷺ قال: "انصرفوا غير محبوسين ولا محصورين ". ثالثاً: قال عيسى بن دينار: ثنا أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي قال: قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه وأقررت به،

стр. 5042

فدعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله! أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، فيرسل إلي رسول الله ﷺ رسولاً إبان كذا وكذا، ليأتيك ما جمعت من الزكاة. فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ (الإبان) الذي أراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه، احتبس عليه الرسول فلم يأته؛ فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله ورسوله، فدعا بسرواتِ قومِهِ فقال لهم: إن رسول الله ﷺ -كان وَقَّتَ لي وَقْتاً يُرسلُ إليَّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله ﷺ الخُلْفُ؛ ولا أرى حبس رسوله إلا من سُخطةٍ كانت؛ فانطلقوا فنأتي رسول الله- ﷺ . وبعث رسول- ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فَرِقَ، فرجع فأتى رسول الله- ﷺ وقال: يا رسول الله! إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي! فضرب رسول الله ﷺ البعث إلى الحارث. فأقبل الحارث بأصحابه. حتى إذا استقبل البعث وفصل من المدينة؛ لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث! فلما غشيهم قال لهم: إلى من بُعِثتُم؟ قالوا: إليك! قال: ولم؟! قالوا: إن رسول الله ﷺ كان بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله! قال: لا والذي بعث محمداً بالحق! ما رأيتُهُ بَتَّةَّ ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول الله ﷺ قال:

стр. 5043

"منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟! ". قال: لا والذي بعثك بالحق! ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس عليَّ رسولَ رسولِ الله ﷺ ؛ خشيت أن تكون كانت سُخطة من الله ورسوله، قال: فنزلت (الحجرات) : (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) إلى هذا المكان: (فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم) أخرجه أحمد (٤/٢٧٩) ، وابن أبي عاصم في "الأفراد" (٤/٣٢٢/٢٣٥٣) ، والطبراني في "الكبير" (٣/٣١٠- ٣١١) من طريق محمد بن سابق: ثنا عيسى ابن دينار به. قلت: وهذا إسناد صحيح؛ رجاله كلهم ثقات مترجمون في "التهذيب ". ولذلك قال الحافظ ابن كثير في "التفسير": "إنه من أحسن طرق الحديث ". وقال السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٨٧) : "سنده جيد". وسكت الحافظ عنه في ترجمة (الحارث) من "الإصابة". وأما في ترجمة (الوليد بن عقبة) ؛ فإنه- بعد أن أخرج القصة من وجوه مرسلة- قال: "أخرجها الطبراني موصولة عن الحارث بن أبي ضرار المصطلقي مطولة، وفي السند من لا يعرف "! كذا قال ﵀! فإنه مع تقصيره في اقتصاره على الطبراني دون أحمد

стр. 5044

وغيره- ممن عزاه إليهم في الموضع الأول- فالطبراني قد رواه من ثلاثة طرق عن محمد بن سابق. فهل الجهالة التي أشار إليها هي في محمد بن سابق فمن فوقه - وهذا ما لا يتصور صدوره من الحافظ؛ بل ولا ممن دونه-، أم هي في الطرق الثلاث؟ وهذا كالذي قبله؛ فإنها لو كانت كلها مجهولة لم يجز إعلال الحديث بها لتضافرها، فكيف واثنان منها- على الأقل- صحيحان؟! فكيف وقد رواه أحمد عن محمد بن سابق مباشرة؟! لا شك أن ذلك صدر من الحافظ سهواً وغفلة. وكلنا ذاك الرجل: (ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) * ٣٠٨٩ - (إذا بُويعَ لِخلِيفتينِ؛ فاقتُلُوا الآخِرَ مِنْهُما) . جاء من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وأنس بن مالك، وعبد الله بن مسعود. ١- أما حديث أبي سعيد؛ فله عنه طريقان: الأولى: عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ .... فذكره أخرجه مسلم (٦/٢٣) ، وأبو عوانة (٤/ ٤٦٠) ، والبيهقي في "السنن " (٨/١٤٤) . والأخرى: عن بشر بن حرب أن ابن عمر أتى أبا سعيد الخدري فقال: يا أبا سعيد! ألم أخبر أنك بايعت أميرين من قبل أن يجتمع الناس على أمير واحد؟ قال: نعم بايعت ابن الزبير، فجاء أهل الشام فساقوني إلى حبيش بن دلجة (١) فبايعته. فقال ابن عمر: إياها كنت أخاف، إياها كنت أخاف! ومد بها (حماد) صوته.

стр. 5045

قال أبو سعيد: يا أبا عبد الرحمن! أولم تسمع أن النبي ﷺ قال: "من استطاع أن لا ينام نوماً، ولا يصبح صباحاً، ولا يمسي مساءً؛ إلا وعليه أمير "؟! قال: نعم، ولكني أكره أن يبايع أميرين من قبل أن يجتمع الناس على أمير واحد. أخرجه أحمد (٣/٢٩- ٣٠) . قلت: وبشر بن حرب هذا ضعفه الأكثر، وقال الذهبي في "الكاشف ": "ضعيف ". وقال الحافظ: "صدوق فيه لين ". ٢- وأما حديث أبي هريرة؛ فيرويه أبو هلال عن قتادة عن سعيد عنه مثل حديث الترجمة. أخرجه البزار في "مسنده " (٢/٢٣٥/١٥٩٥) ، والطبراني في "المعجم الأوسط " (٤/٣٢٠/ ٢٥٣٤- مجمع البحرين) ، وابن عدي في "الكامل " (٦/٢١٣) . وأبو هلال هو محمد بن سليم الراسبي، صدوق فيه لين؛ لكنه قد خولف في إسناده. فأخرجه ابن عدي من طريق أبي الوليد عن همام عن قتادة عن سعيد بن المسيب به مرسلاً. وذكر ابن عدي عن أبي موسى محمد بن المثنى- الراوي له عن أبي الوليد- أنه قال: "قلت لأبي الوليد: فإن أبا هلال حدث عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ! قال لي أبو الوليد: يا أبا موسى! إن أبا هلال لا يحتمل هذا".
следующие страницы →