← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

وأما محمد - وهو ابن القاسم كما في حديث آخر قبله عند ابن عدي -؛ فلم أعرفه. وللحديث طريق أخرى بلفظ آخر عن سالم به، وقد مضى برقم (٦٧٤) ، وقد أخرجه البزار أيضاً، وأشار إليه الهيثمي عقب هذا المتن، وقال (٨/١٤٨) : "رواه البزار بإسنادين رجالهما ثقات ". * ٣١٠٠ - (مَن قال عليّ ما لم أَقُلْ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مقعده من النار) . ورد من حديث جمع من الصحابة ﵃ بهذا اللفظ، وأنا سائق ما تيسر لي الوقوف عليه من الطرق عنهم مما يحتج أو يستشهد به. الأول: عثمان ﵁؛ يرويه عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت عثمان بن عفان ﵁ يقول: ما يمنعني أن أحدث عن رسول الله- ﷺ أن لا أكون أوعى أصحابه عنه، ولكني أشهد لسمعته يقول ... فذكره. أخرجه البخاري في " التاريخ " (٣/٢/٢٠٩) ، والطحاوي في "مشكل الآثار" (١/١٦٦) ، وأحمد (١/٦٥) ، والبزار (١/١١٣/٢٠٥) . قلت: وهذا إسناد حسن للخلاف المعروف في عبد الرحمن بن أبي الزناد، وصححه الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "المسند" (١/٣٦٣) . الثاني: أبو هريرة ﵁؛ وله عنه طرق: الأولى: عن محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو سلمة عن أبى هريرة عن رسول الله- ﷺ قال ... فذكره. أخرجه ابن ماجه (٣٤) ، وابن حبان (رقم ٢٨- الإحسان) .

стр. 5077

قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات، على الخلاف المعروف في محمد بن عمرو، وقد خولف في إسناده، فقال حصن: حدثني أبو سلمة: حدثتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال ... فذكره. أخرجه الطحاوي في "المشكل " (١/١٦٨) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٥/١٤٥) من طريق بشر بن بكر: حدثنا الأوزاعي: حدثنا حصن به. قلت: ورجاله ثقات؛ غير حصن هذا؛ قال ابن القطان: "لا يعرف حاله ". قلت: فلا يعتد بمخالفته. الثانية: عن بكر بن عمرو عن أبي عثمان مسلم بن يسار عن أبي هريرة به أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (٨/٧٦٢) ، والبخاري في "الأدب المفرد" (٢٥٩) ، والطحاوي (١/١٧١) ، والحاكم (١/١٠٢) ، ومن طريقه البيهقي (١٠/١١٢) ، وأحمد (٢/٣٢١) من طريق سعيد بن أبي أيوب عنه به. كلهم أخرجوه من طريق عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن، وزاد أحمد: "من كتابه ". وزاد زيادة أخرى؛ وهي أنه أدخل بين بكر بن عمرو وأبي عثمان: عمرو بن أبي نعيمة، وهي رواية الحاكم؛ لكن من رواية ابن وهب عن سعيد بن أبي أيوب، وقال الحاكم عقبها: " تابعه يحيى بن أيوب عن بكر بن عمرو ". ثم وصله هو والبيهقي والطحاوي من طريقين عن يحيى عن بكر عن عمرو ابن أبي نعيمة به. وتابعه رشدين: حدثني بكر بن عمرو به

стр. 5078

أخرجه أحمد (٢/٣٦٥) . وبهاتين المتابعتين تترجح رواية أحمد من كتاب عبد الله بن يزيد التي فيها زيادة عمرو بن أبي نعيمة في الإسناد، وبذلك ينكشف لي أن الإسناد ضعيف؛ خلافاً لما كنت ذهبت إليه قديماً في بعض التعليقات، وذلك لأن عمرو بن أبي نعيمة قال الدارقطني فيه: " مصري مجهول، يترك ". وأما ابن حبان، فذكره في "الثقات " (٧/٢٢٩) على القاعدة! وإذا علمت ذلك؛ ففي حديث ابن أبي نعيمة هذا زيادة عند البخاري وغيره: " ومن استشاره أخوه المسلم؛ فأشار عليه بغير رشد؛ فقد خانه؛ ومن أفتى فتيا بغير تثبت؛ فإثمه على من أفتاه ". وهذه الزيادة عند أبي داود (٣٦٥٧) ؛ وللدارمي الجملة الثانية منها (١/٥٧٠) ؛ ولم يذكر في إسناده ابن أبي نعيمة؛ وهو إحدى روايتي أبي داود. وقد قال الذهبي في ترجمته من " الكاشف": " لا يصح خبره " يشير إلى هذا الحديث بهذه الزيادة، وإلا؛ فالجملة الأولى منه صحيحة؛ لما لها من الشواهد والطرق كما تقدم ويأتي. على أن هذه الجملة قد صحت من طريق أخرى عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: " من كذب علي متعمداً؛ فليتبوأ.. ".

стр. 5079

أخرجه البخاري (رقم ١١٠) ، ومسلم (١/٧- ٨) وغيرهما. ولحديثه طريق أخرى بلفظ الترجمة في مقدمة "موضوعات ابن الجوزي " (١/٦٢) فيها عمر بن صالح برواية خالد بن مخلد عنه. وعمر هذا أورده ابن أبي حاتم (٣/١/١١٦) بهذه الرواية وقال: "سألت أبي عنه؟ فقال: ليس بقوي ". وأما ابن حبان؛ فذكره في "الثقات " (٨/٤٤٣) ، وانظر تعليقي عليه في "التيسير". الثالث: عبد الله بن عمرو؛ رواه يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد عنه قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول ... فذكره. أخرجه أحمد (٢/١٥٨ و١٧١) . قلت: وهذا إسناد حسن. الرابع: عن عقبة بن عامر؛ يرويه أبو عشانة: أنه سمع عقبة بن عامر يقول ... فذكره مرفوعا ً. أخرجه أحمد (٤/١٥٩ و٢٠١) ، والطبراني في "الكبير" (١٧/ ٣٠١ و٣٠٥/ ٨٣٢ و ٨٤٣) من طريقين عنه. قلت: وإسناده صحيح، وأبو عُشّانة اسمه حي بن يؤمن، وهو ثقة، وقال الهيثمي (١/ ١٤٤) : " رواه أحمد، والبزار، والطبراني في " الكبير"، ورجاله ثقات ". الخامس: الزبير بن العوام؛ يرويه عتيق بن يعقوب: حدثنا أبي: حدثني الزبير بن خبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير عن هشام بن عروة عن أبيه قال:

стр. 5080

قال ابن الزبير لأبيه: يا أبت! حدثني عن رسول الله ﷺ حتى أحدث عنك؛ فإن كل أبناء الصحابة يحدث عن أبيه، قال: يا بني! ما من أحد صحب النبي ﷺ بصحبة إلا وقد صحبته بمثلها أو أفضل، ولقد علمت يا بني! أن أمك أسماء بنت أبي بكر كانت تحتي، ولقد علمت أن عائشة بنت أبي بكر خالتك، ولقد علمت أن أمي صفية بنت عبد المطلب، وأن أخوالي حمزة وأبو طالب والعباس، وأن رسول الله ﷺ ابن خالي، ولقد علمت أن عمتي خديجة بنت خويلد كانت تحته، وأن ابنتها فاطمة بنت رسول الله ﷺ ولقد علمت أن أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وأن أم صفية وحمزة: هالة بنت وهب، ولقد صحبته بأحسن صُحْبَةٍ والحمد الله، ولقد سمعته يقول ... فذكر الحديث. أخرجه ابن حبان (٦٩٨٢- المؤسسة) ، والحاكم (٣/٣٦١) ، وسكت عنه هو والذهبي، وأقول: إسناده ضعيف؛ لجهالة - أو ضعف - الزبير بن خبيب - بالخاء المعجمة كما في "الإكمال "، ووقع في "الكامل " و "الميزان " و "اللسان " وغيرها بالحاء المهملة! - لم يرو عنه غير اثنين، وقال الذهبي: "فيه لين ". وانظر "الضعيفة" رقم (٦١٠٠) فقد رجحت فيه أنه صدوق. ويعقوب - هو ابن صديق بن موسى الزبيري المدني - والد عتيق، ولم أجد له ترجمة، وأما ابنه عتيق فهو ثقة، وثقه الدارقطني، وروى عنه أبو زرعة، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٨/٥٢٧) ، وترجم قبله لآخر (٨/٢٢٥) ، وسمى أباه "محمداً"، فظن الحافظ في " اللسان " أن ابن حبان لم يعرف نسبه، وهو وهم من

стр. 5081

الحافظ؛ خفي عليه الترجمة الأولى التي ساق فيها نسبه، ولكنه جعلهما اثنين وهما واحد؛ كما حققته في " التيسير". والحديث في "صحيح البخاري " (رقم ١٠٧) من طريق عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله- ﷺ كما يحدث فلان وفلان؟ قال: أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول ... فذكره بلفظ: "من كذب علي؛ فليتبوأ.. " الحديث، وهو بهذا اللفظ متواتر كما في " الجامع الصغير" وغيره، وزاد فيه أحمد، وأبو يعلى (رقم ٦٦٧) : " متعمداً " وهي زيادة محفوظة فيه؛ وإن كان الرواة اختلفوا فيه على شعبة؛ كما أفاده الحافظ (١/٢٠٠- ٢٠١) ، وأيده الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "المسند" (٣/٧- ٨) ، ولا ينافي الاختلاف المذكور أن الزيادة صحت في الحديث عن غير شعبة؛ كما توهم المعلق على "مسند أبي يعلى" (٢/٣١) ، فأخرجها أبو داود في "سننه " (٣٦٥١) من طريق أخرى عن عامر بن عبد الله به؛ كما سنحققه إن شاء الله تعالى في "صحيح أبي داود". وقد ثبتت في رواية جمع آخر من الصحابة ﵃؛ منهم أبو هريرة في رواية الشيخين كما تقدم؛ ومنهم ابن عمرو، وأبو سعيد، وغيرهم، وقد خرجت بعضها في "الروض النضير" (٥٨٢) ، ولذلك فإنكار بعض الكتاب لهذه الزيادة- كصاحب "أضواء على السنة المحمدية"- جهل وضلال؛ كما كنت ذكرت ذلك في مقدمة "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (١/٤٩- طبعة مكتبة المعارف) ، و (١٠١١) أيضاً، وبينت أن من ضلالهم أن الزيادة لو فرض عدم ثبوتها في الحديث؛ فمعناها لابُدَّ من تقديره؛ وإلا؛ فهو وأمثاله أول من يشملهم وعيد

стр. 5082

الحديث؛ لأنه لا بد أنهم يخطئون في روايتهم الأحاديث أكثر من غيرهم؛ لجهلهم بالسنة وعدم اعتنائهم بها. السادس: سلمة بن الأكوع، يرويه يزيد بن أبي عبيد عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يَقُلْ عليّ ... " الحديث. رواه البخاري (١٠٩) : حدثنا مكي بن إبراهيم قال: حدثنا يزيد بن أبي عُبيد. قلت: وهذا إسناد ثلاثي صحيح. السابع: ابن عمر ﵄؛ يرويه عبد الله بن دينار عنه في حديث له بلفظ: "ومن أفرى الفرى من قال علي ما لم أقل ". وتقدم تخريجه تحت الحديث (٣٠٦٣) . الثامن: واثلة بن الأسقع؛ يرويه عبد الواحد بن عبد الله النَّصْري عنه مرفوعاً مثله. أخرجه البخاري (٣٥٠٩) ، والطبراني في "مسند الشاميين " (ص ٢١١ و ٣٦٩ - ٣٧٠) ؛ وتقدم أيضاً هناك. التاسع: أبو موسى الغافقي؛ يرويه عنه وداعة الحمدي، وعنه يحيى بن ميمون الحضرمي، وعن هذا عمرو بن الحارث، واختلف الرواة عليه؛ فمنهم من لم يذكر فيه (وداعة) ، وهو مجهول لم يوثقه غير ابن حبان، وفيه لفظة غريبة - كما قال الحاكم-، ومن أجلها خرجته في "الضعيفة" (٦٤٠٦) . *

стр. 5083

٣١٠١ - (لا تَصُمْ يومَ السبتِ إلا في فريضةٍ، ولو لم تَجِدْ إلا لحاءَ شجرةٍ فَأَفْطِرْ عليهِ) . أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير" (٨/٣٠٣/٧٧٢٢) : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني الحكم بن موسى: ثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله ابن دينار عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال ... فذكره. قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ لكن فيه علة؛ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/١٩٨) : " رواه الطبراني في "الكبير" من طريق إسماعيل بن عياش عن الحجازيين، وهو ضعيف فيهم ". قلت: وهو كما قال؛ لكن لإسماعيل بن عياش فيه إسناد آخر شامي صحيح؛ قال الإمام أحمد (٦/٣٦٨- ٣٦٩) : ثنا الحكم بن نافع قال: ثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن الوليد الزبيدي عن لقمان بن عامر عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء به نحوه. وهو مخرج في "الإرواء " (٤/ ١٢١) من هذه الطريق وغيرها. وهذا الإسناد أصح؛ لأن الحكم بن نافع ثقة ثبت، والحكم بن موسى صدوق كما قال الحافظ في "التقريب "، فإسناد الأول صحيح؛ لأن محمد بن الوليد الزبيدي ثقة ثبت. وقد تابع ابن نافع ضمرةُ بن ربيعة عن إسماعيل بن عياش به. أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين " (ص ٣١٧) .

стр. 5084

وخالف إسماعيل بقية بن الوليد؛ فقال: عن الزبيدي عن لقمان بن عامر عن عامر بن جشيب عن خالد بن معدان به؛ إلا أنه لم يقل: "عن أخته الصماء"، وأدخل عامر بن جشيب بين لقمان وخالد. وابن جشيب وثقه الدارقطني، فهذه متابعة قوية من ابن جشيب لولا عنعنة الوليد. لكن هناك متابعة قوية جداً رواها ثلاثة من الثقات عن ثور بن يزيد عن خالد ابن معدان به مثل رواية الحكم بن نافع. وهو مخرج في (الإرواء) . وقد ذكرت له فيه شاهداً صحيحاً من حديث أبي أمامة مرفوعاً؛ فليراجعه هناك من شاء الوقوف عليه. ولقد كان الغرض من تخريج الحديث هنا بعد أن كنا حققنا الكلام عليه هناك في "الإرواء" تخريجاً وتصحيحاً، إنما هو تحقيق الكلام على طريق الحكم بن موسى هذه عن إسماعيل عن عبد الله بن دينار عن أبي أمامة. والآن يبدو لي أنه لا يبعد أن يكون إسماعيل لم يخطئ في إسناده عن أبي أمامة؛ ما دام أن غيره قد رواه أيضاً عنه كما ذكرت آنفاً. والله أعلم. وإذا عرفت ما تقدم؛ فمن الظلم للسنة والانحراف عنها أن يبادر بعض المعاصرين إلى الشك في صحة هذا الحديث بله الجزم بضعفه؛ فضلاً عن القول بأنه كذب! والله المستعان. ثم وجدت له شاهداً أو طريقاً أخرى، يرويه أحمد (٦/٣٦٨) : حدثنا حسن ابن موسى قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: ثنا موسى بن وردان، قال: أخبرني عمير ابن جبير (!) مولى خارجة: أن المرأة التي سألت رسول الله ﷺ عن صيام يوم السبت حدثته: أنها سألت رسول الله ﷺ -عن ذلك؟ فقال: " لا لكِ؛ ولا عليك ".

стр. 5085

وهذا إسناد رجاله ثقات، فهو إسناد جيد لولا ما في ابن لهيعة من الضعف الذي ظهر في أحاديثه بعد احتراق أصوله وكتبه. ومن الظاهر أن هذا مما لم يحسن ضبط لفظه. وهو على كل حال شاهد لا بأس به في الجملة؛ لأن قوله: (لا لكِ) يلتقي مع الروايات الأخرى المتفقة على النهي. وأما قوله: (ولا عليك) فينافي (النهي) والأمر بالإفطار ولو على لحاء شجرة؛ فهو من تخاليط ابن لهيعة. والله أعلم. (تنبيه) : قوله في السند: (عمير بن جبير) خطأ نشأ عن تصحيف. والصواب (عبيد بن حنين) ، وهو مذكور في "التهذيب "، كما قال الحافظ في "التعجيل " (٣٢١/٨١٩) وقد تقدم الحديث في هذه "السلسلة" (٢٢٥- الطبعة الجديدة لمكتبة المعارف) ، ولا يخلو الموضعان عن فائدة زائدة. * ٣١٠٢ - (إياكم ومُحقراتُ الذنُوبِ، كقَومٍ نَزلُوا في بطْنِ وادٍ فجاءَ ذا بعودٍ، وجاء ذا بعودٍ حتى أنضَجُوا خبزتهم، وإنَّ محقَّراتِ الذُّنوب متى يُؤخذ بها صاحبُها تُهلِكْهُ) . أخرجه الإمام أحمد (٥/٣٣١) : ثنا أنس بن عياض: حدثني أبو حازم- لا أعلمه إلا- عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وهو من ثلاثيات "المسند". وأخرجه الروياني في "مسنده " (٢٩/١٢/ ١- ٢) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٦/٢٠٤/٥٨٧٢) والأوسط (٢/١٦١/٧٤٥٩) و" الصغير" (ص ١٨٧- هندية) من طرق أخرى عن أنس بن عياض به. وقال الحافظ ابن كثير في "التفسير"

стр. 5086

(٤/٢٦٠) بعد أن ساقه من طريق أحمد: " وله شواهد من وجوه أُخرَ صحاح وحسان ". قلت: منها حديث ابن مسعود مرفوعاً مثله. أخرجه الطيالسي في "مسنده " (٥٣/ ٤٠٠) : حدثنا عمران القطان عن قتادة عن عبد ربه عن أبي عياض عنه. قلت: وهذا إسناد حسن، ورواه جمع آخر من هذا الوجه، وهو مخرج في "الروض النضير" (٣٥١) . وله شاهد آخر من حديث عائشة ﵂ مختصراً، وقد مضى برقم (٥١٣) ، وكذا (٢٧٣١) . وقد تقدم الحديث في هذه "السلسلة" (٣٨٩) . * ٣١٠٣ - (أَبشرْ يا كعبُ! فقالَتْ أمُّه: هنيئاً لكَ الجنَّةُ يا كعبُ! فقال: من هذه المتألّيةُ على الله؟ ! قالَ: هيَ أمِّي يا رسول الله! فقال: وما يدريك يا أمَّ كعب؟ ! لعلَّ كعباً قال ما لا يعنيه، أو منعَ ما لا يُغنيهِ) . أخرجه ابن أبي الدنيا في "الصمت " (٧٤/١١٠) : حدثنا أحمد بن عيسى المصري: حدثنا ضمام بن إسماعيل الإسكندراني: حدثني يزيد بن أبي حبيب وموسى بن وردان عن كعب بن عجرة ﵁: أن النبي ﷺ فقد كعباً، فسأل عنه؛ فقالوا: مريض، فخرج يمشي حتى أتاه، فلما دخل عليه قال ... فذكره. وأخرجه الخطيب في "التاريخ " (٤/٢٧٣) من طريق ابن أبي الدنيا،

стр. 5087

والطبراني في "المعجم الأوسط " (٢/١٤٩/ ٧٢٩٩ بترقيمي) : حدثنا محمد بن عبد الرحيم: ثنا أحمد بن عيسى المصري به. وقال: "لم يروه عن كعب إلا موسى بن وردان، تفرد به ضمام ". قلت: وهو صدوق ربما أخطأ كما قال الحافظ في "التقريب "، وقال الذهبي في "الميزان ": "صالح الحديث، لينه بعضهم بلا حجة ". قلت: وسائر الرواة ثقات من رجال الشيخين؛ غير موسى بن وردان، وهو صدوق كما في " الكاشف " و" التقريب " وزاد: " ربما أخطأ ". وأقول: هو مقرون بيزيد بن أبي حبيب الثقة كما ترى، ولا ينفي ذلك قول الطبراني: "لم يروه عن كعب إلا موسى" لأنه يعني: موصولاً، والله أعلم؛ لأن يزيد بن أبي حبيب ولد في نحو سنة (٤٨) ، ومات كعب بعد الخمسين، فالظاهر أنه لم يلقه، فكأن الطبراني ﵀ أشار إلى أنه منقطع من طريق يزيد؛ وموصول من طريق موسى، وقد ذكروا له رواية عن كعب بن عجرة، وقد أفادوا في ترجمة موسى أنه مات سنة سبع عشرة ومئة، وله أربع وسبعون سنة؛ فقد أدرك كعباً والله أعلم، - ولذلك؛ فيكون الإسناد حسناً - إن شاء الله تعالى -، ولعله لذلك سكت عنه الحافظ في "الإصابة" وعزاه للطبراني وحده في "الأوسط "، وقال شيخه الهيثمي في "المجمع " (١٠/٣١٤) : ".. وإسناده جيد". وقال المنذري في "الترغيب " (٤/١١٠) : ".. ولا يحضرني الآن إسناده، إلا أن شيخنا الحافظ أبا الحسن ﵀ -

стр. 5088

كان يقول: إسناده جيد". (تنبيه) : محمد بن عبد الرحيم شيخ الطبراني في هذا الحديث هو الديباجي التستري، ولم أقف له الآن على ترجمة، ويظهر لي أنه من مشايخه المعروفين، فقد روى له في "معجمه الأوسط " نحو عشرين حديثاً (٢/١٤٨/٢- ١٥٠/ ١) ، ولحديثه تتمة تراها في المكان المشار إليه من "الترغيب ". هذا، ولآخر الحديث شاهدان من حديث أنس وأبي هريرة - فيهما نكارة - بسندين ضعيفين، خرجتهما في الكتاب الآخر برقم (٦١٠٧) . * ٣١٠٤ - (كان إذا أوى إلى فِراشهِ كلَّ ليلةٍ جمَعَ كفَّيهِ، ثم نفَثَ فيهما، فقرأ فيهما (قل هو الله أحد) و (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) ، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأُ بهما على رأسهِ ووجههِ، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات) . أخرجه البخاري (٥٠١٧) ، وأبو داود (٥٠٥٦) ، والترمذي في "السنن " (٣٣٩٩) و"الشمائل " - باب ما جاء في نومه ﷺ رقم (٢١٨- مختصره) ، والنسائي في "عمل اليوم والليلة " (٧٨٨) ، ومن طريقه: ابن السني في "عمله " (٦٩١) ، وابن حبان في "صحيحه " (٥٥١٩- الإحسان) ، وأحمد (٦/١٦) من طريق المفضل بن فضالة عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة: أن النبي ﷺ كان ... الحديث. وعُقيل هذا هو ابن خالد بن عَقيل الأيلي ثقة ثبت؛ كما قال الحافظ. والمفضل بن فضالة هو القتباني المصري القاضي، قال الحافظ: "ثقة فاضل عابد، أخطأ ابن سعد في تضعيفه ".

стр. 5089

قلت: وقد تابعه سعيد بن أبي أيوب: حدتني عقيل به. أخرجه ابن حبان (٥٥١٨) بلفظ: "جمع يديه ثم نفث فيهما ثم قرأ.. "، وأحمد (٦/١٥٤) إلا أنه قال: "فينفث فيهما ثم يقرأ". قلت: وسعيد بن أبي أيوب مصري أيضاً، قال الحافظ: "ثقة ثبت " واعلم أن الحديث قد رواه جمع آخر من الثقات عن الزهري، وآثرت ذكر رواية عقيل هذه لأمرين: الأول: أنه عزاها جمع إلى الشيخين منهم ابن تيمية في "الكلم الطيب " (رقم٣٠) وغيره كثير، كنت تبعتهم في بعض تعليقاتي، فلما تبين لي أنها من أفراد البخاري دون مسلم، وأن هذا إنما أخرجه من غير طريق عقيل هذه مختصراً، وقد أشار إلى ذلك الحافظ المزي في "تحفة الأشراف "، لما تبين لي ذلك بادرت إلى تخريجها والتنبيه عليها. والآخر: أنها أتم من رواية الثقات الآخرين، منهم مالك، والليث، ويونس، ورواية هذا أقرب إلى رواية عقيل، أخرجها البخاري (٥٧٤٨) قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي: حدثنا سليمان عنه بلفظ: " كان رسول الله- ﷺ إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ (قل هو الله أحد) وبالمعوذتين جميعاً، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده ". قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به.

стр. 5090

قال يونس: كنت أرى ابن شهاب يصنع ذلك إذا أتى فراشه. وتابعه عبد الله - وهو ابن المبارك -: أخبرنا يونس بلفظ: "كان إذا اشتكى نفث على نفسه بـ (المعوذات) ، ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه التي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث، وأمسح بيد النبي عنه ". أخرجه البخاري أيضاً (٤٤٣٩) . ورواه مسلم؛ وابن حبان (٦٥٥٦) من طريق آخر عنه. وأما رواية مالك فهي في "الموطأ" (٣/ ١٢١) عن ابن شهاب به مختصراً بلفظ: "كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بـ (المعوذات) وينفث ". قالت: فلما اشتد وجعه كنت أنا أقرأ عليه، وأمسح عليه بيمينه، رجاء بركتها. ومن طريق مالك أخرجه البخاري (٥٠١٦) ، ومسلم (٧/١٦) ، وأبو داود (٣٩٠٢) ، والنسائي في "عمل اليوم " (١٠٠٩) ، وابن ماجه (٣٥٢٨) ، وأحمد (٦/١٠٤ و ١١٤ و ١٨١ و ٢٥٦ و ٢٦٣) ، كلهم عن مالك به. ومن الأوهام الظاهرة قول المعلق على حديث الترجمة في حاشية "عمل النسائي": "وأخرجه مسلم من رواية مالك عن ابن شهاب بأتم من هذا"! فكأنه يعني قول عائشة: " فلما اشتد وجعه ... " وهذا خلاف المتبادر من قوله: " بأتم من هذا " فإن الحديث عند النسائي في أذكار النوم، وحديث الترجمة في الباب أتم منه كما ترى، ثم إنه قد فاته أنه عند البخاري أيضاً. ومن أجل هذا

стр. 5091

الاختلاف ذهب بعضهم إلى أن حديث مالك ومن تابعه عن ابن شهاب غير حديث الترجمة، فهما حديثان مدارهما على الزهري بإسناد واحد، وهو الذي رجحه الحافظ في "الفتح " (٩/ ٦٢٠) ، وحكى عن أبي مسعود أنهما حديث واحد، وهو عندي محتمل، بل هو الأرجح؛ بدليل رواية الأويسي المتقدمة عن سليمان - وهو ابن بلال - عن يونس؛ فإنه جمع فيها بين رواية عقيل وبعض رواية مالك المتعلق بشكواه- ﷺ ، ولو بنحوه؛ فإنه ظاهر الدلالة أن الحديث واحد، وأن الرواة عن الزهري كان يزيد بعضهم على بعض. والله أعلم. هذا؛ وفي الحديث أن السنة أن ينفث في كفيه أولاً، ثم يقرأ، ثم يمسح، هذا ظاهر جداً فيه، وقد تأول بعضهم قوله: "ثم نفث فيهما فقرأ فيهما " بمعنى: ثم عزم على النفث، فقد جاء في "تحفة الأحوذي " للمباركفوري (٤/٢٣١) ما نصه: "قال العيني: قال المظهري في "شرح المصابيح ": ظاهر الحديث يدل على أنه نفث في كفه أولاً، ثم قرأ، وهذا لم يقل به أحد، ولا فائدة فيه، ولعله سهو من الراوي، والنفث ينبغي أن يكن بعد التلاوة ليوصل بركة القرآن إلى بشرة القارئ أو المقروء له. وأجاب الطيبي عنه: بأن الطعن فيما صحت روايته لا يجوز، وكيف والفاء فيه مثل ما في قوله تعالى: (إذا قرأت القرآن فاستعذ) ، فالمعنى: جمع كفيه ثم عزم على النفث. أو لعل السر في تقديم النفث فيه مخالفة السحرة. انتهى. وفي رواية للبخاري: كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ (قل هو الله أحد) وبـ (المعوذتين) جميعاً. قال الحافظ: أي: يقرأها وينفث حالة القراءة". فأقول: لم ينشرح صدري لكل هذه الأقوال، وبعضها أوهن من بعض، وهاك البيان:

стр. 5092

أولاً: أما الطعن في الحديث فهو من أبطل الباطل؛ فإنه سبيل المبتدعة وعلماء الكلام، وقد عرفت أن رجاله ثقات أثبات. ثانياً: وأما تأويله بنحو ما في آية التلاوة؛ فكان يمكن التسليم بذلك، لولا أن مجموع الروايات عن عقيل ترده وبخاصة رواية ابن حبان المتقدمة بلفظ: "جمع كفيه، ثم نفث فيهما، ثم قرأ ". ونحوها رواية أحمد: ".. فينفث فيهما؛ ثم يقرأ ". فهذه صريحة في الترتيب المذكور لا تقبل التأويل. ثالثاً: وأما دعوى أنه لم يقل به أحد ولا فائدة فيه؛ فهذا في البطل بمنزلة الطعن في الحديث؛ إذ لا يسوغ لمسلم أن يقول في العمل بما صح في الحديث: لا فائدة فيه؛ كما هو ظاهر. وأما القول بأنه لم يعمل به أحد، فهو من الرجم بالغيب، ورحم الله الإمام أحمد إذ قال: "من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريه؟ ! لعلهم اختلفوا ". رابعاً: ما نقله عن الحافظ موجود في "الفتح " (١٠/٢١٠) في شرح حديث الأويسي المتقدم، وهو تأويل أيضاً مخالف لما تقدمت الإشارة إليه من الرواية الصحيحة مع توجيهها بمخالفة السحرة كما تقدم عن الطيبي ﵀. ثم إنني لا أكاد أجد أي فرق بين تقديم النفث على القراءة، وتقديم المسح باليد على المريض قبل القراءة، كما في حديث عائشة أيضاً قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه، ثم قال: أذهب البأس ربَّ الناس.. " الحديث.

стр. 5093

أخرجه مسلم (٧/١٥) ، وأحمد (٦/١٢٧) من طريقين عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عنها. ورواه البخاري وغيره بنحوه، وسبق تخريجه برقم (٢٧٧٥) . ونحوه حديث علي في شكواه لما دخل عليه النبي ﷺ -قال: فمسحني بيده، ثم قال: "اللهم اشفه.. " الحديث. أخرجه ابن أبي شيبة (٨/٤٦) ، وأحمد (١/ ١٢٨) بسند فيه ضعف، وصححه أحمد شاكر (٢/٢٣٤) ! أقول: فكما شرع المسح قبل القراءة، فمثله النفث قبل القراءة، فكما لا يقال: لا فائدة من المسح قبلها، فكذلك لا يقال: لا فائدة من النفث قبل القراءة؛ إذ الكل شرع لا مجال للرأي فيه؛ فتأمل! (فائدة) : أخرج ابن حبان حديث المسح بزيادة في آخره، فوجب النظر فيها، أخرجه (١٤٤٣) من طريق بشر بن الوليد الكندي: حدثنا حماد بن زيد عن عمرو ابن مالك النكري عن أبي الجوزاء عن عائشة قالت: كنت أعوِّذ رسول الله ﷺ بدعاء كان جبريل ﵇ يعوذه به إذا مرض: "أذهب البأس.. " الحديث، وزاد: "فلما كان في مرضه الذي توفي فيه جعلت أعوذه بهذا الدعاء فقال- ﷺ : "ارفعي يدك، فإنها كانت تنفعني في المدة ". قلت: وهو إسناد ضعيف؛ أبو الجوزاء اسمه أوس بن عبد الله الربعي، قال ابن عبد البر في "التمهيد " (٢٠/٢٠٥) وغيره:

стр. 5094

"لم يسمع من عائشة". وقد رد الحافظ في "التهذيب " هذا االزعم، وفي "صحيح مسلم " رواية أبي الجوزاء عنها ﵂. وبشر بن الوليد الكندي مختلف فيه، وقد وثقه الدارقطني وغيره، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٨/١٤٨) , ولا أجد جرحاً عليه عند من طعن فيه سوى أنه كان قد خرف، ولذلك؛ لم يزد الذهبي على قوله في "المغني " فيه: "قال صالح جزرة: صدوق، لكنه خرف ". فمثله يستشهد به. وقد توبع؛ قال أحمد (٦/٢٦٠- ٢٦١) : ثنا يونس: ثنا حماد - يعني: ابن زيد - به. وهذا إسناد صحيح لولا ما سبق بيانه؛ فإن يونس هذا هو ابن محمد بن مسلم المؤدب: ثقة ثبت من رجال الشيخين. لكن قد صحت هذه الزيادة من طريقين آخرين عن عائشة، أحدهما من طريق أبي بردة عن عائشة قالت: أغمي على رسول الله ﷺ ورأسه في حجري، فجعلت أمسحه وأدعو له بالشفاء، فلما أفاق قال ﷺ : "لا، بل أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل ". أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة " (رقم ١٠٩٧) وفي "السنن الكبرى" (٤/٢٦٠/٧١٠٤) ، وابن حبان أيضاً (٨/١٩٩/٦٥٥٧) من طريق سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي بردة به، وقال النسائي:

стр. 5095

"الأعلى: الأسعد". قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وعزاه الحافظ (٨/١٣٧) للنسائي وابن حبان وأقره، لكنه جعله من رواية أبي بردة عن أبي موسى! وأنت ترى أنه عندهما من روايته عن عائشة وليس عن أبي موسى! لكن يبدو أن له أصلاً من حديث أبي موسى؛ فقد ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/٣٧) من حديثه نحوه بلفظ: "لا، ولكن أسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد: جبريل.. ". وقال الهيثمي: " وفيه محمد بن سلام الجمحي، وهو ثقة وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات " فلا أدري إذا كان الحافظ وهم، فعزا حديث أبي بردة عن أبي موسى للنسائي وابن حبان، وهو للطبراني، وقد عزاه هو إليه في مكان آخر من "الفتح " (٨/١٣٢) ، أو أنه وقع كذلك في نسخته من "النسائي " و"ابن حبان "؟ ! وهذا ما أستبعده. والله أعلم. أما الطريق الأخرى عن عائشة بتلك الزيادة؛ فهي عند مسلم، وابن أبي شيبة، وأحمد بنحوه، وقد تقدم لفظها برقم (٢٧٧٥) . * ٣١٠٥ - (في التي لمْ يُرتعْ منها. قاله لعائشةَ ﵂ . أخرجه البخاري (٩/١٢٠/٥٠٧٧- فتح) ، وابن حبان بأتم منه بذكر غضب عائشة (٤٣١٦) من طريق سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن

стр. 5096

عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله! أرأيت لو نزلت وادياً وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجراً لم يؤكل منها؛ في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال ... فذكره. يعني: أن رسول الله ﷺ لم يتزوج بكراً غيرها. قال الحافظ: "وسليمان هو ابن بلال، وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج ".." وقال الحافظ ابن كثير في "البداية" (٣/١٣٠) : "انفرد به البخاري ". قلت: يعني دون مسلم. فقول الأديب أحمد عبيد ﵀ في تعليقه على "روضة المحبين " لابن القيم (ص ٢٤٢) : " قال المحب الطبري في "مناقب أمهات المؤمنين ": خرجه مسلم وأبو حاتم ". قلت: فهو وهم منه أو من المحب، ولعله أراد أن يقول: "البخاري " فقال: "مسلم". فإن الحافظ المزي في "تحفة الأشراف " (١٢/١٥٥) لم يعزه إلا للبخاري. وقد وجدت لسليمان بن بلال متابعاً، ولكنه واهٍ، وهو عمران بن أبي الفضل عن هشام بن عروة بإسناده عنها قالت: "يا رسول الله! أرأيت لو نزلت وادياً قد عري جميع شجره إلا شجرة واحدة؛ أين كنت تنزل؟ قال: على الشجرة التي لم تعر. قالت: فأنا تلك الشجرة". أخرجه ابن عدي في "الكامل " (٥/٩٥) في ترجمة عمران هذا من رواية إسماعيل بن عياش عنه. وقال فيه:

стр. 5097

"وضعفه بَيْن على حديثه ". وروى عن ابن معين أنه قال: "ليس بشيء". وعن النسائي: " ضعيف ". وقال ابن أبي حاتم (٣/١/٣٠٣) عن أبيه: "ضعيف الحديث، منكر الحديث جدا ً، روى عنه إسماعيل بن عياش حديثين باطلين موضوعين ". قال الذهبي عقبه: "أحدهما: مسابقة عائشة بألفاظ تنكر. وثانيهما: عن هشام عن أبيه عن عائشة.. ". قلت: فذكر حديثه هذا. وأقره الحافظ في "اللسان " ولم يتعقبه بشيء، وفي إطلاق الوضع عليه نظر ظاهر عندي؛ لأنه بمعنى حديث متابعة سليمان بن بلال كما ترى. ووجدت طريقاً أخرى عن عائشة: قال ابن سعد (٨/٨٠) : أخبرنا محمد بن عمر: حدثتني فاطمة بنت مسلم عن فاطمة الخزاعية، قالت: سمعت عائشة ... الحديث بأتم منه. لكن محمد بن عمر - وهو الواقدي - متروك، فالعمدة على رواية البخاري عن سليمان بن بلال. *

стр. 5098

٣١٠٦ (١) - (من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يقربنَّ مسجدنا، فإن كنتم لا بد آكليهما فأميتُموهما طبخاً) . أخرجه أبو داود (٣٨٢٧) ، والنسائي في "السنن الكبرى" (٤/١٥٨/ ٦٦٨١) ، والطحاوي في "شرح المعاني " (٢/٣٣٨) ، والبيهقي في "السنن " (٣/٧٨) ، و"الشعب " (٥/١٠٥/٥٩٦٢) ، وابن عدي في "الكامل " (٣/ ٢٠- ٢١) ، وأحمد (٤/١٩) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٩/٣٠/٦٥) من طرق عن خالد بن ميسرة عن معاوية بن قرة عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ قال ... فذكره. أورده ابن عدي في ترجمة (خالد) هذا، وقال: " وله غير هذا، وهو عندي صدوق؛ فإني لم أر له حديثاً منكراً". ولهذا؛ ذكره ابن حبان في "الثقات " (٦/٢٦٥) ، وقال الذهبي في "الكاشف ": " صدوق ". والحافظ في "التقريب ": "صالح الحديث ". قلت: وله عند الطبراني وكذا النسائي حديث آخر في التعزية وفضل من مات له فرط، وصححه الحافظ في "الفتح " (٣/١٢١) . وقد تابعه عليه شعبة؛ عند الحاكم وغيره، وهو مخرج في " أحكام الجنائز" (٢٠٥) .

стр. 5099

ولحديث الترجمة شاهد قوي من حديث أنس مرفوعاً به. أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط " (٤/٣٩٢/٣٦٦٨) : حدثنا سليمان ابن داود الطبيب، قال: حدثنا شيبان بن فروخ، قال: حدثنا سلام بن مسكين عن ثابت عنه. وقال: "لم يروه عن سلام بن مسكين إلا شيبان بن فروخ ". قلت: هو من شيوخ مسلم في "صحيحه "، وفيه كلام لا يضر، ومن فوقه من رجال الشيخين، فالإسناد صحيح؛ لولا أنني لم أجد لشيخ الطبراني (سليمان بن داود الطبيب) ترجمة، وقد روى له حديثاً آخر فقط، مما يشعر أنه ليس بالمشهور من شيوخه؛ فلا أدري بعد هذا ما وجه قول الهيثمي (٢/١٧) : "رواه الطبراني في " الأوسط " ورجاله موثقون "؟! فإن هذا التوثيق اللين إن كان من أجل الشيخ، فمن الذي وثقه؟ وإن كان المقصود به من فوقه دونه؛ فقد عرفت أنهم من رجال الصحيح، وعهدنا به أنه لا يغمز في أحدهم ولو كان فيهم مغمز، مثل ابن إسحاق وشريك وغيرهم؛ فإنه كثيراً ما يقول في بعض الأسانيد: "رجاله رجال الصحيح "، ولو كان فيه واحد من أمثال المذكورين، وهم ممن ضعفوا! وهو في "الصحيحين " من طريق أخرى عن أنس مختصراً بلفظ: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا، ولا يصلي معنا ". وأخرجه أبو عوانة أيضاً (٢/١٧- ١٨) . وحديث الترجمة عنده (١/٤٠٧- ٤١٠) .

стр. 5100

وكذا مسلم وغيره من حديث عمر نحوه وفيه: " فمن كان منكم آكلهما لا بد؛ فليمتهما طبخاً ". وهو مخرج في "الإرواء " (٨/١٥٦/ ٢٥١٤) . وهو موقوف في حكم المرفوع. * ٣١٠٧ - (إنَّ رسولَ الله يفعلُ ذلكَ (يعني: تقبيلَ الزوجةِ وهو صائمٌ) ، أنا أتقاكم للهِ، وأعلمُكم بحدودِ اللهِ) . أخرجه عبد الرزاق في "المصنف " (٤/١٨٤/٨٤١٢) ، ومن طريقه: أحمد (٥/٤٣٤) : أنا ابن جريج: أخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من الأنصار: أن الأنصاري أخبر عطاءً: أنه قبَّل امرأته على عهد رسول الله ﷺ وهو صائم، فأمر امرأته فسألت النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال النبي ﷺ : "إن رسول الله يفعل ذلك ". فأخبرته امرأته فقال: إن النبي يرخص له في أشياء، فارجعي إليه فقولي له، فرجعت إلى النبي ﷺ فقالت: قال: إن النبي يرخص له في أشياء؟ ! فقال: "أنا أتقاكم لله، وأعلمكم بحدود الله ". قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين إلا الرجل الأنصاري فهو لم يسم، ومعلوم أن جهالة الصحابي لا تضر؛ لأنهم كلهم عدول عند أهل السنة.

стр. 5101

والحديث أخرجه مالك (١/٢٧٣) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار: أن رجلاً ... ؛ فأرسله. لم يذكر الرجل الأنصاري، والموصول أرجح؛ لأن زيادة الثقة مقبولة. وللحديث شواهد كثيرة من حديث عائشة وغيرها بنحوه من طرق بألفاظ متقاربة، تقدم أحدها برقم (٣٢٨) ، وفي طريق آخر عنها بلفظ: "والله! إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي ". أخرجه مسلم وابن خزيمة وابن حبان في "صحاحهم "، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٢٠٦٧) . وقد كان تقدم مني تخريج هذا الحديث برواية أحمد فقط عقب حديث عائشة المشار إليه آنفاً (٣٢٩) ، والآن قدر لي إعادة تخريجه بزيادة فائدة والحمد لله. وله شاهد بنحوه من حديث عمر بن أبي سلمة عند مسلم وغيره، وهو مخرج في " الإرواء " (٤/٨٤) . * ٣١٠٨ - (إنَّه سيُلحِدُ فيه رجلٌ من قريشٍ، لو وُزنتْ ذنوبُه بذنوبِ الثقلينِ لرجحت. يعني: الحرم) . أخرجه أحمد (٢/١٣٦) : ثنا محمد بن كُنَاسة: ثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه قال: أتى عبد الله بن عمر عبد الله بن الزبير فقال: يا ابن الزبير! إياك والإلحاد في - حرم الله ﵎؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ -يقول ... فذكره. قال: فانظر لا تكونه.

стр. 5102

قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير محمد بن كناسة - وهو محمد بن عبد الله بن عبد الأعلى بن كناسة الكوفي - وهو ثقة، لكن قال أبو حاتم: " كان صاحب أخبار، يكتب حديثه ولا يحتج به ". قلت: وقد خالفه هاشم بن القاسم، فقال أحمد في مسند عبد الله بن عمرو (٢/٢١٩) : ثنا هاشم: ثنا إسحاق - يعني: ابن سعيد -: ثنا سعيد بن عمرو قال: أتى عبد الله بن عمرو ابن الزبير، وهو جالس في الحجر فقال: يا ابن الزبير! إياك والإلحاد.. الحديث نحوه، قال: فانظر أن لا تكون هو يا ابن عمرو! فإنك قد قرأت الكتب، وصحبت الرسول ﷺ ، قال: فإني أشهدك أن هذا وجهي إلى الشام مجاهداً. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، فهو أصح من الذي قبله؛ فإن هاشم بن القاسم - وهو أبو النضر الليثي مولاهم البغدادي - قال الحافظ فيه: "ثقة ثبت ". وقال في الذي قبله - ابن كناسة -: " صدوق ". وقال الهيثمي في حديث ابن كناسة هذا (٣/٢٥٨) : "رواه أحمد، ورجاله ثقات ". وقال في حديث هاشم: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح ".

стр. 5103

وإذا عرفت هذا؛ فقد اختلفا في راوي هذا الحديث عن رسول الله ﷺ والقائل لابن الزبير: إياك والإلحاد في.. فقال ابن كناسة: عبد الله بن عمر، وقال هاشم: عبد الله بن عمرو. وهذا هو الأرجح؛ لأن هاشماً أحفظ من ابن كناسة كما عرفت من ترجمة الحافظ لهما، ومن تخريج الهيثمي لحديثهما. ويؤيد ذلك أمور ثلاثة: الأول: أن ابن كناسة اضطرب في إسناده، فرواه مرة عن إسحاق بن سعيد كما تقدم. ومرة قال: ثنا إسحاق بن عيسى بن عاصم عن أبيه قال ... فذكره مثل روايته المتقدمة. أخرجه الحاكم (٢/٣٨٨) من طريق الحسين بن الفضل البجلي: ثنا محمد ابن كناسة به. وقال: " صحيح الإسناد ". ورده الذهبي بقوله: "قلت: [قال] أبو حاتم: ابن كناسة لا يحتج به ". والحسين الراوي عنه إمام محدث مفسر لغوي جليل، له ترجمة في "سير الأعلام " (١٣/ ٤١٤) للذهبي، ولذلك أنكر عليه الحافظ في "اللسان " إيراده إياه في " الميزان " وقال: "فكان الأولى أن لا يذكره لجلالته ". فراجع "اللسان " (٢/٣٠٧- ٣٠٨) . والثاني: أن هاشم بن القاسم قد تابعه بشر بن الوليد الكندي: نا إسحاق ابن سعيد به. أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٩/٢) .

стр. 5104

والثالث أن له طريقاً أخرى عن ابن عمرو من رواية محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد لرحمن عنه مرفوعاً بلفظ " لحد رجل بمكة يقال له عبد الله عليه نصف عذاب العالم " أخرجه البزار (٢/٤٧- ٤٨- الكشف) وقال "هكذا رواه محمد بن كثير ولم يتابع على هذا الإسناد وقال عبد: عن الأوزاعي عن رجل من آل المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة عن عثمان ". قلت: وبابن كثير هذا؛ أعله الهيثمي فقال (٣/٢٨٤) : " وثقه صالح بن محمد وابن سعد وابن حبان، وضعفه أحمد ". ومن طريقه: أخرجه ابن عساكر أيضاً في "التاريخ " (٩/٢٧٣) . هذا؛ وقول البزار فيما تقدم: " وقال عبدة: عن الأوزاعي عن رجل من آل المغيرة.. " إلخ، فلم أجد من وصله عن عبدة عن الأوزاعي به. وإنما وصله أحمد عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي بإسناد آخر له كما يأتي، وأظن أن الرجل من آل المغيرة هو جعفر بن أبي المغيرة؛ فقد رواه من طريقه يعقوب بن عبد الله عنه عن ابن أبزى عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال له عبد الله بن الزبير حين حُصِر: إن عندي نجائب قد أعددتها لك؛ فهل لك أن تحول إلى مكة فيأتيك من أراد أن يأتيك؟ قال: لا؛ إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يلحد بمكة كبش من قريش اسمه عبد الله، عليه مثل نصف أوزار الناس ". أخرجه أحمد (١/٦٤) ، والبزار أيضاً، وابن عساكر (٩/٢٧٣) ، وقال الهيثمي بعد أن عزاه للأوَّليْن: "ورجاله ثقات ".

стр. 5105

كذا قال! وجعفر بن أبي المغيرة، ويعقوب بن عبد الله - وهو القمي - قال الحافظ في ترجمة كل منهما: "صدوق يهم ". وفي إسنادهما علة أخرى، وهي الانقطاع بين عثمان ﵁ وابن أبزى - واسمه سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الكوفي -، قال أبو زرعة: " روايته عن عثمان مرسلة". ولذلك؛ قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٣/٣٧٥) عقب الحديث: "رواه أحمد.. وفي إسناده مقال ". وقال الحافظ ابن كثير في "البداية" (٨/٣٣٩) : "وهذا الحديث منكر جداً، وفي إسناده ضعف، ويعقوب هذا هو القمي وفيه تشيع، ومثل هذا لا يقبل تفرده به، وبتقدير صحته فليس هو بعبد الله بن الزبير؛ فإنه كان على صفات حميدة، وقيامه بالإمارة إنما كان لله ، ثم كان هو الإمام بعد موت معاوية بن يزيد لا محالة، وهو أرشد من مروان بن الحكم، حيث نازعه بعد أن اجتمعت الكلمة عليه، وقامت له البيعة في الآفاق، وانتظم له الأمر. والله أعلم ". لكن قد جاء الحديث من طريق أخرى عن عثمان ﵁، فقال الإمام أحمد (١/٦٧) : ثنا علي بن عياش: ثنا الوليد بن مسلم قال: وأخبرني الأوزاعي عن محمد بن عبد الملك بن مروان: أنه حدثه عن المغيرة بن شعبة: أنه دخل على عثمان ﵁ وهو محصور فقال ... فذكر قصته، وفيه قول عثمان: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 5106

" يُلحِد رجل من قريش بمكة، يكون عليه نصف عذاب العالم ". قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات؛ لكن له عندي علتان: الأولى: الانقطاع بين ابن مروان والمغيرة؛ وبه أعله الهيثمي فقال (٧/٢٣٠) : "رواه أحمد، ورجاله ثقات، إلا أن محمد بن عبد الملك بن مروان لم أجد له سماعاً من المغيرة". قلت: بل لم يذكروا له رواية عن صحابي، ولذلك؛ أورده ابن حبان في أتباع التابعين من "ثقاته " (٧/٤٣٥) ، وصرح ابن أبي حاتم بالانقطاع فقال في "الجرح " (٤/١/٤) : " روى عن المغيرة بن شعبة؛ مرسل، وعمن سمع معاوية ". وأيد هذا الانقطاع الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "المسند" (١/٣٦٩) . والأخرى: تدليس الوليد بن مسلم؛ فإنه كان يدلس تدليس التسوية، ومثله لا يكتفى منه بتصريحه بسماعه من شيخه فقط، بل لا بد من التصريح به فيمن فوقه أيضاً، كما هو معلوم من علم المصطلح، ولهذا قال الحافظ في "جزء ماء زمزم لما شرب به " (٢/٢) : "والوليد يدلس فيسوي، فلا يقبل من حديثه إلا ما صرح فيه بالتحديث له ولشيخه ". وجملة القول؛ أن الحديث صحيح من طريق هاشم بن القاسم ونحوها مما ليس فيه ذكر لعبد الله بن الزبير ﵁. *

стр. 5107

٣١٠٩ - (كُلُوهُ من ذِي الحجَّةِ إلى ذي الحجَّةِ. يعني: لحمَ الأضاحي) . أخرجه البخاري في " التاريخ " (٤/٢/٣٧٠- ٣٧١) ، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/٣٠٨) ، وابن حبان في "صحيحه " (٧/٥٦٩/٥٩٠٣) ، وأحمد (٦/١٥٥) ، والخطيب في "الموضح " (١/٢٠٢) عن يزيد بن أبي يزيد الأنصاري عن امرأته: أنها سألت عائشة عن لحوم الأضاحي؟ فقالت عائشة: قدم علينا علي من سفر، فقدمنا إليه منه، فقال: لا آكله حتى أسأل عنه رسول الله ﷺ ، قالت: فسأله علي؟ فقال رسول الله ﷺ ... فذكره. قلت: وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد؛ لأن يزيد هذا، أورده البخاري بهذا الحديث، ولم يتكلم عليه بجرح ولا تعديل، وكذلك فعل ابن أبي حاتم (٤/٢/٢٩٨) ، وأما ابن حبان فذكره في "الثقات " (٧/٦٣١) برواية الحارث بن يعقوب الأنصاري عنه وهو ثقة، وروى عنه ثقتان آخران كما يؤخذ من "التاريخ "، و "الموضح "؟ وهما: بكير بن عبد الله بن الأشج، وبكر بن سوادة، ورابع وهو عبد العزيز بن صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٧/١١٢) ، وذكرهم الحافظ في ترجمته من "التعجيل " (ص ٤٥٤) ؛ فهو صدوق إن شاء الله تعالى. وأما امرأته فلم أعرفها، وقد جاءت في رواية ابن حبان مكنية بـ " أم سليم ". وقد أوردها الحافظ في " كنى النساء " من " التعجيل " فلم يزد على قوله فيها: "تقدمت في ترجمة زوجها يزيد"!

стр. 5108

لكن في رواية للخطيب من طريق ابن لهيعة عن عبد العزيز بن صالح عن يزيد بن أبي يزيد قال: حججت مع امرأتي أم سليم فدخلت على عائشة ... فذكرت مثل هذا الحديث. فأقول: فإن كانت هذه الرواية محفوظة؛ وثبت أن يزيد هذا شارك امرأته في الدخول على عائشة ﵂ وسماعه لهذا الحديث منها؛ فالإسناد جيد، والحديث صحيح، وإلا؛ فهو حسن لغيره؛ لأن له شواهد كثيرة: منها قوله ﷺ في حديث من رواية بريدة ﵁: "ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم.. ". رواه مسلم وابن حبان (٥٣٦٧) وغيرهما؛ وهو مخرج في " أحكام الجنائز" (ص ٢٢٧- ٢٢٨- المعارف) . وروي نحوه عن غيره من الصحابة، فانظر "مجمع الزوائد" (٤/٢٥- ٢٧) . وقد صح عن جمع من الصحابة أنهم كانوا يتزودون لحوم الهدايا والضحايا إلى المدينة، وقد تقدم تخريجها برقم (٨٠٥) . * ٣١١٠ - (نهى أنْ يجلسَ بين الضَّحِّ والظل، وقال: مجلس الشيطان) . أخرجه أحمد (٣/٤١٣- ٤١٤) : حدثنا بهز وعفان قالا: ثنا همام - قال عفان في حديثه -: ثنا قتادة عن كثير عن أبي عياض عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن النبي ﷺ نهى ... قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير كثير، وهو ابن

стр. 5109

أبي كثير البصري مولى عبد الرحمن بن سمرة، وقد وثقه ابن حبان (٥/٣٣٢) والعجلي، وروى عنه جمع من الثقات غير قتادة من التابعين الأجلاء مثل محمد ابن سيرين ومنصور بن المعتمر وأيوب السختياني، ولذلك رد الحافظ من جهله فقال في "التهذيب ": "وزعم عبد الحق تبعاً لابن حزم أنه مجهول! فتعقب ذلك عليه ابن القطان بتوثيق العجلي ". وعليه فما أنصفه الحافظ حين قال في "التقريب ": "مقبول ". ولا الذهبي حين قال في الكاشف ": "وُثق "! ولذلك؛ فالصواب أنه ثقة، وأن حديثه هذا صحيح كما قال في "التلخيص " كما يأتي، ولا يخدج عليه أن صحابيه لم يسم، لأن الصحابة كلهم عدول كما تقدم مراراً. على أنه قد جاء مسمى، فقال عبد الله بن رجاء: ثنا همام عن قتادة عن كثير ابن أبي كثير عن [أبي] عياض عن أبي هريرة قال ... فذكره دون قوله: "مجلس الشيطان ". أخرجه الحاكم (٤/٢٧١) وقال: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. وعبد الله بن رجاء ثقة من رجال مسلم، والسند إليه صحيح.

стр. 5110

والحديث قال الهيثمي (٨/٦٠) : "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير كثير بن أبي كثير، وهو ثقة". وقد عمل بالحديث راويه قتادة ﵀، فروى عبد الرزاق في "المصنف " (١١/٢٥) عن معمر عنه قال: "يكره أن يجلس الإنسان بعضه في الظل، وبعضه في الشمس ". وروى قبله عن معمر أيضاً عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة قال: " إذا كان أحدكم في الفيء، فقلص عنه؛ فليقم؛ فإنه مجلس الشيطان ". وتابعه عبد الوارث: ثنا محمد بن المنكدر به؛ لكن رفعه. رواه أحمد (٢/٣٨٣) . وهذا الموقوف والمرفوع رجاله ثقات. وخالفه سفيان في إسناده فقال: عن محمد بن المنكدر قال: حدثني من سمع أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم ( ... فذكره مرفوعاً نحوه بلفظ: " إذا كان أحدكم في الشمس (وفي رواية: في الفيء) ، فقلص عنه الظل، وصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل؛ فليقم ". أخرجه أبو داود (٤٨٢١) ؛ ومن طريقه: البيهقي (٣/٢٣٦) . قلت: ولعل رواية سفيان هذه أصح وصلاً ورفعاً، أما الوصل؛ فلأن ابن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة كما ذكروا في ترجمته. وأما الرفع؛ فلرواية أبي عياض المتقدمة عن أبي هريرة، ولعل أبا عياض هذا هو الواسطة بين ابن المنكدر وأبي هريرة. وخالفهم جميعاً إسماعيل بن مسلم فقال: عن محمد بن المنكدر عن جابر:

стр. 5111

أن النبي (نهى أن يقعد أو يجلس الرجل بين الظل والشمس. أخرجه البزار (٢/٤٢٣/٢٠١٤) وقال: " إسماعيل لين الحديث، ولم يتابع عليه ". قلت: وهو المكي. قال الحافظ: "ضعيف الحديث ". قلت: فلا يحتج به، ولا سيما مع المخالفة، فالعمدة على حديث الترجمة وحديث أبي هريرة. وللحديث شاهدان: - أحدهما من حديث بريدة - تقدما تحت قوله (: " تحول إلى الظل " رقم (٨٣٣) ، وإنما خرجت هذا هنا لهذه الزيادة: " وقال: مجلس الشيطان "؛ فإنها تدل على أن النهي تعبدي، وليس كما قال البيهقي بعد أن ذكر حديث بريدة: "يحتمل أن يكون أراد كيلا يتأذى بحرارة الشمس "! فإن هذا التعليل لا علاقة له ظاهرة بمجلس الشيطان. والله أعلم. (تنبيه) : ذكرت تحت الحديث المتقدم (٨٣٧) أن ابن المنكدر قد سمع من أبي هريرة، وكان ذلك وهماً مني، أرجو الله أن يغفره لي، وكان هذا التنبيه من دواعي تخريجه هنا. * ٣١١١ - (ليسَ في الأرضِ منَ الجنةِ إلا ثلاثةُ أشياء: غرْسُ العجوة، وأواقٍ تنزلُ في الفراتِ كلَّ يومٍ من بركةِ الجنةِ والحَجَرُ) . أخرجه الخطيب في "التاريخ " (١/٥٥) قال: أخبرنا القاضي أبو عمر القاسم

стр. 5112

ابن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي- بالبصرة- قال: نا عبد الرحمن بن أحمد الخُتَّلي قال: حدثني عبد الله بن محمد بن علي البَلْخي قال: نا محمد بن أبان قال: نا أبو معاوية عن الحسن بن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره. قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، وإليك البيان: ١- سالم بن أبي الجعد، واسم أبيه رافع الأشجعي مولاهم الكوفي، وهو ثقة بلا خلاف من رجال الشيخين. ٢- ابنه الحسن بن سالم، قال ابن معين: "صالح "، كما في "الجرح والتعديل " (١/٢/١٥) ، وروى عنه ثلاثة من الثقات أحدهم أبو معاوية، وثانٍ يأتي ذكره قريباً، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٦/١٦٤) . ٣- أبو معاوية- واسمه محمد بن خازم الضرير الكوفي-، ثقة من رجال الشيخين. قال الحافظ في "التقريب ": "ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره ". قلت: وهذا لا يضره؛ لأنه قليل، ومن هو الذي لا يَهِمُ؟! ومع ذلك فقد توبع كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى. ٤- محمد بن أبان، وهو ابن وزير البَلْخي مستملي وكيع؛ من شيوخ البخاري في "صحيحه "، قال الحافظ: "ثقة حافظ ".

стр. 5113

٥- عبد الله بن محمد بن علي البلخي، ترجمه الخطيب في "التاريخ " برواية جمع من الحفاظ عنه، وقال (١٠/٩٤) : "وكان أحد أئمة أهل الحديث حفظاً، وإثباتاً، وثقة، وإكثاراً". ٦- عبد الرحمن بن أحمد الخُتَّلي- بضم الخاء، وفتح التاء المشددة-، ترجمه الخطيب أيضاً (١٠/ ٢٩٠) برواية الدارقطني وغيره عنه، ثم قال: "وكان فهماً عارفاً ثقة حافظاً". ٧- القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر، قال الخطيب (١٢/٤٥١) : "كان ثقة أميناً، ولي القضاء بالبصرة، وسمعت منه بها "سنن أبي داود" وغيرها ". وقد توبع أبو معاوية الضرير، فقال إسحاق بن راهويه في "مسنده " (٤/٤١/١) : أخبرنا محمد بن عبيد: نا الحسن بن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن أبي هريرة قال: "لم يبق من الجنة في الأرض شيء إلا هذا الحجر، وغرس العجوة، وأواق من الجنة يصب في ماء الفرات كل يوم ثلاث مرات ". فقال رجل: أسمعته من رسول الله ﷺ ؟ فقال: أنا ما طهوي؟ فأعاد عليه؟ فقال: أنا ما طهوي؟ قلت: ومحمد بن عبيد هو الطنافسي، قال الحافظ: "ثقة يحفظ ". وقوله: "أنا ما طهوي؟ "؛ أي: ما عملي إن لم أسمعه، يعني: أنه لم يكن

стр. 5114

لي عمل غير السماع، أو أنه إنكار لأن يكون الأمر على خلاف ما قال، وقيل: هو بمعنى التعجب، كأنه قال: وإلا فأي شيء في حفظي وإحكامي ما سمعت. كذا في "النهاية " لابن الأثير، ووقع فيه: "إلا ما طهوي ". وقال المعلق: " في الهروي: (إذاً) ". والحديث أورده السيوطي في "الجامع الكبير" بلفظ الترجمة معزوّاً لابن مردويه أيضاً، والديلمي، يعني: في "مسند الفردوس "، وهو في " الفردوس " (٣/٣٩٦/٥٢٠٧) ، وذكر المعلق عليه إسناد الخطيب فيه، وسكت عنه! فلم يصنع شيئاً. وله شواهد متفرقة؛ فانظر "صحيح الجامع " (٣١٦٩ و٣١٧٠ و٤٠٠٥ و٤٠٠٦) ، و"ضعيف الجامع " (٢٧٦٦- ٢٧٦٩ و ٦٤٦٣) . (تنبيه) : قد كنت خرجت الحديث في الكتاب الآخر برقم (١٦٠٠) لأسباب ذكرتها هناك، ولأنه لم يكن لدي "مسند إسحاق " الذي أخرجه من غير طريق الخطيب، فلما وقفت عليها بادرت لتخريجها هنا مع إعادة النظر في طريق الخطيب مع التوسع في الكلام على رواته، فأرجو أن أكون قد وفقت للصواب في تخريجه هنا، فلينقل من هناك. ثم إنه يبدو أن بين هذا الحديث، وبين الحديث الآتي برقم (٣٣٥٥) بلفظ: " ... وما على الأرض من شيء من الجنة غيره ": تعارضاً! فكيف التوفيق؟ فأقول: قد ذكرت هناك أنه لعل المراد بقوله: "غيره " أي: من الحجارة؛ فقوله: "شيء" مخصوص بها. والله أعلم. *

стр. 5115

٣١١٢ - (اجعلُوا من صلاتِكم في بُيوتِكم، ولا تجعلُوها عليكم قُبوراً، كما اتَّخذت اليهود والنصارى في بيوتهم قبوراً، وإنَّ البيت ليُتلى فيه القرآن؛ فيتراءى لأهلِ السماء كما تتراءى النجومُ لأهل الأرضِ) . أخرجه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٨/٢٦- ٢٧) من طريق السراج: حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد: حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ قال ... فذكره. وأخرجه أحمد (٦/٦٥) : ثنا حسن: ثنا ابن لهيعة به، دون قوله: "كما اتخذت.. " إلخ. قلت: وهذا إسناد جيد؛ لأن قتيبة صحيح الحديث عن ابن لهيعة، كما تقدم تحقيقه تحت الحديث (٩٥٧- الطبعة الجديدة من المجلد الثاني) ؛ ولهذا قال الذهبي عقب الحديث: "هذا حديث نظيف الإسناد، حسن المتن، فيه النهي عن الدفن في البيوت، وله شاهد من طريق آخر، وقد نهى ﵇ أن يبنى على القبور، ولو اندفن الناس في بيوتهم؛ لصارت المقبرة والبيوت شيئاً واحداً، والصلاة في المقبرة منهي عنها نهي كراهة أو نهي تحريم، وقد قال ﵇: "أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة" (١) . فناسب ذلك ألا تُتخذ المساكن قبوراً. وأما دفنه في بيت عائشة صلوات الله عليه وسلامه فمختص به، كما خُص ببسط قطيفة تحته في لحده، وكما خُص بأن صلوا عليه فرادى بلا إمام، فكان هو إمامهم حياً وميتاً في الدنيا والآخرة، وكما خُص بتأخير دفنه يومين، بخلاف
следующие страницы →