← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

أن النبي (نهى أن يقعد أو يجلس الرجل بين الظل والشمس. أخرجه البزار (٢/٤٢٣/٢٠١٤) وقال: " إسماعيل لين الحديث، ولم يتابع عليه ". قلت: وهو المكي. قال الحافظ: "ضعيف الحديث ". قلت: فلا يحتج به، ولا سيما مع المخالفة، فالعمدة على حديث الترجمة وحديث أبي هريرة. وللحديث شاهدان: - أحدهما من حديث بريدة - تقدما تحت قوله (: " تحول إلى الظل " رقم (٨٣٣) ، وإنما خرجت هذا هنا لهذه الزيادة: " وقال: مجلس الشيطان "؛ فإنها تدل على أن النهي تعبدي، وليس كما قال البيهقي بعد أن ذكر حديث بريدة: "يحتمل أن يكون أراد كيلا يتأذى بحرارة الشمس "! فإن هذا التعليل لا علاقة له ظاهرة بمجلس الشيطان. والله أعلم. (تنبيه) : ذكرت تحت الحديث المتقدم (٨٣٧) أن ابن المنكدر قد سمع من أبي هريرة، وكان ذلك وهماً مني، أرجو الله أن يغفره لي، وكان هذا التنبيه من دواعي تخريجه هنا. * ٣١١١ - (ليسَ في الأرضِ منَ الجنةِ إلا ثلاثةُ أشياء: غرْسُ العجوة، وأواقٍ تنزلُ في الفراتِ كلَّ يومٍ من بركةِ الجنةِ والحَجَرُ) . أخرجه الخطيب في "التاريخ " (١/٥٥) قال: أخبرنا القاضي أبو عمر القاسم

стр. 5112

ابن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي- بالبصرة- قال: نا عبد الرحمن بن أحمد الخُتَّلي قال: حدثني عبد الله بن محمد بن علي البَلْخي قال: نا محمد بن أبان قال: نا أبو معاوية عن الحسن بن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره. قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، وإليك البيان: ١- سالم بن أبي الجعد، واسم أبيه رافع الأشجعي مولاهم الكوفي، وهو ثقة بلا خلاف من رجال الشيخين. ٢- ابنه الحسن بن سالم، قال ابن معين: "صالح "، كما في "الجرح والتعديل " (١/٢/١٥) ، وروى عنه ثلاثة من الثقات أحدهم أبو معاوية، وثانٍ يأتي ذكره قريباً، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٦/١٦٤) . ٣- أبو معاوية- واسمه محمد بن خازم الضرير الكوفي-، ثقة من رجال الشيخين. قال الحافظ في "التقريب ": "ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره ". قلت: وهذا لا يضره؛ لأنه قليل، ومن هو الذي لا يَهِمُ؟! ومع ذلك فقد توبع كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى. ٤- محمد بن أبان، وهو ابن وزير البَلْخي مستملي وكيع؛ من شيوخ البخاري في "صحيحه "، قال الحافظ: "ثقة حافظ ".

стр. 5113

٥- عبد الله بن محمد بن علي البلخي، ترجمه الخطيب في "التاريخ " برواية جمع من الحفاظ عنه، وقال (١٠/٩٤) : "وكان أحد أئمة أهل الحديث حفظاً، وإثباتاً، وثقة، وإكثاراً". ٦- عبد الرحمن بن أحمد الخُتَّلي- بضم الخاء، وفتح التاء المشددة-، ترجمه الخطيب أيضاً (١٠/ ٢٩٠) برواية الدارقطني وغيره عنه، ثم قال: "وكان فهماً عارفاً ثقة حافظاً". ٧- القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر، قال الخطيب (١٢/٤٥١) : "كان ثقة أميناً، ولي القضاء بالبصرة، وسمعت منه بها "سنن أبي داود" وغيرها ". وقد توبع أبو معاوية الضرير، فقال إسحاق بن راهويه في "مسنده " (٤/٤١/١) : أخبرنا محمد بن عبيد: نا الحسن بن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن أبي هريرة قال: "لم يبق من الجنة في الأرض شيء إلا هذا الحجر، وغرس العجوة، وأواق من الجنة يصب في ماء الفرات كل يوم ثلاث مرات ". فقال رجل: أسمعته من رسول الله ﷺ ؟ فقال: أنا ما طهوي؟ فأعاد عليه؟ فقال: أنا ما طهوي؟ قلت: ومحمد بن عبيد هو الطنافسي، قال الحافظ: "ثقة يحفظ ". وقوله: "أنا ما طهوي؟ "؛ أي: ما عملي إن لم أسمعه، يعني: أنه لم يكن

стр. 5114

لي عمل غير السماع، أو أنه إنكار لأن يكون الأمر على خلاف ما قال، وقيل: هو بمعنى التعجب، كأنه قال: وإلا فأي شيء في حفظي وإحكامي ما سمعت. كذا في "النهاية " لابن الأثير، ووقع فيه: "إلا ما طهوي ". وقال المعلق: " في الهروي: (إذاً) ". والحديث أورده السيوطي في "الجامع الكبير" بلفظ الترجمة معزوّاً لابن مردويه أيضاً، والديلمي، يعني: في "مسند الفردوس "، وهو في " الفردوس " (٣/٣٩٦/٥٢٠٧) ، وذكر المعلق عليه إسناد الخطيب فيه، وسكت عنه! فلم يصنع شيئاً. وله شواهد متفرقة؛ فانظر "صحيح الجامع " (٣١٦٩ و٣١٧٠ و٤٠٠٥ و٤٠٠٦) ، و"ضعيف الجامع " (٢٧٦٦- ٢٧٦٩ و ٦٤٦٣) . (تنبيه) : قد كنت خرجت الحديث في الكتاب الآخر برقم (١٦٠٠) لأسباب ذكرتها هناك، ولأنه لم يكن لدي "مسند إسحاق " الذي أخرجه من غير طريق الخطيب، فلما وقفت عليها بادرت لتخريجها هنا مع إعادة النظر في طريق الخطيب مع التوسع في الكلام على رواته، فأرجو أن أكون قد وفقت للصواب في تخريجه هنا، فلينقل من هناك. ثم إنه يبدو أن بين هذا الحديث، وبين الحديث الآتي برقم (٣٣٥٥) بلفظ: " ... وما على الأرض من شيء من الجنة غيره ": تعارضاً! فكيف التوفيق؟ فأقول: قد ذكرت هناك أنه لعل المراد بقوله: "غيره " أي: من الحجارة؛ فقوله: "شيء" مخصوص بها. والله أعلم. *

стр. 5115

٣١١٢ - (اجعلُوا من صلاتِكم في بُيوتِكم، ولا تجعلُوها عليكم قُبوراً، كما اتَّخذت اليهود والنصارى في بيوتهم قبوراً، وإنَّ البيت ليُتلى فيه القرآن؛ فيتراءى لأهلِ السماء كما تتراءى النجومُ لأهل الأرضِ) . أخرجه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٨/٢٦- ٢٧) من طريق السراج: حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد: حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ قال ... فذكره. وأخرجه أحمد (٦/٦٥) : ثنا حسن: ثنا ابن لهيعة به، دون قوله: "كما اتخذت.. " إلخ. قلت: وهذا إسناد جيد؛ لأن قتيبة صحيح الحديث عن ابن لهيعة، كما تقدم تحقيقه تحت الحديث (٩٥٧- الطبعة الجديدة من المجلد الثاني) ؛ ولهذا قال الذهبي عقب الحديث: "هذا حديث نظيف الإسناد، حسن المتن، فيه النهي عن الدفن في البيوت، وله شاهد من طريق آخر، وقد نهى ﵇ أن يبنى على القبور، ولو اندفن الناس في بيوتهم؛ لصارت المقبرة والبيوت شيئاً واحداً، والصلاة في المقبرة منهي عنها نهي كراهة أو نهي تحريم، وقد قال ﵇: "أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة" (١) . فناسب ذلك ألا تُتخذ المساكن قبوراً. وأما دفنه في بيت عائشة صلوات الله عليه وسلامه فمختص به، كما خُص ببسط قطيفة تحته في لحده، وكما خُص بأن صلوا عليه فرادى بلا إمام، فكان هو إمامهم حياً وميتاً في الدنيا والآخرة، وكما خُص بتأخير دفنه يومين، بخلاف

стр. 5116

تأخير أمته؛ لأنه هو أُمِن عليه التغير بخلافنا، ثم إنهم أخروه حتى صلوا كلهم عليه داخل بيته، فطال لذلك الأمر، ولأنهم ترددوا شطر اليوم في موته حتى قدم أبو بكر الصديق من السَنْح، فهذا كان سبب التأخير". (تنبيه) : حديث عائشة هذا من رواية أحمد؛ هو من شرط الهيثمي في "مجمع الزوائد"، ولم يورده فيه، وفي معناه أحاديث عن زيد بن خالد، وصهيب ابن النعمان، والحسن بن علي، وقد أخرجها ثلاثتها فيه (٤/٢٤٧) ، وقد أورده السيوطي في "الجامع الكبير" من رواية أحمد وابن نصر في "كتاب الصلاة"، وعزاه المناوي في "الجامع الأزهر" لأحمد؛ وزاد: "بإسناد حسن ". ٣١١٣ - (الله الله في قبطِ مِصرَ؛ فإنَّكم ستظهرونَ عليهم، ويكونُون لكم عُدَّةً وأعواناً في سبيل الله) . أخرجه الطبراني في "الكبير" (٢٣/٢٦٥/٥٦١) قال: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي: ثنا بُندار. ح حدثنا محمد بن صالح النَّرْسي: حدثنا محمد ابن المثنى قالا: حدثنا وهب بن جرير: حدثنا أبي عن يحيى بن أيوب عن يزيد ابن أبي حبيب عن أبي سلمة عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ أوصى عند وفاته فقال ... فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح لا أعرف له علة؛ فإن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير شيخي الطبراني، لكن الأول منهما زكريا الساجي؛ فهو ثقة حافظ مترجم في "تذكرة الحفاظ "، وقال في "الميزان ": "أحد الأثبات، ما عرفت فيه جرحاً أصلاً ". وشيخه "بُندار" اسمه محمد بن بشار أبو بكر، وقد تابعه محمد بن المثنى،

стр. 5117

وهو المعروف بـ "الزَّمِن "، وكلاهما من رجالهما، قال الحافظ في "التقريب ": "وكان هو و"بندار" فَرَسَيْ رهان، وماتا في سنة واحدة". لكن الراوي عنه محمد بن صالح النرسي لم أجد له ترجمة، وقد روى له الطبراني في "المعجم الصغير" حديثاً واحداً (١٢٩/١٤٧- الروض النضير) . وبالجملة: فالحديث من طريق الساجي صحيح، وطريق النرسي شاهد قوي له. والحديث قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٦٣) : "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح ". * ٣١١٤ - (إن سَرَّك أنْ تفي بنذْركِ؛ فأعتقي مُحَرَّراً من هؤلاء. يعني: من بني العَنْبرِ) . أخرجه مسلم (٧/١٨١) - ولم يسق لفظه-، والحاكم (٤/٨٤) ، والبيهقي (٩/٧٥) من طريق مسلمة بن علقمة المازني عن داود بن أبي هند عن عامر عن أبي هريرة ﵁ قال: ثلاث سمعتهن لبني تميم من رسول الله ﷺ ؛ لا أبغض بني تميم بعدهن أبداً: كان على عائشة ﵂ نذرُ محرَّر من ولد إسماعيل، فسُبِيَ سَبْيٌّ من بني العنبر، فلما جيء بذلك السبي، قال لها رسول الله ﷺ ... فذكر الحديث وقال: فجعلهم من ولد إسماعيل. وجيء بنَعَم من نعم الصدقة، فلما رآه راعه حسنه قال: فقال: "هذا نَعَمُ قومي "، فجعلهم قومه، قال: وقال:

стр. 5118

"هم أشد قتالاً في الملاحم ". وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط مسلم ". وبيض له الذهبي، ولعل الحاكم إنما استدركه على مسلم؛ لأنه لم يسقه بتمامه وإنما ساق منه جملة الملاحم، وأحال سائره على حديث قبله من رواية أبي زرعة قال: قال أبو هريرة ... فذكر الحديث بتمامه نحوه. وقال في الجملة: "هم أشد أمتي على الدجال ". وهكذا أخرجه البخاري (٢٥٤٣ و ٤٣٦٦) ، وأبو يعلى في "مسنده " (١٠/٤٩٣/٦١٠٨) ، ومن طريقه: البيهقي (٧/١١) . وأخرجه أحمد (٢/٣٩٠) مختصراً بلفظ: "هذه صدقة قومي، وهم أشد الناس على الدجال. يعني: بني تميم ". قال أبو هريرة: ما كان قوم من الأحياء أبغض إلي منهم، فأحببتهم منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا. وحديث الترجمة له شاهدان: أحدهما: من حديث ابن عمر، بسند حسن، وصححه الحافظ ابن حجر في "مختصر الزوائد " (٢/٣٨٢) . والآخر: من حديث ابن مسعود، بسند ضعيف. رواهما البزار، وهما مخرجان في الكتاب الآخر (٥٧٣١) . *

стр. 5119

٣١١٥ - (كان في الكعبة صورٌ، فأمَرَ عمر بن الخطاب أنْ يمحوَها، فَبَلَّ عمرُ ثوباً ومحاها به، فدخلها ﷺ وما فيها من شيءٍ) . أخرجه أحمد (٣/٣٩٦) : ثنا سليمان بن داود: حدثنا عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر قال ... فذكره. قلت: وهذا إسناد جيد على شرط مسلم، وأبو الزبير قد صرح بالتحديث وتوبع كما يأتي؛ فقال أحمد (٣/٣٨٣) : ثنا روح: ثنا ابن جريج: أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول ... فذكره بنحوه. وهذا إسناد متصل صحيح. ثم أخرجه أحمد (٣/٣٣٥) ، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/٧٣) من طريقين آخرين عن ابن جريح به. وتابعه ابن لهيعة: ثنا أبو الزبير به. أخرجه أحمد (٣/٣٣٦) . وتابعه وهب عن جابر به. أخرجه ابن سعد في "الطبقات " (٢/١٤٢) بسند جيد عن وهب، وهو ابن مُنَبَّه اليماني، وهو تابعي ثقة من رجال الشيخين. وللحديث شاهدان مختصران: أحدهما: عن صفية بنت شيبة قالت: رأيت رسول الله ﷺ بَلَّ ثوباً وهو في الكعبة، ثم جعل يضرب التصاوير التي فيها.

стр. 5120

أخرجه الطبراني "المعجم الكبير" (٢٤/٣٢٣/٨١١) : حدثنا جعفر بن الفضل المُخَرَّمي المؤدب: ثنا داود بن عبد الله بن أبي الكرام الجعفري: ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن منصور بن صفية بنت شيبة عن أمه.. وهذا إسناد حسن رجاله صدوقون مترجمون في "التهذيب " غير جعفر هذا، أورده الخطيب في "تاريخ بغداد" (٧/١٩٤) برواية الطبراني فقط عنه، وساق له حديثاً آخر، رواه في " المعجم الصغير" (٥٥٢- "الروض النضير") و" المعجم الأوسط " (١/١٩٣/١/٣٥٣١) ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. وقال الهيثمي في "المجمع " (٥/١٧٣) : "رواه الطبراني، ورجاله ثقات "! والشاهد الآخر: أسامة بن زيد نحو حديث صفية، وقد سبق تخريجه في المجلد الثاني برقم (٩٩٦) . * ٣١١٦ - (كان يستَحبُّ للرجل أن يقاتل تحت راية قومه) . أخرجه أحمد (٤/٢٦٣) قال: ثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غَنِيَّة قال: حدثنا عقبة بن المغيرة عن جد أبيه المخارق قال: لقيت عماراً يوم الجمل، وهو يبول في قرن؛ فقلت: أقاتل معك فأكون معك؟ فقال: قاتل تحت راية قومك؛ فإن رسول الله ﷺ كان ... الحديث. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده " (٣/٢٠٦/١٦٤١) : حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان: حدثنا ابن أبي غنية به؛ إلا أنه أدخل واسطة بين عقبة والجد، فقال: "عمن حدثه عن جد أبيه.. ".

стр. 5121

قلت: وهذه الزيادة أقرب إلى الصواب، ولعل ابن أبي غنية كان يضطرب في إسناده؛ فيذكرها أحياناً، وتسقط عنه أحياناً؛ فإنه- وإن كان ثقة، واحتج به مسلم، وخرج له البخاري مقروناً بآخر؛ كما في "الميزان " ـ؛ فقد قال ابن عدي في "الكامل " (٧/٢١٠) : "بعض ما يرويه لا يتابع عليه، وهو ممن يكتب حديثه ". أضف إلى ذلك أن السَّقط لا يمكن أن ينسب إلى الإمام أحمد؛ لأنه إمام في الحفظ والضبط، ولأن الذي روى الزيادة عنه- وهو ابن أبان- ثقة أيضاً. وإنما قلنا: إن الزيادة أقرب إلى الصواب؛ لأنه قد توبع عليها في الجملة؛ فقد رواه البخاري في " التاريخ " (٤/١/٤٣٠/١٨٩٠) ، والبزار (٢/٢٧٨/١٧٠٠) من طريقين عن عقبة بن المغيرة قال: حدثني إسحاق بن أبي إسحاق الشيباني عن أبيه عن المخارق بن سليم قال: "رأيت عماراً يوم الجمل.. ". الحديث. وقال البزار: "لا نعلمه عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد". قلت: وهو حسن إن شاء الله تعالى، ولا بد من الكلام على رجاله ولو بإيجاز بعد أن اتفق الثقتان عليه، فأقول: أما عقبة بن المغيرة؛ فهو صدوق، وثقه ابن حبان، وروى عنه جمع، كما كنت حققته في "الضعيفة" تحت الحديث (٦٠٣٥) . ونحوه شيخه إسحاق بن أبي إسحاق الشيباني، كما تراه هناك. وأما أبوه- واسمه سليمان بن أبي سليمان الشيباني-؛ فثقة من رجال الشيخين.

стр. 5122

وأما المخارق بن سُليم- وهو الشيباني- فهو تابعي كما في هذه الرواية، وصرح بذلك ابن حبان فذكره في "ثقات التابعين " (٥/٤٤٤) برواية ابنه عبد الله عنه. وزاد في "التهذيب " ابناً ثانياً عنه: قابوس. وظاهر صنيعه أنه لم يفرق بين المخارق ابن سليم الشيباني هذا الذي روى عنه أبو إسحاق الشيباني وبين مخارق أبي قابوس، وعنه ابنه قابوس. وقد ذكرهما البخاري في موضعين وابن أبي حاتم، خلافاً لابن حبان؛ فإنه ذكر في ترجمة أبي قابوس أنه روى عن علي وعمار، وهذا ذكره ابن أبي حاتم في الشيباني. وقال الحافظ في "التقريب ": "مخارق بن سُليم الشيباني أبو قابوس، مختلف في صحبته، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين ". وأما الذهبي؛ فجزم في "الكاشف " بأنه صحابي! قلت: فمثله حسن الحديث إن شاء الله تعالى. والحديث قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/٣٢٦) : "رواه أحمد- وإسناده منقطع-، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني، وفيه إسحاق ابن أبي إسحاق الشيباني، روى عنه جماعة، ولم يضعفه أحد، وبقية أحد أسانيد الطبراني ثقات ". * ٣١١٧ - (إنْ لمْ تجدِيني فَأتي أبا بكرٍ) . أخرجه البخاري (٣٦٥٩ و٧٢٢٠ و٣٦٠) ، ومسلم (٧/١١٠) ، والترمذي (٣٦٧٧) وصححه، وابن حبان (٨/٢٢٦/٦٦٢٢) ، والطيالسي في "مسنده " (٩٤٤) ، وكذا أحمد (٤/٨٢ و ٨٣) ، وأبو يعلى (١٣/٣٩٩/٧٤٠٢) ، وعنه ابن

стр. 5123

حبان أيضاً (٩/١٢/٦٨٣٢) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (٢/٥٤٧/١١٥١) ، والبيهقي في "السنن " (٨/١٥٣) من حديث جبير بن مطعم قال: أتت امرأة النبي ﷺ ، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئتُ ولم أجدكَ؟ كأنها تقول الموت، قال ﷺ ... فذكره. * ٣١١٨ - (تَهجُمون على رجلٍ مُعتَجرٍ ببردٍ حَبِرَةٍ، يبايعُ الناسَ، من أهل الجنة) أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (٢/٢٩٠/١٢٩٢) ، والحاكم (٣/٩٨) ، وابن عدي في "الكامل " (٣/٣٩٣) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٩/١٥٥- ١٥٦) من طريق حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم ... فذكره. وزاد: فهجمنا على عثمان بن عفان وهو معتجر ببرد حبرة يبايع الناس. قال: يعني: الشراء والبيع. والسياق لابن عدي وقال: "وسعيد الجريري هذا مستقيم الحديث، وحديثه حجة؛ ممن سمع منه قبل الاختلاط ". قلت: وحماد بن سلمة ممن سمع منه قبل الاختلاط كما في "التهذيب "، فهو صحيح الإسناد، وكذا قال الحاكم، ووافقه الذهبي. وله شاهد بنحوه، وهو الآتي بعده. ولعبد الله بن شقيق إسناد آخر، يرويه كَهْمس بن الحسن عنه قال: ثنا هَرَمِيُّ ابن الحارث وأسامة بن خُرَيْم- وكانا يغازيان، فحدثاني حديثاً، ولا يشعر كل

стр. 5124

واحد منهما أن صاحبه حدثنيه- عن مُرَّة البَهْزِي، قال: بينما نحن مع نبي الله ﷺ في طريق من طرق المدينة، فقال: "كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي بقر؟ ". قالوا: نصنع ماذا يا نبي الله؟! قال: "عليكم بهذا وأصحابه- أو: اتبعوا هذا وأصحابه- ". قال: فأسرعت حتى عطفت على الرجل، فقلت: هذا يا نبي الله؟! قال: "هذا". فإذا هو عثمان بن عفان ﵁. أخرجه ابن حبان في "صحيحه " (٩/٣١/٦٨٧٥- الإحسان) - وهو مما فات "الموارد"-، وابن أبي عاصم في "السنة" (٢/٥٩١/١٢٩٦) من طريق أبي بكر ابن أبي شيبة- وهو في "المصنف " (١٢/٤٠- ٤١) -، وأحمد (٥/٣٣ و٣٥) ، والطبراني أيضاً (٢٠/٣١٦/٧٥٢) من طريق أبي بكر وغيره (٧٥١) كلهم عن أبي أسامة عن كهمس. قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير هرمي بن الحارث وأسامة بن خريم، فهما تابعيان مستوران لا يعرفان إلا برواية عبد الله بن شقيق هذه، ومع ذلك ذكرهما ابن حبان في "ثقاته " (٤/٤٤- ٤٥ و٥/٥١٤) على قاعدته! ولكن أحدهما يقوي الآخر. وقد أسقطهما من الإسناد أبو هلال فقال: عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن مرَّة البهزي مرفوعاً مختصراً، وفيه: فمر رجل مقنع، فقال: "هذا وأصحابه يومئذٍ على الهدى". فإذا عثمان بن عفان.

стр. 5125

أخرجه الطبراني (٢٠/٣١٥ /٧٥٠) واللفظ له، وأحمد (٥/٣٣) . وأبو هلال اسمه محمد بن سليم الراسبي، وهو صدوق فيه لين؛ كما قال في "التقريب "، فلعل السقط منه. وخالف أبا أسامة في إسناده- واسمه حماد بن أسامة-: يزيد- وهو ابن هارون الواسطي-؛ فقال: أنا كهمس بن الحسن: ثنا عبد الله بن شقيق: حدثني رجل من عنزة يقال له: زائدة أو مزيدة بن حوالة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر من أسفاره فنزل النبي في ظل دوحة ... فذكر حديثاً آخر لابن حوالة، وفي آخره بعض حديث أبي أسامة لم يحفظه راويه. أخرجه أحمد (٥/٣٣) . وأقول: يبدو لي من سياق الحديث والسند أن الراوي لم يتقن ضبطه وحفظه، ولكن لم يتعين عندي من هو؟ لأنهم جميعاً ثقات. وقد أورد الحافظ زائدة هذا في "الإصابة " من أجل رواية أحمد هذه؛ وما أرى ذلك بجيد، وخاصة أنه لم يرتضِ صنيع الإمام أحمد الذي ساق الحديث في "مسند عبد الله بن حوالة" بالتمام الذي ساقه من طريق يزيد بن هارون وزاد عليه؛ ولم يَفُتْه شيء منه، أخرجه أحمد (٤/١٠٩) : ثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: ثنا الجريري عن عبد الله بن شقيق عن ابن حوالة قال: أتيت رسول الله ﷺ ، وهو جالس في ظل دوحة.. الحديث، وفيه قوله ﷺ له: "كيف تفعل في فتنة تخرج في أطراف الأرض.. " إلخ مثل ما في رواية أبي أسامة، وهو مما لم يحفظ في رواية يزيد بن هارون كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.

стр. 5126

فصنيع أحمد هذا لم يرضه الحافظ؛ بحجة أنه ليس في الخبر تسميته عبد الله؛ إلا أنه استدرك على نفسه فقال: "لكن أخرجه الطبراني من طريق حماد بن سلمة عن الجريري فسماه عبد الله ". وأقول: ساق لفظ الطبراني الهيثميُّ في "المجمع " (٩/٨٨- ٨٩) ، فقال: "عن عبد الله بن حوالة قال: أتيت على رسول الله ﷺ .. " الحديث مثل رواية أحمد من طريق إسماعيل، ثم قال: "رواه أحمد والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح ". قلت: وكذلك سماه ابن أبي عاصم (١٢٩٤) من طريق حماد بن سلمة عن الجريري عن عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن حوالة قال: "أتيت رسول الله ﷺ وهو بجنب دوحة ... " الحديث بتمامه مثل رواية أحمد عن إسماعيل- وهو ابن علية-. فثبت بذلك صواب ما صنع الإمام، وأن راوي الحديث بهذا التمام هو عبد الله بن حوالة الصحابي المشهور، فمن الغريب قول الحافظ: "وهو أشهر من زائدة راوي هذا الخبر، فلعل بعض رواته سماه عبد الله ظنَّاً منه أنه ابن حوالة المشهور، فسماه عبد الله، والصواب زائدة أو مزيدة، على الشك ". فأقول: بل الصواب أنه عبد الله بن حوالة، وذلك لسببين: الأول: اتفاق إسماعيل ابن عُليَّة، وحماد بن سلمة عليه: عن الجريري. والآخر: أن الذي سماه زائدة تردد في تسميته بين زائدة ومزيدة كما سبق.

стр. 5127

والتردد دليل عدم الضبط والحفظ، ومن المعلوم أن من حفظ حجة على من لم يحفظ. والله أعلم. هذا؛ ولحديث الترجمة شاهد من حديث ابن عمر قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنة؛ فمر رجل فقال: "يُقتل فيها هذا المقنَّع يومئذ مظلوماً ". قال: فنظرت، فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. أخرجه الترمذي (٩/٢٩٦/٣٧٠٨) ، وأحمد (٢/١١٥) من طريق سنان بن هارون عن كليب بن وائل عن ابن عمر قال ... فذكره، وقال الترمذي: "حديث حسن غريب ". وأقول: هو كما قال؛ بل أعلى بما قبله، وسنان بن هارون صدوق فيه لين؛ كما في "التقريب ". وقد أقر الحافظ ابن كثير في "البداية " (٧/٢٠٨) الترمذيَّ على تحسينه إياه. * ٣١١٩ - (لَتَخْرُجَنَّ فتنةٌ من تحتِ قدمَيْ ـ أو بين رجلَيْ - هذا، (يعني: عثمان ﵁ ، هذا يومئذٍ ومن اتبعهُ على الهُدى) . أخرجه أحمد (٤/٢٣٦) ، وابن أبي عاصم (٢/٥٩١/١٢٩٥) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/٣١٦/٧٥٣) ، و"مسند الشاميين " (٢/٣٩٤) من طرق عن معاوية عن سُليم بن عامر عن جُبَيْر بن نُفَيْرٍ قال: كنا معسكِرِين مع معاوية بعد قتل عثمان ﵁، فقام كعب بن مرة

стр. 5128

البهزي فقال: لولا شيء سمعته من رسول الله ﷺ ما قمت هذا المقام، فلما سمع [معاوية] بذكر رسول الله ﷺ أجلس الناس، فقال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ؛ إذ مر عثمان بن عفان عليه مُرَجَّلاً [مُغدِفاُ] ، قال: فقال رسول الله ﷺ ... فذكره، قال: فقام ابن حوالة الأزدي من عند المنبر، فقال: إنك لصاحب هذا؟ قال: نعم، قال: والله! إني لحاضر ذلك المجلس، ولو علمت أن لي في الجيش مُصَدِّقاً؛ كنت أول متكلم به. والزيادتان للطبراني، واليه وحده عزاه الهيثمي في "المجمع " (٩/٨٩) وقال: " ورجاله وُثِّقوا "! قلت: واسناد أحمد صحيح على شرط مسلم، ومعاوية: هو ابن صالح الحمصي، قال الحافظ في "التقريب ": "صدوق له أوهام ". وله طريق ثان، يرويه وُهيب بن خالد: ثنا أيوب عن أبي قلابة عن أبي الأشعث قال: قامت خطباء بـ (إيلياء) في إمارة معاوية ﵁؛ فتكلموا، وكان آخر من تكلم مُرَّةُ بن كعب، فقال: لولا حديث سمعته من رسول الله ﷺ ما قمت ... فذكره مختصراً، وفيه: "فمر رجل مُقنْع، فقال: "هذا يومئذ وأصحابه على الحق والهدى"، فقلت: هذا يا رسول الله- وأقبلت بوجهه إليه-؟ فقال: "هذا". فإذا هو عثمان ﵁ ".

стр. 5129

أخرجه أحمد أيضاً، والحاكم (٣/١٠٢) وقال: "صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وتابعه عبد الوهاب الثقفي: حدثنا أيوب به. أخرجه الترمذي (٣٧٠٥) وقال: "حديث حسن صحيح ". وخالفهما إسماعيل بن إبراهيم: ثنا أيوب عن أبي قلابة قال: لما قُتل عثمان ﵁ قام خطباء بـ (إيلياء) .. إلخ، لم يذكر في إسناده أبا الأشعث. أخرجه أحمد (٤/٢٣٥) ، وابن أبي شيبة (١٢/٤١/١٢٠٧٥) . ورجاله ثقات أيضاً، وإسماعيل هذا هو ابن عُلَيَّة، لكن الموصول أصح، لاتفاق ثقتين عليه. وله شاهد يرويه محمد بن سيرين عن كعب بن عُجرة قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقرَّبها، فمر رجل مقَنْغٌ رأسَه، فقال رسول الله ﷺ : "هذا يومئذ على الهدى" فوثبت، فأخذت بضَبْعَيْ عثمان، ثم استقبلت رسول الله ﷺ قلت: هذا؟ قال: هذا". أخرجه ابن ماجه (١/٤١/١١١) ، وابن أبي شيبة (١٢/٤١/١٢٠٧٤) ، وعنه ابن أبي عاصم (١٢٩٧) ، وأحمد (٤/٢٤٢ و ٢٤٣) من طريقين عنه. ورجاله ثقات، فالسند صحيح إن كان محمد بن سيرين سمع من كعب بن عُجرة؛ فقد ذكروا أن أبا حاتم قال: لم يسمع منه، مع أن سنَّه يمكنه من السماع

стр. 5130

منه فإنه ولد سنة (٣٣) ، ومات كعب بعد الخمسين. فالله أعلم. ثم وجدت للحديث طريقاً أخرى من طريق أبي سلمة سليمان بن سُليم عن ابن جابر قال: اجتمع الناس ببيت المقدس، قد همُّوا أن يبايعوا معاوية بيعة على ما اجتمعت عليه الأمة، وفيهم عبد الله بن حوالة وكعب بن مرة، فقام عبد الله بن حوالة فقال ... فذكر الحديث نحو رواية جبير بن نفير، إلا أنه جعل الخطيب الأول ابن حوالة كما ترى، وكعباً الخطيب الآخر. أخرجه ابن أبي عاصم (١٢٩٣) . ورجاله ثقات؛ إلا أنه منقطع؛ لأن ابن جابر- وهو يحيى الطائي الحمصي- تابع تابعي؛ لم يدرك أحداً من الصحابة. * ٣١٢٠ - (إذا تغوَّط الرَّجُلانِ، فليَتَوارَ كلَّ واحدٍ منهما عن صاحبِهِ، ولا يتحدَّثان على طوفِهِما، فإن الله يَمقُتُ على ذلك) . قال أبو علي بن السكن: حدثني يحيى بن محمد بن صاعد: حدثنا الحسن ابن أحمد بن أبي شعيب الحراني: حدثنا مسكين بن بكير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره. كذا في "الوهم والإيهام " (٢/١٤٢/٢) لابن القطان، وقال: "قال ابن السكن: رواه عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض عن أبي سعيد عن النبي ﷺ ، وأرجو أن يكونا صحيحين ".

стр. 5131

وقال ابن القطان عقبه: "وليس فيه تصحيح حديث أبي سعيد الذي فَرغْنَا من تعليله، وإنما يعني أن القولين عن يحيى بن أبي كثير صحيحان، وصدق في ذلك؛ صح عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: عن محمد بن عبد الرحمن عن جابر، وأنه قال: عن عياض أو [هلال بن عياض، عن أبي سعيد الخدري. ولا يمكن أن يصحح ابن السكن حديث أبي سعيد] (١) أصلاً، ولو فعل، كان [ذلك خطأ من القول، وإنما يصح من حديث جابر] (١) ، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ثقة، وقد صح سماعه من جابر، وقد بينا ذلك فيما تقدم، ومسكين بن بكير أبو عبد الرحمن الحذاء لا بأس به؛ قاله ابن معين، وهذا اللفظ هو منه مؤنَس بين ذلك بنفسه، وبين أنه إذا قال في رجل: لا بأس به، فهو عنده ثقة، (٢) وكذا قال فيه أبو حاتم. والحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم: صدوق لا بأس به. وسائر من في الإسناد لا يسأل عنه، وعن يحيى بن أبي كثير". قلت: وخلاصة تحقيق ابن القطان هذا أن الحديث من هذه الطريق جيد، وهو ما صرح به قبل أن يسوق إسناده، وبعد أن تكلم طويلاً على طريق عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض- وفي رواية: عياض بن أبي زهير- عن أبي سعيد، وأعله بالاضطراب في إسناده ومتنه، وجهالة عياض هذا، ومن أجل ذلك كنت أوردته في "ضعيف أبي داود" برقم (٣) ، وبسطتُ القول فيه

стр. 5132

في اضطراب إسناده؛ وجهالة راويه عياض، ومن ذلك أنه روي عن عكرمة عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة. والآن وقد أوقفنا ابن القطان- جزاه الله خيراً- على هذا السند الجيد من غير طريق عكرمة بن عمار، فقد وجب نقله من "ضعيف أبي داود"، إلى "صحيح أبي داود" ومن "ضعيف الجامع " إلى "صحيح الجامع "، و"ضعيف الترغيب " إلى "صحيح الترغيب "، و"ضعيف ابن ماجه " إلى "صحيح ابن ماجه "، ولفظه ولفظ أبي داود وغيرهما من طريق عكرمة نحو حديث الترجمة. ثم وجدته في "تاريخ بغداد" (١٢/١٢٢) من طريق عبد الملك بن الصباح: حدثنا الأوزاعي عن يحيى، وعكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال ابن عياض عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً بلفظ: "إذا تغوط الرجلان.. " الحديث. ثم وجدت له طريقاً أخرى عن أبي سعيد، لكن فيها متهم بالوضع فلا يُفرح بها، أذكرها للعلم: أخرجه الدارقطني في "غرائب مالك " من طريق محمد بن يوسف بن يعقوب الرازي قال: ثنا إدريس بن علي الرازي قال: ثنا يحيى ابن الضُّرَيْس قال: ثنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ... رفعه مثله. وقال الدارقطني: "لا يصح عن عطاء، ولا عن زيد، ولا عن مالك، والمتهم بوضعه محمد بن يوسف، وكان يضع الأحاديث ". ذكره الحافظ في ترجمة ابن يوسف هذا من "اللسان ". وله شاهد من حديث خلاد بن السائب الجُهَني عن أبيه مرفوعاً نحوه،

стр. 5133

سيأتي الكلام عليه تحت الحديث (٣٣١٦) ، وبه يزداد الحديث قوة على قوة. * ٣١٢١ - (مَنْ مَرَّ بحائطٍ فلْيأكُلْ ولا يحْمِلْ) . أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وأحمد في "مسائل أبي داود عنه " (ص ٣٠٤) من طريق يحيى بن سُلَيْم عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﵇ قال ... فذكره. وقال الترمذي: "حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم ". قلت: وبه أعله الإمام أحمد، كما أشار إلى ذلك أبو داود بقوله: "ذكرت لأحمد حديث يحيى بن سليم.. فانتهرني؛ استضعافاً للحديث ". قلت: لكني وجدت له شاهداً من حديث ابن عمرو، فقال ابن أبي شيبة في "المصنف " (٦/٨٥/٣٥٦) : نا وكيع عن هشام بن سعد عن عمرو بن شعيب قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره بالحرف الواحد. وهذا معضل، ولكنه قد جاء موصولاً، فقال الإمام أحمد في "المسند" (٢/٢٢٤) : ثنا حماد بن خالد: ثنا هشام بن سعد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يدخل الحائط؟ قال: "يأكل غير متخذ خبنة". وهذا إسناد متصل حسن. وتابعه محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب به نحوه.

стр. 5134

أخرجه ابن أبي شيبة (٦/٨٢/٣٤٧) ، وأحمد (٢/١٨٠) . وتابعه محمد بن عجلان به، ولفظه: أن النبي ﷺ سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: "من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خُبْنَةً؛ فلا شيء عليه ". أخرجه جمع منهم الترمذي (١٢٨٩) وقال: "هذا حديث حسن ". وله شاهد موقوف، يرويه مجاهد عن أبي عياض قال: قال عمر: "إذا مررت ببستان فكل ولا تتخذ خبنة". أخرجه ابن أبي شيبة (٦/٨٣/٣٥٠) ، والبيهقي (٩/٣٥٩) من طريقين عن منصور عن مجاهد به. قلت: وهذا إسناد صحيح كما قال البيهقي. وقال: "وهو عندنا محمول على حال الضرورة. والله أعلم ". قلت: وهذا معناه أو لازمه: أنه لا يجوز أن يدخل الحائط أو البستان إلا للضرورة، ومن الأدلة روايات عديدة ساقها البيهقي، منها قوله ﷺ : ".. وإذا أتيت على حائط بستان؛ فنادِ صاحب البستان ثلاث مرات، فإن أجابك، وإلا؛ فكل، غير أن لا تفسد، وفي رواية: ولا يحملن ". وإسناده جيد، وهو مخرج في "الإرواء" (٢٥٢١) . ثم إن أثر عمر: رواه عبد الرزاق (١٠/٢٢٣/١٨٩١٨) بسند آخر منقطع. *

стр. 5135

٣١٢٢ - (لا تأكل متَّكِئاً، ولا على غِرْبَالٍ، ولا تتخِذَنَّ مِنَ المسجدِ مُصلىً لا تصلِّي إلا فيهِ، ولا تَخَطَّ رِقابَ الناسِ يومَ الجُمُعَةِ؛ فيجعلَكَ الله لُهمْ جسراً يوم القيامة) . أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق " (١٣/٣٩١) قال: أنا أبو الحسن بن رزقويه: نا أبو العباس عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن حماد العسكري- إملاءً- في سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة: نا أيوب بن سليمان الصُّغْدي: نا أبو اليمان: نا أرطاة بن المنذر عن عبد الله بن رُزَيْق الألهاني عن عمرو بن الأسود العَنْسي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره. وقال: "قال الخطيب: كذا سماه ونسبه أبو اليمان؛ ووهم في ذلك، والصواب أنه رُزَيقٌ أبو عبد الله، كذلك ذكره أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر، وأبو عبد الله البخاري، وأبو حاتم الرازي ". قلت: وكذا ابن حبان في كتابيه: "الثقات " (٤/٢٣٩) ، و"الضعفاء" (١/٣٠١) ، وذلك من تناقضه! والأول هو الأقرب؛ لقول ابن أبي حاتم (١/٢/٥٠٥) : "سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: حمصي لا بأس به ". ولذلك قال الذهبي في "المغني ": "صدوق، قال ابن حبان: لا يحتج به ". وفي "الميزان " جمع بين قول ابن حبان هذا وقول أبي زرعة، وفاته أنه في "ثقات ابن حبان ". وقال الحافظ في "التقريب ": "صدوق له أوهام ".

стр. 5136

قلت: فهو حسن الحديث- إن شاء الله تعالى-. وسائر رجال الإسناد كلهم ثقات من رجال "التهذيب "؛ سوى مَن دون أبي اليمان، فهم مترجمون في "تاريخ بغداد": ١- أما أيوب بن سليمان الصُّغْدي؛ بضم الصاد المهملة وسكون الغين المعجمة؛ كما في "أنساب السمعاني "، و"الإكمال " (٥/٢٠١) لابن ماكولا، ولم يترجما له بشيء، لكن الخطيب ترجمه (٧/١١) برواية جمع من الثقات منهم العسكري هذا، ثم قال: "وكان ثقة، مات سنة (٢٧٤) ". ٢- وأما ابن حماد العسكري، فهو من تلامذة أبي داود، ومن شيوخ الإمام الدارقطني وغيره من الثقات، ترجمه الخطيب (١/٣٣- ٣٤) ، وروى عن الدارقطني أنه وثقه. مات سنة (٣٤١) . ٣- وأما ابن رزقويه- واسمه محمد بن أحمد بن محمد؛ يعرف بابن رزقويه-؛ قال الخطيب (١/٣٥١) : "كان ثقة صدوقاً، كثير السماع والكتابة، حسن الاعتقاد، جميل المذهب، مديماً لتلاوة القرآن، شديداً على أهل البدع، وسمعت أبا بكر البّرْقاني يسأل عنه؟ فقال: ثقة. توفي سنة (٤١٢) ". قلت: فإسناد الحديث حسن- إن شاء الله تعالى-. والحديث ذكره ابن حبان في كتابه الثاني: "الضعفاء" من طريق أرطاة معلقاً، ثم قال: "أخبرناه ابن جُوصا بدمشق ".

стр. 5137

قلت: كذا وقع فيه؛ لم يسق إسناده من ابن جوصا إلى ابن المنذر، فإن بينهما مفاوز، فلا أدري إذا كان السقط من الناسخ أو الطابع، أو هو اختصار من المؤلف؟! فألقي في البال احتمال أن يكون ابن جوصا هو الراوي للحديث عن أبي اليمان؛ لأن ابن جوصا من شيوخ الطبراني، وقد أخرج هذا طرفاً منه عن شيخ آخر له عن أبي اليمان، فقال في "معجمه الأوسط " (١/٣/٣٣- بترقيمي) : حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة قال: نا أبو اليمان.. بإسناد الصغدي مختصراً بلفظ: "لا تأكل متكئاً، ولا تخط رقاب الناس يوم الجمعة". وقال الطبراني: "لا يُروى عن أبي الدرداء إلا بهذا الإسناد، تفرد به أرطاة". ثم استبعدت الاحتمال المذكور حينما علمت من "سير أعلام الذهبي " (١٥/١٥) أن ابن جوصا ولد في حدود الثلاثين ومئتين، فلم يدرك أبا اليمان؛ لأنه مات سنة (٢٢٢) ، فلا بد- إذن- من أن يكون بينهما واسطة كما ذكرت أولاً، فيحتمل أن يكون الصغدي أو غيره؛ والله أعلم. والحديث أورده الهيثمي من رواية الطبراني في موضعين من "مجمع الزوائد"، ففي الموضع الأول ذكره بتمامه بالفقرتين كما تقدم، وقال (٢/١٧٩) : "وفيه عبد الله بن زريق (كذا، وإنما هو رزيق) ، قال الأزدي: لا يصح حديثه ". وفي الموضع الآخر، أورد منه الفقرة الأولى، وقال (٥/٢٤) : "رواه الطبراني في " الأوسط "، ورجاله ثقات ".

стр. 5138

قلت: ويبدو لي أنه بدا له أن "عبد الله بن رزيق " خطأ، وأن صوابه "رزيق أبو عبد الله " كما تقدم عن الخطيب، وأنه وثقه ابن حبان، فاعتمده كعادته، والله أعلم. وقد سبق تخريج هذا الطرف من الحديث والكلام عليه تحت الحديث (٢٣٩٤) من هذا الكتاب. هذا؛ ولأكثر فقرات الحديث شواهد تؤكد ثبوته: أولاً: الاتكاء، قال محمد بن عبيد الله بن أبي مليكة عن ابن أبي إهاب [عن أبيه] قال: قال رسول الله ﷺ ، أو: نهانا رسول الله ﷺ أن نأكل متكئين. أخرجه البزار (٣/٣٣١/٢٨٧٠- كشف الأستار) ؛ وسقط منه ما بين المعكوفتين، واستدركته من "مجمع الزوائد " (٥/٢٤) ، وقال: "رواه البزار من رواية محمد بن عبيد الله بن أبي مليكة، ولم أعرف محمداً هذا، وبقية رجاله ثقات ". كذا قال! ومحمد هذا أورده ابن أبي حاتم في كتابه (٤/١/٣) ، وروى عن ابن معين أنه قال: "ضعيف ". واعتمده الذهبي في "الميزان " فقال: "ضعفه ابن معين، مُقِلٌّ ". ووافقه الحافظ في "اللسان ". وأورده الذهبيُّ- كذلك- في "محمد بن عبد الله " مُكَبِّراً، وقال:

стр. 5139

"لا يُعرف، وضعفه يحيى بن معين ". وأقرَّه الحافظ أيضاً. وابن أبي إهاب لم أعرفه. وقد يشهد له حديث أبي جُحَيْفة مرفوعاً بلفظ: " إني لا آكل متكئاً ". وفي رواية: "لا آكل وأنا متكئ ". أخرجه البخاري (٥٣٩٨ و ٥٣٩٩) وغيره. وفي لفظ آخر: "أما أنا؛ فلا آكل متكئاً ". رواه الترمذي- وصححه-، والبيهقي، وهو مخرج في " الإرواء " (٧/٢٧/١٩٦٦) . وإنما قلت: قد يشهد له؛ لأنه ليس صريحاً في النهي، ولذلك قال بعضهم: إن ذلك من الخصائص النبوية، وترجم له البخاري بقوله: "باب الأكل متكئاً ". فقال الحافظ في "شرحه " (٩/٥٤١) : "أي: ما حكمه؟ وإنما لم يجزم به؛ لأنه لم يأت فيه نهي صريح ". كذا قال! ويَرِدُ عليه حديث الترجمة، ولا يقال: لعله لم يذكره؛ لأنه لم يصح عنده! قلت: هذا خلاف عادته؛ فإنه لو استحضره؛ لذكره وبين ضعفه كما هي عادته الغالبة.

стр. 5140

ثانياً: اتخاذ المصلى في المسجد، وهو استيطان المكان، فيشهد له حديث عبد الرحمن بن شبْل مرفوعاً بلفظ: "نهى عن نَقْرَةِ الغراب، وافتراش السَّبُعِ، وأن يوطِّن الرجل المكان في المسجد كما يوطِّن البعير". أخرجه أصحاب "السنن " إلا الترمذي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والذهبي، وقد مضى تخريجه برقم (١١٦٨) . ثالثاً: التخطي يوم الجمعة، شاهده حديث معاذ بن أنس مرفوعاً: "من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة؛ اتُّخِذ جسراً إلى جهنم ". أخرجه الترمذي وغيره، وقد تكلمت عليه في التعليق على "المشكاة" (١/٤٣٨/١٣٩٢) بما يقتضي تضعيفه، فبهذا الشاهد يرتقى إلى درجة الحسن- إن شاء الله تعالى-. ثم رأيت الحافظ ابن حجر قد أورد حديث أبي إهاب في "الإصابة"؛ وقال في أبي إهاب: "ذكره جعفر المستغفري في الصحابة، وقال: إنه روي عنه حديث.... " فذكره. * ٣١٢٣ - (من فطرة الإسلام: الغُسْلُ يومَ الجمعة، والاستنانُ، وأخذ الشارب، وإعفاءُ اللِّحى؛ فإنَّ المجوس تُعْفي شَوَارِبَها، وتُحفي لِحاها، فَخالِفُوهم: خُذُوا شواربَكم، وأعفُوا لحاكُم) . أخرجه ابن حبان (٥٦٠- الموارد) من طريق ابن أبي أويس: حدثني أخي

стр. 5141

- يعني: عبد الحميد- عن سليمان بن بلال عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال ... فذكره. قلت: وهذا إسناد جيد؛ ابن أبي مريم، روى عنه جمع من الثقات غير سليمان بن بلال، ذكرهم ابن أبي حاتم (٧/٣٠٦/١٦٦٠) ، وروى عن يحيى القطان أنه قال: "لم يكن به بأس ". وعن أبيه قال: "شيخ مديني صالح الحديث ". وذكره ابن حبان في "الثقات " (٧/٤١٩) . ومن دونه ثقات من رجال الشيخين؛ على ضعف في حفظ ابن أبي أويس، واسمه إسماعيل بن عبد الله. والحديث أخرجه البخاري في ترجمة ابن أبي مريم من "التاريخ " فقال (١/١٣٩/٤١٩) : قال لي إسماعيل بن أبي أويس بإسناده بلفظ: " المجوس تعفي شواربها، وتحفي لحاها؛ فخالفوهم، فجزوا شواربكم، وأعفوا لحاكم ". * ٣١٢٤ - (لا تُشَدِّدوا على أنفسكم؛ فإنّما هلك من قبلَكم بتشدِيدِهم على أنفسهم، وستَجِدُونَ بقاياهُم في الصوامع والدِّياراتِ) !. أخرجه البخاري في "التاريخ " (٢/٢/٩٧) : وقال لنا عبد الله بن صالح: حدثني أبو شُريح: سمع سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيفٍ عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال ... فذكره.

стр. 5142

ومن هذا الوجه: أخرجه ابن قانع في ترجمة سهل من "المعجم "، والطبراني في "المعجم الكبير" (٦/٨٨/٥٥٥١) و"الأوسط " (١/١٧٤/٢/٣٢٣٠) ، والبيهقي في "شعب الإيمان " (٣/٤٠١/٣٨٨٤) . قلت: وهذا إسناد جيد بما بعده، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير عبد الله بن صالح، فهو من شيوخ البخاري كما ترى، وذكر غير واحد أنه روى عنه في "صحيحه "، كالمنذري في آخر "الترغيب " (٤/٢٨٦) ، والذهبي في "الكاشف "، وقال في " المغني ": "والصحيح أن البخاري روى عنه في الصحيح ". وقال تبعاً للمنذري: "صالح الحديث، له مناكير". وقال الحافظ في "التقريب ". "صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة". ورمز له بأن البخاري روى له تعليقاً، وذكر في "تهذيبه " تبعاً لأصله، أن البخاري استشهد به في "الصحيح "؛ لكنه في "مقدمة الفتح " (ص ٤١٤- ٤١٥) تتبع الأحاديث التي رواها البخاري عنه بصيغة: حدثنا، أو: قال لي، أو قال- المجردة- من تسعة مواضع من "الصحيح "، فتبين أن أكثرها متابعة أو استشهاداً، والقليل منها احتجاجاً. والله أعلم. ولكنه قال بعد أن ساق أقوال الأئمة فيه ما بين جارح وموثِّق: "قلت: ظاهر كلام هؤلاء الأئمة أن حديثه في الأول كان مستقيماً، ثم طرأ

стр. 5143

عليه فيه تخليط، فمقتضى ذلك؛ أن ما يجيء من روايته عن أهل الحذق كيحيى ابن معين والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم-؛ فهو من صحيح حديثه، وما يجيء من رواية الشيوخ عنه؛ فيتوقف فيه "؛ والله أعلم. وأبو شريح: اسمه عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني، ثقة محتج به في "الصحيحين "، وقد خالفه إسناداً ومتناً: سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء؛ فقال: عن سهل بن أبي أمامة أنه حدثه عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يقول ... فذكر الحديث نحوه، وزاد: " (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) ، ثم غَدَوْا من الغد، فقالوا: نركب فننظر ونعتبر ... " الحديث بطوله، وقد أوردته في الكتاب الآخر (٣٤٦٨) من أجل هذه الزيادة وتفرَّد سعيد بها؛ ولم يوثقه غير ابن حبان. والحديث أورده الهيثمي في "المجمع "، وقال (١/٦٢) : "رواه الطبراني في "الأوسط "، و"الكبير"، وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وثقه جماعة وضعفه آخرون ". قلت: وله شاهدان مرسلان: أحدهما: عن أبي قلابة مرفوعاً بلفظ: "إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شدِّدوا على أنفسهم؛ فشدِّد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع ". أخرجه ابن جرير في " التفسير" (٧/٧) ، والمروزي في "زوائد الزهد" (٣٦٥/١٠٣١) وغيرهما من طريقين عن أيوب عنه.

стр. 5144

قلت: فهو مرسل صحيح الإسناد، وفيه قصة، وهو في "غاية المرام " (١٤٠/٢٠٧) . والآخر: عن قتادة مرفوعاً نحوه. أخرجه ابن جرير قال: حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا جامع بن حماد قال: ثنا يزيد بن زريع عن سعيد عنه. وهذا إسناد رجاله ثقات من رجال "التهذيب "؛ غير جامع بن حماد، فلم أعرفه، وانظر ما قاله العلامة شاكر في تعليقه عليه في حاشية "التفسير" (١٠/٥١٦) . واعلم أنني كنت قد أخرجت الحديث في الكتاب الآخر من رواية سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء المطوَّلة، وفيها تلك الزيادة التي أشرت إليها آنفاً من رواية أبي داود وأبي يعلى، وبيّنت الفرق بين متنيهما وتفرَّد ابن أبي العمياء بها، وضعفت إسناده في "تخريج المشكاة" (١/٦٤) بابن أبي العمياء هذا، وذكرت أن الحافظ أشار إلى أنه ليّن. وكذلك فعلت في "غاية المرام " (١٤٠/٢٠٧) ، لكني ذكرت له فيه شاهداً من مرسل أبي قلابة، ثم قلت: "فلعله حسن بهذا الشاهد. والله أعلم ". فتعقبني الشيخ عبد الله الدويش- ﵀ في "تنبيه القاري " (٢٧/٢٩) بقوله: "قلت: وهذا هو الصواب ". ولم يزد!

стр. 5145

ولست أدري- والله - ما الذي حمله على الجزم بذلك؟! وهو لم يأت بما يؤكده إلا المعارضة! ولكني- والحمد لله- قد وفقني الله ، فجئت بهذه المتابعة القوية من عبد الرحمن بن شُريح الإسكندراني لابن أبي العمياء على الطرف الأول من الحديث، مع مخالفته إياه في إسناده، وبذلك اطمئنت النفس لتقوية هذا القدر من الحديث، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. ويشبه صنيعَ الدويش هذا: ما فعله الشيخ نسيب الرفاعي في "مختصر تفسير ابن كثير"، والدكتور إسماعيل منصور مؤلف الكتاب العجيب الذي أسماه: "تذكير الأصحاب بتحريم النقاب "!! الذي خالف فيه سبيل المؤمنين، وادعى فيه ادعاءات باطلة نسبها إلى الصحابة وغيرهم، وجهالات عجيبة حديثية وفقهية وغيرها، مما لا مجال لذكر شيء منها هنا إلا ما يتعلق بهذا الحديث؛ فإن ابن كثير ﵀ عزا الحديث لأبي يعلى بسنده عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء بسنده المتقدم عن أنس، وفيه تلك الزيادة: (رهبانية ابتدعوها) ، كما تقدم، وسكت ابن كثير عنه اكتفاءً منه بذكره بإسناده؛ لينظر فيه من أراد التثبت من صحته أو ضعفه، ولجهل الدكتور بذلك توهم أن الحديث صحيح! ولذلك؛ استجاز ذكره دون تخريج أو بيان لحال إسناده؛ بل عقب عليه بقوله: "وهو مما نقله الحافظ ابن كثير بسنده (كذا) إلى عبد الرحمن بن أبي العمياء"! كذا قال- هداه الله-! وكل من كان له ولو أدنى مشاركة في هذا العلم يعلم أن هذا التعقيب لا يفيد شيئاً، وفيه عديد من الأوهام: أولاً: أن نقل الحافظ ابن كثير أو غيره للحديث لا يفيد شيئاً من تصحيح أو تضعيف.

стр. 5146

ثانياً: قوله: "بسنده " كذب وجهل بالغ؛ فإن هذا إنما يصح فيما لو أن ابن كثير ساق إسناده بالحديث قائلاً: حدثني فلان قال: حدثني فلان إلخ! وهو لم يصنع ذلك، ولا هو من عادته، وإنما عزاه لأبي يعلى قائلاً: "وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا ... إلخ "، فكان عليه أن يقول- لو كان عنده علم-: "عزاه الحافظ ابن كثير لأبي يعلى بسنده.. " أو نحوه. ثالثاً: عبد الرحمن بن أبي العمياء ليس له علاقة برواية الحديث، وإنما هو ابنه سعيد كما تقدم. رابعاً: سعيد هذا لين الحديث كما سبق، فما هي الحكمة من ذكر الدكتور إياه دون أن يبين لقرائه أهو صحابي الحديث؟! كما هي العادة المتبعة عند العلماء؛ فإنهم إذا ذكروا الحديث نسبوه إلى صحابيه وليس إلى أحد رواته الذين دونه! وإن ذكروا مثله؛ فإنما يفعلون ذلك لبيان حاله في الرواية، والدكتور لم يفعل ذلك فما هو السر إذن في ذكره إياه دون الصحابي؟!! خامساً: جهله بأن الحديث في "سنن أبي داود"، و"تاريخ البخاري " تقليداً منه لابن كثير، وهذا إنما عزاه لأبي يعلى؛ لأنه عنده مطوَّل دون أبي داود والبخاري. وأما الشيخ الرفاعي؛ فاغتر- كعادته- بسكوت ابن كثير عليه لما سبق ذكره، فظن أنه صحيح، فأورده في "مختصره " (٣/٣١٥) زاعماً صحته- هدانا الله وإياه-! ثم توفي الشيخ، فنسأل الله أن يرحمه ويغفر له. * ٣١٢٥ - (كانَ يكرهُ أنْ يُؤْخَذَ مِنْ رأْسِ الطعامِ) . أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٤/٢٩٧/٧٥٤) من طريق إبراهيم بن

стр. 5147

المنذر الحِزامي: ثنا مَعْنُ بن عيسى: ثنا فائد مولى عبادل (١) عن مولاه عبيد الله بن علي بن أبي رافع عن جدته سلمى قالت ... فذكرته. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير فائد هذا، وهو ثقة؛ وثقه ابن معين وغيره، وقال الحافظ في "التقريب ": " صدوق ". والحديث؛ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/٢٧) : "رواه الطبراني، ورجاله ثقات ". وقد صح عنه ﷺ النهي عن أن يأكل من أعلى الصّحْفة من حديث ابن عباس وعبد الله بن بسر، وهما مخرجان في "الإرواء" (٧/٣٨- ٣٩) . ٣١٢٦ - (الإيمانُ يَمانٍ، هكذا إلى لَخْمٍ وجُذامٍ) . أخرجه أحمد (٣/٢٢٤) ، ومن طريقه: ابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٣/١٥٠) : ثنا علي بن عياش: ثنا محمد بن مهاجر عن عروة بن رُوَيْمٍ قال: أقبل أنس بن مالك إلى معاوية بن أبي سفيان- وهو بدمشق- فدخل عليه، فقال له معاوية: حدثني بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ليس بينك وبينه أحد، قال: قال أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول ... فذكره. وأخرجه الطبراني في "مسند الشاميين " (١/٢٩٧) من طريق علي بن عياش به. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال "الصحيح "؛ غير عروة بن رويم،

стр. 5148

وهو ثقة من أهل الأردن، قال ابن عساكر (١١/٥٥٤) : "قدم الجابية، وسمع بها أنس بن مالك يحدث الخليفة". كأنه يشير إلى هذا الحديث. وقد علقه البخاري في "التاريخ " (٣/١/٨٧) ، وعنه ابن عساكر (٩/١٨٩) ، فقال: "وقال محمد بن مهاجر: عن عروة بن رويم عن أبي خالد الحرشي عن أنس ... ". فأدخل بين عروة وأنس أبا خالد الحرشي، ولم أعرفه. وقد وصله الدولابي في ترجمته من "الكنى" (١/١٦٣) من طريق أبي توبة الربيع بن نافع قال: حدثنا محمد بن مهاجر به. قلت: ولم يسمه الدولابي، ولم يورده الذهبي في "المقتنى" مطلقاً، والله أعلم. ثم رواه ابن عساكر- في ترجمة عروة- بسند ضعيف عن عروة عن أنس به مثل رواية أحمد، لكنه جعل مكان معاوية عبد الملك بن مروان، وفيه التصريح بحضور عروة في ذاك المجلس. ثم علقه البخاري وابن عساكر من طريق عبد الله بن راشد: سمع عروة بن رويم عن أنس به. وابن راشد هذا وثقه أبو مسهر، وابن حبان (٧/٣٥) . ثم علقاه من طريق سليمان بن عبد الرحمن: حدثني عبد الكريم بن محمد اللخمي: حدثنا عروة بن رويم: سمعت أنساً- ﵁ ... وهذا وصله أبو نعيم في "أخبار أصبهان " (١/١٥٦) ، وابن عساكر (١٠/٤٣٤) .

стр. 5149

وعبد الكريم بن محمد اللخمي؛ ترجمه البخاري في "التاريخ " وابن حبان في كتابه "الثقات " (٧/١٣١) ، وابن عساكر أيضاً برواية سليمان بن عبد الرحمن هذا فقط، فهو مجهول. وبالجملة؛ فالحديث صحيح فإن أكثر الطرق لا تُثْبت الواسطة بين عروة بن رويم وأنس، ولا سيما أن السند الأول صحيح، وقد قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٥٥) : "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح؛ خلا عروة بن رويم، وهو ثقة ". ثم وقفت على خلاف آخر في هذه الطريق، فقال الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/٣٤٢/٨٥٧) ، و"مسند الشاميين " (١/٢٩٩/٥٢٢) : حدثنا أحمد ابن خُلَيْدٍ الحلبي: ثنا أبو توبة الربيع بن نافع: ثنا محمد بن مهاجر عن عروة بن رويم عن أبي كبشة الأنماري قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة من مغازيه، فنزل منزلاً، فأتيناه فيه، فرفع يديه وقال ... فذكره. قلت: وهذا صحيح أيضاً، رجاله ثقات من رجال "التهذيب "؛ غير أحمد بن خليد، وهو الكندي، روى عنه جمع من الحفاظ، وقال الذهبي في ترجمته من "السير" (١٣/٤٨٩) : "ما علمت به بأساً ". وقوله: "عن أبي كبشة الأنماري "؛ إن كان قد حفظه، فلا يضر في إسناده؛ لأنه انتقال من صحابي إلى صحابي، والله أعلم. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 5150

"الإيمان يمان إلى هنا- وأشار بيده حذو جذام-؛ صلوات الله على جذام ". وهذا مرسل، رجاله ثقات، وعزاه السيوطي في "الجامع الكبير" للشيرازي عن أبي هريرة مرفوعاً، وزاد: "يقاتلون الكفار على رؤوس الشَّعَف، ينصرون الله ورسوله ". ولم أقف إلى الآن على إسناده، وقد أشار السمعاني في مادة (الجذامي) إلى ضعفه. وللحديث شاهد صحيح في أول الحديث التالي. والشطر الأول منه متفق عليه من حديث أبي هريرة، وله عندهما تتمة، وهو مخرج في "الروض النضير" (١٠٤٥) . ثم رأيته في " تاريخ دمشق " (٦/٢٩٨) من مرسل رَوْح بن زِنْبَاع أن النبي ﷺ قال: "الإيمان يمان حتى جبال جذام، وبارك الله في جذام ". * ٣١٢٧ - (خيرُ الرِّجالِ رِجالُ أهْلِ اليمنِ، والإيمانُ يمانٍ إلى لَخْمٍ وجُذَامٍ وعاملةَ، ومأكولُ حِميرَ خيرٌ من آكلِها، وحَضْرَموتُ خيرٌ من بني الحارث، وقبيلةٌ خيرٌ من قبيلةٍ، وقبيلةٌ شرٌّ من قبيلةٍ، واللهِ! ما أبالي أن يَهْلِكَ الحارثانِ كلاهُما، لعنَ الله الملوكَ الأربعةَ: جَمدَاءَ، ومِخْوَسَاءَ، ومِشْرَحَاء، وأبْضَعَةَ، وأُخْتَهُم العمَرَّدَةَ. ثُمَّ قَالَ: أمَرَني ربِّي أن ألعنَ قريشاً مرّتين، فلعنتُهم، فأمرني أن
следующие страницы →