← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

وأما الخلاص من كيد الكائدين، وحسد الحاسدين، وطعن الطاعنين؛ فلا سبيل إليه إلا بالوفاة على الإيمان إن شاء الله تعالى. وما أحسن ما قيل: ولست بناجٍ من مقالة طاعن ولو كنت في غارٍ على جبل وَعْرِ ومن ذا الذي ينجو من الناس سالماً ولو غاب عنهم بين خافِيَتَيْ نَسْرِ * سبب النهي عن سفر الرجل وحده ٣١٣٤ - (خرجَ رجلٌ من (خيبرَ) ، فاتبَعه رجلان، وآخرُ يتلوهما يقول: ارجعا ارجعا، حتَّى ردَّهما، ثم لحق الأول، فقال: إنَّ هذينِ شيطانانِ، وإنِّي لمْ أزلْ بهما حتى رددتهما، فإذا أتيت رسول الله ﷺ فأَقرئه السلامَ، وأخبره أنَّا ههنا في جمع صدقاتنا، ولو كانت تصلحُ له لبَعَثْنَا بها إليه. قال: فلمَّا قدمَ الرجلُ المدينةَ أخبرَ النبيَّ ﷺ ، فعند ذلك نهى رسول الله ﷺ عن الخَلْوةِ) . أخرجه الحاكم (٢/١٠٢) ، وأحمد (١/٢٧٨ و ٢٩٩) من طرق عن عبيد الله ابن عمرو الرَّقِّي عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال ... فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط البخاري ". ووافقه الذهبي، وقواه الحافظ في " الفتح " (٦/٣٤٥) بسكوته عنه، وفسر (الخلوة) بقوله: "أي: السفر وحده " كما يدل عليه السياق. *

стр. 5182

٣١٣٥ - (ذاك جبريلُ ﵇، وإنَّ منكم لرِجَالاً لو أنَّ أحدَهم يقسمُ على الله لأبرَّه) أخرجه البزار في "مسنده " (٣/٣٠٦- ٣٠٧- الكشف) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/١١ - ١٢) و"الأوسط " (١/١٥٣/١/٢٨٧٣) ، ومن طريقه: الضياء في "المختارة" (٥٩/٢١٢/١- ٢) ، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٧/٧٦) من طرق عن محمد بن عبد الوهاب الحارثي: ثنا يعقوب القَمِّي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: عاد رسول الله ﷺ رجلاً من الأنصار، فلما دنا من منزله سمعه يتكلم في الداخل، فلما أستأذن عليه دخل عليه فلم ير أحداً، فقال له رسول الله ﷺ : سمعتك تكلم غيرك؟ قال: يا رسول الله! لقد دخلت الداخل اغتماماً بكلام الناس مما بي من الحمى، فدخل علي داخل ما رأيت رجلاً قط بعدك أكرم مجلساً ولا أحسن حديثاً منه، قال ... فذكره. وقال البزار- والطبراني- نحوه: "لا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد". قلت: وهو إسناد حسن؛ الحارثي هذا ترجمه الخطيب في "التاريخ " (٢/٣٩٠ - ٣٩١) برواية جمع من الثقات والحفاظ عنه، ثم روى عن الحافظ أبي علي صالح ابن محمد- جزرة- (١) أنه قال: "ثقة ". وذكره ابن حبان في "الثقات " (٩/٨٣) برواية الحافظ عبد الله بن محمد البغوي، ثم قال: "ربما أخطأ".

стр. 5183

وقال الهيثمي في "المجمع " (١٠/٤١) : "رواه البزار والطبراني في " الكبير" و"الأوسط "، وأسانيدهم حسنة ". وهذا تعبير موهم لغير الواقع فقد عرفت من كلام البزار والطبراني أنه ليس له إلا هذا الإسناد، فهو إنما يعني بـ (الأسانيد) : الطرق المشار إليها عن الحارثي؛ فتنبه! ثم رأيت الحافظ قد سبقني إلى تحسينه، فقال في "مختصر زوائد البزار" (٢/٣٧٧) : "وإسناده حسن ". ٣١٣٦ - (إنَّ أول شيءٍ خَلَقَهَ الله : القلمُ، فأخذَهُ بيمينه- وكلتا يديهِ يمين- قال: فكتبَ الدنيا وما يكونُ فيها من عملٍ معمولٍ: بِرَّ أو فجورٍ، رطب أو يابس، فأحصاهُ عندَه في الذِّكر، ثم قال: اقرَأُوا إن شئتم: (هذا كتابُنا يَنْطِقُ عليكم بالحق إنا كنا نَسْتَنْسِخُ ما كنتم تعملون) ؛ فهل تكون النسخةُ إلا مِنْ أمرٍ قد فُرغَ منه) . أخرجه الآجري في "الشريعة " (٣٢١- ٣٢٢) قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله ابن صالح البخاري قال: حدثنا الحسن بن علي الحلواني قال: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع عن بقية بن الوليد قال: حدثنا أرطاة بن المنذر عن مجاهد عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال ... فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات مترجَمون في "التهذيب "؛ غير أبي محمد البخاري، ترجمه الخطيب (٩/٤٨١- ٤٨٢) وروى عن غير واحد من الحفاظ أنه مأمون، ووصفه الذهبي في " السير" (١٤/٢٤٣) بـ "الإمام الصدوق ".

стр. 5184

وبقية بن الوليد قد صرح بالتحديث؛ فأمنا بذلك شر تدليسه. ثم أخرجه الآجري من طريق أبي أنس مالك بن سليمان الحمصي قال: حدثنا بقية بن الوليد عن أرطاة بن المنذر به. ومالك بن سليمان هذا، ذكره ابن أبي حاتم بروايته عن بقية؛ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ولكنه قال: "روى عنه أبو زرعة ". ومن المعروف عن أبي زرعة أنه لا يروي إلا عن ثقة، والله أعلم. وللحديث شواهد متفرقة تزيده قوة على قوة: أولاً: فقرة خلق القلم، فمن شواهده حديث ابن عباس المتقدم برقم (١٣٣) ، وحديث عبادة بن الصامت الذي كنت خرجته من طرق عنه في التعليق على "المشكاة" (١/٣٤/٩٤) . ثانياً: قوله: "وكلتا يديه يمين "، قد جاء في حديث: "المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين.. ". رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في "آداب الزفاف " (٢٨١) . وقد رواه أيضاً ابن حبان (١٥٣٨) ، والآجري، والبيهقي في "الأسماء" (ص ٣٥٤) من حديث ابن عمرو. وله شاهد ثان من حديث أبي هريرة مرفوعاً: "لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس ... " الحديث، وفيه ذكر القبضتين، وقوله تعالى لآدم:

стр. 5185

"اختر أيهما شئت، قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة ... ". وهو مخرج في "الظلال " (٩١/٢٠٦) . وله شاهد من حديث عبد الله بن سلام موقوفاً عليه. أخرجه الآجري (ص ٣٢٢) بسند جيد. وفي القبضتين أحاديث أخرى كنت خرجتها في المجلد الأول برقم (٤٦- ٥٠) . وليس في شيء منها ذكر الشمال؛ إلا في رواية في حديث لابن عمر في طيّ السموات والأرض؛ مذكور في "صحيح الجامع " برواية مسلم وأبي داود عنه، تَفَرَّد بذكره عمر بن حمزة عن سالم عنه. قال البيهقي في "الأسماء" (ص ٣٢٤) : "وقد روى هذا الحديث نافع، وعبيد الله بن مقسم عن ابن عمر، ولم يذكر فيه: "الشمال "، ورواه أبو هريرة ﵁ وغيره عن النبي ﷺ فلم يذكر فيه أحد منهم الشمال. وروي ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذه القصة؛ إلا أنه ضعيف بمرة تفرد بأحدهما جعفر بن الزبير، وبالآخر يزيد الرقاشي وهما متروكان، وكيف يصح ذلك والصحيح عن النبي ﷺ أنه سمى كلتا يديه يميناً؟ ! ". قلت: معنى كلام البيهقي في ذكر "الشمال " في حديث ابن عمر المشار إليه أنه شاذ لمخالفته الثقات الذين لم يذكروا ذلك؛ لا في حديث ابن عمر، ولا في حديث أبي هريرة وغيره، وهذا الحكم بالشذوذ إنما يصح اصطلاحاً فيما لو كان عمر بن حمزة ثقة عند العلماء، لكن الواقع أنه ضعيف؛ كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر وغيره، ووصفه الإمام أحمد بقوله: "أحاديثه مناكير".

стр. 5186

ومن مناكيره حديث: "من أشر الناس.. الرجل يفضي إلى امرأته.. ثم ينشر سرها" الذي كنت تكلمت عليه في مقدمة "آداب الزفاف " الطبعة الجديدة، ورددت فيها على ذاك المصري الجاني الذي نسبني بسبب ذلك إلى مخالفة الإجماع! فهذا مثال آخر يؤكد ضعف عمر بن حمزة، ومخالفته للثقات بشهادة الإمام البيهقي، وعليه؛ فتكون زيادته المذكورة: " الشمال " منكرة، والله أعلم. * ٣١٣٧ - (كان من دعائه ﷺ : اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من جارِ السُّوءِ، ومن زوجٍ تشيِّبني قبلَ المشيب، ومن ولد يكونُ عليّ رَبّاً، ومن مال يكونُ عليّ عذاباً، ومن خليلٍ ماكر عينَه تراني، وقلبُه يرعاني؛ إن رأى حسنة دفنها، وإذا رأى سيّئةً أذاعها) . أخرجه الطبراني في "الدعاء" (٣/١٤٢٥/١٣٣٩) : حدثنا عبد الله بن أحمد أبن حنبل: ثنا الحسن بن حماد الحضرمي: ثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال ... فذكره. قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم من رجال "التهذيب "، ولولا الخلاف المعروف في ابن عجلان؛ لقلت بصحته. والحديث أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس " (١/١/١٨٣) من طريق أبي بكر بن أبي عاصم: حدثنا الحسن بن سهل: حدثنا أبو خالد الأحمر به مقتصراً على الشطر الثاني منه، بلفظ: "اللهم إني أعوذ بك من خليلٍ ماكرٍ ... " إلخ.

стр. 5187

والحسن بن سهل هو أبو علي الجُعْفِيُّ الكوفي، أورده ابن حبان في "الثقات " (٨/١٧٧) بروايته عن أبي خالد الأحمر، وعنه الحسن بن سفيان وغيره، وقد روى عنه أبو زرعة كما في "الجرح "، وهو لا يروي إلا عن ثقة، فهو متابع قوي للحسن ابن حماد الحضرمي. والقطعة الثانية من الحديث: عزاها في "الجامع " لابن النجار، عن سعيد المَقْبُريِّ- مُرسَلاً-. وروى ابن أبي شيبة في "المصنف " (١٠/٤٥٠) من طريق عطاء بن السائب عن أبي عبد الله الجدلي قال: كان داود النبي ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من جار عينه تراني، وقلبه يرعاني، إن رأى خيراً دفنه، وإن رأى شراً أشاعه! ورجاله ثقات، لكنه مقطوع غير مرفوع. * ٣١٣٨ - (يا أسَدُ بْنَ كُرْزٍ! لا تدخلُ الجنةَ بعملٍ، ولكن برحمةِ الله، [قلتُ: ولا أنتَ يا رسول الله؛ قال:] ولا أنا؛ إلا أن يتلافاني الله، أو يتغمدني [الله] منه برحمةٍ) . أخرجه البخاري في "التاريخ " (١/٢/٤٩) والطبراني في "المعجم الكبير" (١/٣٣٤/١٠٠١) من طريقين عن بقية قال: ثني أرطاة بن المنذر السكوني، قال: حدثني مهاصر بن حبيب الزُّبَيدي عن أسد بن كرز قال: قال لي رسول الله ﷺ ... فذكره؛ والسياق للبخاري، والزيادتان للطبراني.

стр. 5188

قلت: وهذا إسناد جيد، أسد بن كرز- بالضم- صحابي معروف مترجم في " الإصابة " وغيره. ومن دونه ثقات مترجَمون في "التهذيب " وغيره، سوى مهاصر بن حبيب الزبيدي، وهو أخو ضمرة بن حبيب الزبيدي الشامي، قال أبو حاتم: "لا بأس به ". وذكره ابن حبان في (أتباع التابعين) من "الثقات " (٧/٥٢٥- ٥٢٦) ، وذكره أيضاً في (التابعين) منه (٥/٤٥٤) ، وقال: "يروي عن جماعة من الصحابة، وعنه أهل الشام، مات سنة ثمان وعشرين ومئة". وذكره في هذه الطبقة نفسها (٥/٤٢٧) ، وقد تحرف اسمه على بعض الرواة قديماً وحديثاً أيضاً؛ فقال: "مهاجر بن حبيب الزبيدي. يروي عن أسد بن كرز، وله صحبة، روى عنه أرطاة بن المنذر، وأخاف أن يكون هو مهاصر بن حبيب الزبيدي ". قلت: والذي خافه قد وقع حتى في هذا المكان من كتابه، ولم يتنبه له محققه، فعلق عليه بقوله: "له ذكر في "الإصابة" في ترجمة شيخه أسد بن كرز". وهناك في "الإصابة" ساق الحافظ حديثنا هذا من رواية البخاري في "تاريخه " والطبراني وابن السكن من طريق أرطاة.. إلخ، فوقع فيه: "مهاجر بن حبيب "! وقال عقبه:

стр. 5189

"إسناده حسن ". ومهاجر بن حبيب لا وجود له في كتب التراجم؛ إلا ما تقدم من ابن حبان مع ذكره خوفه أن يكون محرفاً من "مهاصر"، فكذلك تحرف على نساخ "الإصابة "، و"أسد الغابة " (١/٨٥) ، وعلى واضع "فهارس الجرح والتعديل " (ص ٥٦١) وغيرهم؛ كالمعلق على "الثقات "؛ فقد وقعت العبارة المتقدمة عنه: "وأخاف أن يكون هو مهاجر.. "، هكذا: "مهاجر"!! وعلى الصواب وقع في ترجمة أرطاة بن المنذر في "تاريخ ابن عساكر"، و"تهذيب الكمال "، وكذا في "ترتيب ثقات العجلي " للهيثمي (٤٤٢/١٦٤٥) وقال: "شامي تابعي ثقة". قلت: ولم يذكر الهيثمي في كتابه "ترتيب ثقات ابن حبان " ترجمة "مهاجر.. " المحرفة، فلا أدري أكان ذلك اقتناعاً منه بأنها محرفة فلا يصح إيرادها في الكتاب، أو أنها لم تقع له في نسخته من "الثقات ". والله أعلم. وقد أشار في "مجمع الزوائد" إلى توثيق المهاصر هذا، فقال عقب حديث الترجمة (١٠/٣٥٧) : "رواه الطبراني، وفيه بقية بن الوليد، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات " - وأقول: قد صرح بقية في رواية البخاري بالتحديث فأمنَّا بذلك تدليسه، ولذلك حسن الحافظ إسناده، كما تقدم. والله أعلم. وقد تحرف اسم "المهاصر" هذا في حديث آخر، فلا بد من تخريجه: *

стр. 5190

٣١٣٩ - (مَنْ دَخَلَ سُوقاً من الأسواقِ فقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريكَ لهُ، له الملكُ، وله الحمدُ، وهو على كلَّ شيءٍ قديرٌ" كَتَبَ الله له ألفَ ألفِ حسنةٍ، ومحا عنه ألفَ ألفِ سيئةٍ) . أخرجه الطبراني في "الدعاء" (٢/١١٦٧/٧٩٣) : حدثنا عُبَيدُ بن غَنَّام والحضرميُّ قالا: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا أبو خالد الأحمر عن المهاجر بن حبيب قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يقول: سمعت ابن عمر يقول: سمعت عمر ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول ... فذكره. وأخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" (ص ٢١٤) : حدثنا أبو بكر به؛ إلا أنه سقط منه ذِكْرُ سالم، وعمر، ورفعه إلى النبي ﷺ ! وأظن ذلك من الناسخ؛ لأن الطريق واحدة تدور على أبي بكر بن أبي شيبة. ورجال إسناده ثقات غير المهاجر بن حبيب، وهو محرف، والصواب "مهاصر"، وعلى الصواب وقع في إسناد هذا الحديث عند الدارقطني في "العلل " (٢/٥٠) ، وهو ثقة عند ابن حبان والعجلي والهيثمي كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبله، وحسَّن إسناده الحافظ ثمة. ولذلك؛ فقد أخطأ بعض الناشئين في هذا العلم حين أقدم على تضعيف هذا الحديث من جميع طرقه- وقد بلغت عنده سبعة طرق؛ هذا أحدها- في رسالة صغيرة أصدرها بعنوان "بذل الجهد في تحقيق حديثي السوق والزهد"، يعني تضعيفهما، ولا مجال الآن لمناقشته فيما ذهب إليه من التضعيف، وإنما أقتصر هنا على مناقشته فيما تمسك به في تضعيفه لهذا الحديث بهذا الإسناد، ليتبيَّن القراء

стр. 5191

أنه مبتدئ في هذا العلم، أو أنه تبنى سلفاً تضعيف الحديث، ثم تشبث بما يظن أنه يؤدي به إلى ضعفه. فأقول: لقد أعله بثلاث علل: الأولى: قول أبي حاتم المتقدم في الحديث الذي قبله في (المهاصر) : "لا بأس به "! فقال المومى إليه: "وهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه عند أبي حاتم، كما في "مقدمة الجرح والتعديل " ... ". فأقول: نعم، هذا مذهبه فكان ماذا؟! هلا بينت لقرائك ماذا تفهم منه؟! ألم تعلم أنه لا يعني هذا الذي عنيته أنت من تضعيفه، وإنما عنى أنه ليس في المرتبة الأولى في الاحتجاج به؟! فقد قال: ١- "إذا قيل للواحد: إنه ثقة، أو متقن، ثبت؛ فهو ممن يحتج بحديثه ". ٢- "وإذا قيل له: إنه صدوق، أو محله الصدق، أو لا بأس به؛ فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية". فهذا صريح في أن من كان في المنزلة الثانية أنه يحتج به، ولكن ليس شأنه شأن من كان في المنزلة الأولى. فهذه مرتبة من كان صحيح الحديث، والثانية مرتبة من كان حسن الحديث. ولذلك حسن الحافظ ابن حجر إسناد حديثه الذي قبل هذا. وهذا كله يقال إذا فرضنا أنه ليس هناك من وثق المهاصر هذا، وقد عرفت من وثقه. العلة الثانية والثالثة: قال بعد أن نقل عن "علل الدارقطني " أنه سماه مهاصراً: "على كل حال فهو قد اضطرب في الحديث سنداً ومتناً. والراوي عنه هو

стр. 5192

سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر؛ فيه ضعف من قبل حفظه ... وفي " التقريب ": صدوق يخطئ ". فأقول- جواباً عن العلة الثانية-: هكذا أجمل القول في زعم الاضطراب، وكان عليه أن يبينه للناس ولا يكتمه! وهو يعني بالاضطراب سنداً ما نقله (ص ٢٦) عن المزي في "تحفة الأشراف " (٨/٥٨) : "ورواه أبو خالد الأحمر عن المهاجر (كذا) بن حبيب عن سالم عن أبيه عن جده- ورواه غيره عن المهاجر (كذا) فلم يقل: عن جده ". ثم ذكر رواية عبد الله بن أحمد المتقدمة التي سقط منها ما تقدم بيانه، ومن ذلك؛ رفعُ الحديث. فأقول: هذا الزعم وحده يكفي للدلالة على أن المدعي لا علم عنده بالقواعد العلمية الحديثية، ذلك؛ لأنه ليس كل اختلاف في السند أو المتن يُعَدُّ علة قادحة عند العلماء، بل يشترط لذلك أن تتساوى وجوه الاضطراب بحيث لا يمكن ترجيح وجه على آخر، وهذا غير متحقق هنا. أما الإسناد؛ فقد عرفت أن مدار حديث أبي خالد الأحمر على رواية ابن أبي شيبة عنه، وأنه رواه عن عُبَيْد بن غَنَّام والحضرمي- وهما ثقتان وثانيهما من الحفاظ المشهورين- بإثبات الجد الذي هو عمر؛ مرفوعاً. وخالفهما عبد الله بن أحمد- على فرض سلامة كتاب "الزهد" من السقط-؛ فلم يذكر: "عن جده ". ولا يخفى على البصير بهذا العلم أن رواية الثقتين أرجح من الثقة الواحد، وهذا إذا فرضنا التضاد بين الروايتين، وليس كذلك؛ لأنه سواء كان الراجح أنه

стр. 5193

عن ابن عمر عن عمر، أو عن ابن عمر دون عمر؛ لم يضرَّ؛ إذ إن الإسناد مسند على كل حال. ولا يرجِّحُ رواية عبد الله ما ذكره المزي؛ أنه رواه غير أبي خالد الأحمر عن المهاصر فلم يقل: "عن جده "! وذلك لجهالة الغير المشار إليه. ولو فرضنا أنه ثقة؛ لم يكن الاختلاف علة قادحة؛ لأنه- على الوجهين- مداره على صحابي كما ذكرنا آنفاً. أما المتن؛ فلم يبينه الناقد مكتفياً بمجرد الدعوى! وليس هناك اختلاف ظاهر؛ إلا إن كان يريد أن في آخر رواية عبد الله زيادة ليست في رواية الطبراني عن الثقتين، وهي: "وحط عنه ألف ألف خطيئة". ومثل هذه الزيادة لا علاقة لها بالاضطراب، وإنما ينظر إليها بمنظار قاعدة: "زيادة الثقة مقبولة " أو قاعدة: "رد الزيادة لمخالفة من هو أوثق منه أو أكثر عدداً"؛ وهو الحديث الشاذ. وسواء كان الراجح هذا أو ذاك فذلك لا يخدج في صحة أصل الحديث، ولا مجال الآن لبيان الراجح منها؛ إذ البحث في رد دعوى الاضطراب في المتن والسند، وقد تم ردها والحمد لله، وهي العلة الثانية عنده. ثم تنبهت إلى أن الزيادة خطأ من بعض النساخ؛ لأنها تكرار لما قبلها، ولفظها: "ومحا عنه ألف ألف سيئة، وحط عنه ألف ألف خطيئة"، ولعل الأصل: "أو حط.. " إلخ. وأما الثالثة: فهو قوله في أبي خالد الأحمر: "فيه ضعف من قبل حفظه.. وفي " التقريب ": صدوق يخطئ ". والجواب من وجهين: الأول: أن أبا خالد هذا قد وثقه جمهور المحدثين، وحسب القارئ أن يعلم أن البخاري ومسلماً قد احتجا به في "صحيحيهما"، ولا ينافي ذلك أن في حفظه

стр. 5194

ضعفاً، خلافاً لما يوهمه الناقد بما نقله عن الحافظ من قوله: "صدوق يخطئ "! وغالب الظن أنه لا يعلم أنه يعني بذلك أنه قليل الغلط كما صرح بذلك في "مقدمة الفتح " (ص ٣٨٤) ، وقد أشار إلى ذلك الذهبي بقوله في "الميزان ": " الرجل صاحب حديث وحفظ، من رجال الستة، وهو مكثر، يهم كغيره ". ولذلك؛ قال في كتابه "الكاشف ": "صدوق إمام ". فهل يجوز رد حديث مثل هذا الإمام يا أبا عبد الله؟! فاتق الله! ولا تتبع الهوى؛ فَيُضِلَّكَ عن سبيل الله. ثم إن الباحث عن الحق لا ينبغي أن يقف عند كلمة للحافظ أو لغيره، ويبني عليها توثيقاً وتصحيحاً أو تجريحاً وتضعيفاً! وإنما ينبغي عليه أن يستخلص من أقوال الأئمة خلاصة يطمئن إليها، ويبني أحكامه عليها، وإلا؛ صَدَرَتْ منه أحكام مضطربة، وهذا ما نراه في كثير من الطلاب الناشئين اليوم، بحيث يُقَوِّي حديثَ راوٍ تارةً، ويُضَعِّفُه أخرى، ليس ذلك من باب تغير الاجتهاد، أو من باب تطبيق قاعدة (الشذوذ والمخالفة) ونحوها؛ وإنما من باب: " الغاية تبرر الوسيلة "! فأحدهم قد يميل إلى تضعيف حديث؛ فيجلب ما هبَّ ودبَّ من الأقوال لتأييد ضعفه، أو العكس من ذلك إذا كان هواه في صحة الحديث! وعلى ضوء ما ذكرت؛ نسأل هذا الناقد: ما هو الأصل عندك في حديث أبي خالد الأحمر هذا؟ أهو الاحتجاج به، أم تضعيفه؟ فإن قلت بالأولى؛ فلماذا ضعّفت حديثه هذا؟! وان قلت بالآخر، فما هي حُجَّتُك مقابل احتجاج الشيخين بحديثه؛ فضلاً عن

стр. 5195

غيرهما؟! فكم من حديث له في "السنن " وغيرها صححه العلماء! كحديث: "لا ينظر الله إلى رَجُلٍ يأتي امْرأَتَهُ في دُبُرِهَا"؛ فقد حسَّنه الترمذي، وقواه ابن الجارود (٧٢٩) ، وصححه ابن حبان (١٣٠٢) ، ومن قبله الإمام إسحاق بن راهويه في "مسائل المروزي " (ص ٢٢١) ، وابن حزم أيضاً (١٠/٧٠) ، وابن دقيق العيد في "الإلمام " (١١٢٧) . والشيخ مقبل الوادعي نفسُه لم يُضَعِّفْ! هذا الحديث- أعني حديث إتيان المرأة في دبرها- في تعليقه على "تفسير ابن كثير" (١/٤٨٥) ؛ بل أقرَّ الترمذيَّ على تحسينه إياه، وأيده بقوله: "رجاله رجال الصحيح "! وهذا كلُّه يدل الباحثَ أن هذا الناقد جعل النقد غايةً له، وليس الدفاع عن حديث النبي ﷺ ، وإلا؛ كيف يُقدِم على مخالفة الحفاظ في توثيق هذا الرجل وتصحيحهم لحديثه؛ لمجرد نقد رآه لبعضهم فيه، لا يستطيع- لحداثته في هذا العلم- أن يجد له وجهاً لا يختلف مع التوثيق والتصحيح المذكورين على النحو الذي ذكرناه؟!! وحقاً: إن عجبي لا يكاد ينتهي من أخينا الفاضل الشيخ مقبل بن هادي؛ كيف يحضُّ هذا وأمثالَه من الناشئين- مثل العدوي والمؤذن ونحوهما- على أن يتسلَّقوا سلَّم النقد في هذا العلم؛ وهم- بعد- في أول الطريق؟! وأن يشغلونا عما نحن في صدده - من خدمة كتب السنة- بالردّ على أمثالهم، ولو بقدر ضئيل من الوقت؟! ولا يشفع له ذلك: قوله في تقديمه للرسالة (ص ٩) : "والأخ عادل حفظه الله، وإن لم يكن بمنزلة محدِّث العصر الشيخ ناصر الدين ... ". فهذا حق وصدق؛ بل أنا أشهد على نفسي أنني دون ذلك بكثير، ولكني - مع ذلك- أرى أن من الواجب على الشيخ مقبل أن ينصح أولئك الناشئين أن

стр. 5196

يدأبوا على دراسة هذا العلم حتى يَنْبُغُوا فيه، وأن ينشروا ما ينفع الأمة من البحوث الحديثية والفقهية، مما يعلمون أن الناس بحاجة إليه، حتى يطِّلع الناسُ على ثمرة عِلْمهم، ويُشْهَد لهم به! ألا يعلم هؤلاء أنهم إذا قاموا بالردّ على من يزعمون بأنه: "محدث العصر". أن هذا يدفعنا للرد عليهم، وبيان عوارهم وجهلهم بهذا العلم، وأنهم تزبَّبوا قبل أن يتحصرموا؟! والآخر: لقد نقلت عن الحافظ المزي أن أبا خالد هذا قد توبع في روايته عن المهاصر بن حبيب، فكيف جاز لك أن تذكر ذلك لإثبات الاضطراب المزعوم، وأن تتجاهله حين يناسبك ذلك؟! أليس ذلك صنيع أهل الأهواء الذين يكيلون بكيلين، ويلعبون على الحبلين؟! فأعظك أن تكون من الجاهلين! على أن المهاصر هذا؛ قد تابعه محمد بن واسع عن سالم عن عبد الله بن عمر عن عمر به مرفوعاً. أخرجه جمع من الأئمة؛ كالبخاري في "الكنى" (٥٠/٤٣٠) ، والدارمي، والترمذي، والحاكم، وغيرهم من طريق أزهر بن سنان عنه. وهذا إسناد يستشهد به؛ لأن محمد بن واسع ثقة عابد كثير المناقب، احتج به مسلم كما في "التقريب ". وأزهر بن سنان- وإن كان قد ضعفه جمع، وقال فيه الحافظ: "ضعيف "- فإنه لم يتهم، بل قال ابن عدي في "الكامل " (١/٤٢٠) - وقد ساق له أحاديث هذا أحدها-: "وأحاديثه صالحة ليست بالمنكرة جدّاً، وأرجو أنه لا بأس به ".

стр. 5197

ولذلك؛ لما أخرجه الحاكم وقال في أزهر هذا: "بصري زاهد"؛ لم يتعقبه الذهبي إلا بقوله (١/٥٣٨) : "قلت: قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به ". وقال المنذري في "الترغيب " (٣/٥) : "وإسناده متصل حسن، ورواته ثقات أثبات، وفي أزهر بن سنان خلاف، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به ". ولذلك؛ أورده الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (ج ١/ رقم ١٧٦- ١٧٨- بتحقيقي) ، وله طرق أخرى ومتابعات ذكرت بعضها هناك، وفيما تقدم كفاية لمن أنصف. هذا؛ ويبدو لي من صنيع الناقد لهذا الحديث أمران: الأول: أنه يتبنى الجرح مطلقاً، ولو كان غير مفسِّر؛ خلافاً للمعروف في علم المصطلح. والآخر: أنه لا يتبنى قاعدة تقوية الحديث الضعيف بكثرة الطرق التي لم يشتد ضعفها، كما قرره ابن الصلاح في "المقدمة"، وأشاد بها شيخ الإسلام ابن تيمية في غير ما موضع من كتبه و"فتاويه "! فقد ساق الناقد لهذا الحديث سبعة طرق، أكثرها ليس فيها متهم بالكذب، ومع ذلك؛ فإنه لما ضعف مفرداتها كلها؛ لم يستفد من مجموعها للحديث قوة، وبخاصة حديث المهاصر بن حبيب الذي هو حجة وحده في هذا الباب، فكيف إذا انضم إليه حديث الأزهر بن سنان ونحوه؟! فاللهم هداك!! وكأني بهذا الرجل- مثل كثير غيره- يستكثرون على الله تعالى أن يعطي عباده هذا الأجر الكبير على هذا التهليل، فلما استقر ذلك في نفسه؛ أخذ

стр. 5198

يُضَعَّفُ حديثَ نبيِّه بكل وسيلة، متجاهلاً حقيقة شرعية لا تخفى على أي مؤمن، وهي فضل الله على عباده؛ كما صرح بذلك في كتابه بقوله: (والله ذو فضل عظيم) ، وفي الآية الأخرى: (والله ذو الفضل العظيم) . على أن للفضل المذكور في الحديث شاهداً من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه- لعله لم يطرق سمعه لحداثته! -: يرويه علي بن زيد عن أبي عثمان قال: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: إن الله يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة. قال: فقضي أني انطلقت حاجاً أو معتمراً فلقيته، فقلت: بلغني عنك حديث: أنك تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة"؟ قال أبو هريرة: لا، بل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يعطيه ألفي ألف حسنة. ثم تلا (يُضَاعِفْها ويُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أجراً عظيماً) ". فقال: إذا قال: (أجراً عظيماً) ؛ فمن يقدر قدره؟! أخرجه أحمد (٢/٢٩٦ و٥٢١- ٥٢٢) وغيره، ورجاله ثقات؛ غير علي بن زيد- وهو ابن جدعان-؛ فيه ضعف من قبل حفظه، وقد أورده الذهبي في " الضعفاء "، وقال: "صالح الحديث ". وقال الحافظ: "ضعيف".

стр. 5199

ورمزا له بأنه روى له مسلم، فأطلقا! وإنما روى له مقروناً بثابت البُناني كما في "الجمع بين رجال الصحيحين " (١/٣٥٨- ٣٥٩) . قلت: فمثله صالح للاستشهاد به، ولعله مراد الذهبي، والله أعلم. على أنه قد توبع، وإن كانت متابعة واهية، ولكنها إن لم تنفع فلا تضر، فلنذكرها إذن: قال ابن كثير في "تفسيره "- عقب رواية أحمد-: "حديث غريب، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير، لكن رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، فقال.. ". قلت: فساق إسناده إلى محمد بن عقبة الرفاعي عن زياد الجصاص عن أبي عثمان النهدي به نحوه. وسكت عنه ابن كثير لظهور ضعفه؛ فإن زياداً هذا- وهو ابن أبي زياد الجصاص- ضعيف اتفاقاً، لم يوثقه أحد سوى ابن حبان؛ فإنه ذكره في "الثقات " (٦/٣٢٠) ! ومع ذلك، فإنه قال: "ربما وهم ". ومحمد بن عقبة ليس بالمشهور، قال ابن أبي حاتم (٤/١/٣٦) : "سألت أبي عنه؟ فقال: شيخ ". ثم قال ابن كثير: "وفي معنى هذا الحديث ما رواه الترمذي وغيره من طريق عمرو بن دينار عن سالم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: "من دخل السوق ... " الحديث.

стр. 5200

قلت: وسكت عنه، فكأنه أشار بذلك إلى تقويته بما قدمه قبله من حديث أبي هريرة بطريقيه عنه. والله أعلم. * ٣١٤٠ - (ومَا أنا والدنيا؟! وما أنا والرَّقْم؟ !) . أخرجه أبو داود (٤١٤٩) ، وأحمد (٢/٢١) ، وابن أبي شيبة في "المصنف " (١٣/٢٣٩/١٦٢٢١) ، وابن حبان (٨/٩١/٦٣١٩) من طريق ابن نمير: حدثنا فضيل بن غزوان عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ أتى فاطمة ﵂، فوجد على بابها ستراً، فلم يدخل، قال: وقلما كان يدخل إلا بدأ بها، فجاء علي ﵁ فرآها مهتمة، فقال: ما لك؟! قالت: جاء النبي ﷺ إلي؛ فلم يدخل، فأتاه علي ﵁، فقال: يا رسول الله! إن فاطمة اشتد عليها أنك جئتها فلم تدخل عليها؟! قال: ... (فذكر الحديث) ، فذهب إلى فاطمة، فأخبرها بقول رسول الله ﷺ ، فقالت: قل لرسول الله ﷺ : ما يأمرني به؟ قال: "قل لها: فلترسل به إلى بني فلان ". قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وابن نمير اسمه عبد الله، أبو هشام الكوفي، قال الحافظ: "ثقة صاحب حديث من أهل السنة". وقد تابعه محمد بن فضيل عن أبيه به نحوه، وفيه: "وكان سِتراً موشَياً "؛ أي: مزخرفاً منقوشاً.

стр. 5201

وزاد في آخره: "أهل بيت بهم حاجة". أخرجه البخاري في "صحيحه " (رقم ٢٦١٣- فتح) ، (ج ٢/١٩٤/ رقم ١١٧٩ - مختصر البخاري) ، وأبو داود أيضاً (٤١٥٠) ، والبيهقي في "شعب الإيمان " (٧/٣١٢) . ثم تبين أن الحديث سبق تخريجه برقم (٢٤٢١) ، لكنه هنا أوسع وأكثر فائدة، فلا بأس من نشره مرة أخرى. * ٣١٤١ - (كل أمَّتي يدخلُ الجنة إلا مَنْ أبى. قالوا: ومَنْ يأبى؟! قال: من أطاعني دخلَ الجنةَ، ومن عصاني فقدْ أبى) . أخرجه البخاري (رقم ٧٢٨٠- فتح) ، وأحمد (٢/٣٦١) من طرق عن فليح: حدثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسارعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: ... فذ كره. قلت: وفليح هذا هو ابن سليمان؛ فيه كلام كثير من قبل حفظه، مع أنه أخرجا له في "الصحيحين "، لكن قال الحافظ في "مقدمة الفتح ": "احتج به البخاري وأصحاب "السنن "، وروى له مسلم حديثاً واحداً، وهو حديث الإفك، وضعفه ابن معين والنسائي وأبو داود، وقال الساجي: هو من أهل الصدق، وكان يهم.. ". وقول الساجي هو الذي اعتمده الحافظ في "التقريب "؛ فقال: "صدوق، كثير الخطأ". وكذلك أورده الذهبي في "الضعفاء"، وذكر أقوال من ضعفه.

стр. 5202

قلت: فمثله قد يحسَّن حديثه، أما الصحة فلا، وقال ابن عدي فيه (٦/٣٠) : "روى أحاديث مستقيمة وغرائب، وقد اعتمده البخاري في "صحيحه "، وروى عنه الكثير، وهو عندي لا بأس به ". وقد ذكر له الحافظ شاهدين من حديث أبي أمامة وأبي هريرة، وقد كنت خرجتهما فيما تقدم، الأول برقم (٢٠٤٣) ، والآخر تحت حديث أبي سعيد الخدري برقم (٢٠٤٤) ، ولفظه أتم، وهو شاهد قوي لحديث فليح، فكان على الحافظ أن يذكره، فالظاهر أنه لم يستحضره؛ لأنه تفرد به ابن حبان. وكنت صححت إسناده ثمة على شرط البخاري، بناء على إسناده الذي ساقه الهيثمي في "موارد الظمآن "، وفيه: "خليفة بن خياط "، وهو من رجال البخاري. ثم تبينت أنه خطأ- لا أدري أمن الهيثمي هو أم الناسخ؟ -، وأن الصواب: "خلف بن خليفة"! وهذا وإن كان صدوقاً ومن رجال مسلم؛ فإنه كان اختلط، ولم يتبين لي أنه حدث به قبل الاختلاط، فحديثه شاهد جيد لحديث الترجمة. والله أعلم. وحديث أبي هريرة المشار إليه هو مختصر بلفظ: "لتدخلن الجنة إلا من أبى، وشرد على الله كشِراد البعير". وقد كنت عزوته هناك للحاكم وحده، وتعقبت تصحيحه إياه على شرط الشيخين بأن فيه إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس.. ثم رأيت الحافظ قد عزاه في "الفتح " (١٣/٢٥٤) لأحمد والحاكم معاً، وقال الحافظ: "وسنده على شرط الشيخين ". وقلده المعلق على "الإحسان " (١/١٩٧) في هذا وفي العزو إليهما معاً، وقد لفت نظري أنه مع ذكره موضع إخراج الحاكم إياه؛ بيَّض لأحمد فلم يعين موضعه

стр. 5203

من "مسنده "، فأشكل ذلك علي، فتابعت البحث للوصول إلى الحقيقة، فوجدت الحاكم قد أخرجه في مكان آخر غير المكان الذي كنت عزوت رواية إسماعيل إليه، ومن غير طريقه: أخرجه (١/٥٥) من طريق يعقوب بن إبراهيم، وهذه متابعة قوية؛ لو ثبتت كان الإسناد صحيحاً على شرطهما كما قال الحاكم، لكن في النفس منها شيء؛ فإنه رواه عن شيخه القطيعي: ثنا عبد الله بن أحمد: ثني أبي: ثنا يعقوب ابن إبراهيم ... إلخ. وظاهر هذا الإسناد أن الحديث في "مسند أحمد"؛ لأنه من رواية القطيعي كما هو معلوم، وليس هو فيه كما يغلب على ظني بعد مزيد من البحث عنه، والاستعانة على ذلك بكل الوسائل الممكنة؛ قديمها وحديثها: أولاً: لم يذكره الهيثمي في "مجمعه "، وقد ذكر فيه حديث أبي سعيد، وحديث أبي أمامة المشار إليهما آنفاً. ثانياً: لم يورده الحافظ نفسه في "أطراف المسند"، كما نبأني بذلك أحد إخواني. ثالثاً: لم يذكره أيضاً أخونا حمدي عبد المجيد السلفي في "فهارس المسند". إلى غير ذلك من الوسائل المعروفة اليوم. وينتج من ذلك أن إطلاق العزو لأحمد وهم؛ لأنه يعني أنه في "المسند" وليس فيه. فالأمر لا يتعدى احتمالاً من الاحتمالات الثلاثة: الأول: أن يكون الحديث من رواية أحمد في غير "المسند"؛ مثل "الزهد" و"فضائل الصحابة"؛ فإنهما من رواية القطيعي. الثاني: أن يكون من أوهام القطيعي؛ فإن فيه كلاماً من حيث كان اختلط في آخر أمره. الثالث: أن يكون من أخطاء الحاكم على القطيعي. والله أعلم. *

стр. 5204

٣١٤٢ - (يا مَعْشرَ النساء! تصدَّقْنَ، فما رأيتُ من نواقصِ عقلٍ - قطُّ - أو دينٍ أذْهبَ لقلوبِ ذوي الألبابِ منكنَّ، وإني رأيتُكُنَّ أكثرَ أهلِ النارِ يومَ القيامةِ، فتقرَّبنَ إلى الله بما استطعتُنَّ. وكان في النساء امرأة ابن مسعود ... فساق الحديث، فقالت: فما نقصان ديننا وعقولنا يا رسول الله؟! فقال: أمَّا ما ذكرتُ من نقصانِ دينكُنَّ؛ فالحيضةُ التي تصيبُكُنَّ؛ تمكثُ إحداكُنَّ ما شاءَ الله أنْ تمكثَ لا تُصلي، وأمَّا ما ذكرتُ من نقصانِ عقولِكنَّ؛ فشهادةُ المرأة نصفُ شهادةِ الرجلِ) . أخرجه مسلم (١/٦١) ، والنسائي في "الكبرى" (٥/٤٠٠/٩٢٧١) ، وابن خزيمة في "صحيحه " (٤/١٠٦- ١٠٧) - ببعضه-، والطحاوي في "شرح المعاني " (١/٣٠٩) ، وأحمد في "المسند" (٢/٣٧٣- ٣٧٤) ، وأبو يعلى في "مسنده " (١١/٤٦٢- ٤٦٤) ، وابن عبد البر في "التمهيد" (٣/٣٢٣- ٣٢٤) - والسياق له- كلهم من طريق إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ انصرف من صلاة الصبح، فأتى النساء في المسجد، فوقف عليهن، فقال: ... فذكره، والسياق لابن عبد البر، ولم يسق مسلم لفظه، وإنما أحال به على لفظ حديث ابن عمر، ساقه قبله، فقال: "بمثل معنى حديث ابن عمر عن النبي ﷺ " (١) . ولذلك استجاز ابن كثير في "تفسيره " (١/٣٣٥) عزوه لمسلم، فقال:

стр. 5205

"قال مسلم في "صحيحه ": حدثنا قتيبة: حدثنا إسماعيل بن جعفر ... " فساقه بلفظ حديث ابن عمر. وأقول: لكن جمعه بين إسناد مسلم عن أبي هريرة ولفظ ابن عمر عنده؛ غير محمود كما هو ظاهر! لأن في كل من حديثيهما ما ليس في الآخر، ولذلك كان عليه أن ينبه على ذلك كما صنع مسلم- ﵀. ومن أجل ما بيَّنت من أن مسلماً لم يسق لفظه؛ أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/١١٨) ، فقال: "رواه أحمد وأبو يعلى، ورجال أحمد ثقات ". وذكر قبله: " قلت: في "الصحيح " طرف منه ". وهو يشير بذلك إلى لفظ حديث ابن عمر، وهو تعبير قاصر، لا يُجَلِّي الأمر للقارئ كما بينت. ثم إن تخصيصه لأحمد بأن رجاله ثقات؛ مما لا وجه له؛ لأنه يشعر بأن رجال أبي يعلى ليسوا كذلك، وهو خطأ؛ لأن شيخ أحمد: سليمان بن داود- وهو الطيالسي-، وشيخ أبي يعلى: يحيى بن أيوب- وهو المقابري-؛ كلاهما قال: حدثنا إسماعيل به، وكلاهما ثقة من رجال مسلم، فكان الصواب أن يقول: "ورجالهما ثقات ". والأولى أن يضيف إلى ذلك: " رجال الصحيح "، كما هي عادته، والأصح أن يقول: " وإسنادهما صحيح على شرط مسلم ".

стр. 5206

لأنه رواه عن ثلاثة من شيوخه منهم يحيى بن أيوب هذا! ومن فوق هؤلاء الثلاثة- والرابع الطيالسي-: من رجال الشيخين، وعلى هذا فيمكن تصحيح الإسناد على شرطهما. وعمرو بن أبي عمرو هو مولى المطلب المدني، قال الحافظ: "ثقة ربما وهم ". قلت: وقد أمنّا من وهمه: أنه قد تابعه عمر بن نُبَيه الكعبي عن المقبري به. أخرجه الطحاوي، وإسناده صحيح. وله طريق أخرى عن أبي هريرة ببعض اختصار. أخرجه الترمذي (٧/٢٦١٦) وابن أبي عاصم في "السنة " (٢/٤٦٤/٩٥٦) ، وقال الترمذي: "حديث صحيح غريب حسن من هذا الوجه ". قلت: وهو على شرط مسلم. واعلم أخي الكريم! أن هذه القصة قد وقعت أكثر من مرة: ففي حديث أبي هريرة هذا أنها كانت بعد انصراف النبي من صلاة الصبح والنساء في المسجد. ورواه أبو سعيد الخدري فقال: "خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو في فطر إلى المصلى، فمرَّ على النساء، فقال: "يا معشر النساء! تصدقن ... " الحديث، رواه الشيخان وغيرهما، وهو مخرج في " الإرواء" (١/٢٠٤) .

стр. 5207

ففي هذا أنها كانت في العيد: أضحى أو فطر في المصلى، وليس يخفى على البصير أن هذا لا ينفي وقوع ذلك في غير العيد، كما في حديث أبي هريرة أنه وقع بعد انصرافه ﷺ من صلاة الصبح والنساء في المسجد، وهذا مما يبطل ما جاء في كتاب "تحرير المرأة في عصر الرسالة " (١/٢٧٦) أن هذه الكلمة: "ناقصات عقل ودين "؛ قال: "إنما جاءت مرة واحدة، وفي مجال إثارة الانتباه والتمهيد اللطيف لعظة خاصة بالنساء، ولم تجئ قط مستقلة في صيغة تقريرية"! كذا قال! وهذه جرأة عجيبة في تأويل كلامه ﷺ وتحميله ما لا يحتمل من المعاني! وقد أقره الشيخ القرضاوي في تقديمه للكتاب (ص ٢٥) ، وذلك لتوهمهما أن فيها غضّاً من قيمة المرأة، وليس ذلك من ذلك ألبتة! مثلهم في ذلك مثل المعتزلة والمعطلة؛ الذين يتأولون آيات الصفات وأحاديث الصفات؛ لزعمهم أن ظواهرها تفيد التجسيم والتشبيه، وذلك مما لا يليق بالله تعالى فوجب التأويل! وردُّ أهل السنة عليهم معروف، وهو أن فهم التشبيه من تلك النصوص هو الخطأ، ولذلك؛ اضطروا إلى رده بالتأويل، وعليه؛ فنحن نقول لهم ولأمثالهم من المؤوَّلة: صحح الفهم للنص تسلم من التأويل والتعطيل. فالمشكلة الأساسية تعود إلى سوء الفهم، أو ضعف الإيمان، وقد يجتمعان، كما يفعل الشيخ الغزالي ومقلدوه من الآرائيين الجهلة. وهذا هو المثال بين أيدينا؛ فإن صاحبنا مؤلف "التحرير" لمّا فهم من الحديث أن فيه غضّاً من شأن النساء؛ تأوله بما لا يحتمله من المعنى بما تقدم نقله عنه، حتى حمله ذلك على إنكار وروده عنه ﷺ مرة أخرى! وعلى إنكار أنه ﷺ يقرر قاعدة عامة! وهذا - والله- منتهى الغفلة أو المكابرة!! وذلك؛ لأن الحديث يقرر أمراً جِبِلْيّاً لا يمكن لأحد أن ينكره ولو كان ملحداً، وهو أن المرأة تحيض، وأن عقلها دون عقل الرجل، هكذا

стр. 5208

خلقها الله لحكمة بالغة، كما قال : (وما خلق الذكر والأنثى) ، ولهذا قال العلماء- واللفظ لعلامة الأندلس الحافظ ابن عبد البر (٣/٣٢٦- ٣٢٧) -: "هذا الحديث يدل على أن نقصان الدين قد يقع ضرورة لا تُدفع، ألا ترى أن الله جَبَلَهُنَّ على ما يكون نقصاً فيهن، قال الله : (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضَهُم على بعض) ، وقد فضل الله أيضاً بعض الرجال على بعض، وبعض النساء على بعض، وبعض الأنبياء على بعض، (لا يُسأل عما يفعل) ، (وهو الحكيم العليم) ". فهذه قاعدة عامة لا تستطيع امرأة أن تخرج عنها، فكل امرأة تحيض، كما أن كل رجل يمذي! ثم إن الله تعالى بحكمته رتب على تلك الجبلَّة حُكمَينِ ثابتين: شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل، والمرأة الحائض لا تصلي ولا تصوم، فهذه قاعدة لا استثناء فيها شرعاً، كالتي قبلها لا استثناء فيها قدراً. وقد أكد النبي ﷺ هذه الحقيقة بقوله: "كمَل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ". رواه الشيخان، وهو مخرج في " الروض النضير" (رقم ٧٣) . ويشبه ذلك الفرق الجِبِلِّيَّ بين الرجال والنساء: الفرقُ المعروف بين الملائكة كافة، والبشر عامة، فالأولون كما قال الله: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) ، والبشر على خلاف ذلك، طبعهم الله على المعصية، ولكن أمرهم بالاستغفار، وذلك قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده؛ لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم ". رواه مسلم، وهو مخرج في هذه "السلسلة" (برقم ١٩٥٠) .

стр. 5209

(تنبيه) : في قول ابن عبد البر: "فساق الحديث " إشارة قوية إلى أن له تتمة اختصرها لعدم علاقتها بالباب، فرأيت من تمام الفائدة أن أسوقها، مع الإشارة إلى حرف مشكل فيه كنت نبهت عليه في تعليقي على "صحيح ابن خزيمة"، فتمام الحديث- عنده وعند المذكورين بعده في التخريج-: وكان في النساء امرأة عبد الله بن مسعود، فانقلبت إلى عبد الله بن مسعود فأخبرته بما سمعت من رسول الله ﷺ ، وأخذت حُلِيَّها، فقال ابن مسعود: أين تذهبين بهذا الحلي؟! قالت: أتقرب به إلى الله ورسوله (!) قال: ويحك، هلمي تصدقي به علي وعلى ولدي، فأنا له موضع! فقالت: لا! حتى أذهب إلى رسول الله ﷺ ، قال: فذهبت تستأذن على رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! هذه زينب تستأذن، قال: "أي الزيانب هي؟ "، قال: امرأة ابن مسعود قال: "ائذنوا لها"، فدخلت على النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إني سمعت منك مقالة، فرجعت إلى ابن مسعود فحدثته، وأخذت حليةً لي أتقرب به إلى الله وإليك (!) رجاء أن لا يجعلني الله من أهل النار! فقال لي ابن مسعود: تصدقي به علي وعلى ولدي، فأنا له موضع، فقلت: حتى أستأذن رسول الله ﷺ ؟ ! فقال رسول الله ﷺ : "تصدقي به عليه وعلى بنيه؛ فإنهم له موضع ". قلت: فقولها أمام ابن مسعود: "أتقرب به إلى الله ورسوله "، ثم أمام النبي ﷺ : " أتقرب به إلى الله وإليك " مشكل؛ لأن التقرب بالعبادة لا تكون إلا إلى الله فقط كما بينت هناك. وأزيد هنا فأقول: لعلها ضمنت قولها معنى الطاعة، فكأنها قالت: أطيع الله ورسوله، أو أن قولها كان قبل النهي عن مثلها كمثل: " ما شاء الله وشئت "؛ فقد كانوا يقولون ذلك، ويسمع النبي ﷺ ولا ينهاهم، حتى أمره الله تعالى بالنهي؛ فقد صح

стр. 5210

عنه ﷺ أنه قال في حديث الطفيل المتقدم برقم (١٣٨) : ".. كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها؛ لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد". (تنبيه آخر) : تقدم عزوي الحديث إلى الترمذي مقروناً بقولي: "ببعض اختصار"، أي: عن حديث الترجمة الخالي من قصة زينب المذكورة آنفاً. فمن سوء التخريج، وقلة الفقه والتحقيق: أن يعزوه إليه المعلق على "مسند أبي يعلى"، والحديث فيه بتمامه دون أن يشير على الأقل أنه عند الترمذي مختصر من هذا جداً ليس فيه القصة! ولا يخفى ما في هذا الإخلال من الإيهام للقراء أن الترمذي رواه بتمامه كأبي يعلى. ومن المؤسف أن مثل هذا الإيهام يتكرر منه كثيراً على هذا الكتاب "المسند"، وعلى "موارد الظمآن " الذي توسع في تخريجه والتعليق عليه حتى صار الكتاب مطبوعاً في ثمان مجلدات، وقد نبهت على شيء من هذه الإيهامات وعلى تساهله في التصحيح في بعض المواضع من كتابيَّ: "صحيح موارد الظمآن "، و"ضعيف موارد الظمآن "، وهما تحت الطبع. * ٣١٤٣ - (من ابتُليَ من [هذه] البنات بشيءٍ فأحسن إليهنَّ؛ كنَّ لَهُ سِتْراً من النار) . أخرجه البخاري (١٤١٨و٥٩٩٥) - وفي "الأدب المفرد" (١٣٢) -، ومسلم (٨/٣٨) والترمذي (١٩١٦) - وحسنه-، و (١٩١٨) - وصححه-، وابن حبان (٢٩٢٨) ، والخرائطي في "مكارم الأخلاق " (ص ٧٢) ، والبيهقي في "السنن " (٧/٤٧٨) ، وفي "الشعب " (٧/٤٦٧) ، والبغوي في " شرح السنة " (٦/١٨٧) ،

стр. 5211

وعبد الرزاق في "المصنف " (١٠/٤٥٧) ، وأحمد (٦/٣٣ و٨٧- ٨٨و١٦٦، ٢٤٣) ، وعبد بن حميد (١٤٧٣- المنتخب) من طرق عن الزهري: حدثني عبد الله بن أبي بكر أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها، فسألتني، فلم تجد عندي غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها، فأخذتها، فقسمتها بين ابنتيها، ولم تأكل منها شيئاً، ثم قامت فخرجت وابنتاها، فدخل علي النبي ﷺ ، فحدثته حديثها، فقال النبي ﷺ : ... فذ كره. ولم يذكر الترمذي وابن حبان وغيرهما (عبد الله بن أبي بكر) في إسناده، وهو ابن حزم الأنصاري، والزيادة للبخاري- في رواية- وغيره. وتابعه زيد بن علي عن عروة به مرفوعاً دون القصة بلفظ: "ليس أحد من أمتي يعول ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، فيحسن إليهن؛ إلا كنَّ له ستراً من النار". أخرجه البيهقي في "الشعب " (٧/٤٦٩) من طريق أبي همام: نا أبي: نا زياد بن خيثمة عن زيد بن علي به. قلت: وإسناده جيد، لكني أخشى أن يكون وهم في لفظِهِ والدُ أبي همام، واسمه شجاع بن الوليد؛ فإنه مع كونه من رجال الشيخين؛ فقد تكلموا في حفظه، وقد أشار إلى ذلك الحافظ بقوله في "التقريب ": "صدوق ورع، له أوهام ". ولكنه قد أصاب المعنى. وتابع عروة: عراك بن مالك عن عائشة أنها قالت:

стр. 5212

جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتُها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعتْ إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرتُ الذي صنعتْ لرسول الله ﷺ ، فقالت: "إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار". أخرجه مسلم، وأحمد (٦/٩٢) ، والبيهقي في "الشعب " (٧/٤٦٨) . وتابعه صعصعة عمُّ الأحنف به نحوه. رواه ابن ماجه (٣٦٦٨) . وله شاهد من حديث أم سلمة مرفوعاً دون القصة، ولفظه: "من أنفق على ابنتين، أو أختين، أو ذواتي قرابة، يحتسب النفقة عليهما حتى يغنيهما الله من فضله أو يكفيهما؛ كانتا له ستراً من النار". أخرجه أحمد (٦/٢٩٣) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٣/٣٩٢- ٣٩٣) من طريق محمد بن أبي حميد عن المطلب بن عبد الله المخزومي عنها. قلت: ورجاله ثقات؛ غير محمد بن أبي حميد- وهو الأزرقي الأنصاري-، قال الحافظ في "التقريب "- تبعاً لشيخه الهيثمي في "المجمع " (٨/١٥٧) -: "ضعيف ". لكن قال المنذري في "الترغيب " (٣/ ٨٤) : "ولم يترك، ومشاه بعضهم، ولا يضر في المتابعات ". وأخرجه البزار (١٨٩٠- كشف) من طريق أخرى عن أنس أن امرأة دخلت على عائشة ... ". *

стр. 5213

٣١٤٤ - ( [يا أيُّها الناسُ!] إنَّ الله بَعثني إليكم، فقلتُم: كذبتَ، وقال أبو بكر: صَدَقَ، وواساني بنفسهِ ومالهِ، فهلْ أنتُم تاركو لي صاحبي؟ (مرَّتين) فَمَا أُوذِيَ بعدَها) . أخرجه البخاري (٧/١٨/ ٣٦٦١) : حدثنا هشام بن عمار: حدثنا صدقة ابن خالد: حدثنا زيد بن واقد عن بسر بن عبيد الله عن عائذ الله أبي إدريس عن أبي الدرداء قال: كنت جالساً عند النبي ﷺ ، إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي ﷺ : "أما صاحبكم فقد غامر"، فسلّم وقال: يا رسول الله! إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه، ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي، فأبى علي! فأقبلت إليك. فقال: "يغفر الله لك يا أبا بكر! (ثلاثاً) ". ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثَمَّ أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النبي ﷺ ، فجعل وجه النبي يتمعَّر حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله! واللهِ! أنا كنت أظلم (مرتين) ، فقال النبي ﷺ : ... فذكره. وبهذا الإسناد أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (٢/٥٧٦/ ١٢٢٣) مختصراً دون القصة، ودون قوله: "فما أوذي بعدها"، وعنده الزيادة. وأخرجه البيهقي (١٠/٢٣٦) من طريق أخرى عن هشام بن عمار بتمامه، وفيه الزيادتان: الأولى، والأخيرة. وقد قال الحافظ في هذه الأخيرة (٧/٢٦) : "ولم أر هذه الزيادة من غير رواية هشام بن عمار"!

стр. 5214

وقد غاب عنه- ﵀ أنها في رواية محمد بن المبارك الصوري قال: نا صدقة بن خالد ... فساقه بإسناده ومتنه، وفيه الزيادتان. أخرجه عبد الله بن أحمد في "فضائل الصحابة" (١/٢٤٠/٢٩٧) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/٣٠٣- ٣٠٤) دون الثانية، وسنده صحيح رجاله ثقات. وتابعه عبد الله بن يوسف: نا صدقة به. أخرجه أبو نعيم أيضاً. ثم أخرجه البخاري (٤٦٤٠) بإسناد آخر عن عبد الله بن العلاء بن زبْر قال: حدثني بسر بن عبيد الله به نحوه، وفيه الزيادة الأولى مع تقديم وتأخير، وقال أبو عبد الله- يعني: البخاري- عقب الحديث: "غامر: سَبَقَ بالخير". (تنبيه) : جملة التصديق والمواساة قد رُويت في الثناء على خديجة أيضاً من حديث عائشة، ولكن في إسناده ضعف؛ ولذلك خرجته في "الضعيفة" (٦٢٢٤) . (فائدة) أخرجه ابن حبان في "صحيحه " (٩/٤- ٥) من طريق سعيد بن سليمان: حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أنفق أبو بكر- ﵁ على رسول الله ﷺ أربعين ألفاً. قلت: ورجاله ثقات؛ غير سعيد بن سليمان- وهو النَّشِيطي-، وهو ضعيف؛ كما في "التقريب "، ويؤكد ذلك أنه قد خالفه ابن سعد في "الطبقات "؛ فقال (٣/١٧٢) : أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة به. لم يذكر عائشة، ولم يَتَعَدَّ به عروة، فهو مرسل.

стр. 5215

وهكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة: أخرجه عنه ابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٩/٥٥٧) ، لكن في رواية له من طريق أبي داود: نا يحيى بن علي: نا أبو أسامة به وزاد: قال عروة: فأخبرتني عائشة قالت: توفي أبو بكر وما ترك ديناراً ولا درهماً. فالظاهر أن أصل هذا الأثر متصل عن عائشة، لم يجاوزوا بِهِ عروة لشهرته عنها، فكان بعضهم يذكرها، ومنهم سعيد بن سليمان. وقد ذكرت أنفاً أنه النشيطي الضعيف؛ لأنه روى عنه أبو زرعة، ولمخالفته الثقات؛ ثم بدا لي أنه سعيد بن سليمان الواسطي المعروف بـ "سَعْدَوَيهِ " الثقة، وذلك؛ لأنه هو الذي ذكر في الرواة عن أبي أسامة- واسمه حماد بن أسامة- في "الجرح والتعديل " (١/٢/١٣٢) و"تهذيب المزي " (٧/٢٢٠) ، وأيضاً فابن حبان لم يوثق إلا الواسطي هذا (٨/٢٦٧) ، فيستبعد أن يروي في "صحيحه " عن سَمِيِّهِ النشيطي، على أن أبا زرعة قد روى عنهما كليهما، وهذا من روايته عن سعيد بن سليمان غير منسوب، فكان ذلك من دواعي الخطأ، فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وبذلك نتبين صحة حديث عائشة هذا، والحمد لله. ويؤيده حديث أبي هريرة مرفوعاً: "ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر". وقد مضى تخريجه برقم (٢٧١٨) . ولحديث الترجمة شاهد من حديث أبي أمامة بأسانيد فيها مقال: أخرجها ابن عساكر (٩/٥٨٠- ٥٨٣) .

стр. 5216

ورواه الطبراني (١٢/٢٧٢) عن ابن عمر، وفيه متروك. وقد وردت مثل هذه القصة بين أبي بكر وربيعة الأسلمي، فلا بأس من سوقها: * ٣١٤٥ - (يا ربيعةُ! ما لك وللصِّدِّيقِ؟ قلتُ: يا رسول الله! كان كذا، وكان كذا، فقال لي كلمةًً كرهتُها، فقال لي: قل كما قلتُ لك حتى يكون قصاصاً، [فأبيتُ] ؟! فقال رسول الله: أجل، فلا تردَّ عليه، ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر!) . أخرجه أحمد (٤/٥٨- ٥٩) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٥/٥٢- ٥٣) ، وابن عساكر في "التاريخ " (٩/٥٨٣) من طرق عن مبارك بن فضالة: ثنا أبو عمران الجوني عن ربيعة الأسلمي قال: كنت أخدُم رسول الله ﷺ ، فأعطاني أرضاً، وأعطى أبا بكر أرضاً، وجاءت الدنيا فاختلفنا في عِذقِ نخلة، فقال أبو بكر ﵁: هي في حدِّ أرضي، وقلت أنا: هي في حدِّي، وكان بيني وبين أبي بكر كلام، فقال لي أبو بكر كلمة كرهتها، وندم؛ فقال لي: يا ربيعة! رد علي مثلها حتى يكون قصاصاً، قلت: لا أفعل، فقال أبو بكر: لتقولن، أو لأستعدين عليك رسول الله ﷺ . قلت: ما أنا بفاعل. قال: ورفض الأرض، فانطلق أبو بكر- ﵁ إلى النبي ﷺ ، فانطلقت أتلوه، فجاء أناس من أسلم، فقالوا: رحم الله أبا بكر! في أي شيء يستعدي عليك رسول الله، وهو الذي قال لك ما قال؟! فقلت: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، وهو ثاني اثنين، وهو ذو شيبة المسلمين، فإياكم يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله ﷺ فيغضب لغضبه، فيغضب الله لغضبهما؛ فيهلك ربيعة، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ارجعوا.

стр. 5217

فانطلق أبو بكر- ﵁ إلى رسول الله ﷺ ، وتبعته وحدي، وجعلت أتلوه؛ حتى أتى النبي ﷺ ، فحدثه الحديث كما كان، فرفع إلي رأسه فقال: ... (فذكر الحديث) وزاد: [فقلت: غفر الله لك يا أبا بكر!] قال: فولى أبو بكر- ﵀ وهو يبكي. والسياق للطبراني، والزيادتان لأحمد، وإسناده حسن، والمبارك بن فضالة صدوق مدلس، ولكنه قد صرح بالتحديث في كل الطرق عنه، فأمنّا تدليسه، ولذا قال الهيثمي (٩/٤٥) : "رواه الطبراني، وأحمد بنحوه في حديث طويل تقدم في النكاح، وفيه مبارك بن فضالة، وحديثه حسن ". قلت: وهكذا مطولاً: أخرجه الحاكم في "النكاح " (٢/١٧٣- ١٧٤) ، وقال: "صحيح على شرط مسلم "! ورده الذهبي بقوله: "قلت: لم يحتج مسلم بمبارك ". * ٣١٤٦ - (حيثما كنتُم، فأحسنتُم عبادة الله؛ فأبشروا بالجنة) . أخرجه الدَّولابي في "الكنى" (١/١٧٩- ١٨٠) : حدثنا إسحاق بن سُوَيدِ الرملي قال: حدثنا ابن أبي أويس: حدثني يحيى بن عُمَيْرٍ أبو زكريا البزاز- مولى نوفل بن عدي بن نوفل بن أسد - أنه سمع سعيد بن أبي سعيد المقبري يحدث عن أبيه عن أبي هريرة قال: أتى نفر من أهل البادية إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! إن أهل

стр. 5218

قرآن زعموا أنه لا ينفع عمل دون الهجرة والجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ :......فذكره. قلت: وهذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال الشيخين، غير إسحاق بن سويد الرملي، وهو ثقة. ويحيى بن عمير قال ابن أبي حاتم عن أبيه (٩/١٧٨ /٧٣٨) : "صالح الحديث ". وذكره ابن حبان في "الثقات " (٧/٦٠٢) ، وقد روى عنه جمع من الثقات غير ابن أبي أويس- وهو إسماعيل-، فهو حسن الحديث على الأقل، ولذلك قال الذهبي في "الكاشف ": " صدوق ". وهذا أصح من قول الحافظ فيه: "مقبول "! وذلك؛ لرواية الثقات عنه، وهم خمسة: ا- ابن أبي أويس. ٢- خالد بن مَخْلَد. ٣- عبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبِي. ٤- محمدُ بن خالد بن عَثْمَةَ. ٥- مَعْنُ بن عيسى. والحديث أخرجه البيهقي (٩/١٧) مثل حديث الترجمة من طريق العباس

стр. 5219

ابن محمد: ثنا يحيى بن عمير: ثنا المقبري عن أبي هريرة به؛ لم يقل: "عن أبيه "، وقال: "من قرابتنا" مكان: "أهل قرآن "؛ ولعله أصح. والعباس بن محمد هو الدوري- وهو ثقة- ما أظنه بإمكانه أن يسمع من يحيى بن عمير؛ فإن هذا تابع تابعي، وذاك ولد سنة (١٨٥) ، فأظن أن بينهما خالد بن مخلد؛ فقد ذكروه في شيوخ الدوري، وفي الرواة عن يحيى ابن عمير. وللحديث شاهد أتم منه، لكن في إسناده جهالة وإرسال، ولذلك أخرجته في الكتاب الآخر (٦٣٠٠) . * ٣١٤٧ - (والذي نفسي بيدِه! لوتتابعتُم حتَّى لا يبقى منكم أحدٌ؛ لسال بكُمُ الوادي ناراً) . أخرجه أبو يعلى في "مسنده " (٣/٤٦٨/ ١٩٧٩) - ومن طريقه: ابن حبان (٦٨٧٧- ط: المؤسسة) : حدثنا زكريا بن يحيى قال: حدثنا هُشَيم عن حُصَين عن سالم بن أبي الجعد وأبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة؛ وقدمت عِيرٌ إلى المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله ﷺ حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً، فقال رسول الله ﷺ :..! فذكره، فنزلت هذه الآية: (وإذا رَأوْا تجارة أو لهواً انفضُّوا إليها وتركوك قائماً) [الجمعة: ١١] ، وقال: في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات؛ لولا أن هشيماً مدلس وقد عنعنه، لكنه قد صرح بالتحديث عند مسلم (٣/١٠) : حدثنا إسماعيل بن سالم: أخبرنا هشيم: أخبرنا حصين به، إلا أنه لم يذكر حديث الترجمة.

стр. 5220

وكذلك أخرجه الترمذي (٣٣٠٨) : حدثنا أحمد بن منيع: حدثنا هشيم: حدثنا حصين به، وقال: "حديث حسن صحيح ". وكذا أخرجه أبن حبان (٦٨٣٧) من طريق آخر عن هشيم. وتابع هشيماً جمعٌ من الثقات عن حصين به دون حديث الترجمة. أخرجه البخاري (٩٣٦ و ٤٨٩٩) ، ومسلم أيضاً، وابن خزيمة (٣/١٦١- ١٦٢) وأبو يعلى (١٨٨٨) أيضاً، وأحمد (٣/٣١٣ و٣٧٠) ، وابن أبي شيبة (٢/١١٣) ، وابن جرير في "التفسير" (٢٨/٦٧- ٦٨) ، والبيهقي (٣/ ١٨١- ١٨٢) من طرق عدة عن حصين به، منهم من لا يذكر أبا سفيان، وجميعهم لم يذكروا حديث الترجمة، فيكون شاذاً لتفرد زكريا بن يحيى به؛ وهو الواسطي الملقب (زَحْمَوَيهِ) ؛ وهو ثقة، كما قال الحافظ في "اللسان " (٢/٤٨٤) ، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٨/٢٥٣) ، وقال: "كان من المتقنين "! ولعل مخالفته لهؤلاء الثقات بهذه الزيادة عليهم لا يؤيد قول ابن حبان هذا فيه، فليُتأمَّل! ولذلك؛ فقد غفل عن هذه المخالفة: المعلِّق على "مسند أبي يعلى" حين قال في تعليقه على الحديث: "إسناده صحيح، وقد تقدم برقم (١٨٨٨) ". ومثله المعلق على "الإحسان " (١٥/٣٠٠) فقال: "إسناده صحيح، زكريا بن يحيى زحمويه، روى عنه جمع، وذكره المؤلف في
следующие страницы →