- ﷺ : "ما بال دعوى الجاهلية؟! "، قالوا: يا رسول الله! كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: " دعوها؛ فإنها منتنة" [قال جابر: وكانت الأنصار حين قدم النبي ﷺ أكثر، ثم كثر المهاجرون بعد] ، فسمعها عبد الله بن أبيّ فقال: قد فعلوها؟! لئن رجعنا إلى المدينة ليُخْرِجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ! قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال:
"دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ".
والسياق لمسلم، والزيادة للبخاري وأحمد وغيرهما.
وتابعه ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار به نحوه.
أخرجه البخاري (٣٥١٨) .
وتابعه جمع آخر مطولاً ومختصراً.
أخرجه أبو يعلى (٣/٤٥٩/١٩٥٩) ، وابن جرير في "التفسير" (٢٧/٧٢- ٧٣
و٧٣) ؛ وعنده الزيادة في رواية. وزاد في رواية أخرى:
".. كسع رجلاً من الأنصار برجله، وذلك في أهل اليمن شديد".
ورجاله ثقات؛ غير ابن حميد- وهو محمد بن حميد الرازي-؛ وهو ضعيف
مع حفظه. *
٣١٥٦ - (إذا ظَهَرَ السُّوءُ في الأرضِ؛ أنزلَ الله بأهلِ الأرضِ بأسَهُ. قالت [عائشة] : وفيهم أهل طاعة الله ؟! قال: نعمْ، ثمَّ يصيرون إلى رحمة الله تعالى) .
أخرجه أحمد (٦/ ٤١) ، وابن أبي شيبة (١٥/٤٢- ٤٣) : حدثنا [سفيان]
стр. 5252
ابن عيينة عن جامع [بن أبي راشد] عن منذر عن حسن بن محمد عن امرأة عن عائشة تبلغ به النبي ﷺ ...
وأخرجه البيهقي في "الشعب " (٦/٩٨/٧٥٩٩ م) من طريق محمود بن آدم:
نا سفيان بن عيينة به؛ إلا أنه لم يقل: "عن امرأة"؛ فلا أدري أهكذا الرواية عنده، أم هو سقط من الناسخ؟!
والمحفوظ إثباته؛ فقد تابع أحمد وابن أبي شيبة: عبد الله- وهو ابن المبارك- في إثبات هذه الواسطة مع مخالفة يسيرة؛ فقال: أنبأ سفيان- بسنده- عن الحسن ابن محمد بن علي عن مولاة لرسول الله ﷺ قالت:
دخل النبي ﷺ على عائشة، أو على بعض أزواج النبي ﷺ وأنا عنده، فقال: ... فذكر الحديث.
أخرجه الحاكم (٤/٥٢٣) : أخبرني الحسن بن حكيم المروزي: ثنا أبو الموجِّه:
أنبأ عبدان: أنبأ عبد الله ... وسكت عنه هو والذهبي.
قلت: ورجاله ثقات معروفون؛ غير المروزي هذا، وقد سماه الذهبي: "الحسن
ابن محمد بن حليم "، ذكره في الرواة عن أبي الموجه، واسمه محمد بن عمرو الفزاري، ووصفه في " السير" (١٣/٣٤٧) بـ " الشيخ الإمام، محدث مرو، الحافظ".
وأما ابن حليم فلم أجد له ترجمة الآن.
وخالفهم في إسناده شريك بن عبد الله؛ فقال: عن جامع بن أبي راشد عن منذر الثوري عن الحسن بن محمد بن علي قال: حدثتني امرأة من الأنصار- وهي حية اليوم، إن شئت أدخلتك عليها، قلت: لا، [حدِّثني]- قالت: دخلت على أم سلمة، فدخل عليها رسول الله ﷺ وكأنه غضبان، فاستترت بكمِّ درعي،
стр. 5253
فتكلم بكلام لم أفهمه، فقلت: يا أم المؤمنين! كأني رأيت رسول الله ﷺ غضبان؟ قالت: نعم، أو ما سمعتيه؟! قالت: قلت: وما قال؟ قالت: قال: ... فذكرت الحديث بنحوه.
أخرجه أحمد (٦/ ٢٩٤ و ٤١٨) .
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال مسلم؛ إلا أنه لم يخرج لشريك بن عبد الله- وهو النخعي القاضي- إلا متابعة؛ لضعف فيه، فحديثه قوي بما قبله من رواية ابن عيينة، مع ما فيها من الاختلاف عليه في رواية الحديث؛ هل هي عائشة، أو مولاة للنبي ﷺ ؟ وفي رواية شريك هذه أنها أم سلمة.
وله طريق أخرى: يرويه خلف بن خليفة عن ليث عن علقمة بن مرثد عن المعرور بن سُوَيد عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره.
أخرجه أحمد (٦/٣٠٤) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٣/٣٢٥/٧٤٧) من طرق عن خلف به.
قلت: وليث؛ الظاهر أنه ابن أبي سليم الحمصي، وكان اختلط، ومثله خلف بن خليفة؛ مع أنهما من رجال مسلم، ولذلك قال الهيثمي في "المجمع " (٧/٢٦٨) :
"رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح "!
يعني هذا الإسناد، ويعني بالآخر- والله أعلم- رواية شريك التي قبل هذه.
ولجامع بن أبي راشد إسناد آخر: يرويه هاشم بن القاسم: ثنا محمد بن طلحة عن زُبَيدٍ قال: حدثني جامع بن أبي راشد- ودموعه تنحدر- عن أم مبشر عن أم سلمة زوج النبي ﷺ به.
стр. 5254
أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١٠/٢١٨) : حدثنا سليمان بن أحمد: ثنا أحمد بن زهير: ثنا محمد بن منصور الطوسي: ثنا هاشم بن القاسم به
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات.
أحمد بن زهير: هو أحمد بن يحيى بن زهير التُّسْتَري الحافظ شيخ سليمان ابن أحمد- وهو الطبراني الحافظ-، وهو من مشايخه المشهورين؛ فقد روى له في "المعجم الأوسط " أكثر من مئة وخمسين حديثاً (٢٢٢٩- ٢٣٨٤- بترقيمي) في "السير" (١٤/٣٦٢) .
ومن فوقه من رواة الشيخين؛ غير الطوسي، وهو ثقة.
وشيخه هاشم بن القاسم كنيته أبو النضر.
وقد أخرجه الطبراني عنه في "المعجم الكبير" (٢٣/٣٧٧/٨٩١) بسند آخر له فقال: حدثنا أبو يحيى الرازي: ثنا محمود بن غيلان: ثنا أبو النضر: ثنا سالم بن طلحة: ثنا جامع بن أبي راشد- ودموعه تنحدر- عن أم مبشر به.
قلت: كذا وقع فيه "سالم بن طلحة"، ولم أجد له ترجمة، فأخشى أن يكون "سالم " خطأ من الناسخ أو الطابع؛ والصواب: "محمد" كما في إسناد "الحلية " المتقدم، كما أخشى أن يكون سقط منه "زُبَيد"، فإنه مذكور في شيوخ محمد بن طلحة، وهو اليامي الكوفي، وفي الرواة عن جامع بن أبي راشد.
وحديث عائشة له طريق أخرى بلفظ أخر مختصر نحوه؛ مخرج فيما تقدم برقم (١٦٢٢و٢٦٩٣) ، وقد أوردهما الحافظ في "الفتح " (١٣/٦٠) ساكتاً عنهما؛ مشيراً بذلك إلى تقوية الحديث. *
стр. 5255
٣١٥٧ - (كَانَ في آخِرِ أمْرِهِِ يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: سبحانَ اللهِ وبحمده، أَستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ، [قالت عائشة:] فقلت: يا رسولَ الله! ما لي أَراكَ تكثرُ منْ قولِ: سبحانَ اللهِ وبحمدِه أسْتَغْفرُ اللهَ وأتوبُ إليه؟ ! قال: إنَّ ربِّي أخْبَرَني أنِّي سأرى علامة في أمَّتي، وأمرني- إذا رأيتُ تلك العلامة- أنْ أسبِّحَ بحمدِهِ وأَستغفرَه، فَقَدْ رأيتُها: (إذا جاءَ نصرُ اللهِ والفَتْحُ. ورأيتَ الناسَ يد خلونَ في دينِ اللهِ أفواجاً. [فسبِّحْ بحَمْدِ ربِّك واستغفرْهُ إنه كان تواباً] )) .
أخرجه أحمد (٦/٣٥) : ثنا محمد بن أبي عدي عن داود. ورِبَعِيُّ بن إبراهيم قال: ثنا داود عن الشعبي عن مسروق قال: قالت عائشة ...
وأخرجه الحسين المروزي في "زوائد الزهد" (٣٩٨/١١٣٠) : حدثنا محمد بن أبي عدي قال: حدثنا داود ... به.
وأخرجه مسلم (٢/٥٠) ، وابن جرير في "التفسير" (٣٠/٢١٥) ، قالا: حدثني محمد بن المثنى: حدثني عبد الأعلى: حدثنا داود به، وزادا: " والفتح: فتح مكة".
ثم أخرجه ابن جرير، وابن سعد في "الطبقات " (٢/١٩٢- ١٩٣) من طرق أخرى عن داود بن أبي هند به دون الزيادة.
وأخرجه مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مسروق به
نحوه.
وأخرجه هو، والبخاري (٤٩٦٧) من طريق أخرى عن الأعمش به مختصراً.
стр. 5256
(تنبيه) : مع كثرة هذه المصادر التي روت هذا الحديث، ومنها "صحيح مسلم "، ومع ذلك فلم يستحضر الحافظ شيئاً منها، فعزاه في "الفتح " (٨/٧٣٤) لابن مردويه فقط! وقلده في ذلك الشيخ الأعظمي في تعليقه على "زوائد الزهد"! وللحديث شاهد مختصر من حديث أم سلمة قالت:
كان النبي ﷺ قبل أن يموت يكثر أن يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، استغفرك وأتوب إليك "، قلت: يا رسول الله! إني أراك تكثر أن تقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، استغفرك وأتوب إليك "؟! فقال: "إني أمرت بأمر" فقرأ: (إذا جاء نصر الله والفتح) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير" (ص ١٤١- هند/١١٨٦- الروض) ، وفي "الأوسط " (١/٢٩١/١/٤٨٦٩) : ثنا عبد الرحمن بن سَلْم أبو يحيى الرازي: ثنا سهل بن عثمان: ثنا حفص بن غِياث عن عاصم الأحول عن الشعبي عنها. وقال:
"تفرد به سهل "!
وهو ثقة من رجال مسلم، وقد توبع؛ فقال ابن جرير: حدثنا أبو السائب عن
حفص به.
وأبو السائب هذا هو سلم بن جنادة، وهو صدوق ربما خالف؛ كما في "التقريب "، فالسند صحيح.
وله شاهد آخر من رواية ابن مسعود، وعنه ابنه أبو عبيدة.
أخرجه الطيالسي (٣٣٩) ، ورجاله ثقات.
стр. 5257
وله طريق أخرى عن عائشة فيها زيادة منكرة، فخرجتها في "الضعيفة"
(٦٣٢٢) . *
الحض على الزواج بالبكر إلا لمصلحة الصغار
٣١٥٨ - (فإنَّك نِعْمَ ما رأيتَ. قالَهُ لجابرٍ حينَ أخبَرَه بأَنَّه تزوَّج ثيباً لِتَخْدُمَ أَخواتِه الصِّغَارَ) .
أخرجه أحمد (٢/٣٥٨) ، وابن أبي شيبة في "المصنف " (٤/٤١٧) قالا: حدثنا عَبِيدة بن حميد عن الأسود بن قيس العبدي عن نُبَيح بن عبد الله العَنَزي عن جابر بن عبد الله قال: قال لي رسول الله ﷺ :
"يا جابر! ألك امرأة؟ " قال: قلت: نعم. قال: "أثيباً نكحت أم بكراً؟ " قال: قلت له: تزوجتها وهي ثيب، قال: فقال: "فهلا تزوجتها جويرية؟ " قال له: قُتل أبي معك يوم كذا وكذا، وترك جواري، فكرهت أن أضم جارية كإحداهن، فتزوجت ثيباً تقصع قملة إحداهن، وتخيط درع إحداهن إذا تَخرّق! قال: فقال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
وسياق السند لابن أبي شيبة، وفي متنه أخطاء مطبعية كثيرة تصخَّح من سياقه هنا؛ وهو لأحمد.
قلت: وإسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير نبيح هذا، وقد وثقة أبو زرعة والعجلي وابن حبان، وصحح له الترمذي- وصرَّح بتوثيقه-، وابن خزيمة، وابن حبان والحاكم، وروى عنه أبو خالد الدالاني أيضاً. وأما الحافظ فقال:
стр. 5258
"مقبول "! وهذا منه هنا غير مقبول؛ لتوثيق من ذكرنا أولاً، ولكونه تابعيَّاً ثانياً؛ ولهذا قال الذهبي في "الكاشف ":
"ثقة".
ثم رأيتُ الحافظَ ابن حجر نفسه يوثّقه في "الإصابة" (١/١٣) ؛ فالحمد لله.
والحديث أخرجه الشيخان وأحمد وغيرهم من طرق أخرى عن جابر بنحوه، وهو مخرج في "الإرواء" (٦/١٩٦- ١٩٧) ، وفي بعضها: "بارك الله لك "، أو قال خيراً.
وفي أخرى:
"أصبت، إن شاء الله ".
وفي لفظ:
" ألا تزوجتها بكراً تلاعبك وتلاعبها، وتضاحكك وتضاحكها؟! ". *
٣١٥٩ - (الخَمرُ من هاتين الشَّجرتينِ: النَّخْلةِ والعِنَبَةِ)
حديث صحيح يرويه أبو كَثِيرٍ السُّحَيْمِىُّ عن أبي هريرة سماعاً من رسول الله ﷺ ، وله عنه طرق:
الأولى: الأوزاعي: حدثنا أبو كثير قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره.
أخرجه مسلم (٦/٨٩) ، والترمذي (١٨٧٦) ، والنسائي (٢/ ٣٢٥) ، والد ارمي
(٢/١١٣) ، والطحاوي في "شرح المعاني " (٢/٣٢٢) ، وابن أبي شيبة في
стр. 5259
"المصنف" (٨/١٠٩) ، وأحمد (٢/٤٠٩ و٤٩٦ و١٥٧) ، وأبويعلى (١٠/٣٩٨/٦٠٠٢) ، والبيهقي (٨/٢٨٩- ٢٩٠) من طرق كثيرة عن الأوزاعي به. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح ".
الثانية: يحيى بن أبي كثير: أن أبا كثير حدثه به.
أخرجه مسلم، وأبو داود (٣٦٧٨) ، والنسائي أيضاً، وكذا الطحاوي، وعبد الرزاق
في "المصنف " (٩/٢٣٤) ، ومن طريقه: أحمد (٢/٢٧٩) وعن غيره أيضاً (٢/٤٠٨) من طرق عن يحيى به.
الثالثة: عكرمة بن عمار عنه.
أخرجه مسلم، وابن ماجه (٢/١١٢١/٣٣٧٨) ، وابن حبان (٧/٣٦٦/٥٣٢٠) ، والطحاوي أيضاً، وأحمد (٢/٥٢٦) من طرق عنه.
الرابعة: عن عقبة بن التوأم عنه.
أخرجه مسلم والطحاوي من طريقين عنه، وزاد الطحاوي من طريق عبد الله ابن حمران قال: ثنا عقبة بن التوأم الرقاشي قال: حدثني أبو كثير اليمامي قال:
دخلت من اليمامة إلى المدينة لما أكثر الناس الاختلاف في النبيذ؛ لألقى أبا هريرة فأسأله عن ذلك، فلقيته، فقلت: يا أبا هريرة! إني أتيتك من اليمامة أسألك عن النبيذ، فحدِّثني عن النبي ﷺ ؛ لا تحدثني عن غيره، فقال: ... فذكره. وإسناده جيد في المتابعات.
الخامسة: قال الطيالسي في "مسنده " (٣٣٥/٢٥٦٩) : حدثنا أيوب بن عتبة
عن أبي كثير السحيمي به.
стр. 5260
وأيوب، قال الحافظ:
"ضعيف ".
واعلم أنهم اختلفوا في اسم أبي كثير هذا على ثلاثة أقوال، ذكرها الحافظ
في "التهذيب "، وجزم الترمذي عقب الحديث بأنة يزيد بن عبد الرحمن بن غُفَيلة، وجزم أبو داود بأنه الصواب.
(فائدة) : قال البغوي في "شرح السنة" (١١/٣٥٣) - وقد ذكر الحديث معلقاً-:
"وهذا لا يخالف حديث النعمان بن بشير، وإنما معناه: أن معظم الخمر يكون منهما، وهو الأغلب على عادات الناس فيما يتخذون من الخمور".
قلت: وحديث النعمان الذي أشار البغوي إليه سبق تخريجه برفي (١٥٩٣) بلفظ:
"إن من العنب خمراُ ... " الحديث؛ فذكر فيه التمر أيضاُ والعسل والبُر والشعير. ونحوه حديث عمر بن الخطاب وزاد:
"والخمرة ما خامر العقل ".
أخرجه الشيخان وغيرهما، وهو مخرج في "الإرواء" (٨/ ٤١- ٤٢) ، وقد قال الحافظ عقبه (١٠/٣٥) :
"وفيه إشارة إلى ضعف الحديث الذي جاء عن أبي هريرة مرفوعاً.. (فذكره وقال:) ، أو أنه ليس المراد الحصر فيهما".
قلت: وهذا المراد هو الصواب كما جزم به البغوي فيما تقدم، ومن الغريب
أنه يشير إلى ضعف الحديث، وهو حديث صحيح متواتر عن تابعيِّه أبي كثير كما
стр. 5261
تقدم، وهو ثقة اتفاقاً، والقاعدة في مثل هذا الحديث التوفيق بينه- بعد ثبوته- وبين ما يعارضه بمثل ما تقدم، وهذا بعينه ما فعله الحافظ نفسه في مثل هذا الحديث من رواية جابر مرفوعاً بلفظ:
"الزبيب والتمر هو الخمر".
وتقدم تخريجه برقم (١٨٧٥) ، فقال الحافظ في الصفحة التي بعد الصفحة المشار إليها آنفاً:
"وسنده صحيح، وظاهره الحصر، لكن المراد المبالغة، وهو بالنسبة إلى ما كان حينئذٍ بالمدينة موجوداً كما تقرر في حديث أنس ".
وحديث أنس الذي يشير إليه هو عند البخاري بلفظ:
"حُرِّمَت علينا الخمر حين حرمت؛ وما نجد- يعني: بالمدينة- خمر الأعناب
إلا قليلاً، وعامة خمرنا البسر والتمر". *
٣١٦٠ - (كانَ يقولُ في دُبُرِ الصَّلاةِ إذا سلَّم قبْلَ أنْ يقومَ، يرفعُ بذلكَ صوتَه:
لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ، وله الحمدُ، وهو على
كلِّ شيءٍ قديرٌ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، لا إلهَ إلا اللهُ، [و] لا نعبدُ إلا إيَّاهُ، له النعمةُ، وله الفضلُ، وله الثناءُ الحسنُ، لا إله إلا اللهُ مخلصينَ لَهُ الدِّينَ، ولو كَرِهَ الكافِرُونَ) .
أخرجه الطبراني في " الدعاء " (٢/١١٠٧/٦٨١) : حدثنا عبد الرحمن بن سلم (الأصل: مسلم!) الرازي: ثنا سهل بن عثمان: ثنا جُُنادة بن سلم عن
стр. 5262
عبيد الله بن عمر عن نافع عن محمد بن مسلم أبي الزبير قال: سمعت عبد الله ابن الزبير يقول ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال مسلم من فوق الرازي؛ غير جنادة؛ وهو صدوق يغلط.
وأما عبد الرحمن بن سلم الرازي؛ فهو ابن محمد بن سلم الرازي، نُسب إلى جده، وله ترجمة في " طبقات الأصبهانيين "، و" أخبار أصبهان "، و "تذكرة الحفاظ " وقال:
"كان من الثقات ".
وروى له الطبراني في "المعجم الأوسط " ستةً وعشرين حديثاً (٤٨٦٤-
٤٨٩٠) .
والحديث أخرجه مسلم، وأبو عوانة في "صحيحيهما" وغيرهما من طرق عن
أبي الزبير به، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (١٣٥٠ و ١٣٥١) ، وزادوا:
"وكان رسول الله ﷺ يهلل بهنَّ دُبُرَ كل صلاة".
وأخرجه كذلك ابن حبان في "صحيحه " (٣/٢٢٨- ٢٢٩/٢٠٠٥- ٢٠٠٧) .
وأخرجه الشافعي في "الأم " (١/ ١١٠) ، ومن طريقه: البغوي في "شرح السنة" (٣/٢٢٦/٧١٦) من طريق موسى بن عقبة عن أبي الزبير به؛ وزاد الشافعي:
"يقول بصوته الأعلى: لا إله إلا الله ... " إلخ.
وهي بمعنى زيادة مسلم وغيره: "يهلل.. "؛ أي: يرفع صوته.
стр. 5263
ورواه المحاملي في "الأمالي " (٢١١/١٩٧) من طريق أخرى عن عبد الله بن الزبير بلفظ: "يصيح بذلك صياحاً عالياً "؛ وسنده ضعيف.
ويشهد لرفع الصوت- بهذا الذكر أو بغيره مما ثبت عنه ﷺ - قول ابن عباس:
إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ ، وكنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته.
رواه الشيخان وأبو عوانة وغيرهم، وهو مخرج في "صحيح سنن أبي داود" (٩٢٠- ٩٢١) . وفي رواية لهم:
"كنت أعرف انقضاء صلاة النبي ﷺ بالتكبير" ٠
قلت: ورواية التكبير هذه لعلها رواية بالمعنى، والمحفوظ الرواية التي قبلها:
" الذكر"، فإن الأ ذكار الواردة في " الصحيحين " وغيرهما من " السنن "، و"المسانيد"، و"المعاجم "، وغيرها على كثرتها، وقد استوعب الحافظ الطبراني جَمعاً غفيراً منها في "جامع أبواب القول في أدبار الصلوات " من كتابه "الدعاء" (٢/١٠٨٦- ١١٣٦) ، وليس في شيءٍ منها أنه ﷺ كان يكبِّربعد المكتوبة، حتى ولا في الأذكار التي حض أمته على أن يقولوها دبر الصلوات، اللهم إلا حديثاً واحداً في قراءة آية: (الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً) الآية، إلى قوله تعالى: (وكبِّره تكبيراً) [الإسراء: ١١١] .
تفرد به الطبراني، وهو حديث منكر كما بينته في "الضعيفة" (٦٣١٧) .
ثم إن الأصل في الأذكار خفض الصوت فيها، كما هو المنصوص عليه في الكتاب والسنة إلا ما استثني، وبخاصة إذا كان في الرفع تشويش على مصلٍّ أو ذاكر، ولا سيما إذا كان بصوت جماعي كما يفعلون في التهليلات العشر في
стр. 5264
بعض البلاد العربية، غير مبالين بقوله ﷺ :
"يا أيها الناس! كلكم يناجي ربَّه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة؛ فتؤذوا المؤمنين ".
وهو حديث صحيح: رواه مالك، وأبو داود، وابن خزيمة وغيرهم، وهو مخرج
في "صحيح سنن أبي داود" (١٢٠٣) ، وبوب له ابن خزيمة بقوله (٢/١٩٠) :
"باب الزجر عن الجهر بالقراءة في الصلاة إذا تأذى بالجهر بعض المصلين غير الجاهر بها".
ولهذا؛ قال الإمام الشافعي في "الأم " (١/ ١١٠) - عقب حديث ابن عباس
المذكور-:
"وأختارُ للإمام والمأموم أن يذكر الله بعد الانصراف من الصلاة؛ ويخفيان الذكر إلا أن يكون إماماً يحب أن يُتعلَّم منه، فيجهر حتى يرى أنه قد تُعلِّم منه ثم يُسِرُّ؛ فإن الله يقول: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) [الإسراء: ١١٠] يعني- والله تعالى أعلم-: الدعاء، (ولا تجهر) : ترفع، (ولا تخافت) : حتى لا تسمع نفسك، وأحسب أن ما روى ابن الزبير من تهليل النبي ﷺ ، وما روى ابن عباس من تكبيره.. إنما جهر قليلاً ليتعلم الناس منه، وذلك؛ لأن عامة الروايات التي كتبناها- مع هذا وغيرها- ليس يُذكر فيها بعد التسليم تهليل ولا تكبير، وقد يذكر أنه ذكر بعد الصلاة بما وصفت، ويذكر انصرافه بلا ذكر، وذكرت أم سلمة مكثه ولم يذكر جهراً، وأحسبه لم يكن إلا ليذكر ذكراً غير جهر".
قلت: وهذا غاية في التحقيق والفقه من هذا الإمام جزاه الله خيراً.
стр. 5265
وأقول: وإذا كان من الثابت في السنة أن يجهر الإمام في الصلاة السرية أحياناً للتعليم كما في "الصحيحين " وغيرهما: أن النبي ﷺ كان يسمعهم الآية في صلاة الظهر والعصر- وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٧٦٣) -، وكما صح عن عمر- ﵁ أنه كان يسمعهم دعاء الاستفتاح: "سبحانك اللهم ... "، قال الأسود بن يزيد: "يسمعنا ذلك ويعلمنا " - وهو مخرج في " الإرواء " (٢/ ٤٨- ٤٩) -.
أقول: فإذا كان هذا جائزاً؛ فبالأولى أن يَجُوزَ رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة للغاية نفسها: التعليم. وهذا ظاهر والحمد لله. *
٣١٦١ - (أعْتِقْها؟ فإنَّها مؤْمِنَةٌ. يعني: الجاريةَ التي شَهِدَتْ بأنَّ
اللهَ في السماء)
١- أخرجه أبو داود (٣/٥٨٨/٣٢٨٣) ، والنسائي (٢/١٢٩) ، والد ارمي (٢/١٨٧) ، وابن حبان في "صحيحه " (٦/٢٥٦/٤٢٩٦) ، والبيهقي في "السنن " (٧/٣٨٨) ، وأحمد (٤/٢٢٢ و ٣٨٨ و٣٨٩) ، والبزار في " مسنده" (١/٢٩/٣٨/- الكشف) ، والطبراني (٧/٣٨٣/٧٢٥٧) من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشَّرِيدِ بن سُوَيْدٍ الثقفي قال:
قلت: يا رسول الله! إن أمي أوصت إليّ أن أعتق عنها رقبة، وإن عندي جارية سوداء نُوبية؟ فقال رسول الله ﷺ : "ادع بها"، فقال:
"مَن ربُّكِ؟ "، قالت: الله، قال: "فمن أنا؟ "، قالت: رسول الله، قال: ... فذكره.
стр. 5266
قلت: وهذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال مسلم؛ إلا أنه أخرج لمحمد بن عمرو متابعة، وحماد بن سلمة في روايته عن غير ثابت البناني شيء من الضعف، وليس له رواية عن محمد بن عمرو- وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي- عند مسلم.
وقد خولف حماد في إسناده ومتنه، فقال ابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٨١) : حدثنا محمد بن يحيى القُطَعِي قال: حدثنا زياد بن الربيع قال: ثنا محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة- ﵁:
أن محمد بن الشريد جاء بخادم سوداء عتماء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أمي جعلت عليها عتق رقبة مؤمنة، فهل تجزي أن أعتق هذه؟ فقال رسول الله ﷺ للخادم:
"مَنْ رَبُّكِ؟ ".
فرفعت برأسها فقالت: في السماء ... ثم ذكر باقي الحديث مثله.
وهذا السند أصح؛ لأن زياد بن الربيع ثقة من رجال البخاري، لكن يبدو أن قوله: "محمد بن الشريد" وهم من بعض الرواة؛ فإنه ليس له ذكر في "الصحابة"، وقد أورده الحافظ في القسم الرابع من "الإصابة" من رواية ابن منده وابن السكن والباوردي وابن شاهين؛ لكنه قال في روايته: " (جاء محمد بن الشريد أو الشريد بجارية) كذا عنده على الشك، وأخرجه أبو نعيم من رواية إبراهيم بن حرب العسكري عن القطعي (الأصل: القطيعي) مثله؛ إلا أنه قال: (إن عمرو بن الشريد جاء إلى النبي ﷺ ... ) ، وصوّب هذا الطريق، وكل ذلك غير محفوظ! والمحفوظ: ما أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، من
стр. 5267
طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو ... (فذكر الرواية الأولى) ، ثم قال:
"قال ابن السكن: محمد بن الشريد ليس بمعروف في الصحابة، ولم أر له
ذكراً إلا في هذه الرواية".
وقد جاء الحديث من طريق أخرى عن أبي هريرة، ليس فيها تسمية الرجل، وهو من رواية المسعودي عن عون بن عبد الله عن أخيه عُبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة:
أن رجلاً أتى النبي ﷺ بجارية سوداء أعجمية، فقال: يا رسول الله! إن عليَّ
عتق رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله ﷺ : "أين الله؟ "، فأشارت إلى السماء بإصبعها السبابة، فقال لها: "من أنا؟ "، فأشارت بإصبعها إلى رسول الله ﷺ وإلى السماء؛ أي: أنت رسول الله، فقال:
"أعتقها " فإنها مؤمنة ".
أخرجه أبو داود (٣/٥٨٨/ ٣٢٨٤) ، وابن خزيمة أيضاً، والبيهقي في "السنن " (٧/٣٨٨) ، وأحمد (٢/٢٩١) ؛ كلهم من طريق يزيد بن هارون عنه.
قلت: ويزيد سمع من المسعودي- وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة- بعد اختلاطه؛ كما قال ابن نمير، فيما نقله الذهبي في "الكاشف " وغيره، فقوله في "العلو": "إسناده حسن "، غير حسن كما كنت ذكرت في كتابي "مختصر العلو" (٨١- ٨٢) ، لكن بدا لي الآن أنه أحسن من الحسن، وذلك لأمرين:
الأول: أنني وجدت عند ابن خزيمة متابعين اثنين ليزيد، وهما أسد بن موسى (أسد السنة) ، وأبو داود- وهو الطيالسي؛ صاحب "المسند" المعروف به، وليس الحديث فيه-، وهو بصري، وقد ذكر عبد الله بن أحمد في "العلل " عن أبيه أنه قال:
стр. 5268
"سماع وكيع من المسعودي بالكوفة قديماً، وأبو نعيم أيضاً، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة والكوفة؛ فسماعه جيد".
وذكر نحوه في مكان آخر (٢/١٣٠- ١٣١) ؛ وزاد:
"وأما يزيد بن هارون، وحجاج، ومن سمع منه ببغداد؛ فهو في الاختلاط ".
وعلى هذا فالسند جيد؛ لأن الطيالسي بصري كما تقدم.
هذا هو الأمر الأول.
والأمر الآخر: أن ابن معين صحح أحاديث المسعودي عن القاسم وعن عون؛ كما في "التهذيب "، وهذا من روايته عن عون كما ترى، فصح الحديث والحمد لله.
وفي حديث أسد السنة:
"بجارية سوداء لا تُفْصِحُ ".
وفي حديث الطيالسي:
"بجارية عجماء لا تفصح "؛ وعندهما: "مَنْ رَبُّكِ؟ ".
لكن قد خولف عون في إسناد الحديث من قِبَلِ الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن رجل من الأنصار:
أنه جاء بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله! إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة؛ أعتقها؟! فقال:
"تشهدين أن لا إله إلا الله؟ ".
قالت: نعم، قال:
стр. 5269
"تشهدين أني رسول الله؟ ". قالت: نعم، قال:
"أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ ". قالت: نعم، قال:
"أعتقها".
(١
أخرجه ابن خزيمة من طريق عبد الرزاق، وهذا في "المصنف " (٩/١٧٥/ ١٦٨١٤) قال: أخبرنا معمر عن الزهري به.
ومن طريق عبد الرزاق: أخرجه أحمد (٣/ ٤٥١) ، وابن الجارود في "المنتقى" ٣١/ ٩٣١) . وقال ابن كثير في "التفسير" بعد أن عزاه لأحمد:
"وإسناده صحيح، وجهالة الصحابي لا تضره ".
قلت: وهو كما قال؛ لولا أن معمراً خالفه جماعة من الثقات فأرسلوه:
فرواه مالك (٢/٦) ، ويونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عبيد الله: أن رجلاً من الأنصار أتى النبي ﷺ ... الحديث مثله.
أخرجه البيهقي (٧/٣٨٨ و١٠/٥٧) ، وقال:
"هذا مرسل، وقد قيل: عن عون بن عبيد الله بن عتبة عن عبيد الله بن عتبة أبي هريرة- ﵁.
وقد قيل: عن عون عن أبيه عن جده ".
قلت: وصله الحاكم (٣/٢٥٨) وعنه البيهقي في الموضع الأول، وكذا
стр. 5270
الطبراني (١٧/١٣٦) من طريق أبي عاصم: نا أبو مَعْدان المِنْقَري- يعني: عامر بن مسعود-: نا عون بن عبيد الله بن عتبة: حدثني أبي عن جدي.
وعامر هذا لم أعرفه، ولا وجدت له ترجمة فيما لدي من المراجع، لا فيمن يسمى بـ "عامر" ولا فيمن يكنى بأبي معدان، ولا فيمن نسبته "المنقري ".
٢- وروي عنه بإسناد آخر، فقال الجراح بن مَخلَد: ثنا محمد بن عثمان الجزري: ثنا سعيد بن عَنْبسة القطان: ثنا أبو معدان قال: سمعت عون بن أبي جحيفة يحدث عن أبيه قال:
أتت رسولَ الله ﷺ امرأةٌ ومعها جارية سوداء، فقالت المرأة: يا رسول الله! إن علي رقبة مؤمنة، أفتجزي عني هذه؟ فقال لها رسول الله ﷺ :
"أين الله؟ ". قالت: في السماء. قال:
"فمن أنا؟ ". قالت: أنت رسول الله. قال:
"أتشهدين أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ ". قالت: نعم. قال:
"أتؤمنين بما جاء من عند الله؟ ". قالت: نعم، قال:
"أعتقيها؛ فإنها مؤمنة".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/١١٦- ١١٧) .
قلت: وهذا إسناد ضعيف جدّاً مسلسل بالعلل:
الأولى: أبو معدان هذا؛ فإنه غير معروف كما تقدم، وقد سماه الطبراني في باب "أبو معدان: عامر بن مرة عن عون "، ثم ساق هذا الحديث، ولم أجده أيضاً.
стр. 5271
الثانية: سعيد بن عنبسة القطان، والظاهر أنه أبو عثمان الخزاز الرازي الذي
ذكره ابن أبي حاتم (٢/١/٥٢) وقال عن أبيه:
"فيه نظر".
ثم روى عن علي بن الحسين بن الجنيد قال: "سعيد بن عنبسة كذاب، سمعت أبي يقول: كان لا يصدق ".
وبه أعله الهيثمي؛ فقال (٤/٢٤٤) :
"رواه الطبراني، وفيه سعيد بن عنبسة، وهو ضعيف ".
الثالثة: محمد بن عثمان الجزري، لم أجد له ترجمة أيضاً.
ثم وجدت لسعيد بن عنبسة متابعاً لا بأس به، وعرفنا بسببه اسم أبي معدان: رواه صُرَدُ بن حماد أبو سهل قال: حدثنا الحسن بن الحكم بن طَهْمان: حدثنا أبو معدان به.
أخرجه الخطيب في "التاريخ " (٩/٣٤٣) ، وقال:
"تفرد به أبو معدان، وهو غريب من حديث أبي معدان عبد الله بن معدان، تفرد به الحسن بن الحكم عنه، ولا أعلم حدث به غير صرد، وما علمت من حاله إلا خيراً".
قلت: وابن طهمان هذا؛ قال ابن أبي حاتم عن أبيه:
"حديثه صالح ليس بذلك، يضطرب".
وعبد الله بن معدان روى عنه أيضاً وكيع وأبو نعيم كما في "الجرح "، وذكر الذهبي في "المقتنى في الكنى": (البُرْساني) مكان: (أبي نعيم) .
стр. 5272
ثم رأيت في "الجرح " (٩/٤٤٦) : "أبو معدان...... عن يحيى بن معين قال:
أبو معدان صالح "، وعلَّق المعلمي عليه بما يشعر أنهما واحد.
٣- حديث ابن عباس، وله عنه طريقان:
الأول: يرويه ابن أبي ليلى عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وعن الحكم يرفعه:
أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إن على أمي رقبةً مؤمنةً، وعندي رقبة سوداء أعجمية؟ قال: "ائتِ بها"، قال: "أتشهدين أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ "، قالت: نعم، قال:
"فأعتقها".
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (١١/٢٠/١٠٣٩٢) ، وفي "كتاب الإيمان " (٢٨/٨٥- بتحقيقي) : حدثنا علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى ...
هكذا وقع في إسناده: ".. عن ابن عباس، وعن الحكم "! وهو معطوف على المنهال- وهو ابن عمرو- على خلاف المتبادر، ولكن مثله يقع كثيراً في الأسانيد، كما يعرفه من مارس هذا العلم.
وقد رواه الطبراني (١٢/٢٦-٢٧) و"الأوسط " (٢/٣٦/٢/٥٦٥٣) من طريق الحسن بن فرات القزاز: ثنا علي بن هاشم به؛ إلا أنه قال:
"عن المنهال بن عمرو، والحكم عن سعيد بن جبير ... "، فهذا على الجادة، وقال:
"لم يروه عن المنهال والحكم إلا ابن أبي ليلى".
стр. 5273
قلت: وهو ضعيف لسوء حفظه، وبه أعله الهيثمي فقال (٤/٢٤٤) :
"وفيه محمد بن أبي ليلى، وهوسيىء الحفظ، وقد وُثِّق".
قلت: ومن طريقه: أخرجه البزار (١/١٤/١٣- الكشف) ، ولم يذكر في إسناده الحكم، وقال:
"وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة"!
قلت: هو بهذا اللفظ المرفوع له طريق أخرى، يرويه يزيد بن حكيم: ثنا يحيى
ابن السكن عن قيس بن الربيع: ثنا حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي عن حنين عن ابن عباس به إلا أنه قال:
"إن عليّ رقبة مؤمنة.. "؛ لم يذكر أمَّه.
أخرجه الطبراني في "الأوسط " (٢/١٤٣/١/ ٧٢١٢) : حدثنا محمد بن يحيى: ثنا يزيد به، وقال:
"لم يروه عن حبيب إلا قيس ".
قلت: وهو ضعيف من قبل حفظه، ويحيى بن السَّكَن- وهو الرقي ثم البصري- ضعيف، وإن وثقه ابن حبان.
ويزيد بن حكيم مجهول الحال، لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحاً ولا تعديلاً.
وأما اللفظ الآخر؛ فيرويه سعيد بن المَرْزُبَان عن عكرمة عن ابن عباس قال:
جاء رجل إلى النبي ﷺ ؛ ومعه جارية له سوداء، فقال: إن علي رقبة- أحسبه قال: مؤمنة-، فهل يجزئ عني هذه؟ فقال لها:
"أين الله؟ ".
стр. 5274
قالت بيدها إلى السماء، قال:
"من أنا؟ ".
قالت: أنت رسول الله، قال رسول الله ﷺ :
"أعتقها؛ فإنها مؤمنة ".
أخرجه البزار (١/٢٨/٣٧) بسند صحيح عن ابن المرزبان، لكن هذا- مع ضعفه- مدلس، وهو وإن كان ذكروا له رواية عن عكرمة؛ فإنه لم يصرح بسماعه منه كما ترى، وبه وبابن أبي ليلى أعله الهيثمي (٤/٤٢٤) .
٤- ومما يشهد لهذا اللفظ: "السماء" حديث كعب بن مالك قال:
جاءت جارية ترعى غنماً لي، فأكل الذئب شاة، فضربتُ وجهَ الجارية، فندمت، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! لو أعلم أنها مؤمنة؛ لأعتقتها، فقال رسول الله ﷺ للجارية:
"من أنا؟ ". قالت: رسول الله. قال:
"فمن الله؟ ". قالت: الذي في السماء، فقال رسول الله ﷺ :
"أعتقها، فإنها مؤمنة ".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٩/٩٨/١٩٣) و"الأوسط " (٢/١٧١/١/٧٧١٢) من طريق عبد الله بن شبيب: ثنا داود بن عبد الله الجعفري: ثنا حاتم بن إسماعيل عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن ابن كعب بن مالك عن أبيه به، وقال:
"لم يروه عن ابن عجلان إلا حاتم، ولا عن حاتم إلا داود الجعفري، ولا يروى عن كعب إلا بهذا الإسناد".
стр. 5275
قلت: ورجاله ثقات؛ غير عبد الله بن شبيب؛ فإنه ضعيف، وبه أعله الهيثمي.
وبالجملة؛ فهذه الطرق التي وقفت عليها عن هؤلاء الصحابة الأربعة، وهم: الشريد بن سويد- وإسناده حسن على الخلاف في صحابيِّه ومسنِدِه، فمنهم من جعله من رواية أبي سلمة عنه، ومنهم من جعله من مسند أبي هريرة من رواية أبي سلمة نفسه، على اختلاف في ضبط بعض ألفاظه كما يأتي بيانه ملخصاً-، وأبو هريرة- وإسناده صحيح-، وأبو جحيفة- بإسناد ضعيف-، وابن عباس- بإسنادين عنه؛ واختلاف أيضاً في بعض ألفاظه-.
ولعله من الضروري أن أقدم إلى القراء الكرام خلاصة نيِّرة عن تلك الروايات والاختلافات في بعض ألفاظها، وبيان الراجح من المرجوح منها؛ ليكون القراء على معرفة بصحيحها من ضعيفها، والنظر في إمكانية الجمع بينها؛ ليكون القراء على حذر من بعض المضللين:
أولاً: لقد اتفقت الروايات كلها على شهادته ﷺ للجارية بأنها مؤمنة.
ثانياً: واختلفت في نص سؤاله ﷺ إياها وجوابها على وجوه ثمانية:
الأول: "من ربك؟ قالت: الله ". (الحديث الأول عن شريد، وهو حسن) .
الثاني: "من ربك؟ فقالت: في السماء". (الحديث الأول عن أبي هريرة؛ وهو حسن) .
الثالث: "أين الله؟ فأشارت إلى السماء". (الحديث الأول أيضاً من الطريق الآخر عنه، وهو صحيح) .
الرابع: "تشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم ". (الحديث الأول أيضاً عن الرجل الأنصاري. وهو معلول بالإرسال) .
стр. 5276
الخامس: "أين الله؟ قالت: في السماء". (الحديث الثاني، وهو ضعيف؛ لكنه بمعنى الوجه الثالث) .
السادس: "أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم ". (الحديث الثالث من الطريق الأول، وهو ضعيف) .
السابع: "أين الله؟ قالت بيدها إلى السماء" (الحديث نفسه من الطريق الآخر، وهو ضعيف أيضاً) .
الثامن: "فمن الله؟ قالت: الذي في السماء". (الحديث الرابع، وسنده ضعيف) .
قلت: وبهذا التلخيص الدقيق يتبين للقراء الحقيقة التالية وهي:
أن الأرجح أن سؤاله ﷺ كان: "أين الله؟ ".
وأن جواب الجارية كان: "في السماء".
وذلك؛ لأن ثلاث روايات اتفقت على السؤال المذكور، والأولى منها هي الرواية الصحيحة عن أبي هريرة، والثانية إن لم تنفع فلا تضر، والثالثة تصلح للاستشهاد بها؛ لأنها ليست شديدة الضعف.
كما اتفقت خمس روايات على الجواب المذكور، وهو في الطريق الأصح في الحديث الأول عن أبي هريرة، وفي الطريق الأخرى الصحيحة عنه، والروايات الباقية منها شاهدة لها.
وإذا كان هذا هو الراجح من مجموع تلك الوجوه الثمانية لاتفاق أكثر الروايات وأصحها عليه؛ فإن ما خالفها؛ إما أن تؤول، وإما أن ترد بالمخالفة؛ فيقال
стр. 5277
مثلاً: إن رواية: "من ربك؟ " مختصرة من رواية: "أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ "، وأن هذه لا تنافي سؤالها بـ "أين الله؟ "، فإننا نعلم اليوم كثيراً ممن ينطقون بهذه الشهادة إذا سئلوا بهذا السؤال بادروك بقولهم: (الله في كل مكان) ! وهم يعلمون أن الله كان ولا مكان! وقد تنبه بعض المجادلين بالباطل لضلال هذا القول فلجأ إلى المراوغة، فقال: لا يقال: إنه في كل مكان، ولا: إنه ليس في مكان (١) ، وهذا احتيال منهم في التعبير، يتظاهرون بذلك بالتنزيه، وهو يشبه قول أسلافهم من الجهمية والمعتزلة وأذنابهم من المعطلة: "ليس هو داخل العالم ولا خارجه "؛ ورحم الله من قال في أمثالهم: "هؤلاء قوم أضاعوا ربهم "! فلا يبعد أن يكون السؤال وقع باللفظين: "أين " و: "أتشهدين "، ويؤيده الحديث الثاني.
وإن مما يقطع ويؤكد ترجيحنا المذكور: حديث معاوية بن الحكم الذي وعدتُ بذكره، فإنه قد ساق قصة الجارية سياقاً تامَّاً رائعاً، لم يسقه غيره كسياقه، ولا غرابة في ذلك؛ فإنه سيدها، فقال- ﵁ في حادثة وقعت له وهو يصلي خلف النبي ﷺ ، فسأله بعض الأسئلة، فأجابه عليها:
٥- فقال ﵁:
"وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبَلَ أُحُدٍ والجَوَّانِيَّة، فاطّلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيتُ رسول الله ﷺ ، فعظَّم ذلك عليّ، قلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟! قال: "ائتني بها"، فأتيته بها، فقال لها:
"أين الله؟ ".
стр. 5278
قالت: "في السماء"، قال: "من أنا"، قالت: أنت رسول الله، قال:
"أعتقها؛ فإنها مؤمنة ".
أخرجه مسلم، وأبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود في "صحاحهم " وغيرهم، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٨٦٢) ، و"الإرواء" (٣٩٠) .
هذا؛ ويشهد لسؤال: "أين الله " حديث مرفوع، وأثر موقوف.
أما الحديث؛ فيرويه وكيع بن حُدُسٍ عن عمه أبي رَزِين قال:
قلت: يا رسول الله! أين كان ربُّنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "كان في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، وما ثَمَّ خلق، عرشه على الماء".
أخرجه الترمذي (٢١٠٨) ، وابن ماجه (١٨٢) ، وابن حبان (٣٩- الموارد) ، وابن أبي عاصم (١/٢٧١/٦١٢) ، وأحمد (٤/١١ و ١٢) ، وابن عبد البر في "التمهيد" (٧/١٣٧) ، وقال الترمذي:
"حديث حسن ". وقال الذهبي في "مختصر العلو" (١٨٦/١٩٣) :
"رواه الترمذي وابن ماجه، وإسناده حسن "
وفيه نظر؛ لأن وكيعاً هذا مجهول، كما بينته هناك.
وأما الأثر؛ فهو ما رواه زيد بن أسلم قال:
مرَّ ابن عمر براعي غنم فقال: يا راعي الغنم! هل من جَزَرة (١) ؟ قال الراعي: ليس ههنا ربُّها، فقال ابن عمر: تقول: أكلها الذئب! فرفع الراعي رأسه إلى
стр. 5279
السماء ثم قال: فأين الله؟!
فاشترى ابن عمر الراعي واشترى الغنم فأعتقه، وأعطاه الغنم.
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/٢٦٣/١٣٠٥٤) : حدثنا محمد
ابن نصر الصائغ: ثنا أبو مصعب: ثنا عبد الله بن الحارث الجُمَحِي: ثنا زيد بن أسلم به.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات مترجمون في "التهذيب "، غير شيخ الطبراني محمد بن نصر الصائغ، وهو ثقة مترجم في "تاريخ بغداد" (٣/٣١٨- ٣١٩) ، مات سنة (٢٩٧) .
وهذا الأثر احتج به الحافظ الذهبي في "العلو"، ذكره معلقاً على أبي مصعب الزهري، وكنت جوّدت إسناده في "مختصره " (١٢٧) ولم أكن قد وقفت يومئذ على وصله، فها قد وقفت عليه الآن، والحمد لله.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/٣٤٧) :
"رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن الحارث الحاطبي، وهو ثقة".
وجملة القول: إن أصح الأحاديث المتقدمة إنما هو حديث معاوية، فلا جرم أن يتفق العلماء- من محدثين وفقهاء- على تصحيحه على مرِّ العصور دون أي خلاف بينهم؛ فقد صححه الخمسة الذين أخرجوه في "صحاحهم " كما تقدم، وكذا البيهقي في "الأسماء" (٤٢٢) ، والبغوي في "شرح السنة" (٣/٢٣٩) ، والذهبي كما يأتي، والحافظ في "الفتح " (١٣/٣٥٩) ، كل هؤلاء صرحوا بصحة الحديث وإسناده، ويُلحق بهم كل من احتج بالحديث من أئمة الحديث والفقه
стр. 5280
والتفسير على اختلاف مذاهبهم، ممن احتج به في باب من أبواب الشريعة، ضرورة أنه لا يحتج إلا بما صح عنده، كالإمام مالك في "الموطأ" (٣/٥- ٦) ، والشافعي في "الأم " (٥/٢٦٦) ، وأحمد في "مسائل عبد الله " (١٠١/٣٦٣) ، و"مسائل صالح " (٣/٧٤/١٣٧٤) ، والطحاوي في "شرح المعاني " (١/٢٥٨) ، وابن عبد البر في "الاستيعاب "، وابن الجوزي في "دفع شبه التشبيه "، والنووي في "المجموع "، وابن الوزير في " العواصم والقواصم " (١/٣٧٩- ٣٨٠) ، وغيرهم كثير وكثير ممن لا يمكن حصرهم، وفيهم بعض المبتدعة المعروفين بمعاداتهم لأهل السنة، وسُوِّد في الرد عليهم رسائل عدة، كالشيخ الصابوني؛ فإنه تابع الحافظ ابن كثير في الاحتجاج بهذا الحديث، فأورده في موضعين (١/ ٤٢١ و ٥٢٣) من "مختصره " الذي التزم أن لا يورد فيه إلا ما صح من الحديث!
أما الغلاة من المبتدعة والمتجهمة في هذا العصر؛ فقد أعلن بعضهم عن تضعيفه لهذا الحديث، وإنكاره لصحة قوله ﷺ : "أين الله؟ "، وجواب الجارية: "في السماء"! وعلى رأس هؤلاء الشيخ الكوثري ومقلِّدوه، وقد كنت رددت عليه في كتابي "مختصر العلو" (ص ٨٢) بما يغني عن إعادته هنا، وكان الرد حول حديث معاوية هذا فقط، قبل أن يتيسر لي جمع شواهده المتقدمة عن أبي هريرة، وأبي جُحَيفة، وابن عباس، ثم أوقفني بعض الإخوان على حديث خامس من رواية ابن شاهين بسنده عن عُكَّاشة الغَنَوِي في "أسد الغابة"، و"الإصابة"، وإسناده حسن.
ثم رأيت في "تلخيص ابن حجر" (٣/٢٢٣) حديثاً سادساً عن يحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب- الثقة- مرسلاً، رواه أبو أحمد العسَّال في "السنة " من طريق أسامة بن زيد، وفي الحديثين: "أين الله؟ "، قالت: "في السماء".
стр. 5281
فماذا عسى أن يقول القائل في مثل هذا المكابر الجاحد للحقائق العلمية المعترف بها عند العلماء الفطاحل كما تقدم؟! إلا أن يقرأ: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) ! وأن يذكر قوله ﷺ في حديث معاوية- ﵁ في حديث تفرّق الأمة:
"وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ": "صحيح الترغيب " (١/٩٧/٤٨) ؛ نسأل الله السلامة والعافية!
وقد جرى على سَنَنِ هذا الجاحد: الشيخُ المغربي عبد الله الغماري المعروف بعدائه الشديد- كالكوثري- للسنة وأتباعها، ويزيد عليه أنه شيخ الطريقة الدرقاوية، ويزعم أنه مجدد العصر الحاضر! فقد رَدَّ في تعليقه على "التمهيد" (٧/١٣٥) حديث مسلم، فزعم أن قوله ﷺ فيه: "أين الله؟ " وجواب الجارية عليه بقولها: "في السماء" أنه من تصرف الرواة! ضارباً صفحاً عن تصحيح أولئك الحفاظ إياه، وعن الشواهد المؤكدة لصحته، وعن إمكانية الجمع بينه وبين بعض الألفاظ التي تخالفه بزعمه، مع كونه أصح منها كما تقدم، فما أحراه هو وسلفه الكوثري وأمثالهما ممن يرد الأحاديث الصحيحة المتلقاة من الأمة بالقبول- كالغزالي المعاصر- بوعيد قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) [النساء/١٥] .
ثم زاد الجاحد إغراقاً في الضلال بعد أن اتهم رواة اللفظ الأصح بالخطأ والرواية بالمعنى؛ فقال:
"ويؤيد ذلك أن المعهود من حال النبي ﷺ الثابت عنه بالتواتر أنه كان يختبر إسلام الشخص بسؤاله عن الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام ودليله ".
стр. 5282
فأقول: هذا باطل من وجوه:
الأول: ما زعمه من التواتر مجرد دعوى لا دليل عليه، وما كان كذلك؛ وجب طرحه وعدم الاشتغال به.
الثاني: أنه يبطل زعمَه بعضُ الألفاظ التي اعتمد عليها في تخطئة اللفظ الأصح، وهو لفظ: "من ربكِ؟ " " فهذا ليس فيه الاختبار بالشهادتين كما زعم.
فإن قيل: هذا لا ينافي اللفظ المذكور!
قلنا: وكذلك لا ينافي اللفظ الأصح: "أين الله؟ "؟ كما تقدم بيانه في الخلاصة النيرة، فتذكر!
الثالث: أنه قال أخيراً:
"أما كون الله في السماء؛ فكانت عقيدة العرب في الجاهلية، وكانوا مشركين، فكيف تكون دليلاً على الإسلام؟! ".
كذا قال فُضَّ فوه! فإنه يعلم أن الجاهليين كانوا يؤمنون- مع شركهم- بتوحيد الربوبية بدليل قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) ونحوه من الآيات، وكانوا يُلبُّون به وهم يطوفون حول البيت، فيقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك! رواه مسلم (٤/٨) .
فإذا كان توحيدهم هذا حقاً، وإذا كان اعتقادهم أن الله في السماء حقاً كذلك، لمطابقته لنص القرآن، وبه أجابت الجارية التي شهد لها النبي ﷺ بالإيمان، أفيُعقل أن يقول مؤمن بالله ورسوله حقاً: لا نؤمن بأن الله في السماء لأن المشركين كانوا يعتقدون ذلك؟! إذن؛ يلزمه أن لا يؤمن بتوحيد الربوبية؛ لأن
стр. 5283
المشركين يؤمنون به!! ذلك هو الضلال البعيد.
وأصل ضلال هؤلاء المتجهمة أنهم تأثروا بالمعتزلة والجهمية الذين ضلُّوا ضلالاً مبيناً؛ بإنكارهم كثيراً من الغيبيات المتعلقة بالله تعالى وصفاته، وذلك يعود إلى أمرين:
أحدهما: ضعف إيمانهم بالله ورسوله وما جاء عنهما.
والآخر: ضعف عقولهم وقلة فهمهم للنصوص، وهذا هو المثال بين يديك: لم يؤمنوا بأن الله في السماء مع صراحة الآيات في ذلك، والتي منها قوله تعالى: (أأمِنْتُم مَنْ في السماء أنْ يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور) [الملك: ١٦] ، وصحة حديث الجارية، الذي شهد لها بالإيمان لأنها عرفت ربها في السماء، ولذلك بادروا إلى إنكار صحته، وأما الآية فعطلوا دلالتها بعقولهم المريضة، ذلك أنهم تبادر إلى أذهانهم الكليلة أن (في) هنا ظرفية، وهذا خطأ ظاهر، ففروا منه، فتأولوا (مَنْ) بالملائكة، فوقعوا في خطأ آخر، فوقف في طريقهم قوله ﷺ : "ارحموا من في الأرض؛ يرحمكم من في السماء"، فهذا صريح في أن (في) في شَطْرَيِ الحديث بمعنى (على) ، ولما رأى ذلك بعض جهلة الغماريين وأنه يبطل تأويله المذكور؛ بادر بكل صفاقة وجهل إلى القول بأنه "حديث باطل "! (١) خلافاً لكل العلماء حتى شيوخه الغماريين، كما بينته في الاستدراك المطبوع في آخر المجلد الثاني من "الصحيحة"، طبع عمّان رقم (١٢) .
стр. 5284
والمقصود أن معنى الآية المذكورة (أأمنتم من في السماء) ؛ أي: من على السماء. يعني: على العرش؛ كما قال ابن عبد البر (٧/١٢٩و١٣٠و١٣٤) وغيره؛ كالبيهقي في "الأسماء" (٣٧٧) ؛ حيثما قال: "يعني: من فوق السماء".
وهذا التفسير هو الذي لا يمكن القول إلا به؛ لمن سلّم بمعاني النصوص الكثيرة من القرآن والسنة المجمعة على إثبات العلو والفوقية لله تعالى علوّاً يليق بعظمته؛ كقوله تعالى في الملائكة: (يخافون رَبَّهُم مِنْ فوقهم) وغيرها من الآيات المعروفة، وعلى هذا أهل السنة والجماعة؛ خلافاً للمعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله في كل مكان، وليس على العرش!
كما في "التمهيد" (٧/١٢٩) .
والعجيب من أمر هؤلاء النفاة أنهم أرادوا بنفيهم تنزيه ربهم أن يكون فوق المخلوقات؛ فحصروه في داخلها، كما روي عن بشر المريسي أنه لما قال: هو في كل شيء! قيل له: وفي قَلَنْسُوتك هذه؟ قال: نعم، قيل: وفي جوف حمار؟! قال: نعم!
وهذا القول يلزم كل من يقول بأنه تعالى في كل مكان، وهو من أبطل ما قيل في رب العالمين الحكيم الحليم، ولذلك قال بعض السلف: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية!
ولوضوح بطلان هذا القول لبعض علماء الكلام؛ فرُّوا إلى القول بما هو أبطل منه، وسمعته بأذني من بعض الخطباء يوم الجمعة على المنبر:
الله ليس فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، وزاد بعض الفلاسفة: لا متصلاً به، ولا منفصلاً عنه!!
стр. 5285
وهذا هو التعطيل المطلق الذي لا يمكن لأفصح الناس أن يصف العدم بأكثر مما وصف هؤلاء ربهم، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً! ورحم الله ذلك الأمير العاقل الذي قال لما سمع هذا من بعض علماء الكلام: "هؤلاء قوم أضاعوا ربّهم "!
ولهذا؛ قال بعض العلماء:
"المجسِّم يعبد صنماً، والمعطّل يعبد عدماً، المجسم أعشى، والمعطل أعمى"!
ومن المؤسف أن العلامة ابن الجوزي- في رده على المشبهة- قد وقع منه من ذاك الكلام؛ فقال في كتابه المتقدم بعد أن تأول (الاستواء) بالاستيلاء واستشهد على ذلك ببيت الأخطل النصراني المعروف:
قد استوى بِشْرٌ على العراقِ
من غير سيف ولا دمٍ مُهْراقِ
وتفلسف في رد المعنى الصحيح وهو الاستعلاء، قال:
"ولذا؛ ينبغي أن يقال: ليس بداخل في العالم، وليس بخارج منه "!
ولم يعلق المسمى بـ (حسن السقاف) على هذا النفي الباطل؛ الذي لم يقل به إمام معروف من قبل، والذي ليس فيه ذَرَّةٌ من علم كما هو شأن النفاة، ومن عجائبه وجهالاته أنه يقلد ابن الجوزي في إنكاره على من يقول من المثبتة: "استوى على العرش بذاته "؛ فيقول ابن الجوزي (ص ١٢٧) منكراً لهذه اللفظة " بذاته ":
"وهي زيادة لم تنقل ".
فيا سبحان الله! زيادة كهذه يُراد بها دفع التعطيل تُنكر لأنها لم تنقل، وقوله المتقدم: "ليس بداخل ... "لا ينكر! اللهم إن هذه لإحدى الكُبَرِ!!
стр. 5286
وكذلك لم يعلِّق على تأويل ابن الجوزي لآية (الاستواء) بل أقرَّه، لأنه صرح (ص ١٢٣) - بعد كلام طويل له فيه كثير من التحريف والكذب لا مجال الآن لبيانه- قال:
"الاستواء عندنا هو الاستيلاء والقهر، أو تفويض معناه إلى الله ".
كذا قال! وهذا يدل على أنه لم يعرف الحق بعدُ، لتردده بين التأويل والتفويض!
ولكنني أعتقد أن ذكره التفويض هنا؛ إنما هو سياسة منه، ومراوغة وتضليل للقراء الذين قد ينكرون عليه التأويل، فإنه قال بعدُ (ص ١٢٧) :
"وأما رد الإمام أبي الحسن الأشعري تفسير الاستواء بالاستعلاء؛ فنحن لا نوافقه في ذلك أبداً، ونقول: إنه قال ذلك بسبب رَدّة فعل حصلت عنده من المعتزلة، وهم وإن لم نوافقهم في كثير من مسائلهم؛ إلا أننا هنا نوافقهم ونعتقد أنهم مصيبون في هذه المسألة"!
أي: في إنكارهم علوَّ الله على خلقه، لكن المعتزلة وأمثالهم كالإباضية يقولون بأن الله في كل مكان، وهذا مما ينكره أشدَّ الإنكار ذلك الجاهل المتعالم، ويصرِّح بتكفير من يقول به، ويعتقد أن الله موجود بلا مكان! ويعني: أنه ليس فوق العرش كما أخبر تعالى في كثير من آياته، وأخبر نبيُّه ﷺ في أحاديثه، فراجع كلامه في ذلك في "الأحاديث الضعيفة" تحت الحديث (٦٣٣٢) .
وإن من ضلال ذاك السقاف أنه يصرح بنفي ثبوت قوله ﷺ : "أين الله؟ "؟ مع قوله بأنه في " صحيح الإمام مسلم "! ثم يؤكد ذلك فيقول - فُضَّ فوه - (ص ١٠٨) :
стр. 5287
"ونحن نقطع بأن النبي ﷺ لم يقل: "أين الله؟ "، وإنما قال: "أتشهدين أن لا إله إلا الله " الذي رواه أحمد.. و.. و ... بأسانيد صحيحة".
ثم أعاد نحو هذا الكلام في مكان آخر (ص ١٨٦-١٨٧) .
وفيه أكاذيب عجيبة عديدة- تؤكد أن الرجل لا يخشى الله، ولا يستحي من عباد الله- يطول الكلام عليها جدّاً، فأوجزُ في العبارة ما استطعت:
فمن ذلك أن اللفظ الذي عزاه لأحمد- وغيره ممن أشرت إليهم بالنقط وهم ثمانية-، يوهم القراء أنهم جميعاً رووه باللفظ المذكور، وعن صحابي واحد، وهو كذب وزور، فإنما رووه بأكثر من لفظ وعن أكثر من صحابي، فبعضهم رواه: عن أنصاري- وهو الذي أعله البيهقي بالإرسال كما تقدم-، وبعضهم: عن الشريد- وسنده حَسن على الخلاف في إسناده كما تقدم، ثم هو بلفظ: "من ربك؟ "، خلافاً للفظ المذكور! -، وبعضهم عن ابن عباس- وفيه ابن أبي ليلى-.
فأين الأسانيد الصحيحة التي ادعاها كذباً ومَيْناً؟! على أنه سرعان ما كذَّب نفسه بنفسه في المكان الآخر المشار إليه؛ فإنه قال- عقب بعض المصادر المشار إليها بالنقط-:
".. والطبراني (١٢/٢٧) بسند صحيح.. "، ثم ذكر مصدرين آخرين تمام
الثمانية.
قلت: وهذا كذب أيضاً لما عرفت، وبخاصة إذا أرجعنا الضمير إلى أقرب مذكور- وهو الطبراني- فإن فيه ابن أبي ليلى كما عرفت!
ومن تدجيله- زيادة على ما تقدم- أنه تعمد أن لا يضيف إلى تلك المصادر
أبا داود، وابن خزيمة مطلقاً، ولا إلى المجلد السابع من "سنن البيهقي "؛ لأن
стр. 5288
الحديث عندهم باللفظ الذي قطع بتكذيبه، عامله الله بما يستحق!!
ولو أن طالب علم عكس عليه قطعه المأفون، فجزم ببطلان اللفظ الذي زعم صحته؛ لكان قاهراً عليه؛ لأن معه بعض الروايات التي فيها. "أين الله " من طرق أكثر وأصح من لفظه، فكيف ومعه حديث معاوية بن الحكم- ﵁ وقد صححه جمع غفير من المحدثين قديماً وحديثاً كما تقدم؟! ولكننا لا نرى تعارضاً حتى نلجأ إلى الترجيح كما سبق، وإلى هذا جنح العلامة ابن قيّم الجوزية- ﵀ في "إعلام الموقعين " (٣/ ٥٢١- كردي) ؛ فقد ذكر روايتين مما تقدم: "من ربك؟ "، و"أين الله "، ثم قال:
"وسأل ﵌: "أين الله؟ "، فأجاب من سأله بأن الله في السماء، فرضي جوابه وعلم به أنه حقيقة الإيمان بربه، ولم ينكر هذا السؤال عليه، وعند الجهمي أن السؤال بـ "أين الله؟ " كالسؤال بـ: ما لونه، وما طعمه، وما جنسه، وما أصله؟ ونحو ذلك من الأسئلة المحالة الباطلة! ".
ولقد صدق- ﵀ وأصاب كبد الحقيقة، فأنت ترى هذا (السخاف) كيف يصر على التكذيب بهذا الحديث الصحيح الذي صححه أئمة المسلمين كما تقدم بيانه، ثم لا يكتفي بذلك، فيتهمهم بالتجسيم! فيقول- فُضَّ فوه- (ص ١٨٧) :
"ومن الغريب العجيب: أننا نرى المجسمة يرددون هذا اللفظ: "أين الله؟ " على ألسنتهم دائماً، ولا يدركون (!) أن هذا تصرف رواة، وحكاية لكلام النبي ﷺ بالمعنى المخطئ، وخصوصاً بعد ثبوت هذا الحديث عند غير مسلم بلفظ: "أتشهدين أن لا إله إلا الله.. " مخالفة تامة، أو على الأقل مخالفة لا تفيد معنى: أين الله؟ ".
ثم أكد جَزْمَهُ بأن النبي ﷺ لم يقل هذه الكلمة التي صحت عند الأئمة، وما ذاك إلا لأنها قاصمة ظهر المبتدعة الجهمية، ولست أدري- والله- ماذا أقول في
стр. 5289
هذا الرجل المكابر الجاحد؟! إلا أن أنذره بقوله تعالى:
(ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين
نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) . *
٣١٦٢ - (أَعطاني ﷺ شَيئاً من تمر، فجعلتُه في مِكْتَلِ لنا، فعلّقناه
في سَقْفِ البيتِ، فلمْ نَزَل نأكلُ منه؛ حتَّى كانَ آخرُهُ أصابَهُ أهلُ الشام حيثُ أغارُوا على المدينةِ) .
أخرجه أحمد في "المسند" (٢/٣٢٤) : ثنا أبو عامر: ثنا إسماعيل- يعني:
ابن مسلم- عن أبي المتوكل عن أبي هريرة قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وأبو عامر هو عبد الملك بن عمرو القيسي العَقَدي.
وأبو المتوكل: اسمه علي بن داود الناجي، ثقة اتفاقاً، وقد احتج به الشيخان وغيرهما، وقد ذكروا له رواية عن جمع من الصحابة غير أبي هريرة المتوفى سنة (٥٩) ؛ مثل عائشة- ﵂، وقد توفيت قبله بسنتين، فضلاً عن غيرهما ممن تأخرت وفاته مثل ابن عباس وجابر وأم سلمة- ﵃ أجمعين -، وروى له الترمذي حديثاً عن عائشة بلفظ:
"قام النبي ﷺ بآية من القرآن "
ثم قال (٢/١٠٠/٤٤٨) :
"حديث حسن غريب من هذا الوجه ".
وهذا يعني- في اصطلاحه- أنه قوي لذاته، كما لا يخفى على العارفين بكتابه، كما روى له النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٥٣١- ٥٣٢) حديثاً آخر
стр. 5290
من طريق إسماعيل بن مسلم هذا- وهو العبدي البصري- عنه عن أبي هريرة بحديث الجني الذي كان يسرق من تمر الصدقة، فأمسك به أبو هريرة ليأخذه إلى النبي ﷺ ...... الحديث، وفيه: أن الجني قال له: خلِّ عني أعلمك كلمات إذا قلتهن لم يقربك الجن..... آية الكرسي، اقرأها كل صباح ومساء..... الحديث، وفيه: قال أبو هريرة: فخلَّيت عنه، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال:
"أو ما علمت أنه كذلك؟ ".
وقد علقه البخاري من طريق أخرى عن أبي هريرة بأتم منه، وفي آخره أن النبي ﷺ قال له:
"صدقك وهو كذوب " " وهو في "مختصري لصحيح البخاري " (ج ٢/١٠٦/
٣٦٣) وقد طبع- والحمد لله-، ووصله النسائي وابن خزيمة في "صحيحه " (٢٤٢٤) وغيرهما، وقد خرجه مع شواهده الكثيرة الأخ الفاضل الشيخ محمد بن رزق بن طرهوني في كتابه القيم "موسوعة فضائل سور وآيات القرآن " (١/١٥٢- ١٦٧) ، وانتهى بطبيعة الحال إلى الجزم بصحته جزاه الله خيراً، وهو الذي لا يمكن لحديثيٍّ أن يخالف فيه، خلافاً لأهل الجهل والأهواء، مثل المسمى بـ "حسان عبد المنان " الذي زعم أنه حقق "رياض الصالحين " للإمام النووي- ﵀، واستخرج منه (١٢٩) حديثاً جمعها في آخر الكتاب تحت عنوان:
"ذكر الأحاديث الضعيفة المحذوفة من أصل الكتاب "! أعْمَلَ فيها مِعْوَلَ الهدم والطعن في كثير من الأحاديث الصحيحة، متفاخراً بذلك على من سبقه من المحققين للكتاب! حيث بلغ عددها عنده ضعفي عددها عندهم، ومنهم شيخه شعيب الأرنؤوط، الذي نسب إليه أنه وافقه على أكثر من (٩٠) حديثاً! وأن ذلك من فضل شيخه لرجوعه إلى الحق! ويعقِّب على تلك الأحاديث بقوله: