← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

وكذلك لم يعلِّق على تأويل ابن الجوزي لآية (الاستواء) بل أقرَّه، لأنه صرح (ص ١٢٣) - بعد كلام طويل له فيه كثير من التحريف والكذب لا مجال الآن لبيانه- قال: "الاستواء عندنا هو الاستيلاء والقهر، أو تفويض معناه إلى الله ". كذا قال! وهذا يدل على أنه لم يعرف الحق بعدُ، لتردده بين التأويل والتفويض! ولكنني أعتقد أن ذكره التفويض هنا؛ إنما هو سياسة منه، ومراوغة وتضليل للقراء الذين قد ينكرون عليه التأويل، فإنه قال بعدُ (ص ١٢٧) : "وأما رد الإمام أبي الحسن الأشعري تفسير الاستواء بالاستعلاء؛ فنحن لا نوافقه في ذلك أبداً، ونقول: إنه قال ذلك بسبب رَدّة فعل حصلت عنده من المعتزلة، وهم وإن لم نوافقهم في كثير من مسائلهم؛ إلا أننا هنا نوافقهم ونعتقد أنهم مصيبون في هذه المسألة"! أي: في إنكارهم علوَّ الله على خلقه، لكن المعتزلة وأمثالهم كالإباضية يقولون بأن الله في كل مكان، وهذا مما ينكره أشدَّ الإنكار ذلك الجاهل المتعالم، ويصرِّح بتكفير من يقول به، ويعتقد أن الله موجود بلا مكان! ويعني: أنه ليس فوق العرش كما أخبر تعالى في كثير من آياته، وأخبر نبيُّه ﷺ في أحاديثه، فراجع كلامه في ذلك في "الأحاديث الضعيفة" تحت الحديث (٦٣٣٢) . وإن من ضلال ذاك السقاف أنه يصرح بنفي ثبوت قوله ﷺ : "أين الله؟ "؟ مع قوله بأنه في " صحيح الإمام مسلم "! ثم يؤكد ذلك فيقول - فُضَّ فوه - (ص ١٠٨) :

стр. 5287

"ونحن نقطع بأن النبي ﷺ لم يقل: "أين الله؟ "، وإنما قال: "أتشهدين أن لا إله إلا الله " الذي رواه أحمد.. و.. و ... بأسانيد صحيحة". ثم أعاد نحو هذا الكلام في مكان آخر (ص ١٨٦-١٨٧) . وفيه أكاذيب عجيبة عديدة- تؤكد أن الرجل لا يخشى الله، ولا يستحي من عباد الله- يطول الكلام عليها جدّاً، فأوجزُ في العبارة ما استطعت: فمن ذلك أن اللفظ الذي عزاه لأحمد- وغيره ممن أشرت إليهم بالنقط وهم ثمانية-، يوهم القراء أنهم جميعاً رووه باللفظ المذكور، وعن صحابي واحد، وهو كذب وزور، فإنما رووه بأكثر من لفظ وعن أكثر من صحابي، فبعضهم رواه: عن أنصاري- وهو الذي أعله البيهقي بالإرسال كما تقدم-، وبعضهم: عن الشريد- وسنده حَسن على الخلاف في إسناده كما تقدم، ثم هو بلفظ: "من ربك؟ "، خلافاً للفظ المذكور! -، وبعضهم عن ابن عباس- وفيه ابن أبي ليلى-. فأين الأسانيد الصحيحة التي ادعاها كذباً ومَيْناً؟! على أنه سرعان ما كذَّب نفسه بنفسه في المكان الآخر المشار إليه؛ فإنه قال- عقب بعض المصادر المشار إليها بالنقط-: ".. والطبراني (١٢/٢٧) بسند صحيح.. "، ثم ذكر مصدرين آخرين تمام الثمانية. قلت: وهذا كذب أيضاً لما عرفت، وبخاصة إذا أرجعنا الضمير إلى أقرب مذكور- وهو الطبراني- فإن فيه ابن أبي ليلى كما عرفت! ومن تدجيله- زيادة على ما تقدم- أنه تعمد أن لا يضيف إلى تلك المصادر أبا داود، وابن خزيمة مطلقاً، ولا إلى المجلد السابع من "سنن البيهقي "؛ لأن

стр. 5288

الحديث عندهم باللفظ الذي قطع بتكذيبه، عامله الله بما يستحق!! ولو أن طالب علم عكس عليه قطعه المأفون، فجزم ببطلان اللفظ الذي زعم صحته؛ لكان قاهراً عليه؛ لأن معه بعض الروايات التي فيها. "أين الله " من طرق أكثر وأصح من لفظه، فكيف ومعه حديث معاوية بن الحكم- ﵁ وقد صححه جمع غفير من المحدثين قديماً وحديثاً كما تقدم؟! ولكننا لا نرى تعارضاً حتى نلجأ إلى الترجيح كما سبق، وإلى هذا جنح العلامة ابن قيّم الجوزية- ﵀ في "إعلام الموقعين " (٣/ ٥٢١- كردي) ؛ فقد ذكر روايتين مما تقدم: "من ربك؟ "، و"أين الله "، ثم قال: "وسأل ﵌: "أين الله؟ "، فأجاب من سأله بأن الله في السماء، فرضي جوابه وعلم به أنه حقيقة الإيمان بربه، ولم ينكر هذا السؤال عليه، وعند الجهمي أن السؤال بـ "أين الله؟ " كالسؤال بـ: ما لونه، وما طعمه، وما جنسه، وما أصله؟ ونحو ذلك من الأسئلة المحالة الباطلة! ". ولقد صدق- ﵀ وأصاب كبد الحقيقة، فأنت ترى هذا (السخاف) كيف يصر على التكذيب بهذا الحديث الصحيح الذي صححه أئمة المسلمين كما تقدم بيانه، ثم لا يكتفي بذلك، فيتهمهم بالتجسيم! فيقول- فُضَّ فوه- (ص ١٨٧) : "ومن الغريب العجيب: أننا نرى المجسمة يرددون هذا اللفظ: "أين الله؟ " على ألسنتهم دائماً، ولا يدركون (!) أن هذا تصرف رواة، وحكاية لكلام النبي ﷺ بالمعنى المخطئ، وخصوصاً بعد ثبوت هذا الحديث عند غير مسلم بلفظ: "أتشهدين أن لا إله إلا الله.. " مخالفة تامة، أو على الأقل مخالفة لا تفيد معنى: أين الله؟ ". ثم أكد جَزْمَهُ بأن النبي ﷺ لم يقل هذه الكلمة التي صحت عند الأئمة، وما ذاك إلا لأنها قاصمة ظهر المبتدعة الجهمية، ولست أدري- والله- ماذا أقول في

стр. 5289

هذا الرجل المكابر الجاحد؟! إلا أن أنذره بقوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) . * ٣١٦٢ - (أَعطاني ﷺ شَيئاً من تمر، فجعلتُه في مِكْتَلِ لنا، فعلّقناه في سَقْفِ البيتِ، فلمْ نَزَل نأكلُ منه؛ حتَّى كانَ آخرُهُ أصابَهُ أهلُ الشام حيثُ أغارُوا على المدينةِ) . أخرجه أحمد في "المسند" (٢/٣٢٤) : ثنا أبو عامر: ثنا إسماعيل- يعني: ابن مسلم- عن أبي المتوكل عن أبي هريرة قال: ... فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وأبو عامر هو عبد الملك بن عمرو القيسي العَقَدي. وأبو المتوكل: اسمه علي بن داود الناجي، ثقة اتفاقاً، وقد احتج به الشيخان وغيرهما، وقد ذكروا له رواية عن جمع من الصحابة غير أبي هريرة المتوفى سنة (٥٩) ؛ مثل عائشة- ﵂، وقد توفيت قبله بسنتين، فضلاً عن غيرهما ممن تأخرت وفاته مثل ابن عباس وجابر وأم سلمة- ﵃ أجمعين -، وروى له الترمذي حديثاً عن عائشة بلفظ: "قام النبي ﷺ بآية من القرآن " ثم قال (٢/١٠٠/٤٤٨) : "حديث حسن غريب من هذا الوجه ". وهذا يعني- في اصطلاحه- أنه قوي لذاته، كما لا يخفى على العارفين بكتابه، كما روى له النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٥٣١- ٥٣٢) حديثاً آخر

стр. 5290

من طريق إسماعيل بن مسلم هذا- وهو العبدي البصري- عنه عن أبي هريرة بحديث الجني الذي كان يسرق من تمر الصدقة، فأمسك به أبو هريرة ليأخذه إلى النبي ﷺ ...... الحديث، وفيه: أن الجني قال له: خلِّ عني أعلمك كلمات إذا قلتهن لم يقربك الجن..... آية الكرسي، اقرأها كل صباح ومساء..... الحديث، وفيه: قال أبو هريرة: فخلَّيت عنه، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "أو ما علمت أنه كذلك؟ ". وقد علقه البخاري من طريق أخرى عن أبي هريرة بأتم منه، وفي آخره أن النبي ﷺ قال له: "صدقك وهو كذوب " " وهو في "مختصري لصحيح البخاري " (ج ٢/١٠٦/ ٣٦٣) وقد طبع- والحمد لله-، ووصله النسائي وابن خزيمة في "صحيحه " (٢٤٢٤) وغيرهما، وقد خرجه مع شواهده الكثيرة الأخ الفاضل الشيخ محمد بن رزق بن طرهوني في كتابه القيم "موسوعة فضائل سور وآيات القرآن " (١/١٥٢- ١٦٧) ، وانتهى بطبيعة الحال إلى الجزم بصحته جزاه الله خيراً، وهو الذي لا يمكن لحديثيٍّ أن يخالف فيه، خلافاً لأهل الجهل والأهواء، مثل المسمى بـ "حسان عبد المنان " الذي زعم أنه حقق "رياض الصالحين " للإمام النووي- ﵀، واستخرج منه (١٢٩) حديثاً جمعها في آخر الكتاب تحت عنوان: "ذكر الأحاديث الضعيفة المحذوفة من أصل الكتاب "! أعْمَلَ فيها مِعْوَلَ الهدم والطعن في كثير من الأحاديث الصحيحة، متفاخراً بذلك على من سبقه من المحققين للكتاب! حيث بلغ عددها عنده ضعفي عددها عندهم، ومنهم شيخه شعيب الأرنؤوط، الذي نسب إليه أنه وافقه على أكثر من (٩٠) حديثاً! وأن ذلك من فضل شيخه لرجوعه إلى الحق! ويعقِّب على تلك الأحاديث بقوله:

стр. 5291

"وافقني على تضعيفه الشيخ شعيب الأرنؤوط "! ولم يقل- في أي حديث من تلك الأحاديث التي كنت ضعفتها من قبل شيخه (١) ، بل واستفاد هذا مني (كهذا التلميذ) تضعيفها كما يعلم هو ذلك جيداً-: وافقني الشيخ الألباني، بل وافقت الشيخ الألباني على تضعيفه!! وبخاصة في مثل حديث ابن عباس رقم (٣٠) عنده؛ فإنه خالف فيه جادَّته، فقال عقبه (ص ٥٢٠) : "قال الشيخ شعيب: حسن لغيره "! قال هذا في شيخه، وهو يعلم أنني جزمت بضعفه في التعليق على "الرياض" (رقم ٥٨٨) ، وأن فيه زيادة منكرة كما بينته في " أحكام الجنائز" (ص ١٩٧) ، فلماذا لم يقل: وافقت الشيخ الألباني على تضعيفه؟ ا الجواب عند القراء الأذكياء! وبإمكانهم أن يستعينوا عليه بأن يتأملوا قوله في حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة في فضل التهليل؛ وفيه: "من قالها في مرضه ثم مات؛ لم تَطْعَمْهُ النار"، قال (ص ٥٣١) : "ويرى الشيخ الألباني في "صحيحته " (١٣٩٠) أنه في حكم المرفوع، ولا أراه. وافقني على تضعيف المرفوع الشيخ شعيب "! فتأملوا في قوله: "ولا أراه " يتبين لكم الجواب، ألا وهو ما يشار إليه في بعض البلاد: "خَالِفْ تُعْرَفْ ".

стр. 5292

ثم إنه في قوله المذكور في شعيب تلبيساً أو تدليساً خبيثاً، لا أدري إذا كان الشيخ شعيب تنبه له أم لا؟ لأنه قد وافقني- ولا أقول: قلَّدني كما هو شأنه في كثير من أحكامه، كما يعلم ذلك تلميذه البار! -، وافقني على أن الحديث في حكم المرفوع في تعليقه على ".. صحيح ابن حبان " (٣/١٣٢) ، وتلميذه على علم بذلك، فلماذا كتم هذه الموافقة؟! وهي حق؛ لأننا قلنا هناك في "الصحيحة": "وكونه موقوفاً لا يضره؛ لأنه لا يقال بمجرد الرأي كما هو ظاهر، ويؤيده أن أبا إسحاق قد توبع على رفعه.. " ثم سقت إسناده، وبينت أنه جيد، ووافقني شعيب عليه أيضاً. فلا أدري هل رجع الشيخ شعيب عن تعليقه المتضمن الموافقة على الأمرين المذكورين، أم أن المعلق على "الرياض " غير صادق فيما نسب إليه؟! وكيف ما كان الأمر، فالسؤال الذي يطرح نفسه- كما يقال اليوم- هو: إن أي جاهل مهما كان عريقاً في الجهل، يستطيع أن يعارض العالم في رأيه، ولو كان علامة زمانه بل الأزمنة كلها، فيقول كما قال المذكر: "هذا رأيه، ولا أراه "! على حد قول بعض الجهلة في رأي بعض الصحابة والمجتهدين: "أولئك رجال، ونحن رجال "! فأقول لهذا المتعالم: لقد عرفت حجتنا من "الصحيحة" في أن الحديث في حكم المرفوع، وهي أنه: "لا يقال بمجرد الرأي "، فلماذا لم تقابل الحجة بالحجة، بل لجأت إلى ردها بمجرد الدعوى التي لا يعجز عنها أجهل الجهلة؛ فقلت أنت: "ولا أراه "؟! وهل

стр. 5293

يعقل عاقل مسلم أن يقول مسلم- فضلاً عن صحابيين جليلين: أبي سعيد وأبي هريرة- في فضل التهليل الذي روياه: إن من قال ذلك في مرضه ثم مات لم تطعمه النار؟! وكذلك قوله عن ربه: "صدّقه ربه "، وقوله: "لا إله إلا أنا" يقول ذلك كله برأيه، دون توقيف من الشارع الحكيم؟! تالله إنها لاحدى الكبر، أن ينسب ذلك مسلم للصحابيين الجليلين، أليس هذا كله مما يدل على أن هذا المعلق يصدق عليه المثل المعروف: (تزبَّب قبل أن يتحصرم) ؟! بلى والله! وإن مما يؤكد ذلك: إعلاله لحديث الترجمة وحديث فضل آية الكرسي- اللذين رواهما أبو المتوكل عن أبي هريرة- بالانقطاع الذي لم يقله غيره، فقال (ص ٥٣٥- ٥٣٦) : "وأرى أن هذه الرواية مرسلة، أرسلها أبو المتوكل ولم يسمعها من أبي هريرة، كما أوضحت ذلك رواية ابن مردويه كما في "تفسير ابن كثير" (١/٣٠٦) ، ثم إني لم أجد رواية واحدة لأبي المتوكل عن أبي هريرة، صرح فيها بالتحديث منه، ولم أجد له في الكتب الستة و"مسند أحمد" غير هذه الرواية، وأخرى عند أحمد (٢/٣٢٤) فيها نكارة"! فأقول- والله المستعان على مدَّعي العلم في هذا الزمان-: أولاً: قوله: "وأرى أن الرواية مرسلة ... " (١) ، فأقول: "ليس هذا عُشُّكِ فادْرُجي "! فإنك لن تستطيع أنت ولا غيرك أن يثبت عدم سماع التابعي من

стр. 5294

صحابي، أثبت العلماء الذين إليهم المرجع في معرفة ذلك روايته عن بعضهم، دون أن يشيروا أدنى إشارة إلى عدم السماع، كما هي عادتهم فيمن يترجمون له، وقد قدمت في أول هذا التخريج تصحيح الترمذي لحديث أبي المتوكل عن عائشة تصحيحاً ذاتيّاً، وهي قد توفيت قبل أبي هريرة كما تقدم، وهذا يعني أنه أدركها وأنه لا انقطاع بينه وبينها، فكذلك القول في روايته عن أبي هريرة كما لا يخفى على أهل العلم؛ لأنه من المقرر عندهم أن المعاصرة تكفي لإثبات الاتصال كما هو مقرر في علم المصطلح. وإن مما يؤكد ذلك: أن الحافظ العلائي لما أورد أبا المتوكل هذا في كتابه ".. أحكام المراسيل " لم يزد على قوله (٢٩٤/٤٥٠) : "قال أبو حاتم: لم يسمع من عمر- ﵁ شيئاً ". وهذا معناه: أنه سمع من الصحابة الآخرين الذين سبقت الإشارة إليهم، كما هو ظاهر، ومنهم أبو هريرة- ﵁. ثانياً: قوله: "كما أوضحت ذلك رواية ابن مردويه كما في "تفسير ابن كثير" ... ". فأقول: فيه تدليس خبيث؛ لأنه ليس في "تفسير ابن كثير" التوضيح المذكور، بل فيه عكس ما أوهم القراء بتدليسه؛ فإنه ساق رواية ابن مردويه بسنده عن أبي المتوكل: أن أبا هريرة كان معه مفتاح بيت الصدقة ... وهذا ظاهره الإرسال الذي ادعاه، لكن الحافظ ابن كثير دفعه بأن عقَّب عليه برواية النسائي المتصلة؛ كهذا الحديث- حديث الترجمة- من طريق إسماعيل بن مسلم عن أبي المتوكل عن أبي هريرة، وقال عقبه:

стр. 5295

"وقد تقدم لأبي بن كعب كائنة مثل هذه أيضاً، فهذه ثلاث وقائع ". قلت: ففي تعقيب ابن كثير هذا إشارة إلى تقويته لرواية النسائي؛ لاتصالها، ووجه ذلك في علم المصطلح؛ أنه إذا اختلف ثقتان في إسناد حديث ما، فأرسله أحدهما، وأسنده الآخر؛ فالراجح رواية من أسند، وذلك؛ لأن معه زيادة، وزيادة الثقة مقبولة، وهذا هو الواقع هنا في حديث النسائي ورواية ابن مردويه؛ فإنه عند الأول من حديث شعيب بن حرب، وعند الآخر من حديث مسلم بن إبراهيم، وكلاهما ثقة؛ لكن كتاب النسائي مخدوم ومعتنى بروايته، ولا نعلم مثله في كتاب ابن مردويه، والله سبحانه أعلم. ثالثاً: قوله: "ثم إني لم أجد ... " إلخ. فأقوله: وماذا وراء هذه الدعوى؟! هل أنت من حفاظ الحديث، وأنت فيه ابن اليوم؛ كما يقال في بعض البلاد، وكما تدل عليه أخطاؤك الكثيرة في تعليقك على "الرياض "، وهذا بعضها، والحبل جرار كما يقال، وتقدمت بعض الأمثلة الأخرى، فانظر "الصحيحة" (رقم ٩٤٤) ومقدمة المجلد الثاني من الطبعة الجديدة، ورقم (٣٠٠٧) ! * ٣١٦٣ - (كانَ إذا خرجَ من بيته قال: بسم الله، توكلتُ على الله، اللهمَّ! إنَّا نعوذُ بكَ أن نَزِلَّ (وفي رواية: أَزلَّ، أو أُزِلَّ..... بالإفراد في الأفعال كلها) ، أو نَضِلَّ، أو نَظلِمَ أو نُظْلمَ، أو نجهلَ أو يُجْهلَ علينا) . هو من حديث أم سلمة- رضي الله تعالى عنها-: رواه عنها الشعبي، وعنه

стр. 5296

منصور- وهو ابن المعتمر- وعنه جمع غفير من الثقات، فهو عنه متواتر، وإليك البيان: الأول: سفيان الثوري- وهو أحفظهم-: أخرجه الترمذي (٩/١٢٦/٣٤٢٣) ، والنسائي في "السنن " (٢/٣٢٢) ، و"عمل اليوم والليلة " (١٧٦/٨٧) ، وكذا ابن السني (٧٢ ١) ، والحاكم (١/٥١٩) ، وابن أبي شيبة في "المصنف " (١٠/٢١١/٩٢٥٠) ، وأحمد (٦/٣٠٦) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٣/٣٢٠/٧٢٧) وفي "الدعاء" (٢/٩٨٦/٤١١) من طرق عنه، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح ". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وربما توهم متوهم أن الشعبي لم يسمع من أم سلمة، وليس كذلك؛ فإنه دخل على عائشة وأم سلمة جميعاً؛ ثم أكثر الرواية عنهما جميعاً ". كذا قال! وتعقبه الحافظ في "نتائج الأفكار" فقال عقبه (١/١٥٩) : "وقد خالف ذلك في "علوم الحديث " له، فقال: لم يسمع الشعبي من عائشة". قلت: هكذا قال الحاكم في "العلوم " (ص ١١١) ، ولكن مما لا ريب فيه أن إثبات الحاكم مقدَّم على نفيه، ولا سيّما أن ما نفاه خاص بعائشة، وحديثه هنا عن أم سلمة، وقد تأخرت وفاتها عن وفاة عائشة خمس سنوات، فقد توفيت أم

стр. 5297

سلمة سنة (٦٢) على الأصح، وولد الشعبي في حدود سنة عشرين، فقد عاصرها وأدرك عمراً طيباً من حياتها، وقول الحافظ عقب ما تقدم: "وقال علي بن المديني في كتاب "العلل ": لم يسمع الشعبي من أم سلمة، وعلى هذا فالحديث منقطع ": أظنه قائماً على اشتراط ثبوت اللقاء الذي يقول به البخاري في " صحيحه " في ثبوت الاتصال، ولعله تلقى ذلك من شيخه ابن المديني، والجمهور يكتفون بثبوت المعاصرة، وهذا متحقق هنا كما تقدم، يضاف إلى ذلك ما جاء في ترجمة الشعبي: "أنه سمع من ثمانية وأربعين من الصحابة، وهو أكبر من أبي إسحاق بسنتين، وأبو إسحاق أكبر من عبد الملك بسنتين، ولا يكاد الشعبي يرسل إلا صحيحاً ".! ذكره الحافظ في "التهذيب "، نقلاً عن العجلي، وأقره. فلعله- أعني: الحافظ- من أجل هذا صدّر تخريجه للحديث بقوله: "حديث حسن ". وإلا؛ فحقه أن يقول- بناءً على حكمه بالانقطاع-: "حديث ضعيف "! والله أعلم. الثاني: شعبة بن الحجاج، قال الطيالسي في "مسنده " (٢٢٤/١٦٠٧) : حدثنا شعبة به. ومن طريقه: أخرجه أبو داود (٥/٣٢٧/٥٠٩٤) ، والنسائي في "عمل اليوم والليلة " (رقم ٨٦) ، وأحمد (٦/٣٢١- ٣٢٢) ، والطبراني في "معجمه" (رقم٧٢٦)

стр. 5298

وفي "الدعاء" (رقم ٤١٢) من طرق عنه، وليس عندهم قوله: "بسم الله، توكلت على الله "، إلا أحمد؛ فعنده: "بسم الله " فقط، وزاد أبو داود والطبراني في أوله ما لفظه: ما خرج من بيته قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: "اللهم إني أعوذ بك أن أضل، أو أزل أو أزل ... " الحديث إلخ، هكذا بصيغة الإفراد. أخرجه المذكوران من طريق مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وهو ثقة، لكن تفرُّده بجملة رفع الطرف إلى السماء دون الطرق الأخرى عن شعبة يلقي في النفس عدم الاطمئنان لثبوتها، ولا سيما أنها لم ترد في الطرق الأخرى الآتية عن منصور، إلا في بعض الطرق عن الفضيل بن عياض- وهو (الخامس) - وفيه ما سيأتي. الثالث: جرير- وهو ابن عبد الحميد- عن منصور به، وزاد التسمية فقط: أخرجه النسائي، والبيهقي في "السنن " (٥/٢٥١) . الرابع: عبيدة بن حميد عنه: أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (١٠/ ٢١١/٩٢٤٩) ، وعنه ابن ماجه (٢/١٢٧٨/٣٨٨٤) ، وكذا الطبراني (رقم ٧٣٢) كلاهما عنه قال: حدثنا عبيدة بن حميد به؛ بلفظ الإفراد في جميع الأفعال. الخامس: فُضَيل بن عِيَاض؛ قال الحميدي في "مسنده " (١٤٥/٣٠٣) : ثنا فضيل بن عياض عن منصوربه كالذي قبله. وأخرجه الطبراني في "الدعاء"، وأبو نعيم في "الحلية " (٨/١٢٥) من طرق أخرى عن الفضيل به، إلا أن الطبراني زاد الزيادة المتقدمة التي عند أبي داود والطبراني في حديث شعبة (الثاني) ، لكنه من طريق محمد بن زياد الزيادي وأحمد بن يونس قالا: ثنا الفضيل بن عياض به، وقال: "صباحاً" مكان "قط "!

стр. 5299

قلت: وأحمد بن يونس: هو ابن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي، ثقة حافظ من رجال الشيخين، لكن قرينه محمد بن زياد الزيادي فيه ضعف، استشهد به البخاري، وذكره ابن حبان في " الثقات "، وقال ابن منده: "ضعيف ". قلت: فمن المحتمل أن تكون هذه الزيادة منه: من مفاريده لم يشاركه عليها أحمد بن يونس، ويكون الطبراني عطف روايته على رواية الزيادي لمشاركته إياه في أصل الرواية وليس في الزيادة أيضاً؛ والسند إليهما صحيح؛ فقد قال (رقم ٤١٣) : حدثنا زكريا بن يحيى الساجي: ثنا محمد بن زياد الزيادي. ح وحدثنا أبو حصين القاضي: ثنا أحمد بن يونس قالا: ثنا الفضيل بن عياض به. وأبو حصين القاضي: هو عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي وهو يروي عن أبيه- كما هنا- وعبثر بن القاسم، وساق له الحافظ المزي عن أبيه بسند له آخر عن أبي ذر حديثاً آخر، وقال: "ولا نعرف له عن أبيه، ولا عن غير أبي زبيد حديثاً غير هذا، وقد وقع لنا بعلو عنه "! قلت: فيستدرك عليه هذا، وهو ثقة كما قال النسائي والحضرمي، ويحيى بن زكريا الساجي حافظ ثقة مشهور. فهذا كله يحملني على أن أعصب الوهم في تلك الزيادة بـ (الزيادي) ، ولا سيما وقد خالف الطريق المتقدمة عن شعبة بلفظ: "قط "، فقال الزيادي: "صباحاً" كما تقدم، ولا يخفى الفرق بينهما على أحد إن شاء الله تعالى. وإن افترضنا أنه تابعه عليه أحمد بن يونس، فنقول حينئذٍ ما قلناه في رواية الفراهيدي عن شعبة: إنها شاذة؛ لمخالفته لرواية الحميدي عن الفضيل، ومتابعة

стр. 5300

القواريري عنه في "الحلية " أولاً، ولرواية الجماعة عن منصور ثانياً. السادس: إدريس الأودي عن منصور نحوه. أخرجه الطبراني (برقم ٧٢٨) وفي "الدعاء" (٤١٥) قال: حدثنا محمد بن عمرو ابن خالد الحرَّاني. ثنا أبي عن موسى بن أعين عنه به، لكن من قوله ﷺ بلفظ: "إذا خرجت من منزلك، فقل ... "، فذكر الدعاء بالإفراد. قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير محمد بن عمرو بن خالد الحراني، شيخ الطبراني، فلم أجد له ترجمة، فلعله هو الذي قلب هذا الدعاء فجعله من أمره ﷺ ، خلافاً لكل من رواه عن منصور ممن تقدم ذكره ويأتي، حيث جعلوه من فعله ﷺ ، وهو الصواب. ولعله اختلط عليه بحديث آخر في الباب عن أنس نحوه، وهو حديث صحيح، كما في "الكلم الطيب " (٤٩/٥٨) ، وحسنه الحافظ في "النتائج " (١/١٦٣) ، وفيه قوله: "بسم الله توكلت على الله ". ثم رأيتُ في "السير" (١٠/٤٢٨) واصفاً إياه في ترجمة أبيه بـ "الإمام ". السابع: مِسْعَرُ بْنُ كِدَام عن منصور به كرواية الجماعة بلفظ الإفراد، كما في حديث (الرابع) ، وزاد: " أو أُزَلَّ ". أخرجه الطبراني في "الدعاء" (٧٣١) ، وفي "الكبير" أيضاً (٤١٦) ولكنه لم يسق لفظه، ووقع فيه: "معمر" مكان: "مسعر بن كدام "! وهو خطأ من الناسخ أو الطابع. الثامن: القاسم بن معن عنه مثل الذي قبله، دون الزيادة. أخرجه الطبراني في "الدعاء" (٤١٤) : حدثنا سليمان بن المُعَافَى بن سليمان: حدثني أبي: ثنا القاسم بن معن.

стр. 5301

قلت: ورجاله ثقات؛ غير سليمان بن المعافى، قال الذهبي: "قال ابن عدي: لم يسمع من أبيه شيئاً، فحملوه على أن روى عنه ". قلت: فعلى هذا تكون روايته عن أبيه وجادة. وأقول: لم يذكر هو ولا الحافظ في "اللسان " غير هذا، ويبدو لي أنه من شيوخ الطبراني المقلِّين؛ فإنه لم يرو عنه في "المعجم الأوسط " سوى ثلاثة أحاديث (٣٧٩٠- ٣٧٩٢) ، وروى له في "الصغير" (٤٢٠ - الروض) رابعاً، وهذا هو الخامس. التاسع: أبو الأحوص عن منصور به نحوه، وفيه التسمية. أخرجه الخطيب في "التاريخ " (١١/ ١٤١) . ولعل من المفيد- بعد هذا التخريج المبسط والتحقيق- أن نلخص فوائده فيما يأتي: الأولى: أن الحديث صحيح عن أم سلمة- ﵂، وأن ما أُعِلَّ به من الانقطاع لا يقدح في صحته، ولا سيما وقد صححه الترمذي والحاكم والذهبي، وحسنه الحافظ، ثم رأيت النووي قد صححه أيضاً في "الأذكار". الثانية: أن زيادة: "بسم الله توكلت على الله " ثابتة فيه، وإن تفرد بها سفيان الثوري؛ فإنه جبل في الحفظ، ويشهد له حديث أنس المذكور آنفاً، وتوبع سفيان على التسمية فيه من غير ما واحد كما تقدم. الثالثة: أكثر الرواة على إفراد الأفعال فيه، وزاد بعضهم: "أو أُزل "، ولعل ذلك أرجح. الرابعة: أن زيادة: "رفع طرفه إلى السماء" لا تصح؛ لعدم اتفاق الرواة عن شعبة عليها، ومخالفتهما لرواية الآخرين الثقات. ثم هي مخالفة للأحاديث

стр. 5302

الصحيحة الناهية عن رفع البصر في الصلاة، في "الصحيحين " وغيرهما، ترى الكثير الطيب منها في "الترغيب " (١/١٨٨- ١٨٩) ، وخرجت بعضها في "صحيح أبي داود" (٨٤٧- ٨٤٨) ، ولا يبدو لي اختصاص هذا النهي بالدعاء في الصلاة دون الدعاء خارجها، بل الظاهر أن الرفع منهي عنه في الحالتين. والله أعلم. (تنبيه) عزا الخطيب التبريزي في "المشكاة" (١/٧٤٩ و ٧٥٠) رواية أبي داود - الشاذة- في رفع البصر إلى السماء إلى ابن ماجه أيضاً! وهو وهم محض. وعزاها ابن تيمية في "الكلم الطيب " (٤٩/٥٩) للأربعة! وفيه تساهل ظاهر؛ لأنه ليس عند غير أبي داود الرفع المذكور، وقلده في ذلك ابن القيم في "الوابل الصيب " (ص ١٣٢- تحقيق الشيخ عبد القادر) ، وانطلى ذلك عليه، مع أنه قد خرج الحديث بذكر مواضع الحديث عند الأربعة بالأجزاء والصفحات! وصحح إسناده! وبيض له الأنصاري في طبعته (ص ٢١٤) ، وهكذا يكون التحقيق المزعوم! ! . * ٣١٦٤ - (كان إذا جلسَ مَجْلِساً، أو صلَّى صلاة تكلَّمَ بكلماتٍ، فسألَتهُ عائشة عن الكلماتِ؟ فقال: إن تكلّمَ بخيرٍ كان طابعاً عليهِنَّ إلى يومِ القيامةِ، وإن تكلَّمَ بغيرِ ذلكَ كان كفارةً له: سبحانكَ اللهمَّ وبحمدِكَ، لا إلهَ إلا أنتَ، أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ) . أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة " (٣٠٩/٤٠٠) ومن طريقه: الحافظ في آخر كتابه "فتح الباري " (١٣/٥٤٦) : أخبرنا أبو بكر بن إسحاق: أخبرنا أبو سلمة الخُزَاعي منصور بن سَلَمة: أنا خلاد بن سليمان- قال أبو سلمة: وكان من

стр. 5303

الخائفين- عن خالد بن أبي عمران عن عروة عن عائشة مرفوعاً. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان " (١/٤٣٥/٦٢٩) من طريق أخرى عن محمد بن إسحاق الصغاني به. وأخرجه أحمد (٦/٧٧) : ثنا أبو سلمة به. وأخرجه الطبراني في "الدعاء" (٣/١٦٥٦- ١٦٥٧) من طريقين آخرين عن خلاد بن سليمان به. قلت: وهذا إسناد صحيح كما قال الحافظ في "النكت على ابن الصلاح " (٢/٧٣٢- ٧٣٣) ، ورجاله كلهم ثقات رجال مسلم. وقول المعلق عليه صاحبنا الفاضل الدكتور ربيع بن هادي: "الحق أن يقال: إن إسناده حسن "! لا وجه له عندي، لأنه قائم أو مبني على قول الحافظ في خالد بن أبي عمران هذا في "التقريب ": " صد وق ". فإن هذا لا يستلزم التحسين فقط، ما دام أنه خرج له مسلم في "صحيحه "، وقد وثقه ابن سعد والعجلي وابن حبان، وقال أبو حاتم: "لا بأس به ". وقال ابن يونس: "كان فقيه أهل المغرب، ومفتي أهل مصر والمغرب، وكان يقال: إنه مستجاب الدعوة". ولذا قال الذهبي في "السير" (٥/٣٧٨) : "وكان فقيه أهل المغرب، ثقة ثبتاً، صالحاً ربَّانيّاً ".

стр. 5304

والحديث الذي أخرجه له مسلم في البيوع، صححه الترمذي أيضاً، وهو مخرج في " الإرواء " (٥/٢٠٣- ٢٠٤) . ولحديث الترجمة طريق أخرى عن عائشة نحوه، دون قوله: "أو صلى صلاة". أخرجه النسائي أيضاً (رقم ٣٩٨) ، والحاكم (١/٤٩٦- ٤٩٧) ، وقال: "صحيح الإسناد". وقال الذهبي: "قلت: على شرط البخاري ومسلم ". (تنبيه) : وقع الحديث عند الحافظ في "نكته " بلفظ: "ما جلس ﷺ مجلساً، ولا تلا قرآناً، ولا صلى إلا ختم ذلك بكلمات، فقلت: يا رسول الله! ما أكثر ما تقول هذه الكلمات؟! فقال ﷺ : نعم، من قال خيراً كُنَّ طابعاً له على ذلك الخير، ومن قال شرّاً كانت كفارة له ... " الحديث، والباقي مثله. كذا وقع فيه! وهو يخالف لفظ الترجمة مخالفة ظاهرة، كما يخالف لفظه في "الفتح " أيضاً، ولفظه في "سنن النسائي " أيضاً (١/١٩٧) بالإسناد نفسه، فالظاهر أنه رواية أخرى للنسائي. ثم رأيته قد أورده في مكان متقدم برقم (٣٠٨) تحت "باب ما يختم تلاوة القرآن " قال: أخبرنا محمد بن سهل بن عسكر قال: حدثنا ابن أبي مريم قال: أخبرنا خلاد بن سليمان أبو سليمان به. قلت: هذا إسناد صحيح أيضاً على شرط مسلم، وابن أبي مريم هذا: هو سعيد بن الحكم بن محمد المصري.

стр. 5305

ثم ذكر الحافظ طريقاً أخرى بلفظ آخر، أخرجه (٢/٧٣٤) من رواية أبي أحمد العسال في "كتاب الأبواب " من طريق عمرو بن قيس عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت.. وفيه قال ﷺ : "إني لأرجو أن لا يقولها عبد إذا قام من مجلسه؛ إلا غُفِرَ له ". وقال الحافظ: "وإسناده حسن "! كذا قال! وأبو إسحاق هو السبيعي، وكان اختلط. وللحديث طريق ثالث عن عائشة، فيه زيادة منكرة خرجته من أجلها في "الضعيفة" (٦٣٢٢) . ومثله حديث الأمر بأن يقول في آخر مجلسه: "سبحان ربك رب العزة عما يصفون ... "، فهو ضعيف مخرج هناك برقم (٦٥٣٠) . وتقدم الحديث نحوه في المجلد الأول رقم (٨١) من حديث جبير بن مطعم. * ٣١٦٥ - (إنَّها ستكونُ فتنةٌ. فقالوا: كيف لنا يا رسول الله؟! أو كيف نصنعُ؟ قال: ترجعون إلى أمْرِكم الأوَّلِ) . أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٣/ ١٨١- ١٨٢) و"الأوسط " (٢/٢٤٩/٨٨٤٣) من طريق عبد الله بن صالح: حدثني الليث عن عَيَّاش بن عَبَّاس القِتْبَاني عن بُكَيْرٍ بن عبد الله بن الأشَجِّ أن بُسْرَ بن سعيد حدثه أن أبا واقد

стр. 5306

الليثي قال: إن رسول الله ﷺ قال- ونحن جلوس على بساط-: "إنها ستكون فتنة"، قالوا: وكيف نفعل يا رسول الله؟! فرد يده إلى البساط وأمسك به، فقال: "تفعلون هكذا ". وذكر لهم يوماً: "أنها ستكون فتنة"، فلم يسمعه كثير من الناس، فقال معاذ ابن جبل: ألا تسمعون ما يقول رسول الله ﷺ ؟! فقالوا: ما قال؟! قال: ... فذ كره. وقال: "لا يروى عن أبي واقد إلا من حديث بكير". قلت: وهو ثقة من رجال الشيخين، وكذلك سائر رجال الإسناد ثقات رجال "الصحيح "؛ إلا أن عبد الله بن صالح فيه ضعف، لكنه قد توبع: فقال الطحاوي في "مشكل الآثار" (٢/٦٨) : حدثنا يونس بن عبد الأعلى: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير: حدثني الليث به. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، فصح الحديث، والحمد لله تعالى. (تنبيه) : بُسْر بن سعيد- وهو العابد المدني- تحرف في "المشكل " إلى "بشير ابن سعد"! فقال المعلق عليه: " لعله بشير بن سعد بن النعمان، شهد أحداً وغيرها مع أبيه، كما في " التجريد ... " ... "! قلت: هذا أبعد ما يكون عن التحقيق؛ وذلك لأمور:

стр. 5307

أولاً: أن بشيراً هذا لم يذكروا له رواية. ثانياً: أنه وقع على الصواب في "المعجمين ": بسر بن سعيد؛ كما تقدم. ثالثاً: أنهم ذكروه - أعني بسراً - في شيوخ بكير بن الأشج، لكنه وقع في "تهذيب الكمال" للمزي: "بِِشر بن سعيد" هكذا مقيداً بكسر الباء! ثم صُحِّحَتْ في الطبعة الجديدة. * المؤاخاة بين المهاجرين أنفسهم ٣١٦٦ - (آخى ﷺ بَين الزُّبَيرِ وبينَ عبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعود) . أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٥٦٨) ، والبيهقي في "السنن " (٦/٢٦٢) من طريقين عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس به. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم والحاكم، فالعجب منه كيف لم يستدركه عليه؟! وكذلك غفل عنه الحافظ في "الفتح " (٧/٢٧١) فلم يذكره من حديث أنس، وإنما من حديث ابن عباس مَعْزُوّاً للحاكم وابن عبد البر بسند حسن. فأقول: أخرجه الحاكم (٣/٣١٤) ، والطبراني في "الكبير" (١٢/١٧٩/ ١٢٨١٦) و"الأوسط " (١/٥٣/ ١/٩١٥) من طريق سعيد بن سليمان الواسطي: ثنا عَبَّاد بق العَوَّام عن سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: ... فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي. وأقول: بل هو صحيح على شرط مسلم؛ فإن رجاله كلهم ثقات من رجال

стр. 5308

الشيخين؛ إلا أن البخاري إنما أخرج لسفيان بن حسين تعليقاً كما في "تقريب الحافظ "، وقال فيه: "ثقة في غير الزهري باتفاقهم ". قلت: وهذا عن غير الزهري كما ترى، فلا أدري لماذا اقتصر الحافظ على تحسينه فقط، وسائر رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين كما تقدم، وقد وثقهم جميعاً الحافظ في "تقريبه "؟! وقد أخرجه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (٥٨/١٨٩/٢) من طريق أبي نعيم والطبراني. (فائدة) : قال ابن عبد البر: "كانت المؤاخاة مرتين: مرة بين المهاجرين خاصة، وذلك بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار". ومن الأدلة على المؤاخاة الأولى هذا الحديث الصحيح؛ لأن الزبير وابن مسعود من المهاجرين كما هو معلوم، والظاهر أن شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ لم يقف على هذا الحديث ونحوه؛ فأنكر هذه المؤاخاة (١١/٩٩- ١٠٠) ، وقد ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، وردَّه عليه بهذا الحديث وغيره، فراجعه. وحديث ابن عباس أورده الهيثمي في "المجمع " (٨/ ١٧١) ، وقال: " رواه الطبراني في " الأوسط " و" الكبير"، ورجال " الأوسط " ثقات "! قلت: كذا قال! وفيه إشعار باختلاف إسنادي "المعجمين "، وإلا؛ لما خص "الأوسط " منهما بتوثيق رجاله، وليس كذلك؛ فقد قال فيهما: حدثنا أحمد بن يحيى الحُلْواني: ثنا سعيد بن سليمان ... *

стр. 5309

٣١٦٧ - (بُعثَ موسى ﵇ وهو راعي غنمٍ، وبُعثَ داودُ ﵇ وهو راعي غنمٍ، وبُعثتُ أنا وأنا راعي غنمٍ بأَجيادَ) . أخرجه البخاري في "التاريخ " (٣/٢/١١٣- ١١٤) و"الأدب المفرد" (٥٧٧) ، والدَّولابي في "الكنى" (١/٩٢) من طريق شعبة: سمعت أبا إسحاق: سمعت عَبْدَةَ بْنَ حَزْنٍ يقول: تفاخر أهل الإبل وأصحاب الشاة، فقال النبي: ﷺ ? ... فذكره. ومن هذا الوجه أخرجه النسائي في "الكبرى/ التفسير"؛ كما في "تحفة الأشراف ". قلت: وهذا إسناد صحيح؛ إن ثبتت صحبة عبدة بن حزن؛ فقد اختلفوا في صحبته، كما تراه مشروحاً في "الإصابة "، و"التهذيب "، واستظهر الذهبي في "التجريد" أن لا صحبة له، وفي "الجرح والتعديل " (٦/٨٩/٤٥٤) ، و"المراسيل " (١٣٦/٢٤٠) كلاهما لابن أبي حاتم أثبت تابعيته وعدم صحبته، والله أعلم. وقد خالف شعبة: زهيرٌ فقال: أخبرنا أبو إسحاق قال: كان بين أصحاب الغنم وبين أصحاب الإبل تنازع، فاستطال عليهم أصحاب الإبل، قال: فبلغنا- والله أعلم- أن النبي ﷺ قال: ... فذكره. فأسقط من الإسناد عبدة بن حزن، فصار معضلاً، والأصح إثباته. وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري قال: افتخر أهل الإبل والغنم عند النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ :

стр. 5310

"الفخر والخُيلاء في أهل الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم "، وقال رسول الله ﷺ : "بُعث موسى ﵇ وهو يرعى غنماً على أهله، وبعثت أنا وأنا أرعى غنماً لأهلي بجياد". أخرجه أحمد (٣/٤٢ و ٩٦) ، والبزار (٣/١١٤/ ٤٣٧٠) من طريق حجاج بن أرطاة عن عطية بن سعد عنه. قلت: وهذا إسناد ضعيف لضعف حجاج وعطية، وأعله الهيثمي (٤/٦٥ و٨/ ٢٥٦) بالحجاج! فقط، وقال: "وهو مدلس ". وللحديث شاهد صحيح من رواية أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: "ما بعث الله نبيّاً إلا رعى الغنم ... " الحديث؛ رواه البخاري وغيره، وهو مخرج في "غاية المرام " (١٢١/ ١٦١) . * ٣١٦٨ - (إنَّ سبحان اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ تنفضُ الخطايا كما تنفضُ الشجرةُ ورقَها) . أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٦٣٤) ، وأحمد (٣/١٥٢) ، والحارث ابن أبي أسامة في "مسنده/ زوائده " (ق ١٢٤/٢) من طريق عبد الوارث قال: حدثنا أبو ربيعة سنان قال: حدثنا أنس بن مالك قال: أخذالنبي ﷺ غصناً فنفضه، فلم ينتفض، ثم نفضه فلم ينتفض، ثم نفضه، فانتفض، فقال: ... فذكره.

стр. 5311

قلت: وهذا إسناد حسن؛ سنان هو ابن ربيعة الباهلي، مختلف فيه، فلا ينزل حديثه عن مرتبة الحسن، قال الذهبي في "الكاشف ": "صدوق، وقال ابن معين: ليس بالقوي، وقرنه البخاري بآخر". وقال الحافظ في "التقريب ": "صدوق فيه لين، أخرج له البخاري مقروناً". وللحديث طريق آخر، يرويه الفضل بن موسى عن الأعمش عن أنس به. أخرجه الترمذي (٣٥٢٧) ، وأبو نعيم في "الحلية " (٥/٥٥) ، وأبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب " (١/٣١٧/ ٧٢١) ، وقال الترمذي: "حديث غريب، ولا نعرف للأعمش سماعاً من أنس، إلا أنه قد رآه ". قلت: الأعمش مدلس، فلا ندري عمَّن تلقاه! ولكنه لا يضعِّف رواية سنان إن لم يقوِّها. (تنبيه) : قوله: "فانتفض"، هكذا هو في كل المصادر المتقدمة في الرواية الأولى لفظاً؛ وفي الأخرى معنى، وهو الذي يقتضيه التشبيه المذكور في آخر الحديث كما هو ظاهر، إلا رواية "الأدب "؛ فقد وقع فيه: "فلم ينتفض " كما في المرة الأولى والثانية، ومن الواضح أنه خطأ من الناسخ، فمن الغريب أن يخفى ذلك على شارحه الجيلاني؛ فلا ينبه عليه في "شرحه "! * ٣١٦٩ - (رأيتُ ربِّي في أحسنِ صورةٍ، فقال: فيمَ يختصمُ الملأُ الأعلى، فقلت: لا أدري، فوضع يده بين كتفيَّ، حتَّى وجدتُ بردَ أنامِله، ثمَّ قالَ: فيم يختصمُ الملأ الأعلى؟ قلتُ: في الكفَّارات والدرجات، قال: وما الكفَّارات؟ قلت: إسباغُ الوضوءِ في السّبَرات،

стр. 5312

ونقلُ الأقدام إلى الجماعاتِ، وانتظارُ الصلاةِ بعدَ الصلاة، قال: فما الدرجاتُ؟ قلتُ: إطعامُ الطعامِ، وإفشاءُ السلامِ، وصلاةٌ بالليل والناسُ نيام، قال: قل، قال: قلتُ: ما أقولُ؟ قالَ: قلِ: اللهمّ! إنِّي أسألك عَمَلاً بالحسناتِ، وتركاً للمنكراتِ، وإذا أردتَ في قومٍ فتنةً وأنا فيهم؛ فاقبضني إليكَ غيرَ مفتونٍ) أخرجه الطبراني في "الدعاء" (٣/١٤٦٢/١٤١٦) : حدثنا الحسن بن علي المعمَري: ثنا سليمان بن محمد المُباركي: ثنا حماد بن دُليلٍ عن سفيان بن سعيد الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب، أو عبد الرحمن بن سابط. قال حماد بن دُليلٍ: وحدثني الحسن بن صالح بن حَيٍّ عن عمرو بن مُرَّة عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي ثعلبة الخُشَنِي عن أبي عُبَيدة بن الجراح- ﵁ عن النبي ﷺ قال: ... فذكره. وأخرجه الخطيب في "التاريخ " (٨/ ١٥١) من طريق الطبراني، ولكنه زاد في أوله: "لما كان ليلة أسري بي رأيت ربي ... " الحديث. وهذه الزيادة شاذة؛ لمخالفتها لكتاب الطبراني أولاً، ولأن الخطيب عقب عليها من طريق أخرى عن محمد بن علي بن المديني: حدثنا أبو داود المباركي به. وابن المديني هذا لم أعرفه، لكن تابعه الحسن بن علي المعمري كما تقدم، وهو من شيوخ الطبراني الثقات، ومن فوقه ثقات من رجال مسلم، غير حماد بن دُليل، وهو صدوق كما في " التقريب "، وقال الذهبي في " الكاشف ": "ثقة، جاور"، فالسند صحيح.

стр. 5313

وقد جاء الحديث من طرق أخرى، صحح بعضها البخاري والترمذي، وفيها أن ذلك كان رؤيا منامية، وذلك مما يؤكد شذوذ تلك الزيادة فتنبه! وراجع بعض تلك الطرق في "ظلال الجنة" ٣٨٨١ و٤٦٥- ٤٧١) . وقد خلط ابن الجوزي خلطاً عجيباً بين هذه الأحاديث الصحيحة التي فيها اختصام الملأ الأعلى، وفي بعضها أنها رؤيا منامية- كما عرفت-، وبين بعض الأحاديث الموضوعة التي فيها أنه رأى ربَّه على الأرض بمنى على جمل أورق، ونحوه من الموضوعات، وقد خرجت بعضها في "الضعيفة " (٦٣٣٠) ، وقلده في ذلك الجهمي الجلد المتعنت المسمى ب (حسن السقاف) في تعليقه على "دفع شبه التشبيه "؛ الذي دفعه الذهبي وتمنى أنه لم يؤلفه مؤلفه؛ لما فيه من التأويلات المعطلة للصفات الإلهية حتى ذكر أن الله ليس داخل العالم ولا خارجه، تعالى الله الذي على العرش استوى استواءً يليق بجلاله وعظمته. ثم رأيت الطبراني قد أخرج الحديث مختصراً في "المعجم الكبير" (٨/٣٨٦/ ٨٢٠٧) و"الأوسط " (٢/٣٦/١/٥٦٢٦) : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة: ثنا فَروة بن أبي المغرَاء: ثنا القاسم بن مالك عن سعيد بن المرزبان أبي سعد عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: "سئل رسول الله ﷺ : فيم يختصم الملأ الأعلى؟ ... " الحديث، إلى قوله: "الصلاة بعد الصلاة". وأعله الهيثمي بقوله (١/٢٣٨) : "وفيه أبو سعد البقاَّل، وهو مدلس، وقد وثقه وكيع ". قلت: وابن أبي شيبة هذا فيه ضعف، فأخشى أن يكون لم يحفظ إسناده، والله أعلم.

стр. 5314

وجملة القول؛ أن الحديث صحيح، لا يشك في ذلك أحد بعد أن يقف على هذه الطرق وتصحيح بعض أئمة الحديث لبعضها؛ إلا إن كان ممن طمس الله على قلوبهم من ذوي الأهواء كذاك (السخاف) (١) الجاهل الذي يخالف سبيل المؤمنين والعلماء العارفين، فيضعف ما صححوه، كهذا الحديث الذي وضع فيه رسالة سماها- فُضَّ فوه- "أقوال الحفاظ المأثورة لبيان وضع حديث: (رأيت ربي في أحسن صورة) "! وكذب- والله- عليهم، كيف وعلى رأس الحفاظ الإمام البخاري الذي صححه كما تقدم؟! وتبعه تلميذه الإمام الترمذي وغيره؛ فقال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٤/٣٢٥) : "معناه عند أهل العلم: في منامه، وهو حديث حسن، رواه الثقات ". فهذا (السخاف) يعلم يقيناً أن الذي قال الحفاظ بوضعه؛ إنما هو الحديث الموضوع حقّاً المشار إليه آنفاً: "أنه رأى ربه على الأرض ... " إلخ، وليس هو حديث الاختصام الذي هو رؤيا منامية كما جاء مصرحاً في بعض الطرق، وقال به العلماء كما تقدم. ووالله! إني لأخشى أن يكون وراء هذا الرجل جماعة من المفسدين في الأرض، اتخذوه مَطِيَّةً لإفساد الدين، ويسروا له أسباب التأليف والنشر؛ لاستمراره في الطعن في السلف والعلماء وتعمده مخالفتهم، ورميه إياهم بالتجسيم! ومن آخر ما ظهر منه تصريحه بأن الاعتقاد بأن الله في السماء هي عقيدة المشركين والمشبهة. وكذلك جماهير العلماء الذين صححوا حديث الجارية: "أين الله؟ "،

стр. 5315

فضعفه، بل قطع بأن النبي ﷺ لم يقله، وسبق الرد عليه بحمد الله تحت حديثها برقم (٣١٦٢) . * ٣١٧٠ - (كان يدعوُ ربَّه فيقولُ: اللهمَّ! متِّعني بسمعِي وبصري، واجعلهُمَا الوارث منِّي، وانصرني على من ظَلَمني، وخذ منهُ بثأرِي) . روي عن جمع من الصحابة، منهم أبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وعلي بن أبي طالب، وعائشة، وسعد بن زرارة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن الشِّخِّيرِ. ١- أما حديث أبي هريرة؛ فله عنه طريقان: الأولى: عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه به. ويرويه عن محمد بن عمرو جمع: الأول: جابر بن نوح، وهو الحِمّاني. أخرجه الترمذي (٣٦٠٦) : حدثنا يحيى بن موسى: حدثنا جابر بن نوح به. وقال: "غريب من هذا الوجه ". يعني: ضعيف؛ لضعف جابر هذا. قال الحافظ: "ضعيف ". وقال الذهبي في "الكاشف ": "ليس بالقوي ". قلت: فمثله يستشهد به في المتابعات.

стр. 5316

الثاني: عبد الرحمن بن محمد المحاربي، وله عنه طريقان: الأولى: عن العلاء بن عمرو الحنفي: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ثنا محمد بن عمرو به. أخرجه الحاكم (١/٥٢٣) ، وقال: "حديث صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي! قلت: وهذا من أوهامه، فإن الحنفي هذا متروك كما قال الذهبي نفسه في "الميزان "، وساق له فيه حديثاً في فضل العرب، وقال فيه: "موضوع "؛ كما تقدم برقم (١٦٠) ، ولما صححه أيضاً الحاكم؛ تعقبه الذهبي بقوله: "العلاء بن عمروالحنفي ليس بعمدة". الثانية: محمد بن إسماعيل- وهو ابن سمرة الأحمسي-: ثنا عبد الرحمن ابن محمد المحاربي عن محمد بن عمرو به. أخرجه البزار (٤/٥٩/٣١٩٣) : حدثنا محمد بن إسماعيل به. وقال: "لا نحفظه من حديث محمد بن عمرو إلا عن المحاربي ". كذا قال! ويرده ما تقدم ويأتي، ورجال إسناده كلهم ثقات، فالإسناد حسن للخلاف المعروف في محمد بن عمرو؛ لولا أن المحاربي رمي بالتدليس وقد عنعن كما ترى، إلا أنه صرح بالتحديث في الطريق الأولى؛ لكن فيها العلاء المتروك، فلا يُعتد بها، فتجويد الهيثمي (١٠/١٧٨) لإسناد البزار غير جيد! نعم، هو كذلك بالمتابعة الآتية:

стр. 5317

الثالث: حماد بن سلمة: حدثني محمد بن عمرو به. أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (رقم ٦٥٠) ، والحاكم (٢/١٤٢) ، وقال: "صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي! وأقول: إنما هو على شرطه لو كان احتج بمحمد بن عمرو، وليس كذلك؛ فقد ذكر غير واحد من العلماء أنه إنما روى له متابعة، فالسند حسن فقط. والطريق الأخرى: يرويها إبراهيم بن خُثَيم بن عِراك بن مالك: حدثني أبي عن جدي عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: كان يكثر أن يدعو بهذا الدعاء؛ لا يكاد يفارقه، يقول: "اللهم! اجعلني أخشاك كأني أراك أبداً ... " الحديث بطوله، وفيه حديث الترجمة. أخرجه الطبراني في "الدعاء" (٢/١٤٦٦) و"المعجم الأوسط " (٢/١٧/ ١/ ٦١٤٠) ، وقال الهيثمي بعدما عزاه ل "الأوسط " (١٠/١٧٨) : "وفيه إبراهيم بن خثيم بن عراك، وهو متروك ". قلت: فلا يستشهد به لشدة ضعفه (١) . ٢- وأما حديث جابر " فيرويه ليث بن أبي سُليم عن محارب بن دِثَار عنه به. أخرجه البخاري في "الأ دب المفرد" (٦٤٩) ، والبزار (٣١٩٤) . قلت: ورجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير الليث هذا، وهو ضعيف لاختلاطه، وقد قال في رواية البخاري:

стр. 5318

"اللهم أصلح لي ... " إلخ. ولعل ذلك من تخاليطه؛ فإنه قال في رواية البزار كما في رواية الجماعة: "اللهم متعني ... ". وهذا هو الصواب، فهو بهذه الرواية شاهد حسن. ٣- وأما حديث علي؛ فيرويه موسى بن عقبة، وله عنه راويان: أحدهما.: عبد الله بن جعفر المديني عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده مرفوعاً به. أخرجه الطبراني في "الدعاء" (٢/١٤٥٧) و"المعجم الصغير" (ص ٢٢١- هندية) و" الأ وسط " (٢/١٩٨/ ٢/٨٠٤٨) ، وقال: "لم يروه عن موسى بن عقبة إلا عبد الله بن جعفر". قلت: وهو ضعيف، لكنه قد توبع، وإن خفي ذلك على الطبراني؛ إلا أنه قد خولف في إسناده كما يأتي. والآخر: حفص بن ميسرة قال: عن موسى بن عقبة عن حسين بن علي بن الحسين عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن علي به. أخرجه الحاكم (١/٥٢٧) ، وقال: "صحيح الإسناد، وحسين بن علي هو حسين الأصغر الذي أدركه عبد الله ابن المبارك، وروى عنه حديث مواقيت الصلاة". قلت: ووافقه الذهبي على تصحيحه، وهو كما قالا؛ فإن حسيناً هذا ثقة، لكن علي بن الحسين بن علي، قال أبو زرعة: "

стр. 5319

لم يدرك جده علياً"؛ ذكره العلائي في "جامع التحصيل في أحكام المراسيل " (ص ٢٩٤/٥٣٩) ، وعليه؛ فهو منقطع، والله أعلم. وحديث المواقيت المشار إليه مخرج في "الإرواء" (١/ ٢٧١) . ٤- وأما حديث عائشة؛ فيرويه هشام بن عروة عن أبيه عنها، ورواه عن هشام جمع. الأول: يحيى بن سُليم عنه. أخرجه الطبراني في "الدعاء" (٢/١٤٧٨/١٤٥٣) . قلت: ويحيى هذا هو الطائفى مع كونه من رجال الشيخين؛ فقد تكلموا فيه من قبل حفظه، ولخص الحافظ أقوال الأئمة فيه بقوله في "التقريب ": "صدوق سيئ الحفظ ". فالسند حسن في المتابعات على الأقل. الثاني: بكر بن سُليم الصواف عنه. أخرجه ابن عدي في "الكامل " (٢/ ٣٠) ، وقال- وساق له أحاديث أخرى-: "عامة ما يرويه غير محفوظ، ولا يتابع عليه، وهو من جملة الضعفاء الذين يُكتب حديثهم ". قلت: فمثله يستشهد به، وأشار إلى ذلك الحافظ بقوله: "مقبول ". لكن قد قال فيه أبو حاتم: "شيخ يُكتب حديثه ".

стр. 5320

وذكره ابن حبان في "الثقات " (٨/١٤٩) ، وقال الذهبي: " صد وق ". وجزم الهيثمي بأنه ثقة في حديث سبق تخريجه برقم (٢٨٢٧) ، وعليه؛ فالإسناد حسن، والله أعلم. الثالث: أبو المقدام هشام بن زياد عنه به أتم منه. أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان " (٤/١٧٠/ ٤٧٠١) ، وقال: "تفرد به أبو المقدام، وليس بالقوي ". وتابع هشاماً: حبيبُ بن أبي ثابت عن عروة به مختصراً، وفيه زيادة. أخرجه الترمذي (٣٤٧٦) ، وقال: "حديث حسن غريب؛ سمعت محمداً يقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئاً". قلت: وهو- أيضاً- مدلس، فيحتمل أن يكون تلقاه من هشام بن عروة. وقد صحَّ عن عروة مرسلاً. أخرجه عبد الرزاق في "المصنف " (١٠/٤٤١/١٩٦٤٠) عن معمر عن هشام ابن عروة عن أبيه أن النبي ﷺ كان يقول: ... فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح مرسل؛ وشاهد قوي لما تقدم من المسندات ولما يأتي. ٥- وأما حديث سعد بن زرارة: فتفرد به الطبراني، أخرجه في "الدعاء" (٢/١٤٧٥/١٤٤٨) : حدثنا محمد بن عَبدُروس بن كامل: ثنامحمد بن عبد الرحيم

стр. 5321

أبو يحيى: ثنا أبو زيد الهَرَوي: ثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه به مع تقديم وتأخير؛ وزاد: "وعافني في جسدي ". وهذا إسناده رجاله كلهم ثقات من شيخ الطبراني إلى سعد: أما الشيخ؛ فقد وثقه ابن المنادي، ووصفه بالحفظ وحسن المعرفة، وله ترجمة حسنة في "تاريخ بغداد" (٢/ ٣٨١) ، توفي سنة (٢٩٣) . ومن فوقه كلهم من رجال البخاري، وأبو زيد الهروي اسمه سعيد بن الربيع البصري؛ فالسند صحيح؛ لولا عنعنة يحيى بن أبي كثير؛ فإنه مذكور بالتدليس. والله أعلم. والزيادة المذكورة قد جاءت في حديث عائشة المتقدم برواية الترمذي التي فيها عنعنة حبيب بن أبي ثابت. ٦- وأما حديث أنس؛ فيرويه يوسف بن عطية: ثنا يزيد الرقاشي عن أنس ابن مالك قال: كان إذا أصاب الرمد واحداً من أصحابه قال: ... فذكر الدعاء. أخرجه ابن السني في"عمل اليوم والليلة" (١٨١/٥٥٩) ، والحاكم (٤/٤١٤) ؛ وسكت عنه! وقال الذهبي: "فيه ضعيفان ". قلت: بل الأول: وهو يوسف بن عطية: متروك، وهما اثنان؛ هذا أحدهما وهو البصري، والآخر: الكوفي، وهو متروك أيضاً، ولعله شر منه؛ فقد كذبه

стр. 5322

بعضهم، وهما من طبقة واحدة، فينبغي التنبه لذلك، وعدم الخلط بينهما. ٧- وأما حديث عبد الله بن الشِّخِّير؛ فيرويه الحسن بن الحكم بن طهمان: ثنا سيَّار أبو الحكم قال: سمعت مُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير يحدث عن أبيه به مختصراً بلفظ: كان يقول: "اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعله الوارث مني ". أخرجه البزار (٤/٦٠ /٣١٩٥) ، ومن طريقه: الضياء في "المختارة" (٥٨/٨٣/٢ - ٨٤/ ١) ، والطبراني كما في "المجمع " (١٠/١٧٨) ، وقال: "وفيه الحسن بن الحكم بن طهمان، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات ". قلت: روى عنه جمع من الثقات، وقال فيه أبو حاتم: "ما أقربه من عبد الله بن العلاء بن خالد، وحديثه صالح ليس بذلك، يضطرب ". وابن العلاء هذا قال فيه أبو حاتم: "صالح ". وساق له ابن عدي (٢/٣٢٥) حديثين معروفين من غير طريقه، ثم قال: " ليس له من الحديث إلا القليل، وأنكر ما رأيت له ما ذكرته ". وقال الذهبي في "الميزان ": "تُكلِّم فيه ولم يُترك.. ساق له ابن عدي حديثين، لكنهما معروفا المتن ". قلت: فمثله يستشهد به إن لم يكن حسن الحديث، وعلى هذا يدل إخراج الضياء لحديثه في "المختارة". والله أعلم.

стр. 5323

٨- وأما حديث جرير؛ فيرويه الفرج بن اليمان: نا عمر بن يزيد عن زياد بن علاقة عنه. أخرجه البيهقي في"شعب الإيمان " (٤/ ١٧٠/٤٧٠٠) ، وقال: "هذا إسناد ضعيف ". قلت: والفرج بن اليمان وعمر بن يزيد؛ لم أعرفهما. وبالجملة، فالحديث بمجموع هذه الطرق صحيح، ولا سيما وبعضها حسن لذاته كما تقدم. والله أعلم. * ٣١٧١ - (أتريدُ أن تكون فتّاناً يا معاذُ؟! إذا أمَمتَ الناس فاقرأ ب (والشمسِ وضُحاها) و (سبِّحِ اسمَ ربِّك الأعلى) و (والليلِ إذا يغشى) و (اقرأ باسمِ ربِّك)) . هو من حديث جابر بن عبد الله ﵄، ورواه عنه جمع بألفاظ مختلفة، منهم المطول، ومنهم المختصر، وهذا لفظ أبي الزبير، يرويه عنه الليث بن سعد. أخرجه مسلم (٢/٤٢) ، والنسائي (١/١٥٥) ، وابن ماجه (١/٣١٥/٩٨٦) ، وأبو عوانة (٢/١٧٣) ، والبيهقي في "السنن " (٣/١١٦) من طرق عن الليث عن أبي الزبير، عنه قال: صلى معاذ بن جبل لأصحابه العشاء، فطول عليهم، فانصرف رجل منا، [فصلى] ، فأُخبر معاذ عنه، فقال: إنه منافق، فلما بلغ ذلك الرجل دخل على النبي ﷺ ، فأخبره بما قال معاذ، فقال له النبي ﷺ : ... فذكره.

стр. 5324

وقرن البيهقيُّ ابن لهيعة مع الليث. وتابع أبا الزبير: عمرُو بن دينار، فقال الحميدي في "مسنده " (٥٢٣/ ١٢٤٦) : ثنا سفيان قال؛ حدثنا عَمرُوكُم إن شاء الله قال: سمعت جابر بن عبد الله به نحوه، وفيه: "فتنحى رجل من خلفه، فصلى وحده ". قال سفيان: فقلت لعمرو بن دينار: إن أبا الزبير يقول: قال النبي ﷺ : "اقرأ ب (سبح اسم ربك الأعلى) ... "؟ فقال عمرو: هو هذا أو نحو هذا. وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه " (٢/ ١٧١) من طريق الحميدي، وكذا البيهقي (٣/١١٢) . وقال أحمد (٣/٣٠٨) : ثنا سفيان به، وكذا قال الشافعي في كتاب "الأم " (١/١٥٢- ١٥٣) ، وثلاثتهم قالوا: "فتنحى رجل من خلفه، فصلى وحده ". وقد تابعهم جماعة من الشيوخ الثقات، منهم: ا- محمد بن منصور. قال النسائي (١/١٣٤) : أخبرنا محمد بن منصور: حدثنا سفيان به. ٢- إبراهيم بن بشار. أخرجه ابن حبان (٤/٥٨- ٥٩) ، والطحاوي (١/١٣٦) عنه: ثنا سفيان. ٣- أحمد بن عبدة. ابن خزيمة (١/٢٦٢/ ٥٢١) عنه. ٤- عبد الجبار بن العلاء. ابن خزيمة أيضاً (٣/٥١/١٦١١) .

стр. 5325

٥- ابن المقرئ. ابن الجارود في "المنتقى" (١٢٠/٣٢٧) . هؤلاء الخمسة- وسادسهم سفيان المتقدم من رواية الحفاظ الثلاثة عنه، وهو ابن عيينة- كلهم اتفقوا على ذكر التنحِّي أو معناه المشعر بأنه قطع صلاته ولم يسلِّم. وخالفهم محمد بن عباد فقال: حدثنا سفيان به؛ وفيه: "فانحرف رجل، فسلم، ثم صلى وحده ". أخرجه مسلم (٢/ ٤١- ٤٢) ، والبيهقي (٣/٨٥ و ١١٢) ، وأشار إلى شذوذ ذكر السلام، وهذا مما لا يشك باحث وقف على رواية أولئك الحفاظ المخالفين لزيادة السلام هذه من محمد بن عَبَّاد- وهو ابن الزّبرِقان المكي-، وهو مع كونه من شيوخ الشيخين؛ فقد ذكروا له أوهاماً؛ وقد أشار إلى ذلك الحافظ بقوله في"التقريب ": "صدوق يهم ". فهذه الزيادة من أوهامه يقيناً، ويؤكد ذلك المتابعات التالية: الأولى: شعبة عن عمرو مختصراً، وفيه: "فا نصرف الرجل ". وفي رواية: "فجاء رجل من الأنصار، فصلى، ثم ذهب ". أخرجه البخاري (٢/ ٩٢ ١/ ٧٠١) ، والد ارمي (١/٢٩٧) - والروا ية الأخرى له-، وأحمد (٣/٣٦٩) . الثانية: سَليم- وهو ابن حَيان الهذلي البصري- عن عمرو به. أخرجه البخاري (١٠/٢٠٠/٧٠٥) .
следующие страницы →