← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الأول: أنه جاء مصرحا في بعض الطرق كما رأيت أنه (الواسطي) ، والنشيطي بصري وليس بواسطي. الثاني: أن شيخه في هذا السند عباد بن العوام لم يذكر في ترجمة النشيطي، وإنما في ترجمة الواسطي. الثالث: أن بعض الرواة لهذا الحديث عنه لم يذكروا في ترجمته أيضا وإنما في ترجمة الواسطي مثل صالح بن محمد الحافظ الملقب بـ (جزرة) . فثبت مما ذكرنا أن سعيد بن سليمان إنما هو الواسطي وهو ثقة احتج به الشيخان كما تقدم في كلام الحاكم، وتوثيقه موضع اتفاق بين أهل العلم بالرجال، اللهم إلا قول الإمام أحمد في " كتاب العلل ومعرفة الرجال " (ص ١٤٠) : " كان صاحب تصحيف ما شئت ". وليس في هذا الحديث ما يمكن أن يصحف من مثل هذا الثقة لقصره! فينبغي أن تكون صحته موضع اتفاق أيضا، لكن قد جاء عن أحمد أيضا غير ذلك، ففي " المنتخب " لابن قدامة (١٠ / ١٩٩ / ١) : " قال مهنا: سألت أحمد عن حديث حدثنا سعيد بن سليمان (قلت: فساقه بسنده) فقال أحمد: ما خلق الله من ذا شيئا، هذا حديث أبي هارون عن أبي سعيد ". قلت: وجواب أحمد هذا يحتمل أحد أمرين: إما أن يكون سعيد عنده هو الواسطي، وحينئذ فتوهيمه في إسناده إياه مما لا وجه له في نظرى لثقته كما سبق. وإما أن يكون عنى أنه النشيطي الضعيف، وهذا مما لا وجه له بعد ثبوت أنه الواسطي. على أنه لم يتفرد به، فرواه بشر بن معاذ العقدي، حدثنا أبو عبد الله - شيخ ينزل

стр. 562

وراء منزل حماد بن زيد -: حدثنا الجريري عن أبي نضرة عنه. أنه كان إذا رأى الشباب قال: مرحبا بوصية رسول الله ﷺ ، أمرنا أن نحفظكم الحديث، ونوسع لكم في المجالس. أخرجه الرامهرمزي ومن طريقه الحافظ العلائي وقال: " أبو عبد الله هذا لم أعرفه ". لكن للحديث طريقان آخران عن أبي سعيد: ١ - عن أبي خالد مولى ابن الصباح الأسدي عنه أنه كان يقول: " مرحبا بوصية رسول الله ﷺ إذا جاؤوه في العلم ". أخرجه الرامهرمزي وأبو خالد هذا لم أعرفه. ٢ - عن شهر بن حوشب عنه به وزاد: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيأتيكم أناس يتفقهون، ففقهوهم وأحسنوا تعليمهم ". أخرجه عبد الله بن وهب في " المسند " (٨ / ١٦٧ / ٢) وعبد الغني المقدسي في " كتاب العلم " (٥٠ / ١) عن ابن زحر عن ليث بن أبي سليم عن شهر. قلت: وهذا سند ضعيف مسلسل بالضعفاء: شهر فمن دونه. ولكنه أحسن حالا من حديث أبي هارون العبدي الذي سبقت الإشارة إليه في كلام الحاكم، كذلك ذكر ابن معين، ففي " المنتخب ": " عن إبراهيم بن الجنيد قال: ذكر ليحيى بن معين حديث أبي هارون هذا فقال: قد رواه ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد مثله. فقيل ليحيى: هذا أيضا ضعيف مثل أبي هارون؟ قال: لا، هذا أقوى من ذلك وأحسن حدثناه ابن أبي مريم عن يحيى بن أيوب عن ليث ".

стр. 563

قلت: كذا في الأصل ليس فيه " ابن زحر " وهو في المصدرين السابقين من رواية يحيى بن أيوب عنه عن ليث. فالله أعلم. وبالجملة فهذه الطرق إن لم تزد الطريق الأولى قوة إلى قوة، فلن توهن منها. وله شاهد من حديث جابر ﵁ مرفوعا بلفظ: " إنه سيضرب إليكم في طلب العلم، فرحبوا، وبشروا، وقاربوا ". أخرجه الرامهرمزي عن زنبور الكوفي حدثنا رواد بن الجراح عن المنهال بن عمرو عن رجل عنه. وهذا سند ضعيف، للرجل الذي لم يسم، وزنبور لم أجد له ترجمة. والعمدة على ما تقدم. وللحديث طريقان آخران عن أبي سعيد، وشاهد آخر عن أبي هريرة بأسانيد واهية جدا، ولذلك استغنيت عن ذكرهما، وفيما ذكرنا كفاية. وقد تكلمت على أحد الطريقين المشار إليهما في تعليقنا على " الأحكام الكبرى " لعبد الحق الإشبيلي (رقم الحديث ٧١) وصححه. ثم وجدت للحديث شاهدا آخر، فقال الدارمي (١ / ٩٩) : أخبرنا إسماعيل ابن أبان حدثنا يعقوب هو القمي عن عامر بن إبراهيم قال: " كان أبو الدرداء إذا رأى طلبة العلم قال: مرحبا بطلبة العلم، وكان يقول: إن رسول الله ﷺ أوصى بكم ". قلت: وهذا إسناد رجاله موثقون غير عامر بن إبراهيم فلم أعرفه وليس هو عامر بن واقد الأصبهاني، فإن هذا من شيوخ القمي المتوفى سنة (١٧٤) وذاك من الرواة عن القمي، وتوفي سنة (٢٠٢) ، إلا أن يكون من رواية الأكابر عن الأصاغر. والله أعلم.

стр. 564

٢٨١ - " أشد الناس عذابا يوم القيامة: رجل قتله نبي، أو قتل نبيا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين ". أخرجه أحمد (١ / ٤٠٧) : حدثنا عبد الصمد حدثنا أبان حدثنا عاصم عن أبي وائل عن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد جيد، وعاصم هو ابن بهدلة أبي النجود. وله طريق أخرى يرويه أبو إسحاق عن الحارث عن ابن مسعود به ولفظه: " ... أو رجل يضل الناس بغير علم، أو مصور يصور التماثيل ". أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٣ / ٨٠ / ٢) وإليه فقط عزاه الهيثمي في " المجمع " (١ / ١٨١) وقال: " وفيه الحارث الأعور وهو ضعيف ". قلت: الطريق الأولى سالمة منه، ولعل البزار قد أخرجه منها فقد عزاه إليه عبد الحق الإشبيلي في " الأحكام الكبرى " (رقم ١٤٢) باللفظ الأول دون قوله " وممثل من الممثلين "، وسكت عليه مشيرا إلى صحته عنده كما نص عليه في المقدمة. وقال المنذري (٣ / ١٣٦) : " ورواه البزار بإسناد جيد ". وله طريق ثالثة يرويها عباد بن كثير عن ليث بن أبي سليم عن طلحة بن مصرف عن خيثمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود إلا أنه قال: " وإمام جائر ".

стр. 565

أخرجه الطبراني (٣ / ٨١ / ١) . قلت: وهذا سند واه جدا، ليث ضعيف، وعباد بن كثير متروك. وروى عن ابن عباس نحوه بلفظ: " ... أو قتل أحد والديه، والمصورون، وعالم لم ينتفع بعلمه ". أخرجه أبو القاسم الهمداني في " الفوائد " (١ / ١٩٦ / ١) عن عبد الرحيم أبي الهيثم عن الأعمش عن الشعبي عن ابن عباس به. قلت: وهذا سند ضعيف، عبد الرحيم هذا هو ابن حماد الثقفي، قال العقيلي في " الضعفاء " (٢٧٨) : " حدث عن الأعمش مناكير، وما لا أصل له من حديث الأعمش ". وقال الحافظ في " اللسان ": " وأشار البيهقي في " الشعب " إلى ضعفه ". وحديث ابن عباس هذا أورده المناوي في " فيض القدير " شاهدا للحديث المشهور: " أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه " فقال متعقبا على السيوطي بعد أن بين ضعفه: " لكن للحديث أصل أصيل، فقد روى الحاكم في " المستدرك " من حديث ابن عباس مرفوعا ... " قلت: فذكره، ولم أقف على سنده عند الحاكم الآن لننظر فيه، وغالب الظن أنه من طريق عبد الرحيم المذكور، فإن كان كذلك، فالحديث لا يرتفع به عن درجة الضعف. والله أعلم.

стр. 566

والجملة الأخيرة من الحديث أخرجها البخاري في " صحيحه " (٤ / ١٠٤) من طريق مسدود عن عبد الله مرفوعا بلفظ: " إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون ". ٢٨٢ - " أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء. وأربع من الشقاء: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيق ". أخرجه ابن حبان في " صحيحه " (١٢٣٢) والخطيب في " التاريخ " (١٢ / ٩٩) من طريق الفضل بن موسى عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ . فذكره. قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه أحمد (١ / ١٦٨) من طريق محمد بن أبي حميد عن إسماعيل بن محمد ابن سعد به نحوه، دون ذكر " الجار الصالح " و " الجار السوء ". ومحمد بن أبي حميد هذا، أورده الذهبي في " الضعفاء " وقال: " ضعفوه ". وقال الحافظ في " التقريب ": " ضعيف ": وأخرجه الطبراني في " الكبير " (١ / ١٩ / ١) و " الأوسط " (١ / ١٦٣ / ١) من طريق إبراهيم بن عثمان عن العباس بن ذريح عن محمد بن سعد به. وقال:

стр. 567

" لم يروه عن العباس إلا إبراهيم، وهو أبو شيبة ". قلت: وهو متروك الحديث كما قال الحافظ. وقال الحافظ المنذري في " الترغيب " (٣ / ٦٨) بعد أن ذكره بلفظ أحمد المشار إليه: " رواه أحمد بإسناد صحيح، والطبراني والبزار والحاكم وصححه ". وقال الهيثمي (٤ / ٢٧٢) : " رواه أحمد والبزار والطبراني في " الكبير " و " الأوسط "، ورجال أحمد رجال الصحيح "! كذا قالا، ومحمد بن أبي حميد الذي في " المسند " لأحمد، مع ضعفه ليس من رجال الصحيح. ٢٨٣ - " من مات على شيء بعثه الله عليه ". أخرجه الحاكم (٤ / ٣١٣ من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. وقال: " صحيح الإسناد على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. قلت: وهو كما قالا، وعزاه السيوطي في " الجامع الكبير " (٢ / ٢٩٦ / ٢) لأحمد أيضا وأبي يعلى والضياء في " الأحاديث المختارة ". ويفسره حديث فضالة بن عبيد عن رسول الله ﷺ بلفظ: " من مات على مرتبة من هذه المراتب بعث عليها يوم القيامة يعني الغزو والحج "

стр. 568

أخرجه ابن قتيبة في " غريب الحديث " (١ / ١٢٩ / ٢) حدثنيه أبي حدثنيه يزيد عن المقرىء عن حيوة بن شريح عن أبي هانىء أن أبا علي الجنبي حدثه أنه سمع فضالة بن عبيد به. قلت: وهذا إسناد جيد لولا أني لم أعرف يزيد الراوي عن المقري - واسمه عبد الله بن يزيد المقري - ولا وجدت ترجمة لوالد ابن قتيبة واسمه مسلم بن قتيبة سوى ما ذكره الخطيب في ترجمة ابن قتيبة (١٠ / ١٧٠) : " وقيل: إن أباه مروزي، وأما هو فمولده بغداد ". ٢٨٤ - " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم ". هو من حديث أبي هريرة ﵁، وله عنه طريقان: الأولى: عن محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره. أخرجه الترمذي (١ / ٢١٧ - ٢١٨) وأحمد (٢ / ٢٥٠، ٤٧٢) . وأخرج الشطر الأول منه أبو داود (٤٦٨٢) وابن أبي شيبة في " المصنف " (١٢ / ١٨٥ / ١) وأبو نعيم في " الحلية " (٩ / ٢٤٨) والحاكم (١ / ٣) وقال: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. قلت: وإنما هو حسن فقط، لأن محمد بن عمرو، فيه ضعف يسير، وليس هو على شرط مسلم، فإنه إنما أخرج له متابعة. وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ". قلت: وهو صحيح بطريقه الآتية وهي:

стр. 569

الأخرى: عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبي هريرة به. أخرجه ابن حبان (١٣١١) . قلت: ورجاله ثقات غير أن المطلب هذا كثير التدليس كما في " التقريب " وقد عنعنه. ولشطره الأول طريق ثالث عن أبي هريرة، يرويه محمد بن عجلان عن القعفاع ابن حكيم عن أبي صالح عنه. أخرجه الدارمي (٢ / ٣٢٣) وابن أبي شيبة (١٢ / ١٢ / ١) وأحمد (٢ / ٥٢٧) والطبراني في " مختصر مكارم الأخلاق " (١ / ١١٠ / ٢) والحاكم (١ / ٣) وقال: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. قلت: هو حسن أيضا. فإن ابن عجلان أخرج له مسلم متابعة، وفيه بعض الكلام. وله طريق رابع مرسل، فقال ابن أبي شيبة (١٢ / ١٨٨ / ٢) : ابن علية عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قلت: وهذا مرسل صحيح الإسناد. وللحديث شاهد من رواية عائشة مرفوعا بلفظ: " إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وألطفهم بأهله ". أخرجه الترمذي (٢ / ١٠٢) والحاكم (١ / ٥٣) وأحمد (٦ / ٤٧، ٩٩) من طريق أبي قلابة عنها. وقال الترمذي:

стр. 570

" حديث حسن، ولا نعرف لأبي قلابة سماعا من عائشة ". وقال الحاكم: " رواته عن آخرهم ثقات على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ". وتعقبه الذهبي بقوله. " قلت: فيه انقطاع ". قلت: وقد تنبه لهذا الحاكم في أول كتابه، فإنه قال بعد أن ساق الحديث من رواية أبي هريرة من الطريقين عنه (١ / ٤) : وقد روي هذا الحديث أيضا عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، وشعيب ابن الحبحاب عن أنس، ورواه ابن علية عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عائشة، وأنا أخشى أن أبا قلابة لم يسمعه عن عائشة ". ووافقه الذهبي. قلت: فالحديث بهذا الإسناد واللفظ ضعيف، وقد روى منه ابن أبي شيبة (١٢ / ١٨٥ / ١) الشطر الأول منه. وقد صح عنها بلفظ آخر وهو: " خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، وإذا مات صاحبكم فدعوه ". ٢٨٥ - " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي وإذا مات صاحبكم فدعوه ". أخرجه الترمذي (٢ / ٣٢٣) والدارمي (٢ / ١٥٩) وابن حبان (١٣١٢) عن محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال

стр. 571

رسول الله ﷺ . وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه ". قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وليس عند الدارمي وابن حبان الجملة الوسطى منه. وأخرج أبو داود (٤٨٩٩) عن وكيع حدثنا هشام بن عروة به الجملة الأخيرة منه وزاد: لا تقعوا فيه. وله شاهد من حديث ابن عباس به دون الجملة الأخيرة. أخرجه ابن ماجه (١٩٧٧) وابن حبان (١٣١٥) والضياء في " المختارة " (٦٣ / ٩ / ٢) من طريق عمارة بن ثوبان عن عطاء عنه. وأخرجه الحاكم (٤ / ١٧٣) مقتصرا على الشطر الأول منه بلفظ. " خيركم خيركم للنساء ". وقال: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي! وهذا غريب منه فإن عمارة هذا أورده الذهبي في " الضعفاء "، وقال: " تابعي صغير مجهول ". وقال الحافظ في " التقريب ": " مستور ". وله شاهد من حديث ابن عمرو بلفظ: " خياركم خياركم لنسائهم ". أخرجه ابن ماجه (١٩٧٨) عن أبي خالد عن الأعمش عن شقيق عن مسروق عنه. قلت: وهذا إسناد ظاهره الصحة، ولهذا قال البوصيري في " الزوائد " (ق ١٢٥ /

стр. 572

١) : " وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات ". قلت: وهو عندي معلول بالمخالفة والوهم من قبل أبي خالد واسمه سليمان ابن حيان الأحمر، وهو وإن كان ثقة محتجا به في " الصحيحين " فإن في حفظه ضعفا كما يتبين لمن راجع أقوال الأئمة فيه من " التهذيب " وقد لخصها الحافظ - كعادته - في كتابه " التقريب " فقال: " صدوق يخطىء ". وخالفه جماعة من الثقات فرووه عن الأعمش بلفظ: " خياركم أحاسنكم أخلاقا ". ووافقهم عليه أبو خالد نفسه في رواية عنه كما يأتي، فالظاهر أنه كان يضطرب فيه، فتارة يرويه بهذا اللفظ، وتارة على الصواب، فإليك بيان الطرق التي أشرنا إليها باللفظ الصحيح وهو: " خياركم أحاسنكم أخلاقا ". ٢٨٦ - " خياركم أحاسنكم أخلاقا ". أخرجه البخاري (٤ / ١٢١) عن حفص بن غياث، وفي " الأدب المفرد " (٢٧١) عن سفيان، ومسلم (٧ / ٧٨) عن أبي معاوية ووكيع وابن نمير وأبي خالد الأحمر والطيالسي (٢٢٤٦) عن شعبة، ومن طريقه الترمذي (١ / ٣٥٧) وأحمد (٢ / ١٦١) عن أبي معاوية أيضا كلهم عن الأعمش قال: سمعت أبا وائل يحدث عن مسروق عن عبد الله بن عمرو وقال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. وزاد: " ولم يكن النبي ﷺ فاحشا ولا متفحشا ". وقال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح ".

стр. 573

٢٨٧ - " ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة؟ النبي في الجنة، والصديق في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والرجل يزور أخاه في ناحية المصر لا يزوره إلا لله ، ونساؤكم من أهل الجنة الودود الولود العؤود على زوجها التي إذا غضب جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها، وتقول: لا أذوق غمضا حتى ترضى ". أخرجه تمام الرازي في " الفوائد " (ق ٢٠٢ / ١) وعنه ابن عساكر (٢ / ٨٧ / ٢ ) بتمامه، وأبو بكر الشافعي في " الفوائد " (ق ١١٥ - ١١٦) وأبو نعيم في " الحلية " (٤ / ٣٠٣) نصفه الأول، والنسائي في " عشرة النساء " (١ / ٨٥ / ١) النصف الآخر من طريق خلف بن خليفة عن أبي هاشم يعني الرماني عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس مرفوعا. قلت: وهذا إسناد، رجاله ثقات رجال مسلم غير أن خلفا - وهو من شيوخ أحمد - كان اختلط في الآخر، ولا ندري أحدث به قبل الاختلاط فيكون صحيحا، أو بعده فيكون ضعيفا، لكن للحديث شواهد يتقوى بها كما يأتي بيانه. والحديث له طريق أخرى عن أبي هاشم، أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٣ / ١٦٣ / ١) وعنه أبو نعيم عن سعيد بن زيد عن عمرو بن خالد أنبأنا أبو هاشم به. وعمرو هذا هو الواسطي وهو كذاب كما في " المجمع " (٤ / ٣١٣) ، فلا يفرح بمتابعته.

стр. 574

ومن شواهده ما رواه إبراهيم بن زياد القرشي عن أبي حازم عن أنس بن مالك مرفوعا به. أخرجه الطبراني في " المعجم الصغير " (ص ٢٣) و " الأوسط " (١ / ١٧٠ / ١) وقال: " لا يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد، ولم يروه عن أبي حازم سلمة بن دينار إلا إبراهيم. قلت: وهذا أورده العقيلي في " الضعفاء " (ص ١٧ و ١٨) وروى عن البخاري أنه قال: " لم يصح إسناده ". ثم ذكر ما يشعر أنه سيىء الحفظ فقال: " هذا شيخ يحدث عن الزهري، وعن هشام بن عورة، فيحمل حديث الزهري على هشام بن عروة. وحديث هشام بن عروة على الزهري، ويأتي أيضا مع هذا عنهما بما لا يحفظ ". وقال الذهبي في " الميزان ": " لا يعرف ". ونحوه قول المنذري في " الترغيب " (٣ / ٧٧) : " رواه الطبراني، ورواته محتج بهم في الصحيح إلا إبراهيم بن زياد القرشي فإني لم أقف فيه على جرح ولا تعديل. وقد روي هذا المتن من حديث ابن عباس وكعب بن عجرة وغيرهما ". وقال الهيثمي في " المجمع " (٤ / ٣١٢) : " رواه الطبراني في " الصغير " و " الأوسط " وفيه إبراهيم بن زياد القرشي، قال

стр. 575

البخاري: " لا يصح حديثه "، فإن أراد تضعيفه فلا كلام، وإن أراد حديثا مخصوصا فلم يذكره، وأما بقية رجاله فهم رجال الصحيح ". قلت: وأنا أرى أنه لا بأس به في الشواهد. والله أعلم. وأما حديث كعب بن عجرة الذي أشار إليه المنذري، فلا يصلح شاهدا لشدة ضعفه، قال الهيثمي (٤ / ٣١٢) : " رواه الطبراني في " الكبير " و " الأوسط " وفيه السري بن إسماعيل وهو متروك ". قلت: ومن طريقه أخرج أبو بكر الشافعي في " فوائده " النصف الأول منه. ٢٨٨ - " اثنان لا تجاوز صلاتهما رءوسهما: عبد أبق من مواليه حتى يرجع إليهم، وامرأة عصت زوجها حتى ترجع ". أخرجه الطبراني في " المعجم الصغير " (ص ٩٧) و " الأوسط " (١ / ١٦٩ / ٢) عن محمد بن أبي صفوان الثقفي حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير، والحاكم في " المستدرك " (٤ / ١٧٣) من طريق محمد بن منده الأصبهاني حدثنا بكر بن بكار، كلاهما قالا: حدثنا عمر بن عبيد - زاد الأول: الطنافسي - عن إبراهيم بن مهاجر عن نافع عن ابن عمر مرفوعا. وقال الطبراني: " لم يروه عن إبراهيم إلا عمر، ولا عنه إلا ابن أبي الوزير، تفرد به محمد بن أبي صفوان ". كذا قال، وطريق الحاكم ترد عليه، وقد سكت عنه هو والذهبي، وإسناده حسن عندي، رجاله ثقات رجال الشيخين، سوى ابن مهاجر فإنه من رجال مسلم وحده، وفيه ضعف يسير. قال الحافظ في " التقريب ": " صدوق، لين الحفظ ".

стр. 576

وأورده الذهبي في " الضعفاء " تمييزا فقال: " ثقة ". والحديث قال المنذري (٣ / ٧٩) : " رواه الطبراني بإسناد جيد، والحاكم ". وقال الهيثمي (٤ / ٣١٣) : " رواه الطبراني في " الصغير " و " الأوسط " ورجاله ثقات ". قلت: وله شاهد من حديث جابر بسند ضعيف أوردته في " الأحاديث الضعيفة " رقم (١٠٧٥) بلفظ: " ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ... العبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه ... والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى، والسكران حتى يصحو ". ٢٨٩ - " لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها، وهي لا تستغني عنه ". أخرجه النسائي في " عشرة النساء " من " السنن الكبرى " (١ / ٨٤ / ١) أخبرنا عمرو بن منصور قال: حدثنا محمد بن محبوب قال: حدثنا سرار بن مجشر ابن قبيصة - ثقة - عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. وقال: " سرار بصري ثقة، هو ويزيد بن زريع يقدمان في سعيد بن أبي عروبة لأن سعيدا كان قد تغير في آخر عمره، فمن سمع منه قديما فحديثه صحيح ". قلت: وتابعه ابن المبارك عن سعيد عن قتادة به. أخرجه أبو سعيد الشاشي عيسى بن سالم في " حديثه " (ق ٧٨ / ١) : أنبأنا ابن

стр. 577

المبارك به. قلت: وهذا إسناد صحيح كسابقه. وقد تابعه عمر بن إبراهيم عن قتادة به. أخرجه الحاكم (٢ / ١٩٠) عن شاذ بن فياض حدثنا عمر بن إبراهيم به. وقال: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي! وخالف شاذا الخليل بن عمر بن إبراهيم فقال: حدثني أبي عن قتادة عن الحسن عن عبد الله بن عمرو به مرفوعا. فذكر الحسن وهو البصري بدل ابن المسيب. أخرجه النسائي والعقيلي في " الضعفاء " (ص ١٢١) وقال: " الخليل يخالف في بعض حديثه ". قلت: ليس هو دون شاذ بن فياض في الثقة والحفظ، وفي ضبطهما كلام يسير، ولعل الاختلاف من نفس عمر بن إبراهيم ففي " التقريب ": " صدوق، في حديثه عن قتادة ضعف ". ورواية شاذ عنه أولى عندي لموافقتها لرواية ابن أبي عروبة عن قتادة، ولمتابعة أخرى وقفت عليها في " الكامل " لابن عدي أخرجها (ق ٢٨٩ / ٢) من طريق محمد بن بلال حدثنا عمران عن قتادة عن سعيد بن المسيب به. وقال: " ومحمد بن بلال يغرب عن عمران القطان، وله عن غيره غرائب، وأرجو أنه لا

стр. 578

بأس به ". قلت: وهذا إسناد حسن وشاهد قوي لما سبق. لكن يبدو أن للحديث أصلا من رواية قتادة عن الحسن، فقد قال العقيلي عقب ما نقلته عنه في الخليل بن عمر: " وقال سرار بن مجشر: عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن وسعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ نحوه ". فإذا كان هذا محفوظا فهو يؤيد صحة رواية شاذ والخليل عن عمر بن إبراهيم عن قتادة عن سعيد والحسن، ولكنه لم يسق إسناده إلى سرار لننظر فيه. ثم ساق رواية ابن المبارك المتقدمة عن سعيد عن قتادة عن ابن المسيب به. وقال: " هذا أولى ". ثم قال: " قال هشام الدستواني عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو، موقوف نحوه. وهذا أولى ". قلت: وكذلك رواه شعبة عن قتادة به موقوفا. أخرجه النسائي. ورواية سرار عن قتادة مرفوعا أولى عندي لسماعه من سعيد قديما كما سبق عن النسائي ولمتابعة عمر بن إبراهيم له. والله أعلم. والحديث قال المنذري (٣ / ٧٨) : " رواه النسائي والبزار بإسنادين رواة أحدهما رواة الصحيح، وقال الحاكم:

стр. 579

صحيح الإسناد ". وقال الهيثمي (٤ / ٣٠٩) : " رواه البزار بإسنادين والطبراني وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح ". وقد صححه عبد الحق الإشبيلي بسكوته عليه في " الأحكام الكبرى " (ق ١٤٤ / ١) وإيراده إياه في " الأحكام الصغرى " (ق ١٥٣ / ١) التي خصها بالحديث الصحيح. ٢٩٠ - " لا، بل يبايع على الإسلام، فإنه لا هجرة بعد الفتح، ويكون من التابعين بإحسان ". أخرجه الإمام أحمد (٣ / ٤٦٨، ٤٦٩) عن أبي معاوية شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن يحيى بن إسحاق عن مجاشع بن مسعود. أنه أتى النبي ﷺ بابن أخ له يبايعه على الهجرة، فقال رسول الله ﷺ ... " فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير يحيى بن إسحاق وهو الأنصاري قال ابن معين وابن حبان: " ثقة " وكذا قال الحافظ في " التقريب ". ثم أخرجه من طريق أبي عثمان النهدي عن مجاشع بن مسعود قال:

стр. 580

" انطلقت بأخي معبد إلى رسول الله ﷺ بعد الفتح، فقلت: يا رسول الله بايعه على الهجرة، فقال: مضت الهجرة لأهلها، قال: فقلت فماذا؟ قال: على الإسلام والجهاد ". زاد في رواية أخرى عن أبي عثمان النهدي: " قال: فلقيت معبدا بعد، وكان هو أكبرهما، فسألته؟ فقال: صدق مجاشع ". وإسناده صحيح على شرط الشيخين. ويلاحظ القارىء أن المبايع في الرواية الأولى ابن أخي مجاشع، وفي هذه أنه هو أخوه نفسه واسمه معبد، وهو أصح. والله أعلم. وأما قوله ﷺ " لا هجرة بعد الفتح " فقد صح من حديث ابن عباس وعائشة وأبي سعيد، وقد خرجتها في " إرواء الغليل " (١١٧٣) . ٢٩١ - " رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: الخطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون؟! ". هو من حديث أنس ﵁، وله عنه أربع طرق: الأولى: عن مالك بن دينار عنه. أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (ق ١٩٨ / ١) : حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد حدثنا هشام الدستوائي عن المغيرة ختن مالك بن دينار عن مالك بن دينا. وأخرجه بن حبان في " صحيحه " (رقم ٥٢ - ترتيبه) : أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا محمد بن المنهال الضرير: حدثنا يزيد بن زريع به

стр. 581

قلت: وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات معروفون غير المغيرة وهو بن حبيب أبو صالح الأزدي. أورده الذهبي في " الميزان " لقول الأزدي فيه: " منكر الحديث " وذكره بن حبان في " الثقات " وقال: " يروي عن سالم بن عبد الله وشهر بن حوشب، وعنه هشام الدستوائي وأهل البصرة، يغرب ". قلت: وأورده ابن أبي حاتم (٤ / ١ / ٢٢٠ / ٩٩١) ، وزاد في الرواة عنه حماد بن زيد وجعفر بن سليمان وصالح المري وبشر بن المفضل. ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. قلت: فمثله مما تطمئن النفس لحديثه، لرواية هذا الجمع من الثقات عنه، دون أن يعرف بما يسقط حديثه وأما قول الأزدي: " منكر الحديث " فمما لا يلتفت إليه لأنه معروف بالتعنت في التجريح، فلعله من أجل ذلك لم يورده الذهبي في كتابه الآخر الضعفاء ولا في ذيله. والله أعلم. وقد تابعه إبراهيم بن أدهم حدثنا مالك بن دينار به. أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (٨ / ٤٣ - ٤٤) وقال: " مشهور من حديث مالك عن أنس، غريب من حديث إبراهيم عنه ". قلت: وهو ثقة زاهد مشهور، وثقه جماعة من الأئمة كابن معين وغيره، فهي متابعة قوية للمغيرة فبذلك يصير الحديث صحيحا. والحمد لله على توفيقه. الثانية عن علي بن زيد بن جدعان عنه نحوه أخرجه عبد الله بن المبارك في " الزهد " (ق ١٩٢ / ١ من الكواكب) وأحمد (٣ / ١٢٠، ١٨٠، ٢٣١، ٢٣٩) وأبو يعلى (١٩١ / ١ - ٢ و ٢) والخطيب في

стр. 582

" التاريخ " (٦ / ١٩٩، ١٢ / ٤٧) عن حماد بن سلمة عنه. قلت: وهذا إسناد لا بأس به في المتابعات، رجاله ثقات رجال مسلم غير بن جدعان فإنه ضعيف من قبل حفظه وبعضهم يحسن حديثه. الثالثة عن سليمان التيمي عنه. أخرجه أبو نعيم (٨ / ١٧٢ - ١٧٣) : حدثنا طلحة بن أحمد بن الحسن العوفي حدثنا محمد بن علويه المصيصي حدثنا يوسف بن سعيد بن مسلم حدثنا عبد الله بن موسى حدثنا بن المبارك عن سليمان التيمي. وقال: " مشهور من حديث أنس، رواه عنه عدة، وحديث سليمان عزيز ". قلت: ورجاله ثقات رجال الشيخين غير يوسف بن سعيد بن مسلم وهو ثقة حافظ من شيوخ النسائي ولكني لم أعرف اللذين دونه. الرابعة عن خالد بن سلمة عنه. أخرجه الواحدي في " التفسير: الوسيط " (١ / ١٥ / ١) عن صالح بن أحمد الهروي: حدثنا أبو بجير محمد بن جابر حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي حدثنا سفيان عنه. قلت: وهذا سند رجاله ثقات معروفون غير الهروي هذا، فقد قال فيه أبو أحمد الحاكم: " فيه نظر ". قلت: وجملة القول: أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب، والحمد لله رب العالمين.

стр. 583

٢٩٢ - " يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه (وفي رواية: أقتاب بطنه) في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: يا فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه ". أخرجه البخاري (٢ /

стр. 584

٢٩٣ - " أنا أكبر منك سنا، والعيال على الله ورسوله، وأما الغيرة، فأرجو الله أن يذهبها ". أخرجه أبو يعلى في" مسنده " (١٩٨ / ١) : حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي حدثني عجلان ابن عبد الله من بني عدي عن مالك بن دينار عن أنس قال: لما حضرت أبا سلمة الوفاة، قالت أم سلمة إلى من تكلني؟ فقال اللهم إنك لإم سلمة خير من أبي سلمة، فلما توفي خطبها رسول الله ﷺ ، فقالت إني كبيرة السن قال: فذكره فتزوجها رسول الله ﷺ فأرسل إليها برحايين وجرة للماء "! قلت: وهذا سند جيد رجاله ثقات معروفون غير عجلان هذا فأورده ابن حبان في الثقات (٢ / ٢٣٤) وقال ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ١٩) عن أبي زرعة: " بصري لا بأس به ".

стр. 585

٢٩٤ - " من كان له ثلاثة بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته كن له حجابا من النار يوم القيامة ". أخرجه ابن ماجه (٣٦٦٩) وكذا البخاري في " الأدب المفرد " (رقم ٧٦) وأحمد (٤ / ١٥٤) من طريق حرملة بن عمران قال: سمعت أبا عشانة المعافري قال: سمعت عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره. قلت وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير أبي عشانة بضم المهملة وتشديد المعجمة، واسمه حي بن يؤمن بضم التحتانية وسكون الواو المصري وهو ثقة مشهور بكنيته. وقال البوصيري في " الزوائد " (٢٢١ / ١) : " إسناده صحيح، ورواه أحمد وأبو يعلى في " مسنديهما "، وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، رواه أبو داود والترمذي ". قلت: هذا الشاهد ضعيف، لجهالته واضطرابه، فأخرجه أبو داود (٥١٤٧) من طريق خالد، والبخاري في " الأدب المفرد " (٧٩) عن عبد العزيز بن محمد، وأحمد (٣ / ٤٢) عن إسماعيل بن زكريا، كلهم عن سهيل بن أبي صالح عن سعيد الأعشى - وهو سعيد بن عبد الرحمن بن مكمل الزهري - عن أيوب ابن بشير الأنصاري عن أبي سعيد الخدري مرفوعا بلفظ: " من عال ثلاث بنات، فأدبهن وزوجهن، وأحسن إليهن، فله الجنة ". ولفظ أحمد: " لا يكون لأحد ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو ابنتان، أو أختان فيتقي الله

стр. 586

فيهن، ويحسن إليهن، إلا دخل الجنة ". وهو لفظ البخاري باختصار. وأخرجه الترمذي (١ / ٣٤٩) من طريق عبد الله بن المبارك: أخبرنا ابن عيينة عن سهل بن أبي صالح عن أيوب بن بشير عن سعيد الأعشى عن أبي سعيد الخدري مرفوعا بلفظ: " من كان له ثلاث بنات أو.. " الحديث نحو لفظ أحمد. وكذا أخرجه ابن حبان (٢٠٤٤) من طريق إبراهيم بن بشار الرمادي حدثنا سفيان به. ووقع فيه بعض الأخطاء المطبعية في سنده. فهذا اضطراب شديد فيه عجيب، فبينما نرى في الرواية الأولى سعيد الأعشى هو شيخ سهيل بن أبي صالح، والراوي عن أيوب بن بشير، إذا بنا نراه في الرواية الأخرى شيخ أيوب بن بشير والراوي عن أبي سعيد، ثم هو مجهول لم يوثقه غير ابن حبان، ولهذا ضعفه الترمذي بقوله: " حديث غريب ". ٢٩٥ - " من كن له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فاتقى الله وأقام عليهن كان معي في الجنة هكذا، وأومأ بالسباحة والوسطى ". أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (١٧٠ / ١) : حدثنا شيبان حدثنا محمد بن زياد البرجمي حدثنا ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن زياد البرجمي وهو ثقة،

стр. 587

قال ابن عدي في " الكامل " (١٤ / ٢) : " قال لنا عبدان الأهوازي: سألت الفضل بن سهل الأعرج وابن إشكاب عن محمد بن زياد البرجمي هذا، فقالا: هو من ثقات أصحابنا ". وأورده ابن حبان في " الثقات " وقال (٢ / ٢٦٧) : " يروي عن ثابت البناني، روى عنه البصريون ". قلت: ولم يعرفه أبو حاتم الرازي فقال ابنه (٣ / ٢ / ٢٥٨) : " سألته عنه؟ فقال: هو مجهول ". وقد تابعه حماد بن زيد بلفظ آخر، وهو: " من عال ابنتين، أو ثلاث بنات، أو أختين أو ثلاث أخوات، حتى يمتن (وفي رواية: يبن، وفي أخرى يبلغن) أو يموت عنهن كنت أنا وهو كهاتين، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى ". ٢٩٦ - " من عال ابنتين أو ثلاث بنات أو أختين أو ثلاث أخوات حتى يمتن (وفي رواية: يبن وفي أخرى يبلغن) أو يموت عنهن كنت أنا وهو كهاتين وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى ". أخرجه أحمد (٣ / ١٤٧ - ١٤٨) : حدثنا يونس حدثنا حماد يعني ابن زيد عن ثابت عن أنس أو غيره، قال: قال رسول الله ﷺ فذكره. وأخرجه ابن حبان (٢٠٤٥) من طريقين آخرين عن حماد بن زيد به، ولم يقل: " أو غيره " وعنده الرواية الثانية. قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين. وأورده الهيثمي في " المجمع " (٨ / ١٥٧) بنحوه من رواية الطبراني في "الأوسط " بإسنادين قال: " ورجال أحدهما رجال الصحيح ". قلت: وعنده الرواية الثالثة، ومما يرجح هذه الرواية أنها ثبتت من طريق أخرى

стр. 588

عن أنس بنحوه، وهو. " من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه ". ٢٩٧ - " من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو. وضم أصابعه ". أخرجه مسلم (٨ / ٣٨ - ٣٩) واللفظ له، والترمذي (١ / ٣٤٩) من طريق محمد بن عبد العزيز عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. وقال الترمذي: " حديث حسن غريب ". قلت: وإسناده صحيح. وليس عند الترمذي: " حتى تبلغا ". وقال: " أنا دخلت وهو الجنة كهاتين، وأشار بأصبعيه ". ٢٩٨ - " يكفيك الماء ولا يضرك أثره ". أخرجه أبو داود (١ / ١٤١ - ١٤٢ - بشرح العون) وأحمد (٢ / ٣٨٠) قالا: حدثنا قتيبة بن سعيد أنبأنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة. " أن خولة بنت يسار أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إنه ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: إذا طهرت فاغسليه، ثم صلي فيه، فقالت: فإن لم يخرج الدم؟ قال ". فذكره. ورواه البيهقي في " السنن " (٢ / ٤٠٨) من طريق عثمان بن صالح حدثنا ابن لهيعة: حدثني يزيد ابن أبي حبيب به. وتابعهما عبد الله بن وهب فقال: أخبرنا ابن لهيعة به.

стр. 589

أخرجه البيهقي وكذا أبو الحسن القصار في " حديثه عن ابن أبي حاتم " (٢ / ٢) وابن الحمصي الصوفي في " منتخب من مسموعاته " (٣٣ / ١) وابن منده في " المعرفة " (٢ / ٣٢١ / ٢) . وقال البيهقي: إسناده ضعيف. " تفرد به ابن لهيعة ". قلت: وقال ابن الملقن في " خلاصة الإبريز للنبيه، حافظ أدلة التنبيه " (ق ٨٩ / ٢) : " وقد ضعفوه، ووثقه بعضهم ". وقال الحافظ في " فتح الباري " (١ / ٢٦٦) : " رواه أبو داود وغيره، وفي إسناده ضعف، وله شاهد مرسل ". ونقله عنه صاحب " عون المعبود " (١ / ١٤١ - ١٤٢) وأقره! وقال الحافظ أيضا في " بلوغ المرام ": " أخرجه الترمذي، وسنده ضعيف ". قال شارحه الصنعاني (١ / ٥٥) تبعا لأصله " بدر التمام " (١ / ٢٩ / ١) : " وكذلك أخرجه البيهقي، وفيه ابن لهيعة ". واغتر بقول الحافظ هذا جماعة فعزوه تبعا له إلى الترمذي، منهم صديق حسن خان في " الروضة الندية " (١ / ١٧) ، ومن قبله الشوكاني في " نيل الأوطار " فقال (١ / ٣٥) : " أخرجه الترمذي وأحمد وأبو داود، والبيهقي من طريقين عن خولة بنت يسار، وفيه ابن لهيعة ". وكذا قال الحافظ في " التلخيص " (١٣) لكنه لم يذكر الترمذي وأحمد. أقول: وفي كلمات هؤلاء الأفاضل من الأوهام ما لا يجوز السكوت عليه

стр. 590

فأقول: أولا: عزوه الترمذي وهم محض، فإنه لم يخرجه البتة، وإنما أشار إليه عقب حديث أسماء الآتي بقوله: " وفي الباب عن أبي هريرة، وأم قيس بنت محصن ". ولذلك لما شرع ابن سيد الناس في تخريج الحديث كعادته في تخريج أحاديث الترمذي المعلقة لم يزد على قوله: " رواه أحمد "، فلم يعزه لأي موضع من " سننه "، بل ولا لأي كتاب من كتبه الأخرى. وكذلك صنع المباركفوري في شرحه عليه. إلا أنه جاء بوهم آخر! فقال (١ / ١٢٨) . " أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه "! ثانيا: إطلاق الضعف على ابن لهيعة وإسناد حديثه هذا، ليس بصواب فإن المتقرر من مجموع كلام الأئمة فيه أنه ثقة في نفسه، ولكنه سيىء الحفظ، وقد كان يحدث من كتبه فلما احترقت حدث من حفظه فأخطأ، وقد نص بعضهم على أن حديثه صحيح إذا جاء من طريق أحد العبادلة الثلاثة: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرىء، فقال الحافظ عبد الغني ابن سعيد الأزدي: إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح، ابن المبارك وابن وهب والمقرىء. وذكر الساجي وغيره مثله. ونحوه قول نعيم بن حماد: سمعت ابن مهدي يقول: " لا أعتد بشيء سمعته من حديث ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك ونحوه ". وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى هذا بقوله في " التقريب ": " صدوق، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما ".

стр. 591

فإذا عرفت هذا تبين لك أن الحديث صحيح لأنه قد رواه عنه أحد العبادلة وهو عبد الله بن وهب عند البيهقي وغيره، كما سبق، فينبغي التفريق بين طريق أبي داود وغيره عن ابن لهيعة، فيقال: إنها ضعيفة، وبين طريق البيهقي، فتصحح لما ذكرنا. وهذا تحقيق دقيق استفدناه من تدقيقات الأئمة في بيان أحوال الرواة تجريحا وتعديلا. والتوفيق من الله تعالى. ثالثا: قول الشوكاني: " إن الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي من طريقين عن خولة بنت يسار، وفيه ابن لهيعة ". وهم أيضا، فإنه ليس للحديث عندهم إلا الطريق المتقدم عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة أن خولة بنت يسار. فالطريق ينتهي إلى أبي هريرة لا خولة، وعنه عيسى بن طلحة، ليس إلا. نعم قد رواه ابن لهيعة مرة على وجه آخر في شيخه فقال في رواية موسى بن داود الضبي عنه قال: حدثنا ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر عن عيسى بن طلحة به. أخرجه أحمد (٢ / ٣٤٤) ، فهذا إن كان ابن لهيعة قد حفظه من طريق أخرى له عن عيسى بن طلحة، وإلا فهو من أوهامه لأنها ليست من رواية أحد العبادلة عنه بل هي مخالفة لها كما سبق، وسواء كان هذا أو ذاك فلا يصح أن يقال في هذه الطريق أنها طريق أخرى وعن خولة أيضا! ! ولعل الشوكاني أراد بالطريق الأخرى ما أخرجه البيهقي عقب حديث أبي هريرة، من طريق مهدي بن حفص حدثنا علي بن ثابت عن الوازع بن نافع عن أبي سلمة ابن

стр. 592

عبد الرحمن عن خولة بنت يمان قالت: " قلت: يا رسول الله، إني أحيض، وليس لي إلا ثوب واحد، فيصيبه الدم. قال: اغسليه وصلي فيه. قلت: يا رسول الله، يبقى أثره. قال: لا يضر ". وقال: " قال إبراهيم الحربي: الوازع بن نافع غيره أوثق منه، ولم يسمع خولة بنت يمان أو يسار إلا في هذين الحديثين ". وأخرجه ابن منده في " المعرفه " (٢ / ٣٢١ / ٢) وابن سيد الناس في " شرح الترمذي " (١ / ٤٨ / ٢) من طريق عثمان بن أبي شيبة، أنبأنا علي ابن ثابت الجزري به، إلا أن الأول منهما قال " خولة " ولم ينسبها، وقال الآخر: " خولة بنت حكيم " وهو عنده من طريق الطبراني عن ابن أبي شيبة، وكذلك ذكره الهيثمي في " المجمع " (١ / ٢٨٢) من رواية الطبراني في الكبير وقال: " وفيه الوازع بن نافع وهو ضعيف ". قلت: بل هو متروك شديد الضعف، أورده الذهبي في " الضعفاء " وقال: " قال أحمد ويحيى: ليس بثقة ". ولذلك تعقب ابن التركماني البيهقي في تركه مثل هذا التجريح واختصاره على كلام إبراهيم الحربي الموهم بظاهره أنه ثقة لكن غيره أوثق منه! مع أنه ليس بثقة. ولعل قوله في رواية البيهقي " بنت يمان "، وقوله " بنت حكيم " في رواية الطبراني وغيره، إنما هو من الوازع هذا، ومن العجائب قول ابن عبد البر في " الاستيعاب " في ترجمة خولة بنت يسار بعد أن ذكر حديثها المتقدم:

стр. 593

" روى عنها أبو سلمة، وأخشى أن تكون خولة بنت اليمان، لأن إسناد حديثهما واحد، إنما هو علي بن ثابت عن الوازع بن نافع عن أبي سلمة بالحديث الذي ذكرنا في اسم خولة بنت اليمان (يعني حديث: " لا خير في جماعة النساء ... ") وبالذي ذكرنا ههنا، إلا أن من دون علي بن ثابت يختلف في الحديثين، وفي ذلك نظر ". ووجه العجب أن الحديث الذي أشار إليها بقوله " وبالذي ذكرنا هنا " إنما هو هذا الحديث الذي نحن في صدد الكلام عليه " ولا يضرك أثره " وهو الذي ذكره ابن عبد البر في ترجمة بنت يسار هذه كما أشرت إليه آنفا، وهو ليس من رواية أبي سلمة هذا عنها ولا عن غيرها، وإنما هو من رواية عيسى بن طلحة عن أبي هريرة كما سبق، فهذا طريق آخر للحديث، وفيه وقع اسمها منسوبا إلى يسار، والسند بذلك صحيح، فكيف نخشى أن يكون ذلك خطأ والصواب بنت يمان مع أن راويه علي بن ثابت ضعيف كما أشار إليه ابن عبد البر بل هو متروك كما سبق. وأعجب من ذلك أن الحافظ ابن حجر لما نقل كلام ابن عبد البر إلى قوله " لأن إسناد حديثهما واحد " رد عليه بقوله: " قلت: لا يلزم من كون الإسناد إليهما واحدا مع اختلاف المتن أن تكون واحدة " فسلم بقوله إن الإسناد واحد، مع أنه ليس كذلك، وهو الإمام الحافظ، فجل من لا يسهو ولا ينسى ﵎. رابعا: قول الحافظ فيما سبق: " وله شاهد مرسل "، وهم أيضا، فإننا لا نعلم له شاهدا مرسلا، ولا ذكره الحافظ في " التلخيص " وإنما ذكر له شاهدا موقوفا عن عائشة قالت: " إذا غسلت المرأة الدم فلم يذهب فلتغيره بصفرة ورس أو زعفران ".

стр. 594

أخرجه الدارمي (١ / ٢٣٨) وسكت عليه الحافظ (١٣) وسنده صحيح على شرط الشيخين. ورواه أبو داود بنحوه. انظر " صحيح أبي داود " (ج ٣ رقم ٣٨٣) . والحديث دليل على نجاسة دم الحيض لأمره ﷺ بغسله، وظاهره أنه يكفي فيه الغسل، ولا يجب فيه استعمال شيء من الحواد والمواد القاطعة لأثر الدم، ويؤيده الحديث الآتي: " إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء (وفي رواية: ثم اقرصيه بماء ثم انضحي في سائره) ثم لتصلي فيه ". ٢٩٩ - " إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء (وفي رواية: ثم اقرصيه بماء ثم انضحي في سائره) ثم لتصلي فيه ". أخرجه مالك (١ / ٧٩) وعنه البخاري (١ / ٣٢٥) ومسلم (١ / ١٦٦) وأبو داود (ج ٣ رقم ٣٨٦ - صحيحه) والبيهقي (١ / ١٣) كلهم عن مالك عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنها قالت: " سألت امرأة رسول الله ﷺ فقالت: أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع فيه؟ فقال رسول الله ﷺ ... " فذكره. وتابعه يحيى بن سعيد عن هشام به. أخرجه البخاري (١ / ٢٦٤) ومسلم والبيهقي (٢ / ٤٠٦) وأحمد (٦ / ٣٤٦، ٣٥٣) . وتابعه حماد بن سلمة عنه به، وزاد: " وانضحي ما حوله ". أخرجه أبو داود (رقم ٣٨٧) والنسائي (١ / ٦٩) وأبو داود الطيالسي (١٦٣٨) والزيادة له، ولأبي داود معناها.

стр. 595

قلت: وسنده على شرط مسلم. وتابعه وكيع عنه. أخرجه مسلم. ويحيى بن عبد الله بن سالم وعمرو بن الحارث. أخرجه مسلم والبيهقي. وتابعه عيسى بن يونس عنه. أخرجه أبو داود. وتابعه أبو خالد الأحمر عن هشام به. أخرجه ابن ماجه (١ / ٢١٧) : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر به. ولفظه: " اقرصيه، واغسليه وصلي فيه ". وتابعه أبو معاوية قال: حدثنا هشام به. أخرجه أحمد (٦ / ٣٤٥ و ٣٥٣) . وتابعه سفيان بن عيينة عن هشام به إلا أنه قال: " اقرصيه بالماء ثم رشيه ". أخرجه الترمذي (١ / ٢٥٤ - ٢٥٥) والدارمي (١ / ٢٣٩) والشافعي في " الأم " (١ / ٥٨) والبيهقي (١ / ١٣، ٢ / ٤٠٦) . وقال الترمذي: " وفي الباب عن أبي هريرة، وأم قيس بنت محصن ". قال: " حديث أسماء حديث حسن صحيح ". (تنبيه) اتفق جميع هؤلاء الرواة عن هشام بن عروة على تنكير المرأة السائلة وعدم تسميتها، إلا سفيان بن عيينة في رواية الشافعي وعمرو بن عون عند الدارمي

стр. 596

فإنهما قالا عنه: " عن أسماء قالت: سألت رسول الله ﷺ . فجعلا الراوية هي السائلة، وخالفهما الحميدي عند البيهقي وابن أبي عمر عند الترمذي فقالا عن سفيان بن عيينة مثل رواية الجماعة. ولا شك أنها هي المحفوظة. ورواية الشافعي وابن عون شاذة لمخالفتها لرواية الجماعة عن هشام، ورواية الحميدي وابن أبي عمر عن سفيان، ولذلك ضعفها النووي فأصاب، ولكنه لم يفصح عن العلة، فأوهم ما لا يريد، ولذلك تعقبه الحافظ في " الفتح " فقال (١ / ٢٦٤) بعد أن ذكر رواية الشافعي هذه: " وأغرب النووي فضعف هذه الرواية بلا دليل، وهي صحيحة الإسناد لا علة لها، ولا بعد في أن يهم الراوي اسم نفسه كما سيأتي في حديث أبي سعيد في قصة الرقية بفاتحة الكتاب ". وقال في " التلخيص " (١٣) : " (تنبيه) : زعم النووي في " شرح المهذب " أن الشافعي روى في " الأم أن أسماء هي السائلة بإسناد ضعيف. وهذا خطأ، بل إسناده في غاية الصحة، وكأن النووي قلد في ذلك ابن الصلاح، وزعم جماعة ممن تكلم على " المهذب " أنه غلط في قوله إن أسماء هي السائلة، وهم الغالطون ". قلت: كلا، بل هم المصيبون، والحافظ هو الغالط، والسبب ثقته البالغة بحفظ الشافعي وهو حري بذلك، لكن رواية الجماعة أضبط وأحفظ، ويمكن أن يقال: إن الغلط ليس من الشافعي، بل من ابن عيينة نفسه، بدليل أنه صح عنه الروايتان، الموافقة لرواية الجماعة، والمخالفة لها، فروى الشافعي والذي معه هذه، وروى الحميدي والذي معه رواية الجماعة، فكانت أولى وأصح، وخلافها معلولة بالشذوذ، ولو أن الحافظ ﵀ جمع الروايات عن هشام كما فعلنا، لم يعترض

стр. 597

على النووي ومن معه، بل لوافقهم على تغليطهم لهذه الرواية. والعصمة لله وحده. وأما قوله " ولا بعد في أن يبهم الراوي ... " فمسلم، ولكن ذلك عندما لا تكون الرواية التي وقع فيها التسمية شاذة كما هنا. ومما يؤيد ما تقدم أن محمد بن إسحاق قد تابع هشاما على روايته فقال: حدثتني فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قالت: " سمعت امرأة تسأل رسول الله ﷺ عن ثوبها إذا طهرت من محيضها كيف تصنع به؟ قال: إن رأيت فيه دما فحكيه، ثم اقرصيه بماء، ثم انضحي في سائره فصلي فيه ". أخرجه أبو داود (٣٨٥) والدارمي (١ / ٢٣٩) والسياق له والبيهقي (٢ / ٤٠٦) وسنده حسن. فقولها " سمعت امرأة " مما يبعد أن تكون هي السامعة كما هو ظاهر. (تنبيه) في هذه الرواية زيادة " ثم انضحي في سائره "، وهي زيادة هامة لأنها تبين أن قوله في رواية هشام " ثم لتنضحه " ليس المراد نضح مكان الدم، بل الثوب كله. ويشهد لها حديث عائشة قالت: " كانت إحدانا تحيض ثم تقرص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه ". أخرجه البخاري (١ / ٣٢٦) وابن ماجه (١ / ٢١٧) والبيهقي (٢ / ٤٠٦ - ٤٠٧) . وظاهر الحديث يدل كالحديث الذي قبله على أن الماء يكفي في غسل دم الحيض وأنه لا يجب فيه استعمال شيء من الحواد كالسدر والصابون ونحوه، لكن قد جاء ما يدل على وجوب ذلك وهو الحديث الآتي. " حكيه بضلع، واغسليه بماء وسدر ".

стр. 598

٣٠٠ - " حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر ". أخرجه أبو داود (١ / ١٤١ - بشرح عون المعبود) والنسائي (١ / ٦٩) والدارمي (١ / ٢٣٩) وابن ماجه (١ / ٢١٧) وابن حبان في " صحيحه " (٢٣٥) والبيهقي (٢ / ٤٠٧) وأحمد (٦ / ٣٥٥، ٣٥٦) من طرق عن سفيان: حدثني ثابت الحداد حدثني عدي بن دينار قال: سمعت أم قيس بنت محصن تقول: " سألت النبي ﷺ عن دم الحيض يكون في الثوب؟ قال ... " فذكره. قلت: وهذا سند صحيح ورجاله كلهم ثقات، وفي ثابت الحداد وهو ابن هرمز الكوفي مولى بكر بن وائل خلاف يسير، وثقه أحمد وابن معين وابن المديني وغيرهم، وتكلم فيه بعضهم بدون حجة، وفي " التقريب ": " صدوق يهم ". وكأنه لهذا لم يصحح الحافظ في " الفتح " (١ / ٢٦٦) إسناده، بل قال: " إسناده حسن ". وقال في " التهذيب ": " وأخرج ابن خزيمة وابن حبان حديثه في الحيض في " صحيحيهما "، وصححه ابن القطان، وقال عقبه: لا أعلم له علة، وثابت ثقة ولا أعلم أحدا ضعفه غير الدارقطني ". ونقل في " التلخيص " (ص ١٢ - ١٣) تصحيح ابن القطان هذا وأقره، وهو الصواب. (تنبيه) : قوله " بضلع " كذا وقع عند جميع من أخرج الحديث بالضاد المعجمة، وهو بالكسر وفتح اللام ويكسر، وهو العود. لكن قال الحافظ في " التلخيص " (١٣) :

стр. 599

" ضبطه ابن دقيق العيد بفتح الصاد المهملة وإسكان اللام ثم عين مهملة وهو الحجر. قال: ووقع في بعض المواضع بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام، ولعله تصحيف لأنه لا معنى يقضي تخصيص الضلع بذلك. كذا قال. لكن قال الصغاني في " العباب " في مادة " ضلع " بالمعجمة: " وفي الحديث حتيه بضلع ". قال ابن الأعرابي: الضلع ههنا العود الذي فيه اعوجاج. وكذا ذكره الأزهري في المادة المذكورة وزاد عن الليث: قال: " الأصل فيه ضلع الحيوان فسمي به العود الذي يشبهه ". فقه الحديث يستفاد من هذه الأحاديث أحكام كثيرة أذكر أهمها: الأول: أن النجاسات إنما تزال بالماء دون غيره من المائعات، لأن جميع النجاسات بمثابة دم الحيض، ولا فرق بينه وبينها اتفاقا. وهو مذهب الجمهور وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر. قال الشوكاني (١ / ٣٥) : " والحق أن الماء أصل في التطهير لوصفه بذلك كتابا وسنة وصفا مطلقا غير مقيد لكن القول بتعينه وعدم إجزاء غيره يرده حديث مسح النعل وفرك المني، وإماطته بإذخرة، وأمثال ذلك كثير، فالإنصاف أن يقال أنه يطهر كل فرد من أفراد النجاسات المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النص، لكنه إن كان ذلك الفرد المحال عليه هو الماء فلا يجوز العدول إلى غيره للمزية التي اختص بها وعدم مساواة غيره له فيها، وإن كان ذلك الفرد غير الماء جاز العدول عنه إلى الماء لذلك، وإن وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع الإحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهرات بل مجرد الأمر بمطلق التطهير فالاقتصار على الماء هو اللازم لحصول الامتثال به بالقطع، وغيره مشكوك فيه. وهذه طريقة متوسطة بين القولين لا محيص عن سلوكها ".

стр. 600

قلت: وهذا هو التحقيق فشد عليه بالنواجذ. ومما يدل على أن غير الماء لا يجزىء في دم الحيض قوله ﷺ في الحديث الثاني: " يكفيك الماء " فإن مفهومه أن غير الماء لا يكفي. فتأمل. الثاني: أنه يجب غسل دم الحيض ولو قل، لعموم الأمر، وهل يجب استعمال شيء من المواد لقطع أثر النجاسة كالسدر والصابون ونحوهما؟ فذهب الحنفية وغيرهم إلى عدم الوجوب مستدلين بعدم ورود الحاد في الحديثين الأولين، وذهب الشافعي والعترة كما في " نيل الأوطار " (١ / ٣٥ - ٣٦) إلى الوجوب واستدلوا بالأمر بالسدر في الحديث الثالث وهو من المواد، وجنح إلى هذا الصنعاني فقال في " سبل السلام " (١ / ٥٥) ردا على الشارح المغربي في قوله " والقول الأول أظهر ": " وقد يقال: قد ورد الأمر بالغسل لدم الحيض بالماء والسدر، والسدر من الحواد والحديث، الوارد به في غاية الصحة كما عرفت، فيقيد به ما أطلق في غيره (كالحديثين السابقين) ويخص الحاد بدم الحيض، ولا يقاس عليه غيره من النجاسات، وذلك لعدم تحقق شروط القياس، ويحمل حديث " ولا يضرك أثره "، وقول عائشة: " فلم يذهب " أي بعد الحاد ". قلت: وهذا هو الأقرب إلى ظاهر الحديث، ومن الغريب أن ابن حزم لم يتعرض له في " المحلى " (١ / ١٠٢) بذكر، فكأنه لم يبلغه. الثالث: أن دم الحيض نجس للأمر بغسله، وعليه الإجماع كما ذكره الشوكاني (١ / ٣٥) عن النووي، وأما سائر الدماء فلا أعلم نجاستها اللهم إلا ما ذكره القرطبي في " تفسيره " (٢ / ٢٢١) من " اتفقا العلماء على نجاسة الدم ". هكذا قال " الدم " فأطلقه، وفيه نظر من وجهين: الأول: أن ابن رشد ذكر ذلك مقيدا، فقال في " البداية " (١ / ٦٢) :
следующие страницы →