وهذا لا يمنع من الاستشهاد به، ومتابعة ابن جدعان له ترفع عنه النكارة،
وبها يثبت الحديث بتمامه، والله أعلم.
والحديث جزم شيخ الإسلام ابن تيمية في "الرد على البكري " (ص ٢٩١)
بنسبته إلى النبي ﷺ .
وكنت قد أشرت إلى ضعفه في "تحريم آلات الطرب " (ص ١٢٣) ، وجزمت
في "ضعيف الأدب المفرد" (٥٥/٣٤٢) أنه ضعيف بهذا التمام، وأحلت على "الضعيفة" (٢٩٢٢) ، ولم أكن وقفتُ- حينذاك- على متابعة الزهريِّ لابن جدعان، فسبحان من قد أحاط بكل شيء علماً، والمعصوم من عصمه الله. *
٣١٨٠ - (لا يُتمَ بعدَ احتلامٍ، ولا يُتمَ على جاريةٍ إذا هي حاضت) . أخرجه الطبراني في "الكبير" (٤/١٦/٣٥٠٢) : حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي: ثنا محمد بن أبي بكر المقدَّمي: ثنا سَلمُ بن قتيبة: ثنا ذيَّالُ بن عُبَيد قال: سمعت جدي حنظلة يقول: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات معروفون؛ وذيَّال بن عُبيد وثقه
ابن معين، وابن حبان (٤/٢٢٢) ، ولا ينافيه قول ابن أبي حاتم بعد أن روى توثيق ابن معين:
"سألت أبي عنه؟ فقال: تابعي. قلت: يحتج بحديثه؟ فقال: شيخ أعرابي ".
فأقول: إنه يشير بذلك إلى أنه وسط ليس في الحجة كغيره من الحفاظ المشهورين، وقد روى عنه جمع من الثقات، ولهذا؛ قال فيه الحافظ في"التقريب ": "صدوق". وقال في"التلخيص الحبير" (٣/ ١٠١) :
стр. 5357
"وإسناده لا بأس به ". وقال شيخه الهيثمي في مجمع الزوائد" (٤/٢٢٦) :
"رواه الطبراني، ورجاله ثقات ".
وعزاه الحافظ في ترجمة حنظلة من "الإصابة" للحسن بن سفيان والباوردي
وابن السكن من طريق سلم بن قتيبة به.
وللحديث طرق أخرى كنت خرجتها في "الإرواء" (٥/٧٩- ٨٣) وبينت
عللها، وانتهيت إلى أنه صحيح بمجموعها، وبخاصة وأن من بينها حديثاً صحيحاً موقوفاً على ابن عباس، وآخر مرفوعاً حسنه النووي في "الرياض" (١٨٠٨- بتحقيقي) ، فعارضني في ذلك أحد الناشئين الأغمار في هذا المجال، فذكره في "الأحاديث الضعيفة"التي استخرجها من كتاب "الرياض"، وجعلها في آخر الكتاب من طبعته هو، استعمل فيها مِعوَل الهدم في الأحاديث الصحيحة، بغير علم ولا هدى؛ لأنه لا علم عنده بهذا الفن، ويغلب عليه التعلق بالجرح بالراوي وبأحاديثه، مهما كان الجرح سهلاً لا يعارض به التوثيق، أو أن يتابع ممن يتقوى به حديثه عند أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، بل رأيته أحياناً يتجاهل التوثيق أو ينكره لِيسلمَ له الجرح والتضعيف، وقد دلت طريقة تضعيفه على أنه لا يتبنى الحديث المعروف عند المحدثين بالحديث الصحيح لغيره، بله الحديث الحسن لغيره، الذي ينتج من تقوية الحديث الضعيف بالشواهد والطرق، والذي يكني الترمذي عنه بقوله:
"حديث حسن " فقط دون قوله: "حديث حسن غريب "؛ كما نص عليه في آخر كتابه؛ الأمر الذي ذكرني بضلال أحد المدعين العلم والطاعنين في السنة والأحاديث الصحيحة بهواه أيضاً، قال- بجهل بالغ في تعليقه على
"دفع شبه التشبيه " (ص ٦٤) -:
"والقول الفصل: أنه لا يجوز تصحيح الأحاديث بالشواهد ألبتة"!
стр. 5358
ثم أعاد هذا المعنى في أواخر الكتاب، فقال (ص ٢٢٢) :
"ولسنا ممن يصحح بالشواهد" (١) !
على مثل هذا وغيره-مما يخالف القواعد العلمية التي وضعها علماء الإسلام- جرى المشار إليه، فيا ترى من السابق منهما إلى مثل هذه الجهالة؟! وهل كان ذلك من باب (تشابهت قلوبهم) ، أم أن أحدهما يلقَّن الآخر، أو كما قال تعالى: (أتواصوا به بل هم قوم طاغون) ؟!
والمقصود أن المومى إليه ضعف هذا الحديث في "ضعيفته " المشار إليها آنفاً برقم (١٢٥) ، ناظراً إلى مفردات طرقه دون أن يعتمد على ما يعطيه مجموعها من قوة للحديث! فماذا يا ترى سيكون موقفه من طريق حديث الترجمة؟! إن أخشى ما أخشاه أن يبتدع له علة يتشبث بها للطعن فيه، كما فعل في بعض طرق حديث العرباض بن سارية في الموعظة؛ فإنه مع تضعيفه إياه من جميع طرقه على تلك القاعدة المشؤومة، ومع أن أكثرها صحيحة؛ فإني لما قدَّمت إليه
طريقاً أخرى من "مسند الشاميين"لم يكن وقف عليها؛ اعترف بصحتها
بحضورنا، ثم نكص على عقبيه، كما تراه مبيناً في الاستدراك رقم (١٣)
المطبوع في آخر المجلد الثاني من "سلسلة الأحاديث الصحيحة" الطبعة الجديدة!
والله المستعان.
стр. 5359
أحاديث في تحريك الإصبع في التشهد، والردُّ على من أنكره
٣١٨١ - (كان يشير بإصبعه السَّبَّاحةِ في الصلاة) .
أخرجه أحمد (٣/٤٠٧) ، والبخاري في "التاريخ " (٢/ ١/٢٩٦) من طريق سفيان عن منصور عن أبي سعيد الخُزاعي عن عبد الرحمن بن أبزى أن رسول الله ﷺ ... فذ كره.
قلت: وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي سعيد هذا.
وقال جرير: عن منصور عن راشد أبي سعد؛ أخرجه أحمد أيضاً، وفي ترجمته أورده البخاري، ولم يذكر فيه جرحاً. وأورده ابن حبان في "الثقات "،
وسمى أباه سعداً، فقال (٦/٣٠٣) :
"راشد بن سعد أبو سعد، يروي عن عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ، روى عنه منصور
والأعمش ".
وقال المعلق عليه:
"لم يسم أباه البخاري، ولا ابن أبي حاتم، ولا صاحب "التهذيب ".. "!
قلت: هو ليس في "التهذيب " مطلقاً؛ فتنبه.
وللحديث شواهد تؤكد صحته من حديث جمع من الصحابة:
أولاً: أبو حميد الساعدي في وصفه لتشهد النبي ﷺ قال فيه:
"ثم يشير في الدعاء بإصبع واحدة".
أخرجه ابن حبان في "صحيحه " (٣/ ١٧٠- ١٧١- الإحسان) ، والطحاوي
стр. 5360
في"شرح معاني الآثار" (١/١٥٣) ، والسَّرَّاج في"مسنده" (ق ٥ ٢/ ١) ، والبيهقي (٢/١٠١- ١٠٢) بسند فيه جهالة، بينته فى "ضعيف أبى داود" (١١٨) ، وعدَّه
ابن حبان محفوظاً.
ثانياً: خُفافُ بن إيماءٍ قال:
"كان رسول الله ﷺ إذا جلس في آخر صلاته " يشير بإصبعه السبابة، وكان المشركون يقولون: يسحر بها؛ وكذبوا، ولكنه التوحيد".
أخرجه أحمد (٤/٥٧) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٤/٢٥٧/٤١٧٦)
- والسياق له-، والبيهقي (٢/١٣٣) بسند رجاله ثقات؛ لكن أدخل بعضهم بين تابعي الحديث وخفاف رجلاً لم يسم.
ثالثاً: وائل بن حُجر في حديث وصفه لتشهده ﷺ قال:
"ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها، يدعو بها".
أخرجه أصحاب بعض "السنن " وغيرهم، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان،
وابن الجارود، وابن الملقن، والنووي، وابن القيم، وا بن حجر العسقلاني، وهو مخرج في "الإرواء" (٢/٦٨- ٦٩) ، و"صحيح أبي داود" (٧١٧) ، وهو شاهد قوي لحديث الترجمة؛ فإن قوله فيه: "يشير"بمعنى قول وائل: "يحركها"، كما يأتي بيانه قريباً إن شاء الله تعالى.
وقد شذ بعض المتأخرين عن هؤلاء الأئمة المصحِّحين للحديث- وغيرهم ممن تلقى الحديث بالقبول وعمل به أو تأوله، كما بينت ذلك في "تمام المنة"
(ص ٢١٨) - " فضعفوه بدعوى تفرد زائدة بن قدامة عن عاصم بن كليب..
بقوله: "يحركها"دون سائر أصحاب عاصم، وقد رددت على هؤلاء المتأخرين
في
стр. 5361
المصدر المذكور بما خلاصته أن الإشارة لا تنافي التحريك، كل ما في الأمر أنها ليست نصاً في التحريك، ولا هي تنافيه، مع مخالفتهم لأولئك الأئمة كما حققته هناك؛ فليرجع إليه من شاء التوسع.
ولكنني أريد الآن أن أؤكد صحة حديث زائدة بمتابعات مِن غيرِهِ له، تبين للقراء وهم أولئك المتأخرين في تضعيفهم لحديثه ومخالفتهم للأئمة، وذلك؛ بمناسبة أنني وقفت أخيراً على رسالة لأحد الطلبة المتعلقين بهذا العلم سماها: "المنهج الصحيح في الحكم على الحديث النبوي الشريف " بقلم عادل مرشد، ويذكر فيها أنه من تلامذة الشيخ شعيب الأرناؤوط، ويبدو لي منها أنها إن لم تكن من تأليفه، فهي على الغالب من تلقينه إياه، ويهمُّني منها الآن أنه ذكر حديث زائدة هذا مثالاً من أربعة أمثلة للحديث الشاذ بزعمه، وهو في ذلك مقلد لمن سبقت الإشارة إليهم من المتأخرين، ولم يأت هو بشيء جديد إلا الكشف عن جهله، وأنه ليس أهلاً للخوض في مثل هذا الموضوع الخطير! فعياذاً بالله تعالى من العجب والغرور وحب الظهور؛ فإنه يقصم الظهور! وهاك البيان:
لقد سمى الرجل أحد عشر راوياً من أصحاب عاصم بن كُلَيب عارض بهم رواية زائدة (١) ، مشيراً إلى مصادرها من كتب السنة مرقماً إياهم بأرقام متسلسلة، وأنت إذا رجعت إلى تلك المصادر؛ وجدت أنه موَّه على القراء بما لا طائل تحته ببعض من سمى مثل: "٧- عبد الله بن إدريس عند ابن ماجه (٩١٢) و: "٩- أبو عوانة عند الطبراني ٢٢/ ٩٠"؛ فإن هذين لا يجوز حشرهم مخالفين لرواية زائدة؛ لأنهما لم يذكرا الإشارة مطلقاً، وذلك يدل أنهم اختصروا الحديث، خلافاً للذين
стр. 5362
أثبتوها، وهم التسعة الباقون، فكما لا يجوز معارضتهم بروايتهما، فكذلك لا يجوز معارضة رواية زائدة بهما! وذلك؛ لأن معه- كالتسعة- زيادة علم، وزيادة الثقة مقبولة كما هو ظاهر معروف عند أهل العلم.
إذا تبين هذا؛ فلننظر في روايات التسعة الباقين وألفاظهم، فإننا سنجد فيهم
من وافق زائدة على روايته التحريك من حيث المعنى، وإن اختلفت ألفاظهم، ولست أدري إذا كان عدم سرده إياها كان عن عمد أو جهل، وأحلاهما مر! فأقدَّم أسماءهم مع التخريج حسبما جاء في رسالته، معقّباً لها بألفاظهم المشار إليها:
الأ ول: " ٤- أبو الأ حوص سلَاّم بن سُليمٍ عند الطيالسي (١٠٢٠) ، والطبراني (٢٢/٨٠) ".
فأقول: لفظه عند المذكورين: "وجعل يدعو"، زاد الطيالسي: "هكذا يعني:
بالسبابة، يشير بها".
الثاني: "٨- زهير بن معاوية عند أحمد (٤/٣١٨) ، والطبراني (٢٢/٨٤) ".
قلت: ولفظهما: "ثم رأيته يقول هكذا، ورفع زهير بإصبعه المسبَّحة".
الثالث: " ١١- بشر بن المُفضَّل عند النسائي (٣/ ٣٥- ٣٦) ".
قلت: ولفظه: ورأيته يقول هكذا؛ وأشار بشر بالسبابة من اليمنى وحلَّق
الإبهام والوسطى".
ورواية بشر هذه: أخرجها ابن خزيمة أيضاً في "صحيحه " (١/٣٥٣/٧١٣) مقرونة برواية عبد الله بن إدريس بلفظ:
"ثم حلَّق، وجعل يشير بالسباحة يدعو".
стр. 5363
قلت: فهذه الألفاظ من هؤلاء الثقات الأربعة تؤيد رواية زائدة، وتؤكد صحتها وبطلان إعلال هؤلاء المتأخرين لها بالشذوذ، وذلك؛ لأن قول زهير وبشر:
"يقول هكذا": هو بمعنى رواية أبي الأحو ص وابن إدريس: "يشير"؛ لأنه فعل مضارع يفيد التكرار عند العارفين باللغة العربية وآدابها، كما هو الشأن في قول زائدة: "يحرِّكها"، ولذلك؛ أنكرها المتأخرون المشار إليهم آنفاً، فكذلك قول هؤلاء الثقات: "يشير"؛هو فعل مضارع يفيد تكرر الإشارة ولا فرق، فهو بمعنى"يحرك "، وهذا ظاهر جداً، فلا أدري كيف خفي ذلك على المنكرين للتحريك؟! وإن مما يؤكد ما ذكرت: زيادة أبي الأحو ص، وكذا بشر عند ابن خزيمة: "وجعل.. يشير بها"؛فإنه أصرح في الدلالة على الإشارة والتحريك، وهذا ظاهر أيضاً.
والخلاصة: أن حديث وائل من رواية زائدة في التحريك صحيح، وله متابعون ثقات في معناه، وأن الذين أعلوه بالشذوذ تغافلوا عن روايات الثقات الموافقة له، وعن إفادة الفعل المضارع الاستمرار، كما تجاهلوا تصحيح الأئمة المتقدمين له، واستعلوا عليهم! وادعوا علم ما لم يعلموا!
ومن الغريب حقاً: أن تلميذ الشيخ شعيب المومى إليه- والذي يتبجّح بالتتلمذ
عليه والعمل تحت إشرافه وتوجيهه- قد خالف في هذا الحديث شيخه أيضاً! فإن
هذا قد قال في تعليقه على حديث زائدة هذا في "صحيح ابن حبان " (٥/١٧١) : "إسناده قوي "! ولم يعله بالشذوذ، وهو الحق!
فلا أدري أتراجع الشيخ عن هذه التقوية إلى رأي التلميذ وجهله، أم أصابه منه
ما أصابه من تلميذه الآخر (حسان عبد المنان) من المخالفة في عشرات الأحاديث التي ضعفها من "رياض الصالحين "، وذكر في أعقابها أن الشيخ وافقه عليها، مع أن بعضها قد صححها أيضاً في بعض تعليقاته؟!
ذلك مما ستكشفه الأيام.
стр. 5364
وانظر بعض الأحاديث الصحيحة التي ضعفها (حسان) هذا بجهل بالغ في الاستدراك رقم (٦و١١و١٣) في آخر المجلد الثاني من "سلسلة الأحاديث الصحيحة" الطبعة الجديدة، والاستدراك (١٤) ، فتحته حديث آخر صحيح ضعفه المسمى ب (عادل) بجهل بالغ يدل على أنه لا فقه عنده.
(تنبيه) : ثم وقفت على حديث خُفاف بن إيماء في "مسند أبي يعلى"
(٢/٢٠٧- ٢٠٨) من طريق يزيد بن عياض عن عمران بن أبي أنس عن أبي القاسم مقسم مولى بني ربيعة عن الحارث قال:
صليت في مسجد بني غفار، فلما جلست؛ جعلت أدعو وأشير بإصبع واحدة، فدخل عليَّ خفاف بن إيماء الغفاري وأنا كذلك، فقال: ... فذكر الحديث.
فقال المعلق عليه- بعد أن ضعفه بيزيد بن عياض، وخرجه من رواية أحمد والبيهقي-:
"وهو إسناد ظاهره أنه منقطع، غير أن الرواية التي عندنا هنا لعلها تُعِينُ في
تعيين الرجل المجهول وأنه ابن خُفاف، فإذا كان الأمر كذلك يكون الإسناد صحيحاً"!
كذا قال! وهو عجيب غريب لأمور:
أولاً: ليس في الإسناد التصريح بأن الحارث هو ابن خفاف، بل الظاهر أنه
غيره؛ إذ لو كان كذلك لقال: "دخل علي أبي خُفافٌ" أو نحوه، ولم يكن مقبولاً
منه قوله: "صليت في مسجد بني غفار" وهو غفاري!
ثانياً: لو كان فيه التصريح بأنه ابن خفاف؛ لم يكن الإسناد صحيحاً، كيف
وفيه يزيد بن عياض وقد ضعفه؟!
стр. 5365
ثالثاً: إن اقتصاره على تضعيف يزيد فيه تساهل واضح؛ فإن الرجل أسوأ
حالاً؛ فقد تركه النسائي وغيره، وقال الحافظ في "التقريب ":
"كذبه مالك وغيره ". *
٣١٨٢ - (كان إذا حزبَه أمرٌ، قال: يا حيُ! يا قيُّومُ! برحمتِكَ
أستغيثُ) .
أخرجه الترمذي (٩/١٨٥/٣٥٢٤) ، وابن السني في "عمل اليوم والليلة "
(١٠٩/٣٣٢) - واللفظ له- من طريق يزيد الرّقاشي عن أنس بن مالك قال: ... فذكره. وقال الترمذي:
"حديث غريب ".
قلت: وعلته يزيد هذا- وهو ابن أبان-، وهو ضعيف كما في "الكاشف "
و"التقريب "، مع صلاحه وعبادته.
لكن له شاهد من حديث عبد الله بن مسعود قال:
كان رسول الله ﷺ إذا نزل به هم أو غم قال: ... فذكره.
أخرجه الحاكم في "المستدرك " (١/٥٠٩) ، ومن طريقه البيهقي في "الدعوات الكبير" (١٢٧/ ١٧٠) ، من طريق النضر بن إسماعيل البجلي: ثنا عبد الرحمن بن إسحاق: ثنا القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عنه. وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد". ورده الذهبي بقوله:
"قلت: عبد الرحمن لم يسمع من أبيه، وعبد الرحمن ومن بعده ليسوا
بحجة".
стр. 5366
وتعقبه المعلق عليه بقوله:
"أقول: ذكره في "التقريب "، فقال: ثقة من صغار الثانية (التابعين) ، مات
سنة تسع وسبعين، وقد سمع من أبيه، ولكن شيئاً يسيراً. وقال في ترجمة ابنه القاسم: ثقة عابد من الرابعة. فكيف يصح إطلاق الذهبي عدم حُجِّيّتِهم؟ الحسن النعماني ".
قلت: يرد عليه أمران:
الأول: أنه لا يصح الاعتراض بقول الحافظ ابن حجر على الذهبي، لجواز أن يكون الراجح عنده عدم سماع عبد الرحمن من أبيه؛ فإن الحفاظ مختلفون فيه،
وإن كان الراجح ما ذكره الحافظ.
والآخر: أن النعماني لم يفهم كلام الذهبي؛ فإن قوله: "وعبد الرحمن ومن
بعده ليسوا بحجة" لا يعني عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وإنما عبد الرحمن ابن إسحاق- وهو أبو شيبة الواسطي-؛ فقد قال فيه في "الكاشف " وغيره:
"ضعفوه ".
والراوي عنه: النضر بن إسماعيل البجلي قال فيه في "الكاشف ":
"ليس بالقوي ". وكذا قال الحافظ في "التقريب ".
وانظر تعليق الأخ بدر على "الدعوات ".
ويشهد للحديث ما علمه النبي ﷺ لفاطمة ﵂ أن تقول إذا
أصبحت وإذا أمست:
"يا حي! يا قيوم! برحمتك أستغيث، وأصلح لي شأني كله، ولا تكلني
стр. 5367
إلى نفسي طرفة عين أبداً".
رواه النسائي وغيره بسند حسن، وصححه المنذري، وقد مضى تخريجه برقم (٢٢٧) .
(تنبيه) : أورد شيخ الإسلام ابن تيمية حديث الترجمة في "الكلم الطيب "
(رقم ١١٨) بلفظ ابن السني معزوّاً للترمذي، وإنما هو عنده بلفظ: "كربة"، وتبعه على ذلك تلميذه ابن القيم في "الوابل الصيب " (٢٣٥) ! وسكت عليه- وعن الكشف عن علته-: الشيخ الأنصاري كما هي عادته! وكذلك فعل الشيخ عبد القادر الأرناؤوط في طبعته ل "أذكار النووي " (ص١٠٢) ، لكن الحديث فيه بلفظ الترمذي معزواً إليه؛ إلا أنه قال عقبه:
"قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد"!
ولم أره في "مستدركه "، وأظنه التبس عليه بحديث فاطمة المذكور آنفاً؛ فإنه
من حديث أنس أيضاً، لكنه من طريق آخر عنه.
ثم رأيت ابن علان قد نقل في "شرح الأذكار" (٤/٥) عن الحافظ ما يدل
على وهم النووي، فراجعه إن شئت. *
٣١٨٣ - (إذا سمعتُم صياحَ الدِّيكة [بالليلِ] ؛فاسألوا الله من
فضلهِ، [وارغبُوا إِليه] ؛ فإنّها رأت ملَكاً، وإذا سمعتُم نهيقَ الحمارِ [بالليلِ] ؛ فتعوَّذُوا باللهِ من الشيطانِ؛ فإنهُ رأى شيطاناً) .
أخرجه البخاري (٣٣٠٣) ومسلم (٨/٨٥) وأبو داود (٥١٠٥) والترمذي (٣٤٥٥) ، والنسائي في "السنن الكبرى" (٦/٤٢٧/١١٣٩١) و"عمل اليوم والليلة " (رقم ٩٤٤) ، وابن أبي شيبة (١٠/٤٢٠/٩٨٥٤) كلهم من طريق قتيبة بن سعيد:
стр. 5368
ثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن
النبي ﷺ قال: ... فذكره. وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح ".
قلت: وتابع قتيبة: سعيدُ بن أبي مريم عند البغوي في "شرح السنة"
(٥/١٢٦/ ١٣٣٤) ، وقال:
"حديث متفق على صحته، أخرجاه جميعاً عن قتيبة عن الليث ".
وتابعه آخرون من الثقات، وزادوا عليه تلك الفوائد الهامة التي تراها بين المعكوفات، وهاك البيان:
الأول: شعيب بن حرب المدائني، وهو ثقة احتج به البخاري، قال أحمد (٢/٣٦٤) : حدثنا شعيب بن حرب أبو صالح- بمكة- قال: ثنا ليث بن سعد به؛ وزاد الزيادة الأولى والثالثة.
الثاني: هاشم بن القاسم أبو النضر البغدادي، وهو ثقة ثبت احتج به الشيخان،
قال أحمد أيضاً (٢/٣٠٦) : ثنا هاشم: ثنا ليث به، وعنده الزيادة الأولى.
الثالث: عبد الله بن صالح أبو صالح كاتب الليث، وهو مستقيم الحديث
فيما روى عنه البخاري وأمثاله من الحفاظ، وروى عنه في "الصحيح "، قال في "الأدب المفرد" (رقم ١٢٣٦) : حدثنا عبد الله بن صالح: حدثني الليث به، وزاد الزيادة الأولى.
قلت: فاتفاق هؤلاء الثقات الثلاثة على الزيادة الأولى مما يلقي الطمأنينة في النفس على صحتها، حتى ولو فرض تفرد هاشم بها؛ لأنه ثقة ثبت كما تقدم،
стр. 5369
بناءً على قاعدة: "زيادة الثقة مقبولة"، فكيف ومعه من ذكرنا؟! فكيف ولها شاهد من حديث جابر كما يأتي بعده؟!
وأما الزيادة الثالثة؛ فهي وإن كان تفرد بها شعيب بن حرب دون الآخرين؛
فهي زيادة لفظية؛ لأن السياق مع الزيادة المتفق عليها يؤيد معناها، فتأمل.
وأما الزيادة الثانية؛ فقد تفرد بها ثقة آخر، وهو سعيد بن أبي أيوب، وهو ثقة
ثبت أيضاً احتج به الشيخان، فقال الإمام أحمد (٢/ ٣٢١) : ثنا أبو عبد الرحمن:
ثنا سعيد: حدثني جعفر بن ربيعة به.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وأبو عبد الرحمن هو عبد الله
ابن يزيد المكي المقرئ، وهو ثقة فاضل من كبار شيوخ البخاري.
ومن طريقه: أخرجه ابن حبان (٢/١٧٥/ ١٠٠١) وأبو يعلى (١١/١٤٨) وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٣٠٦) .
وقد أخرجه النسائي في "عمله " (٩٤٣) من طريق أخرى عن سعيد؛
مقروناً بالليث بالزيادة الأولى، فقال: أخبرنا وهب بن بيان قال: حدثنا الليث
ابن سعد وسعيد بن أبي أيوب عن جعفر بن ربيعة به مثل حديث الترجمة،
وفيه الزيادة الأولى.
وهذه متابعة قوية للثقات الثلاثة المتقدمين في هذه الزيادة، وكان الأولى أن
تذكر عقبهم مباشرة، ولكن هكذا قُدِّرَ.
وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير وهب بن بيان،
وهو ثقة.
стр. 5370
(تنبيه) : قد تبين لك من تخريج الحديث أن زيادة: "الليل " فيه من أفراد
"الأ دب المفرد " وغيره دون "الصحيحين "، ولذلك؛ فعزو محمد فؤاد عبد الباقي إياه في تعليقه على "الأدب " ل"الصحيحين " من أوهامه الكثيرة التي تدل على أنه لا علم عنده بفن التخريج، وقد وهم الجيلاني شارح "الأدب " (٢/٦٣٧) فعزاه ل "الخمسة "، ويعني: الستة دون ابن ماجه، وهذا أغرق في الوهم من ذاك؛ لأن الزيادة ليست عندهم جميعاً كما تقدم.
ونحوه ما فعله المعلق على ".. صحيح ابن حبان " (٣/٢٨٦) ؛ فإنه خرَّج
الحديث معزوّاً لأكثر المصادر المتقدمة مشيراً إلى مواضعها بالأرقام، ومنها الخمسة، موهماً أن زيادة ابن حبان: "وارغبوا إليه " عندهم أيضاً! وليس كذلك؛ كما سبق. ولذلك؛ قررت أن أستدرك الحديث لهذه الزيادة، فَأُورِدها في "صحيح موارد الظمآن "، حيث إن الهيثمي لم يورده في "الموارد"؛لأن أصله في "الصحيحين "؛ والله أعلم. *
٣١٨٤ - (إذا سمعتُم نُباحَ الكلبِ بالليل أو نُهاقَ الحميرِ؛ فتعوّذوا
باللهِ؛ فإنَّهم يرون ما لا ترون.
وأقلّوا الخروج إذا هدَأتِ الرِّجلُ؛ فإنّ الله يبُثُّ في ليلهِ من خلقِه ما يشاء.
وأجيفُوا الأبوابَ، واذكرُوا اسم الله عليها؛ فإن الشيطان لا يفتحُ
باباً أُجيفَ وذُكرَ اسمُ اللهِ عليه.
وغطُّوا الجرار، وأكفِئُوا الآنية، وأؤكُوا القِربَ) .
أخرجه أبو يعلى في"مسنده " (٤/ ٢١٠- ٢١١) ، ومن طريقه: ابن حبان
(٥٤٩٣) : حدثنا عبيد الله بن عمر: حدثنا يزيد بن زُريع: حدثنا محمد بن
стр. 5371
إسحاق قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث عن عطاء بن يسار عن جابر ابن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير محمد بن إسحاق وهو صاحب "السيرة"، وهو مدلس، ولكنه قد صرح في رواية يزيد بن زريع عنه بالتحديث، ويزيد ثقة ثبت، وهذه فائدة لم أكن وقفت عليها يوم خرجت فقرة الخروج في المجلد الرابع من هذه السلسلة (١٥١٨) ، فقد خرجته هناك من رواية جمع منهم الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
ومن الغريب أن المعلق على "مسند أبي يعلى"- الذي صحح هذا الإسناد-
لم يكن تنبه لتحديث ابن إسحاق في موضع آخر رواه أبو يعلى برقم (٢٢٢١) عنه بالعنعنة، فأعله المومى إليه بالعنعنة! فكان عليه أن يشير إلى روايته الأخرى الآتية في "المسند" مصرحاً بالتحديث، ولكن جلَّ من لا ينسى.
والشطر الثاني من الحديث له طرق أخرى عن جابر، بعضها في"الصحيحين "، خرجتها في "الإرواء" (١/ ٨٠- ٨١) ؛فليراجعها من شاء.
وللجملة الأولى منه شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ:
"إذا سمعتم نهيق الحمار، ونُباح الكلب، وصوت ديك بالليل؛ فتعوذوا بالله
من شر الشيطان؛ فإنهم يرون ما لا ترون ".
أخرجه أبو يعلى في "مسنده " (١١/١٨٧/٦٢٩٦) ، وعنه ابن السني (٣٠٧)
من طريق يحيى بن أبي سليمان عن سعد بن إبراهيم عن الأعرج عنه.
قلت: ورجاله ثقات؛ غير يحيى هذا؛ وهو ضعيف، بل قال البخاري:
"منكر الحديث ".
стр. 5372
والنكارة في حديثه هذا ظاهرة؛ حيث جعل صوت الديك بالليل مما يستعاذ
منه! فلعله سقط عنه جملة سؤال الله من فضله. والله أعلم. *
٣١٨٥ - (لا تقومُ السّاعةُ؛ حتّى يقتل الرجلُ جارَه وأخاه وأباه) .
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (رقم ١١٨) : حدثنا مَخلدُ بن مالك
قال: حدثنا عبد الرحمن بن مغراء قال: حدثنا بُريد بن عبد الله عن أبي بُردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
وذكره الديلمي في "مسند الفردوس " (٣/١٦٨- الغرائب) عن الحاكم معلقاً
عليه بإسناده عن مخلد بن مالك به.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير عبد الرحمن بن
مغراء، وهو مختلف فيه، قال الذهبي في "الكاشف":
"وثقه أبو زرعة وغيره، ولينه ابن عدي ".
وقال الحافظ في "التقريب ":
"صدوق تُكُلِّم في حديثه عن الأعمش ".
قلت: وهذا عن غيره كما ترى، فهو جيد كما ذكرنا.
(تنبيه) : ليس عند الديلمي قوله: "جاره وأباه "، وكذلك ذكره السيوطي في
"الجامع الكبير"برواية الحاكم في "تاريخه "! ففاته هذا المصدر العالي الموثوق به، وبتحري مؤلفه الإمام البخاري، وهذا النص الأتم! وكذلك فات ذلك المعلق على " الفردوس " (٥/ ٨١/ ٧٥٢٠) . *
стр. 5373
٣١٨٦ - (من صلّى صلاةً لم يُتِمَّها؛ زِيدَ عليها مِن سُبُحاتِه حتّى تتِمَّ) . أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٨/٢٢- ٢٣) : حدثنا عبد الله بن أحمد
بن حنبل: ثنا الهيثم بن خارجة: ثنا محمد بن حِميرٍعن عمرو بن قيس
السَّكوني قال: سمعت عائذ بن قُرطٍ يقول: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال البخاري- على كلام يسير في
محمد بن حمير-؛ غير عبد الله بن أحمد، وهو ثقة حافظ.
والحديث عزاه الحافظ في ترجمة عائذ بن قرط من "الإصابة" للبغوي أيضاً، وابن أبي خيثمة، وابن شاهين من طريق قيس بن مسلم السكوني عن عائذ بن قرط به، وقال:
"وإسناده حسن ".
كذا وقع فيه: "قيس بن مسلم " مقلوباً محرفاً! ولعله من الطابع إن لم يكن
سبق قلم من المؤلف.
وقال الهيثمي في "المجمع " (١/ ٢٩١) :
"رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله ثقات. وعن عبد الله بن قرط قال: قال
رسول الله ﷺ ... (قلت: فذكر الحديث وقال:) رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله ثقات ".
فأقول: لم يطبع بعدُ مسند عبد الله بن قرط من "كبير الطبراني " لننظر في إسناده، وأظنه هو الذي في كتاب الطبراني الآخر: "مسند الشاميين "؛ فقد قال
فيه (٢/٤٩٣- المصورة) : حدثنا أحمد بن المُعَلَّى الدمشقي: ثنا هشام بن عمار:
стр. 5374
ثنامحمد بن حمير: ثنا عمرو بن قيس الكندي عن عبد الله بن قرط به.
قلت: والقول في هذا الإسناد نحو القول في الذي قبله؛ ذلك أن رجاله
رجال البخاري أيضاً؛ غير أحمد بن المعلى الدمشقي ثقة مترجم في "التهذيب " كعبد الله بن أحمد؛ وإنما قلت: "نحو ... "؛ لأن هشام بن عمار مع كونه من
رجال بل من شيوخ البخاري في "الصحيح "؛ ففيه كلام كثير، يقرِّبه لك قول الذهبي في "المغني ":
"ثقة مكثر، له ما ينكر، قال أبو حاتم: صدوق قد تغير، وكان كلما لُقِّنَ
تلقن. وقال أبو داود: حدث بأرجح من أربع مئة حديث لا أصل لها".
وقال الحافظ في "التقريب ":
"صدوق، مقرئ، كبِر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح ".
فأقول: من أجل هذا التلقن، فإني لا أستطيع الحكم على إسناده بالصحة، وبخاصة وقد خالف الهيثم بن خارجة الثقة في قوله في اسم صحابي الحديث:
"عبد الله بن قرط "، والهيثم قال: "عائذ بن قرط "، وهو الصواب.
ولعل ابن عبد البر- حافظ الأندلس- لم يقف إلا على طريق هشام هذا؛ فإنه ذكره في "التمهيد" (٢٤/٨١) من طريق محمد بن حمير عن عمرو بن قيس السكوني عن عبد الله بن قرط به، وقال:
"هو عندي حديث منكر، ولا يحفظ إلا من هذا الوجه، وليس بالقوي ".
قلت: ولا وجه لهذا الإنكار عندي؛ إلا إن كان وقع لديه من طريق هشام، وإلا؛ فالطريق الأولى سالمة منه، إلا إن كان يعتد بما قيل في محمد بن حمير من
стр. 5375
الكلام اليسير، فإن كان كذلك فلا وجه له كما تقدم؛ فإنه لا ينزل به عن مرتبة الاحتجاج به ولو بمرتبة الحسن كما تقدم عن الحافظ؛ وبخاصة أن للحديث
شواهد من حديث أبي هريرة وتميم الداري وغيرهما، وهي مخرجة في "صحيح أبي داود" (٨١٠- ٨١٢) .
ثم بدا لي شيء في الإنكار المذكور، وهو أن ابن عبد البر ساق الحديث بلفظ:
"من صلى صلاة لم يكمل فيها ركوعه وسجوده وخشوعه؛ زيد فيها من سبحاته حتى تتم "، فزيادة الركوع والسجود والخشوع فيه لم ترد في الشواهد المشار إليها آنفاً، فلعله لذلك أنكرها. والله أعلم.
على أنه قال عقب إنكاره المذكور:
"وإن صح كان معناه أنه خرج من صلاته- وقد أتمها عند نفسه، وليست في الحكم تامة- والله أعلم، على أنه قد كان يلزمه أن يتعلم، فإن عُذِّبَ عذب على ترك التعلم، وإن عفي عنه، فالله أهل العفو وأهل المغفرة".
وقد ذكر ابن عبد البر قبل ذلك فائدة فقهية عزيزة، لم أستجز إلا نقلها إلى القراء لتمام الفائدة، قال ﵀:
"أما إكمال الفريضة من التطوع؛ فإنما يكون ذلك- والله أعلم- فيمن سها عن فريضة فلم يأت بها، أو لم يحسن ركوعها ولم يدر قدر ذلك، وأما من تعمد تركها، أو نسي، ثم ذكرها، فلم يأت بها عامداً، واشتغل بالتطوع عن أداء فرضه، وهو ذاكر له؛ فلا تكمل له فريضته تلك من تطوعه. والله أعلم ". *
٣١٨٧ - (إني عُوتبتُ الليلة في الخيلِ) .
أخرجه مالك في "الموطأ" (٢/٢٣) عن يحيى بن سعيد: أن رسول الله ﷺ -
стр. 5376
رؤي وهو يمسح وجه فرسه بردائه، فسئل عن ذلك؟ فقال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد مرسل، بل معضل؛ فإن يحيى بن سعيد- وهو الأنصاري البخاري القاضي- لم يسمع من صحابي غير أنس؛ كما قال ابن المديني. ولهذا
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٤/١٠٠) :
"هكذا الحديث في "الموطأ" عند جماعة رواته؛ فيما علمت، وقد روي عن
مالك مسنداً عن يحيى بن سعيد عن أنس؛ ولا يصح ".
ثم ساقه من طريق النَّضرِ بنِ سلمَة: حدثنا عبد الله بن عمرو الفِهري: حدثنا
مالك: سمعته يقول: سمعت يحيى بن سعيد يحدث عن أنس مرفوعاً به.
قلت: سكت عنه ابن عبد البر لظهور ضعفه؛ الفهري هذا لم أعرفه.
والنضر بن سلمة: هو المروزي، كان مقيماً بمدينة الرسول ﷺ ، وقيل: بمكة.
قال أبو حاتم:
"كان يفتعل الحديث ".
واتهمه غير واحد بالكذب، فهو آفة هذا المسند.
وذكره الحافظ في "المطالب العالية " (٢/١٥٨/١٩٢٩) من رواية مُسدَّدِ عن
يحيى بن سعيد الأنصاري عن رجل قال: ... فذكره، وقال الشيخ الأعظمي
تعليقاً عليه:
"قال البوصيري: رواته ثقات "!
قلت: كيف هذا والرجل لم يُسمَّ؟! ولعله توهم أنه صحابي؛ وليس كذلك؛
فقد رواه سعيد بن منصور في "سننه " (٣٤٣٨) عن ابن عيينة، والدمياطىُّ في
стр. 5377
"فضل الخيل " (ص ٣٧) من طريق عبََّاد- وهو ابن العوََّام- كلاهما عن يحيى بن سعيد عن مسلم بن يسار: أن رسول الله ﷺ ... الحديث.
قلت: فالرجل الذي لم يُسَمَّ عند مسدد: هو مسلم بن يسار هذا، والظاهر أنَّه البصري الأموي المكي الفقيه، وهو تابعي ثقة، فهو مرسل.
وروي مرسلاً من وجه آخر؛ فقال الطيالسي في "مسنده " (١٠٥٩) : حدثنا
جرير بن حازم قال: حدثنا الزُّبيرُ بن الخِرّيتِ الأزدي: حدثني نُعيمُ ابن أبي هند الأشجعي قال:
رؤي النبي- ﷺ يمسح خدَّ فرس، فقيل له في ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله
عليه واله وسلم:
"إن جبريل عاتبني في الفرس ".
ومن طريق الطيالسي: أخرجه ابن عبد البر (٢٤/ ١٠١) ، وأبو داود في "المراسيل " (٢٢٨/ ٢٩١) من طريق موسى بن إسماعيل: حدثنا جرير به.
قلت: وهذا إسناد صحيح مرسل، ولكنه من مراسيل الكوفيين، فإن نُعَيماً
هذا كوفي، فلعله يعطي قوة للذي قبله؛ لاختلاف بلديهما وشيوخهما، ولا سيما
أنه قد جاء مسنداً؛ فقال أبو بشر يونس بن حبيب- وهو راوي "مسند الطيالسي "
- قال عقب الحديث: أنبأ أحمد بن الفرات عن مسلم بن إبراهيم عن سعيد بن
زيد عن الزبير بن خريت عن نعيم بن أبي هند عن عروة- يعني: عروة البارقي-، وفي"مسنده"ساقه، ولذلك؛ وهم الحافظ ابن حجر حين عزاه للطيالسي في "المطالب "! وقد قال في ترجمة سعيد بن زيد من "التقريب ":
"صدوق له أوهام ".
стр. 5378
قلت: فيخشى أن يكون إسناده لهذا الحديث من أوهامه، وبخاصة أن محمد
ابن أبي نُعَيم قال: ثنا سعيد بن زيد عن الزبير بن الخريت عن نعيم بن أبي هند عن عروة بن أبي الجعد قال:
رأيت رسول الله ﷺ فتل ناصية فرسه بين إصبعيه وقال:
"الخيل بنواصيها الخير إلى يوم القيامة".
فلم يذكر حديث الترجمة.
هكذا أخرجه بحشل في "تاريخ واسط " (ص ٤٨) بالسند الصحيح عنه؛
لكن محمد بن أبي نعيم فيه كلام، فلا يعارض بروايته رواية مسلم بن إبراهيم
- وهو الفراهيدي الثقة- المتقدمة، وفيها حديث الترجمة.
نعم؛ قد صح حديث محمد بن أبي نعيم من طريق أخرى عن جرير بن
عبد الله قال:
رأيت رسول الله ﷺ يلوي ناصية فرس بإصبعه ويقول:
"الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والغنيمة".
أخرجه مسلم (٦/ ٣١- ٣٢) وأبو عوانة (٥/ ١ ١) والنسائي (٢/ ٠ ٢ ١) وفي "الكبرى" (٣/٣٨/٤٤١٤) وابن أبي شيبة في "المصنف " (١٢/ ٤٨١) ومن طريقه البيهقي في " السنن " (٦/ ٣٢٦) وأحمد (٤/ ٣٦١) والطبراني في
" الكبير" (٢/٣٨٥/٢٤٠٩) وابن عبد البر في "التمهيد" (٢٤/١٠٣) كلهم من طريق يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير بن عبد الله به.
стр. 5379
وأخرج الطرف الأول منه: الحارثُ بن أبي أسامة في"مسنده " (ق ٨٠/١- ٢)
بلفظ:
"رأيت النبي ﷺ يمسح وجه فرسٍ بكمِّه ".
كذا قال: "بكمه "! وهو شاذ مخالف لرواية الحفاظ المذكورين آنفاً، ولعله
لذلك أورده الحافظ في "المطالب" (١٩٣١) ؛لكن وقع فيه: "عن أبيه"مكان قوله: "عن جرير"، وهو شاذ أيضاً، أو مجاز، وخفي ذلك على المعلق الأعظمي، فزاد
- بعد قوله: "عن أبيه "-: " [عن جده] "، وعلق عليها بقوله:
"الإضافة مني؛ لأن الحديث في "الإتحاف ": عن جرير بن عبد الله "!
فأقول: نعم، الحديث عن جرير، ولكنك بهذه الزيادة جعلت الحديث من
رواية أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبيه (وهو عمرو بن جرير) عن جده جرير، ولا أصل لرواية أبي زرعة عن أبيه عمرو في هذا الحديث ولا في غيره! فهكذا فليكن "تحقيق الأستاذ المحقق حبيب الرحمن الأعظمي "!
فلنسق الآن إسناد الحارث بن أبي أسامة لتتأكد من بطلان تلك الزيادة،
قال: حدثنا العباس بن الفضل: ثنا عبد الوارث بن سعيد: ثنا يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبيه جرير قال ...
قلت: فأنت ترى أن "جرير" بدل من "أبيه "، فليس للأب الحقيقي عمرو بن سعيد ذكر في هذا الإسناد، فقوله: "أبيه " في هذا الإسناد إما مجاز كما تقدم،
وهو ظاهر من جعله"جرير"بدلاً منه، وإما خطأ من الراوي؛ وهو شيخ الحارث: العباس بن الفضل؛ وهو الأنصاري الواقفي؛ فإنه متفق على تضعيفه، بل قال الذهبي في "الكاشف ":
" واهٍ ".
стр. 5380
وقال الحافظ في"التقريب ":
"متروك، واتهمه أبو زرعة ".
ويمكن أن يكون الخطأ من الأصل، أعني: "مسند الحارث "أو من "زوائده" للهيثمي، ومنه نقلت، ويرجّح الأول إيرادُ الحافظ إياه في "المطالب " كما تقدم، لقوله: "عن أبيه "، إشارة منه إلى أنه خطأ؛ لكن يعكِّر عليه أمران:
أحدهما: أن الحافظ لم يقل عقبه "جرير" كما هو في "الزوائد" كما
تقدم.
والآخر: أن أبا عوانة قد رواه بعدة روايات عن يونس بن عبيد، منها قوله:
"حدثنا الحارث بن أبي أسامة.. " فساق إسناده إلى يونس دون سائره؛ غير أنه قال:
"حديث الفريابي عن الثوري ".
قلت: وحديث الثوري كحديث الآخرين عن يونس، ليس فيه ذكر الأب،
فلا أدري أكذلك هو عند الحارث في رواية أبي عوانة عنه، أو أن هذا غضَّ النظر عن ذاك الخطأ لظهوره؟!
ويؤيد الخطأ: أنه وقع عند ابن عبد البر من طريق عبد الوارث- شيخ العباس
ابن الفضل- على الصواب. والله أعلم.
هذا؛ وحديث جرير المرفوع من قوله ﷺ دون: "الأجر والغنيمة "؛- قد جاء
في"الصحيحين"وغيرهما من حديث جمع آخر من الصحابة؛ منهم عروة البارقي
وابن عمر وغيرهم. *
стр. 5381
٣١٨٨ - (إنَّكم تَلقَونَ بَعدي فِتنةً واختلافاً- أو قال: اختلافاً وفتنةً-، فقال له قائلٌ من الناس: فمن لنا يا رسولَ اللهِ؟! قال: عليكم بالأمينِ وأصحابهِ، وهو يشيرُ إلى عثمان بذلك) .
أخرجه الحاكم (٣/٩٩ و ٤/٤٣٣- ٤٣٤) ، وأحمد (٢/٣٤٥) من طريق وُهَيب
ابن خالد: ثنا موسى بن عقبة قال: حدثني جدي أبو أمي (وفي رواية للحاكم: ثنا موسى ومحمد وإبراهيم بنو عقبة قالوا: ثنا أبو أمنا) أبو حبيبة: أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها، وأنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له، فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره.
وقالت الحاكم في الموضعين:
"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي.
قلت: ورجاله ثقات رجال الصحيح؛ غير أبي حبيبة هذا، وقد ذكره ابن حبان
في كنى "ثقات التابعين " (٥/٥٩١) ، وقال العجلي في "ثقاته " (٤٩٥/١٩٢٩) :
"مدني تابعي ثقة".
وقد وقع فيه أنه مولى عروة، ولعله وراثة، فإنه مولى الزبير بن العوام والد عروة، كما في "تاريخ البخاري " (الكنى ٢٤/ ١٨٤) ، و"الجرح " (٤/ ٢/٣٥٩) وغيرهما، وأفادا أنه روى عنه أبو الأسود أيضاً: محمد بن عبد الرحمن، وهو ثقة من رجاله الشيخين كموسى بن عقبة، ومثله في الثقة أخواه المقرونان معه في رواية الحاكم، وهما من رجال مسلم، وقد ذكر الثلاثة الإخوة أبو أحمد الحاكم في "الأسماء والكنى" رواة عن أبي حبيبة، فهؤلاء أربعة من الثقات رووا عنه، مع كونه تابعياً، فهو ثقة إن شاء الله تعالى.
стр. 5382
والحديث أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (١٢/ ٥٠/ ١٢٠٩٨) من طريق أخرى عن موسى بن عقبة وحده.
وقال الحافظ ابن كثير في "البداية" (٧/٢٠٩) :
"تفرد به أحمد، وإسناده جيد حسن، ولم يخرجوه من هذا الوجه ".
قلت: وهو من الأحاديث التي فاتت الحافظ الهيثمي، فلم يوردها في "مجمع الزوائد"! مع أنه على شرطه كما يشير إلى ذلك قول ابن كثير هذا. *
٣١٨٩ - ( [إنكم] أصبحتُم في زمانٍ كثيرٍ فقهاؤُه، قليلٍ خطباؤُه،
قليلٍ سُؤّاله، كثيرٍ معطوهُ، العملُ فيه خيرٌ من العِلمِ.
وسيأتي زمانٌ قليلٌ فقهاؤُه، كثيرٌ خطباؤُه، كثيرٌ سُؤّاله، قليلٌ
مُعطوهُ، العلمُ فيه خيرٌمن العمل) .
أخرجه الطبراني في"المعجم الكبير"وفي "مسند الشاميين " (٢/ ٢٢١/١٢٢٥) : حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم: ثنا عمرو بن أبي سَلمَة التِّنِّيسِي: ثنا صدقة بن عبد الله: حدثني زيد بن واقد عن حَرام بن حكيم عن عمه عبد الله ابن سعد عن رسول الله ﷺ قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف " كما قال العراقي في "تخريج الإحياء" (١/٧) ،
وله علتان:
الأولى: صدقة بن عبد الله، وهو السَّمين، وهو ضعيف؛ كما قال الذهبي في "الكاشف"، والحافظ في"التقريب"، وبه أعله الهيثمي في"مجمع الزوائد" (١/١٢٧) .
стр. 5383
والأخرى: عبد الله بن أبي مريم هذا، أورده ابن عدي في "الكامل "، وقال
(٤/ ٥ ٢٥-٢٥٦) :.
"مصري، يحدث عن الفريابي وغيره بالبواطيل ".
قلت: ثم ساق له أربعة أحاديث، ثلاثة منها معروفة الصحة من غير طريقه،
ثم قال:
" وعبد الله هذا إما أن يكون مغفَّلاًًً لا يدري ما يخرج من رأسه، أو يتعمد؛
فإني رأيت له غير حديث- مما لم أذكره- غير محفوظ ".
وأقول: لم أخرجه هنا من أجله، وإنما من أجل ما له من الشواهد؛ كما
يأتي، ولمصداقيته ومطابقة ما فيه للواقع في هذا الزمان.
والحديث أخرجه ابن عبد البر في "الجامع " (١/٢٣) من طريق أخرى عن
عبد الله هذا.
وأخرجه الخطيب في "الموضح " (١/١٠٨- ط) ، وكذا ابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٤/٣١٣- ٣١٤- المصورة) من طريق الطبراني.
ثم وجدت له طريقاً أخرى في"معجم الطبراني" (٣/ ٢٢١/ ٣١١١) من طريق عثمان بن عبد الرحمن عن صدقة عن زيد بن واقد عن العلاء بن الحارث عن حِزام بن حكيم بن حزام عن أبيه، مرفوعاً به. وقال الهيثمي:
"رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، وهو
ثقة، إلا أنه قيل فيه: يروي عن الضعفاء، وهذا من روايته عن صدقة بن خالد، وهو من رجال (الصحيح) ".
стр. 5384
قلت: وفي التعليق على "المجمع " ما نصه:
" (فائدة) : بل صدقة المذكور في إسناده هو ابن عبد الله السمين، وهو ضعيف جدّاً. كما في هامش الأصل ".
قلت: وأنا أظن أن هذه الفائدة هي من الحافظ ابن حجر تلميذ الهيثمي، وكذلك كل ما يعزى في التعليقات إلى"هامش الأصل"، وقوله: "ضعيف جداً"
يخالف اقتصاره على قوله في "التقريب ": "ضعيف "؛كما تقدم نقله عنه، وهو الأقرب إلى الصواب؛ لأن الرجل مختلف فيه، وقد وثقه بعضهم، وترجمته
مبسَّطة في "تاريخ دمشق " لابن عساكر، و"التهذيب " وغيرهما.
ثم إنه ليس في السند ما يرجح أنه صدقة بن عبد الله السمين؛ فإن هذا
وصدقة بن خالد كلاهما روى عن زيد بن واقد، ولم يذكروا في ترجمة السمين
أنه روى عنه الطرائفي، وكون هذا يروي عن الضعفاء لا يكفي للترجيح؛ لأنه قد روى عن الثقات أيضاً، منهم الإمام مالك مثلاً، فتأمل!
هذا؛ وللحديث شاهد من حديث أبي ذر مرفوعاً نحوه، سبق تخريجه،
والكلام عليه، وبيان صحة إسناده في أول المجلد السادس رقم (٢٥١٠) .
وقد صح موقوفاً من حديث عبد الله بن مسعود، فذكره مالك في"الموطأ" (١/١٨٧) عن يحيى بن سعيد أن عبد الله بن مسعود قال لإنسان:
"إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه.. " الحديث نحوه.
وهذا معضل، وهو مما فات ابن عبد البر في "التمهيد"؛فلم يورده في أحاديث
يحيى بن سعيد، وعددها فيه (٧٧) حديثاً، وهي في آخر المجلد (٢٣) وأول (٢٤)
стр. 5385
إلى صفحة (١١٩) ، ولا خرَّجه الباجي في "المنتقى" كما هي غالب عادته (١/٣٠٨-٣٠٩) !
ووصل الطرف الأول منه: زهير بن حرب في "العلم " (١٣٥/١٠٩) من طريق كُميل بن زياد عن عبد الله قال:
"إنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وإن بعدكم زماناً كثير خطباؤه والعلماء فيه قليل ".
وإسناده صحيح؛ كما كنت بينته في التعليق على "العلم ".
وله عنه طريق أخرى بسياق أتم عند البخاري في"الأدب المفرد"، قال (٢٠٥/٧٨٩) : حدثنا عبد الله بن أبي الأسود قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا الحارث بن حَصِيرة قال: حدثنا زيد بن وهب قال: سمعت ابن مسعود يقول: ... فذكره إلى قوله: "كثير معطوه "، وزاد:
"العمل فيه قائد للهوى، وسيأتي من بعدكم زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، كثير سُؤَّاله، قليل معطوه، الهوى قائد فيه للعمل، اعلموا أن حسن
الهدي في آخر الزمان خير من بعض العمل ".
قلت: وهذا إسناده جيد رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير الحارث بن حصيرة، وثقه الجمهور، وضعفه العقيلي وابن عدي، وقال الحافظ في "التقريب ":
"صدوق يخطئ، ورمي بالرفض ".
قلت: ومع هذا؛ فقد صحح الحافظ في "الفتح " إسناده، فقد ذكر فيه (١٠/٥١٠) الجملة الأخيرة منه وقال:
стр. 5386
"وسنده صحيح، ومثله لا يقال من قبل الرأي ".
قلت: ويؤيده مطابقة ما قبلها للواقع اليوم مما لا يُعلم إلا بالوحي.
وعبد الله بن أبي الأسود هو: ابن محمد بن أبي الأسود البصري أبو بكر، وهو
ثقة حافظ. *
٣١٩٠ - (إنَّ بأرضِ الحبشةِ مَلِكاً لا يُظلمُ أحدٌ عنده، فالحقُوا
ببلادِه حتّى يجعل اللهُ لكم فرجاً ومخرجاً مّما أنتُم فيهِ) .
أخرجه البيهقي في "السنن " (٩/٩) وفي "الدلائل " (٢/ ٣٠١) من طريق ابن إسحاق: حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت:
لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله ﷺ ، وفُتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله في مَنَعة من قومه وعمه، لا يصل إليه شيء مما يكره؛ مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله ﷺ : ... فذكره، فخرجنا إليها أرسالاً حتى اجتمعنا ونزلنا بخير دار إلى خير جار، أمنَّا على ديننا، ولم نخشى منه ظلماً ... وذكر الحديث بطوله.
كذا في "السنن "، وقد ساقه بطوله في أربع صفحات.
والحديث في "سيرة ابن هشام " (١/٣٤٣) عن ابن إسحاق قال: ... فذكره
نحوه، هكذا معضلاً لم يسق إسناده، ولفظه:
"لو خرجتم إلى أرض الحبشة؛ فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض
صدق، حتى يجعل الله ... " الحديث.
стр. 5387
ولكنه ساق إسناده المتقدم عند البيهقي إلى أم سلمة، دون حديث الترجمة،
قالت:
"لما نزلنا أرض الحبشة؛ جاورنا بها خير جارٍ: النجاشي، أمنَّا على ديننا،
وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ... " الحديث بطوله.
وهكذا رواه أحمد في "المسند" (١/ ٢٠١ و٥/ ٢٩٠) من طريق ابن إسحاق به، وقال الهيثمي- عقب عزوه لأحمد (٦/٢٧) -:
"ورجاله رجال "الصحيح " غير [ابن] إسحاق، وقد صرح بالسماع ".
قلت: فهو إسناد جيد، وقد سكت عنه الحافظ في "الفتح " (٧/١٨٨) .
ومن هذا التخريج يتبين أن عزو الحديث أو جملة: "لا يظلم عنده أحد" من
الأخ الفاضل سلمان العودة في رسالته المفيدة "من أخلاق الداعية" (ص ٤٥) للإمام أحمد لا يخلو من تساهل! والله ولي التوفيق.
وفي الحديث دلالة ظاهرة على جواز هجرة المسلم من بلد الكفر إذا اشتد الضغط عليه من أهله إلى بلد آخر يجد فيه الحرية الدينية، وليس كذلك ما يفعله بعض الشباب المسلم من السفر من بلده المسلم إلى بعض البلاد الكافرة، لمجرد أنه يجد فيه شيئاً من التضييق أو التعذيب من بعض الحكام الظالمين، فهذا لا يجوز للأحاديث الكثيرة في النهي عن ذلك، كقوله- ﷺ : "المسلم والمشرك لا تتراءى نارهما"ونحوه، ولكثرة الفسق والخلاعة المنتشرة في كل مكان من تلك البلاد، بحيث يندر أن لا يتأثر المسلم بذلك، فكيف بأولاده الذين يُرَبّون فيها، ويرضعون لبانتها كما هو مشاهد؟! ولذلك فنحن ننصحهم- ومن أسلم من أهلها- أن يهاجروا إلى بلد من البلاد الإسلامية، يتمكنون فيه من القيام بشعائر دينهم، ويكثِّرون
стр. 5388
سواد إخوانهم المؤمنين، والله يقول: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضغفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ... ) الآية [النساء: ٩٧] . *
٣١٩١ - (تعوَّذُوا باللهِ من رأس السبعينِ، وإمارةِ الصبيانِ) .
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (٥/٤٩/١٩٠٨٢) ، وأحمد (٢/٣٢٦
و٣٥٥و ٤٤٨) ، والبزار (٤/١٢٦/٣٣٥٨) ، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٨١) من طرق عن كامل أبي العلاء قال: سمعت أبا صالح- مؤذناً كان يؤذن لهم- قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره، وقال البزار: "لا نعلم رواه عن أبي هريرة إلا أبو صالح هذا ولا نعلم رواه عنه إلا أبو كامل ".
قلت: قال ابن عدي- بعد أن ساق له جملة أحاديث هذا أحدها-:
"أرجو أنه لا بأس به ".
قلت: وهو مختلف فيه، وفي "التقريب ":
"صدوق يخطئ ".
فهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى، وإلى ذلك يشير الذهبي بقوله فيه في
" الكاشف ":
"وثقه ابن معين، وقال (س) : ليس بالقوي ".
وأبو صالح؛ لم يرو عنه إلا كامل، ووثقه ابن حبان، والذهبي في "الميزان "،
وحسّن له الترمذي.
стр. 5389
وقال الهيثمي في "المجمع " (٧/ ٢٢٠) : "رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال "الصحيح "؛غير كامل بن العلاء، وهو ثقة"!
قلت: لي على هذا تعليقان:
الأول: أن إسناد البزّار هو إسناد أحمد.
الثاني: أنّ أبا صالح ليس من رجال "الصحيح ".
وقد توبع أبو صالح، فقال سعيد بن سَمعان قال: سمعت أبا هريرة يتعوّذ من إمارة الصبيان والسفهاء.
فقال سعيد بن سمعان: فأخبرني ابن حسنة الجُهني أنه قال لأبي هريرة: ما
آية ذلك؟ قال: "أن تُقطع الأرحام، ويُطاع المُغوِي، ويعصَى المُرشِدُ".
رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٦٦) : حدثنا آدم بن أبي إياس قال: حدثنا
ابن أبي ذئب قال: حدثنا سعيد ... به.
قلت: سعيد بن سمعان ثقة؛ فحديثه عن أبي هريرة صحيح، وهو موقوف في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال بمجرد الرأي كما هو ظاهر، ويشهد له الطريق الأولى. وكذا ما رواه مالك بن ظالم قال: سمعت أبا هريرة يقول لمروان بن الحكم:
سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"إن فساد أمتي على يدي أُغَيلِمةٍ من سفهاء قريش ".
أخرجه البخاري في "التاريخ " (٤/ ١/٣٠٩) ، وابن حبان في "صحيحه "
(٨/٢٥١/٦٦٧٨) ، و"الثقات" (٥/٣٨٨) ، والحا كم (٤/ ٤٧٠و٥٢٧) ، والطيالسي (٠٨ ٢٥) ، وأحمد (٢/٢٩٩ و ٣٢٨ و٤٨٥) ، وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي!
стр. 5390
قلت: ومالك بن ظالم من رجال "الميزان "، وقال:
"قال الأزدي: لا يتابع عليه ".
وكذا في "اللسان "، وذكرا له هذا الحديث، وفاتهما توثيق ابن حبان إياه،
لكن لم يذكروا له راوياً غير سماك بن حرب؛ فهو مجهول.
لكن أخرجه ابن حبان (٦٦٧٧) من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ:
"هلاك أمتي على يدي غلمان سفهاء من قريش ".
وزاد: فقال مروان: والغلمان هؤلاء.
وإسناده صحيح.
وله طريق أخرى يرويه سعيد بن عمرو بن سعيد قال: كنت جالساً مع أبي
هريرة في مسجد النبي ﷺ بالمدينة، ومعنا مروان، قال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق يقول:
"هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش ".
فقال مروان: لعنة الله عليهم غلمة، فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول: بني
فلان، بني فلان؛ لفعلت، [قال عمرو بن يحيى:] فكنت أخرج مع جدي إلى
بني مروان حين ملكوا بالشام، فإذا رآهم غلماناً أحداثاً قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم! قلنا: أنت أعلم.
أخرجه البخاري (٦/٦١٢/ ٣٦٠٥ و ١٣/٩) - والسياق له-، وأحمد (٢/ ٣٢٤)
- مختصراً-.
وله عنده طريق أخرى (٢/٥٢و٥٣٦) عن أبي هريرة. *
стр. 5391
من فضل عبد الله بن مسعود ﵁
٣١٩٢ - (ممَّ تضحكون؟ قالوا: يا نبيَّ اللهِ! من دِقَّةِ ساقيهِ!! فقال:
والذي نفسي بيدهِ؛ لهُما أثقلُ في الميزانِ من أُحُدٍ) .
ورد من حديث ابن مسعود، وعلي بن أبي طالب.
١- أما حديث ابن مسعود؛ فله طريقان:
الأولى: عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زِرٍّ بن حُبَيش عن ابن مسعود:
أنه كان يجتني سواكاً من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
أخرجه أحمد (١/ ٤٢٠- ٤٢١) ، وابن سعد (٣/١٥٥) ، وابن حبان
(٩/١٠٣/٧٠٢٩) ، وكذا الطيالسي (٣٥٥) ، وأبو يعلى (٩/٢٠٩- ٠ ٢١) ، والبزار (٣/٢٤٩/٢٦٧٨) ، والطبراني في "الكبير" (٩/٧٥/٨٤٥٢) ، وأبو نعيم في"الحلية " (١/١٢٧) ؛ كلهم من طرق عن حماد به.
وخالفه زائدة فقال: عن عاصم بن أبي النَّجُود عن زِرٍّ قال: ... فذكره
مرسلاً؛ ليس فيه ابن مسعود.
أخرجه ابن أبي شيبة في"المصنف " (١٢/١١٣/١١٢٧٩) .
وزائدة- وهو ابن قدامة- أحفظ من حماد بن سلمة، لكن يقويه:
الطريق الأخرى، يرويها سهل بن حماد أبو عتاب: ثنا شعبة عن معاوية بن
قرة عن أبيه: أن عبد الله بن مسعود رقي في شجرة ... الحديث نحوه.
стр. 5392
أخرجه الحاكم (٣/٣١٧) ، والبزار (٣/٢٤٨/٦٦٧٧) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٩/٢٨/٥٩) ، وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي.
قلت وإسناد البزار على شرط مسلم، وقال:
"لا نعلم رواه عن شعبة إلا سهل ".
كذا قال! وقد رواه الطيالسي في "مسنده " (١٤٥/١٠٧٧) : حدثنا شعبة عن
معاوية بن قرة أن ابن مسعود ... الحديث.
هكذا وقع فيه! لم يقل: "- عن أبيه "، فإما أنه سقط من الناسخ أو الطابع، أو
هكذا الرواية عنده، والأول هو الأرجح؛ لأنه أورده في "مسند قرة"، وذكر فيه عدة أحاديث من رواية معاوية بن قرة عن أبيه، وأحدها على شرط الترمذي وصححه، وهو مخرج في "فضائل الشام " (رقم ٥) .
وأيضاً لو كانت الرواية وقعت له دون قوله: "عن أبيه "؛لكان الحديث
مرسلاً، وفي هذه الحالة لا يصلح أن يورده في "المسند". والله أعلم.
وعلى ما رجحت؛ فإن كان قرة تلقاه مباشرة عن ابن مسعود؛ فهي طريق
ثانية عنه؛ وإلا فهو مرسل صحابي، ومراسيل الصحابة حجة.
وله طريق ثالثة، ولكنها واهية؛ لأنها من رواية المُعَلَّى بن عُرفان- وهو متروك الحديث- عن أبي وائل، عن عبد الله به نحوه.
أخرجه الطبراني (٨٤٥٣) .
وطريق رابعة بسند جيد عن سارة بنت عبد الله بن مسعود أن أباها أخبرها قال:
стр. 5393
بينما هو يمشي وراء رسول الله ﷺ ؛ إذ همزه أصحابه أو بعضهم، فقال
رسول الله ﷺ :
"والذي نفسي بيده! لعبد الله في الموازين يوم القيامة أثقل من أُحُدٍ ".
كأنهم عجبوا من خِفّتِهِ!
قلت: وهذه قصة أخرى- كما هو ظاهر- لو صحَّت؛ فإن سارة هذه لم أجد
لها ذكراً في شيء من كتب التراجم التي عندي، والله أعلم.
ثم وجدت له طريقاً خامسة، لكنها واهية أيضاً؛ من رواية شريك عن جابر
عن أبي الضحى عن الأزهر بن الأسود عن عبد الله بن مسعود قال:
صعدت أراكةً لأجني منها سواكاً (الأصل: أراكة) ، فجعل أصحابي
يتعجبون من خِفّتي، فقال النبي ﷺ :
"ما تعجبون؟! فو الذي نفسي بيده! لهو أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد". أخرجه الطبراني (٩/٩٧/٨٥١٧) .
وجابر هذا: هو ابن يزيد الجعفي، وهو متروك.
والأزهر بن الأسود لم أجد من ذكره.
٢- وأما حديث علي ﵁؛ فيرويه محمد بن الفُضيل بن غزوان عن مغيرة عن أم موسى قالت: سمعت علياً يقول: أمر النبي ﷺ عبد الله بن مسعود
أن يصعد شجرة فيأتيه منها بشيء، فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله، فضحكوا من حموشة ساقَيهِ، فقال رسول الله- ﷺ : "مما تضحكون؟! لرِجل عبد الله أثقل في الميزان من أُحُدٍ".
стр. 5394
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٢٣٧) ، وأحمد (١/ ١١٤) ، وأبو يعلى
(١/٤٠٩/٢٧٩) ، ومن طريقه الضياء المقدسي في"الأحاديث المختارة" (مسند علي) ، وابن سعد أيضاً، وكذا ابن أبي شيبة (رقم ١٢٨٨٢) كلهم عن محمد بن الفضيل به.
وتابعه جرير عن مغيرة به.
أخرجه أبو يعلى (رقم ٣٣٤) ، والطبراني (٦ ١ ٨٥) ، ومن طريقه الضياء أيضاً، وقال الهيثمي في "المجمع " (٩/٢٨٨- ٢٨٩) :
"رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ورجالهم رجال (الصحيح) ؛غير أم موسى، وهي ثقة".
قلت: ترجمتها في "التهذيب " كالتالي:
"أم موسى، سُرِّيِّة علي بن أبي طالب، قيل: اسمها فاختة، وقيل: حبيبة.
روت عن علي بن أبي طالب، وعن أم سلمة. روى عنها مغيرة بن مِقسم الضبي. قال الدارقطني: حديثها مستقيم، يخرّج حديثها اعتباراً.
قلت: وقال العجلي: كوفية تابعية ثقة".
والمغيرة بن مِقسم ثقة من رجال الشيخين، ولكنه كان يدلس، ولم يصرِّح
بالسماع من أم موسى عند أحد من مخرِّجي الحديث، فتحسين بعض المعلقين لإسناده غير حسن؛ إلا أن يعني أنه حسن بما قبله، فنعم.
وفاتني أن أذكر أن الهيثمي أورد الحديث من الطريق الأولى عن ابن مسعود، وذكر بعض ألفاظ الطرق الأخرى، وقال:
стр. 5395
"رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني من طرق.. وأمثلها فيه عاصم بن أبي النَّجود، وهو حسن الحديث على ضعفه، وبقية رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح ". *
من فضائل جرير بن عبد الله البجلي
٣١٩٣ - (يَدخُلُ مِن هذا البابِ رجلٌ مِن خيرِ ذي يَمَنٍ، على وجههِ
مَسحَةُ ملكٍ. فدخلَ جريرٌ) .
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٢٥٠) : حدثنا علي بن عبد الله قال:
حدثنا سفيان عن إسماعيل عن قيس قال: سمعت جريراً يقول:
ما رآني رسول الله ﷺ منذ أسلمت إلا تبسم في وجهي، وقال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: علي هو ابن المديني. وقد توبع من الحميدي، فقال في "مسنده " (٣٥٠/٨٠٠) : ثنا سفيان به.
وأخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (٥/٨٢) من طريق قتيبة عن سفيان به. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، فيُتعجّب من الحاكم كيف
لم يستدركه؟! أعني حديث الترجمة وإلا فقول جرير: "ما رآني ... " إلخ قد أخرجاه: البخاري (٠ ١/ ٥٠٤/٦٠٨٩) ، ومسلم (٧/١٥٧- ١٥٨) ، وابن حبان (٩/١٦٥/٧١٥٦) ، وابن أبي شيبة (١٢/١٥٢/١٢٣٩٠) ، وكذا ابن ماجه (١٥٩) ، وأحمد (٤/٣٥٨و٣٦٢ و٣٦٥) ، والطبراني في"المعجم الكبير" (٢/ ٣٣٠/٢٢١٩- ٢٢٢٣) من طرق كثيرة عن إسماعيل بن أبي خالد به.