من فضل عبد الله بن مسعود ﵁
٣١٩٢ - (ممَّ تضحكون؟ قالوا: يا نبيَّ اللهِ! من دِقَّةِ ساقيهِ!! فقال:
والذي نفسي بيدهِ؛ لهُما أثقلُ في الميزانِ من أُحُدٍ) .
ورد من حديث ابن مسعود، وعلي بن أبي طالب.
١- أما حديث ابن مسعود؛ فله طريقان:
الأولى: عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زِرٍّ بن حُبَيش عن ابن مسعود:
أنه كان يجتني سواكاً من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
أخرجه أحمد (١/ ٤٢٠- ٤٢١) ، وابن سعد (٣/١٥٥) ، وابن حبان
(٩/١٠٣/٧٠٢٩) ، وكذا الطيالسي (٣٥٥) ، وأبو يعلى (٩/٢٠٩- ٠ ٢١) ، والبزار (٣/٢٤٩/٢٦٧٨) ، والطبراني في "الكبير" (٩/٧٥/٨٤٥٢) ، وأبو نعيم في"الحلية " (١/١٢٧) ؛ كلهم من طرق عن حماد به.
وخالفه زائدة فقال: عن عاصم بن أبي النَّجُود عن زِرٍّ قال: ... فذكره
مرسلاً؛ ليس فيه ابن مسعود.
أخرجه ابن أبي شيبة في"المصنف " (١٢/١١٣/١١٢٧٩) .
وزائدة- وهو ابن قدامة- أحفظ من حماد بن سلمة، لكن يقويه:
الطريق الأخرى، يرويها سهل بن حماد أبو عتاب: ثنا شعبة عن معاوية بن
قرة عن أبيه: أن عبد الله بن مسعود رقي في شجرة ... الحديث نحوه.
стр. 5392
أخرجه الحاكم (٣/٣١٧) ، والبزار (٣/٢٤٨/٦٦٧٧) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٩/٢٨/٥٩) ، وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي.
قلت وإسناد البزار على شرط مسلم، وقال:
"لا نعلم رواه عن شعبة إلا سهل ".
كذا قال! وقد رواه الطيالسي في "مسنده " (١٤٥/١٠٧٧) : حدثنا شعبة عن
معاوية بن قرة أن ابن مسعود ... الحديث.
هكذا وقع فيه! لم يقل: "- عن أبيه "، فإما أنه سقط من الناسخ أو الطابع، أو
هكذا الرواية عنده، والأول هو الأرجح؛ لأنه أورده في "مسند قرة"، وذكر فيه عدة أحاديث من رواية معاوية بن قرة عن أبيه، وأحدها على شرط الترمذي وصححه، وهو مخرج في "فضائل الشام " (رقم ٥) .
وأيضاً لو كانت الرواية وقعت له دون قوله: "عن أبيه "؛لكان الحديث
مرسلاً، وفي هذه الحالة لا يصلح أن يورده في "المسند". والله أعلم.
وعلى ما رجحت؛ فإن كان قرة تلقاه مباشرة عن ابن مسعود؛ فهي طريق
ثانية عنه؛ وإلا فهو مرسل صحابي، ومراسيل الصحابة حجة.
وله طريق ثالثة، ولكنها واهية؛ لأنها من رواية المُعَلَّى بن عُرفان- وهو متروك الحديث- عن أبي وائل، عن عبد الله به نحوه.
أخرجه الطبراني (٨٤٥٣) .
وطريق رابعة بسند جيد عن سارة بنت عبد الله بن مسعود أن أباها أخبرها قال:
стр. 5393
بينما هو يمشي وراء رسول الله ﷺ ؛ إذ همزه أصحابه أو بعضهم، فقال
رسول الله ﷺ :
"والذي نفسي بيده! لعبد الله في الموازين يوم القيامة أثقل من أُحُدٍ ".
كأنهم عجبوا من خِفّتِهِ!
قلت: وهذه قصة أخرى- كما هو ظاهر- لو صحَّت؛ فإن سارة هذه لم أجد
لها ذكراً في شيء من كتب التراجم التي عندي، والله أعلم.
ثم وجدت له طريقاً خامسة، لكنها واهية أيضاً؛ من رواية شريك عن جابر
عن أبي الضحى عن الأزهر بن الأسود عن عبد الله بن مسعود قال:
صعدت أراكةً لأجني منها سواكاً (الأصل: أراكة) ، فجعل أصحابي
يتعجبون من خِفّتي، فقال النبي ﷺ :
"ما تعجبون؟! فو الذي نفسي بيده! لهو أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد". أخرجه الطبراني (٩/٩٧/٨٥١٧) .
وجابر هذا: هو ابن يزيد الجعفي، وهو متروك.
والأزهر بن الأسود لم أجد من ذكره.
٢- وأما حديث علي ﵁؛ فيرويه محمد بن الفُضيل بن غزوان عن مغيرة عن أم موسى قالت: سمعت علياً يقول: أمر النبي ﷺ عبد الله بن مسعود
أن يصعد شجرة فيأتيه منها بشيء، فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله، فضحكوا من حموشة ساقَيهِ، فقال رسول الله- ﷺ : "مما تضحكون؟! لرِجل عبد الله أثقل في الميزان من أُحُدٍ".
стр. 5394
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٢٣٧) ، وأحمد (١/ ١١٤) ، وأبو يعلى
(١/٤٠٩/٢٧٩) ، ومن طريقه الضياء المقدسي في"الأحاديث المختارة" (مسند علي) ، وابن سعد أيضاً، وكذا ابن أبي شيبة (رقم ١٢٨٨٢) كلهم عن محمد بن الفضيل به.
وتابعه جرير عن مغيرة به.
أخرجه أبو يعلى (رقم ٣٣٤) ، والطبراني (٦ ١ ٨٥) ، ومن طريقه الضياء أيضاً، وقال الهيثمي في "المجمع " (٩/٢٨٨- ٢٨٩) :
"رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ورجالهم رجال (الصحيح) ؛غير أم موسى، وهي ثقة".
قلت: ترجمتها في "التهذيب " كالتالي:
"أم موسى، سُرِّيِّة علي بن أبي طالب، قيل: اسمها فاختة، وقيل: حبيبة.
روت عن علي بن أبي طالب، وعن أم سلمة. روى عنها مغيرة بن مِقسم الضبي. قال الدارقطني: حديثها مستقيم، يخرّج حديثها اعتباراً.
قلت: وقال العجلي: كوفية تابعية ثقة".
والمغيرة بن مِقسم ثقة من رجال الشيخين، ولكنه كان يدلس، ولم يصرِّح
بالسماع من أم موسى عند أحد من مخرِّجي الحديث، فتحسين بعض المعلقين لإسناده غير حسن؛ إلا أن يعني أنه حسن بما قبله، فنعم.
وفاتني أن أذكر أن الهيثمي أورد الحديث من الطريق الأولى عن ابن مسعود، وذكر بعض ألفاظ الطرق الأخرى، وقال:
стр. 5395
"رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني من طرق.. وأمثلها فيه عاصم بن أبي النَّجود، وهو حسن الحديث على ضعفه، وبقية رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح ". *
من فضائل جرير بن عبد الله البجلي
٣١٩٣ - (يَدخُلُ مِن هذا البابِ رجلٌ مِن خيرِ ذي يَمَنٍ، على وجههِ
مَسحَةُ ملكٍ. فدخلَ جريرٌ) .
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٢٥٠) : حدثنا علي بن عبد الله قال:
حدثنا سفيان عن إسماعيل عن قيس قال: سمعت جريراً يقول:
ما رآني رسول الله ﷺ منذ أسلمت إلا تبسم في وجهي، وقال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: علي هو ابن المديني. وقد توبع من الحميدي، فقال في "مسنده " (٣٥٠/٨٠٠) : ثنا سفيان به.
وأخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (٥/٨٢) من طريق قتيبة عن سفيان به. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، فيُتعجّب من الحاكم كيف
لم يستدركه؟! أعني حديث الترجمة وإلا فقول جرير: "ما رآني ... " إلخ قد أخرجاه: البخاري (٠ ١/ ٥٠٤/٦٠٨٩) ، ومسلم (٧/١٥٧- ١٥٨) ، وابن حبان (٩/١٦٥/٧١٥٦) ، وابن أبي شيبة (١٢/١٥٢/١٢٣٩٠) ، وكذا ابن ماجه (١٥٩) ، وأحمد (٤/٣٥٨و٣٦٢ و٣٦٥) ، والطبراني في"المعجم الكبير" (٢/ ٣٣٠/٢٢١٩- ٢٢٢٣) من طرق كثيرة عن إسماعيل بن أبي خالد به.
стр. 5396
ومن هذه الطرق رواية سفيان هذه عند مسلم، ولكنه لم يسق حديث
الترجمة، وإنما ساقه الطبراني في مكان آخر (٣٤٠/٢٢٥٨) .
ولقول جرير المذكور طريق آخر، يرويه بيان عن قيس بن أبي حازم به.
أخرجه البخاري (٧/ ١٣١/٣٨٢٢) ، ومسلم أيضاً، وأحمد (٤/٣٥٩) ،
والطبراني (٢/ ٣٥٠/٢٢٨٦و ٢٢٨٧) من طرق عنه.
ولحديث الترجمة طريق أخرى يرويه يونس بن أبي إسحاق عن المغيرة بن
شِبلٍ عن جرير بن عبد الله قال:
لما دنوت من مدينة رسول الله ﷺ ؛أنختُ راحلتي، وحللتُ عَيبتي، فلبست
حُلَّتي، فدخلت على رسول الله ﷺ يخطب، فسلّمتُ على رسول الله ﷺ ،
فرماني الناس بالحدق، فقلت لجليس: يا عبد الله! هل ذكر رسول الله ﷺ من
أمري شيئاً؟ قال: نعم، ذكرك بأحسن الذكر، بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته فقال:
"إنه سيدخل عليكم ... " الحديث مثله، إلا أنه قال في آخره:
"فحمدت الله على ما أبلاني ".
أخرجه النسائي أيضاً في "الكبرى" (رقم ٨٣٠٤) ، وابن حبان (٧١٥٥) ،
وابن أبي شيبة (١٢٣٩١) ، وأحمد (٤/٣٥٩ و ٣٦٤) ، والطبراني أيضاً (٢٤٨٣) من طرق عنه.
قلت: وإسناده صحيح. رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير المغيرة هذا؛ وهو ثقة
بلا خلاف.
стр. 5397
(تنبيه) : زاد الشيخان وغيرهما من طريق إسماعيل:
"ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل، فضرب بيده في صدري وقال:
اللهم ثبته، واجعله هادياً مهديّاً".
وهي عند النسائي وابن ماجه.
(تنبيه آخر) : عزا حديث الترجمة الأستاذُ محمد فؤاد عبد الباقي في تخريجه
ل "الأدب المفرد"للشيخين مشيراً إلى رقم الكتاب والباب من كل منهما! ومثلُهُ
في ذلك الشارح (١/ ٣٥٠) ، وزاد عليه أنه عزاه للترمذي في"المناقب "، وأبي داود في "الجهاد"، وابن ماجه في "السنة"! وكل هؤلاء ليس عندهم حديث الترجمة، وإنما عندهم قول ابن جرير المتقدم، وليس يخفى أن هذا لا يُسوِّغ لهم العزو الموهم لخلاف الواقع.
وأما عزوه لأ بي داود؛ فهو أغرق في الخطأ؛ لأنه لم يرو القول المذكورأيضاً!!
وإنما له عنه حديث آخر، أخرجه الشيخان أيضاً، وهو في كتابي"صحيح أبي
داود " (٢٤٧٧) .
ولعل مثل هذا الوهم هو السبب في عدم إيراد الحافظ الهيثمي هذا الحديث
في كتابه "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان "؛لظنه أنه في "الصحيحين "! والغريب أن الحافظ لم ينبِّه عليه في هامش الكتاب كما هي عادته أحياناً،
ولذلك؛ فقد استدركته عليه في نسختي من "الموارد"، في أحاديث أخرى كثيرة استدركتها، تهيئة لنشره في جملة مشروعي الكبير "تقريب السنة بين يدي الأمة"، وأرجو أن أنتهي منه قريباً إن شاء الله تعالى. *
стр. 5398
٣١٩٤ - (والذي نفسي بيدِه! لوتعلمونَ ما أعلمُ؛ لضحكتُم قليلاً،
ولبكيتُم كثيراً.
ثم انصرف ﷺ ؛ وأبكى القوم، وأوحى اللهُ إليه:
يا محمدُ! لم تُقنِّط عبادي؟!
فرجع النبيُّ ﷺ ، فقال:
أبشرُوا، وسدِّدُوا، وقاربُوا) .
أخرجه البخاري في"الأدب المفرد" (٢٥٤) ، والبيهقي في "شعب الإيمان " (٢/٢٢/١٠٥٨) من طريق الربيع بن مسلم القرشي: حدثنا محمد بن زياد عن
أبي هريرة قال:
خرج النبي ﷺ على رهط من أصحابه يضحكون ويتحدثون، فقال: ...
فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وكذلك أخرجه ابن حبان في "صحيحه " (١/١٦٢/١١٣و ٢٨٥/٣٥٩) ، وقال:
" (سدِّدوا) يريد به: كونوا مسدِّدين. والتسديد: لزوم طريقة النبي ﷺ واتباع
سننه.
وقوله: (وقاربوا) يريد به: لا تحملوا على أنفسكم من التشديد ما لا تطيقون. (وأبشروا) ؛ فإن لكم الجنة إذا لزمتم طريقتي في التسديد، وقاربتم في
الأعمال ".
стр. 5399
وقال البيهقي عقب الحديث:
"ففي هذا دلالة على أنه لا ينبغي أن يكون خوفه بحيث يؤيِّسه ويقنِّطه من رحمة الله، كما لا ينبغي أن يكون رجاؤه بحيث يأمن مكر الله، أو يجرئه على معصية الله ".
والحديث رواه حماد بن سلمة عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم يقول: ... فذكر الجملة الأولى منه، والأخيرة منه:
" أبشروا.. ".
أخرجه أحمد (٢/٤٦٧) .
ثم أخرجه هو (٢/٢٥٧و ٣١٣ و ٤١٨ و ٤٣٢ و ٤٥٣ و ٥٠٢) ، والبخاري (٦٤٨٥و ٦٦٣٧) ، ومن طريقه البيهقي في "السنن " (١٠/٢٦) ، وابن حبان (٧/٥١٩/٥٧٦٣) والترمذي (٤ ٢٣١) ، وابن حبان أيضاً (٨/٢٤٩/ ٦٦٧١)
من طرق أخرى عن أبي هريرة بالشطر الأول فقط، وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح ".
وزاد ابن حبان في الموضع الثاني من طريق خالد بن عبد الله الزِّيادي عن أبي عثمان عنه:
"يظهر النفاق، وتُرفع الأمانة، وتُقبض الرحمة، ويُتهم الأمين، ويؤتمن غير الأمين، أناخِ بكم الشُّرف الجُون "، قالوا: وما الشُّرف الجُون يا رسول الله؟! قال: "فتن كقطع الليل المظلم ".
وهكذا أخرجه الحاكم (٤/٥٧٩) ، وقال:
"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي!
стр. 5400
كذا قالا! وخالد بن عبد الله الزيادي- وقيل: الزبادي- لم يذكروا عنه راوياً
غير اثنين أحدهما: جعفر بن ربيعة، والآخر: عمرو بن الحارث، وهو راويه هنا، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٦/٢٥٩) ، فمثله يحتمِلُ حديثه التحسين، أما
الصحة فلا.
ومثله- أو خير منه- شيخه أبو عثمان وهو الأصبحي، كما وقع مصرَّحاً به
في إسناد الحاكم، وكذلك في ترجمته من "التهذيب "، وسماه عبيد بن عمير، وذكر أنه روى عنه جمع غير الزيادي، ولم يحك فيه جرحاً ولا توثيقاً.
وفي "ثقات ابن حبان " (٥/٥٦٨ و ٥٧٦) من طبقته اثنان بكنيته هذه "أبي
عثمان "رويا عن أبي هريرة، روى عن أحدهما معاوية بن صالح، وعن الآخر ثابت البناني؛ فمن المحتمل أن يكون هو هذا. والله أعلم.
ومهما يكن حال هذا وحال الذي قبله؛ فإني أرى أن حديثه هذا لا ينزل عن
مرتبة الحسن؛ لما له من الشواهد المبثوثة في مختلف الأحاديث. والله أعلم. وللشطر الأول من حديث الترجمة شواهد كثيرة، أصحها حديث أنس بن مالك مرفوعاً به.
أخرجه البخاري (٦٤٨٦) ، ومسلم (٧/٩٢) ، وا بن حبان (٥٧٦٢) ، ووكيع
في"الزهد" (١/٢٤٢/١٧) ، وابن أبي شيبة في"المصنف" (١٣/٢٤٦/ ١٦٢٤٠) ، وأحمد (٣/١٨٠و ٩٣ ١و ٢١٠و٢٥١ و ٢٦٨) من طرق كثيرة عنه.
وقد استوعب شواهدَه وطرقه الأخُ الفاضل عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي في تعليقه على "الزهد" (١/٢٤٢- ٢٤٤) .
(تنبيه) : حديث ابن حبان المتقدم من رواية أبي عثمان، وقع هذا منسوباً في
стр. 5401
"موارد الظمآن " (٤٦٢/ ١٨٧١) هكذا: (أبي عثمان الهندي) ! وهذا مخالف لما في "الإحسان " أولاً كما تقدم؛ فإنه لم ينسب فيه. وثانياً: أنه مخالف لما في
"الجرح "وغيره في ترجمة خالد الزيادي: أنه روى عن أبي عثمان الأصبحي؛ فاقتضى التنبيه.
والحديث مما جنى عليه المدعوب (حسان بن عبد المنان) ، فضعفه في حديث لأبي ذر، فيه فقرات هذا منها، جاهلاً أو متجاهلاً شواهده، منها حديث أنس المتفق عليه، وقد رددت عليه مفصلاً في
"النصيحة بتحذير المسلمين من تضعيفات ابن عبد المنان للأحاديث الصحيحة ومن تخريبه بتعليقاته لكتب الأئمةالرجيحة" (برقم: ١٢٣) . *
٣١٩٥ - (كأنِّي أنظرُ إلى بَياضِ كشحِ رسول الله ﷺ وهو ساجدٌ) .
أخرجه أحمد (٣/١٥) من طريقين عن ابن لهيعة عن عبيد الله بن المغيرة: سمعت أبا الهيثم يقول: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: ... فذكره.
قلت؛ وهذا إسناد رجاله ثقات، لكن ابن لهيعة فيه ضعف من قبل حفظه،
وبه أعلَّه الهيثمي؛ فقال (٢/١٢٥) :
"رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام ".
وأقول: هذا من صحيح حديثه يقيناً؛ لكثرة شواهده عن جمع من الصحابة، منهم البراء بن عازب، وعبد الله بن مالك ابن بُحينَة، وأبو هريرة، وعبد الله بن أقرم، وميمونة؛ وغيرهم بمعناه، وقد أسندها عن المذكورين: النسائيُّ في"السنن الكبرى" (١/٢٣٣ و ٢٣٤) ، وبعضها في "صحيح مسلم " (٢/٥٣- ٥٤) ، والكثير منها مخرج في"صحيح أبي داود" (٨٣٥ و٨٣٧) ، وحديث ابن بحينة عند البخاري أيضاً (٨٠٧) ، وكذا ابن حبان (٣/٩٣/١٩١٦) ؛وانظر
"التلخيص الحبير" (١/٢٥٥) .
стр. 5402
وإنما أوردت حديث الترجمة للفظ: "الكشح " الذي فيه، ولأخرِّج له بعض الشواهد التي تقوِّيه، مثل حديث أبي هريرة ﵁، وله عنه طريقان: الأولى: عن أسامة بن زيد قال: أخبرني موسى بن مسلم مولى ابنة قارظ
عن أبي هريرة: أنه ربما حدث عن النبي ﷺ فيقول: حدثنيه:
"أهدب الشفرين، أبيض الكَشحين، إذا أقبل أقبل جميعاً، وإذا أدبر أدبر
جميعاً، لم تر عين مثله، ولن تراه ".
أخرجه البخاري في "الأ دب المفرد" (٢٥٥) وفي "التاريخ " (٤/ ١/٢٩٥) ، وابن سعد في "الطبقات " (١/٤١٥) .
ذكره البخاري في ترجمة موسى هذا، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وتبعه
في ذلك ابن أبي حاتم، ولم يذكرا له راوياً غير أسامة هذا، ولذلك قال الذهبي
في "الميزان ":
"لا يعرف ".
وأما ابن حبان؛ فذكره على قاعدته في "الثقات " (٥/٤٠٣) ! وقال الحافظ
في"التقريب ":
"مقبول ".
يعني عند المتابعة، وقد توبع، فقد رواه عبد الملك بن قدامة بن إبراهيم
الجُمَحي عن قدامة بن موسى عن محمد بن سعيد [بن] المسيب [عن أبيه] :
أن أبا هريرة كان إذا رأى أحداً من الأعراب أو أحداًَ لم ير النبي ﷺ ؛ قال:
ألا أصف لكم النبي ﷺ ؟ كان شَثنَ القدمين، أهدب العينين، أبيض الكشحين،
стр. 5403
يُقبِلُ معاً، وُيدبِرُ معاً، فِدّى له أبي وأمي، ما رأيت مثله قبله ولا بعده.
أخرجه ابن سعد (١/٤١٤-٤١٥) .
قلت: ورجال إسناده ثقات؛ غير عبد الملك بن قدامة؛ فإنه ضعيف كما في
"التقريب "، وقد وثقه ابن معين وابن عبد البر، فمثله يستشهد به إن شاء الله تعالى. وأخرجه البزار (٣/١٢٢/٢٣٨٧) من طريق إسحاق بن إبراهيم الحمصي: ثنا عمرو بن الحارث عن عبد الله بن سالم عن الزُّبيدي عن الزهري عن سعيد بن المسيب: أنه سمع أبا هريرة يصف رسول الله ﷺ فقال:
كان رجلاً رَبعَةً، وهو إلى الطول أقرب، شديد البياض، أسود اللحية، حسن
الشعر، أهدب أشفار العينين ... الحديث دون ذكر الكشحين. وقال البزار:
"لا نعلم رواه عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة إلا الزبيدي ".
قلت: وهذا إسناد صحيح إن سلم من إسحاق الحمصي؛ قال الحافظ:
"يهم كثيراً، وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب ".
وجملة "أهدب العينين "، وردت من طريق جيدة عن أبي هريرة في حديث
آخر تقدم برقم (٢٠٩٥) ، وفيه قوله: "يُقِبِلُ جميعاً، ويُدبِِرُ جميعاً".
ولهذا- والجملة المشار إليها- شاهد من حديث علي من طرق عنه في
"الطبقات " (١/ ٤١٠- ٤١٣) ، وفيه:
"لم أرقبله ولا بعده مثله ".
وهو في "شماثل الترمذي " أيضاً (١٥/٤- مختصره) ، وصححه ابن حبان (٢١١٧- موارد) من طريق أخرى، وتقدم أيضاً تخريجها برقم (٢٠٥٣) . *
стр. 5404
٣١٩٦ - (يأخذُ اللهُ- سماواتِه وأرَضيِه بيديهِ، فيقولُ:
أنا اللهُ- ويقبضُ أصابعَه ويبسطُها- أنا الملِكُ، [وتمايلَ رسولُ الله ﷺ
عن يمينه وعن شماله] حتى نظرتُ إلى المنبرِ يتحركُ من أسفلِ شيءٍ منه، حتّى إني لأقولُ: أساقطٌ هو برسولِ الله ﷺ ؟) .
أخرجه مسلم (٨/١٢٦-١٢٧) ، وابن خزيمة في "التوحيد" (٤٩- ٥٠) ،
والبيهقي في "الأسماء والصفات " (٣٣٩) كلهم عن سعيد بن منصور: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن: حدثني أبو حازم عن عبيد الله بن مِقسَمٍ: أنه نظر إلى
عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ قال: ... فذكره.
وتابعه قتيبة بن سعيد: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن به. أخرجه ابن حبان
(٩/٢١٣/ ٠ ٧٢٨) .
ثم أخرجه مسلم، والبيهقي من طريق سعيد بن منصور أيضاً قال: حدثنا
عبد العزيز بن أبي حازم: حدثني أبي عن عبيد الله بن مقسم عن عبد الله بن عمر قال:
رأيت رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول:
"يأخذ الجبار سماواته وأرضيه بيديه ... " الحديث.
وتابعه جمع عن عبد العزيز بن أبي حازم به.
أخرجه ابن ماجه (١٩٨و٤٢٧٥) ، والدارمي في "الرد على المريسي "
(ص ٣١) ، وابن جرير في "التفسير" (٢٤/١٨) ، والطبراني في "المعجم الكبير"
(١٢/٣٥٥/١٣٣٢٧) ، وابن منده في " التوحيد " (٢/٤٧/١٩٠) وزادوا:
стр. 5405
"وتمايل رسول الله ﷺ عن يمينه وعن شماله، حتى نظرت ... ".
وإسنادها صحيح على شرط الشيخين.
وخالفهم في السند عبد الله بن نافع؛ فقال: عن عبد العزيز بن أبي حازم عن
أبيه عن عبيد بن عمير عن عبد الله بن عمر مرفوعاً به.
أخرجه ابن جرير.
وعبد الله بن نافع هو الصائغ المخزومي؛ وفيه ضعف من قبل حفظه، قال
الحافظ في "التقريب ":
"ثقة صحيح الكتاب، في حفظه لين ".
قلت: وقد خالفهم بذكره عبيد بن عمير مكان عبيد الله بن مقسم، وعبيد بن عمير هو الليثي المكي، وهو ثقة أيضاً من رجال الشيخين، فإن كان حفظه؛ فالإسناد صحيح، والله أعلم.
ثم وجدت له متابعاً قوياً عند الطبراني (١٢/٣٨٩/١٣٤٣٧) ، وابن منده (٢/١٠١/٢٤٨) من طريق علي بن عبد العزيز: ثنا القعنبي [عبد الله بن مسلمة] : ثنا عبد العزيز بن أبي حازم به.
وتابع أبا حازم: إسحاقُ بنُ عبد الله بن أبي طلحة عن عبيد الله بن مقسم عن
ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: (وما قدروا الله
حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه
سبحانه وتعالى عما يشركون) [الزمر: ٦٧] ، ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده ويحركها؛ يقبل بها ويدبر، يمجِّد الرب نفسه: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا العزيز، أنا الكريم، فرجف برسول الله ﷺ المنبر، حتى قلنا: ليخرَّن به.
стр. 5406
أخرجه أحمد (٢/٧٢) - والسياق له-، وابن أبي عاصم في "السنة " (١/٢٤٠/٥٤٦) ، وابن خزيمة أيضاً من طرق عن حماد بن سلمة عنه.
وإسناده صحيح على شرط مسلم.
والحديث أورده شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى" (٥/ ٤٨١) بزيادة
بعض الأسماء الحسنى فيه، وقوله:
"أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئاً، أنا الذي أعيدها".
وقال:
"رواه ابن منده وابن خزيمة وعثمان بن سعيد الدارمي وسعيد بن منصور
وغيرهم من الأئمة الحفاظ النقاد الجهابذة".
ولم أجد لهذه الزيادة ذِكراً في شيء من المصادر المتقدمة، والله سبحانه
وتعالى أعلم. *
٣١٩٧ - (لا ينبغي لِذِي الوجهينِ أن يكون أمِيناً) .
أخرجه البخاري في"الأدب المفرد" (٣١٣) : حدثنا خالد بن مَخلَدٍ قال:
حدثنا سليمان بن بلال عن عبيد الله بن سلمان عن أبيه عن أبي هريرة- رضي
الله عنه- عن النبي ﷺ قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير عبيد الله بن
سلمان- وهو الأغر-؛ فإنه من رجال البخاري.
وخالد بن مخلد له مناكير؛ كما قال أحمد وغيره، وقد خولف في إسناده ممن
هو أوثق منه، فقال الخرائطي في"مساوئ الأخلاق " (١٣٨/٢٩٢) : حدثنا أحمد
стр. 5407
ابن منصور الرمادي: ثنا أبو سلمة الخزاعي: ثنا سليمان بن بلال عن محمد بن
عجلان عن عبيد الله بن سلمان الأغر به.
قلت: وأبو سلمة الخزاعي اسمه منصور بن سلمة، وهو ثقة ثبت حافظ، وقد
زاد في الإسناد محمد بن عجلان، وهو حسن الحديث، والرمادي ثقة أيضاً،
فالإسناد جيد.
وقد تابع الرماديّ: الإمامُ أحمد فقال في "مسنده " (٢/٣٦٥) : ثنا الخزاعي
به؛ إلا أنه قال: "ما ينبغي ... ".
وتابعه أيضاً أبو أمية الطَّرسُوسِيُّ: ثنا منصور بن سلمة به.
أخرجه البيهقي في "السنن " (١٠/٢٦٤) و"الشعب " (٤/٢٢٩/ ٤٨٨٠) .
وتوبع الخزاعي، فقال أحمد أيضاً (٢/٢٨٩) : ثنا عُبيدَةُ بن أبي قُرَّة: ثنا
سليمان به.
و (عبيدة) هكذا وقع في "المسند" في هذا الحديث، وفي حديث آخر قبله
بأحاديث! وفي طبعة أحمد شاكر (١٥/٨ و ٩) : "عُبيد"، وهو الصواب الموافق
لترجمته في كتب الرجال: "تاريخ البخاري "، "الجرح والتعديل "، "ثقات ابن
حبان" (٨/ ٤٣١) ، "تاريخ بغداد" (١١/٩٥) ، و"تعجيل المنفعة" للحافظ ابن
حجر، ومن الغريب أنه لم يذكر في ترجمته ما يدل على حاله سوى قول البخاري في "التاريخ " (٣/٢/٢) في حديث للعباس:
"لا يتابع في حديثه ".
وقول يعقوب بن شيبة:
"ثقة صدوق ".
стр. 5408
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال:
"ربما خالف ".
هذا ما ذكره في "التعجيل "! وفاته قول ابن أبي حاتم عن أبيه:
" صد وق ".
وما رواه الخطيب عن ابن معين:
"ما كان به بأس ".
قلت: فالرجل ثقة، فمتابعته قوية.
والحديث عزاه الحافظ في "الفتح " (١٠/٤٧٥) للبخاري، وأشار إلى تقويته
بسكوته عليه.
وقد روي من طريق أخرى عن أبي هريرة، يرويه كثير بن زيد عن الوليد بن
رباح عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ الترجمة.
أخرجه ابن عدي (٦/٦٨) في ترجمة كثير هذا- وهو الأسلمي-، وقال:
"لم أر بحديثه بأساً، وأرجو أنه لا بأس به ".
وقال الحافظ في "التقريب ":
"صدوق يخطئ ".
وروى ابن أبي شيبة (٨/٥٥٨) بسند صحيح عن عكرمة قال:
"لَقَمِنٌ ذو الوجهين أن لا يكون عند الله أميناً".
(تنبيه) : لقد وهم الشيخ الجيلاني في شرحه على "الأدب المفرد" حين قال
في حديث الترجمة:
стр. 5409
"أخرجه الترمذي في"البر" وأحمد بطريقين (ص ٣٦٥ج ٢) "!
وذلك؛ لأن الترمذي لم يخرجه مطلقاً، وأحمد إنما رواه من طريقين عن
سليمان بن بلال كما تقدم، وليس عن أبي هريرة كما هو المتبادر من كلامه.
ثم إن الحديث- مع كونه ليس في شيء من الكتب الستة-؛فلم يورده
الهيثمي في "مجمع الزوائد" مع كونه على شرطه؛ لأنه قد رواه أحمد! *
٣١٩٨ - (كان يقولُ: إنّ الخيرَ خيرُ الآخرِة، أو قال:
اللهم لا خير إلا خيرُ الآخرة فاغفر للأنصارِ والمهاجرة) .
أخرجه أحمد (٣/١٦٩) : ثنا حجاج قال: حدثني شعبة قال: سمعت
قتادة: حدثنا أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ ... فذكره. قال شعبة:
فكان قتادة يقول هذا في قصصه.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وقد أخرجه البخاري (٣٧٩٥ و ٣٧٩٦) ، ومسلم (٥/١٨٨) ، والترمذي
(٣٨٥٧) - وصححه-، والنسائي في"السنن الكبرى" (٥/٨٤/٨٣١٣و٨٣١٤) ، وأحمد (٣/١٦٩و١٧٠و٧٢ ١و ٢٧٨) ، وأبو يعلى (٥/٣٥٨و٤٧٦) من طرق أخرى عن شعبة به، دون قوله: "فكان قتادة ... "، إلا أن بعضهم ذكر معاوية بن قرة أبا إياس، وحميداً مكان قتادة.
وتابعهم أبو التَّيَّاح الضُّبَعي عن أنس به.
أخرجه ابن ماجه (٧٤٢) ، وابن حبان (٩/ ١٩٠/٧٢١٥) ، وأحمد (٣/١١٨
و٢٤٤) من طرق عن حماد به، وهو رواية لمسلم (٥/١٨٩) .
стр. 5410
وأخرجه الشيخان وغيرهما من طرق أخرى عن أبي التَّيَّاح به نحوه؛ وهو
مخرج في "صحيح أبي داود" (٤٧٨) .
وله شاهد من حديث أم سلمة قالت:
ما نسيت قوله يوم الخندق وهو يعاطيهم اللبن، وقد اغبرَّ شعر صدره، وهو يقول: "اللهم إن الخير خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة".
قال: فرأى عماراً، فقال:
"ويحَ ابنِ سُمَيَّةَ! تقتله الفئة الباغية".
أخرجه أحمد (٦/٢٨٩) ، وأبو يعلى (٣/ ٢٠٩/١٦٤٥) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/٤٣) من طريق ابن عون عن الحسن عن أمه عنها.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وقد أخرج في "صحيحه " (٨/١٨٦) قضية عمار فقط، وهو رواية لأحمد؛ خلافاً لما يوهمه صنيع المعلق على "مسند أبي يعلى"؛ حيث عزاه لمسلم والطيالسي، وليس عندهما حديث الترجمة!
وجملة: "إن الخير خير الآخرة"؛ أخرجها البخاري في "الأدب المفرد" (رقم
٣٤٦) من طريق أبي غالب عن أم الدرداء قالت:
زارنا سلمان من المدائن إلى الشام ماشياً؛ وعليه كساء وانْدَرْوَرد (قال: يعني سراويل مشمرة) . قال ابن شوذب: رؤي سلمان وعليه كساء مطموم الرأس، ساقط الأذنين، يعني أنه كان أرفش، فقيل له: شَوَّهت نفسك! قال: إن الخير خير الآخرة. قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات، وفي أبي غالب- وهو صاحب أبي أمامة- كلام يسير، لا ينزل حديثه من مرتبة الحسن.
стр. 5411
وأما قول ابن شوذب: رؤي ... إلخ؛ فهو معضل؛ لأنه لم يدرك سلمان،
مات سنة ست أو سبع ومئة.
وقد جاء الحديث عن أنس والبراء بأتم من رواية قتادة، وسيأتي تخريجه برقم (٣٢٤٣) . *
٣١٩٩ - (كان إذا قام من الليل يتهجد، صلى ركعتين خفيفتين) .
أخرجه أبو عوانة في "صحيحه " (٢/ ٣٣١- الثانية) ، ومن طريقه: الأصبهاني
في "الترغيب " (٢/٧٨٢/ ١ ١ ٩ ١) ، والبغوي في"شرح السنة " (٤/١٨/٨ ٠ ٩) - وصححه-، وابن أبي شيبة في "المصنف " (٢/٢٧٣) ، ومن طريقه: البيهقي في "السنن " (٣/٦) من طريق سليمان بن حَيَّان عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: ... فذكره مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد جيد، وهو على شرط مسلم، على كلام في حفظ سليمان
ابن حيان، وقد اختلف عليه في لفظه، فرواه بعضهم هكذا من فعله ﷺ ، وبعضهم من أمره، وهذا الأمر قد اختلفوا فيه على هشام بن حسان، فبعضهم رفعه، وبعضهم أوقفه، ورجحه أبو داود والبيهقي.
أما الأول؛ فرواه ابن أبي شيبة- وتابعه آدم بن أبي إياس- قالا: عن سليمان
به؛ كما ذكرنا أعلاه من فعله ﷺ .
وخالفهما الربيع بن نافع أبو توبة: حدثنا سليمان بن حيان به مرفوعاً بلفظ:
"إذا قام أحدكم من الليل؛ فليصل ركعتين خفيفتين ".
أخرجه أبو داود (١٣٢٣) : حدثنا الربيع به، وأعله بالوقف؛ فقال عقبه:
стр. 5412
"روى هذا الحديث حماد بن سلمة، وزهير بن معاوية، وجماعة عن هشام
عن محمد، أوقفوه على أبي هريرة، وكذلك رواه أيوب وابن عون، أوقفوه على أبي هريرة". وكذا قال البيهقي.
ورواية أيوب التي علقها أبو داود، أخرجها (١٣٢٤) ، ومن طريقه: البيهقي
من طريق معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال:
"إذا.. " بمعناه، زاد: "ثم ليطول بعد ما شاء"
قلت: وإسناده صحيح.
وأما الأمر الآخر- وهو الاختلاف على هشام بن حسان-؛ فقد ذكره أبو داود معلّقاً من رواية حماد بن سلمة وزهير بن معاوية وجماعة عنه موقوفاً. ومن الجماعة هشيم بن بشير، فقال ابن أبي شيبة (٢/٢٧٢-٢٧٣) : حدثنا هشيم قال: أخبرنا هشام به موقوفاً.
نعم؛ لقد كنت خرجت الحديث مرفوعاً من قوله ﷺ في "الإرواء" (٢/٢٠٢/
٤٥٣) من رواية ثلاثة من الثقات الآخرين عن هشام به، وملت هناك إلى ترجيح الرفع على الوقف إعمالاً لقاعدة: زيادة الثقة مقبولة.
ثم ترجح عندي الوقف لسببين اثنين، أوردته من أجل ذلك في "ضعيف أبي
داود" (رقم ٢٤٠) .
ثم بدا لي علة في رواية أحد الثلاثة المشار إليهم، وهو أبو أسامة- واسمه حماد بن أسامة-؛ فقد رواه مسلم والبيهقي من طريق أبي بكر بن أبي شيبة:
حدثنا أبو أسامة عن هشام به مرفوعاً، فكان تخريج مسلم من هذا الوجه من الدواعي على ترجيح المرفوع هناك.
стр. 5413
ثم بدا لي ما يقدح في هذا الوجه، وهو أن ابن أبي شيبة لم يسنده في
"مصنفه "؛ فإنه قال (٢/٢٣٣) :
حدثنا أبوأسامة عن هشام عن محمد قال:
"ما رأيته افتتح صلاة تطوع إلا بركعتين ".
فقد أوقفه على محمد بن سيرين.
ثم وجدت لابن أبي شيبة متابعاً مرفوعاً، فقال الترمذي في "الشمائل " (٢/٨٨- بشرح القاري) ، وعنه البغوي (٤/١٧ /٠٧ ٩) - وصححه-: حدثنا محمد ابن العلاء: أنبأنا أبو أسامة به؛ فانتفى القدح المذكور، وبقي ترجيح الوقف على السببين المشار إليهما:
أحدهما: أن هشاماً قد توبع من أيوب وغيره على وقفه، ولم يتابعه أحد-
فيما علمت- على رفعه.
والآخر: أنه لم نجد له شاهداً، ووجدنا للمرفوع من فعله ﷺ . أخرجه مسلم وغيره عن عائشة، وهو مخرج هناك مثل حديث الترجمة. *
٣٢٠٠ - (لو أن الله يؤاخذُني وعيسى بذنوبنا (وفي رواية: بما جنت هاتان- يعني: الإبهام والتي تليها-) ، لُعذَّبَنا ولا (وفي الأخرى: ولم) يظلِمنا شَيئاً) .
أخرجه ابن حبان في "صحيحه " (٢/٦٥٦ و ٦٥٨) - بالروايتين-، وأبو نعيم
في"الحلية" (٨/١٣٢) - بالرواية الأخرى-من طرق عن حسين بن علي الجُعْفِيِّ عن فُضَيلٍ بن عياض عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال:
стр. 5414
قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. وقال أبو نعيم:
"غريب من حديث الفضيل وهشام، تفرد به عنه الحسين بن علي الجعفي ".
قلت: وهو ثقة من رجال الشيخين، وكذلك من فوقه، فالسند صحيح على شرطهما، فيتعجب من الحاكم كيف لم يورده في "مستدركه "؟!
وللحديث طريق أخرى، يرويه محمد بن يوسف الفريابي: ثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به نحوه.
أخرجه الطبراني في" الأوسط " (٢٢٩٤) ، والبزار (٤/١٦٢/٣٤٤٨-كشف) من طريقين عن الفريابي به. وقال الطبراني:
"لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا الفريابي ".
قلت: وهو ثقة من رجال الشيخين، وكذلك من فوقه؛ فالسند صحيح أيضاً.
وله شاهد من حديث زيد بن ثابت نحوه، ليس فيه ذكر النبي ﷺ وعيسى؛ وسنده صحيح، وهو مخرج في "الظلال " (٢٤٥) . *
٣٢٠١ - (إن أخوف ما أخاف عليكم رجل قرأ القرآن، حتّى إذا رُئيتْ بهجتُه عليه، وكان رِدْءاً للإسلام؛ انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك. قلت: يا نبيَّ الله! أيُّهما أولى بالشرك، الرامي أو المرمي؟ قال: بل الرامي) .
أخرجه البخاري في "التاريخ " (٤/ ٣٠١/٠٧ ٢٩) ، وأبو يعلى في "مسنده الكبير"
- كما في "تفسير ابن كثير" (٢/٢٦٥) و"المطالب العالية" (٤/٢٧٣/٤٤٢٣) -، ومن طريق أبي يعلى: ابن حبان في "صحيحه " (١/١٤٨/ ٨١) ، والبزار في
"
стр. 5415
مسنده " (١/٩٩/١٧٥) من طرق عن محمد بن بكر عن الصلت] بن بهرام [: حدثنا الحسن: حدثنا جندب البجلي- في هذا المسجد- أن حذيفة حدثه قال:
قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. وقال ابن كثير:
"هذا إسناد جيد، والصلت بن بهرام كان من ثقات الكوفيين، ولم يُرْمَ بشيء
إلا الإرجاء، وقد وثقه أحمد وابن معين وغيرهما".
وأقول: لا شك أن الصلت بن بهرام ثقة، ولكن هل هو راوي هذا الحديث
عن الحسن- وهو البصري-؟! هذا فيه نظر، وإن كان جزم به ابن كثير، وسلفه في ذلك ابن حبان، فقد قال في ترجمة الصلت بن بهرام من "ثقاته " (٦/٤٧١) : "كوفي عزيز الحديث، يروي عن جماعة من التابعين، روى عنه أهل الكوفة،
وهو الذي يروي عن الحسن، روى عنه محمد بن بكر المقرئ الكوفي- ليس بالبَرَساني-، ومن قال: إنه الصلت بن مهران؛ فقد وهم، إنما هو الصلت بن بهرام ". كذا قال! وتعقبه الحافظ بقوله في "التهذيب ":
"هذا الذي رده جزم به البخاري عن شيخه علي بن المديني، وهو أخبر بشيخه، وقال البخاري في "التاريخ ": قال لي علي: ثنا محمد بن بكر البرساني عن الصلت بن مهران: حدثني الحسن البصري ... فذكر حديثاً ".
قلت: وهو هذا، وفيما ذكره كل من الحافظ وابن حبان ما يلفت النظر:
أولاً: لا يوجد في نسخة "التاريخ " المطبوعة: " البرساني، ابن مهران، البصري "؛فالظاهر أن ذلك من الحافظ ذكره من عنده على سبيل البيان لا الرواية.
ثانياً: جزم ابن حبان بأن محمد بن بكر الراوي عن الصلت ليس هو البرساني، لا أدري ما مستنده في ذلك؟! بل هو مخالف لصنيع الحفاظ الذين ذكروا في
стр. 5416
ترجمة البرساني أنه روى عنه علي بن المديني ومحمد بن مرزوق الباهلي، وهما ممن رويا هذا الحديث عنه، الأول عند البخاري كما تقدم، والآخر عند أبي يعلى وابن حبان وكذا البزار، بل إن هذا وقع في إسناده أنه (البرساني) !
ثالثاً: لا نعرف في الرواة (محمد بن بكر المقرئ الكوفي) حتى يَرِدَ جزم ابن حبان بأنه هو، ولو احتمالاً، وكان على ابن حبان أن يورده في "ثقاته " كما فعل بـ (البرساني) ، فقد أورده في موضعين منه؛ في (أتباع التابعين) (٧/٤٤٢) ، وفي (أتباع أتباعهم) (٩/٣٨) ؛ فهو إذن من المجهولين.
رابعاً: سلمنا- جدلاً- أنه غير البرساني، فلا يستقيم جزمه بأن الصلت هو
ابن بهرام، لأنه لم يقع التصريح به إلا في رواية المقرئ هذا، وهو غير معروف.
خامساً: إذا كان الأمر كذلك؛ فمن يكون الصلت هذا؟ أما البخاري فصنيعه المتقدم صريح بأنه ابن مهران؛ لأنه ساق الحديث في ترجمته، ونحوه قول ابن أبي
حاتم فيه (٤/٤٣٩/٩٢٧ ١) :
"روى عن الحسن وشهر بن حوشب، وعنه محمد بن بكر البرساني وسهل
ابن حماد".
وعليه " فالصلت هنا اثنان: ابن بهرام، وقد وثقه جماعة كما تقدم، وابن مهران، وهو غير مشهور؛ لأنه لم يرو عنه غير البرساني وشهر، ولذلك قال الذهبي في " الميزان ":
"مستور، قال ابن القطان: مجهول الحال ".
وظاهر كلام البزار يميل إلى أن الصلت هذا هو الأول؛ فقد قال عقب الحديث:
"
стр. 5417
لا نعلمه يروى إلا عن حذيفة، وإسناده حسن، والصلت مشهور، ومن بعده لا يسأل عن أمثالهم ".
قلت: وسواء كان هذا أو ذاك، فالحديث حسن إن شاء الله تعالى؛ لأن له شواهد في الجملة، منها حديث عمر مرفوعاً:
"إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان "
رواه أحمد وغيره بسند صحيح عن عمر، وهو مخرج فيما تقدم (٣/١١/١٠١٣) . ورواه البيهقي في "شعب الإيمان " (٢/٢٨٤/٧٧٧ ١) بلفظ:
".. منافق يتكلم بالحكمة، ويعمل بالجور".
وحديث ابن عمر مرفوعاً بلفظ:
"إذا قال الرجل للرجل: "يا كافر! فقد باء به أحدهما إن كان كما قال، وإلا؛ رجعت على الآخر".
أخرجه أحمد (٢/٤٤) ، ومسلم وغيرهما، وقد مضى تخريجه برقم (٢٨٩١)
في المجلد السادس-. *
٣٢٠٢ - (من صام الدهر؛ ضيِّقت عليه جهنم هكذا- وعقد
تسعين-) .
أخرجه الطيالسي في "مسنده " (٥١٤) ، وعنه البزار في "مسنده " (١٠٤١) ، وكذا البيهقي (٤/٣٠٠) : حدثنا الضحاك بن يسار عن أبي تميمة عن أبي موسى عن النبي ﷺ به.
ثم أخرجه البيهقي، وابن أبي شيبة (٣/٧٨) ، وأحمد (٤/٤١٤) ،
стр. 5418
وابن حبان (٥/٢٣٨/٣٥٧٦) من طرق أخرى عن الضحاك بن يسار به.
قلت: وهذا إسناد جيد، أبو تميمة- واسمه طريف بن مجالد الهجيمي- ثقة
من رجال البخاري.
والضحاك بن يسار، قال ابن أبي حاتم (٤/٤٦٢/ ٢٠٤٠) :
"سألت أبي عنه؟ فقال: لا بأس به ".
وذكر عن ابن معين أنه قال:
"يضعفه البصريون ".
وضعفه آخرون ذكرهم الحافظ في "التعجيل "، وهو جرح غير مفسر، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات " (٦/٦٨٣) ، وروى عنه جمع من الحفاظ مثل وكيع وأبي نعيم ومسلم بن إبراهيم، وغيرهم، فمثله يحتج به، وتطمئن النفس لحديثه،
ولا سيما وقد توبع، فقال الطيالسي (٥١٣) : حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي تميمة به موقوفاً. وقال:
"لم يرفعه شعبة، ورفعه سعيد".
يعني: ابن أبي عروبة.
ومن طريق الطيالسي أخرجه البيهقي أيضاً.
وقد توبع، فقال ابن أبي شيبة (٣/٧٨) : حدثنا وكيع عن شعبة به.
وكذا رواه أحمد (٤/٤١٤) : ثنا وكيع ...
وتابعه الثوري في "مصنف عبد الرزاق " (٤/٢٩٦/٧٨٦٦) ؛ فقال: عن الثوري
عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي موسى به.
стр. 5419
كذا وقع فيه! لم يذكر قتادة بين أبي تميمة والثوري، وهذا لم يدرك أبا
تميمة (١) ، فلا أدري أسقط ذكر قتادة من الناسخ أو الطابع، أم الرواية هكذا؟! والأول أرجح، والله أعلم.
ولم يتنبه لهذا الانقطاع: المعلق على "المصنف "، وكذا المعلق على "الإحسان "
(٨/ ٣٥٠- طبع المؤسسة) .
وأما رواية سعيد المرفوعة، فقال الروياني في "مسنده " (ق ١٠٧/٢) : نا محمد
ابن بشار: نا ابن أبي عدي وعبد الأعلى (٢) قالا: نا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة
به مرفوعاً.
وهكذا أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه " (٣/٣١٣/٢١٥٤) ، والبزار أيضاً (١٠٤٠) من طريق محمد بن أبي عدي وحده.
قلت: وهذا إسناد صحيح، ولا يضرُّه وقف من أوقفه؛ فإنه لا يقال بالرأي
كما هو ظاهر، وقال الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (١/٢٣٨) :
"أخرجه أحمد والنسائي قي "الكبرى" وابن حبان، وحسنه أبو علي الطوسي ". قلت: ليس هو في "كبرى النسائي " المطبوعة حديثاً، وهي من رواية ابن الأحمر، وقد أفاد الحافظ المزي في "تحفة الأشراف " (٦/٤٢٣) أنه في رواية أبي الحسن بت حَيَّوَيهِ عن النسائي.
وقال الهيثمي (٣/١٩٣) :
"رواه أحمد والبزار والطبراني في " الكبير"، ورجاله رجال الصحيح ".
стр. 5420
قلت: والحديث ظاهر الدلالة في تحريم صوم الدهر، وبه قال ابن حزم في "المحلى" (٧/١٢- ١٦) ، واستدل على ذلك أيضاً بقوله ﷺ : "من صام الدهر؛ فلا صام ولا أفطر".
ولقد تكلف كثير من العلماء في رد دلالتهما بتأويلهما، وبخاصة الأول منهما؛ فقد حمله ابن حبان على من صام الدهر الذي فيه أيام العيد والتشريق! وأسوأمنه من تأوَّله بقوله:
"ضُيِّقُت عنه جهنم حتى لا يدخلها"!
حكاه ابن خزيمة وغيره عن المزني! ولقد أحسن ابن حزم في ردْه بقوله:
"وهذه لكنة وكذب.
أما اللكنة؛ فإنه لو أراد هذا؛ لقال: "ضيقت عنه "، ولم يقل: "عليه ".
وأما الكذب؛ فإنما أورده رواته كلهم على التشديد والنهي عن صومه ".
وانظر ما كنت علقته على كلمة المزني في "صحيح ابن خزيمة" (٣/٣١٤) . *
٣٢٠٣ - (ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تقذرهم نفس الله، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير) .
أخرجه أبو داود (١/٣٨٨- جهاد) ، وا لحا كم (٤/ ٤٨٦- ٤٨٧) ، وعبد الرزاق
(١١/٣٧٦/٢٠٧٩٠) ، وأحمد (٢/٨٤ و ١٩٨- ١٩٩و٢٠٩) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/٥٤ و ٦٦) ، وابن عساكر في"تاريخ دمشق " (١/١٤٩ و١٥٠- طبع دمشق) من طريق شهر بن حوشب عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً ... وفيه قصة.
стр. 5421
قلت: وهذا إسناد ضعيف، سكت عنه الحاكم والذهبي، وعلته شهر هذا؛
فإنه ضعيف لسوء حفظه. ومع ذلك؛ فقد قال الحافظ في "الفتح " (١١/٣٨٠) : "أخرجه أحمد، وسنده لا بأس به "!
ثم وجدت للحديث طريقاً أخرى، وشاهداً، يتقوى الحديث بهما ولا بد.
أما الطريق الأخرى؛ فقال الحاكم (٤/ ٥١٠) : أخبرني أحمد بن محمد بن
سلمة العنزي (!) : ثنا عثمان بن سعيد الدارمي: ثنا عبد الله بن صالح: ثنا موسى ابن علي بن رباح قال: سمعت أبي يقول:
خرجت حاجّاً، فقال لي سليمان بن عنز- قاضي مصر-: أبلغ أبا هريرة مني السلام، وأعلمه أني قد استغفرت الغداة له ولأمه، فلقيته؛ فأبلغته، قال: وأنا قد استغفرت له، ثم قال: كيف تركتم أم حنو؟ يعني مصر، قال: فذكرت له من رفاهيتها وعيشها، قال: أما إنها أول الأرض خراباً، ثم أرمينية؛ قلت: سمعت ذلك من رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، ولكن حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص
﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ :
"إنها تكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض.. " الحديث.
وقال الحاكم:
"حديث صحيح على شرط الشيخين "، ووافقه الذهبي!
وأقول: عبد الله بن صالح- وهو أبو صالح كاتب الليث- ليس من رجال
مسلم، ثم إن فيه كلاما من قبل حفظه، وقد توسط فيه الحافظ في "مقدمة
الفتح "، فقال بعد أن ساق أقوال أئمة الجرح فيه:
стр. 5422
"قلت: ظاهر كلام هؤلاء الأئمة أن حديثه في الأول كان مستقيماً، ثم طرأ عليه فيه تخليط، فمقتضى ذلك أن ما يجيء من روايته عن أهل الحذق، كيحيى ابن معين والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم؛ فهو من صحيح حديثه، وما يجيء من رواية الشيوخ عنه فيتوقف فيه ... ".
قلت: ولعل من هؤلاء الحذاق عثمان بن سعيد الدارمي؛ فقد ذكر الذهبي
في ترجمته من "السير" (١٣/ ٣٢٠) أنه أخذ علم الحديث وعلله عن علي ويحيى وأحمد، وفاق أهل زمانه، ووصفه في مطلع ترجمته بـ: "الإمام العلامة الحافظ الناقد ... ".
لكن يبقى النظر في حال شيخ الحاكم أحمد بن محمد بن سلمة العنزي؛ فإني لم أجد له ترجمة، لكن يظهر من تصحيح الحاكم لحديثه هذا أنه ثقة عنده.
وقد ذكره الذهبي في الرواة عن الدارمي، لكنه لم يسم جده، وقال في نسبته (العنبري) مكان (العنزي) ، فهو ممن يستشهد به على الأقل. والله أعلم.
وأما الشاهد؛ فيرويه يحيى بن حمزة: ثنا الأوزاعي عن نافع- وقال أبو
النضر: عمن حدثه عن نافع- عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال:
"سيهاجر أهل الأرض هجرة بعد هجرة ... " الحديث.
أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات " (ص ٤٦٤) وابن عساكر (١/ ١٥١)
من طريق أبي النضر إسحاق بن إبراهيم بن يزيد وهشام بن عمار الدمشقيين قالا: ثنا يحيى بن حمزة به.
стр. 5423
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال البخاري، فهو صحيح؛ لولا الواسطة
بين الأوزاعي ونافع؛ فإنه لم يسم، مع أن رواية الأوزاعي عن نافع ثابتة في "صحيح البخاري ".
وعلى كل حال؛ فهو شاهد صالح، وبه يرتقي الحديث إلى مرتبة الصحة إن
شاء الله تعالى.
وهنا بعض التنبيهات التي لا بد منها:
أولاً: كنت ذكرت الحديث في "الضعيفة" برقم (٣٦٩٧) من الطريق الأولى، فلما وقفت على الطريق الأخرى والشاهد؛ لم استجز إبقاءه هناك، فنقلته إلى
هنا، سائلاً المولى مزيداً من التوفيق والهداية.
ثانياً: وبناء على ذلك نقلته أيضاً من "ضعيف الجامع " (٣٢٥٨) إلى "صحيح الجامع "، فالرجاء من مقتنيهما، أن يفعل هذا.
ثالثاً: لقد جاء الحديث في "الفتح الكبير" الذي هو أصل كتابي "صحيح
الجامع"و"ضعيف الجامع"غير مرموز له بحرف (ز) إشارة إلى أنه من"الزيادة على الجامع الصغير" كما جرى عليه مؤلف "الفتح "، وبناء عليه؛ جاء في "ضعيف الجامع وزيادته"غير مقرون برقمه الخاص الذي كنت اصطلحت عليه مكان حرف (ز) ؛والآن تبين لي أنه ليس في"الجامع الصغير" وإنما في"الزيادة عليه" فاقتضى التنبيه.
رابعاً: أشار المنذري إلى تقوية الحديث بمجموع الطريقين عن ابن عمرو؛ بتصديره إياه بلفظ: "عن "، ولكنه في الوقت نفسه أشار إلى تخطئة الحاكم في تصحيحه إسناده، بقوله (٣/٦٢) :
стр. 5424
"رواه أبو داود عن شهر عنه، والحاكم عن أبي هريرة عنه، وقال: "صحيح
على شرط الشيخين " كذا قال! ".
وقد عرفت علة إسناده، وأنه محل للاستشهاد به، ولعله لذلك جزم شيخ الإسلام ابن تيمية بنسبته إلى النبي ﷺ في غير ما موضع من "فتاويه "، فانظر (ص ٤١ و ٤٤و٥٠٩) من المجلد (٢٧) من "مجموع الفتاوى"، وقال في الصفحة الأخيرة من المذكورات؛ في فصل كان عقده في فضل الشام وأهله:
"وفي هذا الحديث بشرى لأصحابنا الذين هاجروا من (حران) وغيرها إلى مهاجر إبراهيم، واتبعوا ملة إبراهيم، ودين نبيهم محمد ﷺ ، وبيان أن هذه الهجرة التي لهم بعد (كذا، ولعل الصواب: تعدل) هجرة أصحاب رسول الله ﷺ إلى المدينة، لأن الهجرة إلى حيث يكون الرسول وآثاره، وقد جعل مهاجر إبراهيم يعدل لنا مهاجر نبينا ﷺ ؛ فإن الهجرة انقطعت بفتح مكة".
وبهذه المناسبة يحق لي أن أقول بيانأ للتاريخ، وشكرأ لوالدي- رحمه الله تعالى-:
وكذلك في الحديث بشرى لنا: آل الوالد الذي هاجر بأهله من بلده
(أشقودرة) عاصمة (ألبانيا) يومئذ؛ فراراً بالدين من ثورة (أحمد زوغو) أزاغ الله قلبه، الذي بدأ يسير في المسلمين الألبان مسيرة سلفه (أتاتورك) في الأتراك، فجنيت- بفضل الله ورحمته - بسبب هجرته هذه إلى (دمشق الشام) ما لا أستطيع أن أقوم لربي بواجب شكره، ولو عشت عمر نوح ﵊؛ فقد تعلمت فيها اللغة العربية السورية أولاً، ثم اللغة العربية الفصحى ثانياً، الأمر الذي مكنني أن أعرف التوحيد الصحيح الذي يجهله أكثر العرب الذين كانوا من
стр. 5425
حولي- فضلاً عن أهلي وقومي-؛ إلا قليلاً منهم، ثم وفقني الله- بفضله وكرمه
دون توجيه من أحد منهم- إلى دراسة الحديث والسنة أصولاً وفقهاً، بعد أن درست على والدي وغيره من المشايخ شيئاً من الفقه الحنفي وما يعرف بعلوم الآلة، كالنحو والصرف والبلاغة، بعد التخرج من مدرسة (الإسعاف الخيري) الابتدائية، وبدأت أدعو من حولي من إخوتي وأصحابي إلى تصحيح العقيدة، وترك التعصب المذهبي، وأحذرهم من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وأرغبهم في إحياء السنن الصحيحة التي أماتها حتى الخاصة منهم، وكان من ذلك إقامة صلاة العيدين في المصلى في دمشق، ثم أحياها إخواننا في حلب، ثم في بلاد أخرى في سوريا، واستمرت هذه السنة تنتشر حتى أحياها بعض إخواننا في (عمان/ الأردن) ؛ كما حذرت الناس من بناء المساجد على القبور والصلاة، وألفت في ذلك كتابي "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد"، وفاجأت قومي وبني وطني الجديد بما لم يسمعوا من قبل، وتركت الصلاة في المسجد الأموي، في الوقت الذي كان يقصده بعض أقاربي؛ لأن قبر يحيى فيه كما يزعمون! ولقيت في سبيل ذلك- من الأقارب والأباعد- ما يلقاه كل داعية للحق لا تأخذه في الله
لومة لائم، وألفت بعض الرسائل في بعض المتعصبين الجهلة، وسُجِنْتُ مرتين بسبب وشاياتهم إلى الحكام الوطنيين والبعثيين، وبتصريحي لبعضهم حين
سئلت: لا أؤيد الحكم القائم؛ لأنه مخالف للإسلام، وكان ذلك خيراً لي وسبباً
لانتشار دعوتي.
ولقد يسر الله لي الخروج للدعوة إلى التوحيد والسنة إلى كثير من البلاد السورية والعربية، ثم إلى بعض البلاد الأوروبية، مع التركيز على أنه لا نجاة للمسلمين مما أصابهم من الاستعمار والذل والهوان، ولا فائدة للتكتلات
стр. 5426
الإسلامية، والأحزاب السياسية إلا بالتزام السنة الصحيحة وعلى منهج السلف الصالح- ﵃؛ وليس على ما عليه الخلف اليوم- عقيدة وفقهاً وسلوكاً-؛ فنفع الله ما شاء ومن شاء من عباده الصالحين، وظهر ذلك جليّاً
في عقيدتهم وعبادتهم، وفي بنائهم لمساجدهم، وفي هيئاتهم وألبستهم، مما يشهد به كل عالم منصف، ولا يجحده إلا كل حاقد أو مخرف، مما أرجو أن يغفر الله لي بذلك ذنوبي، وأن يكتب أجر ذلك لأبي وأمي، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات: (ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) ، ربِّ (.. وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين) .
خامساً: كنت علَّقت على الفصل المشار إليه آنفاً، حين قام بطبعه صاحب المكتب الإسلامي بتعليقي عليه، ألحقه بكتابي "تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق للربعي "، وفيه هذا الحديث كما تقدم، وكنت علقت عليه بما خلاصته أنه حديث حسن، ثم خرجته من الطريقين عن ابن عمرو مبيِّنآً علتهما باختصار، وختمته بقولي:
"ولكن الحديث قوي بمجموع الطريقين إن شاء الله تعالى".
ولما قام بطبع مشروعي "صحيح السنن الأربعة" و"ضعيفها" بتكليف من "مكتب التربية العربي "دون علمي؛ أخذ يتصرف بها ويعلق عليها كما يوحي إليه جهله وغروره بما لا يتسع المجال الآن لبيانه، ولا سيما وقد بينت شيئاًً من ذلك في غير ما موضع.
والمقصود الآن أن هذا الحديث، كنت أوردته في "ضعيف أبي داود" لضعف
стр. 5427
إسناده كما تقدم بيانه، وبناءً على الاتفاق القائم بيني وبين مكتب التربية- كما
هو منصوص عليه في مقدمة "ضعيف أبي داود" (ص ٨- ٩) وغيره-؛ فقلت فيه تحت الحديث:
"ضعيف".
أي: ضعيف إسناده، فأضاف الصاحب من عنده معتدياً:
" [ضعيف الجامع الصغير] ".
وزاد في الاعتداء فعلق عليه بما لا يخرج عن الخلاصة التي ذكرتها آنفاً،
ولكن بأسلوب ماكر يفهم القارئ منه أنني متناقض، تماماً كما يفعل ذاك السقاف الجاهل الحاقد مدعي "التناقضات " بجهله المتراكم، فسار على وتيرته الصاحب القديم! بالتعليق المشار إليه، وكان حقه- لو اتقى الله وأنصف- أن يبين أنه لا تناقض بين التضعيف؛ فهو بالنظر لسند أبي داود، والتحسين؛ فهو بالنظر لمجموع الطريقين كما هو صريح في تخريجي على الفصل المشار إليه آنفاً.
ولم يكتف بهذا الاعتداء؛ بل جاء بثالثة الأثافي! فأخذ يوهم القراء
التناقض في اسم صحابي الحديث؛ إذ وقع في التعليق المذكور "ابن عمر" خطأ مطبعيّاً أو قلمياً، قال:
"وذكر في "صحيح (كذا) الجامع " أنه عن ابن عمرو"!
هكذا وقع في تعليقه هذا: "صحيح الجامع "! وهو خطأ أيضاً قلمي أو مطبعي، فكأن الله أراد أن يخزيه فوقع فيما رمى به غيره؛ مصداقاً للحكمة القائلة: "من حفر بئراً لأخيه؛ وقع فيه "! فاعتبروا يا أولي الأبصار! والله المستعان، ولا حول ولا قوة
стр. 5428
إلا بالله، نسأل الله تعالى أن يحفظنا من فتن هذا الزمان وشرور أهله.
ثم رأيت الحافظ إبراهيم الناجي قد نبه في"عجالة الإملاء" (ق ٥ ٢٠/ ١) أن
قول المنذري- فيما تقدم- أن الحاكم رواه عن أبي هريرة عن ابن عمرو وهم؛ إذ ليس في إسناد الحاكم ذكر لأبي هريرة مطلقاً! ومن الواضح جداً أنه يعني الطريق الأولى التي فيها شهر، وأنه لم يقف على الطريق الأخرى، فإنها من رواية أبي هريرة عن ابن عمرو- ﵄.
وإن من غفلة المعلقين الثلاثة على "الترغيب " وجهلهم وتقليدهم؛ أنهم مع عزوهم (٣/٦٤٢) الحديث للحاكم برقم الصفحة التي فيها الطريق الأخرى؛ فإنهم مع ذلك ضعفوا الحديث وأعلُّوه بـ (شهر بن حوشب) !! *
٣٢٠٤ - (إذا أراد أحدكم أن يسأل؛ فليبدأ بالمدحة والثناء على
الله بما هو أهله، ثم ليصل على النبي ﷺ ، ثم ليسأل بعد؛ فإنه أجدر أن ينجح) .
موقوف في حكم المرفوع: أخرجه عبد الرزاق في"المصنف " (١/ ٤٤١/١٩٦٤٢) ،
ومن طريقه: الطبراني في "المعجم الكبير" (٩/١٧٠/ ٨٧٨٠) عن معمر عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن ابن مسعود قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لانقطاعه بين أبي عبيدة وأبيه، قال الهيثمي في "المجمع " (١٠/١٥٥) :
"رواه الطبراني، ورجاله رجال "الصحيح "؛ إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ". قلت: فقوله (١٠/١٦٠) :
"وهو حديث جيد"!
стр. 5429
غير جيد للانقطاع الذي فيه، وأيضاً فأبو إسحاق- وهو السبيعي- مدلس مختلط؛ إلا إن كان يريد أنه جيد لشواهده، فهو كما قال، ولكنه لم يوضح.
فيقويه أن له طريقاً أخرى عند الترمذي (٢/١٨٤/٥٩٣) من طريق أبي بكر
ابن عياش عن عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله قال:
كنت أصلي؛ والنبي ﷺ وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء
على الله، ثم الصلاة على النبي ﷺ ، ثم دعوت لنفسي، فقال النبي ﷺ :
"سل تعطه، سل تعطه ".
وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح ".
قلت: إسناده حسن، وقد أخرجه أحمد (١/٤٤٥) من طريق أخرى عن
زائدة: ثنا عاصم بن أبي النجود بالجملة الأخيرة منه في قصة أخرى. وكذلك رواه شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله.
أخرجه أحمد (١/٣٨٦ و ٤٣٧) ؛ وانظر "تخريج المختارة" (٤٥٥) و" المشكاة" (٩٣١) .
وله شاهد آخر بنحوه، تقدم برقم (٢٠٣٥) . *
من أدبه ﷺ مع نسائه
٣٢٠٥ - (كذلك سَوْقُكَ بالقوارير، يعني النساء. قاله ﷺ في حجة الوداع) .
أخرجه أحمد (٦/٣٣٧- ٣٣٨) : حدثنا عبد الرزاق قال: ثنا جعفر بن
стр. 5430
سليمان عن ثابت قال: حدثتني شميسة- أو سمية؛ قال عبد الرزاق: هو في
كتابي سمينة- عن صفية بنت حُيَيٍّ:
أن النبي ﷺ حج بنسائه، فلما كان في بعض الطريق؛ نزل رجل فساق بهن فأسرع، فقال النبي ﷺ : ... فذكره، فبينما هم يسيرون؛ بَرَكَ بصفية بنت حيي جملُها، وكانت من أحسنهن ظهراً، فبكت، وجاء رسول الله ﷺ حين أُخبر
بذلك، فجعل يمسح دموعها بيده، وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها، فلما أكثرت زَبَرَها وانتهرها، وأمر الناس بالنزول فنزلوا، ولم يكن يريد أن ينزل، قالت: فنزلوا، وكان يومي، فلما نزلوا ضرب خباء النبي ﷺ ودخل فيه، قالت: فلم أدرِ عَلامَ أهجم من رسول الله ﷺ ، وخشيت أن يكون في نفسه شيء مني! قالت: فانطلقت إلى عائشة فقلت لها: تعلمين أني لم أكن أبيع يومي من رسول الله ﷺ بشيء أبداً، وإني قد وهبت يومي لك على أن تُرْضِي رسول الله ﷺ عني! قالت: نعم، قالت: فأخذت عائشة خماراً لها قد ثردته بزعفران، فرشته بالماء ليذكى ريحه، ثم لبست ثيابها، ثم انطلقت إلى رسول الله ﷺ ، فرفعت طرف الخباء، فقال لها:
"ما لك يا عائشة؟! إن هذا ليس بيومك ".
قالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فقال مع أهله.
فلما كان عند الرواح؛ قال لزينب بنت جحش:
"يا زينب! أفقري أختك صفية جملاً".
وكانت من أكثرهن ظهراً، فقالت: أنا أفقر يهوديتك! فغضب النبي ﷺ حين سمع ذلك منها، فهجرها فلم يكلمها حتى قدم مكة وأيام منى في سفره،
حتى رجع إلى المدينة؛ والمحرم وصفر، فلم يأتها، ولم يَقْسِم لها، ويئست منه.