← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

الإسلامية، والأحزاب السياسية إلا بالتزام السنة الصحيحة وعلى منهج السلف الصالح- ﵃؛ وليس على ما عليه الخلف اليوم- عقيدة وفقهاً وسلوكاً-؛ فنفع الله ما شاء ومن شاء من عباده الصالحين، وظهر ذلك جليّاً في عقيدتهم وعبادتهم، وفي بنائهم لمساجدهم، وفي هيئاتهم وألبستهم، مما يشهد به كل عالم منصف، ولا يجحده إلا كل حاقد أو مخرف، مما أرجو أن يغفر الله لي بذلك ذنوبي، وأن يكتب أجر ذلك لأبي وأمي، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات: (ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) ، ربِّ (.. وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين) . خامساً: كنت علَّقت على الفصل المشار إليه آنفاً، حين قام بطبعه صاحب المكتب الإسلامي بتعليقي عليه، ألحقه بكتابي "تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق للربعي "، وفيه هذا الحديث كما تقدم، وكنت علقت عليه بما خلاصته أنه حديث حسن، ثم خرجته من الطريقين عن ابن عمرو مبيِّنآً علتهما باختصار، وختمته بقولي: "ولكن الحديث قوي بمجموع الطريقين إن شاء الله تعالى". ولما قام بطبع مشروعي "صحيح السنن الأربعة" و"ضعيفها" بتكليف من "مكتب التربية العربي "دون علمي؛ أخذ يتصرف بها ويعلق عليها كما يوحي إليه جهله وغروره بما لا يتسع المجال الآن لبيانه، ولا سيما وقد بينت شيئاًً من ذلك في غير ما موضع. والمقصود الآن أن هذا الحديث، كنت أوردته في "ضعيف أبي داود" لضعف

стр. 5427

إسناده كما تقدم بيانه، وبناءً على الاتفاق القائم بيني وبين مكتب التربية- كما هو منصوص عليه في مقدمة "ضعيف أبي داود" (ص ٨- ٩) وغيره-؛ فقلت فيه تحت الحديث: "ضعيف". أي: ضعيف إسناده، فأضاف الصاحب من عنده معتدياً: " [ضعيف الجامع الصغير] ". وزاد في الاعتداء فعلق عليه بما لا يخرج عن الخلاصة التي ذكرتها آنفاً، ولكن بأسلوب ماكر يفهم القارئ منه أنني متناقض، تماماً كما يفعل ذاك السقاف الجاهل الحاقد مدعي "التناقضات " بجهله المتراكم، فسار على وتيرته الصاحب القديم! بالتعليق المشار إليه، وكان حقه- لو اتقى الله وأنصف- أن يبين أنه لا تناقض بين التضعيف؛ فهو بالنظر لسند أبي داود، والتحسين؛ فهو بالنظر لمجموع الطريقين كما هو صريح في تخريجي على الفصل المشار إليه آنفاً. ولم يكتف بهذا الاعتداء؛ بل جاء بثالثة الأثافي! فأخذ يوهم القراء التناقض في اسم صحابي الحديث؛ إذ وقع في التعليق المذكور "ابن عمر" خطأ مطبعيّاً أو قلمياً، قال: "وذكر في "صحيح (كذا) الجامع " أنه عن ابن عمرو"! هكذا وقع في تعليقه هذا: "صحيح الجامع "! وهو خطأ أيضاً قلمي أو مطبعي، فكأن الله أراد أن يخزيه فوقع فيما رمى به غيره؛ مصداقاً للحكمة القائلة: "من حفر بئراً لأخيه؛ وقع فيه "! فاعتبروا يا أولي الأبصار! والله المستعان، ولا حول ولا قوة

стр. 5428

إلا بالله، نسأل الله تعالى أن يحفظنا من فتن هذا الزمان وشرور أهله. ثم رأيت الحافظ إبراهيم الناجي قد نبه في"عجالة الإملاء" (ق ٥ ٢٠/ ١) أن قول المنذري- فيما تقدم- أن الحاكم رواه عن أبي هريرة عن ابن عمرو وهم؛ إذ ليس في إسناد الحاكم ذكر لأبي هريرة مطلقاً! ومن الواضح جداً أنه يعني الطريق الأولى التي فيها شهر، وأنه لم يقف على الطريق الأخرى، فإنها من رواية أبي هريرة عن ابن عمرو- ﵄. وإن من غفلة المعلقين الثلاثة على "الترغيب " وجهلهم وتقليدهم؛ أنهم مع عزوهم (٣/٦٤٢) الحديث للحاكم برقم الصفحة التي فيها الطريق الأخرى؛ فإنهم مع ذلك ضعفوا الحديث وأعلُّوه بـ (شهر بن حوشب) !! * ٣٢٠٤ - (إذا أراد أحدكم أن يسأل؛ فليبدأ بالمدحة والثناء على الله بما هو أهله، ثم ليصل على النبي ﷺ ، ثم ليسأل بعد؛ فإنه أجدر أن ينجح) . موقوف في حكم المرفوع: أخرجه عبد الرزاق في"المصنف " (١/ ٤٤١/١٩٦٤٢) ، ومن طريقه: الطبراني في "المعجم الكبير" (٩/١٧٠/ ٨٧٨٠) عن معمر عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن ابن مسعود قال: ... فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لانقطاعه بين أبي عبيدة وأبيه، قال الهيثمي في "المجمع " (١٠/١٥٥) : "رواه الطبراني، ورجاله رجال "الصحيح "؛ إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ". قلت: فقوله (١٠/١٦٠) : "وهو حديث جيد"!

стр. 5429

غير جيد للانقطاع الذي فيه، وأيضاً فأبو إسحاق- وهو السبيعي- مدلس مختلط؛ إلا إن كان يريد أنه جيد لشواهده، فهو كما قال، ولكنه لم يوضح. فيقويه أن له طريقاً أخرى عند الترمذي (٢/١٨٤/٥٩٣) من طريق أبي بكر ابن عياش عن عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله قال: كنت أصلي؛ والنبي ﷺ وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله، ثم الصلاة على النبي ﷺ ، ثم دعوت لنفسي، فقال النبي ﷺ : "سل تعطه، سل تعطه ". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح ". قلت: إسناده حسن، وقد أخرجه أحمد (١/٤٤٥) من طريق أخرى عن زائدة: ثنا عاصم بن أبي النجود بالجملة الأخيرة منه في قصة أخرى. وكذلك رواه شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله. أخرجه أحمد (١/٣٨٦ و ٤٣٧) ؛ وانظر "تخريج المختارة" (٤٥٥) و" المشكاة" (٩٣١) . وله شاهد آخر بنحوه، تقدم برقم (٢٠٣٥) . * من أدبه ﷺ مع نسائه ٣٢٠٥ - (كذلك سَوْقُكَ بالقوارير، يعني النساء. قاله ﷺ في حجة الوداع) . أخرجه أحمد (٦/٣٣٧- ٣٣٨) : حدثنا عبد الرزاق قال: ثنا جعفر بن

стр. 5430

سليمان عن ثابت قال: حدثتني شميسة- أو سمية؛ قال عبد الرزاق: هو في كتابي سمينة- عن صفية بنت حُيَيٍّ: أن النبي ﷺ حج بنسائه، فلما كان في بعض الطريق؛ نزل رجل فساق بهن فأسرع، فقال النبي ﷺ : ... فذكره، فبينما هم يسيرون؛ بَرَكَ بصفية بنت حيي جملُها، وكانت من أحسنهن ظهراً، فبكت، وجاء رسول الله ﷺ حين أُخبر بذلك، فجعل يمسح دموعها بيده، وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها، فلما أكثرت زَبَرَها وانتهرها، وأمر الناس بالنزول فنزلوا، ولم يكن يريد أن ينزل، قالت: فنزلوا، وكان يومي، فلما نزلوا ضرب خباء النبي ﷺ ودخل فيه، قالت: فلم أدرِ عَلامَ أهجم من رسول الله ﷺ ، وخشيت أن يكون في نفسه شيء مني! قالت: فانطلقت إلى عائشة فقلت لها: تعلمين أني لم أكن أبيع يومي من رسول الله ﷺ بشيء أبداً، وإني قد وهبت يومي لك على أن تُرْضِي رسول الله ﷺ عني! قالت: نعم، قالت: فأخذت عائشة خماراً لها قد ثردته بزعفران، فرشته بالماء ليذكى ريحه، ثم لبست ثيابها، ثم انطلقت إلى رسول الله ﷺ ، فرفعت طرف الخباء، فقال لها: "ما لك يا عائشة؟! إن هذا ليس بيومك ". قالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فقال مع أهله. فلما كان عند الرواح؛ قال لزينب بنت جحش: "يا زينب! أفقري أختك صفية جملاً". وكانت من أكثرهن ظهراً، فقالت: أنا أفقر يهوديتك! فغضب النبي ﷺ حين سمع ذلك منها، فهجرها فلم يكلمها حتى قدم مكة وأيام منى في سفره، حتى رجع إلى المدينة؛ والمحرم وصفر، فلم يأتها، ولم يَقْسِم لها، ويئست منه.

стр. 5431

فلما كان شهر ربيع الأول؛ دخل عليها، فرأت ظلَّه، فقالت: إن هذا لظل رسول الله ﷺ ، وما يدخل علي النبي ﷺ ، فمن هذا؟! فدخل النبي ﷺ ، فلما رأته قالت: يا رسول الله! ما أدري ما أصنع حين دخلت علي؟! قالت: وكانت لها جارية، وكانت تخبِّئُها من النبي ﷺ ، فقالت: فلانة لك، فمشى النبي ﷺ إلى سرير زينب، وكان قد رُفع، فوضعه بيده، ثم أصاب أهله، ورضي عنهم. ثم قال أحمد عقب هذا الحديث- وفي "مسند عائشة (٦/١٣١- ١٣٢) -: ثنا عفان: ثنا حماد- يعني: ابن سلمة- قال: ثنا ثابت عن شميسة عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان في سفر له، فاعتلَّ بعير لصفية، وفي إبل زينب فضل، فقال لها رسول الله ﷺ : "إن بعيراً لصفية اعتل، فلو أعطيتِها بعيراً من إبلك ". فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية؟! قال: فتركها رسول الله ﷺ ذا الحجة والمحرم شهرين أو ثلاثة لا يأتيها، قالت: حتى يئستُ منه، وحَوُّلْتُ سريري. قالت: فبينما أنا يوماً بنصف النهار؛ إذا أنا بظل رسول الله ﷺ مُقْبِل. قال عفان: حدثنيه حماد عن شميسة عن النبي ﷺ ، ثم سمعته بعد يحدثه عن شميسة عن عائشة عن النبي ﷺ ، وقال بعد: في حج أو عمرة، ولا أظنه إلا قال: في حجة الوداع. وأخرجه الطبراني في" المعجم الأوسط " (١/١٤٥/٢/ ٢٧٧٠) - بتمامه نحوه-،

стр. 5432

والنسائي، وابن ماجه، وأبو داود- بعضه-، وهو مخرج في "الإرواء" (٧/٨٥) ، وسقط تخريجه من مطبوعته، فيستدرك من هنا. وقد قلت هناك: "ورجاله ثقات رجال مسلم؛ غير سمية هذه، وهي مقبولة عند الحافظ ابن حجر". وأزيد هنا فأقول: وذكرها الذهبي في آخر "الميزان " في فصل "النسوة المجهولات "، وقال في أوله: "وما علمت في النساء من اتُّهِِمَتْ، ولا من تركوها". وقال الهيثمي في حديث عائشة (٤/٣٢٣) : "رواه الطبراني في "الأوسط "، وفيه سمية، روى لها أبو داود وغيره، ولم يجرِّحها أحد، وبقية رجاله ثقات "! كذا قال! وفاته عزوه لأحمد، وفي روايته لحديث صفية ملاحظتان: إحداهما: موافقة ما في كتاب عبد الرزاق لما في رواية أحمد وغيره لحديث عائشة أن الراوي عن صفية، وعن عائشة هي "سمية"، لكن وقع في مطبوعة عبد الرزاق: "سمينة " بزيادة النون بين الياء والهاء! وأظنها خطأ مطبعياً. والأخرى: أن في حفظ عبد الرزاق أن اسم الراوي "شميسة " تصغير "الشمس "، وهذا موافق لما رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٤٧/١٤٢) من طريق شعبة عن شميسة العتكية قال: ذُكِرَ أدب اليتيم عند عائشة- ﵂، فقالت:

стр. 5433

إني لأضرب اليتيم حتى ينبسط. ورجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير شميسة هذه؛ فقد أوردها المزي في " التهذ يب "، وقال: "روى عنها شعبة بن الحجاج وهشام بن حسان ". ثم ساق له هذا الأثر، ولم يحكِ فيها جرحاً ولا تعديلاً، وتبعه الحافظ، وهذه غريبة منهما! نتجت من غريبة أخرى، وهي أن ابن أبي حاتم أوردها في "الجرح والتعديل " (٢/ ١/ ٣٩١) ؛ فوقع فيه على أنها رجل؛ ففيه: "شميسة روى عنه شعبة". ثم روى بسنده عن عثمان بن سعيد قال: سأ لت يحيى بن معين؛ قلت: شمسية؟ قال: "ثقة". وعلق عليه محققه الفاضل بقوله: "شميسة امرأة، فالصواب: "روى عنها".. ولم يذكر المزي ولا ابن حجر توثيق ابن معين لها، كأنهما لم يعثرا على ذكر المؤلف لها في أسماء الرجال؛ وقد وقع له مثل هذا في "دقرة" كما تقدم في باب الدال ". وأفاد هناك (٢/١/٤٤٤) أن قوله: "روى عنه " خطأ من تصرف من بعد المؤلف؛ فإنه قد يذكر نادراً بين تراجم الرجال بعض النسوة كما في آخر باب الذال: "ذرة، روت عن عائشة ... ". وإن مما يؤيد الخطأ المذكور: أن يزيد بن الهيثم قد روى- في جزء "من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال "، تحقيق الدكتور أحمد محمد نور سيف-

стр. 5434

مثلما روى عثمان بن سعيد عنه، فقال (١٠٥/٣٣٣) : "قيل له: فشميسة؟ قال: ثقة، روى عنها شعبة، وابن أبي حازم والدراوردي، ليس بها بأس ". قلت: وهذه فائدة هامة تضم إلى ترجمة شميسة في "تهذيب المزي " وفروعه، وقد ذكر عبد الله بن أحمد شميسة هذه فيمن رأى شعبة من الرواة في كتابه "العلل " (١/١٦٢) ، ثم قال (١/٢٦٧ و ٢/٢٤٥) : حدثني أبي قال: حدثنا عبيد الله بن ثور قال: حدثتني أمي قالت: رأيت شميسة بنت عزيز بن غافر (١) الوسقية- قال عبيد الله: بطن منا، يعني العتيك- عليها خلخالان، وهي عجوز كبيرة. قلت: والظاهر أنها التي في "تاريخ واسط " لبحشل، قال (١٠٩/٨٨) : حدثنا محمد بن إسماعيل قال: ثنا عفان قال: ثنا شعبة قال: قالت لي أمي: ههنا امرأة تحدث عن عائشة- ﵂؛ اذهب فاسمع منها، قال: فذهبت فسمعت منها، فقلت: قد ذهبت، قالت: سلمك الله. قال أبو الحسن (هو بحشل المؤلف) : "هذه المرأة يقال لها: شمسية (كذا) أم سلمة". وهذه فائدة أخرى تفرد بها (بحشل) أن كنيتها أم سلمة، وهو مما يستدرك على الحافظ الذهبي في "المقتنى في سرد الكنى". وقوله: "شمسية" أظنه محرفاً من "شميسة"، والله تعالى أعلم. وجملة القول: أن "شميسة" هذه ثقة، بخلاف سمية، فهي مجهولة،

стр. 5435

وكلاهما تابعية بصرية تروي عن عائشة، فإن كانتا واحدة فالحديث صحيح، ولا سيما وجملة القوارير منه صحيحة؛ لأن لها شاهداً من حديث أنس- رضي الله عنه-، فقال أحمد (٣/٢٠٦) : ثنا روح: ثنا زُرارة بن أبي الحلال العتكي قال: سمعت أنس بن مالك يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "يا أنجشة! كذاك سيرك بالقوارير". قلت: وسنده ثلاثي صحيح متصل بالسماع؛ روح- وهو ابن عبادة- ثقة من رجال الشيخين، وزرارة وئقه ابن حبان وابن خُلفون، وروى عنه جمع آخر من الثقات، كما في "التعجيل ": وتابعه حميد عند الحارث- كما في "الفتح " (١٠/٥٤٤) -، وذكر أن قوله: " كذاك " معناه: كفاك. وله طرق أخرى عن أنس بمعناه في "الصحيحين " وغيرهما، وقد خرجت بعضها في "السلسلة الأخرى" تحت الحديث (٦٠٥٩) . (تنبيه) : تقدم عند الكلام في ترجمة "شميسة العتكية" نقلاً عن "الجرح والتعديل " أن الذي وثقها إنما هو ابن معين، وهو الموافق لما في "جزء يزيد بن الهيثم " كما تقدم، فقول الشيخ الجيلاني في "شرح الأدب المفرد" (١/٢٣٦) : "وثقها ابن عدي (كتاب الجرح والتعديل. النسخة الخطية المملوكة لدائرة المعارف بحيدر أباد الدكن) "! قوله: "ابن عدي " تحريف "ابن معين "، لا أدري أهو من النسخة، أم من الناقل عنها، أم الطابع؟ وأياً ما كان فهو خطأ بلا شك لما تقدم، ولأن ابن أبي حاتم

стр. 5436

لا يروي عن ابن عدي شيئاً؛ فإن بين وفاتيهما (٣٨) سنة، توفي الأول سنة (٣٢٧) ، وا لآخره سنة (٣٦٥) . ٣٢٠٦ - (لا تكرهوا البنات؛ فإنَّهنَّ المؤنسات الغاليات) . أخرجه أحمد (٤/ ١٥١) ومن طريقه: ابن الجوزي في "العلل "، وتمّام (١١/١٩٧/٢) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/٣١٠/٨٥٦) عن ابن لهيعة عن أبي عُشَّانةَ عن عقبة بن عامر مرفوعاً. قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لسوء حفظ ابن لهيعة، وبه أعله ابن الجوزي. وقد جاء من طريق أخرى مرسلاً وموصولاً: أما المرسل؛ فأخرجه علي بن حرب الطائي في حديثه (ق ٨١/ ١) : نا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه مرفوعاً به؛ إلا أنه قال: " المحقَّرات " بدل: " الغاليات ". وأما الموصول؛ فأخرجه ابن عدي (٦/٢٧٨) ، ومن طريقه: ابن الجوزي عن محمد بن معاوية قال: ثنا أبو معاوية الضرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعاً. ومحمد بن معاوية- وهو النيسا بوري-: متروك متهم. وبعد كتابة هذا بنحو عشرين سنة؛ تبين لي أن رواية قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة ملحقة- من حيث الصحة- برواية العبادلة عنه كما بينه الحافظ الذهبي في "السير"، ونقلته عنه في غير ما موضع من تخريجاتي وتعليقاتي (١) ، ولما كان هذا

стр. 5437

ولما كان هذا الحديث من رواية قتيبة عن ابن لهيعة؛ فقد قررت نقله من "الضعيفة" إلى هنا، وبخاصة أنه يشهد له مرسل عروة بن الزبير. ٣٢٠٧ - (أنا حظُّكُم من الأنبياء، وأنتم حظِّي من الأمم) . أخرجه ابن حبان (٢٣٠٤) ، وا بن شاهين في "الأفراد" (ق ٤/ ١) ، والبزار (٣/ ٣٢١/٢٨٤٧) ، وأبو نعيم في"أخبار أصبهان" (٢/ ٢٢٤- ٢٢٥) من طريق أبي كريب محمد بن العلاء: حدثنا زيد بن الحُبَاب: حدثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي حَبِيبة الطائي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. وقال البزار: "لا نعلمه رواه عن النبي ﷺ إلا أبو الدرداء، ولا نعلم رواه عن زيد بن حُباب إلا أبو كريب ". كذا قال! ومع أن أبا كريب ثقة من رجال الشيخين؛ فلم يتفرد به؛ فقد فال ابن شاهين عقبه: "وهو حديث صحيح، تابعه أبو عامر الأسدي عن الثوري ". وأقول: هذه المتابعة أخرجها الطبراني في "الكبير"، فقد أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/١٧٤) بأتم منه، فقال: "وعن أبي الدرداء قال: جاء عمر بجوامع من التوراة إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! جوامع من التوراة أخذتها من أخ لي من بني زُرَيق، فتغير وجه رسول الله ﷺ ، فقال عبد الله بن زيد- الذي أُرِيَ الأذان-: أمسخ الله عقلك؟! ألا ترى الذي بوجه

стр. 5438

رسول الله ﷺ ؟! فقال عمر: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً! فَسُرِّيَ عن رسول الله ﷺ ، ثم قال: "والذي نفس محمد بيده! لو كان موسى بين أظهركم، ثم اتبعتموه وتركتموني؛ لضللتم ضلالاً بعيداً، أنتم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين ". هكذا ساقه الهيثمي، وقال: "رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه أبو عامر القاسم بن محمد الأسدي، ولم أر من ترجمه، وبقية رجاله وثقوا"! كذا قال! وفيه نظر من ناحيتين: الأولى: أن أبا عامر هذا ترجمه البخاري (٤/ ١/١٦٤) وابن أبي حاتم فقالا: "القاسم بن محمد أبو عامر سمع سفيان الثوري، روى عنه يحيى بن واضح أبو تميلة". زاد ابن أبي حاتم: "ومنجاب بن الحارث ". ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً! وذكره ابن حبان في "الثقات " (٥/٣٠٥) هكذا: "القاسم بن محمد أبو نهيك الأسدي، يروي عن أنس بن مالك، روى عنه منصور والثوري ". هكذا أورده في طبقة (التابعين) لروايته عن أنس.

стр. 5439

ثم أورد عقبه- بترجمة-؛ فقال: "القاسم بن محمد أبو نهيك، أصله من الكوفة، سكن (مرو) ، سمع أبا زيد عمرو بن أخطب، روى عنه الحسين بن واقد. وقد ذكرناه في (أتباع التابعين) ؛ لأن الناس لا يعرفون سماعه عن أبي زيد". والقاسم الذي أشار إلى أنه ذكره في (أتباع التابعين) لم أره فيهم، فلا أدري أنسيه، أم سقط من الناسخ أو الطابع؟ قلت: والظاهر أن القاسم بن محمد المكني بأبي عامر، هو غير المكني بأبي نهيك، وأن المكني بهذه الكنية (أبي نهيك) اثنان؛ أحدهما: تابعي، وهو الراوي عن أبي زيد. والآخر: تابع تابعي، وهو الأسدي الضبي، مترجم في "التهذيب " برواية قرة بن خالد ومنصور بن المعتمر، قال في "التهذيب ": "ذكره ابن حبان في (الثقات) ". فلعله الساقط المشار إليه آنفاً؛ فإني أستبعد أن يكون أراد الذي ذكرت أولاً- أنه يروي عن أنس-؛ لأنه لو أراده لذكر الحافظ روايته عن أنس، ولما ذكره في "كنى التقريب " من الطبقة السادسة! والله أعلم، فالأمر بحاجة إلى مزيد من البحث والتحقيق. وأما الناحية الأخرى؛ فهي قول الهيثمي: ".. وثقوا". ففيه إشارة- كما عرفت ذلك منه بالاستقراء- إلى أن أحد رواته في توثيقه نظر؛ وإنما هو أبو حبيبة الطائي؛ فإنه لم يوثقه غيرابن حبان (٥/٥٧٧) ، ولا يعرف

стр. 5440

له راو غير أبي إسحاق هذا- وهو السبيعي-,فهو في عداد المجهولين، ولذلك أشار الذهبي- كعادته أيضاً في "الكاشف "- إلى تمريض توثيقه بقوله فيه: "وُثِّق "! ولذا؛ قال الحافظ فيه: "مقبول ". يعني عند المتابعة، ولم يوثقه، وقد أشار الهيثمي إلى تقوية حديثه، فقال - عقب عزوه إليه للبزار- (١٠/٦٨) : "ورجاله رجال (الصحيح) ؛ غير أبي حبيبة الطائي، وقد صحح له الترمذي حديثاً، وذكره ابن حبان في (الثقات) ". قلت: والحديث الذي أشار إليه: هو فيمن يعتق عند الموت، وهو مخرج في "الضعيفة" (١٣٢٢) لجهالة الطائي هذا، ومع ذلك حسنه الحافظ، وقلده بعض المعاصرين، ومنهم المعلق على "شرح السنة " (٦/١٧٢) ، ثم جزم بضعف إسناده في حديث الترجمة في تعليقه على "الإحسان " (١٦/١٩٧) . ولو أنه عكس لأصاب؛ لأن أبا حبيبة الطائي له متابع، يرويه جابر الجُعْفي عن عامر الشعبي عن عبد الله بن ثابت خادم النبي ﷺ قال: جاء عمر- ﵁ بصحيفة ... الحديث مثل رواية الطبراني عن أبي الد رداء. أخرجه عبد الرزاق (٦/١١٣/١٠١٦٤) ، ومن طريقه: أحمد (٣/ ٤٧٠- ٤٧١ و٤/٢٦٥) ، وابن قانع في"المعجم "، وجمع آخر تراهم في"الإرواء" (٦/٣٤- ٣٥) .

стр. 5441

قلت: وجابر الجعفي لا يحتج به؛ مع علمه وتوثيق شعبة والثوري وغيرهما له؛ فإنه ضعيف رافضي، لكنه يمكن الاستشهاد به في مثل هذا الحديث؛ فيصير به حسناً. والله أعلم. * ٣٢٠٨ - (يا معشر قريش! إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير - وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم، وما تقول في محمد-؛ فقالوا: يا محمد! ألست تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً من عباد الله صالحاً؟! فلئن كنت صادقاً فإن آلهتهم لكما يقولون- (الأصل: تقولون!) -، قال: فأنزل الله : (ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون) (الزخرف: ٥٧) قال: قلت: ما (يصدون) ؟ قال: يضجُّون. (وإنه لعلم للساعة) (الزخرف: ٦١) ، قال: هو خروج (وفي رواية: نزول) عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة) . أخرجه أحمد (١/٣١٧- ٣١٨) : ثنا هاشم بن القاسم: ثنا شيبان عن عاصم عن أبي رَزين عن أبي يحيى مولى ابن عقيل الأنصاري قال: قال ابن عباس: لقد علمتُ آية من القرآن ما سأ لني عنها رجل قط، فما أدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها؟ أم لم يفطنوا لها فيسألوا عنها؟ ثم طفق يحدثنا، فلما قام تلاومنا أن لا نكون سألناه عنها! فقلت: أنا لها إذا راح غداً، فلما راح الغد؛ قلت: يا ابن عباس! ذكرت أمس أن آية من القرآن لم يسألك عنها رجل قط؛ فلا تدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها؟ أم لم يفطنوا لها؟ فقلت: أخبرني عنها وعن اللاتي قرأت قبلها؟ قال: نعم، إن رسول الله ﷺ قال لقريش: ... فذكره. وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/١٥٤/ ١٢٤٧٠) من طريق أخرى

стр. 5442

عن شيبان والثوري عن عاصم به مختصراً؛ دون قصة ابن عباس التي قبل قوله: إن رسول الله ﷺ قال: ... وروى ابن جرير الطبري في "تفسيره " (٢٥/٥٤) من طريق سفيان، وابن حبان (١٧٥٨) - والرواية الأخرى له- من طريق شيبان بن عبد الرحمن ... تفسير آية (الساعة) . وعزاه ابن كثير في "التفسير" (٣/١٣٢) من طريق ثالثة عن شيبان وحده مثل رواية الطبراني، لكن وقع فيه: "أبي أحمد مولى الأنصار"! وأظن أن اسم (أحمد) محرف من (عفراء) ، وكذلك اسم (عقيل) في "المسند "! والله أعلم. بعد هذا التخريج أقول: هذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير أن عاصماً- وهو ابن بهدلة- فيه كلام يسير، لا ينزل حديثه عن مرتبة الحسن كما تقدم مراراً، ولذلك لم يخرج له الشيخان إلا مقرونا. ولذلك قال الهيثمي بعدما عزاه لأحمد والطبراني (٧/١٠٤) : "وفيه عاصم ابن بهدلة، وثقة أحمد وغيره، وهو سيئ الحفظ، وبقية رجاله رجال الصحيح ". وقال الحافظ: "صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في "الصحيحين " مقرون ". وأبو رَزين هو مسعود بن مالك الأسدي الكوفي. وأبو يحيى هو مِصْدَع الأعرج المُعَرْقَبُ مولى معاذ بن عفراء الأنصاري، وقد وثقه مسلم بإخراجه له في "صحيحه " كما تقدم، ووثقه ابن حبان وابن شاهين

стр. 5443

والعجلي، ثم تناقض ابن حبان فذكره في "الضعفاء" أيضاً! وخفي حاله على الحافظ، فقال: "مقبول "! وأما الذهبي فقال في "الكاشف ": " صدوق ". وقد تابعه عكرمة عن ابن عباس- ﵄ في تفسير آية الساعة. أخرجه الحاكم (٢/٤٨٨) من طريق سماك بن حرب عنه. وقال: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي! قلت: وهو كما قالا؛ لولا أن سماك بن حرب مضطرب الرواية عن عكرمة خاصة، لكنه قد توبع، فقال "عبد الرزاق في تفسيره " (٢/١٩٨ - ٩٩ ١) : عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: قال ابن عباس: إن كان ما يقول أبو هريرة حقاً فهو عيسى؛ لقول الله: (وإنه لعلم للساعة) . قلت: وهذا إسناد صحيح. واعلم أن الحديث صريح الدلالة على أن الضمير في قوله تعالى: (وإنه لعلم للساعة) يعود إلى عيسى ﵇، وليس إلى القرآن كما روي عن بعضهم، ولذلك قال الحافظ ابن كثير: (بل الصحيح أنه عائد على عيسى ﵊؛ فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة كما قال تعالى: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) أي: قبل موت عيسى ﵊،

стр. 5444

وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً ". قلت: وقد خرجت بعضها فيما تقدم تحت رقم (٢٢٣٦) ، وفي "تخريج فضائل الشام " (٢٢ و ٢٣ و٥ ٢ و ٢٦) . * ٣٢٠٩ - (بت الليلة أقرأعلى الجن رفقاء بـ "الحَجُون ") . أخرجه ابن حبان (١٧٦٨) ، والطبري في "التفسير" (٢٦/ ٢١) ، وأحمد (١/٤١٦) ، وأبو يعلى (٨/٤٧٤/٥٠٦٢) ، وأبو الشيخ في "العظمة" (٥/١٦٦٤/ ١١٠٤) من طريقين عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: ... فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات؛ لولا أنه منقطع؛ فإن عبيد الله- وهو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود- لم يسمع من ابن مسعود؛ كما ذكروا في ترجمته، بل قال الحافظ المزي في "تحفة الأشراف " (٧/٩٠) : "لم يدركه ". وأما ما وقع في "العظمة" من قوله: "حدثني ابن مسعود"؛ فهو خطأ من محمد بن عزيز، أو من شيخه سلامة، وهو ابن روح بن خالد- ابن أخي عقيل ابن خالد-، وهو الراوي عن ابن شهاب، وقد قال الحافظ في سلامة: "صدوق له أوهام، وقيل: لم يسمع من عمه (عقيل) ، وإنما يحدث من كتبه ". وقال في محمد بن عُزَيز: "فيه ضعف، وقد تكلموا في صحة سماعه من ابن عمه سلامة".

стр. 5445

لكن الحديث صحيح؛ فقد جاء موصولاً من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود مرفوعاً بلفظ: "أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن " ... وفيه قصة. أخرجه مسلم، وأبو عوانة، وابن حبان أيضاً (٢/ ٣٥٠- ٣٥١ و ٨/٧٧) وغيرهم، وهو مخرج في "الضعيفة" (١٠٣٨) لزيادة شاذة وقعت في المرفوع من القصة، وبعضه مخرج في "الإرواء" (١/٨٥/٤٦) . وأخرجه البيهقي في "السنن " (١/٩) من طريق قيس بن الربيع: أنا أبو فزارة العبسي عن أبي زيد عن ابن مسعود نحوه، وفيه حديث الترجمة. وهذا إسناد ضعيف، وفيه زيادة منكرة بلفظ: "تمرة طيبة، وماء طهور". ولذلك خرجته في "ضعيف أبي داود" (رقم ١١) . وقد رويت القصة بألفاظ أخرى ليس فيها حديث الترجمة، ولكن فيها أنها كانت في "الحجون ": من ذلك ما رواه أبو الجوزاء عن ابن مسعود قال: انطلقت مع النبي ﷺ ليلة الجن حتى أتى (الحجون) ، فخط علي خطاً، ثم تقدم إليهم ... الحديث. أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٢٣١) . ورجال إسناده ثقات، فهو صحيح لولا أنه قيل: "أبو الجوزاء- واسمه أوس بن عبد الله الربعي- لم يسمع من ابن مسعود".

стр. 5446

وقد جاء عن قتادة مرسلاً، وفيه: فدخل رسول الله ﷺ شِعباً يقال له: (شعب الحجون) ، قال: وخط نبي الله ﷺ على عبد الله خطاً ... الحديث. رواه ابن جرير (٢٦/ ٢٠) بسند صحيح عنه. * ٣٢١٠ - (خروج الآيات بعضها على إثر بعض؛ يتتابعن كما تتابع الخَرَزُ في النظام) . أخرجه ابن حبان في"صحيحه " (١٨٨٣) ، والطبراني في"الأوسط" (١/٢٥٨/٤٤٣١) من طريق أبي الربيع الزهراني قال: ناأبي عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ -قال: ... فذكره. وقال الطبراني: "لم يروه عن هشام إلا داود العتكي، تفرد به أبو الربيع ". قلت: هو ثقة، واسمه سليمان بن داود العتكي الزهراني، احتج به الشيخان، وقال الحافظ في "التقريب ": "ثقة، لم يتكلم فيه أحد بحجة". قلت: وأبوه داود العتكي غير معروف إلا برواية ابنه عنه، ولم يترجم له أحد فيما علمت غير ابن حبان؛ فذكره في "الثقات " (٨/٢٣٤) بهذه الرواية فقط! ومع ذلك وثقه الهيثمي فقال في "المجمع " (٧/ ٣٢١) : "رواه الطبراني في "الأ وسط "، ورجاله رجال الصحيح؛ غير عبد الله بن أحمد ابن حنبل وداود الزهراني، وكلاهما ثقة "! وأغرب منه إعلال الدارقطني الحديث بابنه أبي الر بيع- فيما نقله عنه ابن

стр. 5447

الجوزي في "العلل المتناهية "- قال (٢/ ٣٧١) : "قال الدارقطني: وهم أبو الربيع، وإنما رواه هشام عن حفصة بنت سيرين عن أبي العالية من قوله ". والأولى إعلاله بأبيه داود لجهالته كما تقدم. ثم إن قوله: ".. من قوله " لا أدري إذا كان دقيقاً! فقد وجدت في "فتح الباري " لابن حجر العسقلاني (١٣/٧٧) : "وفي مرسل أبي العالية: الآيات كلها في ستة أشهر". فهذا ظاهره أنه مرفوع، لكنه مرسل. فالله أعلم. وله شاهد موقوف من حديث حذيفة قال: "إذا رأيتم أول الآيات؛ تتابعت ". أخرجه ابن أبي شيبة (١٥/٦٣) من طريق مجالد عن الشعبي عن صلة عنه. وهذا إسناد جيد في الشواهد، وهو في حكم المرفوع، ولا سيما وهو من حديث حذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ . وله عنده شاهد آخر من حديث ابن عمرو، وقد مضى تخريجه برقم (١٧٦٢) . وذكرت له هناك شاهداً من حديث أنس أيضاً. وبالجملة؛ فالحديث بهذه الشواهد صحيح بلا ريب، وكأنه لذلك ثبته الحافظ في "الفتح " (١٣/٧٧) . وأما حديث: "الآيات بعد المئتين "؛ فهو موضوع، وقد خرجته في "الضعيفة" (١٩٦٦) .

стр. 5448

ثم وقفت على حديث أبي العالية عند ابن أبي شيبة في "المصنف " (١٥/١٨٢/ ١٩٤٥٦) من طريق حفصة عن أبي العالية قال: "ما بين أول الآيات وآخرها ستة أشهر، تتابع كما تتابع الخرز في النظام ". وإسناده صحيح، وهو يؤيد ما تقدم عن الدارقطني أنه من قوله. فلعل وصف الحافظ إياه بأنه مرسل؛ إنما هو بالنظر إلى أنه في المعنى في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي، أو أنه وقف على رواية أخرى صريحة في الرفع. والله أعلم. ثم رواه ابن أبي شيبة (١٩٤٥٧) من طريق أبي المهزم عن أبي هريرة قال: "ما بين أول الآيات وآخرها ثمانية أشهر". لكن أبو المهزم ضعيف. * ٣٢١١ - (والذي نفس محمد بيده! لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والبخل، ويخوَّن الأمين، ويؤتمن الخائن، ويهلك الوعول، وتظهر التُّحوت. قالوا: يا رسول الله! وما الوعول وما التحوتُ؟ قال: الوعول: وجوه الناس وأشرافهم، والتحوت: الذين كانوا تحت أقدام الناس لايعلم بهم) . أخرجه البخاري في "التاريخ " (١/٩٨/٢٧٥) ، ومن طريقه: ابن حبان رقم (١٨٨٦- موارد) ، وا لحا كم (٤/٥٤٧) ، والطبراني في"المعجم الأ وسط" (١/ ٠ ٢٢/ ١/ ٣٩٢٠) من طرق عن إسماعيل بن أبي أويس: حدثني زُفَرُ بن عبد الرحمن بن أردك عن محمد بن سليمان بن والبة عن سعيد بن جبير عن أبي هريرة رضي الله

стр. 5449

عنه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: ... فذكره. أورده البخاري في ترجمة ابن والبة هذا، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وكذلك فعل ابن أبي حاتم. وأما ابن حبان؛ فذكره على قاعدته في "الثقات " (٧/٤١٦) ، وخرج له هذا الحديث في "صحيحه " كما ترى! وأما قول الحاكم عقبه: "رواته كلهم مدنيون؛ ممن لم ينسبوا إلى نوع من الجرح "! فهو لا يفيد توثيقاً؛ لأن كل من كان مجهولاًكهذا يصدق عليه أنه لم ينسب إلى جرح، فتنبه. وقال الطبرا ني: "لا يروى هذا الحديث عن سعيد بن جبير إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن أبي أويس". قلت: هو مع كونه من رجال الشيخين؛ فقد تكلم فيه من قبل حفظه، قال الحافظ في "التقريب ": "صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه ". قلت: وفي الحديث علة أخرى، وهي الانقطاع بين سعيد بن جبير وأبي هريرة؛ فقد قال ابن معين: "لم يصح أنه سمع منه ".

стр. 5450

وخالف ابن حبان؛ فقال عقب الحديث- كما في "الإحسان " (٨/٢٩٨) -: "سمع سعيد بن جبير أبا هريرة وهو ابن عشر سنين إذ ذاك ". ولا أدري ما مستنده في هذا؟ وعلى أية حال؛ فقد وجدت له متابعاً قوياً، فقال محمد بن الحارث: قدم رجل يقال له: أبو علقمة- حليف بني هاشم-، وكان فيما حدثنا أن قال: سمعت أبا هريرة يقول: "إن من أشراط الساعة أن يظهر الشح والفحش، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، ويظهر ثياب يلبسها نساء كاسيات عاريات، يعلو التحوت الوعول. أكذاك يا عبد الله بن مسعود سمعته من حبي؟ قال: نعم، وربِّ الكعبة! قلنا: وما التحوت؟ قال: فسول الرجال وأهل البيوت الغامضة، يرفعون فوق صالحيهم، والوعول: أهل البيوت الصالحة ". أخرجه الطبراني أيضاً في "الأوسط " (١/٤٢/٢/٧٣٥) : حدثنا أبو أيوب أحمد بن بشير الطيالسي قال: نا يحيى بن معين قال: نا حجاج بن محمد عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن الحارث ... وقال: "لم يرو هذا الحديث عن ابن جريج إلا الحجاج". قلت: هو الأعور المصيصي، قال الحافظ في "مقدمة الفتح " (ص ٣٩٥- ٣٩٦) : "أحد الأثبات، أجمعوا على توثيقه، وذكره أبو العرب الصِّقِلِّيُّ في "الضعفاء" بسبب أنه تغير في آخر عمره واختلط، لكن ما ضره الاختلاط؛ فإن إبراهيم الحربي حكى أن يحيى بن معين منع ابنه أن يدخل عليه بعد اختلاطه أحداً. روى له الجماعة".

стр. 5451

ومحمد بن الحارث- وهو ابن سفيان المخزومي المكي- ذكره ابن حبان في "الثقات " (٧/٤٠٧- ٤٠٨) برواية ثقتين عنه: ابن جريج- هنا- أحدهما، والآخر: سفيان بن عيينة، وروى عنه ثلاثة ثقات آخرون، سماهم في "التهذيب "، فهو ثقة- إن شاء الله-، فقول الحافظ عنه في "التقريب ": "مقبول "! غير مقبول؛ لأن المعهود منه في أمثاله أن يقول: " صد وق ": وكذلك يصنع الذهبي في "الكاشف "؛ إلا أن هذا لم يترجم له فيه؛ لأنه ليس من رجال الستة، وإنما روى له البخاري في "الأدب المفرد"، وقد وثقه الهيثمي، فقال عقب الحديث (٧/٣٢٧) : ".. ورجاله رجال الصحيح؛ غير محمد بن الحارث بن سفيان، وهو ثقة"! هكذا فيه، لم يذكر مخرج الحديث محل النقطتين، وهما من عندي، والظاهر أن الساقط هو: "رواه الطبراني في (الأوسط) ". وفاتني أن أنقل عنه قوله في الطريق الأولى (٧/٣٢٤- ٣٢٥) : "رواه الطبراني في " الأوسط "، وفيه محمد بن سليمان بن والبة؛ ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات "! كذا قال! وفاته أنه مترجم في الكتب الثلاثة، ومنها "ثقات ابن حبان "! ثم إنه بقي الكلام في ترجمة شيخ الطبراني في الطريق الأخرى، وهو أحمد ابن بشير الطيالسي أبو أيوب، قال في "اللسان ":

стр. 5452

"ليَّنه الدارقطني ... قال ابن المنادي: كتب الناس عنه. وقال أحمد بن كامل: ... وكان قليل العلم بالحديث، ولم يطعن عليه بالسماع ". وغالب الظن أنه المترجم في "تاريخ بغداد" (٤/٥٤) ، لكن وقع فيه: "بشر" مكان "بشير"، وكذلك في إسناد حديث آخر في "المعجم الصغير" (رقم ٨٦- الروض) ، لكنه في"الأوسط"في هذا الحديث وغيره: "بشير"؛فالظاهر أنه الصواب. وجملة القول؛ أن الحديث صحيح بمجموع الطريقين، إن لم يكن صحيحاً أو على الأقل حسناً من الطريق الأخرى. وقد أشار الحافظ إلى ذلك بسكوته عليه، وقد ساقه بطريقيه في "الفتح " (١٣/١٥) . ثم إن لبعضه شاهداً من حديث ابن عمرو بلفظ: "من أشراط الساعة: أن يظهر القول، ويخزن العمل، ويرفع الأشرار، ويوضع الأ خيار ... ". وقد سبق تخريجه برقم (٢٨٢١) . ومثله حديث الروبيضة المتقدم (٢٢٥٣) ، والفحش والتفحش (٢٢٣٨) . * ٣٢١٢ - (لأَسْلَم وغِفارُ، ورجالُ من مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ؛ خير من الحليفين؛ غطُفان وبني عامر بن صعصعة) . أخرجه البزار (٣/٣٠٨/٢٨١٤) : حدثنا محمد بن مسكين: ثنا إبراهيم بن محمد [بن] جناح: ثنا هلال بن الجهم: ثنا إسحاق عن أنس مرفوعاً به، قال: فقال عيينة بن بدر: والله! لأن أكون في هؤلاء في النار- يعني: غطفان وبني عامر- أحب إلي من أن أكون في هؤلاء في الجنة.

стр. 5453

قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ كما قال الحافظ في "مختصر زوائد البزار" (٢/٣٨٠ /٢٠٥١) ، وأما الهيثمي فقال (١٠ /٤٥) : "رواه البزار، وفيه إبراهيم بن محمد بن جناح، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات "! كذا قال! وهلال بن الجهم أشار أبو حاتم إلى تضعيفه بقوله (٤/٢/٧٨) : "ليس بمشهور، حديثه ليس بموضوع "! ولم يذكر له راوياً غير عمر بن يونس؛ وكذلك فعل ابن حبان في "الثقات " (٧/٥٧٥) ، وعليه اعتمد الهيثمي في إطلاقه التوثيق على بقية رجاله، وهي عادة له معروفة. ولكن ينبغي أن يضاف إلى عمر بن يونس: إبراهيم بن محمد بن جناح هذا، ولو أنه غير معروف، كما أشار إلى ذلك الهيثمي، وقد ذكره الحافظ المزي في شيوخ محمد بن مسكين في كتابه "تهذيب الكمال ". واعلم أنني كنت أوردت الحديث سابقاً في "الضعيفة"؛ لذكر "بني عامر" في آخره، ثم وجدت له شاهداً من حديث أبي بكرة، وفيه ذكر "بني عامر" بلفظ: "أسلم وغفار، ومزينة وجُهينة خير من بني تميم، ومن بني عامر، والحليفين: بني أسد وبني غطفان ". أخرجه البخاري (٣٥١٥ و ٣٥١٦) ، ومسلم (٧/١٧٩- ١٨٠) ، والترمذي (٣٩٤٧) ، وابن حبان (٧٢٤٦) ، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح ".

стр. 5454

ولهذا الشاهد الكامل الصحيح، نقلته إلى هذه "الصحيحة"، ويبقى قول عيينة بن بدر في آخره دون شاهد، ولا يضر؛ لأنه ليس من كلام المعصوم، ولا سيما أن عيينة كان من المؤلفة قلوبهم؛ فانظر "الإصابة". ولعله لا يخالف هذا الحديث الصحيح: ما أخرجه ابن حبان (٢٣٠٠- موارد) بسنده الصحيح عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عامر، فقال: "من أنتم؟ ". فقلنا؛ من بني عامر، فقال: "مرحباً بكم، أنتم مني ". ورواه البزار (٣/ ٣١٤/ ٢٨٣١) ، وأبو يعلى (٤/ ١٩١/ ٨٩٤) ، والطبرا ني (٢٢/٢٦٤- ٢٦٦) . لأن من المقطوع به شرعاً أن التفاضل إنما يكون بالإيمان والعمل الصالح، وليس بالحسب والنسب، فإذا كان الرجل من قبيلة مفضولة، بل ومذمومة، وآمن منها رجل؛ استحق الترحيب والثناء؛ بخلاف من كان من قبيلة ممدوحة، وكان فرد من أفرادها كافراً أو فاسقاُ؛ لم يستحق المدح، وإنما الذم والقدح: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ، "ومن بطأ به عمله؛ لم يسرع به نسبه " (١) . وله شاهد آخر من حديث أبي هريرة مرفوعاُ بلفظ: "لأسلم وغفار، وشيء من مزينة وجهينة، أو شيء من جهينة ومزينة خير

стр. 5455

عند الله- قال: أحسبه قال: - يوم القيامة من أسد وغطفان، وهوازن وتميم ". أخرجه البخاري (٣٥٢٣) ، ومسلم (٧/١٧٩) من طريق أيوب عن محمد عنه. وأخرجه الترمذي (٣٩٥٠) من طريق أبي الزنَّاد عن الأعرج عنه. وأخرجه ابن حبان (٧٢٤٧- الإحسان) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة نحوه. وتقدم نحوه في حديث عمرو بن عبسة (٣١٢٧) . (تنبيه) حديث أبي جحيفة أعله الهيثمي (١٠/ ٥١) بأ نه من رواية الحجاج ابن أرطاة وهو مدلس! ورواية ابن حبان سالمة منه، ولذلك فقد وهم المعلق على "مسند أبي يعلى"، فقال: "إسناده صحيح "! ولم يعزه إلى غير أبي يعلى! فغفل عن رواية ابن حبان الصحيحة! وتبعه في هذه الغفلة المعلق على "المقصد العلي " (٢/٢٥٤) ، ولكنه قال: "إسناده ضعيف " متبعاً إعلال الهيثمي بالعنعنة! وكذلك فعل أخونا حمدي السلفي (٢٢/١٥٦) ، وزاد وهماً آخر فقال: "ورواه ابن ماجه (٧١١) "! وليس عنده إلا قصة قدوم أبي جحيفة دون الترحيب، وهي في "الصحيحين " وغيرهما، وهي مخرجة في "الإرواء " (١/٢٤٨- ٢٤٩) ، وهذا هو الذي غر أيضاً المعلق على"أبي يعلى"، فصححه دون أن يتنبه أنه ليس فيها الترحيب المذكور! *

стр. 5456

٣٢١٣ - (للشهيد عند الله خصال: ١- يغفرُ له في أول دفعةٍ من دمه. ٢- ويُرى مقعده من الجنة. ٣- ويُحلى حلية الإيمان. ٤- ويُزوجُ [اثنتين وسبعين زوجة] من الحور العين. ٥- ويجارُ من عذاب القبر. ٦- ويأمن من الفزع الأكبر. ٧- ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها. ٨- ويشفع في سبعين إنساناً من أهل بيته) . أخرجه الترمذي (١٦٦٣) من طريق بقية، وابن ماجه (٢٧٩٩) ، وأحمد (٤/ ١٣١) ، والبيهقي في "الشعب " (٤/٢٥/٤٢٥٤) ، وابن عساكر في"التاريخ " (٥/٥١٧) - والسياق لهما- من طريق إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد الكلاعي عن خالد بن معدان عن المقدام بن معدي يكرب عن رسول الله ﷺ قال: ... فذكره. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح ". قلت: وإسناده شامي صحيح، وإسماعيل بن عياش روايته عن الشاميين- وهذه منها- صحيحة، خلافاً لذاك المغرور الذي ضعف حديثه في سنة الخلفاء

стр. 5457

الراشدين، الذي رواه بإسناده عن العرباض بن سارية، وقد رددت عليه في مكان آخر، فانظر " الصحيحة " الثاني، الاستدراك رقم (١٣) . ثم إن ما بين المعكوفتين للترمذي، وليس عنده الفقرة (٣) ، وهي عند ابن ماجه وأحمد، لكن ليس عند ابن ماجه الفقرة (٧) ، فمجموع الفقرات في "السنن " سبع، وفي "المسند" ثمان، ومع ذلك فلفظ الحديث عندهم: ".. ست خصال "! فالمعدود عندهم أكثر من العدد، على التفصيل المذكور آنفاُ. وهذا من نوادر الاضطراب في المتن- فيما علمت- مع صحة السند، فاختلف موقف الحفاظ المخرجين لهذا الحديث في هذا اللفظ، فمنهم من ذكره كما ورد: "ست "، كالحافظ المنذري في"الترغيب" (٢/ ١٩٤) وعزاه إلى "السنن "، والحافظ ابن كثير في "التفسير" (٤/ ١٧٤) وعزاه إلى الثلاثة، وأقرَّا الترمذي على تصحيحه، وكنت جريت على سننهم في "أحكام الجنائز" (ص هـ ٣- ٣٦) . وخالف السيوطي في"الجامع الكبير"وفي"الزيادة على الجامع الصغير"- وتبعه النبهاني في "الفتح الكبير"-، فجعل مكان لفظ "ست " لفظ: "سبع " ليوافق العدد المعدود! ولكن بقي الخلاف بينهما بالنسبة لرواية أحمد؛ فإن المعدود عنده "ثمان "، كما في سياق رواية البيهقي وابن عساكر، دون لفظ العدد، فسلمت من الاضطراب المذكور، ولا أدري إذا كان ذلك من تصرفهما، أو تصرف أحد رواة إسنادهما؟! والله أعلم. وقد وقع اضطراب في سند الحديث أيضاً عند أحمد؛ فإنه بعد أن رواه عن شيخه إسحاق بن عيسى والحكم بن نافع عن إسماعيل بن عياش بإسناده المتقدم؛

стр. 5458

قال: "ثنا الحكم بن نافع: ثنا ابن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ مثل ذلك ". وقال المنذري: "رواه أحمد والطبراني، وإسناد أحمد حسن ". وقال الهيثمي (٥/٢٩٣) : "رواه أحمد هكذا؛ قال: "مثل ذلك "، والبزار والطبراني " إلا أنه قال: "سبع خصال "، وهي كذلك، ورجال أحمد والطبرا ني ثقات ". فأقول: وحديث المقدام أرجح عندي؛ لأنها رواية الأكثر عن ابن عياش. والله أعلم. وقد اختلف أيضاً على كثير بن مرة في إسناده؛ فقال أحمد (٤/٢٠٠) : ثنا زيد بن يحيى الدمشقي قال: ثنا ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن كثير بن مرة عن قيس الجذامي- رجل كانت له صحبة- قال: قال النبي ﷺ : "يُعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه ... " الحديث. قلت: فذكر الخصال (١ و ٢ و ٣ و ٤ وه و ٦) مع تقديم وتأخير. وقال الهيثمي: "رواه أحمد، وفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وثقه أبو حاتم وجماعة، وضعفه جماعة ". قلت: ورواه ابن أبي عاصم في "الجهاد" (ق ٩١/ ١- ٢) من حديث المقدام، ومن حديث قيس الجذامي، وقد أخرجه ابن سعد أيضاً في "الطبقات " (٧/٤٢٦- ٤٢٧) ، والبخاري في " التاريخ " (٤/ ١/١٤٣- ١٤٤) بإسناد أحمد.

стр. 5459

قلت: وهو إسناد حسن؛ إن كان حفظه عبد الرحمن، وإلا؛ فإسناد خالد بن معدان عن المقدام أصح. (تنبيه) : سقط اسم صحابي هذا الحديث من "المجمع "؛ فوقع فيه هكذا: "وعن رجل كانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ ... "! فلا أدري أهو من الهيثمي أم الناسخ أم الطابع؟! وللحديث شاهد من رواية عبد الله بن عمرو مرفوعاً مثل لفظ قيس الجذامي، إلا أنه لم يذكر الخصلة الثالثة، فصارت الخصال خمساً هكذا في"المجمع "؛ وقال: "رواه الطبراني، وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وهو ضعيف ". وللفقرة الأخيرة شاهد من حديث أبي الدرداء مرفوعاً بلفظ: "الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته ". أخرجه أبو داود (٢٥٢٢) ، وابن حبان (١٦١٢) ، وا بن عساكر في"التاريخ " (١٧/٣٢١/٢) بسند فيه جهالة التابعي كما هو مبين في "صحيح سنن أبي داود" (٢٢٧٧) ، و" التعليق الرغيب " (٢/١٩٢) . ولبعض الفقرات شواهد أخرى في "المجمع "، فليراجعها من شاء. * ٣٢١٤ - (إئما مثل الجليس الصالح والجليس السوء: كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك؛ إما أن يُحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد [منه] ريحاً خبيثة) . أخرجه البخاري (٢١٠١و ٥٥٣٤) ، ومسلم (٨/٣٧- ٣٨) ، وابن حبان

стр. 5460

(١/٣٨٦/٥٦٢ و٥٧٨) ، والبيهقي في"الشعب " (٧/٥٤ /٩٤٣٥) ، وأحمد (٤/٤٠٤ - ٤٠٥) ، من طريق أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ وتابعه أبو كبشة قال: سمعت أبا موسى يقوله: ... فذكره مختصراً. أخرجه أحمد (٤/٤٠٨) من طريق عاصم الأحول عنه. ورجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي كبشة هذا- وهو السدوسي البصري-؛ قال الذهبي: "لا يعرف ". وتابعه أنس عن أبي موسى به. أخرجه الطيالسي في "مسنده " (رقم ٥١٥) : حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس به؛ لم يرفعه أبو داود. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وقد جاء مرفوعاً من طريقين آخرين عن أنس، لم يذكر أبا موسى. أخرجه أبو داود في "سننه " (٤٨٢٩) عن قتادة عنه. وفي أوله زيادة. قلت: وإسناده صحيح على شرطهما. ثم رواه أبو داود (٤٨٣١) ، وأبو يعلى في "مسنده " (رقم ٢٩٥٤) من طريقين عن شبيل بن عزرة عن أنس به. وإسناده حسن؛ للخلاف في شبيل هذا. (تنبيه) من فوائد هذا الحديث ما ترجم البيهقي بقوله: "باب مجانبة الفسقة والمبتدعة، ومن لا يعينك على طاعة الله ".

стр. 5461

قلت: وذلك لأن الصاحب ساحب، والطبع سرّاق، ولذلك جاءت الأحاديث تترى في النهي عن مجاورة الكفار، ومخالطتهم، ومساكنتهم، وهي معروفة، ولذلك كنا- وما زلنا- ننصح المسلمين أن لا يستوطنوا بلاد المشركين، وبخاصة منهم المتحللين خلقاً ومكراً كاليهود مثلاً في أمريكا، بل وفي فلسطين المحتلة منهم؛ لفسقهم وفجورهم، وتهاونهم في أعراضهم، مما هو مشهور عنهم، وقد ظهرت عدواهم في بعض من يساكنهم من المسلمين في (حيفا) و (يافا) و (تل أبيب) وغيرها من البلاد التي احتلُّوها وتغلبوا عليها، فلا صلاة ولا حشمة ولا حياء، حتى لا تكاد تميز الفتاة المسلمة من اليهودية لشدة المشابهة بينهما في التبرج! ومما يلاحظه المسافرون إلى هناك أنه كلما كان المسلمون بعيدين في مساكنهم عن البلاد المذكورة؛ كانت الفتنة باليهود ومداهمتهم للبيوت ليلاً أقل تأثراً وانحرافاً. والقصص في ذلك معروفة لا ينكرها إلا جاحد مكابر، ولولا ضيق المجال لسردنا الكثير الكثير منها. وبهذه المناسبة أقول: لقد تجاهل هذه الحقيقة الشرعية- من جهة-، والواقعية المؤسفة- من جهة أخرى- جماعةٌ من ذوي الأهواء والحزبية العمياء، وعلى رأسهم ذاك (الفقير) حقاً، الذي أثارها حرباً شعواء على كاتب هذه السطور؛ لقوله بهجرة المسلمين الفلسطينيين من ظلم اليهود وطغيانهم إلى بلد إسلامي يجدون فيه الطمأنينة والخلاص من فسادهم، وذلك في خطبة ألقاها في مسجد حمزة في عمان يوم الجمعة في العشرين من ذي الحجة سنة (١٤١٣) ، أدارها خطبة سياسية لمصلحة الانتخابات القادمة الشخصية، لا يستفيد منها أحد من السامعين للخطبة علماً ولا ذكراً، وإنما ما يلقي العداوة والبغضاء في قلوبهم ضد أخ لهم مسلم، يبهته الخطيب بماليس فيه زاعماً أنه"يطالب تفريغ الأراضي المحتلة حتى تصبح خالصة لبني إسرائيل "! ثم أخذ يرميه بكل باقعة فيقول:

стр. 5462

"يا عميل! يا شيخ الخيانة! يا شيخ الشياطين وشيطان المشايخ! يا فتوى الضلال! يا مفتي يا دجال! يا.. يا.. " إلخ ما هو مسجل في شريطه، حتى وصل به الأمر إلى أن حضهم على لعنه! مما يرجع عليه بنص الحديث الصحيح المرفوع- إن شاء الله تعالى-، كيف لا، وقد بلغ به طغيانه إلى أن صرح بأن كل البلاد الإسلامية لاتُعدُّ ديار إسلام؟! وبناءً عليه حض الناس على الهجرة إلى اليهود! فقال ما نصه: "ما أرى إلا أن الهجرة واجبة من الجزائر إلى (تل أبيب) "! وقال: "والله! لو خُيِّرْتُ- أقسم بالله- بين أن أعيش في القدس تحت احتلال اليهود، وبين أن أعيش في أي عاصمة عربية؛ لاخترت أن أعيش في القدس تحت احتلال اليهود ... ". ومع كل هذه التصريحات الخطيرة شرعاً وسياسةً واجتماعياً؛ استمر الرجل ينشر سمومه بين الناس في خطبه ومجالسه، حتى تأثر بها كثير من الناس وظنوها حقاً، ولعل من آثار ذلك أن كُبست داري من (المخابرات) ، وفُتِّشت تفتيشاً دقيقاً في سبع ساعات وأكثر، وصادروا نحو ستين خطاباً من مختلف البلاد الإسلامية وغيرها، وكذلك صادرواعديداً من الأشرطة لي ولغيري من طلاب العلم؛ بدعوى البحث عن أسلحة ومفرقعات!! والله المستعان. ولقد كان من تلك الآثار السيئة: أن تتابع الخطباء في كثير من المساجد، وبعض الكتّاب في بعض الجرائد يضربون على أوتاره وينفخون في ناره، افتراءً وكذباً، حتى كتب أحد الحزبيين ما نصه- دون أي حياء أو خجل-: "وأخشى أن يكون قد وصل مرحلة الخرف في أرذل العمر التي لا يعلم

стр. 5463

صاحبها شيئاً "! (جريدة اللواء١٧محرم٠٠١٤١٤العدد ١٠٥٣) ، وصدق رسول الله ﷺ القائل: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت ". رواه البخاري. واستمرت الآثار السيئة تنتشر في الشعب وتتطور حتى قال أحدهم: إنه زنديق! وقال آخر: إنه ماسوني!! حتى كاد أن تقع في المجتمع فتن لا تحمد عقباها؛ لولا لطف الله تعالى! عامل الله المثيرين لها بما يستحقون. وإن مما يلفت نظر الألبّاء المخلصين: أن أحداًمن أولئك الخطباء والكتاب المثيرين للفتنة لم يسق قولي في الهجرة، واحتجاجي بالقرآن والسنة، وقوله ﵊: "لا تنقطع الهجرة ما دام الجهاد" (١) ؛ لأنهم يعلمون في قرارة نفوسهم أنهم لو فعلوا ذلك لانكشف للناس زغلهم وجهلهم، واصطيادهم في الماء العكر- كما يقال-، وبخاصة منهم كبيرهم (الفقير) الذي أرجو الله ﵎ أن يريني فيه يومه الأسود، أو يتوب إلى الله مما جنته يداه، ونطق به، وسكت عنه مناصروه، إنه خير مسؤول. كتبت هذا للعبرة والموعظة، ولله عاقبة الأمور. * ٣٢١٥ - (أيُّ الخلق أعجبُ إيماناً؟ قالوا: الملائكة. قال: الملائكة كيف لا يؤمنون؟! قالوا: النبيون. قال: النبيون يوحى إليهم فكيف لا يؤمنون؟! قالوا: الصحابة. قال: الصحابة مع الأنبياء فكيف لا يؤمنون؟! ولكن أعجب الناس إيماناًً: قوم يجيئُون من بعد كم فيجدون كتاباً من الوحي؛ فيؤمنون به ويتَّبعونه، فهم أعجب الناس إيماناً- أو الخلق إيماناً-) . أخرجه البزار في "مسنده " (٣/٣١٨- ٣١٩- كشف الأستار) : حدثنا الفضل

стр. 5464

(١) رواه احمد وغيره؛ وهو مخرج في " الصحيحة " (١٦٧٤) ، و" الإرواء" (١٢٠٨) . ابن يعقوب الرُّخامي: ثنا زيد بن يحيى بن عُبيد الدمشقي: ثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس قال: قال النبي ﷺ : ... فذكره. وقال: "غريب من حديث أنس ". قلت: ورجاله ثقات؛ إلا أن سعيد بن بشير- مع حفظه- قد تكلم بعضهم فيه، وقد وثقه جمع من الحفاظ؛ خلافاً لمن زعم- من الكتاب المعاصرين المتشددين على المرأة- أنه ضعيف جداً، وأوهم القراء أنه لا موثق له، والواقع يكذبه، ومنهم إمام الأئمة البخاري، حتى إن الحافظ الذهبي في "الكاشف " لم يزد على قوله فيه- بعد وصفه إياه بـ (الحافظ) ؛ وزاد في "السير" (الصدوق) -: "قال (خ) : يتكلمون في حفظه، وهو محتمل. وقال دُحيم: ثقة، كان مشيختنا يوثقونه ". وقد رددت على المتجاهل للتوثيق، وعلى أمثاله من المتشددين في كتابي الجديد: "الرد المفحم على من خالف العلماء وتشدد وتعصب ... " يسر الله لي تبييضه ونشره بمنه وكرمه. ولهذا؛ لما عزا هذا الحديث الهيثميُّ في "المجمع " (١٠/٦٥) للبزار وحكى استغرابه إياه؛ عقّب عليه بقوله: "قلت: فيه سعيد بن بشير، وقد اختلف فيه، فوثقه قوم، وضعفه آخرون، وبقية رجاله ثقات". قلت: فمثله وسط حسن الحديث لذاته، أو لغيره على الأقل، وعلى هذا كنت جريت في تقوية حديثه: "إذا بلغت المرأة المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها وكفاها"؛ فراجع كتابي بعنوانه الجديد: "جلباب المرأة المسلمة ".

стр. 5465

وقد كنت خرجت حديث الترجمة بنحوه في "الضعيفة" (٦٤٧) من طريقين الأولى خيرمن الأخرى، وذكرت أن الحافظ ابن كثير جزم بنسبته إلى النبي ﷺ ، وأنه لعله وقف له على طريق أو طرق أخرى يتقوى بها، وحينئذ ينبغي النظرفيها. وها أنذا قد وقفت على هذه الطريق، فبادرت إلى تخريجها وفاءً بما قلت هناك، فالظاهر أنه من جملة الطرق التي ألقى مجموعها في قلب الحافظ ابن كثير ثبوت الحديث عن النبي ﷺ ، فجزم بنسبته إليه، وهذا أُلقي في صدري أيضاً حين وقفت على هذه الطريق التي عرفت مما سبق أنها حسنة لغيرها على الأقل، فهي قوية بالطريق الأولى المشار إليها آنفاً. ثم وجدت لها طريقاً أخرى مرسلة، يرويها أحمد بن عبد الجبار: حدثنا يونس ابن بُكير عن مالك بن مِغول عن طلحة عن أبي صالح أن رسول الله ﷺ قال: "متى ألقى إخواني؟ ". فقيل: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟! قال: "أنتم أصحابي، وإخواني قوم من أمتي لم يروني، يؤمنون بي ويصدقونني ". ثم قال لهم رسول الله ﷺ : "أي الخلق أعجب إيماناً؟ ... " الحديث. أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٦/٥٣٨) ، وقال: "هذا مرسل ". ثم ساقه من الطريق الأولى المخرَّجة هناك، ثم قال: "وروي أيضاً عن سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس موصولاً".
следующие страницы →