"وقد وقع في رواية البيهقي وغيره: "فأمرني رسول الله ﷺ أن أتسلب
ثلاثاً "، فتبين خطؤه ".
ولم أقف على هذه الرواية عند البيهقي ولا عند غيره من أصحاب المصادر المتقدمة، والله أعلم.
نعم؛ لفظ رواية أحمد يعطي معناها، فإنه قال:
"البسي ثوب الحداد ثلاثاً، ثم اصنعي ما شئت ".
وما أثبتُّه هو لفظ الطبري وأبي نعيم.
وإن من ذلك التحريف: ما وقع في"مجمع الزوائد" (٣/١٧) معزواً لرواية
أحمد: "تسلَّي "!
ولا وجود لها في "مسنده " المطبوع!
وأعجب من ذلك كله: أن الأخ الفاضل حمدي السلفي أورد في فهرسه
القيم "مرشد المحتار" (٢/٣٢) الحديث بلفظه الصحيح: "تسلبي.. " معزوّاً لأحمد بالرقم المتقدم مني (٦/٤٣٨) ، وليس هو فيه- من الطبعة الميمنية- أيضاً إلا باللفظ الذي ذكرته آنفاً: "البسي ثوب الحداد.. "! *
٣٢٢٧ - (اللهم! علِّم معاوية الكتاب والحساب، وقِِهِ العذاب) .
روي من حديث العرباض بن سارية، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن ابن أبي عمِيرةالمزني، ومسلمة بن مُخلَّد، ومرسل شُريح بن عُبيد، ومرسل حَرِيز بن عثمان. ا- أما حديث العرباض؛ فيرويه يونس بن سيف عن الحارث بن زياد عنُ
أبي رُهمٍ السمعي عن العرباض بن سارية السلمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذ كره.
стр. 5497
أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه " (١٩٣٨) ، وابن حبان (٢٧٨ ٢) ، وأحمد
(٤/١٢٧) ، وفي "فضائل الصحابة " (١٧٤٨) ، والبزار (٢٧٢٣) ، والفسوي في "التاريخ " (٢/٣٤٥) ، والحسن بن عرفة في "جزئه " (٦١/١٢٢) ، والطبراني في " المعجم الكبير" (١٨/ ٢٥١/٦٢٨) ، وابن عدي في "الكامل " (٦/٤٠٦) ، ومن المخطوطات: أبو القاسم الكتَّاني في "جزء من حديثه " (ق ٤/٢) ، وفي مجلس البطاقة"أيضاً (ق ١٨٨/ ١) ، وا بن بِشران في "الأمالي " (ق ١٤/ ١) ، وابن حمصة في "جزء البطاقة" (ق٧٠/٢) ، وأبو طاهر الأنباري في "مشيخته " (ق ١٤٩/١) ، وابن عساكرفي"تاريخ دمشق " (١٦/٦٨٢ و ٦٨٣) ، وأبو موسى المديني في "جزء من الأمالي " (ق ١/٢) كلهم عن يونس به.
قلت: وهذا إسناد حسن في الشواهد، رجاله ثقات, غير الحارث بن زياد؛
فإنه مجهول لم يوثقه غير ابن حبان، ولم يذكر له راوياً غير يونس هذا، وعليه؛ فقول الحافظ فيه:
"لين الحديث "!
ليس على الجادة.
ثم إنه ليس يخفى أن إخراج ابن خزيمة لحديثه في "الصحيح " يعني أنه ثقة عنده، إلا أنه قد عرف بالتساهل في التصحيح والتوثيق- كتلميذه ابن حبان-، فلا أقل من أن يصلح للاستشهاد به، وهذا هو الذي مال إليه من قوى هذا الحديث
كما يأتي.
ومع هذا؛ فقد خفي توثيق ابن حبان المذكور على الهيثمي، فقال في "مجمع
الزوا ئد " (٩/ ٣٥٦) :
стр. 5498
"رواه البزار وأحمد- في حديث طويل- والطبراني، وفيه الحارث بن زياد؛
ولم أجد من وثقه، ولم يرو عنه غير يونس بن سيف، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف ".
٢- وأما حديث ابن عباس؛ فيرويه عثمان بن عبد الرحمن الجُمحِي عن
عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس مرفوعأ به.
أخرجه أبو جعفر الرزاز في "حديثه " (٤/٩٩/ ١) ، وابن عدي (٥/١٦٢) ،
وا بن عساكر (١٦/٦٨٣- ٦٨٤) ، وقال:
"وهو ضعيف ".
قلت: وعلته الجمحي هذا؛ فإنه مختلف فيه، وهو كما قال الذهبي في
" الميزان ":
"صويلح ".
وقال الحافظ في "التقريب ":
"ليس بالقوي ".
قلت: فمثله يستشهد به أيضاً، فكأنه لذلك سكت عنه الحافظ ابن كثيرفي
"البداية " (٨/ ١٢١) ولم يضعفه.
٣- وأما حديث عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني؛ فيرويه سعيد بن
عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عنه به.
أخرجه البخاري في "التاريخ " (٤/ ١/٣٢٧) ، وابن عساكر (١٦ /٦٨٤- ٦٨٦) ، والذهبي في "السير" (٨/٣٨) .
стр. 5499
قلت: وهذا إسناد جيد عندي، وشاهد قوي، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير
ابن أبي عميرة؛ وهو صحابي كما جاء مصرحاً به في بعض الطرق، وبلفظ: "اللهم! اجعله هادياً مهديّاً، واهده، واهد به ".
وقد تقدم تخريجه برقم (١٩٦٩) ، وحسنه الترمذي كما ذكرت ثمة؛ وكذلك
حسنه الجوزقاني في كتابه "الأباطيل " (١/١٩٣) .
وقد أعل حديث الترجمة- من رواية ابن أبي عميرة- المعلق على "الإحسان " (١٦/١٩٣) بقوله:
"ورجاله ثقات إلا أن سعيد بن عبد العزيز قد اختلط "!
وقد غفل- كما هو شأن كل كاتب- أو تغافل عن كون الراوي لهذا الحديث
عن سعيد إنما هو أبو مُسهِرٍ- واسمه عبد الأعلى بن مسهر-، وأنه هو الذي رماه بالاختلاط، وأنه يستبعد منه- لفضله- أن يحدِّث عنه فيما سمعه منه في حال اختلاطه، كما كنت ذكرت ذلك فيما تقدم.
وأضيف الآن فأقول:
وإن مما يؤيد ذلك: أن الإمام مسلماً قد احتج في "صحيحه " برواية أبي مسهر
عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد، كما في "تهذيب المزي "، وما أجد لهذا وجهاً إلا ما تقدم، أو أن اختلاطه كان ضيِّقاً لا يضر، وهو الذي يكني عنه بعضهم بأنه: "تغير"؛ وهو ما وصفه به الحافظ حمزة الكناني، وهذا الوصف هو الذي يلتقي مع إطلاقاتِ أئمة الجرح الثناء عليه، كقول أحمد:
"ليس بالشام رجل أصح حديثاً منه ".
стр. 5500
وقول ابن معين فيه:
"حجة". ونحوه كثير.
ولعل قول الحافظ الذهبي في "السير" (٣/١٢٤) عقب حديث العرباض:
"وللحديث شاهد قوي ".
أقول: لعل هذا القول منه هو ما ذكرته. والله أعلم.
٤- وأما حديث مسلمة بن مخلد؛ فيرويه أبو هلال محمد بن سُليم قال:
ثنا جبلة بن عطيَّة عن مسلمة بن مخلد أو عن رجل عن مسلمة بن مخلد.
أنه رأى معاوية يأكل، فقال لعمرو بن العاص: إن ابن عمك هذا لمِخضدٌ،
أما إني أقول هذا، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكر الحديث؛ لكنه لم يذكر: "الحساب "، وقال مكانه:
"ومكن له في البلاد".
أخرجه أحمد في "الفضائل " (١٧٥٠) ، وكذا ابن سعد كما في "البداية"
(٨/ ١٢١) - وليس في المجلدات المطبوعة، ولا في المجلد الذي طبع منه- حديثاً- كمتمم-، وابن الجوزي في "العلل " (١/٢٧٢) ، وابن عساكر (١٦ /٦٨٤) .
وأعله ابن الجوزي بأبي هلال، وهو صدوق فيه لين كما في "التقريب ".
وأعله الهيثمي بالانقطاع فقال (٩/٣٥٧) :
"رواه الطبراني من طريق جبلة بن عطية عن مسلمة بن مخلد، وجبلة لم
يسمع من مسلمة؛ فهو مرسل، ورجاله وثقوا، وفيهم خلاف ".
стр. 5501
قلت: والصواب إعلاله بالرجل الذي لم يُسَمَّ، فهو مجهول، ولم يقع له ذكر
في إسناد ابن الجوزي، وكذلك في طريق الطبراني فيما يظهر من كلام الهيثمي، والقسم الذي فيه مسلمة بن مخلد.
وجبلة هذا: الظاهر أنه ابن عطية الفلسطيني المترجم في "التهذيب " برواية جمع عنه، ومنهم الراسبي هذا، وبتوثيق ابن معين وابن حبان، ووثقه الذهبي أيضاً في "الكاشف ".
وصنيعه في "الميزان " يدل على أنه يفرِّق بين الفلسطيني الموثَّق، وبين جبلة
ابن عطية هذا؛ فإنه ذكره هكذا في "الميزان " غير منسوب، وقال:
"لا يعرف، والخبر منكر بمرة، وهو من طريق ثقتين عن أبي هلال محمد بن سليم: حدثنا جبلة عن رجل ... " فذكر الحديث.
وتعقبه الحافظ في "اللسان "، فقال:
"ولعل الآفة في الحديث من الرجل المجهول، وأما جبلة؛ فنقل ابن أبي حاتم
توثيقه عن ابن معين ... ".
٥- وأما مرسل شُريح بن عُبيد، فقال أحمد في "الفضائل " (١٧٤٩) : ثنا
أبو المغيرة قال: ثنا صفوان قال: حدثني شريح بن عبيد: أن رسول الله ﷺ دعا لمعاوية بن أبي سفيان: "اللهم ... " الحديث بلفظ الترجمة.
قلت: وهذا إسناد شامي مرسل صحيح، رجاله ثقات، وشريح بن عبيد:
هو الحضرمي الحمصي تابعي ثقة، روى عن جمع من الصحابة، وأرسل عن آخرين.
стр. 5502
وصفوان: هو ابن عمرو هو السَّكسكي الحمصي، وهو من رجال مسلم.
وأبو المغيرة: اسمه عبد القدوس بن الحجَّاج الخولاني الحمصي، من رجال الشيخين.
٦- وأما مرسل حريز بن عثمان؛ فقال الحسن بن عرفة في "جزئه " (٦٦) : حدثنا شبابة بن سوَّار عن حريز بن عثمان أن رسول الله ﷺ دعا ... الحديث. ومن طريق الحسن: أخرجه ابن عساكر (١٦/٦٨٤) .
وهذا أيضاً إسناد شامي مرسل صحيح؛ فإن الحسن بن عرفة ثقة من شيوخ الترمذي وابن ماجه.
وشبابة بن سوّار: ثقة حافظ من رجال الشيخين.
وحريز بن عثمان: هو الرَّحبي الحمصي، وهو ثقة من رجال البخاري؛ ولكنه
كان يبغض علياً أبغضه الله! ولذلك أورده ابن حبان في "الضعفاء" (١/٢٦٨- ٢٦٩) ، وقال في "صحيحه "- بعد أن ساق حديث عقبة بن عامر في التشهد بعد الوضوء من طريقين عنه، أحدهما: عن أبي عثمان عن جبير بن نفيرعنه (٣/٣٢٥- ٣٢٨/ ١٠٥٠- المؤسسة) -:
"أبو عثمان هذا يشبه أن يكون حريز بن عثمان الرحبي، وإنما اعتمدنا على
هذا الإسناد الأخير؛ لأن حريز بن عثمان ليس بشيء في الحديث "!
وأرى أن في موقف ابن حبان هذا من حريز- مع تواتر أقوال الأئمة في توثيقه تواتراً عجيباً، نادراً ما نرى مثله في كثير من الثقات المعروفين مع وصف بعضهم إياه بالبغض المذكور آنفاً- مبالغةً ظاهرةً، وهو قائم على مذهبه الذي
стр. 5503
أفصح عنه في مقدمة"ضعفائه " (ص ٨١) : "أن منهم المبتدع إذا كان داعية إلى
بدعته ".
وهي مسألة طالما اختلفت فيها أقوال العلماء، كما هو مبسوط في "علم المصطلح "، والذي تحرر عندي فيها- ورأيت فحول العلماء عليها-: أن المبتدع إذا ثبتت عدالته وضبطه وثقته؛ فحديثه مقبول ما لم تكن بدعته مكفرة، ولم يكن حديثه مقوياً لبدعته، والى هذا مال الحافظ في "شرح النخبة" تبعاً للعلامة المحقق ابن دقيق العيد، وقد حكى كلامه في "مقدمة الفتح " (ص ٣٨٥) ، وهو جيد ومهم جداً، فراجعه.
واذا عرفت هذا؛ فحديث عقبة ليس فيه ما يؤيد البدعة، وكذلك حديثنا،
إنما هو في دعاء النبي ﷺ لمعاوية- ﵁، وهذا يقال فيما لو تفرد به حريز، فكيف وقد توبع من جمع كما تقدم؟!!
فلا غرابة إذن أن ذهب إلى تقويته من سبق ذكرهم من الحفاظ، ويمكن أن نُلحق بهم الحافظ ابن عساكر؛ فإنه بعد أن ساق الأحاديث المتقدمة، وغيرها مما
لا مجال بوجه لتقويتها، وروى بسنده الصحيح عن إسحاق بن راهويه أنه قال:
"لا يصح عن النبي ﷺ في فضل معاوية بن أبي سفيان شيء"؛ عقب عليه بقوله:
"وأصح ما روي في فضل معاوية حديثُ أبي حمزة عن ابن عباس أنه كان كاتب النبي ﷺ ، فقد أخرجه مسلم في "صحيحه "، وبعده حديث العرباض: "اللهم! علمه الكتاب ... "، وبعده حديث ابن أبي عميرة: "اللهم! اجعله هادياً مهدياً ... ". *
стр. 5504
٣٢٢٨ - (يا شداد بن أوسٍ! إذا رأيت الناس قد اكتنزوا الذهب والفضة، فأكثر هؤلاء الكلمات:
اللهم! إني أسألك الثبات في الأمرِ، والعزيمة على الرُّشد،
وأسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، وأسألك شكر نعمتِك، وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير
ما تعلم، وأعوذُ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرُك لما تعلمُ؛ إنك أنت
علامُ الغيوب) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٧/٣٣٥- ٣٣٦) ، ومن طريقه: أبو نعيم في "الحلية" (١/٢٦٦) ، وكذا ابن عساكر في "تاريخ دمشق " (١٦/١٢٧) من طريقين عن سليمان بن عبد الرحمن: ثنا إسماعيل بن عياش: حدثني محمد بن يزيد الرحبي عن أبي الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس قال: قال لي رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف لا يضر:
١- سليمان بن عبد الرحمن: هو ابن بنت شرحبيل أبو أيوب الدمشقي،
قال الذهبي في "الكاشف ":
"مُفتٍ ثقة، لكنه مُكثِرٌعن الضعفاء".
٢- إسماعيل بن عياش: ثقة في روايته عن الشاميين، وهذه منها كما يأتي.
٣- محمد بن يزيد الرحبي، وهو دمشقي، له ترجمة في "تاريخ دمشق "
لابن عساكر (١٦/١٢٧) ، وأفادأنه روى عنه خمسةآخرون غير إسماعيل بن عياش،
стр. 5505
وأكثرهم ثقات، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات " (٩/٣٥) . وذكره أبو زرعة الدمشقي في "تسمية نفر ذوي إسناد وعلم " كما ذكر ابن عساكر. ولم أجده في "تاريخ دمشق " المطبوع لأ بي زرعة.
٤- وأما أبو الأشعث الصنعاني- واسمه شَراحِيل بن آدّة-؛ فهو ثقة من
رجال مسلم.
فصح الإسناد والحمد لله، وهو مما فات المعلق على "الإحسان " (٣/٢١٦) أن يذكره في جملة ما خرَّج من طرق الحديث، وكلها لا تخلو من ضعف أو جهالة أو انقطاع، ولذلك لم يصرح بمرتبة الحديث! لكنه صرح بأنه ضعيف عقبه في طبعته من "الموارد" (٢/١٠٨٩) .
ومن تلك الطرق: ما عزاه للحاكم (١/٥٠٨) من طريق عمر بن يونس بن القاسم اليمامي عن عكرمة بن عمار قال: سمعت شداداً أبا عمار يحدث عن
شداد بن أوس. قال المعلق:
"وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي ".
وسكت عليه ولم يتعقبهما بشيء، مع أنّ خطأهما في ذلك ظاهر؛ لأنه من
رواية أبي الحسن محمد بن سنان القزاز: ثنا عمر بن يونس ...
فأقول: القزاز هذا ليس من رجال مسلم أولاً، ثم هو متكلَّم فيه، فأورده
الذهبي نفسه في "الميزان " وقال:
"رماه أبو داود بالكذب، وابن خراش يقول: ليس بثقة. وأما الدارقطني
فمشّاه، وقال: لا بأس به ".
ولذلك؛ جزم الحافظ بضعفه في "التقريب ".
стр. 5506
ومن ذلك يتبين أن المعلِّق المشار إليه لم يحسِن حينما ساق إسناد الحاكم من عند عمر بن يونس؛ فإن ذلك يوهم أن من دونه ليس فيهم أي ضعف، وما هكذا يكون التحقيق!
ومن هذا القبيل: أنه ضعف إسناد ابن حبان في هذا الحديث بسُويد بن عبد العزيز قال: حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي عبيد الله مسلم بن مِشكَم قال:
خرجت مع شداد بن أوس ... فذكر قصة، وفيها هذا الحديث؛ فعلق عليه بقوله:
"سويد بن عبد العزيز لين الحديث، وباقي رجاله ثقات، وأخرجه أحمد (٤/١٢٣) من طريق روح عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان شداد بن أوس ... ورجاله ثقات إلا أن حسان بن عطية لم يدرك شداداً".
فأقول: نعم؛ ولكن قد ذكر الحافظ المزي في ترجمة حسان أن من شيوخه أبا عبيد الله مسلم بن مشكم، فلا يبعد أن يكون هو الواسطة بين حسان وشداد،
فتكون طريق روح- وهو ابن عبادة- متابعة قوية لسويد بن عبد العزيز.
وهناك احتمال آخر، وهو أن تكون الواسطة بينهما أبا الأشعث الصنعاني فإنه
من شيوخ حسان أيضاً.
وللحديث طرق أخرى: منها ما عند النسائي، وا بن حبان (٢٤١٦- موارد) ،
والطبراني (٧/٣٥٣/ ٧١٨٠) من طريق سعيدالجُريري عن أبي العلاءعن شداد به. ورجاله ثقات، لكنه منقطع بين أبي العلاء وشداد.
стр. 5507
ووصله الترمذي (٤٠٠٤) ، وأحمد (٤/ ١٢٥) ، والطبراني (٧١٧٥- ٧١٧٨) ،
وأبو نعيم أيضاً ... بذكر رجل حنظلي بينهما.
والحنظلي لم أعرفه، وانظر تعليقي على "المشكاة" (٩٩٥) .
وقد وجدت له شاهداً، ولكنه واه جداً، فأذكره لبيان حاله، فأقول:
رواه إسماعيل بن عمرو البجلي: ثنا موسى بن مُطَير عن أبي إسحاق قال:
قال لي البراء بن عازب: ألا أعلمك دعاء علمنيه رسول الله ﷺ ؟ قال: ...
فذ كره.
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢/٩- ١٠) ، وفي "الأوسط " (٢/١٥٦/٢/٧٥٤٢) ، ومن طريقه: أبو نعيم في "أخبار أصبهان " (٢/٢٧) ،
وقال الطبراني:
"لم يرو هذا الحديث عن أبي إسحاق إلا موسى بن مطير، تفرد به إسماعيل بن عمرو".
قلت: هذا ضعيف، وشيخه موسى؛ قال الذهبي:
"واهٍ، كذبه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم والنسائي وجماعة: متروك ... ".
وبه أعله الهيثمي فقال (١٠/١٧٣) :
"رواه الطبراني في" الكبير" و" الأ وسط "، وفيه موسى بن مطير وهو متروك ".
وأبو إسحاق- وهو السبيعي- كان اختلط، لكن العلة ممن دونه.
وفي حديث شداد- ولا سيما من الطريق الأولى- ما يغني عن الاستشهاد بهذا الإسناد الواهي. *
стр. 5508
٣٢٢٩ - (من صام رمضان، وصلّى الصلوات [الخمس] ، وحجَّ البيت- لا أدري أذكر الزكاة أم لا؟ -؛ إلا كان حقاً على الله أن يغفر
له، إن هاجر في سبيل الله، أو مكث بأرضه التي ولد بها، قال معاذٌ: ألا أُخبر بهذا الناس؟! فقال: ذرِ الناس [يا معاذُ] يعملون) .
أخرجه الترمذي (٢٥٣٠) ، وأحمد (٥/ ٢٣٢ و ٢٤٠- ٢٤١) ، والبزار (١/٢٣/
٢٦) عن عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسارعن معاذ بن جبل مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات من رجال مسلم، لولا أنه منقطع؛
فقد قال الترمذي عقبه:
"عطاء لم يدرك معاذ بن جبل، ومعاذ قديم الموت، مات في خلافة عمر"
قلت: مات سنة (١٨) كما جزم به في "التقريب "، وعطاء كانت ولادته
سنة (١٩) ، وعليه؛ فقول الترمذي المذكور: " ... لم يدرك معاذاً" أدق من قول الحافظ في "التهذيب ":
"وفي سماعه من معاذ نظر"!
وذلك " لأنه يفيد بمفهومه أنه أدركه؛ وليس كذلك.
ثم وجدت للحديث شاهداً من حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره؛ وهو
مخرج فيما تقدم برقم (٩٢١) . *
стр. 5509
٣٢٣٠ - (يظهرُ هذا الدّين حتى يجاوز البحار، وحتى تُخاض بالخيل في سبيل الله، ثُمَّ يأتي أقوامٌ يقرأون القرآن، فإذا قرأوا قالوا:
قد قرأنا القرآن، فمن أقرأُ منا؟ من أعلمُ منا؟!
ثم التفت إلى أصحابه، فقال:
هل ترون في أولئك من خير؟
قا لوا: لا. قال:
فأولئك منكم، وأولئك من هذه الأمة، وأولئك هُم وقُودُ النار) . أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (١٥٢/ ٤٥٠) قال: أخبرنا موسى بن عُبيدة
عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن ابن الهاد عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
وأخرجه أبو يعلى (١٢/٥٦/٦٦٩٨) ، والبزار (١/٩٩/ ١٧٤) من طريقين آخرين عن موسى بن عُبيدة به (١) .
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف موسى هذا مع عبادته.
وابن الهاد: اسمه يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد؛ لم يدرك العباس كما
يدل على ذلك تاريخ وفاتهما.
وقد جاء عنه موصولاً من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن يزيد بن الهاد
قال: حدثتني هند بنت الحارث الخثعمية امرأة عبد الله بن شداد عن أم الفضل أم
стр. 5510
عبد الله بن عباس عن رسول الله ﷺ :
أنه قام ليلة بمكة، فقال:
"اللهم! هل بلّغت؟ " ثلاث مرات.
فقام عمر بن الخطاب فقال: اللهم! نعم، ونصحت وجهدت. فأصبح فقال: "ليظهرن الإيمان حتى يردَّ الكُفر إلى مواطنه، وليخوضنَّ البحار بالإسلام،
وليأتين على الناس زمان يتعلمون فيه القرآن ... ".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٥/٢٧- ٢٨) ، وقال المنذري في
" الترغيب " (١/ ٨٠) :
"وإسناده حسن إن شاء الله ".
وقال الهيثمي (١/١٨٦) :
"ورجاله ثقات؛ إلا أن هند بنت الحارث الخثعمية التابعية لم أر من وثقها ولا جرحها"!
وأقول: بلى؛ قد وثقها من أنت كثير الاعتماد عليه، وهو ابن حبان؛ فقد ذكرها في "الثقات " (٥/٥١٧) برواية يزيد هذا عنها، وقد قال الحافظ فيها: "مقبولة".
يعني عند المتابعة، وقد توبعت؛ فقال البزار في "مسنده " (١/٤٠٥/٢٨٣- البحر الزخار) : حدثنا عبد الله بن شبيب قال: نا إسحاق بن محمد الفروي قال:
نا عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب قال: قال
رسول الله ﷺ : "يظهر الإسلام حتى تخوض الخيلُ البحار، وحتى يختلف التجار في البحر، ثم يظهر قوم يقرأون القرآن ... " الحديث.
стр. 5511
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ عبد الله بن زيد، قال الحافظ:
"صدوق فيه لين ".
قلت: فمثله يكون حديثه حسناً لغيره على الأقل إذا سلم ممن دونه؛ فلننظر.
وإسحاق بن محمد الفروي من رجال البخاري، لكن قال الحافظ:
"صدوق، كفَّ فساء حفظه ".
فهو كالذي قبله.
فيبقى النظر في الراوي عنه: عبد الله بن شبيب؛ فإن له ترجمة سيئة
في "الميزان " و"لسانه "، ولم يوثقه أحد، وأحسن ما قيل فيه قول الدارقطني:
"غير عبد الله بن شبيب أثبتُ منه ".
ولذا قال الذهبي:
"أخباري علامة، لكنه واهٍ ".
فالاستشهاد به موضع نظر. والله أعلم.
ولم يتفرد به؛ فقال الطبراني في "المعجم الأوسط " (٢/٨٦/٢/٦٣٧٨) : حدثنا محمد بن علي الصائغ قال: نا خالد بن يزيد العُمري قال: ثنا عبد الله بن زيد بن أسلم به. وقال:
"لم يروه عن عبد الله بن زيد بن أسلم إلا العمري "!
كذا قال! وكأنه لم يقف على متابعة الفروي، أو أنه لم يعتدّ بإسناده إليه.
وهذا أعدل من قول الحافظ (١/١٤٣) :
"قلت: وقد أخطأ في ذلك ".
стр. 5512
وقال الهيثمي:
"رواه الطبراني في " الأوسط "، والبزار، ورجال البزار موثّقون ".
وهذا نحو قول المنذري قبله في "الترغيب " (١/٧٩) :
"رواه الطبراني في"الأ وسط "والبزار بإسناد لا بأس به، ورواه أبو يعلى والبزار والطبراني من حديث العباس بن عبد المطلب ".
وأقول: بمجموع الطريقين إليهما مع طريق أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب يمكن القول بأن الحديث يرتقي إلى مرتبة الحسن، مع ملاحظة أن معناه مطابق للواقع، وطرفه الأول من معجزاته العلمية التي تدل على صدق
نبوته ﷺ . والله أعلم.
٣٢٣١ - (مرَّ رجلٌ ممن كان قبلكُم بجُمجُمة، فنظر إليها، فحدّث نفسه بشيءٍ ثم قال: يا ربِّ! أنت أنت، وأنا وأنا، أنت العوادُ
بالمغفرةِ، وأنا العوادُ بالذنوب! وخرّ للهِ ساجداً، فقيل له: ارفع رأسك، فأنت العوّادُ بالذّنوبِ، وأنا العوّادُ بالمغفرةِ، [فرفع رأسه، فغُفِر له] ) . أخرجه ابن عدي (٢/١٤٧) ، والخطيب في" التاريخ " (٩/ ٩٢) ، والديلمي
في "مسند الفردوس " (٣/٦٧) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٢/ ٧١) من طريق سعيد بن نُصَير البغدادي: حدثنا سيَّار بن حاتم: حدثنا جعفر بن سليمان الضُّبعِي قال: سمعت محمد بن المنكدر يحدث عن جابر مرفوعاً.
وقال الخطيب:
"تفرد بروايته هكذا مرفوعاً سيَّارُ بن حاتم عن جعفر بن سليمان، ورواه العباس
стр. 5513
ابن الوليد النَّرسي عن جعفر عن ابن المنكدر عن جابر موقوفاً، وذاك أصح ". قلت: يعني الموقوف؛ لأن النرسي ثقة، وسيَّار فيه ضعف.
لكني وجدت له متابعاً قوياًّ، فقال البزار في"مسنده " (١/ ٣٦١/٧٥٥) :
حدثنا الوليد بن عمرو بن سُكَين: ثنا حبَّان بن هلال: ثنا جعفر بن سليمان عن محمد بن المنكدر عن جابر رفعه.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات من رجال مسلم- ليس فيهم
مغمز- سوى الوليد بن عمرو؛ فليس من رجاله، ولكنه ثقة كما قال الذهبي. وقال النسائي:
"لا بأس به "، وذكره ابن حبان في "الثقات "، وقال (٩/٢٢٨) :
"ربما أخطأ ". وقال الحافظ:
" صد وق ".
وأعله البزار بعلة غريبة؛ فقال عقبه:
"ولا نعلمه عن جابر إلا من هذا الوجه، ولا أحسب جعفر بن سليمان سمع
ابن المنكدر، ولا روى عنه إلا هذا"!
قلت: هذا ليس بشيء؛ فقد روى عمن هو أقدم وفاة منه، وهو ثابت البناني،
ولم يُرمَ بتدليس، وهو ثقة من رجال مسلم كما سبقت الإشارة إليه.
نعم؛ قد أورده ابن عدي في ترجمة جعفر هذا، مشيراً إلى أنه من مفاريده، وليس ذلك بضارِّه؛ فقد ساق له الذهبي عده أحاديث من هذا القبيل، وقال:
"وغالب ذلك في "صحيح مسلم " ... ".
стр. 5514
وقال الذهبي فيه:
"ثقة، فيه شيء مع كثرة علومه، قيل: كان أمَّياً، وهو من زهاد الشيعة".
وقال الحافظ:
"صدوق زاهد كان يتشيع ".
قلت: فمثله يحتج به من أهل العلم ما لم يظهر خطؤه. والله أعلم.
(تنبيه) : تحرف (سيار بن حاتم) في "الديلمي " إلى (سفيان الثوري) !
ولم يتنبه لذلك المعلق على "الفردوس " (٤/١٧٢/٦٥٣٥) فنقله على خطئه!
ولم يتكلم على إسناده بشيء!
والحديث قال الهيثمي (٢/٢٨٧) :
"رواه البزار، ورجاله ثقات ". *
٣٢٣٢ - (إنّ من تمامِ إسلامِكم أن تُؤدُّوا زكاة أموالِكم) .
أخرجه ابن أبي عاصم، في "الآحاد والمثاني " (٤/٣٠٩ /٢٣٣٤) : حدثنا يعقوب بن حُميد: ثنا عيسى بن الحضرمي بن كلثوم بن علقمة بن ناجية الخزاعي عن جده كلثوم عن أبيه:
أن النبي ﷺ قال لهم عام (الُمَريسيع) حين أسلموا: ... فذكره.
وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٨/٨/٦) : حدثنا أحمد بن عمرو الخلال المكي: ثنا يعقوب بن حميد به، وزاد في نسب (ناجية) فقال: (ابن
الحارث الخزاعي) .
стр. 5515
وأخرجه البزار في "مسنده " (١/٤١٥/٨٧٦) : حدثنا بعض أصحابنا عن
عيسى بن الحضرمي به. ووقع فيه بعض الأخطاء المطبعية.
قلت: وهذا إسناد حسن؛ يعقوب بن حميد فيه كلام لا ينزله عن مرتبة الاحتجاج به، وقوَّاه البخاري كما في "المغني "، وقال الحافظ:
"صدوق ربما وهم ".
وعيسى بن الحضرمي، قال ابن أبي حاتم (٣/٢٧٤) عن أبيه:
"لا بأس به ".
وكلثوم بن علقمة- ويقال: (كلثوم بن المصطلق) نسبةً إلى جده الأعلى-
وثّقه ابنُ حبان (٥/٣٣٥) ، وروى عنه جماعة، وقيل: له صحبة، ولذلك جزم الحافظ بأنه ثقة، وعلى ذلك خرجت له حديثاً في "صحيح أبي داود" (٢٧٠٣) . (تنبيه) : كنت حينما ألفت "صحيح الترغيب والترهيب " ونشرته؛ جرَّدتُ
منه هذا الحديث لتضعيف المنذري إياه؛ بتصديره له بقوله: "روي ... "، وإعلال الهيثمي بقوله (٣/٦٢) :
" ... وفيه من لا يعرف ".
وما كان يمكنني إلا الاعتماد عليهما يومئذ؛ لعدم التمكن من الوصول إلى إسناده في تلك المصادر، وبخاصة منها كتاب ابن أبي عاصم، فلما منّ الله تعالى بطبعها، ويسر لي الرجوع إليها ودراسة إسناده؛ تبينت أن ما أعل به غير وارد، وبخاصة بالنسبة لإسناد ابن أبي عاصم، أما بالنسبة لإسناد البزار فالعلة واضحة؛ لأنه لم يسم شيخه، وإن كنت لا أستبعد أن يكون هو يعقوب بن حميد، وأما
стр. 5516
بالنسبة لإسناد الطبراني؛ فيجوز أن يكون الهيثمي أشار بقوله المتقدم إلى شيخ الطبراني: (أحمد بن عمرو الخلال) ؛ فإني لم أجد له ترجمة، أقول هذا مع ملاحظتي أن الهيثمي ليس من عادته إعلال الحديث بشيخ الطبراني إلا نادراً، وبخاصة أن (الخلال) هذا قد روى له في"المعجم الأوسط " (١٧) سبعة عشر حديثاً. ويحتمل أن يكون خفي عليهما حالُ من فوق يعقوب بن حميد، وبخاصة
عيسى بن الحضرمي الذي لم يُذكر إلا في كتاب ابن أبي حاتم. والله أعلم. *
٣٢٣٣ - (لا نبيَّ بَعدِي، ولا أُمّة بعدكم؛ فاعبدُوا ربَّكم، وأقيمُوا خمسكُم، وأعطُوا زكاتكُم، وصُومُوا شهركُم، وأطيعُوا وُلاةَ أمرِكم؛ تدخلوا جنة ربِّكم) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/٣١٦/٧٩٧) وفي "مسند الشاميين " (٢/١٩٣- ١٩٤) ، وأبو نعيم في"معرفة الصحابة" (٢/٢٨٣/ ١) ، وابن مندة في "المعرفة" أيضاً (٢/١٧٥/١) من طريق بقية بن الوليد عن بحير بن سعد عن خالد ابن معدان عن أبي قُتَيلة: أن رسول الله ﷺ قام في الناس في حجة الوداع فقال: ... فذ كره.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات، لكن بقية مدلس وقد عنعن.
لكن له شاهد قوي من حديث أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيها الناس! إنه لا نبيَّ بعدي، ولا أمة بعدكم، ألا! فاعبدوا ربكم ... " الحديث، وزاد بعد جملة الزكاة:
"طيبةً بها أنفسُكم ".
стр. 5517
أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين " (٢/١٦ /٨٣٤) وفي "المعجم الكبير"
(٨/١٣٦/٧٥٣٥) من طريق إسماعيل بن عياش: حدثني شُرَحييل بن مسلم ومحمد بن زياد: أنهما سمعا أبا أمامة يقول: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد شامي متصل صحيح.
وأخرجه في "المعجم الكبير" (٨/١٦٢- ١٦٣) من طريق أخرى عن إسماعيل به مختصراً، لكنه قرن مع شيخَيِ ابن عياش: (أسد بن وداعة) ، وقد وثقه ابن حبان (٤/٥٦) ، وروى البخاري في "التاريخ " (١/٢/ ٥٠) ، والفسوي في "المعرفة" (١/١١٧) عن معاوية بن صالح أنه كان مرضياًّ، وروى الفسوي (٢/٣٨٥) ما يدل على أنه كان من الذين نصبوا أنفسهم للفقه، وحبسوها في المسجد عن طلب الدنيا، وأنه كان قاضي الجند بحمص.
ثم روى الطبراني (٧٦١٧) بإسناد آخر صحيح عن إسماعيل عن شرحبيل
عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: ... فذكره ببعض اختصار.
وروى في "مسند الشاميين " (٢/٤٠١- ٤٠٢) من طريق فرجِ بن فضالة عن لقمان بن عامر عن أبي أمامة قال:
كنت مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فخطب الناس، فقال في موعظته:
"ألا لعلكم لا تروني بعد عامكم هذا، (ثلاث مرات) ".
فقام رجل طويل أشعث، كأنه من رجال شنوءة، قال: فما الذي نفعل يا رسول الله؟! فقال:
"اعبدوا ربكم ... " الحديث، وفيه: "طيبة بها أنفسكم ".
стр. 5518
وفرج ضعيف.
وللحديث طريق رابع عن أبي أمامة مرفوعاً بلفظ:
"اتقوا الله ربكم ... " الحديث نحو لفظ الترجمة.
وتقدم تخريجه برقم (٨٦٧) . *
٣٢٣٤ - (حمَى رسولُ الله ﷺ كل ناحيةٍ من المدينة برِيداً برِيد اً) .
أخرجه أبو داود (٠٣٦ ٢) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/ ١١١/٧٢٢)
من طريق سليمان بن كنانة مولى عثمان بن عفان: أخبرنا عبد الله بن أبي سفيان عن عدي بن زيد قال: ... فذكره، وزاد:
"لا يُخبَط شجره ولا يُعضد؛ إلا ما يساق به الجمل ".
قلت: وهذا إسناد مجهول كما هو مبين في غير هذا الموضع، وإنما أوردته هنا لأثبت صحته ببعض الشواهد التي وقفت عليها؛ ولم أر من صنع ذلك من قبل، فأقول:
الأول: روى أبو بكر الفضل عن جابر قال: ... فذكر مثله. أخرجه البزار في "مسنده " (٢/٥٤/ ١١٩٠) ، وقال:
"لا يروى إلا من هذا الوجه، والفضل بن مبشر.. صالح الحديث". كذا قال! وتعقبه الحافظ، فقال في "مختصر الزوائد" (٢/٤٧٩) : "قلت: بل هو ضعيف ".
وقال في " التقريب ":
"فيه لين ".
стр. 5519
قلت: وهذا في الجرح ألين، وإن كان ضعفه الأكثر، فقد قال ابن معين في
روا ية:
"ليس به بأس ".
قلت: فمثله يستشهد به ولا بأس- إن شاء الله-، وسائر الرجال ثقات.
الثاني: عن صالح بن محمد بن زائدة الليثي عن عامر بن سعد بن أبي
وقاص عن أبيه قال: ... فذكره بمعناه.
أخرجه ابن عدي (٤/٥٩) .
وهذا كالذي قبله أو هو خير منه؛ فإن صالحاً هذا، قال الذهبي في "الميزان ": "مقارب الحال ... "
وقال في "المغني ":
"صويلح، قال الدارقطني: ضعيف، وقال أحمد: ما أرى به بأساً، وقال ابن
معين: ضعيف ".
وذكر في "الكاشف " أنه كان صاحب ليل وتألُّه وجهاد.
فمثله يستشهد به، ويرتفع الحديث إلى مرتبة الحسن على الأقل، وإلى
الصحيح يقيناً بالشاهد الآتي وهو:
الثالث: عن أبي هريرة قال:
حرَّم رسول الله ﷺ ما بين لابتيِ المدينة.. وجعل اثني عشر ميلاً حول
المدينة حِمّى.
أخرجه مسلم (٤/١١٦) ، وأحمد (٢/٢٧٩) .
стр. 5520
وإن مما يحسن ذكره: أنني اعتبرت هذا الحديث الصحيح شاهداً لحديث الترجمة مع الاختلاف الظاهر بين لفظيهما؛ لما هو معروف عند العلماء أن البريد يكون عادة اثني عشر ميلاً، وكأنه لذلك سكت الحافظ في "الفتح " (٤/٨٥) عن حديث عدي بن زيد؛ مع ما في إسناده من الجهالة.
وأما الزيادة التي في آخره: "لا يخبط شجره ... "؛ فلها شواهد من حديث جابر وغيره، خرجتها في "صحيح أبي داود" (رقم ١٧٧٧) . *
٣٢٣٥ - (أحسِنُوا مبايعة الأعرابيِّ) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٤/٣٥/٣٥٥٩و٥/٣٠٧/٥٢٩٤) من طريق أبي الهيثم خلف بن الهيثم النَّهشِليِِِّ القصَّاب: حدثنا غسان بن الأغر النهشلي: ثنا عمي زياد بن الحُصين عن أبيه حُصين بن قيس:
أنه حمل طعاماً إلى المدينة، فلقي رسول الله ﷺ ، فقال:
"ماذا تحمل يا أعرابي؟ ".
قال: قمحاً.
قال: "ما أردت به- أو ما تريد به-؟ ".
قال: أردت بيعه، فمسح رأسي، وقال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير خلف هذا، فلم أجد له ترجمة، لكنه
قد توبع من:
١- الصّلت بن محمد قال: حدثنا غسان بن الأغر به مختصراً. أخرجه النسائي (٢/٢٧٧) .
стр. 5521
والصلت هذا ثقة من رجال مسلم.
ولغسّان متابعةٌ- أيضاً- من:
٢- نُعَيم بن حُصين السَّدُوسي: ثنا عمي زياد به مختصراً.
أخرجه البزار في "مسنده " (٢/ ٨٩/١٢٧٣) ، والطبراني أيضاً (٣٥٦٠) ، وفي "الأوسط " (٢٠١٢- مجمع البحرين) من طريق عبد الله بن معاوية الجُمَحي: ثنا نعيم بن حصين السدوسي به. وقال الطبراني:
"لم يروه عن نعيم إلا عبد الله، وهو نعيم بن فلان بن حصين. وجدُّه حصين السد وسي ".
قلت: وعبد الله بن معاوية ثقة، لكن شيخه نعيم لم أجد له ترجمة.
٣- موسى بن إسماعيل: ثنا غسان بن الأغر به، مختصراً.
أخرجه البخاري في " التاريخ " (٢/ ١/ ١) ، والطبراني أيضاً (٣٥٥٨) ، وأبو نعيم في "المعرفة" (١/١٨٢/ ١) من طريقه ومن طريق إسماعيل بن عبد الله:
ثنا موسى بن إسماعيل به، ولفظه:
أنه قدم المدينة بإبل، فقال: يا رسول الله! مُر أهل الوادي أن يعينوني ويُحسنوا مخالطتي؛ فأمرهم، فقاموا معه فأحسنوا مخالطته، ثم دعاه، فمسح يده على وجهه ودعا له.
وموسى بن إسماعيل هو المنقري، ثقة ثبت، فصح الإسناد والحمد لله.
وإسماعيل بن عبد الله هو الأصبهاني الملقب بـ (سمَّوَيهِ) ، وهو حافظ ثقة؛
وقد ترجمه الذهبي في"السير"، ومن قبله أبو نعيم في "أخبار أصبهان ".
стр. 5522
ومن طريقه أخرجه الحافظ المزي في"التهذيب " (٩/٤٥٤- ٤٥٥) . *
٣٢٣٦ - (إذا باع أحدُكم الشَّاة واللَّقحة؛ فلا يُحفِّلها) .
أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (٨/١٩٨/ ١٤٨٦٤) ، ومن طريقه: النسائي
(٢/٢١٤) ، وابن حبان (٧/٢٢٤/٤٩٤٨) ، وأحمد (٢/٢٧٣- ٢٧٤) كلهم عن عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير قال: أخبرني أبو كثير أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله- ﷺ : ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وتابعه علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير به.
أخرجه أحمد (٤/ ٤٨١) .
وإسناده صحيح أيضاً.
وقد أخرجه الشيخان وأصحاب "السنن " وغيرهم من طرق عديدة، وبألفاظ متقاربة عن أبي هريرة، وهي مخرجة بتوسع في "أحاديث البيوع ".
وهو شاهد قوي لحديث أنس: "نهى عن بيع المحفلات "، وكنت خرجته في "الضعيفة " (٤٧٢٦) لضعف سنده، وبالتالي أوردته في"ضعيف الجامع "؛فلينقل منهما. *
٣٢٣٧ - (ما أخافُ على أُمّتِي إلا ثلاثاً: شُحٌّ مُطاعٌ، وهوىً متَّبعٌ،
وإمامُ ضلالٍ) .
أخرجه البزار في"مسنده " (٢/٢٣٨/١٦٠٢) ، والدَّولابي في "الكنى" (١/١٦) ، وابن منده في "المعرفة " (٢/٦٢/٢) ، وابن عساكر في"تاريخ دمشق "
стр. 5523
(١٣/٤٦٢) من طرق؛ أحدها: أبو عبد الرحمن المقرئ: نا ابن لهيعة: حدثني ابن هُبيرة عن عمرو البِكالي عن أبي الأعور عن رسول الله ﷺ به.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، لم يعرف بعضهم الهيثميُّ، فقال في "مجمع الزوائد" (٥/٢٣٩) :
"رواه الطبرا ني، والبزار، وفيه من لم أعرفه ".
أقول:
أولاً: أبو الأعور الأسلمي، أثبت صحبته مسلمٌ وأبو أحمد الحاكم والبغوي وغيرهم، ونفاها بعضهم. وتفصيل ذلك في "الإصابة".
ولعله مما يرجِّح صحبته أن الراوي عنه صحابي، وهو:
ثانياً: عمرو البِكالي، قال البخاري: "له صحبة "، وكذا قال أبو حاتم. ونفاها بعضهم٠انظر " الإصابة ".
ثالثاً: ابن هبيرة- اسمه عبد الله السَّبئي الحضرمي المصري- تابعي ثقة، احتج به مسلم.
رابعاً: ابن لهيعة- واسمه عبد الله- ثقة معروف بالضعف في حفظه؛ إلا فيما
رواه عنه أحد العبادلة، ومنهم عبد الله بن يزيد المقرئ، وهو أبو عبد الرحمن أحد الرواة عنه لهذا الحديث، ولذا صححته، والحمد لله. *
٣٢٣٨ - (لقد تاب توبةً، لو تابها صاحب مُكسٍ؛ لقُبِلت منه) .
أخرجه الطبراني في"المعجم الكبير" (١٤٨/١) عن أبي شيبة عن الحكم عن
مقسم عن ابن عباس مرفوعاً.
стр. 5524
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ أبو شيبة هذا اسمه إبراهيم بن عثمان
العبسي مولاهم الكوفي، قال البخاري:
"سكتوا عنه ". وقال النسائي والدولابي:
"متروك الحديث ". وقال أبو حاتم:
"ضعيف الحديث، سكتوا عنه وتركوا حديثه ".
ثم وجدت له طريقاً آخر، يرويه أبو إسماعيل المؤدِّب عن الأعمش عن أنس
ابن مالك:
أن امرأة اعترفت بالزنى أربع مرات وهي حبلى، فقال لها رسول الله ﷺ : "ارجعي حتى تضعي "، ثم جاءت، فقال: "ارجعي حتى تفطمي "، ثم جاءت، فرُجمت، فذكروها، فقال رسول الله ﷺ : ... فذكره بلفظ:
"لغُفر له ".
أخرجه البزار في "مسنده " (٢/٢١٢/ ١٥٤١- الكشف) ، وابن عدي في "الكامل " (١/٢٤٩) من طريقين عن أبي إسماعيل المؤدب به وقالا:
"تفرد به عن الأعمش أبو إسماعيل المؤدب ".
قلت: واسمه إبراهيم بن سليمان، وهو كما قال ابن عدي:
"حسن الحديث، وله أحاديث كثيرة غرائب حسان، تدل على أنه من أهل
الصدق، وهو ممن يُكتب حديثه ".
قلت: فهو شاهد قوي لولا الانقطاع بين أنس والأعمش، قال الهيثمي في
"مجمع الزوائد" (٦/٢٥٢) :
стр. 5525
"رواه البزار، ورجاله ثقات؛ إلا أن الأعمش لم يسمع من أنس، وقد رآه ".
ثم وجدت للحديث شاهداً من حديث بُريدة بن الحُصيبِ ﵁ في قصة رجم الغامدية حين جاءت إلى النبي ﷺ تطلب إقامة الحد عليها، فقال
لها- ﷺ :
"اذهبي حتى تلدي ".
فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته. قال:
"اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه ".
فلما فطمته أتته بالصبي في يده كِسرةُ خبز، فقالت: هذا يا نبي الله! قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبيَّّ إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحُفر إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها.. ثم قال ﷺ :
"فو الذي نفسي بيده! لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ".
أخرجه مسلم (٥/ ٢٠) ، وأبو داود (٤٤٤٢) ، والبيهقي (٤/١٨ و ٨/٢١٨و١ ٢٢) ،
وأ حمد (٥/ ٣٤٨) . *
٣٢٣٩ - (إنِّ صاحب السٌّلطان على باب عنتٍ؛ إلاّ من عصم اللهُ
.
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٤/٥٥/٣٦٠٣) من طريق معاوية بن هشام عن سفيان عن عطاء بن السائب عن مالك بن الحارث عن رجل- قال الحضرمي (شيخ الطبراني) في كتاب أبي كريب (شيخ الحضرمي) : عن حميد قال: عن رجل- قال:
стр. 5526
استعمل النبي ﷺ رجلاً على سرِيّةٍ، فلما مضى ورجع إليه قال له:
"كيف وجدت الإمارة؟ ".
فقال: كنت كبعض القوم، كنت إذا ركبت ركبوا، وإذا نزلتُ نزلوا، فقال
رسول الله ﷺ : ... فذكره.
فقال الرجل: والله! لا أعمل لك ولا لغيرك أبداً. فضحك النبي ﷺ -حتى بدت نواجذه!
قلت: وهذا إسناد جيد، وأعله الهيثمي فقال: (٥/ ٢٠١) :
"رواه الطبراني، وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط، وبقية رجاله ثقات ".
وأقره المعلق عليه!
قلت: وكأنه لم يتنبه لكونه من رواية سفيان- وهو الثوري-، وأنه ممن سمع
منه قبل الاختلاط.
ويشهد للحديث ما رواه سوَّار أبو حمزة عن ثابت عن أنس:
أن رسول الله ﷺ استعمل المقداد بن الأسود على جريدة خيل، فلما قدم قال: "كيف رأيت؟ ".
قال: رأيتهم يرفعون ويضعون، حتى ظننت أني ليس ذاك!
فقال النبي ﷺ :
"هو ذاك ".
فقال المقداد: والذي بعثك بالحق؛ لا أعمل على عمل أبداً. فكانوا يقولون
له: تقدّم فصلِّ بنا، فيأبى.
стр. 5527
وقال البزار:
"لا نعلم رواه عن ثابت إلا سوار، ولم يكن بالقوي، وقد حدث عنه كثير من
أهل العلم ".
قلت: هو وسط، وهو حسن الحديث ما لم يخالف، وعلى ذلك جرى العلماء
من بعد الحفاظ، وأشار إلى ذلك الحافظ بقوله فيه:
"صدوق له أوهام ".
وقال الذهبي في "المغني ":
"صالح الحديث ".
وانظر أقوال الحفاظ في "صحيح أبي داود" (٥١٠) .
وقال الهيثمي في تخريج الحديث:
"رواه البزار، وفيه سوار بن داود أبو حمزة، وثقه أحمد وابن حبان وابن
معين، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح ".
وقد نقل الأعظمي هذا في تعليقه على "البزار"؛ لكن سقط منه قوله:
"وفيه ضعف ... " إلخ.
وطبع مكانه: "وغيره، وعبد الله بن أحمد ثقة مأمون "!!
وهذا وقع عند الهيثمي في حديث آخر عقب هذا، فاختلط الأمر على الشيخ الأعظمي، فاقتضى التنبيه!
ويقوِّي حديث المقداد هذا: ما روى عبد الله بن عون عن عُمَير بن إسحاق
عنه قال:
стр. 5528
بعثني النبي ﷺ مبعثاً، فلما رجعت قال لي:
"كيف تجد نفسك؟ ".
قلت: ما زلت حتى ظننت أن معي خولاً لي! وايمُ الله! لا أعمل على رجلين
بعدها أبداً.
أخرجه الطبراني في "الكبير" (٢٠/٢٥٨- ٢٥٩) .
قال الهيثمي عقب تخريج حديث المقداد السابق:
"رواه الطبراني، ورجاله رجال "الصحيح "؛ خلا عمير بن إسحاق، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه ابن معين وغيره، وعبد الله بن أحمد ثقة مأمون ".
وأقول: لم يرو عنه غير عبد الله بن عون، فمثله يستشهد به ولا يحتج به. وبخاصة أن ابن معين وغيره قد ضعفه (١) . لكن إطلاق نسبة الضعف إلى ابن معين ليس بجيد، بل يجب تقييده بمثل قوله: "في رواية"؛ فإنه قد وثقه في رواية أخرى. وتوثيقه لعبد الله مما لا شك فيه، لكن ذلك قد يوهم من لم يقف على الحديث عند الطبراني أن عبد الله تفرد به! وليس كذلك؛ فقد أخرجه من غير طريقه أيضاً، فاقتضى التنبيه. *
- (لَيدخُلنَّ عليكُم رجلٌ لَعِينٌ. يعني: الحكم بن أبي العاص) . أخرجه أحمد (٢/١٦٣) ، والبزار في "مسنده " (٢/٢٤٧) من طريق عبد الله
ابن نُمير: ثنا عثمان بن حكيم عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف عن عبد الله ٣٢٤٠ بن عمرو قال:
стр. 5529
كنا جلوساً عند النبي ﷺ ، وقد ذهب عمرو بن العاص يلبس ثيابه ليلحقني،
فقال ونحن عنده: ... فذكر الحديث، فوالله! ما زلت وجلاً أتشوَّف داخلاً
وخارجاً حتى دخل فلان: الحكم [بن أبي العاصي] .
والزيادة للبزار، وقال:
"لا نعلمه بهذا اللفظ إلا عن عبد الله بن عمرو بهذا الإسناد".
قلت: وهو إسناد صحيح على شرط مسلم، وقال الهيثمي (٥/ ٢٤١) :
"رواه أحمد والبزار والطبراني في" الأ وسط "، ورجال أحمد رجال (الصحيح) ".
وله شاهدان قويَّان ساقهما البزار:
أحدهما: من طريق الشعبي قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول- وهو
مستند إلى الكعبة-: وربّ هذا البيت! لقد لعن الله الحكم- وما ولد- على لسان
نبيه ﷺ .
وقال البزار:
"لا نعلمه عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد".
قلت: وهو إسناد صحيح أيضاً، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير شيخ البزار (أحمد بن منصور بن سيّار) ، وهو ثقة، ولم يتفرد به كما يشعر بذلك تمام كلام البزار:
"ورواه محمد بن فُضيل أيضاً عن إسماعيل عن الشعبي عن ابن الزبير".
ولذلك لم يسع الحافط الذهبي- مع تحفظه الذي سأذكره- إلا أن يصرِّح في "تاريخ الإسلام " (٢/٥٧) بقوله:
стр. 5530
"إسناده صحيح ". وسكت عنه في "السير" (٢/١٠٨) ؛ ولم يعزه لأحد!
وقد أخرجه أحمد أيضاً (٥/٥) : ثنا عبد الرزاق: أنا ابن عينية عن إسماعيل
ابن أبي خالد عن الشعبي.
وهذا صحيح على شرط الشيخين كما ترى.
والشاهد الآخر: يرويه عبد الرحمن بن معنٍ (وهو ابن مَغْرَاءَ) : أنبأ إسماعيل
ابن أبي خالد عن عبد الله البَهِِيّ- مولى الزبير- قال:
كنت في المسجد، ومروان يخطب، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: والله! ما استخلف أحداً من أهله. فقال مروان: أنت الذي نزلت فيك (والذي قال لوالديه
أفٍ لكما) ، فقال عبد الرحمن: كذبت، ولكن رسول الله ﷺ لعن أباك، وقال البزار: "لا نعلمه عن عبد الرحمن إلا من هذا الوجه ".
قلت: واسناده حسن كما قال الهيثمي، وأقره الحافظ في "مختصر الزوائد" (١/٦٨٦) .
وقد وجدت لابن مغراء متابعاً قوياً، وهو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وقد ساقه بسياق أتم وأوضح، رواه عنه ابن أبي حاتم- كما في "تفسير ابن كثير" (٤/١٥٩) - عن عبد الله البهي قال:
إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال: إن الله تعالى قد أرى أمير المؤمنين
في (يزيد) رأياً حسناً وأن يستخلفه، فقد استخلف أبو بكر عمر- ﵄. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر- ﵄: أهرقلية؟! إن أبا بكر- رضي
الله عنه- ما جعلها في أحد من ولده، وأحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية
إلا رحمة وكرامة لولده! فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه: (أفٍّ لكما) ؟ فقال
стр. 5531
عبد الرحمن: ألست يا مروان! ابن اللعين الذي لعن رسول الله ﷺ أباك؟! قال: وسمعتهما عائشة- ﵂، فقالت: يا مروان! أنت القائل لعبد الرحمن
كذا وكذا؟! كذبت! ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان. ثم انتحب
مروان (!) ثم نزل عن المنبر حتى أتى باب حجرتها، فجعل يكلمها حتى انصرف. قلت: سكت عنه ابن كثير، وهو إسناد صحيح.
وأخرجه البخاري في "صحيحه " (٤٨٢٧) بإسناد آخر مختصراً، وفيه:
فقال (مروان) : خذوه! فدخل بيت عائشة، فلم يقدروا عليه.
وفيه إنكار عائشة على مروان.
وأخرجه النسائي في "الكبرى" (٦/٤٥٨- ٤٥٩) من طريق ثالثة من رواية
شعبة عن محمد بن زياد قال:
لما بايع معاوية لابنه قال مروان: سنة أبي بكر وعمر! فقال عبد الرحمن بن
أبي بكر: سنة هرقل وقيصر!
وفيه أن عائشة قالت ردّاً على مروان:
كذب والله! ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي أُنزلت فيه لسمَّيته، ولكن
رسول الله ﷺ -لعن [أبا] (١) مروان، ومروان في صلبه فََضَض (٢) من لعنة الله. قلت: وإسناده صحيح، وعزاه الحافظ في "الفتح " (١٣/٥٧٧) السيوطي في
"الدر" (٦/ ٤١) لعبد بن حميد، وا بن المنذر، والحاكم- وصححه-، وا بن مردويه.
стр. 5532
ثم وجدت لحديث الترجمة طريقاً أخرى عن ابن عمرو، من رواية ابن عبد البر في "الاستيعاب " بإسناده الصحيح عن عبد الواحد بن زياد: حدثنا عثمان ابن حكيم قال: حدثنا شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح أيضاً؛ فإن رجاله كلهم ثقات، وعبد الواحد بن زياد
ثقة محتج به في "الصحيحين "، ولم يتكلموا فيه إلا في روايته عن الأعمش خاصة، وهذه ليست منها كما ترى، وعليه: يكون لعثمان بن حكيم إسنادان صحيحان في هذا الحديث، وذلك مما يزيد في قوّته والله أعلم
وهذه الطريق كالطريق الأولى؛ سكت عنها الذهبي في "التاريخ "!
هذا؛ وإني لأعجب أشد ّالعجب من تواطؤ بعض الحفاظ المترجمين لـ (الحكم)
على عدم سوق بعض هذه الأحاديث وبيان صحتها في ترجمته، أهي رهبة الصحبة، وكونه عمَّ عثمان بن عفان- ﵁، وهم المعروفون بأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم؟! أم هي ظروف حكومية أو شعبية كانت تحول بينهم وبين ما كانوا يريدون التصريح به من الحق؟ فهذا مثلاً ابن الأثير يقول في "أسد الغابة":
"وقد روي في لعنه ونفيه أحاديث كثيرة، لا حاجة إلى ذكرها، إلا أن الأمر المقطوع به: أن النبي ﷺ - مع حلمه وإغضائه على ما يكره- ما فعل به ذلك إلا لأمرعظيم ".
وأعجب منه صنيع الحافظ في "الإصابة"؛ فإنه- مع إطالته في ترجمته- صدَّرها بقوله:
"قال ابن السكن: يقال: إن النبي ﷺ دعا عليه، ولم يثبت ذلك "!
стр. 5533
وسكت عليه ولم يتعقبه بشيء، بل إنه أتبعه بروايات كثيرة فيها أدعية مختلفة عليه، كنت ذكرت بعضها في "الضعيفة"، وسكت عنها كلها وصرح بضعف بعضها، وختمها بذكر حديث عائشة المتقدم: أن رسول الله ﷺ لعن أباك وأنت في صلبه. ولكنه- بديل أن يصرح بصحته- ألمح إلى إعلاله بمخالفته رواية البخاري المتقدمة، فقال عقبها:
"قلت: وأصل القصة عند البخاري بدون هذه الزيادة"!
فأقول: ما قيمة هذا التعقب، وهو يعلم أن هذه الزيادة صحيحة السند، وأنها
من طريق غير طريق البخاري؟! وليس هذا فقط، بل ولها شواهد صحيحة أيضاً كما تقدم؟! اكتفيت بها عن ذكر ما قد يصلح للاستشهاد به! فقد قال في آخر
شرحه لحديث: "هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش " من "الفتح " (١٣/١١) : "وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد. أخرجها الطبراني وغيره؛ غالبها فيه مقال، وبعضها جيد، ولعل المراد تخصيص الغلمة المذكورين بذلك "!
وأعجب من ذلك كلِّه تحفُّظُ الحافظ الذهبي بقوله في ترجمة (الحكم) من
" تاريخه " (٢/ ٩٦) :
"وقد وردت أحاديث منكرة في لعنه، لا يجوز الاحتجاج بها، وليس له في الجملة خصوص من الصحبة بل عمومها"!
كذا قال! مع أنه- بعد صفحة واحدة- ساق رواية الشعبي عن ابن الزبير مصححاً إسناده كما تقدم!! ومثل هذا التلون أو التناقض مما يفسح المجال لأهل الأهواء أن يأخذوا منه ما يناسب أهواءهم! نسأل الله السلامة.
стр. 5534
وبمناسبة قوله المذكور في صحبته؛ أعجبتني صراحته فيها في "السير" (٢/١٠٧) ؛ فقد قال:
"وله أدنى نصيب من الصحبة"!
(تنبيه) : وأما ما رواه الحاكم (٣/٤٧٦) من طريق إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده قال:
بعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق- ﵄ بمئة
ألف درهم بعد أن أبى البيعة ليزيد بن معاوية، فردها عبد الرحمن وأبى أن يأخذها، وقال: أبيع ديني بدنياي؟! وخرج إلى مكة حتى مات بها.
بيض له الحاكم والذهبي، وكأنه لظهور ضعفه؛ فإن إبراهيم هذا قال ابن عدي: "عامة أحاديثه مناكير". *
٣٢٤١ - (مع أحدِكُما جبريلُ، ومع الآخر ميكائيلُ؛ وإسرافيلُ ملكٌ عظيمٌ يشهدُ القتال، أو قال: يشهدُ الصفَّ!. قاله لعليٍّ ولأبي بكر) . أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (١٢/١٦/١٢٠٠٢) ، وأحمد (١/١٤٧) ، وابن سعد في "الطبقات " (٣/١٧٥- ١٧٦) ، والبزار (٢/ ٣١٤/١٧٦٥) ، وأبو يعلى (١/٢٨٣- ٢٨٣) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (٢/٥٧٤- ٥٧٥) ، والحاكم (٣/٦٨) من طريق مِسعَر عن أبي عون الثقفي عن أبي صالح الحنفي عن علي قال: قال لي النبي ﷺ ولأبي بكر- ﵁ يوم بدر: ... فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي، وأقره الحافظ في "الفتح " (٧/٣١٣) .
وقال البزار:
"لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد". *
стр. 5535
٣٢٤٢ - (كان يوم الأحزابِ (وفي رواية: يوم الخندق) (١) ينقلُ معنا التراب، ولقد وارى التُّرابُ بياض بطنِه (وفي رواية: شعر صدرِه) (٢) [وكان رجُلاً كثير الشَّعرِ] (٣) ، وهو [يرتجزُ برجزِ عبدِ اللهِ بن رواحة] (٤) ، وهو:
والله لولا أنت ما اهتدينا ولاتصدَّقنا ولا صلينا
فأنزِلن سكِينةً علينا [وثبت الأقدام إن لاقينا] (٥)
إن الأُلى قد أبوا (وفي رواية: بغوا) (٦) علينا
إذا أرادُوافتنةً أبينا [أبينا] (٧)
ويرفعُ بها صوته) .
أخرجه البخاري (رقم٢٨٣٧و ٤١٠٦و ٦٦٢٠ و٧٢٣٦) - والروايتان مع الزيادات له-، ومسلم (٥/١٨٧- ١٨٨) ، والدارمي (٢/ ١ ٢٢) ، وا بن حبان (٤٥١٨- الإحسان) ، والبيهقي (٧/٤٣) ، وفي"الدلائل " (٣/٤١٣- ٤١٤) ، وا بن أبي شيبة (١٤/٤١٩) ، وأحمد (٤/٢٨٢و٢٨٥ و٢٩١و ٣٠٠ و ٣٠٢) ، والطيالسي أيضاً (٩٧/٧١٢) ،