← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

الناسِ كالشعرةِ السوداءِ في جنَّبِ الثورِ الأبيضِ، أو كالشعرة البيضاء في جنبِ الثور الأسودِ، وإنِّي لأرجُو أن تكونُوا رُبُع أهلِ الجنّةِ؛ فكبَّرنا، ثمّ قال: ثُلُث أهلِ الجنة؛ فكبَّرنا، ثمَّ قال: شطرَ أهل الجنّة؛ فكبَّرنا) . أخرجه البخاري (٥/ ٢٤١) ، ومسلم (١/ ١٣٩) ، وأحمد (٣/ ٣٢- ٣٣) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً- والسياق للبخاري-. وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه (٣/ ١٧٠- مجموع الفتاوى) لـ "الصحيحين " بهذا اللفظ: "فينادى بصوت "! وهو تساهل؛ لأنه ليس عند مسلم لفظ الصوت (١) . وقد أعله أبو الحسن بن الفضل بقوله: إنه تفرد به حفص بن غياث عن الأعمش بهذا اللفظ! ولكن رده الحافظ ابن حجر بقوله في "الفتح " (١٣/٣٨٦) : "وليس كما قال؛ فقد وافقه عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش. أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب "السنة" عن أبيه عن المحاربي ". قلت: وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله في حديث له بلفظ: "فينادي بصوت يسمعه من بَعَُد كما يسمعه من قَرُبَ.. ". وهو حديث صحيح، علقه البخاري في "صحيحه " ووصله في "أفعال العباد" (ص ٨٩) ، وفي "الأدب المفرد" (٩٧٠) وغيره، وقواه الحافظ ابن حجر، وقد خرجته في "ظلال الجنة في تخريج السنة" (رقم ٥١٤) .

стр. 5567

وفي ذلك كله رد على البيهقي في قوله: "ولم يثبت لفظ الصوت في حديث صحيح عن النبي ﷺ "! ثم تأول الحديث بأن الصوت راجع إلى مَلكٍ أو غيره كما بينه الحافظ عنه، ثم أشار إلى رده بقوله: "وهذا حاصل كلام من ينفي الصوت من الأئمة، ويلزم منه أن الله لم يُسمع أحداً من ملائكته ورسله كلامه، بل ألهمهم إياه ". قلت: وهذا باطل مخالف لنصوص كثيرة، وحسبك منها قول الله ﵎ في مكالمته لموسى: (فاستمع لِما يُوحى) [طه: ١٣] . ثم قال: "وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين، لأنها التي عُهد أنها ذات مخارج. ولا يخفى ما فيه؛ إذ الصوت قد يكون من غير مخرج كما أن الرؤية قد تكون من غير اتصال أشعة كما سبق. سلمنا؛ لكن نمنع القياس المذكور، وصفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوق، وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة، وجب الإيمان به، ثم إما التفويض، وإما التأويل. وبا لله التوفيق ". قلت: بل الإيمان كما نؤمن بسائر صفاته، مع تفويض معرفة حقائقها إلى المتصف بها كما قال: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [الشورى: ١١١] . ثم إن حديث الترجمة رمز له في "الفتح الكبير"- وبالتالي في "صحيح الجامع الصغير وزيادته "- ب (حم، ن) فلعل (ن) محرف من (ق) أي: البخاري ومسلم. والله أعلم. فليراجع في "الجامع الكبير" للسيوطي.

стр. 5568

٣٢٥١ - (لو رأيتُموني وإبليس فأهويتُ بيدي، فما زلتُ أخنقُه حتى وجدتُ بردَ لُعابِه بين إصبعيَّ هاتين: الإبهام والتي تليها، ولولا دعوةُ أخي سُليمان؛ لأصبح مربوطاً بساريةٍ من سواري المسجد، يتلاعبُ به صبيانُ المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحُول بينَه وبينَ القبلة أحدٌ؛ فليفعل) . أخرجه أحمد (٣/٨٢- ٨٣) : حدثنا أبو أحمد: حدثنا مسرَّة بن معبد: حدثني أبو عُبيد صاحب سليمان قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائماً يصلي معتماً بعمامة سوداء، مُرخٍ طرفها من خلف، مصفر اللِّحيةِ، فذهبت أمرُّ بين يديه، فردني ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ، فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: ... فذكره. قلت: وإسناده جيد، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير مسرة بن معبد، وهو صدوق له أوهام؛ كما في "التقريب ". ومن هذا الوجه رواه أبو داود (٦٩٩) مختصراً، وهو في كتابي "صحيح أبي داود" (٦٩٦) ، وله شواهد ذكر بعضها شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١/ ١٧٠) ، أحدها من رواية النسائي عن عائشة مختصراً بقصة خنق الشيطان، وقال: "وإسناده على شرط البخاري، كما ذكر ذلك أبو عبد الله المقدسي في (مختاره) الذي هو خير من (صحيح الحاكم) ". قلت وفيه من الفقه وجوب اتخاذ السترة في الصلاة، ولو كان في مكان

стр. 5569

يظن أنه لا يمر أحد بين يديه، كما نسمع ذلك من كثير من الناس حينما تأمرهم بالصلاة إلى سترة، فيستغربون ذلك ويبادروننا بقولهم: يا أخي ما في أحد!! فنذكرهم بهذه القصة وقوله تعالى في إبليس: (إنه يراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حيثُ لا ترونهم) [الأعراف: ٢٧] . و (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) [ق: ٣٧] . * ٣٢٥٢ - (ما كان لي ولبني عبدِ المطّلبِ؛ فَهُو لكم) . أخرجه الطبراني في "الكبير" (٥/٢٦٩/٥٣٠٣) و"الصغير" (١/٢٣٦- ٢٣٧) و"الأوسط " (٤٦٣٠) : حدثنا عبيد الله بن رُمَاحِس الجشمي: ثنا أبو عمرو زياد بن طارق- وكان قد أتت عليه عشرون ومئة سنة- قال: سمعت أبا جَرول زهير بن صُردٍ الجُشمِي يقول: لما أَسَرنا رسولُ الله ﷺ يوم حنين- يوم هوازن-، وذهب يفرِّق الشبان والسبي؛ أنشدته هذا الشعر: امنن علينا رسول الله في كرمٍ فإنك المرءُ نرجوه وننتظر امنن على بيضةٍ قد عاقها قَدَر مفرقاً شملها في دهرها غيَرُ أبقت لنا الدهر هتّافاً على حزنٍ على قلوبهمُ الغماءُ والغُمُرُ إن لم تداركهُم نعماء تنشُرُها يا أرجح الناس حلماً حين يُختبرُ امنن على نسوة قد كنت ترضعُها وإذ يزينُك ما يأتي وما تذرُ لاتجعلنَّا كمن شالت نعامته فاستبقِ منا فإنا معشرٌ زُهرُ إنا لنشكرُ للنعماء إذ كُفِرَت وعندنا بعد هذا اليوم مُدَّخَرُ

стр. 5570

فألبِسِ العفو من قد كنت تَرضَعُه من أمّهاتك إنّ العفو مشتهرُ يا خيرمن مرحت كمتُ الجيادِ به عند الهياجِ إذا ما استُوقِد الشَّررُ إنا نؤمِّل عفواً منك نلبسُهُ هادي البريَّةِ إذ تعفُو وتنتصِرُ فاعفُ عفا الله عمّا أنت راهبُهُ يوم القيامة إذ يَهدِي لك الظفَرُ فلما سمع هذا الشعر قال: ... فذكره. وقالت قريش: ما كان لنا، فهو لله ولرسوله، وقالت الأنصار: ما كان لنا؛ فهو لله ولرسوله. وقال الطبراني: "لا يروى عن زهير بهذا التمام إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبيد الله بن رُماحس ". وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/١٨٧) : "رواه الطبراني في (الثلاثة) ، وفيه من لم أعرفهم" قلت: يعني ابن رُماحس هذا وشيخه زياد بن طارق. أما الأول؛ فما قاله فيه عجيب؛ فقد أورده الذهبي في "الميزان " برواية جمع عنه غير الطبراني، منهم أبو سعيد بن الأعرابي، وقال: "ما رأيت للمتقدمين فيه جرحاً، وما هو بمعتمد عليه ". وقد رد عليه الحافظ في"اللسان "بما خلاصته؛ أنه روى عنه جماعة بلغ عددهم عنده أربعة عشر نفساً، فليس بمجهول، مع أنه نقل عن أبي منصور الباوردي أنه قال: "عبيد الله وزياد مجهولان ". وعن علي بن السكن: "إسناده مجهول ". ثم قال الحافظ:

стр. 5571

"فالحديث حسن الإسناد؛ لأن راوييه مستوران لم يتحقق أهليتهما، ولم يُجرحا، ولحديثهما شاهد قوي ". وقال في "العُشاريِّات " (الحديث الأول) منه (ق ٣/ ب) : "ورواه الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه "الأحاديث المختارة مما ليس في واحد من الصحيحين " من وجهين إلى الطبراني "، وقال بعده: "زهير لم يذكره البخاري ولا ابن أبي حاتم في كتابيهما، ولا زياد بن طارق، وقد روى محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحو هذه القصة والشعر. وساقه من طريقه الطبرانيُّ بتمامه. قلت: ولا أعلم للحافظ ضياء الدين في تصحيحه سلفاً؛ لكن رواته لم يجرحوا، وقد صرح كل منهم بالسماع من شيخه، فهو فرد غريب، لا وجه لتضعيفه "! وأقول: أما من جهة ابن رُماحس، فنعم؛ لا وجه لتضعيفه. وأما بالنسبة لزياد بن طارق؛ فالوجه تضعيفه به؛ لأنه مجهول؛ كما تقدم نقله من الحافظ عن الباوردي أنه مجهول، وأقره عليه، وكذلك صنع في ترجمته من "اللسان "، كما أقر الذهبي على قوله فيه: "نكرة لا يعرف ". فأنى لإسناد حديثه الحسن؟! لا سيما وقد أعله الذهبي بعلة قادحة كما بدا له؛ لكن الحافظ قد رد ذلك عليه وأصاب، فالعلة جهالة زياد. نعم؛ يمكن أن يقال: إنه حسن لغيره، للشاهد الذي أشار إليه الضياء المقدسي من رواية ابن إسحاق عند الطبراني، فقد أخرجه- عقب حديث الترجمة

стр. 5572

مباشرة (٥٣٠٤) - من طريق محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. أن وفد هوازن لما أتوا رسول الله ﷺ بالجِعرانة وقد أسلموا قالوا: إنا أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فامنن علينا منَّ الله عليك، وقام رجل من هوازن- ثم أحد بني سعد بن بكر- يقال له: زهير، يكنى بأبي صرد، فقال: ... فذكره بنقص البيتين الأخيرين، والقصة أتم. وهذا إسناد حسن؛ لولا عنعنة ابن إسحاق، لكنه قد صرح بالتحديث في كتابه "السيرة" التي اختصرها ابن هشام من رواية زياد بن عبد الله البكَّائي عن ابن إسحاق قال: فحدثني عمرو بن شعيب به. (ج ٣ ص ٤٨٨- ٠ ٤٩) . فهذا شاهد قوي لحديث الترجمة؛ كما قال الحافظ في "اللسان ". * ٣٢٥٣ - (أنت مع من أحببت، ولك ما احتسبتَ) . رواه عبد الرزاق في "المصنف " (١١/ ٢٠٠/٢٠٣١٩) ، وعنه البيهقي في "الشعب " (٦/٤٨٩/٩٠١١) : أخبرنا معمر عن الأشعث بن عبد الله عن أنس بن مالك قال: مرَّ رجل بالنبي- ﷺ وعنده ناس، فقال رجل ممن عنده: إني لأحب هذا لله. فقال النبي ﷺ : "أَعْلَمْتُهُ؟ ". قال: لا. قال: "فقم إليه فأعلِمه ". فقام إليه فأعلمه، فقال:

стр. 5573

أحبك الذي أحببتني له. قال: ثم رجع إلى النبي- ﷺ -فأخبره بما قال، فقال النبي ﷺ : ... فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح؛ إن كان الأشعث- وهو الحُدَّاني- سمعه من أنس، فقد قال ابن حبان في "الثقات ": "ما أراه سمع من أنس ". ولعل السبب في ذلك أن حفص بن غياث رواه عنه عن الحسن عن أنس به مختصراً بلفظ: "المرء مع من أحب، وله ما اكتسب ". رواه الترمذي (٢٣٨٦) ، وقال: "حديث حسن غريب من هذا الوجه ". قلت: لكن فيه أبو هشام الرفاعي- واسمه محمد بن يزيد-، قال الحافظ: "ليس بالقوي ". قلت: فلا يحتج به، وقد خالف في إسناده ومتنه: أما السند؛ فهو أنه أدخل بين الأشعث وأنس: الحسن، وهو البصري. وأما المتن؛ فهو قوله: "وله ما اكتسب "! والصحيح: "ولك ما احتسبت "؛ كما في حديث الترجمة. نعم؛ للحديث أصل عن الحسن؛ فقد قال المبارك بن فضالة: ثنا الحسن: أخبرني أنس بن مالك قال: كنت عند رسول الله ﷺ في بيته، فجاء رجل فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: "أما إنها قائمة، فما أعددت لها؟ "، قال: والله يا رسول الله!

стр. 5574

ما أعددت لها من كثير عمل؛ غير أني أحب الله ورسوله. قال: "فإنك مع من أحببت، ولك ما احتسبت ... ". أخرجه أحمد (٣/٢٢٦و٢٨٣) وأبو يعلى (٥/ ١٤٤/٢٧٥٨) ومن طريقه: ابن حبان (١/٣٨٧/٥٦٥) . قلت: وهذا إسناد جيد قد صرح فيه المبارك والحسن بالتحديث، وهو شاهد قوي للفظ حديث الترجمة. والله أعلم. وللمبارك إسناد آخر؛ فقد قالت: حدثنا ثابت البناني عن أنس أن رجلاً كان عند النبي ﷺ : ... الحديث إلى قوله: "أحبك الذي أحببتني له ". أخرجه أبو داود (٥١٢٥) والحاكم (٤/ ١٧١) - وصححه-، وأحمد (٣/ ١٥٠) . وتابعه الحسين بن واقد: حدثني ثابت به. أخرجه ابن حبان (٥٧٠) ، وأحمد (٣/ ١٤٠- ١٤١) . وتابعه عبد الله بن الزبير الباهلي: حدثنا ثابت به. أخرجه أبو يعلى (٦/١٦٢/٣٤٤٢) ، ومن طريقه: ابن عدي في "الكامل " (٤/١٧٥) ، وعلي بن الجعد " كما تقدم برقم (٤١٨) . والحديث في "الصحيحين " وغيرهما من حديث أنس وابن مسعود مثل حديث المبارك عن الحسن عن أنس؛ لكن بلفظ: "المرء مع من أحب ". وهومخرج في"الروض النضير"وغيره؛ فانظر"صحيح الجامع الصغير" (٦٥٦٥) . والداعي إلى تخريج حديث عبد الرزاق: هنا إنما هو أنني لما خرجت "المشكاة"

стр. 5575

قديماً؛ رأيت المؤلف قد عزاه (٥٠١٧) للبيهقي في "شعب الإيمان "، ولم يتيسر لي يومئذ الوقوف على إسناده ولو عند غيره، فبيضت له وعزوته لأبي داود فقط، والآن وقفت على إسناده عند عبد الرزاق؛ فخرجته. ثم وجدت لحديث ثابت عن أنس شاهداً من حديث ابن عمر قال: بينا أنا جالس عند النبي: ﷺ -إذ أتاه رجل فسلم عليه، ثم ولى عنه، فقلت: يا رسول الله! إني لأحب هذا لله، قال: "فهل أعلمته ذاك؟ ". قلت: لا. قال: "فأعلم ذاك أخاك ". قال: فاتبعته فأدركته، فأخذت بمنكبه، فسلمت عليه، وقلت: والله! إني لأحبك لله. قال هو: والله إني لأحبك لله. قلت: لولا أن النبي ﷺ -أمرني أن أعلمك لم أفعل. أخرجه ابن حبان (١/٣٨٨/٥٦٨) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/٣٦٦/ ١٣٣٦١) من طريق الأزرق بن علي أبي الجهم قال: حدثنا حسان بن إبراهيم قال: حدثنا زهير بن محمد عن عبيد الله بن عمر وموسى بن عقبة عن نافع قال: سمعت ابن عمر يقول: ... فذكره. قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات، وفي حسان- وهو الكرماني- وزهير ابن محمد كلام لا يضر هنا. وقال الهيثمي (١٠/٢٨٢) : " رواه الطبراني في " الكبير" و"الأ وسط "، ورجالهما رجال " الصحيح "، غير الأزرق بن علي وحسان بن إبراهيم، وكلاهما ثقة".

стр. 5576

(فائدة) : زاد أبو يعلى- بعد قوله: "ولك ما احتسبت "-: ثم قال: "تسألوني عن الساعة؟ والذي نفسي بيده! ما على الأرض نفس منفوسة اليوم تأتي عليها مئة سنة". قال: فصلى رسول الله ﷺ ، ثم قال: "أين السائل عن الساعة؟ ". فجيء بالرجل تُرعد فرائصه، فنظر رسول الله ﷺ إلى غلامٍ من دوسٍ يقال له: سعد، فقال: "إن يعش هذا لا يهرم حتى تقوم الساعة". قال أنس: وأنا يومئذٍ قدر الغلام. وعند أحمد قضية الصلاة وقوله: "أين السائل ... " إلخ. وأخرجها ابن حبان في "صحيحه " (١/٣٨٧/٥٦٥ و ٤/ ٢٨٠/٢٩٧٩) مفرقاً في موضعين من طريق أبي يعلى. وأخرجها مسلم (٨/٢٠٩) ، وابن حبان (١/٣٨٧/٥٦٦) ، وأحمد (٣/٤٢٨) ، وأبو يعلى (٣٢٧٧) من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس. والجملة الأخيرة- جملة الهرم- أخرجها البخاري (٦١٦٧) ، ومسلم أيضاً، وأحمد (٣/١٩٢) من طريق قتادة عن أنس. ثم رواه مسلم من طريقين آخرين عن أنس. ثم وجدت لهذه الجملة الأخيرة طريقاً أخرى يرويها قيس بن وهب الهَمداني عنه، وفيه قصة السؤال عن الساعة وقوله:

стр. 5577

"أين السائل عن الساعة؟ ". وقوله: ومر سعد فقال رسول الله ﷺ : "إن هذا عُمِّر حتى يأكل عمره؛ لم يبق منكم عين تطرف ". أخرجه أبو يعلى (٧/١٠٤/٤٠٤٩) بسند ضعيف. وعنده طريق أخرى (٧/٢٣/ ٣٩٢٠) ، وسنده حسن. ثم وجدت للمبارك بن فضالة متابعاً، وهو عمران القطان: ثنا الحسن عن أنس ... مثل رواية المبارك عند أبي يعلى. أخرجه أحمد (٣/٢١٣) . * ٣٢٥٤ - (تكون فتنةٌ؛ النائم فيها خيرٌ من المضطجع، والمضطجعُ فيها خيرٌ من القاعد، والقاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الراكبِ، والراكبُ خيرٌ من المُجري، قتلاها كلُّها في النّارِ. قال: قلتُ: يا رسول الله! ومتى ذلك؟ قال: ذلك أيام الهرجِ. قلتُ: ومتى أيامُ الهرجِ؟ قال: حين لا يأمن الرجل جليسَهُ. قال: فبِمَ تأمُرني إن أدركتُ ذلك الزّمان؟ قال: اكفُف نفسك ويدك، وادخل دارك. قال: قلتُ: يا رسول الله! أرأيت إن دخل عليَّ داري؟ قال: فادخل بيتك. قال: قلتُ: يا رسول الله! أرأيت إن دخل عليَّ بيتي؟ قال: فادخل مسجدك، واصنع هكذا- وقبض بيمينهِ على الكوع- وقل: ربِّي الله؛ حتّى تموت على ذلك) . رواه عبد الرزاق في "المصنف " (١ ١/ ٣٥٠/٢٠٧٢٧) ، ومن طريقه: أحمد

стр. 5578

(١/٤٨٨) ، والحاكم (٤/٤٢٦- ٤٢٧) عن معمر عن إسحاق بن راشد عن عمرو ابن وابصة الأسدي عن أبيه قال: إني لَبِالكوفة في داري؛ إذ سمعت على باب الدار: السلام عليكم، أألجُ؟ قلت: وعليك السلام؛ فََلج. فلما دخل إذا هو عبد الله بن مسعود. قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن! أية ساعة زيارة هذه؟ وذلك في نحر الظهيرة، قال: طال علي النهار فتذكرت من أتحدث إليه، قال: فجعل يحدث عن رسول الله ﷺ وأحدثه. قال: ثم أنشأ يحدثني فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. وتابعه عبد الله بن المبارك: أنا معمر به. أخرجه أحمد (١/٤٤٩) . وقال الهيثمي (٧/٢٠٣) : "رواه أحمد بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات ". قلت: يعني بالأ ول: روايته من طريق عبد الرزاق، وبالآخر: روايته من طريق ابن المبارك، ولا فرق بينهما في الحقيقة؛ لولا أنه في الرواية الأولى لم يقع له تسمية إسحاق بن راشد، بل قال فيها: (عن رجل) وهو إسحاق كما في رواية " المصنف " و" المستدرك "، ورواية " المسند " الأخرى. ولم يتنبه لها الشيخ الأعظمي في تعليقه على "المصنف "! فلم يعز لأحمد إلا الرواية الأولى! هذا؛ وقد أدخل بعض الرواة بين إسحاق وعمرو: رجلاً لا يعرف، وهي رواية شاذة بل منكرة، وبيان ذلك إن شاء الله تعالى في أول "كتاب الفتن " من "صحيح سن أبي داود". *

стр. 5579

٣٢٥٥ - (إنَّما يهدِي إلى أحسنِ الأخلاق: اللهُ، وإنّما يصرفُ مِن أسوَئها هُو) . رواه عبد الرزاق في "المصنف " (١١/١٤٦/٢٠١٥٦) عن طاوس قال: قال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: ... فذكره. قلت: إسناده صحيح مرسلاً، وقد وصله الطبراني في "المعجم الكبير" (١١/١٧/١٠٨٩٦) من طريق شاهين بن حيَّان: ثنا حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال في خطبته ... فذكره. وشاهين هذا؛ قال أبو حاتم: "ضعيف الحديث ". وذكره ابن حبان في "الثقات ". ...لكن للحديث شاهد قوي من حديث علي- ﵁ في استفتاحه ﷺ الصلاة، وفيه قوله: "اللهم! اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت ". أخرجه أحمد (١/١٠٢) ، ومسلم، وأبو عوانة في "صحيحيهما"، والترمذي- وصححه- وغيرهم، وهو مخرج في "صحيح سنن أبي داود" (رقم ٧٣٨) . وله شاهد من حديث جابر بلفظ: "اللهم! اهدني لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق؛ لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأعمال وسيئ الأخلاق؛ لا يقي سيئها إلا أنت ". رواه النسائي وغيره بسند صحيح، وهو مخرج في المصدر السابق برقم (٧٣٩) .

стр. 5580

(تنبيه) : إنما حملني على هذا التخريج: أنني رأيت الشيخ الأعظمي في تعليقه على"المصنف"لم يزد في تخريج الحديث على عزوه للطبراني! هذا من جهة، ومن جهة أخرى: رأيت صاحبنا عبد المجيد السلفي في تعليقه على "الطبراني " أعل الحديث بشاهين المذكور، ولما كان ذلك يشعر القراء بضعفه؛ رأيت من الواجب بيان صحته بالشاهدين المذكورين من حديث علي وجابر. والله سبحانه هو الموفق. * ٣٢٥٦ - (قدِ اختلفتُم وأنا بين أظهُركم، وأنتُم بعدِي أشدُ اختلافاً) . أخرجه عبد الرزاق في"المصنف " (١١ /٣٨٩/٢٠٨١٨) ، ومن طريقه: الطبراني في "المعجم الكبير" (٣/١٤٦) عن معمر عن الزهري عن سنان بن أبي سنان أنه سمع حسين بن علي يحدث: أن النبي ﷺ -خبأ لابن صياد (دخاناً) ، فسأله عما خبأ له؟ فقال: دخ. فقال: "اخسأ؟ فلن تعدو قدرك ". فلما ولى قال النبي ﷺ : "ماقال؟ ". فقال بعضهم: دخ. وقال بعضهم: بل قال: زخ (١) . فقال النبي ﷺ : ... فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح.

стр. 5581

ثم رواه الطبراني (٢٩٠٩) من طريق عبد الله بن صالح: حدثني الليث: حدثني عُقيل [عن] ابن شهاب به. وقال الهيثمي (٨/٥) : "رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح". وكأنه يعني الأول، والثاني كذلك عندي لولا أن عبد الله بن صالح فيه ضعف من قبل حفظه، ولكنه ممن يستشهد به، فيزداد الحديث به قوة على قوة. واعلم أن أحاديث ابن صياد وسؤال النبي ﷺ إياه عن (الدخان) وعجزه عن الجواب كثيرة، وبعضها في "الصحيح " و"السنن "، فانظر: "المشكاة" (٥٤٩٤) ، و"صحيح سنن أبي داود" (الملاحم) ، وليس هذا فيها، وإنما خرجته هنا لأمرين: الأول: لما فيه من الزيادة عليها من سؤاله ﷺ أصحابه عما قال ابن صياد، ورده ﷺ عليهم بقوله: "قد اختلفتم ... ". والآخر: أنني أردت أن أذكر به أولئك الغافلين الذين ينسبون إلى الدين ما ليس منه، فيقولون: إن النبي ﷺ قال: "اختلاف أمتي رحمة " أو: "اختلاف أصحابي لكم رحمة"، وغير ذلك مما بينت وضعه في محله، ولهذا فهم يقرون الاختلاف الشديد بين المذاهب ويتخذونه ديناً، خلافاً للكتاب والسنة كما بينه العلماء- رحمهم الله تعالى-، ويغلو بعض أولئك فيزعم أن لكل قول من تلك الأقوال المتناقضة دليلاً من السنة؛ كخروج الدم مثلاً، فيتخيلون أن النبي ﷺ سئل مرة عنه، فأجاب بأنه ينقض الوضوء، وسئل مرة أخرى فأجاب بأنه لا ينقض! ونحو ذلك من التخيلات التي لا أصل لها في السنة، وينشدون بهذه المناسبة قول (بُوصيريِّهم) في مدح النبي ﷺ : وكُلُّهمِ مِن رسُولِ اللهِ مُلتمِس...................

стр. 5582

وغير ذلك من الأقوال التي لم يقلها عالم من قبل. فلعل في أولئك الغافلين من يتنبه من غفلته، ويعود إلى رشده حين يرون النبي ﷺ -لا يرضى من الصحابة- ﵃ اختلافهم في تحديد ما قاال ابن صياد؛ هل هو (الدُّخ) أو (الزخ) ؟ مع أن مثل هذا الاختلاف ليس له علاقة بالدين مطلقاً كما هو ظاهر، لعلهم حين يتنبهون لهذا يتبين لهم أنه ﷺ لا يرضى منهم الاختلاف في الدين ولا يقره من باب أولى. فالحق أن الخلاف- وهو الذي يسميه ابن تيمية- ﵀ اختلاف تضاد- إنما هو نقمة وليس برحمة. وحسب المسلم البصير في دينه أن يعتذر عن المختلفين بعذر معقول، ويعتقد بأنهم جميعاً مأجورون على التفصيل الوارد في الحديث. أما أن يقر الاختلاف نفسه ويدافع عنه، بدعوى الدفاع عن الأئمة، كما يعلن ذلك بعضهم في بعض الإذاعات الإسلامية، فذلك من التدليس على الناس، والخلط بين الحق والباطل. نسأل الله السلامة في ديننا وعقولنا. ٣٢٥٧ - (لا يدخلُ الجنة من كان في قلبهِ مثقالُ حبّةٍ من خردلٍ من كِبرٍ) . أخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" (ص ١٨٢) ، والأصبهاني في " الترغيب " (٦٥/ ١- ٢) (١/ ٢٧٠/ ٠ ٠ ٦ ط) - والزيادة له-، وكذا الطبراني في "الكبير" (١٣ /١٤٧/٣٦٣) عن [إسماعيل بن] سنان- يعني: العُصفُرِيَّ-، والحاكم (٣/٤١٦) ، والخرائطي في "المساوئ " (٢٦٥) عن سالم بن إبراهيم صاحب المصاحف، والأصبهاني أيضاً (٢٤٥/١) (٢/٩٥٦/٢٣٣١ ط) عن عمر بن

стр. 5583

يونس اليمامي- ثلاثتهم- عن عكرمة بن عمار عن القاسم بن محمد قال: زعم عبد الله بن حنظلة: أن عبد الله بن سلام مر في السوق، وعليه حزمة من حطب، فقيل له: أليس الله قد أغناك عن هذا؟ قال: بلى، ولكن أردت أن أدفع به الكبر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه في ذكر عبد الله بن سلام ". فتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: سالم واهٍ". قلت: قد تابعه من تقدم قرنه به. واسماعيل بن سنان العصفري ما بحديثه بأس، كما قال أبو حاتم (٢/١٧٦/٥٩٢) . وعمر- وفي الأصل: عثمان، وهو خطأ من الناسخ- ابن يونس اليمامي ثقة من رجال الشيخين. والراوي عنه سليمان بن داود: هو ابن محمد بن شعبة بن يزيد بن النجار اليمامي، أثنى عليه ابن معين خيراً، وقال: "قلَّ من رأيت أفهم بحديث اليمامة منه ". وقال أبو حاتم (٤/١١٤/٤٩٥) : " صد وق ". قلت: فإسناد الأصبهاني جيد، وهو من فوائد كتابه العزيزة. والحديث قال المنذري (٤/١٨) : "رواه الطبراني بإسناد حسن، والأصبهاني؛ إلا أنه قال: مثقال ذرة من كبر".

стр. 5584

قلت: الذي في نسختنا من "الأصبهاني " هو باللفظ المذكور أعلاه، ولفظ الطبراني عند المنذري: "من في قلبه خردلة من كبر". وكذلك ذكره الهيثمي (١/٩٩) ، وحسن إسناده أيضاً. والحديث صحيح، له شواهد كثيرة، بعضها في "صحيح مسلم " عن ابن مسعود، وإنما آثرت هذا بالذكر؛ لقصة عبد الله بن سلام-﵁. * من تربية نبينا وأخلاق سلفنا ٣٢٥٨ - (أجل، فلا ترُدَّ عليهِ، ولكن قل: غفر اللهُ لك يا أبا بكرٍ! غفر الله لك يا أبا بكرٍ!) . أخرجه أحمد (٤/٥٨- ٥٩) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٥٧٧ ٤) من طرق عن مبارك بن فضالة: ثنا أبو عمران الجوِني عن ربيعة الأسلمي قال: كنت أخدم رسوله الله ﷺ ، فأعطاني أرضاً، وأعطى أبا بكر أرضاً، وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة، فقالت أبو بكر: هي في حد أرضي! وقلت أنا: هي في حدي! وكان بيني وبين أبي بكر كلام، فقال لي أبو بكر كلمة كرهتها وندم، فقال لي: يا ربيعة! رُدَّ علي مثلها حتى يكون قصاصاً. قلت: لا أفعل. فقال أبو بكر: لتقولن أو لأستعدين عليك رسوله الله ﷺ . قلت: ما أنا بفاعل. قال: ورفض الأرض. فانطلق أبو بكر- ﵁ إلى النبي ﷺ ، فانطلقت أتلوه، فجاء أناس من أسلم فقالوا: رحم الله أبا بكر! في أي شيء يستعدي عليك رسول الله، وهو الذي قال لك ما قال؟! فقلت: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق،

стр. 5585

وهو (ثاني اثنين) ، وهو ذو شيبة المسلمين، فإيَّاكم يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله ﷺ فيغضب لغضبه، فيغضب اللهُ لغضبهما، فيهلك ربيعة. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ارجعوا. فانطلق أبو بكر- ﵁ إلى رسول الله ﷺ ، وتبعته وحدي، وجعلت أتلوه، حتى أتى النبي ﷺ فحدثه الحديث كما كان. فرفع إلي رأسه فقال: "يا ربيعة! ما لك وللصديق؟ "، قلت: يا رسول الله كان كذا وكان كذا؛ فقال لي كلمة كرهتها؛ فقال لي: قل كما قلتُ لك حتى يكون قصاصاً. فقال رسول الله ﷺ : ... (فذكره) قال: فولى أبو بكر ﵀ وهو يبكي. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وإنما يخشى من عنعنة ابن فضالة، وقد صرح بالتحديث، ولذلك وثقه جماعة، وقال أبو زرعة: "إذا قال: (ثنا) فهو ثقة". * ٣٢٥٩ - (لا تحرِّم الإملاجةُ والإِِملاجتانِ) . أخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده " (٤/١٣/٢) ، ومن طريقه وطريق غيره: مسلم في "صحيحه " (٤/١٦٦ - ١٦٧) عن المعتمر بن سليمان عن أيوب يحدث عن أبي الخليل عن عبد الله بن الحارث عن أم الفضل قالت: دخل أعرابي على نبي الله ﷺ وهو في بيتي، فقال: يا نبي الله! إني كانت لي امرأة؛ فتزوجت عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحُدثى رضعة أو رضعتين، فقال نبي الله ﷺ : ... فذكره. (قال ابن الأثير) :

стр. 5586

"الملج: المصُّ، ملج الصبي أمه يملُجها ملجاً، وملِجَها يملَجها: إذا رضعها. وا لملجة: المرة. والإملاجة: المرة أيضاً، من أملجته أمه؛ أي: أرضعته، يعني: أن المصة والمصتين لا تحرمان ما يحرمه الرضاع الكامل ". قلت: والحديث من الأدلة الكثيرة على أن الرضاع القليل لا يحرم، وهي- لصحتها- صالحة لتقييد قوله تعالى: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) [النساء: ٢٣] ، فكما أن الآية مقيدة بالسنة في أنه لا رضاع إلا في حولين، فكذلك هي مقيدة بهذا الحديث وغيره، فلا يغرنك ما صرح به الحنفية- وبخاصة منهم أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن " (٢/١٢٤) -: "ولا يجوز قبول أخبار الآحاد عندنا في تخصيص حكم الآية الموجبة للتحريم بقليل الرضاع ... "! فإنهم لا يلتزمون هذا في كثير من فروعهم، وهو الحق؛ فإنهم مثلاً يحرمون الفضة والذهب والحرير على الرجال، مع مخالفة ذلك لعموم قوله تعالى: (قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) [الأعراف: ٣٢] والأمثلة في ذلك كثيرة لا مجال للخوض فيها الآن، والُحرُّ تكفيه الإشارة. * من بطولات الصحابيات ٣٢٦٠ - (يا أمّ سُليمٍ! إنّ الله قد كفانا وأحسن) . أخرجه أحمد (٣/٢٨٦) ، وإسحاق بن راهويه في "مسنده " (٤/١٥ / ١) قالا: ثنا عفان: ثنا حماد قال: أنا ثابت عن أنس:

стр. 5587

أن أم سُليم كانت مع أبي طلحة يوم حُنين، فإذا مع أم سليم خنجر، فقال أبو طلحة: ما هذا معك يا أم سليم؟! فقالت: اتخذته؛ إن دنا مني أحد من الكفار أبعجُ به بطنه. فقال أبو طلحة: يا نبي الله! ألا تسمع ما تقول أم سليم؟! تقول كذا وكذا! فقالت: يا رسول الله! أقتُلُ من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك يا رسول الله! فقال: ... فذ كره. قلت: هذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه هو (٥/١٩٦) وأحمد (٣/ ١٩٠) من طرق أخرى عن حماد به. ورواه أحمد (٣/١٠٨- ١٠٩) من طريق حميد عن أنس به نحوه. ورواه (٣/٢٧٩) من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس. واسناده ثلاثي؛ لكن بين حميد وأنس ثابت كما ذكروا. والله أعلم. * ٣٢٦١ - (إنّ إبليس! يضعُ عرشهُ على الماءِ (وفي طريق: البحر) ، ثم يبعثُ سراياهُ؛ فأدناهُم منه منزلةُ أعظمُهم فتنةً، يجيءُ أحدُهم فيقولُ: فعلتُ كذا وكذا، فيقولُ: ما صنعتَ شيئاً، ثمَّ يجيءُ أحدُهم فيقولُ: ما تركتُه حتى فرّقتُ بينهُ وبين امرأتهِ، فيُدنِيه منه ويقولُ: نِعم أنت! قال الأعمش: أراه قال: فيلتزِمُه) . جاء من حديث جابر بن عبد الله- ﵁ من طرق: الأولى: الأعمش عن أبي سفيان عنه. أخرجه مسلم (٨/١٣٨) ، وأحمد (٣/٣١٤) ، وعبد بن حميد في "المنتخب " (٣/٢٠/١٠٣١) من طريق أبي معاوية: ثنا الأعمش به.

стр. 5588

ثم بدا لي إشكال على متن الحديث، وهو أن فيه اختصاراً مخلاً بينته في " الضعيفة " (٦١٠٢) ؛ فراجعه. وتابعه جريرعن الأعمش به مختصراً بلفظ: "إن عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه، فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة". أخرجه مسلم. الثانية: أبو الزبير عن جابر به مختصراً مثل رواية جرير. أخرجه مسلم (٨/١٣٩) ، وأحمد (٣/٣٣٢ و ٣٦٦ و ٣٨٤) ، وصرح أبو الزبير بالتحديث في رواية لأحمد. الثالثة: وهب بن مُنبِّه قال: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره أخرجه ابن حبان في "صحيحه " (رقم ٦١٥٤- الإحسان) . قلت: وإسناده صحيح. الرابعة: ماعز التميمي عن جابر مرفوعاً. أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٤) . قلت: ورجاله ثقات؛ غير ماعز هذا، قال الحافظ في "التعجيل ": "غير معروف، وهو غير ماعز بن عبد الرحمن العامري الذي في (ثقات التابعين) لابن حبان ".

стр. 5589

الخامسة: عن مصعب بن المقدام قال: نا سعيد بن بَشير عن قتادة عن سليمان ابن يسار عنه. أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط " (١/٢٤٨/ ١/٤٢٨٥/٢) (٥/٧٨/ ٤١٣٩- ط) ، وقال: "لم يروه عن سعيد إلا مصعب ". قلت: وكلاهما ضعيف. وللحديث شاهد من حديث أبي موسى الأشعري، تقدم برقم (١٢٨٠) . (تنبيه) : مع كثرة طرق هذا الحديث في "صحيح مسلم " وغيره؛ لم يعزه المعلق على " الإحسان " (١٤/٦٦- ٦٧) إلا إلى "أوسط الطبراني "! وبواسطة "مجمع الزوائد" (٧/٢٨٩) ! * ٣٢٦٢ - (إنَّ الرَوحَ لتلقى الروحَ (وفي رواية: اجلس واسجد واصنع كما رأيتَ) . قاله لخُزيمة بن ثابت) . أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (٤/٣٨٤/ ٧٦٣١) ، وابن أبي شيبة في "المصنف " (١١ /٧٨/١٠٥٦٤) ، وأحمد (٥/٢١٤و٢١٥) ، وابن سعد (٤/ ٣٨٠- ٣٨١) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٤/٩٧/٣٧١٧) من طريق حماد بن سلمة: نا أبو جعفر الخَطمِيُّ عن عُمارة بن خزيمة بن ثابت: أن أباه قال: رأيت في المنام كأني أسجد على جبهة رسول الله ﷺ ، فأخبرت بذلك رسول الله ﷺ ، فقال ... فذكره، وأقنع رسول الله ﷺ هكذا-[قال عفان برأسه إلى خلف]- فوضع جبهته على جبهة النبي ﷺ .

стр. 5590

والسياق لأحمد، وزيادة عفان للنسائي، والرواية الأخرى للطبراني، وإسنادهم صحيح، رجاله كلهم ثقات. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/١٨٢) : "رواه أحمد بأسانيد أحدها هذا، وهو متصل،.. ورواه الطبراني ورجا لهما ثقات ". ولالتقاء الأرواح شاهد من حديث ابن عمرو مرفوعاً؛ مخرج في الكتاب الآخر لزيادة فيه برقم (١٩٤٧) . (تنبيه) : قوله: (لتلقى) هكذا وقعت هذه الكلمة عند النسائي، وكذا في "المصنف "، ووقعت في ابن سعد وأحمد: (لايلقى) بالنفي! وأظنه محرفاً لمنافاته للسياق وللشاهد المذكور. ولما ذكره الهيثمي معزواً لأحمد؛ ذكره على الصواب، وكذلك هو في "كنز العمال " (١٥/٥١٧/٤٢٠١٧) برواية ابن أبي شيبة وأبي نعيم. والله أعلم. وقد جاء الحديث عن خزيمة بلفظ: "صدّّق رؤيا ك "، وهو مخرج في "المشكاة" (٤٦٢٤) . * ٣٢٦٣ - ( [المغضوب عليهم] : اليهودُ، و [الضالِّينَ] : النصارى) . ورد من حديث عدي بن حاتم الطائي، وعمن سمع النبي ﷺ ، وأبي ذر. ١- أما حديث عدي؛ فله عنه طريقان: الأولى: عن سماك بن حرب قال: سمعت عَبَّاد بن حُبيش يحدث عن عدي بن حاتم به. أخرجه الترمذي (٢٩٥٦ و٢٩٥٧) ، وابن حبان (٥ ١٧١ و ٢٢٧٩) وابن جرير

стр. 5591

في "التفسير" (١/ ٦١و٦٤) ، وابن أبي حاتم (١/ ٣١/ رقم ٤٠) ، وأحمد (٤/٣٧٨ - ٣٧٩) ، ومن طريقه: البيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٣٣٩- ٣٤١) ، والطبراني في"المعجم الكبير" (١٧/٩٨- ١٠٠) عنه به. وفيه عند ابن حبان وأحمد وغيرهما قصة إسلام عدي- ﵁، ومنهم الترمذي؛ وقال: "حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب ". قلت: هو ثقة وسط في غير روايته عن عكرمة؛ فإنها مضطربة، وهذه من روايته عن عباد بن حبيش، ولا يعرف إلا به، فهو مجهول، فهو علة هذا الإسناد، وقد جهله ابن القطان، وقال الذهبي: "لا يعرف ". فقول المعلقين على "الموارد" (٥/٣٧٥) : "إسناده حسن من أجل سماك بن حرب، وباقي رجاله ثقات ... ". فليس بحسن؛ لأنه قائم على قاعدة وضعوها لأنفسهم، وهي الاحتجاج بالمجهولين الذين لا يعرفون إلا برواية واحد، ما دام وثقه مثل ابن حبان وغيره من المتساهلين، وعلى تجاهل موقف الحفاظ النقاد تجاه هذا التساهل، فهناك العشرات بل المئات من الرواة الموثَّقين من أولئك المتساهلين، لم يأخذ بتوثيقهم الحفاظ المشار إليهم، وهذا هو المثال بين يديك أيها القارئ الكريم! الثانية: عن محمد بن مصعب عن حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن مُرَيّ بن قَطَريّ عن عدي بن حاتم ... أخرجه الطبري أيضاً.

стр. 5592

قلت: وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد؛ فإن مري بن قطري حاله تقريباً كحال ابن حبيش؛ إلا أنه قد وثقه أيضاً ابن معين، وقال فيه الذهبي: "لا يعرف، تفرد عنه سماك ". ومحمد بن مصعب- وهو القُرقُساني- مختلف فيه، قال الحافظ: "صدوق كثير الغلط ". وتجاهل هذان المشارُ إليهما آنفاً، فوثَّقاه وحسّنا إسناده! الثالثة: قال الطبري: حدثني أحمد بن الوليد الرملي: قال: ثنا عبد الله بن جعفر الرقي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم به. قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أحمد بن الوليد الرملي، وأنا أظن أنه (أحمد بن الوليد بن برد الأنطاكي) ؛وثقه ابن حبان فقال (٨/٣٨) : "يروي عن ابن عيينة وابن أبي فُدَيك، حدثنا عنه الفضل بن محمد العطار بأنطاكية، وهو قديم الموت ". وترجمه ابن أبي حاتم برواية ابن أبي فديك وجمع وقال (٢/١٧٩ /١٧٦) : "سمع منه أبي بأنطاكية". وصحح الإسناد الشيخ أحمد شاكر- ﵀ في تعليقه على "التفسير" (١/١٨٥) ، دون أن يفيدنا شيئاً عن حال الرملي هذا عنده. وكذلك صنع المعلقان المشار إليهما!

стр. 5593

٢- وأما حديث من سمع النبي ﷺ فيرويه مَعمَرٌ عن بُديلٍ العُقيلي: أخبرني عبد الله بن شقيق: أنه أخبره من سمع النبيَّ ﷺ - وهو بوادي القرى- وهو على فرسه، فسأله رجل من (بلقين) فقال: من هؤلاء؟ قال: "هؤلاء [المغضوب عليهم] . وأشار إلى اليهود". قال: فمن هؤلاء؟ قال: " هؤلاء [الضالين] يعني: النصارى ". أخرجه الطبري، وأحمد (٥/٣٢- ٣٣) من طريق عبد الرزاق، وهذا في "تفسيره " (١/٣٧) قال: ثنا معمر به. قلت: وهذا إسناد صحيح كما قال الشيخ أحمد شاكر- ﵀؛ لأن جهالة الصحابي لا تضر. وأقول: لكن قد خولف بديل العقيلي، فأخرجه الطبري عن سعيد الجريري وخالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق: أن رجلاً سأل النبي ﷺ ... فذكر نحوه فأرسلاه، وهذا أصح. ورواية خالد الحذاء: أخرجها البيهقي في "شعب الإيمان " (٤/ ٦١/٤٣٢٩) ؛ لكنه قال: عن عبد الله بن شقيق عن رجل من (بلقين) عن ابن عم له أنه قال: أتيت النبي ﷺ .. فأسنده من جهة، وأدخل بين عبد الله بن شقيق وابن العم رجلاً لم يُسمَّ. لكن في الطريق إليه إبراهيم بن علي- وهو الذهلي-، لم أعرفه. ٣- وأما حديث أبي ذر؛ فذكره السيوطي في"الدر المنثور" (١/١٦) من رواية

стр. 5594

ابن مردويه من طريق عبد الله بن شقيق عنه. وقد حسن إسناده في "الفتح " (٨/١٥٩) ؛ وأنا أخشى أن يكون وجهاً من وجوه الاختلاف الواقع في إسناده عن عبد اللة بن شقيق. والعلم عند الله تعالى. والخلاصة أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح، وقد أشار إلى ذلك الحافظ ابن كثير في "تفسيره"، وصرح بثبوته ابن أبي العز الحنفي في آخر شرحه للعقيدة الطحاوية، وجزم بنسبته إلى النبي ﷺ شيخُ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٣/١٢٧) ، وعقب عليه بقوله: "وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يتبعوه، والنصارى عبدوا الله بغير علم ". بل إنه صرح بصحته في مكان آخر منه (١/٦٤) . والحمد لله رب العالمين. * ٣٢٦٤ - (سبحان اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا الله، واللهُ أكبرُ؛ مِنَ الباقياتِ الصالحاتِ) . أخرجه ابن جرير الطبري في "التفسير" (١٥/١٦٦) قال: وجدت في كتابي: عن الحسن بن الصَّبَّاح البزَّار عن أبي نصر التَّمَّار عن عبد العزيز بن مسلم عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. قلت: وهذا إسناد حسن؛ للخلاف المعروف في محمد بن عجلان، وسائر رجاله ثقات رجال الشيخين، والحسن بن الصباح من شيوخ ابن جرير، كما ذكر الذهبي في ترجمته من "السير" (١٤/٢٦٩) . وقد توبع؛ فقال حفص بن عمر الحوضِي: حدثنا عبد العزيز بن مسلم به مطولاً بلفظ:

стр. 5595

"خذوا جُنَّتكم ". قالوا: يا رسول الله! أمن عدو حضر؟ قال: "لا، ولكن جنتكم من النار؛ قول: سبحان الله ... فذكرهن الأربع؛ فإنهن يأتين يوم القيامة مُجنِّبات ومعقِّبات، وهن الباقيات الصالحات ". أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٤٨٨/٨٤٨) وابن أبي حاتم في "العلل " (٢/ ١٠٠/١٧٩٣) والحاكم (١/٥٤٩) والبيهقي في "شعب الإيمان " (١/٤٢٥/٦٠٦) . وتابعه داود بن بلال السعدي: حدثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي به. أخرجه الطبراني في"الأوسط " (٥/٢٦/٤٠٣٩) و"الدعاء" (٣/ ١٥٦١/١٦٨٢) ، وقال: "لم يروه عن ابن عجلان إلا عبد العزيز، ولا رواه عنه إلا أبو عمر الحوضي وابن بلال ". قلت: وكلاهما ثقة. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم "! ووافقه الذهبي! وأعله أبو حاتم بعلة غريبة، فذكر ابنه عنه أنه قال: "كنا نرى أن هذا غريب، حتى حدثنا أحمد بن يونس عن فُضيل بن عياض عن ابن عجلان عن رجل من أهل الإسكندرية عن النبي ﷺ .. فعلمت أنه قد أفسد على عبد العزيز بن مسلم، وبيَّن عورته، وحديث فضيل أشبه ". وأقول: إن مما لا شك فيه أن فضيلاً أوثق من عبد العزيز- وهو القسملي- وإن

стр. 5596

كانا كلاهما محتجاً به في "الصحيحين "، إلا أنني أرى- والله أعلم- أنه ليس من الضروري تعصيب الوهم بـ (عبد العزيز) ؛ بل (محمد بن عجلان) أولى به؛ لما تقدم من الإشارة إلى الاختلاف فيه، فمن الجائز أنه كان تارة يرسله عن الإسكندراني هذا، وتارة يسنده عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة. وقد روي من طريق أخرى عن أبي هريرة، ولكنها واهية لا يفرح بها؛ لأنها من طريق صلة بن سليمان العطار: حدثنا أشعث عن ابن سيرين عن أبي هريرة به. أخرجه الخطيب في "التاريخ " (٩/٣٣٦) في ترجمة صلة هذا، وقال: "قال أبو حاتم: متروك الحديث، أحاديثه عن أشعث منكرة". وقال الذهبي في "المغني ": "تركوه ". ونحوه ما رواه عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي الدرداء نحوه مختصراً. أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"، قال المنذري (٢/٢٤٨) : " بإسنادين؛ أصلحهما فيه عمر بن راشد، وبقية رواته محتج بهم في "الصحيح "، ولا بأس بهذا الإسناد في المتابعات ". ونحوه في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٩٠) ؛ إلا أنه قال في عمر بن راشد: "وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله رجال الصحيح ". قلت: وقال الذهبي في "المغني ": "ضعفوه"

стр. 5597

ومن طريقه: أخرجه الطبري (١٦/٩١) مطولاً. ووجدت له متابعاً؛ يرويه يوسف بن العَنبَسِ اليماني: ثنا عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً. أخرجه الأصبهاني في "الترغيب " (١/٣١٤/٧١٣) . قلت: وعكرمة بن عمارضعيف في يحيى بن أبي كثير. ويوسف بن العنبس اليماني لم أجد له ترجمة. وروي من حديث ابن مسعود في آخر حديث: "إن الله قسم بينكم أخلاقكم ... " مثل حديث الترجمة، وزاد: "فإنهن مقدمات مجنبات ومعقبات، وهن الباقيات الصالحات ". أخرجه البيهقي في "الشعب " (١/٤٢٦) من طريق الحاكم (١/٣٤) ؛ لكن هذا ليس عنده هذه الزيادة، وفي إسناده من لم أعرفه، وقد سقط من سند البيهقي فليستدرك من "المستدرك "؛ وهو بدونها؛ صحيح الإسناد، تقدم تخريجه برقم (٢٧١٤) . ومن حديث ابن عباس يرويه إسماعيل بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس: حدثني أبي صالح: حدثني أبي: حدثني عليٌّ: حدثني أبي عبد الله بن عباس قال: كنت مع النبي ﷺ ... الحديث نحو حديث أبي الدرداء المطول. أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٢/ ٨٤١) في ترجمة إسماعيل هذا، ولم يذكر في ترجمته ما يدل على حاله في الرواية، ولا وجدت له ذكراً في شيء

стр. 5598

من كتب الرجال، وكذلك أبوه صالح بن علي لم أجده، فهو إسناد مظلم. وأسوأ منه: ما رواه محمد بن إسحاق الأسدي: ثنا الأوزاعي عن عروة بن رُويم اللخمي قال: سمعت أبا أمامة الباهلي مرفوعاً: ... فذكره مثل حديث حفص بن عمر الحوضي. أخرجه الأصبهاني في "الترغيب " (١/٣١٤/٧١٢) . ...قلت: وهذا آفته الأسدي هذا- وهو العكاشي-؛ قال الدارقطني: "يضع الحديث ". والمشهور في هذا الباب: حديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "استكثروا من الباقيات الصالحات ". قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: "الملَّة". قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: "التكبير ... " فذكر الأربع، وزاد: "ولا حول ولا قوة إلا بالله ". أخرجه ابن حبان (٢٣٣٢) والحاكم (١/٥١٢) والبيهقي في "شعب الإيمان " (١/٤٢٥/٦٠٥) والطبري في "التفسير" (١٥/١٦٧) والبغوي في "شرح السنة " (٥/ ٦٤) وأحمد (٣/٧٥) وأبو يعلى (٢/ ٥٢٤) . وقال الحاكم: "هذا أصح إسناد المصريين "!

стр. 5599

كذا قال! ومن الغريب أن الذهبي قال في "تلخيصه ": "صحيح "! وهو ينافي إيراده إياه في "المغني "، وقوله فيه: "قال أحمد وغيره: أحاديثه مناكير، ووثقه ابن معين، وتركه الدارقطني ". قلت: وأحاديثه تشهد لقول أحمد فيه، ومنها حديث: "أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون ". وهو مخرج في "الضعيفة" برقم (٥١٧) . قلت: وهذا الحديث منكر أيضاً؛ لمخالفته لكل أحاديث الباب في قوله: " استكثروا "، وفي زياداته في آخره: "ولا حول.. ". (تنبيه) : وقد شذ ابن حبان عن كل أصحاب المصادر المذكورة، فلم يذكر في الحديث جملة: "الملة ". ثم رأيت في "المسند" (٤/٢٦٧- ٢٦٨) من طريق رجل من الأنصار من آل النعمان بن بشير عن النعمان بن بشير مرفوعاً، بلفظ: "ألا! وإن سبحان الله.. هن الباقيات الصالحات ". ورجاله ثقات؛ غير الرجل الذي لم يسم. وجملة القول؛ أن الحديث صحيح بشواهده، وهو من حيث المعنى أظهر منها؛ لأنه يتفق مع التفسير الصحيح لقوله تعالى: (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً) [الكهف: ٤٦] . فقد ذكر ابن جرير في تفسيرها عدة

стр. 5600

أقوال، اختار منها ما يجمع أعمال الخير كلها، ومنها ما في هذا الحديث من الذكر على روايته هو: "من الباقيات الصالحات ". وأما الرواية الأخرى: "هن الباقيات الصالحات "؛ فإما أنها من باب المبالغة كقوله ﷺ : "الحج عرفة"، وقوله: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده "، ونحوه كثير معروف، أو أنه سقط من الراوي حرف (من) الدال على التبعيض. والله أعلم. ثم وجدت لحديث "خذوا جنتكم ... " طريقاً آخر؛ يرويه منصور بن سلمة المدني: حدثني حكيم بن قيس بن مخرمة الزهري عن أبيه: أنه سمع أبا هريرة- ﵁ يقول: كنا حول النبي ﷺ فقال: ... فذكره. أخرجه الطبراني أيضاً في "الدعاء" (٣/١٥٦٢/١٦٨٤) . وحكيم بن قيس وأبوه لم أجد لهما ترجمة. * ٣٢٦٥ - (رحِمَ اللهُ عبداً كانت لأخيهِ عندَه مظلمَةٌ في عِرضٍ أو مالٍ، فجاءه فاستحلَّه قبل أن يُؤخذَ، وليس ثمَّ دينارٌ ولا درهمٌ، فإن كانت له حسناتٌ؛ أُخذ من حسناتهِ، وإن لم يكن له حسناتٌ؛ حمَلُوا عليه من سيئاتهم) . أخرجه الترمذي (٢/٦٨) ، وابن جرير الطبري (٢/٢٨/٢٧٥) ، وأبو يعلى (٤/ ١٥٤١) من طريق أبي خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني عن زيد بن أبي أُنيسة عن سعيد المقبُري عن أبي هريرة مرفوعاً. وقال الترمذي:

стр. 5601

"حديث حسن صحيح غريب من حديث سعيد المقبري، وقد رواه مالك بن أنس عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه ". قلت: أما هذا اللفظ؛ فهو ضعيف؛ لأن أبا خالد الدالاني يخطئ كثيراً، وكان يدلس كما قال الحافظ في "التقريب "، وهو قد عنعنه كما تراه. وقد خالفه في لفظه جماعة؛ منهم: مالك؛ فرواه- كما تقدم عن الترمذي- عن سعيد المقبري بلفظ: "من كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحلله منها؛ فإنه ليس ثمَّ دينار ولا درهم ... " الحديث؛ ليس فيه: "رحم الله عبداً ". أخرجه البخاري (٤/٢٣٨) وا بن جرير وابن عبد البر (٢٠/٤٢و٢٣/٢٣٣- ٢٣٤) وغيرهم. ثم أخرجه البخاري (٢/٩٩) ، وأحمد (٢/٤٣٥ و ٥٠٦) من طريق ابن أبي ذئب قال: حدثنا سعيد المقبري به. ثم وجدت للدالاني متابعاً قوياً. وشاهداً ضعيفاً: أما المتابع؛ فهو الإمام مالك؛ يرويه محمد بن الحارث الحرَّاني: حدثنا محمد ابن سلمة عن زيد عن مالك عن سعيد به. أخرجه ابن حبان (٧٣١٨- الإحسان) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/٣٤٣) . وقال: "صحيح في "الموطأ"، غريب من حديث زيد عن مالك ". قلت: وإسناده جيد، رجاله رجال مسلم؛ غير محمد بن الحارث الحراني، قال النسائي:

стр. 5602

"صالح يرسل ". وذكره ابن حبان في "الثقات " (٩/١٠٢) ، وقال الحافظ: " صدوق ". وقد توبع الحرَّانيُّ هذا؛ فقال الطبراني في "الأوسط " (١٦٨٣) : حدثنا أحمد (هو النسائي) قال: أنا أبو المعافى محمد بن وهب بن أبي كريمة الحراني قال: نا محمد بن سلمة به. وهذه متابعة قوية. وأما الشاهد؛ فيرويه هاشم بن عيسى اليَزَني قال: ثنا الحارث بن مسلم عن الزهري عن أنس بن مالك مرفوعاً به. أخرجه الطبراني في "الأوسط " (٥١٥٩) وقال: "لم يروه عن الحارث إلا هاشم بن عيسى". قلت: قال العقيلي (٤/٣٤٣) : "منكر الحديث، مجهول بالنقل ". ثم ساق له حديثاً آخر بإسناد آخر في وضع اليد تحت الخد عند النوم؛ زاد فيه: "هذه نومة الأنبياء". ... ونقل ذلك عنه الذهبي في "الميزان "، والحافظ في "اللسان "، وأقرَّاه. ولم يعرفه الهيثمي، فقال في "المجمع " (١٠/٣٥٥) : "رواه الطبراني في "الأوسط "، وفيه هاشم بن عيسى اليزني، ولم أعرفه،

стр. 5603

وبقية رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم "! وحديث الترجمة عزاه الحافظ في "الفتح " (٥/ ١٠١) للترمذي، وسكت عنه مشيراً إلى ثبوته عنده، ولعل ذلك للشاهد الذي ذكرته. والله أعلم. * ٣٢٦٦ - (لا تقومُ الساعةُ حتى يُمطَرَ الناسُ مطراً، لا تُكِنُّ منه بيوتُ المدرِ، ولا تكنُّ منه إلاّ بيوتُ الشَّعرِ) . أخرجه أحمد (٢/٢٦٢) : ثنا أبو كامل وعفان قالا: ثنا حماد عن سهيل- قال عفان في حديثه: أنا سهيل- بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه " (٨/ ٢٧٠/٦٧٣٢- الإحسان) من طريق أبي يعلى قال: حدثنا بسام بن يزيد النَّقَّال قال: حدثنا حماد بن سلمة به. قلت: وبسام النقال؛ هذا ذكره ابن حبان في "الثقات " (٨/١٥٥) ، وقال: "روى عنه أهل العراق ". قلت: منهم الحافظ البغوي وغيره؛ كما في "تاريخ بغداد" (٧/١٢٧) ، وروى عن الأزدي أنه قال: "يتكلم فيه أهل العراق". فقال الذهبي عقبه: "قلت: هو وسط في الرواية".

стр. 5604

وأقره الحافظ في "اللسان ". قلت: فهو حسن الحديث؛ لكنه هنا قد توبع؛ فهو صحيح. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٣١) : "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح ". والحديث عزاه السيوطي في "الجامع الكبير" لأحمد فقط؛ لكن وقع فيه: "المدينة " مكان: "المدر"! وهو خطأ من الناسخ. ثم اعلم أن ظاهره يخالف ما جاء في حديث النواس بن سمعان في قصة يأجوج ومأجوج، وإهلاك الله تعالى إياهم حتى تنتن الأرض من زُهومتهم، وفيه: "ثم يرسل الله عليهم مطراً، لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض، حتى يتركها كالزلقة ". رواه مسلم وغيره، وقد مضى تخريجه برقم (٤٨١ و ١٧٨٠) . فقوله: "ولا وبر" ينافي قوله في حديث الترجمة: "إلا بيت الشعر"! فلعل ذلك يكون في زمنين مختلفين. والله أعلم. ثم إن الحديث من الأحاديث الكثيرة التي هي على شرط كتاب "موارد الظمآن " للحافظ الهيثمي، ولم ترد فيه، وقد استدركتها في كتابيَّ الجديدين: "صحيح موارد الظمآن"و"ضعيف موارد الظمآن"، وهما تحت الطبع، نسأل الله تعالى تيسير الإتمام. * ٣٢٦٧ - (إنَّ من أشدِّ النَّاسِ بلاءً الأنبياء، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونَهم، ثمّ الذين يلونَهم) . أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (٤/٣٥٥/٧٤٩٦ و٣٧٩-٣٨٠) ، والحاكم (٤/٤٠٤) ، وأحمد (٦/٣٦٩) ، ومن طريقه الحافظ المزي في"التهذيب" (٣٤/٥٥) ،

стр. 5605

وابن سعد في"الطبقات " (٣٢٥- ٣٢٦) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٤/٢٤٥/٦٢٩) من طريق شعبة عن حُصين بن عبد الرحمن: سمعت أبا عُبيدة ابن حذيفة يحدث عن عمته فاطمة قالت: أتينا رسول الله ﷺ نعوده في نساء، فإذا سقاء معلق نحوه، يقطر ماؤه عليه (وفي رواية: على فؤاده) من شدة ما يجد من حرَّ الحمّى، قلنا: يا رسول الله! لو دعوت الله فشفاك، فقال رسول ﷺ : ... فذكره. ثم أخرجه الطبراني من طرق أخرى عن حصين به، والرواية الأخرى له في بعضها. قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات معروفون، غير أبي عبيدة هذا، وقد وثقه ابن حبان، وروى عنه جمع من الثقات، وقال الهيثمي عقب الحديث (٢/٢٩٢) : "رواه أحمد والطبراني في "الكبير" بنحوه.. وإسناد أحمد حسن ". وقال الحافظ في ترجمة فاطمة بنت اليمان من "الإصابة": "أخرج حديثها النسائي وابن سعد بسند قوي ". يعني هذا. وفي "الفتح " (١٠/١١١) : "أخرجه النسائي وصححه الحاكم ". وأقره. فأقول: تقدم عزوه مني للحاكم، ولكنه بيض له في الموضع الذي أشرت إليه، فلا أدري إذا كان الحافظ يعنيه، ويكون التصحيح قد سقط من الناسخ، أو يعني مكاناً آخر ٍمنه لم أقف عليه؟
следующие страницы →