"حديث حسن صحيح غريب من حديث سعيد المقبري، وقد رواه مالك بن أنس عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه ".
قلت: أما هذا اللفظ؛ فهو ضعيف؛ لأن أبا خالد الدالاني يخطئ كثيراً، وكان يدلس كما قال الحافظ في "التقريب "، وهو قد عنعنه كما تراه.
وقد خالفه في لفظه جماعة؛ منهم: مالك؛ فرواه- كما تقدم عن الترمذي- عن سعيد المقبري بلفظ:
"من كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحلله منها؛ فإنه ليس ثمَّ دينار ولا درهم ... " الحديث؛ ليس فيه: "رحم الله عبداً ".
أخرجه البخاري (٤/٢٣٨) وا بن جرير وابن عبد البر (٢٠/٤٢و٢٣/٢٣٣- ٢٣٤) وغيرهم.
ثم أخرجه البخاري (٢/٩٩) ، وأحمد (٢/٤٣٥ و ٥٠٦) من طريق ابن أبي ذئب قال: حدثنا سعيد المقبري به.
ثم وجدت للدالاني متابعاً قوياً. وشاهداً ضعيفاً:
أما المتابع؛ فهو الإمام مالك؛ يرويه محمد بن الحارث الحرَّاني: حدثنا محمد
ابن سلمة عن زيد عن مالك عن سعيد به.
أخرجه ابن حبان (٧٣١٨- الإحسان) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/٣٤٣) . وقال: "صحيح في "الموطأ"، غريب من حديث زيد عن مالك ".
قلت: وإسناده جيد، رجاله رجال مسلم؛ غير محمد بن الحارث الحراني، قال النسائي:
стр. 5602
"صالح يرسل ".
وذكره ابن حبان في "الثقات " (٩/١٠٢) ، وقال الحافظ:
" صدوق ".
وقد توبع الحرَّانيُّ هذا؛ فقال الطبراني في "الأوسط " (١٦٨٣) : حدثنا أحمد (هو النسائي) قال: أنا أبو المعافى محمد بن وهب بن أبي كريمة الحراني قال: نا محمد بن سلمة به.
وهذه متابعة قوية.
وأما الشاهد؛ فيرويه هاشم بن عيسى اليَزَني قال: ثنا الحارث بن مسلم عن الزهري عن أنس بن مالك مرفوعاً به.
أخرجه الطبراني في "الأوسط " (٥١٥٩) وقال:
"لم يروه عن الحارث إلا هاشم بن عيسى".
قلت: قال العقيلي (٤/٣٤٣) :
"منكر الحديث، مجهول بالنقل ".
ثم ساق له حديثاً آخر بإسناد آخر في وضع اليد تحت الخد عند النوم؛ زاد فيه:
"هذه نومة الأنبياء". ...
ونقل ذلك عنه الذهبي في "الميزان "، والحافظ في "اللسان "، وأقرَّاه.
ولم يعرفه الهيثمي، فقال في "المجمع " (١٠/٣٥٥) :
"رواه الطبراني في "الأوسط "، وفيه هاشم بن عيسى اليزني، ولم أعرفه،
стр. 5603
وبقية رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم "!
وحديث الترجمة عزاه الحافظ في "الفتح " (٥/ ١٠١) للترمذي، وسكت عنه مشيراً إلى ثبوته عنده، ولعل ذلك للشاهد الذي ذكرته. والله أعلم. *
٣٢٦٦ - (لا تقومُ الساعةُ حتى يُمطَرَ الناسُ مطراً، لا تُكِنُّ منه بيوتُ المدرِ، ولا تكنُّ منه إلاّ بيوتُ الشَّعرِ) .
أخرجه أحمد (٢/٢٦٢) : ثنا أبو كامل وعفان قالا: ثنا حماد عن سهيل- قال عفان في حديثه: أنا سهيل- بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه " (٨/ ٢٧٠/٦٧٣٢- الإحسان) من طريق
أبي يعلى قال: حدثنا بسام بن يزيد النَّقَّال قال: حدثنا حماد بن سلمة به.
قلت: وبسام النقال؛ هذا ذكره ابن حبان في "الثقات " (٨/١٥٥) ، وقال:
"روى عنه أهل العراق ".
قلت: منهم الحافظ البغوي وغيره؛ كما في "تاريخ بغداد" (٧/١٢٧) ، وروى
عن الأزدي أنه قال:
"يتكلم فيه أهل العراق".
فقال الذهبي عقبه:
"قلت: هو وسط في الرواية".
стр. 5604
وأقره الحافظ في "اللسان ".
قلت: فهو حسن الحديث؛ لكنه هنا قد توبع؛ فهو صحيح.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٣١) :
"رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح ".
والحديث عزاه السيوطي في "الجامع الكبير" لأحمد فقط؛ لكن وقع فيه:
"المدينة " مكان: "المدر"! وهو خطأ من الناسخ.
ثم اعلم أن ظاهره يخالف ما جاء في حديث النواس بن سمعان في قصة يأجوج ومأجوج، وإهلاك الله تعالى إياهم حتى تنتن الأرض من زُهومتهم، وفيه: "ثم يرسل الله عليهم مطراً، لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض، حتى يتركها كالزلقة ". رواه مسلم وغيره، وقد مضى تخريجه برقم (٤٨١ و ١٧٨٠) .
فقوله: "ولا وبر" ينافي قوله في حديث الترجمة: "إلا بيت الشعر"! فلعل ذلك يكون في زمنين مختلفين. والله أعلم.
ثم إن الحديث من الأحاديث الكثيرة التي هي على شرط كتاب "موارد الظمآن " للحافظ الهيثمي، ولم ترد فيه، وقد استدركتها في كتابيَّ الجديدين: "صحيح موارد الظمآن"و"ضعيف موارد الظمآن"، وهما تحت الطبع، نسأل الله تعالى تيسير الإتمام. *
٣٢٦٧ - (إنَّ من أشدِّ النَّاسِ بلاءً الأنبياء، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونَهم، ثمّ الذين يلونَهم) .
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (٤/٣٥٥/٧٤٩٦ و٣٧٩-٣٨٠) ، والحاكم (٤/٤٠٤) ، وأحمد (٦/٣٦٩) ، ومن طريقه الحافظ المزي في"التهذيب" (٣٤/٥٥) ،
стр. 5605
وابن سعد في"الطبقات " (٣٢٥- ٣٢٦) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٤/٢٤٥/٦٢٩) من طريق شعبة عن حُصين بن عبد الرحمن: سمعت أبا عُبيدة ابن حذيفة يحدث عن عمته فاطمة قالت:
أتينا رسول الله ﷺ نعوده في نساء، فإذا سقاء معلق نحوه، يقطر ماؤه عليه (وفي رواية: على فؤاده) من شدة ما يجد من حرَّ الحمّى، قلنا: يا رسول الله! لو دعوت الله فشفاك، فقال رسول ﷺ : ... فذكره.
ثم أخرجه الطبراني من طرق أخرى عن حصين به، والرواية الأخرى له في بعضها.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات معروفون، غير أبي عبيدة هذا، وقد وثقه ابن حبان، وروى عنه جمع من الثقات، وقال الهيثمي عقب الحديث (٢/٢٩٢) :
"رواه أحمد والطبراني في "الكبير" بنحوه.. وإسناد أحمد حسن ".
وقال الحافظ في ترجمة فاطمة بنت اليمان من "الإصابة":
"أخرج حديثها النسائي وابن سعد بسند قوي ".
يعني هذا. وفي "الفتح " (١٠/١١١) :
"أخرجه النسائي وصححه الحاكم ". وأقره.
فأقول: تقدم عزوه مني للحاكم، ولكنه بيض له في الموضع الذي أشرت إليه، فلا أدري إذا كان الحافظ يعنيه، ويكون التصحيح قد سقط من الناسخ، أو يعني مكاناً آخر ٍمنه لم أقف عليه؟
стр. 5606
والحديث أورده السيوطي في "الجامع الكبير" من رواية أحمد والطبراني فقط، وسكت عليه كما هي غالب عادته. *
٣٢٦٨ - (صلُّوا عليَّ؛ فإنَّ صلاتكم عليَّ زكاةٌ لكُم، وسلُوا الله لي الوسيلة) .
أخرجه الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي في "فضل الصلاة على النبي ﷺ " (١٨/٤٦) : حدثنا سليمان بن حرب قال: ثنا سعيد بن زيد عن ليث عن كعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير ليث- وهو ابن أبي سليم-، وهو صدوق، لكنه كان اختلط، روى له مسلم مقروناً، قال الذهبي في "الكاشف":
"فيه ضعف يسير من سوء حفظه، كان ذا صلاة وصيام وعلم كثير، وبعضهم احتج به ".
قلت: فمثله يستشهد به، وقد وجدت له شاهداً كما يأتي.
وسعيد بن زيد: هو الأزدي أخو حماد، روى له مسلم؛ لكنهم تكلموا في حفظه، فقال الحافظ:
"صدوق له أوهام ".
قلت: وقد توبع؛ فقال إسماعيل (٤٧) : حدثنا محمد بن أبي بكر: ثنا معتمر عن ليث به.
وقال ابن أبي شيبة في "المصنف " (٢/٥١٧) : حدثنا ابن فُضيلٍ عن ليث به
دون جملة الوسيلة.
стр. 5607
وهذه متابعة قوية؛ ابن فضيل: هو محمد بن فضيل بن غزوان، ثقة محتج به
في "الصحيحين "، فلم يبق في الإسناد من فيه ضعف غير الليث.
لكن يشهد له حديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً بلفظ:
"أيما رجل مسلم لم يكن عنده صدقة؛ فليقل في دعائه: اللهم! صل على محمد عبدك ورسولك، وصل على المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، فإنها زكاة".
صححه ابن حبان (٩١٣- المؤسسة) والحاكم؛ لكن دراج ضعيف في أبي الهيثم، وهو مخرج في "التعليق الرغيب " (٢/ ٢٨١) .
وأما جملة الوسيلة؛ فلها شواهد كثيرة، أصحها حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً:
"إذا سمعتم المؤذن؛ فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة؛ صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة ... " الحديث رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في " الإرواء " (١/ ٢٥٩/ ٢٤٢) . *
إذا أسلم الكافر تولاه المسلمون
٣٢٦٩ - (أقيمُوا اليهوديَّ عن أخيكُم. يعني: ابن اليهوديِّ الذي
أسلمَ) .
أخرجه الإمام أحمد (٥/ ٤١١) : ثنا إسماعيل عن الجُرَيري عن أبي صخر العُقيلي: حدثني رجل من الأعراب قال:
стр. 5608
جلبتُ جلوبة (١) إلى المدينة في حياة رسول الله ﷺ ، فلما فرغت من
بيعتي؛ قلت: لألقينًّ هذا الرجل، فلأسمعن منه. قال: فتلقاني بين أبي بكر
وعمر؛ يمشون، فتبعتهم في أقفائهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشراً التوراة يقرؤها، يعزي بها نفسه على ابن له في الموت؛ كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله ﷺ :
"أنشُدُك بالذي أنزل التوراة! هل تجد في كتابك صفتي ومخرجي؟ ".
فقال برأسه هكذا؛ أي: لا. فقال ابنه: إي والذي أنزل التوراة! إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقال ...
فذكره، ثم ولي كفنه، وحنطه (٢) ، وصلى عليه.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير أبي صخر العقيلي، فذكره ابن حبان
في الصحابة من "الثقات " (٣/٤٥٧) ، وسبقه إلى ذلك البخاري ومسلم؛ فجزموا بصحبته، كما في "الإصابة" و"التعجيل ".
واذا كان كذلك؛ فالسند صحيح؛ لأن جهالة الصحابي لا تضر، ولهذا قال
ابن كثير في تفسير سورة (الأعراف) (٢/ ٢٥١) :
"هذا حديث جيد قوي، له شاهد في "الصحيح " عن أنس ".
قلت: والشاهد الذي أشار إليه شاهد مختصر جدَّاً، فيه أمر النبي ﷺ لابن
стр. 5609
اليهودي بأن يسلم، فأسلم، وقوله ﷺ : "الحمد لله الذي أنقذه من النار".
فلما مات قال:
"صلوا على صاحبكم ".
رواه البخاري وغيره، وهو مخرج في "أحكام الجنائز" (ص ٢١) .
وله شاهد آخر أتم منه يأتي ذكره قريباً إن شاء الله.
وقد ذكر الحافظ اختلافاً على الجريري في إسناده؛ فرواه ابن خزيمة في "صحيحه "، والحسن بن سفيان في "مسنده"من طريق سالم بن نوح عن الجريري عن عبد الله بن شقيق عن أبي صخر- رجل من بني عقيل- وربما قال: عبد الله بن قدامة، قال: قدمت المدينة على عهد رسول الله ﷺ ... الحديث. فأسقط من
الإسناد الأعرابي، وجعله من مسند أبي صخر نفسه، وزاد في الإسناد: (عبد الله ابن شقيق) .
وهكذا رواه أبو أحمد الحاكم في "الكنى" (١/٢٤٢/٢- ٢٤٣) من طريق ابن خزيمة، وأبو نعيم في "المعرفة" (١/ ٢٧١/٢) من طريق الحسن بن سفيان وغيره قالوا: ثنا محمد بن المثنى: ثنا سالم بن نوح به.
قلت: وسالم بن نوح- وإن كان من رجال مسلم-؛ ففيه كلام؛ كما يشعر
بذلك قول الحافظ فيه:
"صدوق له أوهام ".
فمثله إذا خالف إسماعيل- وهو ابن عُليَّة- تكون روايته مرجوحة؛ لأن
стр. 5610
إسماعيل ثقة اتفاقاً، ولا سيما في روايته عن الجريري؛ فقد رمي بشيء من الاختلاط، وإسماعيل روى عنه قبل الاختلاط، فروايته هي الراجحة يقيناً.
ولا يعارض هذا رواية ابن سعد في "الطبقات " (١/١٨٥) من طريق الصلت ابن دينار عن عبد الله بن شقيق عن أبي صخر العقيلي قال: خرجت إلى
المدينة٠٠٠الحديث.
قلت: لا يعارض بهذا الترجيح؛ لأن الصلت هذا ضعيف جداً، متروك.
هذا، ولم يعرف الهيثمي أبا صخر العقيلي، فقال عقب الحديث (٨/٢٣٤) :
"رواه أحمد؛ وأبو صخر لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح "!
وهذا غريب منه؛ فإنه من أعرف الناس بكتاب "ثقات ابن حبان " لكثرة
اعتماده عليه، ونقله عنه أولاً، ولأنه رتبه على الحروف ثانياً، ودمج فيه أسماء الصحابة بأسماء الآخرين، وكذلك فعل في "الكنى"، وقد أورد فيه (أبا صخر) ، وأشار إلى صحبته بكتابة رقم (١) في أول الكنية (٣/١٦٦/٢- المصورة) .
وأما الشاهد؛ فيرويه حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبي عبيدة
ابن عبد الله بن مسعود عن أبيه ابن مسعود قال:
إن الله ابتعث نبيه ﷺ لإدخال رجل إلى الجنة؛ فدخل الكنيسة،
فإذا هو بيهود، وإذا يهودي يقرأ عليهم التوراة، فلما أتوا على صفة النبي ﷺ أمسكوا، وفي ناحيتها رجل مريض، فقال النبي ﷺ :
"ما لكم أمسكتم؟ ".
قال المريض: إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا! ثم جاء المريض يحبو حتى
стр. 5611
أخذ التوراة، فقرأ حتى أتى على صفة النبي ﷺ وأمته، فقال: هذه صفتك وصفة أمتك، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، ثم مات، فقال النبي ﷺ
لأصحابه:
"لُوا أخاكم ".
أخرجه أحمد (١/٤١٦) والطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/ ١٩٠/
١٠٢٩٥) . وقال الهيثمي (٨/ ٢٣١) - بعدما عزاه إليهما-:
"وفيه عطاء بن السائب، وقد اختلط ".
فتعقبه الشيخ أحمد شاكر- ﵀؛ فقال في تعليقه على "المسند"
(٦/٢٣) :
"فترك علَّته؛ الانقطاع، وأعله بما لا يصلح؛ لأن حماد بن سلمة سمع من
عطاء قبل اختلاطه على الراجح "!
قلت: الراجح أنه سمع منه بعد الاختلاط أيضاً؛ كما حرره الحافظ في
"التهذيب "، فما أعله به الهيثمي صحيح. والله أعلم. *
٣٢٧٠ - (أولُ هذا الأ مرِ نبوةٌ ورحمةٌ، ثمَّ يكونُ خلافةٌ ورحمةٌ، ثمّ يكون مُلكاً ورحمةً، ثمّ يتكادمون عليه تكادُم الحُمُرِ، فعليكُم بالجهادِ،
وإن أفضل جهادِكم الرِّباطُ، وإن أفضلَ رباطِكم عسقلانُ) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١/٨٨/١١١٣٨) : حدثنا أحمد بن
النضر العسكري: ثنا سعيد بن حفص النُّفيلي: ثنا موسى بن أعين عن أبي شهاب عن فِطر بن خليفة عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره.
стр. 5612
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات؛ غير سعيد بن حفص النفيلي،
ففيه كلام يسير، وقد وثقه ابن حبان (٨/٢٦٨) ، وأخرج له في "صحيحه "ثلاثة أحاديث، والذهبي، والعسقلاني فقال:
"صدوق تغير في آخر عمره ".
وأبو شهاب: هو موسى بن نافع الخياط، ووقع في الأصل: (ابن شهاب) ! والتصحيح من المخطوطة (٣/ ١١١/ ١) وكتب الرجال.
وللحديث شاهد بنحوه من حديث حذيفة- ﵁، وقد مضى في
أول المجلد الأول برقم (٥) . *
٣٢٧١ - (إن عشتُ- إن شاء اللهُ- زجرتُ أن يُسمَّى: بركة، ونافعاً،
وأفلح، فلا أدري قال: أفلح أولا، فقُبضَ النبي ﷺ ولم يزجُر عن ذلك) . أخرجه ابن حبان في "صحيحه " (٧/٥٣٣- ٥٣٤) من طريق إسماعيل بن
عبد الكريم: حدثني إبراهيم بن عقيل بن مَعقِل عن أبيه عن وهب بن منبِّه: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع النبي ﷺ يقول ... فذكره، وزاد في أخره:
فأراد عمر أن يزجر عن ذلك، ثم تركه.
قلت: وهذا إسناد صحيح متصل، رجاله كلهم ثقات، فيه تصريح وهب بن منبه بسماعه من جابر، وصححه الحافظ المزي في "التهذيب " (٣/ ١٤٠) في حديث آخر. والحديث في "صحيح مسلم " من طريق ابن جريج: أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: ... فذكره نحوه، وقد مضى تخريجه في المجلد الخامس برقم (٢١٤٣) .
стр. 5613
ورواه بعضهم من طريق أخرى عن أبي الزبير به؛ إلا أنه أدخل عمر بن الخطاب
بين جابر والنبي ﷺ ؛ فأعدت إخراجه هنا من هذه الطريق العزيزة الصحيحة؛ كشاهد لرواية مسلم، وأن جابراً سمعه من النبي ﷺ ؛ ليس بينهما أحد.
وأما ما رواه الُمفضَّل بن فضالة عن ابن جريج عن أبي الزبير: أنه سمع جابر
ابن عبد الله يقول:
همّ النبي ﷺ أن يزجر أن يسمى (ميمون) و (بركة) و (أفلح) ، وهذا النحو،
ثم تركه.
أخرجه ابن حبان أيضاً (٥٨١٢) .
ورجاله كلهم ثقات؛ لكن ابن جريج لم يصرح فيه بالتحديث، وزاد في
الأسماء: (ميمون) ، وهي زيادة شاذة، لم ترد في طرق الحديث الأخرى.
ومثلها: ما رواه سعيد بن سالم عن ابن جريج: أخبرني أبو الزبير: أنه سمع
جابر بن عبد الله يقول:
أراد رسول الله ﷺ أن ينهى أن يسمى ب (علاء) و (بركة) و (أفلح) ونحو
ذلك، ثم إنه سكت بعد عنها، فلم يقل شيئاً.
أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار" (٢/٣٠٢) .
وسعيد بن سالم: هو القداح، قال الحافظ في "التقريب ":
"صدوق يهم، ورمي بالإرجاء، وكان فقيهاً ".
قلت: فالظاهر أن ذكره (علاءً) دون سائر الثقات إنما هو من أوهامه؛ ويحتمل
أن يكون هذا الاسم تحرف على بعض النساخ من (يعلى) ؛ فإنه هكذا وقع في
стр. 5614
"صحيح مسلم " (٦/١٧٢) ، و"الأدب المفرد" للبخاري (٨٣٤) من طريقين عن ابن جريج به، ولفظه: ".. ب (يعلى) وب (بركة) ... " الحديث.
ومن الغرائب المؤيدة لقول إمام دار الهجرة: "ما من أحد إلا يؤخذ من قوله ويرد، إلا النبي ﷺ ": إعلال أبي داود لذكر اسم (بركة) في هذا الحديث بما يعود حجة عليه عند التحقيق؛ فإنه قال عقب الحديث- وقد رواه عن شيخه أبي بكر
ابن أبي شيبة (٤٩٦٠) وهذا هو "المصنف " (٨/٦٦٦/٥٩٥٨) - من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر نحوه، وفيه: (وبركة) ، وكذلك أخرجه البخاري في "الأدب " أيضاً (٨٣٣) من طريق أخرى عن الأعمش به- قال أبو داود عقبه مُعِلاً ذ كر (بركة) فيه:
"وروى أبو الزبير عن جابر عن النبي ﷺ نحوه؛ لم يذكر (بركة) "!
فتعقبه الحافظ المنذري في "مختصر السننن " (٧/٢٥٧) ؛ فقال عقبه:
"فيه نظر؛ فقد أخرج مسلم الحديث في "صحيحه " من حديث ابن جريج
عن أبي الزبير، وفيه: "أراد النبي ﷺ أن يسمي (الغلام) - كذا- ب (مقبل) - كذا- وب (بركة) ... " الحديث ".
قلت: يشير إلى حديث ابن جريج الذي خرجته آنفاً، وفيه اسم (بركة)
الذي أشار أبو داود إلى إنكار وجوده فيه، وهو وهم منه- ﵀، فهو فيه كما رأيت، كما هو في طريق أبي سفيان أيضاً عن جابر.
ويشهد له حديث سمرة بن جندب مرفوعاً بلفظ:
"لا تسمين غلامك يساراً ولا رباحاً ... " الحديث.
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في "الإرواء" (١١٧٧) .
стр. 5615
ويلاحظ القراء معي في كلام المنذري أمرين غريبين:
أحدهما: ذكر اسم: (مقبل) في حديث جابر! وهو وهم محض؛ فإنه مما لا أصل له، لا عند مسلم، ولا عند غيره فيما علمت، ويغلب على الظن أنه محرف أيضاً من اسم (يعلى) ، كما تحرف إلى (علاء) فيما سبق في رواية الطحاوي! والآخر: أنه ذكر لفظ: (الغلام) في حديث جابر، ولا أصل له فيه أيضاً،
وإنما هو في حديث سمرة المذكور آنفاً، وهو في "مسلم " قبيل حديث جابر، فأخشى أن يكون انتقل بصره أو حفظه منه إلى الذي قبله. والله أعلم. *
سبب نزول قوله تعالى: (ويُؤِثرُونَ على أنفُسِهم ... ) الآية
٣٢٧٢ - (لقد ضحِكَ اللهُ- أو عجِب- من فِعالِكُما [بضيفِكما الليلة] ،
وأنزل اللهُ: "ويُؤِثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصَة ومن يُوقَ
شُحَّ نفسِه فأولئك همُ المفلحون". يعني: أبا طلحة الأنصاريَّ وامرأته) . أخرجه البخاري (٣٧٩٨ و ٤٨٨٩) وفي " الأ دب المفرد" (٧٤٠) ومسلم
(٢٠٥٤) ، والترمذي (٣٣٠٤) - مختصراً-، وكذا النسائي في "السنن الكبرى" (٦/٤٨٦/١١٥٨٢) ، والبيهقي أيضاً (٤/١٨٥) وفي "الأسماء" أيضاً (ص ٤٦٩) من طرق عن فُضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة:
أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، [فقال: أصابني الجهد (وفي رواية: إني مجهود) ] ، فبعث إلى نسائه، فقلن: [والذي بعثك بالحق!] ما معنا إلا الماء، فقال رسول
الله ﷺ :
"من يضم- أو يضيف- هذا [يرحمه الله] ؟ ".
стр. 5616
فقال رجل من الأنصار [يقال له: أبو طلحة] : أنا، فانطلق به إلى امرأته
فقال: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ [لا تدَّخري شيئاً] ، فقالت: [والله!] ما عندنا إلا قوت للصبيان! فقال: هيِّئي طعامك، وأصلحي سراجك، ونوِّمي صبيانك إذا أرادوا عشاءً، فهيأت طعامها، وأصلحت سراجها، ونوَّمت صبيانها، ثم قامت
كأنها تصلح سراجها فأطفأته، وجعلا يريانه أنهما يأكلان؛ [وأكل الضيف] ، وباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ فقال ... فذكره.
والسياق ل "الأدب المفرد"، والزيادات لمسلم؛ إلا بعضها فهي للبخاري. وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح ".
وتابعه يزيد بن كيسان عن أبي حازم به مختصراً جدّاً دون القصة.
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (١/٢٥٠ /٥٧٠) .
(تنبيه هام) : ذكر البيهقي في "الأسماء"- قُبَيل هذا الحديث وبُعَيده- عن
الخطابي أنه قال:
"قال البخاري: معنى الضحك: الرحمة "!
فأقول في هذا العزو للبخاري نظر؛ لأنه معلق منقطع، لم يذكر الخطابي ولا البيهقي مستنده في ذلك، ولأن أعلم الناس بالبخاري- ألا وهو الحافظ العسقلاني- لم يقف عليه؛ فقد قال عقبه:
"قلت: ولم أر ذلك في النسخ التي وقعت لنا من البخاري ".
وإن مما يؤكد عدم ثبوت ذلك عن البخاري: أننا نعلم يقيناً أنه من كبار أئمة
стр. 5617
الحديث، وأن هؤلاء مجمعون على اتباع السلف في الإيمان بحقائق الصفات الإلهية اللائقة به ﵎: إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل: (ليس
كمثله شيء وهو السميع البصير) [الشورى: ١١] .
واعلم أن الشك المذكور في الحديث- بين الضحك والعجب- لا يضر في ثبوتهما، لأن كلاً منهما قد جاء فيها أحاديث كثيرة في سياقات متعددة في كتب السنة، وبخاصة منها كتب التوحيد والعقيدة، مثل "السنة" لابن أبي عاصم،
و" التوحيد" لا بن خزيمة، و"الشريعة " للآجري، وقد خرجت بعضها في "ظلال الجنة" (٥٦٩-٥٧٣) ، و"الصحيحة" (٧٥٥ و ١٠٧٤ و ٣١٢٩) ، و"صحيح أبي
داود " (٢٤٠١) وغيرها. *
٣٢٧٣ - (ما مِن رَجُلينِ تحابّا في الله بظهرِ الغيبِ؛ إلا كان أحبُّهُما
إلى اللهِ أشدَّهما حُبّاً لصاحبِه) .
أخرجه الطبراني في"المعجم الأوسط" (٢/٢١/٢/٥٤١٢) (٦/١٣٤/٥٢٧٥- ط) : حدثنا محمد بن أحمد بن البراء قال: ثنا المعافى بن سليمان قال: ثنا موسى بن أعين عن جعفر بن بُرقان عن محمد بن سُوقة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز- وكان جليس أم الدرداء- يرفع الحديث إلى أم الدرداء، ترفعه أم الدرداء إلى أبي الدرداء، يرفعه أبو الدرداء ... فذكره. وقال:
"لم يروه عن جعفر بن برقان إلا موسى بن أعين ".
قلت: وكلاهما ثقة من رجال "الصحيح "، وكذا سائر الرواة، وهم من رجال "التهذيب "؛ غير محمد بن أحمد بن البراء، وهو من ثقات شيوخ الطبراني. وقال المنذري في "الترغيب " (٤/ ٤٦) :
стр. 5618
"رواه الطبراني بإسناد جيد قوي ".
وقال الهيثمي (٨/٢٧٦) :
".. ورجاله رجال الصحيح؛ غير المعافى بن سليمان، وهو ثقة".
والحديث في "الجامع الكبير" معزو ل (هب) ! وأظنه محرفاً من (طب) . والله أعلم. *
٣٢٧٤ - (كذبَ أبو السنابل؛ ليس كما قالَ، قد حللتِ، فانكِحِي؛
[إذا أتاكِ أحدٌ ترضينه فأتِيني، أو أنبِئيني] . قاله لسُبيعَة بنتِ الحارثِ؛ وقد وضعت بعد وفاةِ زوجها بأيام)
أخرجه سعيد بن منصور في "سننه " (٢/٣٥٠/١٥٠٦) : نا سفيان عن
الزهري عن عبيد الله بن عبد الله [بن عتبة] عن أبيه:
أن سبيعة بنت الحارث تَعَاَلت (١) من نفاسها بعد وفاة زوجها بأيام، فمر بها
أبو السنابل، فقال: إنك لا تحِلِّي (!) حتى تمكثي أربعة أشهر وعشراً، فذكرت
ذلك لرسول الله ﷺ ,فقال: فذكره دون الزيادة.
وكذا رواه الشافعي في "الأم " (٥/٢٠٦) : نا سفيان بن عيينة به؛ إلا أنه زاد
(أو) ، فقال: " أوليس ... ".
وهكذا رواه عنه البيهقي في "السنن " (٧/٤٢٩) ، والبغوي في "شرح السنة "
(٩/٣٠٤/٢٣٨٨) . و"التفسير" (٨/١٥٣) ، وقال البيهقي:
"وهذه الرواية مرسلة، وفيما قبلها من الموصولة كفاية ".
стр. 5619
قلت: يعني رواية الشيخين من طريق يونس عن ابن شهاب: حدثني
عبيد الله بن عبد الله أن أباه عبد الله بن عتبة كتب إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري يأمره أن يَدخُل على سبيعة بنت الحارث الأسلمية، فيسألها عن حديثها، وعما قال لها رسول الله ﷺ حين استفتته، فكتب عمر بن عبد الله إلى عبد الله بن عتبة يخبره: أن سبيعة أخبرته أنها ... قلت: فذكر الحديث بأتم، لكن ليس فيه
قوله: "كذب أبو السنابل "، وهو مخرج في "جلباب المرأة المسلمة" (ص ٦٩) وفي " الإرواء " (٧/١٩٢) ، من طريق أخرى.
ثم أخرجه البيهقي (١٠/٧٠٩) من طريق محمد، وأحمد (١/٤٤٧) من
طريق خلاس، كلاهما عن عبد الله بن عتبة: أن سبيعة بنت الحارث وضعت ... الحديث. وقال البيهقي:
"هذا مرسل حسن، وله شواهد".
ومحمد: هو ابن سيرين، رواه البيهقي من طريق أيوب عنه.
وتابعه منصور عن ابن سيرين، لكنه قال: إن سبيعة ... الحديث، لم يذكر
في إسناده (عبد الله بن عتبة) .
أخرجه سعيد بن منصور أيضاً (١٥٠٨) .
وإسناده مرسل أيضاً صحيح.
وله شاهد آخر من مرسل الحسن، وهو البصري.
رواه عبد بن حميد؛ كما في "الدر المنثور" (٦/٢٣٦) .
ومن شواهده، حديث عبد الله بن مسعود أن سبيعة بنت الحارث وضعت
стр. 5620
حملها بعد وفاة زوجها بخمس عشرة ليلة، فدخل عليها أبو السنابل، فقال:
كأنك تحدِّثين نفسك بالباءة؟ ما لك ذلك حتى ينقضي أبعد الأجلين، فانطلقت
إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته بما قال أبو السنابل، فقال رسول الله ﷺ :
"كذب أبو السنابل، إذا أتاك أحد ترضينه؛ فأتيني به، أو قال: فأنبئيني ".
فأخبرها أن عدتها قد انقضت.
أخرجه أحمد أيضاً، وإسناده صحيح، قال الهيثمي (٥/٣) :
"ورجاله رجال الصحيح ".
(تنبيه) : لقد عزا جماعة من المعلقين على هذا الحديث حديث الترجمةِ إلى الشيخين، وذلك وهم فاحش أو تساهل سيئ؛ لأنه يوهم أنه عندهما بهذا
اللفظ: "كذب أبو السنابل "! وليس كذلك، منهم الشيخ الأعظمي في تعليقه
على "سنن سعيد"، والشيخ شعيب في تعليقه على "شرح السنة"؛ والمعلقون على " تفسير البغوي "! *
٣٢٧٥ - (نهى عن كسبِ الزَّمّار) .
أخرجه أبو بكر الخلال في "الأمر بالمعروف " (ص ٣٣- مطابع القصيم) عن شيخين له ثقتين قالا كلاهما: ثنا رَوح قال: ثنا شعبة قال: سمعت محمد بن
جُحادة قال: سمعت أبا جعفر قال: سمعت أبا هريرة قال: سمعت رسول الله
ﷺ نهى ... الحديث.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي جعفر هذا،
وهو الأشجعي؛ ذكره البخاري في "الكنى"وابن أبي حاتم (٤/٢/٣٥٢) من رواية
стр. 5621
مطرف بن طريف والعوام بن حوشب، وسكتا عنه، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٥/٥٦٨) ، ولم يذكروا في الرواة عند محمد بن جُحَادة هذا، وقد ذكروا في شيوخ هذا أبا حازم الأشجعي، فأخشى أن يكون هو الراوي لهذا الحديث عن أبي هريرة، تحرف على الراوي، أو الناسخ، أو الطابع إلى (أبا جعفر) ، إلا أن يكون له كنيتان، وهذا مما أستبعده!
ويؤيد الأول: أنه رواه جماعة من الثقات عن شعبة به؛ إلا أنهم قالوا:
" الإماء " مكان: "الزمار".
وهذا مما يُلقي في النفس أن هذا اللفظ: (الزمار) محرف من: (الإماء) ؛ لكن
يأتي في طريق أخرى بلفظ: "الزمارة".
أخرجه البخاري (٢٢٨٣ و ٥٣٤٨) ، وأبو داود (٣٤٢٥) ، وابن الجارود (٥٨٧) ،
وا بن حبان (٥١٣٦) ، وكذا الطحاوي في "مشكل الآثار" (١/ ٢٥٤) ، والبيهقي (٦/ ١٢٦) ، والطيالسي (٣٢٧٥) ، وأحمد (٢/٢٨٧و٣٨٢و٤٣٧-٤٣٨و٤٥٤و ٤٨٠) من طرق عن شعبة به.
وتابعه همام: حدثنا محمد بن جُحَادة بلفظ:
نهى رسول الله ﷺ عن كسب الحجام وكسب الأمة.
أخرجه أحمد (٢/٣٤٧) .
وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وزاد ابن حبان في رواية (٥١٣٧) من طريق أبي يعلى قال: ثنا محمد بن
المنهال الضرير قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: ثنا شعبة به، وزاد:
"مخافة أن يَبغِينَ".
стр. 5622
وإسنادها صحيح على شرط الشيخين؛ لكن في ثبوت هذه الزيادة وقفة
عندي في هذا الحديث؛ لعدم ورودها في تلك الطرق، فالظاهر أنها مدرجة. وللحديث عن أبي هريرة طرق:
الأولى: عن خالد بن أبي يزيد: حدثنا حماد بن زيد عن هشام عن محمد
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ :
أنه نهى عن ثمن الكلب، وكسب الزَّمّارة.
أخرجه الخطيب في"التاريخ " (٨/ ٣٠٤) ، والبغوي في"شرح السنة "
(٨/٢٢-٢٣) .
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير خالد بن أبي
يزيد، وهو المزرِقيُّ البغدادي، ترجمه الخطيب (٨/ ٣٠٤) برواية جمع من الثقات عنه، وروى عن ابن معين أنه قال:
"لم يكن به بأس ".
وقال الذهبي في "الكاشف "، والحافظ في "التقريب ":
" صدوق ".
وقد توبع؛ فرواه أبو عبيد في "غريب الحديث " (ق ٦٠- ٦١) : حدثنيه
حجاج عن حماد بن سلمة عن هشام بن حسان وحبيب بن الشهيد عن ابن
سيرين به؛ الجملة الثانية منه. وقال: قال حجاج: " (الزمارة) : الزانية ".
قلت: وهذا إسناد صحيح، وحجاج هو ابن منهال الأنماطي.
وقال أبو معمر: ثنا عبد الوارث: ثنا هشام بن حسان بلفظ:
стр. 5623
".. ومهر الزمارة ".
أخرجه البيهقي.
قلت: وإسناده صحيح.
الثانية: عن عبد الرحمن بن شَريك: ثنا أبي: ثنا الأعمش عن أبي صالح
وأبي حازم عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ:
"لا يحل مهر الزانية، ولا ثمن الكلب ".
أخرجه الحاكم (٢/٣٣) ، وقال:
"صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي!
وأقول: عبد الرحمن بن شريك لم يخرج له مسلم، وهو صدوق يخطئ.
وأبوه شريك- وهو ابن عبد الله القاضي- أخرج له مسلم متابعة، وهو صدوق يخطئ كثيراً.
الثالثة: عن مسلم بن خالد الزَّنجي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن
أبي هريرة مرفوعاً:
نهى عن كسب الأمة؛ إلا أن يكون لها عمل وأصل يعرف.
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط " (٢/٢٨/٩/٨٢١٩) ، وقال:
"لم يروه عن العلاء إلا مسلم، تفرد به عبد الله بن عبد الحكم ".
قلت: وهو المصري، ثقة، وكذلك سائر رواته؛ إلا أن مسلم بن خالد الزنجي
كثير الأوهام، وبه أعله الهيثمي فقال (٤/٩٣) :
"وهو ضعيف، وقد وثق ".
стр. 5624
(تنبيه) : تمام إسناده في "المعجم "هكذا: "حدثنا موسى بن هارون: ثنا سعد
ابن عبد الله بن عبد الحكم: ثنا أبي ... " إلخ.
فسقط من إسناده في "مجمع البحرين "المطبوع (٣/٣٧٨) : (سعد بن) ، وترك محققه بياضاً مكانه! وهذا غريب؛ فإنه قد أحال به إلى الأصل الذي يرجع إليه مشيراً إلى المجلد والورقة، وهو الذي نقلت منه، ويظهر لي أنه لم يتمكن من قراءة اسم (سعد) ؛ فإنه غير ظاهر جدّاً في الأصل- وهو مصور-، وإذا كان كذلك، فكان عليه أن يستعين بترجمة أبيه؛ فإنه سيجد فيها أن من الرواة عنه
ابنه هذا، وإذ لم يفعل؛ فلم أسقط أداة النسبة: (ابن) وهو ظاهر؟!!
والاستثناء المذكور في هذه الطريق؛ له شاهد من مرسل طارق بن عبد الرحمن القرشي قال:
جاء رفاعة بن رافع إلى مجلس الأنصار فقال: لقد نهانا رسول الله ﷺ
اليوم ... فذكر أشياء وقال:
نهانا عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها- وقال هكذا بإصبعه- نحو المغزل،
والخبز، والنَّقش ".
أخرجه أبو داود (٣٤٢٦) ، والبيهقي.
قلت: وهو مرسل حسن الإسناد، يتقوى به الاستثناء في حديث أبي هريرة الموصول، ولا سيما وقد جاء موصولاً من طريق ابن أبي فُدَيك عن عبيد الله بن هُريرٍ عن أبيه عن جده رافع بن خَد يج قال:
"نهى رسول الله ﷺ -عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو؟ ".
أخرجه أبو داود أيضاً (٣٤٢٧) ، والبيهقي، وكذا الحاكم (٢/٤٢) شاهداً.
стр. 5625
وإسناده حسن في نقدي؛ عبيد الله بن هرير روى عنه آخرون، وذكره ابن
حبان في "الثقات " (٧/ ١٥١) ، وأبوه وثقه ابن معين وغيره.
وله طريق يرويه أبو بلجٍ عن عَبَاية بن رِفَاعة أن جده توفي وترك أَمَة تُغلّ، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فكره كسب الأمة، وقال:
"لعلها لا تجد شيئاً، فتبتغي بنفسها".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٤/٣٢٨/٤٤٠٨) .
قلت: وإسناده جيد مرسل.
وأخرجه أحمد (٤/١٤١) ، والطبراني أيضاً (برقم ٤٤٠٥) من طريق أخرى
عن عباية بن رفاعة به مختصراً، دون قوله: "لعلها ... " إلخ؛ لكن زاد أحمد:
"قال شعبة: مخافة أن تبغي ".
ولعل هذا هو أصل تلك الزيادة التي وقعت في رواية ابن حبان المتقدمة، وهِم بعض الرواة فأدرجها في الحديث.
وقد جاءت مرفوعة من حديث ابن عباس بإسناد واهٍ، أذكره لبيان حاله؛
يرويه سوَّار بن مصعب عن عطية العوفي قال: سمعت ابن عباس يقول:
نهى رسول الله ﷺ عن كسب الإماء.
قلت لابن عباس: ولم نهى عنه؟ قال:
مخافة أن يعجزن فيفجرن.
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/١٢٩/١٢٦٧٣) .
стр. 5626
وهذا إسناد ضعيف جدّاً؛ سوّار هذا متروك الحديث؛ كما قال الدارقطني وغيره.
وعطية العوفي؛ ضعيف.
(فائدة) : جاء في "النهاية":
" (الزَّمَّارة) : هي الزانية. وقال الأزهري: يحتمل أنه أراد المغنية، يقال: غناء زمير، أي: حسن. وزمَّر؛ إذا غنى، والقصبة التي يزمر بها: (الزمارة) ". *
٣٢٧٦ - (إنّ أعظم المسلمين [في المسلمين] جُرماً: من سأل عن
شيءٍ لم يُحرَّم [ونقر عنه] ؛ فحُرِّم [على الناس] مِن أجلِ مسألتِه) . أخرجه البخاري (٧٢٨٩) ومسلم (٨/٩٢) وأبو داود (٤٦١٠) وابن حبان
(١/٦١/١١٠) والحميدي في"مسنده" (٣٧/٦٧) وأحمد (١/١٧٦ و ١٧٩) والبزار في "البحر الزخار" (٣/٢٩٢/١٠٨٤) وأبو يعلى (٢/١٠٤ - ١٠٥) من طرق عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: ... فذكره. والسياق للبخاري، والزيادات لمسلم وغيره.
وله شاهد من حديث عُمَير بن قتادة: عند الحاكم (٣/٦٢٦) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/٤٨/١٠٥) ، ومن طريقه: أبو نعيم في "الحلية" (٣/٣٥٧) . وفيه بَكر بن خُنيس، وهو ضعيف؛ كما قال الهيثمي (٥/٢٣١) وغيره. *
٣٢٧٧ - (يا حُمَيراءُ! أتحبِّينَ أن تنظُرِي إليهم؟! يعني: إلى لعِبِ الحبشةِ ورقصِهم في المسجدِ) .
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (٥/٣٠٧/ ٨٩٥١) ، والطحاوي في
"مشكل الآثار" (١/١١٧) قالا: أنا يونس بن عبد الأعلى قال: أنا ابن وهب قال:
стр. 5627
أخبرني بكر بن مُضر عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت:
دخل الحبشةُ المسجدَ يلعبون، فقال لي: (فذكره) ، فقلت: نعم، فقام على
الباب، وجئته، فوضعت ذقني على عاتقه، فأسندت وجهي إلى خده، قالت:
ومن قولهم يومئذٍ: أبا القاسم طيباً. فقال رسول الله ﷺ :
"حسبكِ؟! ".
فقلت: يا رسول الله! لا تعجل. فقام لي، ثم قال:
"حسبكِ؟! ".
فقلت: لا تعجل يا رسول الله! قالت: وما لي حب النظر إليهم، ولكني
أحببت أن يبلغ النساءَ مقامُه لي، ومكاني منه.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير يونس بن
عبد الأعلى، فهو على شرط مسلم وحده. وقال الحافظ في "الفتح " (٢/٤٤٤) - بعدما عزاه للنسائي وحده-:
"إسناده صحيح، ولم أر في حديث صحيح ذكر (الحميراء) إلا في هذا".
وعقب عليه بعضهم بحديث آخر في الصوم، كما كنت نقلته في "آداب
الزفاف " (ص ٢٧٢) .
وكان ذلك قبل طبع "السنن الكبرى" للنسائي، فافترضت يومئذٍ أن الحديث الآخر فيه، والآن وقد طبعت هذه "السنن "، ولم أجد الحديث فيه، كما لم أجده
من قبل في "الصغرى"- وهي المسماة ب "المجتبى"-؛ فقد غلب على ظني خطأ
стр. 5628
هذا البعض، وأنه اشتبه عليه بحديث الترجمة، ولا سيما وأحفظ الحفاظ- وهو العسقلاني- ينفي ذلك، وهو متأخر عن ذاك البعض؛ والله أعلم.
وللحديث طريق أخرى؛ يرويه زيد بن حُبَاب قال: أخبرني خارجة بن
عبد الله قال: أنا يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة قالت:
كان رسول الله ﷺ جالساً، فسمعنا لغطاً وصوت الصبيان؛ فقام رسول الله
ﷺ ، فإذا حبشية تَزفِنُ والصبيان حولها، فقال:
"يا عائشة! تعالَي فانظري ".
فجئت، فوضعت ذقني على منكب رسول الله ﷺ ، فجعلت أنظر إليها ما
بين المنكب إلى رأسه، فقال لي:
"أما شبعت؟ ".
فجعلت أقول: لا؛ لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر، فارفضَّ الناس عنها،
فقال رسول الله ﷺ :
"إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فرُّوا من عمر".
قالت: فرجعت.
قلت: أخرجه النسائي (٥/٣٠٩/٨٩٥٧) ، والترمذي (٣٦٩١) ، وقال:
"حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه ".
قلت: وإسناده حسن، رجاله رجال مسلم؛ غير خارجة بن عبد الله، وهو
صدوق له أوهام كما في "التقريب "، وصححه أيضاً ابن شاهين في كتاب
" السنة.. فضائل العشرة " رقم (١٤٠- نسختي) .
стр. 5629
وتابع يزيد بن رومان: محمدُ بن عبد الرحمن عن عروة به مختصراً؛ لكن
فيه: أن النبي ﷺ قال لعائشة:
"تشتهين تنظرين؟ ".
فقالت: نعم، قالت: فأقامني وراءه؛ خدي على خده ...
رواه مسلم (٣/٢٢) وكذا البخاري (٩٥٠) .
وله عندهما طرق وألفاظ وزيادات عديدة، كنت جمعتها في سياق واحد في
الكتاب المذكور آنفاً: "الآداب "، وأعدت تخريجه هنا باللفظ المذكور أعلاه؛ لأنّ الغزالي كان قد ذكر للحديث في "الإحياء" عدة روايات، منها قوله (٢/٣٠٤) : "وفي رواية أنه قال لعائشة- ﵂: "أتحبين أن تنظري إلى زفن
الحبشة؟ "، والزفن: الرقص ".
ومع أن الحافظ العراقي قد أخرج الحديث في مكان آخر كان الغزالي ذكره
فيه (٢/٢٧٨) ، وعزاه "للصحيحين "، وأحال عليه في المكان الذي أشرت إليه أولاً؛ إلا أنه لم يخرِّج الرواية المذكورة، بل إن إحالته المشار إليها قد يوهم من لا علم عنده أنها من المتفق عليه! وليس كذلك، فكان هذا من الدواعي على
تخريجها.
وأهم من ذلك: أن الشيخ السَبكي ذكر أنها مما لا أصل له في فصل هام كان عقده في ترجمة الغزالي جمع فيه "جميع ما وقع في كتاب "الإحياء" من
الأحاديث التي لم يجد لها إسناداً)) (٤/١٤٥ و ١٥٨) من كتابه "طبقات الشافعية الكبرى "!
стр. 5630
تنبيهان:
الأول: وهم الشيخ شعيب في تعليقه على "مشكل الآثار" (١/٢٦٨) بقوله
في الحديث:
"إسناده صحيح على شرط الشيخين "!
وإنما هو على شرط مسلم وحده كما تقدم؛ لأن يونس بن عبد الأعلى ليس
من رجال البخاري.
والآخر: قوله في تعليقه على ترجمة النسائي من "تهذيب الكمال "
(٢/٣٢٨) :
"ولا بد لي هنا من ذكر فائدة، ربما تخفى على كثير من طلبة العلم، وهي أن
قول المنذري في "مختصر سنن أبي داود": "أخرجه النسائي "؛إنما يعني "السنن " لا "المجتبى" الذي صنفه ابن السني، وكذلك الحافظ المزي في "الأطراف " يعني: الأصل، لا المختصر"!
قلت: الفائدة الأولى معروفة، وأما الأخرى ففي الإطلاق نظر؛ لأن المزي قد يعزو في "الأطراف " ل "السنن الصغرى" أيضاً "المجتبى"، كما نص على ذلك محققه الفاضل عبد الصمد شرف الدين في "المقدمة" (١/١٨) ، وإن كان لي عليه ملاحظة لا مجال الآن لذكرها، وفي تعليقه على "مقدمة المزي " (١/٣) ؛ فقد عزا حديثاً لابن عباس إلى "كتاب القصاص" في موضعين منه (٤/٣٩٠ و ٤٤٧) ، وليس هذا الكتاب من كتب "السنن الكبرى"، وإن كان موجوداً فيها في كتاب
"المحاربة"، وفيه أحاديث أخرى هي في"القصاص "أيضاً، توهم الفاضل المذكور أنها زائدة على ما في "الكبرى"!
стр. 5631
ويقابل الوهم المذكور؛ قولُ الشيخ الكتاني في "الرسالة المستطرفة "- وقد ذكر "سنن النسائي " (ص ١٠) -:
"والمراد بها "الصغرى"؛ فهي المعدودة من الأمهات، وهي التي خرج الناس عليها الأ طراف والرجال، دون " الكبرى "؛ خلافاً لمن قال: إنها المرادة"!
وإنما يصدق هذا على "ذخائر المواريث " للشيخ النابلسي، والله أعلم. *
٣٢٧٨ - (أحسنَتَ، اتركها حتّى تماثل. يعني: خادماً زنت حديثة
عهدٍ بنفاسها) .
أخرجه مسلم (٥/١٢٥) والدارقطني (٣/١٥٩- ١٦٠) ، والبيهقي (٨/ ٢٤٤-
٢٤٥) من طريق إسرائيل عن السُّدِّيِّ عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن قال: خطبنا علي- ﵁ فقال:
أيها الناس! أيما عبد وأمة فجرا؛ فأقيموا عليهما الحد.. ثم قال:
إن خادماً لرسول الله ﷺ ولدت من الزنى، فبعثني لأجلدها، فوجدتها
حديثة عهد بنفاسها، فخشيت [إن أنا جلدتها] أن أقتلها، فقال: فذكره.
والزيادة لمسلم وغيره من طريق أخرى عن السدي، وهو مخرج في "الإرواء"
(٧/ ٣٦٠) مختصراً دون قوله: "اتركها ... "، ومن أجله خرجته هنا.
والسدي: اسمه إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة- وهو السدي الكبير-، وفيه كلام يسير، ولذلك قال الذهبي في "الكاشف ":
"حسن الحديث، قال أبو حاتم: لا يحتج به ".
стр. 5632
وقال الحافظ:
"صدوق يهم ".
وقد ذكرت له هناك في "الإرواء" طريقاً آخر عن علي ﵁ من رواية عبد الأعلى بن عامر ومتابع له، حسنت إسناده لاجتماعهما، وفي رواية للأول منهما عند البيهقي وغيره: أن الأمَةَ لبعض أزواج النبي ﷺ .
ولفظ أبي داود (٤٤٧٣) :
لآل رسول الله ﷺ .
ونحوه لأحمد (١/٨٥) بلفظ:
إن أمةً لهم زنت ...
أقول فهذا هو اللائق بمقام النبي ﷺ : أن هذه الأمة ليست مملوكة له، وإنما
هي لبعض نسائه، كانت تخدم النبي ﷺ كثيراً، حتى ظُن أنها أمَةُ له.
ويؤيد ما ذكرت- والله أعلم- قصة الرجل الذي اتُّهِم بأم ولده ﷺ ، فأمر علياً
﵁ بقتله، فلما رآه مجبوباً ما له ذكرٌ؛ أمسك عنه، ولم يقتله، وأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال ﷺ :
"الحمد لله الذي يصرف عنا أهل البيت ".
وقد مضى والقصة برقم (١٩٠٤) من طريق ثالث.
قوله: (تماثل) أي: تقارب البَرء، والأ صل (تتماثل) ؛ يقال: تماثل العليل؛ إذا
قارب البرء. كما في "القاموس ".
стр. 5633
(تنبيه) : تبين أن الحديث سبق تخريجه برقم (٢٤٩٩) ، ولما كان قد وقع هنا
من الفائدة الحديثية والفقهية ما لم يقع هناك؛ فقد آثرت الاحتفاظ به هنا.
وأيضاً؛ فإني أريد أن أحذر هنا من ضلالة من ضلالات ذلك الشيخ الغزالي،
الذي ملأ الدنيا بالتشكيك في أحاديث النبي ﷺ الصحيحة، والطعن فيها باسم الدفاع عن رسول الله ﷺ في كتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث "! والحقيقة؛ أن كل من درس كتابه هذا من العلماء؛ تبين له- كالشمس في رائعة النهار- أنه لا فقه عنده ولا حديث؛ إلا ما وافق عقله وهواه! وقد بينت شيئاً من ذلك في رسالتي في الرد على ابن حزم ومن قلده، في تضعيفهم لحديث البخاري في تحريم المعازف وغيره مما في معناه، وأنا الآن في صدد تبييضها وإعدادها للنشر إن شاء الله تعالى (١) .
ومن تلك الأحاديث التي طعن فيها وأنكر صحتها: حديث الرجل المتهم
بأمَةِ النبي ﵇؛ فإنه جزم في الكتاب المذكور (ص ٢٩) أنه:
"يستحيل أن يحكم النبي ﷺ على رجل بالقتل في تهمة لم تتحقق "!
وجواباً عليه أقول:
هذه مغالطة ظاهرة، لا تخفى على أهل العلم العارفين بحقيقة عصمة
النبي ﷺ ,فهي العاصمة له ﷺ من أن يقتل رجلاً بتهمة لم تتحقق، وأما أن
يحكم على ما ظهر له ﷺ من الأدلة الشرعية القائمة على الظاهر؛ فهو ما دل عليه صريح قوله جمعت:
"إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض،
стр. 5634
فأحسب أنه صادق؛ فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم؛ فإنما هي قطعة من النار، فليحملها أو يذرها". متفق عليه- واللفظ لمسلم-، وهو مخرج في
"الصحيحة" (٤٥٥) ، و"الإرواء" (١٤٢٣) ، (٨/٢٥٨/٢٦٣٥) عن أم سلمة. والمقصود: أن النبي ﷺ في حكمه على الناس أو بين الناس؛ إنما يحكم
بمقتضى كونه بشراً، وليس بحكم كونه نبياً معصوماً، ألا ترى إلى قوله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا
قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله "؟! متفق عليه، وهو مخرج فيما تقدم برقم (٤٠٧) .
ولهذا؛ قال الحافظ ابن حجر في "الفتح "، وهو يذكر فوائد حديث أم سلمة (١٣/١٧٤) :
"وفيه: أنه ﷺ كان يقضي بالاجتهاد فيما لم يُنزل عليه شيء، وخالف في ذلك قوم، وهذا الحديث من أصرح ما يُحتج به عليهم، وفيه أنه ربما أداه اجتهاده إلى أمر يحكم به، ويكون في الباطن بخلاف ذلك؛ لكن مثل ذلك- لو وقع- لم
يُقرَّ عليه ﷺ ؛لثبوت عصمته ".
وعلى هذا الوجه من العلم الصحيح والفهم الرجيح: يُخرَّج حديث الرجل المتهم، ويبطل ما ادعاه الغزالي من الاستحالة فيه، ويتبين لكل باحث لبيب أن الرجل مفلس من العلم النافع، فلا هو من أهل الفقه، ولا من أهل الحديث (لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) !
وإن مما يؤكد ذلك: موقفه من الحديث التالي وطعنه فيه؛ مع اعترافه بصحة سنده، ونقضه للقاعدة التي ذكرها بين يديه! *
стр. 5635
٣٢٧٩ - (جاء ملكُ الموتِ إلى (وفي طريق: إنَّ ملكَ الموتِ كان يأتي الناسَ عياناً، حتّى أتى) موسى ﵇، فقال له: أجب
ربَّك، قال: فلطَم موسى ﵇، عينَ مَلكِ الموتِ ففَقأها، فرجعَ الملكُ إلى اللهِ تعالى، فقالَ: [يا ربِّ!] إنَّك أرسلتني إلى عبدٍ لكَ لا
يريدُ الموتَ، وقد فقأ عيني، [ولولا كرامتُه عليك لشققتُ عليه] . قال: فردَّ اللهُ إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدِي فقِل: الحياة تريدُ؟ فإن كنت تريدُ الحياةَ؛ فضع يدَك على متنِ ثورٍ، فما توارت يدُك من شعرة؛ فإنّك تعيشُ بها سنةً، قال: [أي ربِّ!] ثمَّ مَه؟ قالَ: ثم تموتُ، قال: فالآن
من قريبٍ، ربِّ! أمتني من الأرضِ المقدّسةِ رميةً بحجرٍ! [قال: فشمَّه شمّةً فقبض روحَه، قال: فجاء بعد ذلك إلى النّاسِ خفياً] .
قال رسول الله ﷺ :
والله! لو أني عنده لأريتُكم قبره إلى جانب الطريق عند (وفي
طريق: تحت) الكثيبِ الأحمرِ) .
قلت: هذا الحديث من الأحاديث الصحيحة المشهورة التي أخرجها الشيخان
من طرق عن أبي هريرة- ﵁، وتلقته الأمة بالقبول، وقد جمعت ألفاظها والزيادات التي وقعت فيها، وسقتها لك سياقاً واحداً كما ترى؛ لتأخذ
القصة كاملة بجميع فوائدها المتفرقة في بطون مصادرها، الأمر الذي يساعدك على فهمها فهماً صحيحاً، لا إشكال فيه ولا شبهة، فتسلِّم لقول رسول الله
ﷺ تسليماً.
стр. 5636
والطرق عنه ثلاثة:
الأولى: عن طاوس عن أبي هريرة:
أخرجه الشيخان وغيرهما، وعندهما الزيادة الثالثة، وهي الطريق المشار إليها
في آخر الحديث.
الثانية: عن همّام عنه.
أخرجاه أيضاً وغيرهما، والسياق لمسلم، وهو أتم.
الثالثة: عن عمار بن أبي عمار قال: سمعت أبا هريرة يقول ...
أخرجه أحمد، وابن جرير الطبري في "التاريخ " (١/ ٢٢٤) ، وإسناده صحيح،
وهو الطريق المشار إليه في أول الحديث، وفيه كل الزيادات إلا الثالثة.
وهذه الطرق كنت خرجتها في "ظلال الجنة " (١/٢٦٦- ٢٦٧) دون أن أسوق متونها، والطريقان الأولان أخرجهما ابن حبان أيضاً في"صحيحه"
(٦١٩٠و٦١٩١) ، وأخرج أبو عوانة (١/١٨٧- ١٨٨) الثاني منهما.
واعلم أن هذا الحديث الصحيح جدّاً مما أنكره بعض ذوي القلوب المريضة من المبتدعة- فضلاً عن الزنادقة- قديماً وحديثاً، وقد رد عليهم العلماء- على مر العصور- بما يشفي ويكفي من كان راغباً السلامة في دينه وعقيدته؛ كابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي، والبغوي، والنووي، والعسقلاني، وغيرهم.
وممن أنكره من المعاصرين: الشيخ الغزالي في كتابه "السنة.. " المذكور في الحديث الذي قبله، بل وطعن في الذين دافعوا عن الحديث " فقال (ص ٢٩) : "وهو دفاع تافه لا يساغ "!
стр. 5637
وهكذا؛ فالرجل ماضٍ في غيّه، والطعن في السنة والذابين عنها بمجرد عقله (الكبير!) . ولست أدري- والله- كيف يعقل هذا الرجل- إذا افترضنا فيه الإيمان والعقل-! كيف يدخل في عقله أن يكون هؤلاء الأئمة الأجلة من محدِّثين وفقهاء
- من الإمام البخاري إلى الإمام العسقلاني- على خطأ في تصحيحهم هذا
الحديث، ويكون هو وحده- صاحب العقل الكبير! - مصيباً في تضعيفه إياه ورده عليهم؟!
ثم هو لا يكتفي بهذا! بل يخادع القراء ويدلس عليهم، ويوهمهم أنه مع
الأئمة لا يخالفهم، فيقول بين يدي إنكاره لهذا الحديث وغيره كالذي قبله
(ص ٢٦) :
"لا خلاف بين المسلمين في العمل بما صحت نسبته لرسول الله ﷺ وفق
أصول الاستدلال التي وضعها الأئمة، وانتهت إليها الأمة، إنما ينشأ الخلاف حول صدق هذه النسبة أو بطلانها، وهو خلاف لا بد من حسمه، ولا بد من رفض الافتعال أو التكلف فيه، فإذا استجمع الخبر المروي شروط الصحة المقررة بين العلماء فلا معنى لرفضه، وإذا وقع خلاف محترم في توفر هذه الشروط أصبح في الأمر سعة "!
هذا كلامه، فهل تجاوب معه؟ كلا ثم كلا؛ فإن الحديث لا خلاف في صحته
بين العلماء، وله ثلاثة طرق صحيحة كما تقدم، فكيف تملص من كلامه المذكور؟! لقد دلس على القراء وأوهم أن الحديث مختلف في صحته؛ فقال (ص ٢٧) :
"وقد جادل البعض في صحته "!
ويعني: أن الحديث صار من القسم الذي فيه سعة للخلاف! فنقول له:
стр. 5638
أولاً: هل الخلاف الذي توهمه "خلاف محترم " أم هو خلاف ساقط الاعتبار؟!
لأن المخالف ليس من العلماء المحترمين!! ولذلك لم تتجرأ على تسميته! ولعله من الخوارج أو الشيعة الذين يطعنون في أصحاب النبي ﷺ ، وبخاصة راوي هذا الحديث (أبي هريرة) ﵁.
وثانياً: يحتمل أن يكون المجادِل الذي أشرتَ إليه هو أنت، وحينئذٍ فبالأولى
أن يكون خلافك ساقط الاعتبار، كما هو ظاهر كالشمس في رائعة النهار!
ثم قال: "إن الحديث صحيح السند؛ لكن متنه يثير الريبة؛ إذ يفيد أن
موسى يكره الموت ولا يحب لقاء الله ... " إلى آخر هرائه!
فأقول: بمثل هذا الفهم المنكوس يرد هذا الرجل أحاديث النبي ﷺ !! ولا
يكتفي بذلك، بل ويرد على العلماء كافة الذين فهموه وشرحوه شرحاً صحيحاً، وردوا على أمثاله من أهل الأهواء الذين يسيئون فهم الأحاديث ثم يردونها، وإنما هم في الواقع يردون جهلهم، وهي سالمة منه والحمد لله، وها هو المثال؛ فإن الحديث صريح بخلاف ما نسب إلى موسى ﵇، ألا وهو قوله ﵇: "فالآن من قريب ". فتعامى الرجل عنه، وتشبث باللطم المذكور في أوله، ولم ينظر إلى نهاية القصة، فمثله كمثل من يَرُدُّ قوله تعالى: (فويل للمصلين) بزعم أنه يخالف الآيات الآمرة بالصلاة، ولا ينظر إلى ما بعده: (الذين هم عن صلاتهم ساهون)
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى؛ فإن الرجل بنى ردَّهُ للحديث على زعمه أن موسى ﵇ كان عارفاً بملك الموت حين لطمه! وهذا من تمام جهله وإعراضه عن كلام العلماء الذي نقله (ص ٢٨) :
стр. 5639
"أن موسى لم يعلم أنه ملك من عند الله، وظن أنه رجل قصده يريد قتله،
فدافعه عنه، فأدت المدافعة إلى فقءِ عينه ".
ومع أن هذا الكلام يدل عليه تمام القصة كما قدمتُ، ويؤكده قوله في أول الحديث: "أن ملك الموت كان يأتي الناس عياناً"، أي: في صورة البشر، وفقءِ
عينه وردها إليه مما يقوي ذلك.
أقول: مع هذا كله، استكبر الرجل ولم يرد على علماء الأمة إلا بقوله الذي
لا يعجزعن مثله أيُّ مُبطِلٍ غريق في الضلال:
"نقول نحن (!) : هذا الدفاع كله خفيف الوزن، وهو دفاع تافه لا يساغ "!
وإن من ضلال الرجل وجهله قوله (ص ٢٧) :
"ثم، هل الملائكة تعرض لهم العاهات التي تعرض للبشر من عَمَى أو عَوَر؟!
ذاك بعيد"!
فأقول: وهذا من الحجة عليك، الدالة على قلة فهمك؛ فإن هذا الذي
استبعدتهُ مما جعل العلماء يقولون في دفاعهم: إن موسى لم يعلم أنه ملك، أفما
آن لك أن تعقل؟!!
ثم ختم ضلاله في هذا الحديث وطعنه فيه بقوله:
"والعلة في المتن يبصرها المحققون (!) وتخفى على أصحاب الفكر السطحي "!
فيا له من مغرور أهلكه العجب! لقد جعل! نفسه من المحققين، وعلماء الأمة
من "أصحاب الفكر السطحي "! والحقيقة أنه هو العلة؛ لجهله وقلة فهمه " إن لم يكن فيه ما هو أكثر من ذلك مما أشار إليه الكفار وهم يعذَّبون في النار: (لو كنا
стр. 5640
نسمعُ أو نعقِلُ ما كنا في أصحاب السَّعير) ؛ نسأل الله حسن الخاتمة والوفاة على سبيل المؤمنين.
وأرى من تمام الفائدة أن أنقل إلى القراء الكرام كلام إمامين من أئمة المسلمين وحفاظ الحديث، فيه بيان الحكمة من تحديثه ﷺ بهذا الحديث، قال ابن حبان
عقب الحديث:
"إن الله جل وعلا بعث رسول الله ﷺ معلماً لِخلقِهِِ، فأنزله موضع الإبانة
عن مراده، فبلَّغ ﷺ رسالته، وبّين عن آياته بألفاظ مجملة ومفسرة، عقلها عنه أصحابه أو بعضهم، وهذا الخبر من الأخبار التي يدرك معناه من لم يُحرَمِ التوفيق لإصابة الحق، وذاك أن الله جل وعلا أرسل ملك الموت إلى موسى رسالة ابتلاء واختبار، وأمره أن يقول له: "أجب ربك ": أمر اختبار وابتلاء، لا أمراً يريد الله جل وعلا إمضاءه؛ كما أمر خليله صلى الله على نبينا وعليه بذبح ابنه أمر اختبار وابتلاء، دون الأمر الذي أراد الله جل وعلا إمضاءه، فلما عزم على ذبح ابنه
(وتلّه للجبين) ؛ فداه بالذِّبح العظيم.
وقد بعث الله جل وعلا الملائكة إلى رسله في صور لا يعرفونها؛ كدخول الملائكة على رسوله إبراهيم ولم يعرفهم؛ حتى أوجس منهم خيفة، وكمجيء جبريل إلى رسول الله ﷺ وسؤاله إياه عن الإيمان والإسلام، فلم يعرفه المصطفى حتى ولَّى.
فكان مجيء ملك الموت إلى موسى على غير الصورة التي كان يعرفه موسى
﵇ عليها، وكان موسى غيوراً، فرأى في داره رجلاً لم يعرفه، فشال يده فلطمه، فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصورة التي تصور بها، لا الصورة