والطرق عنه ثلاثة:
الأولى: عن طاوس عن أبي هريرة:
أخرجه الشيخان وغيرهما، وعندهما الزيادة الثالثة، وهي الطريق المشار إليها
في آخر الحديث.
الثانية: عن همّام عنه.
أخرجاه أيضاً وغيرهما، والسياق لمسلم، وهو أتم.
الثالثة: عن عمار بن أبي عمار قال: سمعت أبا هريرة يقول ...
أخرجه أحمد، وابن جرير الطبري في "التاريخ " (١/ ٢٢٤) ، وإسناده صحيح،
وهو الطريق المشار إليه في أول الحديث، وفيه كل الزيادات إلا الثالثة.
وهذه الطرق كنت خرجتها في "ظلال الجنة " (١/٢٦٦- ٢٦٧) دون أن أسوق متونها، والطريقان الأولان أخرجهما ابن حبان أيضاً في"صحيحه"
(٦١٩٠و٦١٩١) ، وأخرج أبو عوانة (١/١٨٧- ١٨٨) الثاني منهما.
واعلم أن هذا الحديث الصحيح جدّاً مما أنكره بعض ذوي القلوب المريضة من المبتدعة- فضلاً عن الزنادقة- قديماً وحديثاً، وقد رد عليهم العلماء- على مر العصور- بما يشفي ويكفي من كان راغباً السلامة في دينه وعقيدته؛ كابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي، والبغوي، والنووي، والعسقلاني، وغيرهم.
وممن أنكره من المعاصرين: الشيخ الغزالي في كتابه "السنة.. " المذكور في الحديث الذي قبله، بل وطعن في الذين دافعوا عن الحديث " فقال (ص ٢٩) : "وهو دفاع تافه لا يساغ "!
стр. 5637
وهكذا؛ فالرجل ماضٍ في غيّه، والطعن في السنة والذابين عنها بمجرد عقله (الكبير!) . ولست أدري- والله- كيف يعقل هذا الرجل- إذا افترضنا فيه الإيمان والعقل-! كيف يدخل في عقله أن يكون هؤلاء الأئمة الأجلة من محدِّثين وفقهاء
- من الإمام البخاري إلى الإمام العسقلاني- على خطأ في تصحيحهم هذا
الحديث، ويكون هو وحده- صاحب العقل الكبير! - مصيباً في تضعيفه إياه ورده عليهم؟!
ثم هو لا يكتفي بهذا! بل يخادع القراء ويدلس عليهم، ويوهمهم أنه مع
الأئمة لا يخالفهم، فيقول بين يدي إنكاره لهذا الحديث وغيره كالذي قبله
(ص ٢٦) :
"لا خلاف بين المسلمين في العمل بما صحت نسبته لرسول الله ﷺ وفق
أصول الاستدلال التي وضعها الأئمة، وانتهت إليها الأمة، إنما ينشأ الخلاف حول صدق هذه النسبة أو بطلانها، وهو خلاف لا بد من حسمه، ولا بد من رفض الافتعال أو التكلف فيه، فإذا استجمع الخبر المروي شروط الصحة المقررة بين العلماء فلا معنى لرفضه، وإذا وقع خلاف محترم في توفر هذه الشروط أصبح في الأمر سعة "!
هذا كلامه، فهل تجاوب معه؟ كلا ثم كلا؛ فإن الحديث لا خلاف في صحته
بين العلماء، وله ثلاثة طرق صحيحة كما تقدم، فكيف تملص من كلامه المذكور؟! لقد دلس على القراء وأوهم أن الحديث مختلف في صحته؛ فقال (ص ٢٧) :
"وقد جادل البعض في صحته "!
ويعني: أن الحديث صار من القسم الذي فيه سعة للخلاف! فنقول له:
стр. 5638
أولاً: هل الخلاف الذي توهمه "خلاف محترم " أم هو خلاف ساقط الاعتبار؟!
لأن المخالف ليس من العلماء المحترمين!! ولذلك لم تتجرأ على تسميته! ولعله من الخوارج أو الشيعة الذين يطعنون في أصحاب النبي ﷺ ، وبخاصة راوي هذا الحديث (أبي هريرة) ﵁.
وثانياً: يحتمل أن يكون المجادِل الذي أشرتَ إليه هو أنت، وحينئذٍ فبالأولى
أن يكون خلافك ساقط الاعتبار، كما هو ظاهر كالشمس في رائعة النهار!
ثم قال: "إن الحديث صحيح السند؛ لكن متنه يثير الريبة؛ إذ يفيد أن
موسى يكره الموت ولا يحب لقاء الله ... " إلى آخر هرائه!
فأقول: بمثل هذا الفهم المنكوس يرد هذا الرجل أحاديث النبي ﷺ !! ولا
يكتفي بذلك، بل ويرد على العلماء كافة الذين فهموه وشرحوه شرحاً صحيحاً، وردوا على أمثاله من أهل الأهواء الذين يسيئون فهم الأحاديث ثم يردونها، وإنما هم في الواقع يردون جهلهم، وهي سالمة منه والحمد لله، وها هو المثال؛ فإن الحديث صريح بخلاف ما نسب إلى موسى ﵇، ألا وهو قوله ﵇: "فالآن من قريب ". فتعامى الرجل عنه، وتشبث باللطم المذكور في أوله، ولم ينظر إلى نهاية القصة، فمثله كمثل من يَرُدُّ قوله تعالى: (فويل للمصلين) بزعم أنه يخالف الآيات الآمرة بالصلاة، ولا ينظر إلى ما بعده: (الذين هم عن صلاتهم ساهون)
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى؛ فإن الرجل بنى ردَّهُ للحديث على زعمه أن موسى ﵇ كان عارفاً بملك الموت حين لطمه! وهذا من تمام جهله وإعراضه عن كلام العلماء الذي نقله (ص ٢٨) :
стр. 5639
"أن موسى لم يعلم أنه ملك من عند الله، وظن أنه رجل قصده يريد قتله،
فدافعه عنه، فأدت المدافعة إلى فقءِ عينه ".
ومع أن هذا الكلام يدل عليه تمام القصة كما قدمتُ، ويؤكده قوله في أول الحديث: "أن ملك الموت كان يأتي الناس عياناً"، أي: في صورة البشر، وفقءِ
عينه وردها إليه مما يقوي ذلك.
أقول: مع هذا كله، استكبر الرجل ولم يرد على علماء الأمة إلا بقوله الذي
لا يعجزعن مثله أيُّ مُبطِلٍ غريق في الضلال:
"نقول نحن (!) : هذا الدفاع كله خفيف الوزن، وهو دفاع تافه لا يساغ "!
وإن من ضلال الرجل وجهله قوله (ص ٢٧) :
"ثم، هل الملائكة تعرض لهم العاهات التي تعرض للبشر من عَمَى أو عَوَر؟!
ذاك بعيد"!
فأقول: وهذا من الحجة عليك، الدالة على قلة فهمك؛ فإن هذا الذي
استبعدتهُ مما جعل العلماء يقولون في دفاعهم: إن موسى لم يعلم أنه ملك، أفما
آن لك أن تعقل؟!!
ثم ختم ضلاله في هذا الحديث وطعنه فيه بقوله:
"والعلة في المتن يبصرها المحققون (!) وتخفى على أصحاب الفكر السطحي "!
فيا له من مغرور أهلكه العجب! لقد جعل! نفسه من المحققين، وعلماء الأمة
من "أصحاب الفكر السطحي "! والحقيقة أنه هو العلة؛ لجهله وقلة فهمه " إن لم يكن فيه ما هو أكثر من ذلك مما أشار إليه الكفار وهم يعذَّبون في النار: (لو كنا
стр. 5640
نسمعُ أو نعقِلُ ما كنا في أصحاب السَّعير) ؛ نسأل الله حسن الخاتمة والوفاة على سبيل المؤمنين.
وأرى من تمام الفائدة أن أنقل إلى القراء الكرام كلام إمامين من أئمة المسلمين وحفاظ الحديث، فيه بيان الحكمة من تحديثه ﷺ بهذا الحديث، قال ابن حبان
عقب الحديث:
"إن الله جل وعلا بعث رسول الله ﷺ معلماً لِخلقِهِِ، فأنزله موضع الإبانة
عن مراده، فبلَّغ ﷺ رسالته، وبّين عن آياته بألفاظ مجملة ومفسرة، عقلها عنه أصحابه أو بعضهم، وهذا الخبر من الأخبار التي يدرك معناه من لم يُحرَمِ التوفيق لإصابة الحق، وذاك أن الله جل وعلا أرسل ملك الموت إلى موسى رسالة ابتلاء واختبار، وأمره أن يقول له: "أجب ربك ": أمر اختبار وابتلاء، لا أمراً يريد الله جل وعلا إمضاءه؛ كما أمر خليله صلى الله على نبينا وعليه بذبح ابنه أمر اختبار وابتلاء، دون الأمر الذي أراد الله جل وعلا إمضاءه، فلما عزم على ذبح ابنه
(وتلّه للجبين) ؛ فداه بالذِّبح العظيم.
وقد بعث الله جل وعلا الملائكة إلى رسله في صور لا يعرفونها؛ كدخول الملائكة على رسوله إبراهيم ولم يعرفهم؛ حتى أوجس منهم خيفة، وكمجيء جبريل إلى رسول الله ﷺ وسؤاله إياه عن الإيمان والإسلام، فلم يعرفه المصطفى حتى ولَّى.
فكان مجيء ملك الموت إلى موسى على غير الصورة التي كان يعرفه موسى
﵇ عليها، وكان موسى غيوراً، فرأى في داره رجلاً لم يعرفه، فشال يده فلطمه، فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصورة التي تصور بها، لا الصورة
стр. 5641
التي خلَقَهُ اللهُ عليها، ولما كان المصرح عن نبينا في خبر ابن عباس حيث قال: "أمَّني جبريلُ عند البيت مرتين ... " فذكر الخبر، وقال في آخره: "هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك " (١) ، كان في هذا الخبر البيانُ الواضح: أن بعض شرائعنا قد تتفق ببعض شرائع من قبلنا مِن الأمم.
ولما كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل دارهُ بغير إذنه، أو الناظر إلى بيته
بغير أمره، من غير جناح على فاعله، ولا حرج على مرتكبه، للأخبار الواردة فيه، التي أمليناها في غير موضع من كتبنا (٢) ؛كان جائزاً اتفاق هذه الشريعة بشريعة موسى بإسقاط الحرج عمّن فقأ عين الداخل داره بغير إذنه، فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحاً له، ولا حرج عليه في فعله.
فلما رجع ملك الموت إلى ربه، وأخبره بما كان من موسى فيه؛ أمره ثانياً بأمر
آخر أمر اختبار وابتلاء كما ذكرنا قبل، إذ قال الله له: "قل له: إن شئت، فضع
يدك على متن ثور، فلك بكل ما غطت يدك بكل شعرة سنة"، فلما علم موسى
كليم الله صلى الله على نبينا وعليه أنه ملك الموت، وأنه جاء بالرسالة من عند
الله، طابت نفسه بالموت ولم يستمهل، وقال: "فالآن ".
فلو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت، لاستعمل ما استعمل في
المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به، ضدَّ قول من زعم: "أن أصحاب الحديث حمَّالة الحطب ورعاة الليل، يجمعون ما لا ينتفعون به، ويروون ما لا يؤجرون
стр. 5642
عليه، ويقولون بما يبطله الإسلام "، جهلاً منه لمعاني الأخبار، وترك التفقه في الآثار، معتمداً على رأيه المنكوس، وقياسه المعكوس ".
قلت: ما أشبه الليلة بالبارحة! فهذا الزاعم الطاعن في أصحاب الحديث هو
سلف الغزالي في طعنه فيهم، وفي أحاديثهم الصحيحة، وما وصفه به ابن حبان من الجهل بمعاني الآثار، يشبه تماماً جهل الغزالي بها، وكتابه المتقدم ذكره والنقل عنه مشحون بطعنه في الأحاديث الصحيحة التي لا خلاف عند أهل العلم في صحتها، وقد ختم الكتاب بإنكاره عدة أحاديث صحيحة في إثبات القدر؛ لأنه
فهم منها- بفهمه المعكوس والمنكوس- أنها تفيد الجبر، وتنفي عن الإنسان
الاختيار الذي به كُلِّفَ، وترتب عليه الثواب والعقاب، مشاركاً في هذا الفهم
العامة الجهلة، ولكنه فرَّ من فهمه الخاطىء إلى ما هو مثله أو أسوأ منه، ألا وهو إنكاره القدر والأحاديث الدالة عليها، وألحق نفسه بالمعتزلة!!
وقد قام بواجب الرد عليه كثير من العلماء والكتَّاب، وكشفوا للناس ما فيه من
زيخ وضلال في الحديث والعقيدة والفقه، وكان أطولهم نفساً، وأكثرهم إفادة، وأهدأهم بالاً: الأخ الفاضل سلمان العودة في كتابه "حوار هادئ مع محمد
الغزالي"، فنِعمَ الردُّ هو؛ لولا تساهل وتسامح لا يستحقه الغزالي تجاه طعناته العديدة مع أئمة الحديث والفقه، وإن كان الأخ الفاضل قد كشف القناع عنها بأدبه الناعم! والحافظ الآخر الذي سبقت الإشارة إليه: هو الإمام البغوي؛ فإنه بعد أن ذكر
أن الحديث: "متفق على صحته "؛ قال رحمه القه:
"هذا الحديث يجب على المرء المسلم الإيمان به على ما جاء به من غيرأن
يعتبره بما جرى عليه عُرف البشرِ، فيقع في الارتياب؛ لأنه أمرٌ مصدره عن قدرة
стр. 5643
الله وحُكمه، وهو مجادلة بين ملك كريم، ونبي كليم، كلُّ واحد منهما مخصوص بصفة خرج بها عن حكم عوامِّ البشر، ومجاري عاداتهم في المعنى الذي خُصَّ به، فلا يعتبر حالهما بحال غيرهما، قد اصطفى الله موسى برسالاته وبكلامه، وأيده بالآيات الظاهرة، والمعجزات الباهرة، كاليد البيضاء، والعصا، وانفلاق البحر، وغيرهما مما نطق به القرآن، ودلّت عليه الآثار، وكل ذلك إكرام من الله أكرمه بها، فلما دنت وفاته- وهو بشرٌ يكره الموت طبعاً، ويجد ألمه حساً-؛ لطف له بأن لم يفاجئه به بغتة، ولم يأمر
الملك الموكل به أن يأخذه به قهراً؛ لكن أرسله إليه منذراً بالموت، وأمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشرٍ، فلما رآه موسى استنكر شأنه، واستوعر مكانه، فاحتجز منه دفعاً عن نفسه بما كان من صكه إياه، فأتى ذلك على عينه
التي ركبت في الصورة البشرية التي جاءه فيها، دون صورة الملكية التي هو مجبول عليها، وقد كان في طبع موسى ﷺ حمِيَّةٌ وحِدّةٌ على ما قص الله علينا من أمره في كتابه من وكزه القبطي، وإلقائه الألواح، وأخذه برأس أخيه يجره إليه.
وروي أنه كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً، وقد جرت سنة الدين بدفع
من قصدك بسوء، كما جاء في الحديث: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم حلّ
لهم أن يفقأوا عينه" (١) ، فلما نظر موسى إلى شخص في صورة بشر هجم عليه يُريد نفسه، ويقصد هلاكه، وهو لا يثبته، ولا يعرفه أنه رسول ربه؛ دفعه عن
نفسه، فكان فيه ذهاب عينه، فلما عاد الملك إلى ربه، ردّ الله إليه عينه، وأعاده رسولاً إليه؛ ليعلم نبي الله ﵇ إذا رأى صحة عينه المفقوءة- أنه رسول
الله بعثه لقبض روحه، فاستسلم حينئذٍ لأمره، وطاب نفساً بقضائه، وكلُّ ذلك
стр. 5644
رفق من الله ، ولطف منه في تسهيل ما لم يكن بد من لقائه، والانقياد لمورد قضائه، قال: وما أشبه معنى قوله: "ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي
عن نفس المؤمن؛ يكره الموت ... " (١) بترديده رسوله ملك الموت إلى نبيه موسى ﵇، فيما كرهه من نزول الموت به، وقد ذكر هذا المعنى أبو سليمان الخطابي في كتابه رداً على من طعن في هذا الحديث وأمثاله من أهل البدع والملحدين أبادهم الله، وكفى المسلمين شرهم ". *
٣٢٨٠ - (يا ابن رواحة! انزل، فَحَرِّكِ الرِّكاب) .
أخرجه النسائي في"السنن الكبرى" (٥/٧٠/٨٢٥١) ، وكذا البيهقي
(١٠/٢٢٧) من طريق عمر بن علي عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس ابن أبي حازم عن عبد الله بن رواحة:
أنه كان مع رسول الله ﷺ في مسيرله، فقال له: (فذكره) فقال: يا رسول
الله! قد تركت ذاك، فقال له عمر: اسمع وأطع، قال: فرمى بنفسه وقال:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزِلن سكينة علينا وثبِّتِ الأقدام إن لاقينا. (٢)
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات، وله علتان:
الأولى: الانقطاع بين قيس بن أبي حازم وعبد الله بن رواحة، قال الحافظ
المزي في " التحفة " (٤/٣١٩) :
стр. 5645
"قيس لم يدرك ابن رواحة".
قلت: وذلك؛ لأنه استشهد في حياته ﷺ في معركة (مؤتة) .
والأخرى: عنعنة عمر بن علي، وهو المقدَّمي كان يدلس شديداً كما في
" التقريب "، فانظر " التهذيب ".
وقد خالفه عبد الله بن إدريس، فقال: عن إسماعيل عن قيس قال: قال
عمر: قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن رواحة:
"لو حركت بنا الركاب ".
فقال: قد تركت قولي ... الحديث، وزاد:
فقال رسول الله ﷺ :
" اللهم! ارحمه ".
فقال عمر: وجبت.
وقال الحافظ المزي:
" وهو أشبه ".
يعني: أن الصواب أنه من رواية قيس بن أبي حازم عن عمر، وأنه من مسند
عمر، لا من مسند عبد الله بن رواحة، وقيس قد سمع من عمر، فاتصل السند وصح والحمد لله؛ فإن عبد الله بن إدريس- وهو الأودي- ثقة فقيه احتج به الشيخان. أخرجه النسائي رقم (٨٢٥٠) ، والضياء في "الأحاديث الختارة" (١/ ٣٨١/ ٢٦٤) ، وكذا الدارقطني في "الأفراد"؛كما في "كنز العمال " (١٣/٤٤٩/٣٧١٦٩) .
стр. 5646
وفي حديث سلمة بن الأكوع:
فقفل رسول الله ﷺ من خيبر، فقلت: يا رسول الله! أتأذن لي أن أرتجز؟
فأذن له رسول الله ﷺ ، فقال عمر بن الخطاب ﵁: اعلم ما تقول! فقلت: والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فقال رسول الله ﷺ :
"صدقت ".
فأنزلن سكينة علينا
وثبت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا
فلما قضيت رجزي، قال رسول الله ﷺ :
"من قال هذا؟ ".
قلت: أخي. قال رسول الله ﷺ :
"يرحمه الله " ... الحديث.
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٢٢٨٩) . *
٣٢٨١ - (يا عائشةُ! أتعرفين هذه؟ قالت: لا، يا نبيَّ اللهِ! قال:
هذه قينةُ بني فلان، تحبِّين أن تُغنِّيكِ؟ قالت: نعم، قال: فأعطاها طبقاً
فغنَّتها، فقال النبيُّ ﷺ :
قد نفح الشَّيطانُ في مِنخرَيها) .
أخرجه أحمد (٣/٤٤٩) : ثنا مكِّيٌّ: ثنا الجُعيدُ عن يزيد بن خُصَيفة عن
стр. 5647
السائب بن يزيد:
أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقال: ... فذكره.
ومن طريق مكي هذا- وهو ابن إبراهيم-: أخرجه النسائي في "السنن الكبرى " (٥/٣١٠/٨٩٦٠) و (ق ٧٥/٢- عشرة النساء- مخطوطة الظاهرية) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٧/١٨٧-١٨٧) ؛دون قوله: " فأعطاها طبقاً ".
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، والسائب بن يزيد صحابي صغير، حُجَّ به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، فالظاهر أنه تلقاه عن السيدة عائشة- ﵂، وقد روى عنها.
والجعيد: هو ابن عبد الرحمن بن أوس، وقد يقال: (الجعد) مكبراً.
وقال الهيثمي- وقد ساقه بلفظ أحمد- (٨/١٣٥) :
"رواه أحمد والطبراني، ورجاله رجال الصحيح ".
وقال الزَّبيدي في "شرح الإحياء"- بعدما عزاه للنسائي- (٦/٤٩٤) :
"واسناده صحيح، وأخرجه الطبراني في (الكبير) ".
(تنبيه) : سقط من مطبوعة "السنن الكبرى" قوله: "قد نفخ الشيطان في "منخريها"، وهو ثابت في مخطوطة الظاهرية، وكذا في سياق الزبيدي من رواية النسائي.
وقوله: (طبقاً) . قال في " القاموس ":
" (الطَّبَق) محركة: غطاء كل شيء، والذي يؤكل عليه ".
стр. 5648
ولم ترد جملة الطبق هذه في رواية النسائي والطبراني، والله
أعلم. *
٣٢٨٢ - (كان في بعضِ المشاهدِ قد دَمِيَت إصبَعُه فقال:
هل أنتِ إلا إصبعٌ دَمِيتِ وفي سبيل الله مالقِيتِ) .
أخرجه البخاري (٢٨٠٢) ومسلم (٥/١٨١) والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٦٢٠) وأبو يعلى في "مسنده " (١٥٣٣) ، وعنه ابن حبان في "صحيحه " (٦٥٤٣) وكذا ابن السني في "عمله " (٥٠٥) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢/١٨٦/١٧٠٨) من طريق أبي عوانة عن الأسود بن قيس عن جندب بن سفيان أن رسول الله ﷺ كان ... والسياق للبخاري.
وقد اضطرب الرواة على الأسود بن قيس- ﵀ في ضبط المناسبة
التي وقعت فيها هذه الحادثة، فقال أبو عوانة- كما ترى-: في بعض المشاهد.
وقال سفيان- وهو الثوري-:
بينما النبي ﷺ يمشي؛ إذ أصابه حجر، فعثر، فدميت إصبعه.
أخرجه البخاري (٦١٤٦) والنسائي (٥٥٩) والطبراني (١٧٠٣) .
ورواه أحمد (٤/٣١٣) مختصراً.
وقال سفيان بن عيينة:
كنت مع النبي ﷺ في غار، فنُكِبَت إصبعه فقال: ... فذكره.
أخرجه مسلم، والترمذي (٣٣٤٥) - وصححه-، والحميدي (٧٧٦) ،
والطبراني (١٧٠٥) .
стр. 5649
وقال حسن بن صالح:
أصاب رِجلَ النبي ﷺ حجَرٌ، فدميت، فقال ... الحديث.
أخرجه الطبراني (١٧٠٧) ، وسنده صحيح.
وتابعهم- با ختصار-: شعبة؛ عند أحمد (٤/ ٣١٢) ، والرُّويا ني (١٦٤/ ٢) ، والطبراني (١٧٠٤) .
وعلي بن صالح- أخو حسن بن صالح- عند الطبراني أيضاً (١٧٠٦) .
وقال عمر بن زياد الهلالي (١) :
أصابت إصبع النبي ﷺ شجرة (كذا) فدميت فقال: ... فذكره، وزاد:
فحُمل فوضع على سرير مرمول بخوص أو شريط، ووضع تحت رأسه مرفقة
من أدم حشوها ليف، فأثر الشريط في جنبه، فجاء عمر بن الخطاب فبكى،
فقال: "ما يبكيك؟ "، فقال: يا رسول الله! كسرى وقيصر يجلسون على سرير من الذهب، ويلبسون الديباج والإستبرق! قال:
"أما ترضى أن لهم الدنيا ولكم الآخرة؟! ".
رواه الطبراني (١٧١٩) ، وا بن سعد (١/٤٦٦) .
قلت: فهذه الزيادة باطلة، وعلتها- مع المخالفة للروايات السابقة- الهلالي
هذا " فقد قال البخاري فيه في "التاريخ " (٦/١٥٦/٢٠١٢) :
"تعرف وتنكر".
стр. 5650
وقال فيه أبو زرعة وابن عدي:
"لا بأس به ".
وذكره ابن حبان في "الثقات " (٧/١٧٤) .
قلت: فمثله حسن الحديث إذا لم يخالف. وهنا قد خلط بين هذا الحديث الصحيح، وحديث آخر، فيه قصة دخول عمر على النبي ﷺ وهو على السرير المرمول ... الحديث، وهو في "الصحيحين " من رواية ابن عباس عن عمر في الحديث الطويل في قصة اللتين تظاهرتا عليه- ﷺ ، وهو مخرج في"التعليق الرغيب " (٤/١١٤) ، فوهم الهلالي فربط بين قصة عمر هذه وقصة الإصبع، وجعلهما قصة واحدة، وأوهم أن الإصابة كانت شديدة حتى حمل على السرير ... !
وقد روى ابن عدي (٥/٥٢- ٥٣) قصة عمر وحدها من رواية الهلالي هذا
عن الأسود عن جندب:
أن عمر دخل على النبي ﷺ وهو مضطجع على حصير مرمول ... الحديث؛
وهذا هو الصواب؛ أن قصة عمر لا علاقة لها بحديث الترجمة.
وخالف إسرائيلُ- وهو ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي- جميع أولئك الثقات، فقال: عن الأسود بن قيس عن جندب، قال:
لما انطلق أبو بكر- ﵁ مع رسول الله ﷺ إلى الغار، وقال له أبو بكر: لا تدخل الغار يا رسول الله! حتى أستبرئه. قال: فدخل أبو بكر الغار، فأصاب يديه شيء، فجعل يمسح الدم عن إصبعه وهو يقول: هل أنت إلا
إصبع ... إلخ.
стр. 5651
أخرجه محمد بن عاصم الثقفي الأصبهاني في "جزئه " (٩٥/١٩) ومن طريقه: الذهبي في "السير" (٩/٥٢٨) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٢/٤٨٠) مختصراً من طريقين عنه.
قلت: وهو- بهذا السياق- شاذ غريب؛ لتفرد إسرائيل به ومخالفته أولئك الثقات، وهو إن كان ثقة من رجال الشيخين، فقد تكلم فيه غير ما واحد من قبل حفظه، وأحد الطريقين المشار إليهما طريق يحيى بن آدم الثقة الإمام الفقيه، وقد ذكر ابن عدي في ترجمة إسرائيل عن يحيى هذا أنه قال:
"كنا نكتب عنده من حفظه، وقد كان لا يحفظ، ثم حفظ بَعدُ".
فالظاهر أن هذا الحديث حدث به من حفظه، فوهم.
وقد فات هذا التحقيقُ المعلق على "السير"، فوثق رجاله فحسب، ولعله ألقي
في نفسه شيء منه، ولذلك لم يتجرأ على تصحيح إسناده! وقال ثمة:
"وقد نسبه الزرقاني في "شرح المواهب " (١/٣٣٦) إلى ابن مردويه ".
قلت: وظني أنه رواه من طريق ابن عاصم الثقفي.
وذكر الزرقاني هناك أن البيت من إنشاء الصديق، وأن المصطفى تمثل به.
فأقول: أما أنه من إنشاء أبي بكر؛ فلا دليل عليه، حتى لو فرض أن القصة صحيحة، وقد عرفت شذوذها؛ لأنه كما يحتمل أن يكون النبي ﷺ تمثل به، فهو محتمل بالنسبة للصديق أيضاً، ولا سيما وقد قيل: إنه من إنشاء الوليد بن الوليد ابن المغيرة في قصة الحديبية.
وأما أن المصطفى ﷺ تمثل به؛ فهو ممكن، ولكن ليس بلازم؛ لأن من الجائز
стр. 5652
وقوع الكلام منه ﷺ منظوماً من غير قصد إلى ذلك، ولا يسمى ذلك شِعراً، كما حققه الحافظ في "الفتح " (١٠/٥٤١- ٥٤٢) ، فراجعه فإنه مهم. *
٣٢٨٣ - (لا تزالون بخيرٍ ما دامَ فيكُم من رآني وصاحَبَنِي. والله!
لا تزالون بخيرٍ ما دام فيكُم من رأى من رآنِي وصاحبَ من صاحَبَني، والله! لا تزالون بخيرٍ ما دام فيكُم من رأى من رأى من رآني،
وصاحب من صاحَبَ من صاحَبَنِي) .
أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف" (١٢/١٧٨/٤/١٢٤٦٣) ومن
طريقه: ابن أبي عاصم في "السنة " (٢/ ٦٣٠/١٤٨٠) - والسياق له؛ وهو أتم-، والطبراني أيضاً عنه في "المعجم الكبير" (٢٢/٨٥/٢٠٧) : حدثنا زيد بن الحُباب قال: ثنا عبد الله بن العلاء أبو الزبير الدمشقي قال: ثنا عبد الله بن عامر عن واثلة ابن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله رجال "الصحيح "، وقال الحافظ في "الفتح "
(٥/٧) .
"أخرجه ابن أبي شيبة، وإسناده حسن ".
قلت: وإنما لم يصححه؛ لأن زيد بن الحباب وإن كان من رجال مسلم؛ ففيه بعض الكلام من جهة حفظه، ولذلك قال الحافظ في "التقريب ":
"صدوق، يخطىء في حديث الثوري ".
والخطب في مثله سهل، ولا سيما وقد توبع؛ فقال ابن السماك في "حديثه " (٢/٢٢/٢) : حدثنا مُضَرُ بن محمد الأسَدي: ثنا صفوان بن صالح: ثنا الوليد بن
стр. 5653
مسلم: ثنا عبد الله بن زيد: حدثني عبد الله بن عامر اليحصبى قال: سمعت واثلة ابن الأسقع به.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات مسلسل بالتحديث، ومضر
ابن محمد الأسدي؛ وثقه الخطيب (١٣/٢٦٨- ٢٦٩) . وهو بهذا التسلسل عزيز نفيس؛ فقد أخرجه ابن أبي عاصم (١٤٨٢) ، والطبرانى من طريقين آخرين عن الوليد بن مسلم به دون تصريح اليحصبي بالسماع.
وقد توبع زيد والوليد من إبراهيم بن عبد الله بن العلاء بن زيد قال: حدثني
أبي به مختصراً.
أخرجه الطبراني في "الكبير" وفي "مسند الشاميين " (١/٤٥٢- ٤٥٣) ،
وعنه أبو نعيم في "المعرفة" (١/٤/١) .
وابراهيم هذا روى عنه أبو حاتم وسكت عنه (٢/١٠٩/٣١٩) ، وذكره ابن
حبان في "الثقات " (٨/٦٦) ، وأما النسائي فقال:
"ليس بثقة"! ولا يضر هذا؛ فإنه متابع، ولذلك قال الهيثمي (١٠/٢٠) :
"رواه الطبراني من طرق، ورجال أحدها رجال الصحيح ".
وذكره الحافظ العلائي في ".. من ثبتت له شريف الصُّحبة" (٧٠/١٥) من
رواية الوليد بن مسلم بسنده المتقدم معنعناً، ودون أن يعزوه لأحد؛ وقال:
"واسناده صحيح ".
ولم يزد محققه الدكتور عبد الرحيم القشقري- في تخريجه- على نقله قول
الحافظ الهيثمي المذكور آنفاً! *
стр. 5654
٣٢٨٤ - (ثكِلتكَ أمُّك [يا معاذُ] بن جَبَل! وهل يكبُّ الناسَ على
مناخرِهم في جهنَّم إلا حصائدُ ألسنتِهم؟!) .
أخرجه ابن البنَّاء في "جزء السكوت ولزوم البيوت " (٥٧/٥) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/١٢٧-١٢٨) من طريقين عن أبي أحمد الزُّبيري قال:
حدثنا عمرو بن عبد الله النَّخعِيُّ قال: حدثنا أبو عمرو الشيباني عن معاذ بن جبل
﵁ قال:
قلت: يا رسول الله! أنؤاخذ بكل ما نتكلم به؟ فقال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير عمرو بن
عبد الله النخعي، وهو ثقة اتفاقاً، روى له البخاري في "الأدب المفرد"، كما في "تهذيب المزي "، و"تقريب العسقلاني "، ووقع في "تهذيب العسقلاني "مرموزاً له ب (خ) ! ويبدو أنه تحريف، والله أعلم.
واعلم أن الباعث على تخريج هذا الحديث، - وهو الطرف الأخير من حديث
طويل لمعاذ ﵁؛أنني كنت خرجته من رواية الترمذي وغيره من طريق أبي وائل، وشهر بن حوشب، وميمون بن أبي شيبة مطولاً، يزيد بعضهم على بعض، وكلها معلولة بالانقطاع إلا رواية عن شهر، كما يأتي، خرجت ذلك في"الإرواء" (٢/١٣٨-١٤١) ، وبين عللها أيضاً المنذري في"الترغيب" (٤/٥- ٦) ، ثم ابن رجب في "شرح الأربعين " (ص ١٩٦) ، وعقب عليها بقوله:
"وله طرق أخرى كلها ضعيفة".
فلما وقفت على هذا الإسناد لهذا الطرف؛ بادرت إلى تخريجه؛ لعزته
وصحته خلافاً لتلك الطرق.
стр. 5655
ثم تابعت البحث، فوجدت له طريقاً أخرى من رواية مبارك بن سعيد- أخي
سفيان بن سعيد-: ثنا سعيد بن مسروق عن أيوب بن كُريز عن عبد الرحمن بن غَنمٍ عن معاذ بن جبل ... الحديث مطولاً، وفيه الطرف.
أخرجه الطبراني (٢٠/٧٣- ٧٤) من طريقين عنه.
وهذا إسناد رجاله ثقات من رجال "التهذيب "؛غير أيوب بن كريز هذا؛ فإنه
لا يعرف إلا في هذه الرواية، ومع ذلك ذكره ابن حبان في " الثقات " (٦/٥٤) ! فهو مستور، فيقوى حديثه بمتابعة شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم به. أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٥ و ٢٣٦ و٢٤٥) مطولاً ومختصراً. *
مشروعية السلام على القارئ
٣٢٨٥ - (تعلَّموا كتاب الله واقتنُوه، وتغنُوا به، فو الذِي نفسُ
محمَّدٍ بيدهِ؟! لهُوأشدُّ تفلُّتاَ من المخاضِ من العُقُلِ) .
أخرجه أحمد (٤/ ١٥٠) ، والشجري في "الأمالي " (١/٧٣) من طريق
عبد الله بن يزيد: ثنا قُبَاث بن رزِين اللَّخمي قال: سمعت عُليَّ بن رَبَاح اللخمي يقول: سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول:
كنا جلوساً في المسجد نقرأ القرآن، فدخل رسول الله ﷺ فسلَّم علينا، فرددنا
﵇، ثم قال: ... فذكره.
ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/ ٢٩٠/ ٨٠٠) .. لكنه لم يسق لفظه.
ثم أخرجه أحمد (٤/١٥٣) ، والطبراني (٨٠٠ و ٨٠٢) من طرق أخرى عن قباث به.
стр. 5656
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات.
وتابع قباثاً: موسى بن عُليِّ بن رباح عن أبيه به دون القصة.
أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/٤٧٧) ، وعنه ابن حبان (١٧٨٨- موارد) ، وأحمد (٤/١٦٤) ، وابن نصر في "قيام الليل" (ص ٥٦) ، والرُّوياني في"مسنده " (ق٤٥/٢) ، والطبراني أيضاً (٨٠١) من طريق ابن أبي شيبة. وقال الهيثمي (٧/١٦٩) :
"رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح ".
قلت: وفي هذا الحديث من الفقه: مشروعية السلام على من كان جالساً يقرأ القرآن، ففيه رد على من قال بكراهة ذلك، وهذا مع كونه مجرد رأي " فهو مخالف لهذا الحديث، ولعموم قوله ﷺ : "أفشوا السلام بينكم " (١) . وإذا كان قد صح إقرار النبي ﷺ للصحابة حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي في مسجد قباء، ويرد عليهم إشارة بيده الكريمة؛ فمن باب أولى أن يشرع السلام على التالي للقرآن خارج الصلاة، ويكون الرد حينئذٍ لفظاً لا إشارة كما لا يخفى على أولي النهى، وإلى هذا ذهب النووي- ﵀.
وقد خرَّجت حديث الإقرار المشار إليه في "صحيح أبي داود" برقم (٨٦٠) ، وفيما تقدم من هذا الكتاب برقم (١٨٦) ، وذكرت فيه عمل أحمد وإسحاق وابن العربي به. وتطرقت للسلام على القارئ والمؤذن، وأشرت إلى هذا الحديث، ولم يتيسر لي هناك تخريجه، والآن فقد وفق الله ويسر لي تخريجه؛ و (لكل أجل
كتاب) . والله ولي التوفيق.
стр. 5657
٣٢٨٦ - (يُكتبُ في كلِّ إشارةٍ يشيرُ الرجلُ [بيده] في صلاتهِ
عَشرُ حسناتٍ؛ كلَّ إِصبعٍ حسنةٌ) .
أخرجه أبو عثمان البَحِيري في "الفوائد" (ق ٣٩/٢) ، والديلمي (٤/ ٣٤٤)
من طريق ابن لهيعة عن عبد الله بن هُبيرة: أخبرني أبو مصعب المعافري: سمعت عقبة بن عامر ... مرفوعاً.
ومن هذا الوجه أخرجه المؤمل بن إهاب في "جزئه " (٩٨/٢٦) ، وابن أبي
الحديد السلمي في "حديث أبي الفضل السلمى" (٤/٢) ، إلا أنهما قالا: "عن
أبي عُشَّانة" مكان: "أبي مصعب "، وباختصار شديد:
"في كل إشارة في الصلاة عشر حسنات ".
ويرجح الأول سنداً ومتناً: رواية الطبراني في "المعجم الكبير"من طريق أبي
عبد الرحمن المقرئ عن ابن لهيعة: حدثني ابن هبيرة: أن أبا المصعب مِشرح بن هاعان المعافري حدثه: أنه سمع عقبة بن عامر الجهني به، والزيادة منه، إلا أنه في حكم المرفوع كما هو ظاهر؛ لأنه لا يقال بمجرد الرأي.
وإسناده صحيح؛ فإن أبا عبد الرحمن المقرئ- وهو عبد الله بن يزيد المصري-
من جملة العبادلة الذين سمعوا من ابن لهيعة قبل تغير حفظه، ومنهم عبد الله بن المبارك، ورواية الديلمي من طريقه، لكن فيه من لم أعرفه، وقد رواه معلقاً على الحاكم، وإليه عزاه السيوطي في "الجامع الكبير"؛ لكن قيده بقوله: ".. في (تاريخه) "، وعزاه فيه وفي "الجامع الصغير"أيضاً للمؤمَّل بن إهاب في "جزئه "! وفاته أن يعزوه للطبراني؛ مع أنه في "مجمع الزوائد"، وقال (٢/١٠٣) :
"رواه الطبراني، وإسناده حسن ".
стр. 5658
وكذا قال المناوي في "التيسير"، دون أن يعزوه لأحد. وأما في أصله "الفيض "؛
فقال:
"قال البيهقي: وسنده حسن ".
ويغلب على ظني أن (البيهقي) محرف من (الهيثمي) .
(تنبيه) : لقد توهم بعض الفضلاء أن الحديث يعني: الإشارة بإصبعه السبابة وتحريكها في تشهد الصلاة، وأن له بكل تحريك عشر حسناتٍ! وهذا وهم محض، ويؤكده زيادة: (بيده) ، ولم يقل: (بإصبعه) ، ولذلك أورده الهيثمي في " باب رفع اليدين في الصلاة".
أقول هذا مع العلم؛ بل والانتصار لثبوت التحريك في حديث وائل بن
حجر، وقد صححه جمع من الأئمة دون أي مخالف، وعمل به الإمام أحمد وإسحاق وغيرهما، ولا عبرة بمن ضعفه من المعاصرين بحجة الشذوذ والمخالفة؛ فإنها حجة داحضة؛ لجهلهم وظنهم أن التحريك ينافي الإشارة، وليس
كذلك؛ كما حققته في "تمام المنة" (٢١٨- ٢٢٢) تحقيقاً قد لا تراه في غيره،
ولله الفضل والمنة. *
٣٢٨٧ - (من طلب الدُّنيا أضرَّ بالآخرةِ، ومن طلَبَ الآخرةَ أضرَّ بالدُّنيا! فأضِرّوا بالفاني للباقي) .
أخرجه ابن أبي عاصم في "الزهد" (٧٨/ ١٦١) : أخبرنا هَدِيّة بن عبد
الوهاب: أخبرنا الفضل بن موسى: أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات من رجال "التهذيب "؛ على
стр. 5659
الخلاف المعروف في محمد بن عمرو- وهو ابن علقمة بن وقاص المدني-، قال الذهبي في " الميزان ":
"شيخ مشهور، حسن الحديث، مكثر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قد
أخرج له الشيخان متابعة".
وقال الحافظ في "التقريب ":
"صدوق له أوهام ".
وله شاهد موقوف من حديث عبد الله بن مسعود- ﵁.
أخرجه وكيع في "الزهد" (١/٢٩٧- ٢٩٨) ، ومن طريقه ابن أبي شيبة في "المصنف " (١٣/٢٨٧-٢٨٨) بسندٍ صحيحٍ عنه.
وهناد في " الزهد " أيضاً (٢/٣٥٣- ٣٥٤) بإسناد آخر رجاله ثقات.
وله شاهد آخر مرفوع من حديث أبي موسى الأشعري بنحوه، كنت خرجته
في الكتاب الآخر (٥٦٥٠) لانقطاعه مع ثقة رجاله، ثم وقفت على هذا الشاهد العزيز القوي، فسارعت إلى تخريجه هنا، ثم أشرت إليه هناك؛ ليكون القراء على بصيرة وعلم بما يَجِدُّ من العِلمِ؛ فإنه في تَقدُّمٍ لا يقبلُ الجُمود، وبالله تعالى التوفيق. *
٣٢٨٨ - (ما مِن مُسلمٍ يبيتُ على ذِكر [الله] طاهراً، فيتعارُّ مِنَ
الليل، فيسألُ الله خيراً مِن [أمرِ] الدُّنيا والآخرِة؛ إلاّ أعطاهُ إياه) .
أخرجه الطيالسي في "مسنده " (٧٧/٥٦٣) : حدثنا حماد بن سلمة عن
ثابت عن شهر بن حوشب قال: ثنا رجل عن معاذ: أن رسول الله ﷺ قال: ... فذكره نحوه. قال ثابت:
стр. 5660
فقدم علينا الذي حدثنا شهر بن حوشب عنه، فحدثنا بهذا الحديث.
قلت " هكذا وقع في "المسند": (رجل) لم يسم، وقد رواه النسائي في "عمل
اليوم والليلة " (٤٦٩/٨٠٥) من طريق الطيالسي؛ فقال: "عن أبي ظبية ". وقال: قال: ثابت: فقدم علينا أبو ظبية، فحدثنا بهذا الحديث عن معاذ.
وهكذا أخرجه أبو داود في "سننه " (٥٠٤٢) ، وأحمد في "مسنده " (٥/٢٣٤
و٢٤١) ، والطبراني في"معجمه" (٢٠/١١٨/٢٣٥) من طرق عن حماد بن سلمة به. ورواه ابن ماجه (٣٨٨١) دون قول ثابت.
قلت: وأبو ظَبية: هو السّلفِىُّ الحمصي، روى عنه جمع من الثقات غير ثابت البناني، فاقتصار الحافظ على قوله فيه: "مقبول "؛ غير مقبول! لا سيما وقد وثقه ابن معين وغيره، كما كنت ذكرت ذلك تحت الحديث (٥٩٥) ، وأزيد هنا فأقول: قال المنذري في "الترغيب " (١/٢٠٧) :
"شامي ثقة".
فحديث الترجمة- بالإسناد الثاني- عن حماد عن ثابت عن أبي ظبية-
صحيح، وأما إسناده الأول- عن ثابت عن شهر عن أبي ظبية-؛ فضعيف، لكن يستشهد به لحال شهر المعروف.
ومن هذه الطريق الصحيحة فقط: أخرجه ابن ماجه (٣٨٨١) ، والأصبهاني
في "الترغيب " (٢/٥٥٧/ ١٣٣٠) ، وهو رواية لأ حمد (٥/ ٢٤٤) .
(تنبيه) : لقد شتَّ نظر المعلق على الحديث في "موارد الظمآن " (١/٢٨٧-
طبع دمشق) عن حقيقتين اثنتين:
стр. 5661
الأولى: أنه حسن إسناده من طريق (شهر بن حوشب) ! وفاته أن إسناده من طريق (ثابت) صحيح ثابت.
والأخرى: أنه جعلة شاهداً لحديث ابن عمر الذي عند ابن حبان (١٦٧-
موارد) بلفظ: "من بات على طهارة بات في شِعاره ملك ... " الحديث! وليس فيه مما في هذا إلا فضل من بات طاهراً؛ فهو شاهد قاصر كما بينته عند تخريج
الحديث رقم (٢٥٣٩) .
والحقيقة الأولى قد فاتت المنذريَّ أيضاً؛ فإنه لم يذكره إلا من طريق شهر،
مع أنه عزاه لأبي داود والنسائي، وابن ماجه. فظن أن رواية الأولين كرواية ابن ماجه عن شهر فقط، ومع ذلك فإنه أشار إلى تقوية الحديث بتصديره إياه بقوله: (عن) ، وكذلك قواه الحافظ بسكوته عنه في "الفتح " (١١/١٠٩) ، وعزاه للثلاثة المذكورين دون أن يتعرض لبيان حال إسناده. *
٣٢٨٩ - (كان بين آدمَ ونوحٍ عشرةُ قرونِ، وبين نوحٍ وإبراهيم عشرةُ
قرونٍ)
أخرجه الحاكم (٢/٢٦٢) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨/١٣٩-١٤٥) ،
وفي "المعجم الأوسط " (١/٢٤/٢/٣٩٨- بترقيمي) من طريق أبي توبة الربيع بن نافع الحلبي: ثنا معاوية بن سلام: حدثني زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام
يقول: حدثني أبو أمامة ﵁:
أن رجلاً قال: يا رسول الله! أنبي كان آدم؟ قال:
"نعم، مُعلَّمٌ مُكلَّمٌ ".
стр. 5662
قال: كم بينه وبين نوح؟ قال:
" عشرة قرون ".
قال: كم كان بين نوح وإبراهيم؟ قال:
" عشرة قرون ".
قالوا: يا رسول الله! كم كانت الرسل؟ قال:
"ثلاث مئة وخمسة عشر، جمّاً غفيراً".
وقال الحاكم- والسياق له-:
"صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي.
وقال الطبراني:
"تفرد به معاوية بن سلام ".
قلت: وهو ثقة من رجال مسلم، كما أشار إلى ذلك الحاكم. وقال الهيثمي (٨/٢١٠) :
"رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح؛ غير أحمد بن خليد الحلبي، وهو
ثقة".
قلت: هو ممن أكثر عنهم الطبراني في "المعجم الأوسط "، فروى له فيه ثمانين حديثاً (٣٨٨- ٤٦٨) ، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٨/٥٣) ، وقال فيه الحافظ الذهبي في "السير" (١٣/٤٨٩) :
"ما علمت به بأساً".
стр. 5663
قلت: ومع هذا؛ فهو متابع عند الحاكم من الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي.
وقد وجدت للشطر الثاني من حديث الترجمة شاهداً موقوفاً قوياً من حديث
ابن عباس- ﵄ قال:
"كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق؛ فاختلفوا؛ فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: (كان الناس أمة واحدة فاختلفوا) ".
أخرجه الطبري في "تفسيره " (٢/ ١٩٤) ، والحاكم (٢/٥٤٦- ٥٤٧) وقال: "صحيح على شرط البخاري ". ووافقه الدهبي.
قلت: كنت خرجت هذا الحديث من مصدر مخطوط فيما تقدم برقم (٢٦٦٨) ، ومن مصادر أخرى مطبوعة، لم يقع في بعضها الشطر الثاني من حديث الترجمة، فرأيت أن أبرزه هنا وأفرده بالتخريج، وأن أقويه بهذا الشاهد الصحيح عن ابن عباس؛ فإنه وإن كان موقوفاً رواية؛ فهو مرفوع دراية؛ فإنه في تفسير قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) [البقرة: ٢١٣] ، وبخاصة أنه من رواية ترجمان القرآن عبد الله بن عباس-﵄، وفيه ما يؤكد رفعه، وهو قوله: "وكذلك هي في قراءة عبد الله.. " يعني: عبد الله بن مسعود ﵁.
وفيه فائدة هامة؛ وهي أن الناس كانوا في أول عهدهم أمة واحدة على
التوحيد الخالص، ثم طرأ عليهم الشرك، خلافاً لقول بعض الفلاسفة والملاحدة؛ أن الأصل فيهم الشرك ثم طرأ عليهم التوحيد! ويبطل قولهم هذا الحديثُ وغيرهُ مما هو نصٌّ في نبوة أبيهم آدم ﵇، إلى أدلة أخرى كنت ذكرت بعضها في
стр. 5664
كتابي"تحذير الساجد" (ص ١٤٧- ١٥٠) ، فراجعه فإنه مهم. *
٣٢٩٠ - (يا جابرُ! أمّا علمت أنّ الله عزّوجلّ أحيا أباك، فقال له:
تمنَّ عليَّ، فقال: أُردُّ إلى الدُّنيا فأُقتلُ مرةً أُخرى! فقال: إنّي قضيتُ
الحُكمَ: أنّهُم إليها لا يُرجعُون؟!) .
أخرجه أحمد في "المسند" (٣/٣٦١) من طريق محمد بن علي بن رُبيِّعةَ
السُّلمي عن عبد الله بن محمد بن عَقيل عن جابر قال: قال لي رسول الله
ﷺ : ... فذ كره.
قلت: وهذا إسناد حسن على الخلاف المعروف في (ابن عقيل) ، والذي
استقر عليه رأي الحفاظ المتأخرين أنه وسط حسن الحديث، وبخاصة إذا توبع،
كما يأتي.
ومحمد بن علي بن ربيعة السلمي؛ وثقه ابن معين، وابن حبان (٧/٤٣٥) ،
وقال أبو حاتم (٢٧٨- ٢٨/ ١٢٠) :
"صدوق، لا بأس به، صالح الحديث ".
قلت: وقد تابعه أبو حماد الحنفي عن ابن عقيل قال: سمعت جابر بن
عبد الله به.
أخرجه الحاكم (٢/١١٩- ١٢٠) ، وقال:
"صحيح الإسناد".
ورده الذهبي بقوله:
"قلت: أبو حماد هو المفضل بن صدقة، قال النسائي: متروك ".
стр. 5665
قلت: فيه خلاف، ولم يجرحه غير النسائي، وقول ابن معين فيه: "ليس بشيء"؛ إنما يعني أن أحاديثه قليلة جدّاً، كما قال ابن القطان الفاسي، فيما نقله الحافظ في "المقدمة " (ص ٤٢١) ، وأقره! وعندي في ذلك وقفة، لما ذكرته في بعض التعليقات على "الرفع والتكميل "، (ص ١٠٠) ، وعلى كل حال، فليس هو بجرح قوي، وقريب منه قول أبي حاتم (٨/٣١٥- ٣١٦/١٤٥٦) :
"ليس بقوي، يكتب حديثه ".
وقال أبو زرعة:
"ضعيف الحديث ".
ويقابل هؤلاء قول ابن عدي (٦/٤١٠) :
"روى عنه الكوفيون وغيرهم [من] الثقات، وما أرى بحديثه بأساً، وكان
أحمد بن محمد بن سعيد (١) يثني عليه ثناءً تاماً ".
وزاد في " الميزان " و" اللسان ":
"وقال الأهوازي: كان عطاء بن مسلم يوثقه، وقال البغوي في "معجم
الصحابة ": كوفي صالح الحديث ".
قلت: فمثله يستشهد به على الأقل، إن لم يكن وسطاً حسن الحديث، والله
أعلم.
وتابع ابن عقيل طلحةُ بنُ خِراش قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: ...
فذكره نحوه، وفيه:
стр. 5666
"قال الرب ﵎: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: وأنزلت
هذه الآية: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً) الآية [آل عمران: ١٦٩] ". إسناده حسن؛ كما قال المنذري (٢/ ١٩١) ، وحسنه الترمذي (٣٠١٠) والمزي، وصححه الحاكم (٣/٢٠٣- ٢٠٤) ، وهو مخرج في"ظلال الجنة" (١/٢٦٧- ٢٦٨) . وللحديث شاهد ضعيف جدّاً، يرويه فَيضُ بن وَثِيق: ثنا أبو عُبَادة
الأنصاري: أخبرني ابن شهاب عن عروة عن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ لجابر: ... فذكره دون الآية.
أخرجه الحاكم (٣/٢٠٣) ، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/٢٩٨) ، والبزار
في " مسنده " (٣/ ٢٥٩) ، وقال:
"لا يروى عن عائشة إلا من هذا الوجه، وأبو عباد (كذا) حدث عنه أبو داود، والقاسم بن الحكم (١) ، والفضل ".
قلت: كذا وقع فيه (أبو عباد) ، وكذا في "الجرح والتعديل " (٦/ ٢٨١/١٥٥٩) .
وفي "كنى البخاري " (٥٤/٤٦٨) كما في الإسناد: "أبو عبادة"، وكذا في
"التهذيب"وفروعه، لكن البخاري لما ساق له حديثاً من طريق أبي داود الطيالسي وقع فيه: (أبو عباد) فالظاهر أنه خلاف قديم، واسمه: (عيسى بن عبد الرحمن بن فروة الزُّرَقي) ، وهو متروك. وأما الحاكم فقال:
"صحيح الإسناد"!
وتعقبه الذهبي بقوله:
"قلت: فيض كذاب "!
стр. 5667
كذا قال! وهو في ذلك تابعٌ لابن معين، وغفل عن تعقُّبه إياه في "الميزان "
بقوله:
"قلت: قد روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم، وهو مقارب الحال إن شاء الله تعالى".
وأقره الحافظ في "اللسان "، وقالت:
"وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه، وأخرج له الحاكم في "المستدرك "
محتجّاً به، وذكره ابن حبان في (الثقات) [٩/١٢] ".
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/٣١٧) :
"رواه الطبراني، والبزار من طريق الفيض بن وثيق عن أبي عبادة الزرقي، وكلاهما ضعيف ".
ووقع في "المستدرك " و"التلخيص ": (أبو عمارة) ! فلعله لذلك لم يعله
الذهبي به؛ لأنه لم يعرفه؛ فإنه محرف، والله أعلم.
ومن التحريفات: أن (الفيض) وقع في "كشف الأستار": (الفضل) ! ولم
يعرفه الشيخ الأعظمي، فقال "في تعليقه عليه:
"كذا الأصل، وفي الزوائد: (الفيض) "! ذلك مبلغه من العلم!
وبالجملة؛ فالحديث صحيح بهذه المتابعات والشواهد، ومع ذلك لم ينج من
جناية ذلك الهدام عليه المسمى ب (حسان) ، فقد أنكره في تعليقه على "إغاثة اللهفان "، وقد رددت عليه في كتابي الذي أنا في صدد تعقبي فيه لما ضعفه من الأحاديث الصحيحة، وبينت أن له شواهد أخرى، تجاهلها كلها! عامله الله بما يستحق. *
стр. 5668
٣٢٩١ - (جُعلَت قُرُّة عَيني في الصَّلاةِ) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/٤٢٠/١٠١٢) : حدثنا حفص بن
عمر الرُقِّي ومحمد بن الحسن بن كيسان المِصيصيُّ قالا: ثنا أبو حذيفة: ثنا سفيان عن زياد بن عِلاقة عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد "أبو حذيفة اسمه: (موسى بن مسعود) ؛ قال الحافظ: "صدوق سيء الحفظ، وكان يصحف، وحديثه عند البخاري في المتابعات ".
وقال الذهبي في "الميزان ":
"صدوق إن شاء الله، يهم، تكلم فيه أحمد، وضعفه الترمذي، وقال ابن
خزيمة: لا أحتج به ... ".
قلت: لكن له شاهد قوي يرويه يحيى بن عثمان الحربي: ثنا هِقل بن زياد
عن الأوزاعي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
أخرجه العقيلي (٤/ ٤٢٠) ، والطبراني "المعجم الأوسط " (٥٧٧٢) ، وفي "المعجم الصغير" (ص ١٥٣- هند) ومن طريقه: الخطيب في "التاريخ " (١٢/ ٣٧١ و ١٤/١٩٠) .
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، وقد أعل بما لا يقدح، كما تقدم
تحقيقه رقم (١١٠٧، ١٨٠٩) . وإنما أعدته هنا شاهداً لحديث أبي حذيفة هذا.
وقد جاء الحديث من طريق أخرى عن أنس. بأتم مما هنا، وهو مخرج في
" المشكاة " (٥٢٦١) ، و" الروض النضير" رقم (٥٣) .
стр. 5669
ومن جور المسمى بـ (حسان) على السنة: استنكاره هذا الحديث! وقد رددت
عليه فيما أنا في صدده رقم (١٤١) ، وذكرت ثمة من صححه من الأئمة، ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني. *
٣٢٩٢ - (نَعَم، وإن كنت على نهر جار) .
أخرجه الإمام أحمد (٢/٢٢١) : ثنا قتيبة بن سعيد: ثنا ابن لهيعة عن حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِيِّ عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ، فقال:
"ما هذا السرف يا سعد؟! "
قال: أفي الوضوء سرف؟! قال: ... فذكره.
وأخرجه ابن ماجه (٤٢٥) : حدثنا محمد بن يحيى: ثنا قتيبة به.
قلت: وهذا إسناد حسن؛ حيي بن عبد الله مختلف فيه، وهو عندي أنه وسط حسن الحديث، وقد حسّن له الترمذي، وصحح له ابن حبان والحاكم والذهبي وغيرهم، وحسنت أنا- بدوري- فيما مضى عدة أحاديث، فانظر مثلاً "المشكاة" (٥٩٣ ١) ، و"الصحيحة" (١٠٠٣ و ٤ ٣٠ ١) وغيرهما، وقال فيه ابن عدي (٢/ ٢٥١) :
"وأرجو أنه لا بأس به إذا روى عنه ثقة".
قلت: وهذا الشرط بدهي، ويبدو- لأول وهلة- أنه هنا غير متوفر، لسوء حفظ ابن لهيعة الذي عرف به، وإن كان صدوقاً في نفسه، وهذا هو الذي كان حملني- تبعاً لغيري- على تضعيف الحديث من أجله في "إرواء الغليل " (١/ ١٧١/ ١٤٠) قديماً، وفي غيره إحالة عليه.
стр. 5670
ثم بدا لي ما غير وجهة نظري في رواية قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة، وأن روايته عنه ملحقة في الصحة برواية العبادلة عنه، استفدت ذلك من ترجمة الحافظ الذهبي لقتيبة في "سير أعلام النبلاء"، وقد نقلت ذلك تحت الحديث المتقدم (٢٨٤٣) ، فلا داعي لتكراره.
وبناءً على أن هذا الحديث من رواية قتيبة عن ابن لهيعة، فقد رجعت عن تضعيف الحديث به إلى تحسينه، راجياً من الله أن يغفر لي خطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، وأن يزيدني علماً وهدى.
وهناك أثر ذكره البيهقي (١/١٩٧) عن هلال بن يساف قال: "كان يقال: في كل شيء إسراف، حتى الطهور؛ وإن كان على شاطىء النهر".
وهلال هذا ثقة تابعي، فكأنه يشير إلى هذا الحديث، وإلى أنه كان مشهوراً بين السلف، والله أعلم. *
٣٢٩٣ - (أما إنّهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئاً استحلّوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه، [فتلك عِبادتهم] ) . أخرجه البخاري في "التاريخ " (٤/١/١٠٦) والترمذي في "السنن " (٣٠٩) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/٩٢/٢١٨ و ٢١٩) ، وابن جرير في "التفسير" (١٠/ ٨٠- ١٨) ، والبيهقي في "السنن " (١٠/١١٦) من طريق عبد السلام بن حرب عن غُطَيْفِ بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال:
أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال:
"يا عدي! اطرح هذا الوثن ".
стр. 5671
وسمعته يقرأ في سورة (براءة) : (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) ، [فقلت: إنا لسنا نعبدهم] ؟! قال: ... فذكره.
والزيادتان للبخا ري وغيره، والسياق للترمذي، وقال:
"حديث [حسن] غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين؛ ليس بمعروف في الحديث ".
قلت: فهو علة الحديث، وهي جهالة (غطيف بن أعين) ، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات " (٧/ ٣١١) برواية عبد السلام هذا فقط، وكذلك ذكره البخاري وابن أبي حاتم، وذكرا له في "التهذيب " راوياً آخر، وهو (إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة) ، ولكنه متروك. وأما قول الحافظ فيه:
"قلت: وضعفه الدارقطني ".
فأقول: ظن الدارقطني أنه هو (رَوح بن غطيف) ، بينه الذهبي بقوله في "الميزان ":
"ضعفه الدارقطني وقال: روى عنه القاسم بن مالك المزني فقال: روح بن غطيف ".
فتعقبه الذهبي بقوله:
"قلت: أظن ذا آخر".
فأقول: وعلى التفريق جرى البخاري وابن أبي حاتم ومن جاء بعدهما؛ فقد ترجما للأول (غطيف بن أعين) برواية عبد السلام عنه كما تقدم، ثم ترجما لروح ترجمة أخرى؛ فقال البخاري (٢/١/٣٠٨/١٠٤٧) :
стр. 5672
"روح بن غطيف الثقفي عن عمر بن مصعب، روى عنه محمد بن ربيعة؛ منكر الحديث.. ".
ثم ساق له حديث (الدرهم) من طريق القاسم بن مالك عنه عن الزهري بسنده المتقدم في "الضعيفة" (١٤٨) ، ووقع فيه عند البخاري: (روح بن غطيف ابن أبي سفيان الثقفي) ، وهكذا وقعت ترجمته في كتاب "الضعفاء" لابن حبان (١/٢٩٨) . وأما ابن أبي حاتم؛ فقال:
"روح بن غطيف بن أعين الجزري، روى عن الزهري وعمرو- كذا- بن مصعب بن الزبير، روى عنه عبد السلام بن حرب والقاسم بن مالك المزني ومحمد ابن ربيعة، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: ليس بالقوي؛ منكر الحديث جدّاً".
هكذا سمّى جده (أعين الجزري) ، فلا أدري هل هو محفوظ؛ فإني لم أره عند غيره، وكذلك قوله: "روى عنه عبد السلام بن حرب ... "؟ والباقي موافق لما عند البخاري وغيره.
ثم رأيت حديث (الدرهم) في "علل الدارقطني " (٨/٤٣- ٤٤) من طريق القاسم بن مالك المشار إليها آنفاً عن (روح بن غطيف) به. ثم ذكر أنه خالفه أسد ابن عمرو البجلي فقال: "عن غطيف "، وقال الدارقطني:
"وهو روح بن غطيف كما قال القاسم بن مالك، وروح ضعيف ".
قلت: ففيه إشارة قوية إلى أن صاحب حديث (الدرهم) إنما هو (روح بن غطيف) ، وليس (غطيف بن أعين) ، وأن روحاً في نفسه ضعيف، وأن (أسد بن عمرو) أخطأ في قوله فيه: (غطيف) مكان (روح) . وقد صرح بذلك في كتاب "السنن " (١/ ٤٠١) ، فقال عقب رواية القاسم بن مالك المذكورة:
стр. 5673
"خالفه (أسد بن عمرو) في اسم (روح بن غطيف) ، فسماه (غطيفاً) ؛ ووهم فيه ".
قلت: ومن هذا التحقيق يتبين:
أولاً: أن (غطيف بن أعين) هو غير (روح بن غطيف) .
ثانياً: وأن (روحاً) هذا هو الذي ضعفه الدارقطني، خلافاً لما نسبه إليه الحافظ كما تقدم نقله عنه، وأشار إليه الذهبي بقوله في " الكاشف ": " ليّنه بعضهم "؛ يشير إلى الدارقطني، وإنما ليَّن (روحاً) كما عرفت.
ثالثاً: وأن ما نسبه الذهبي في "الميزان " إلى الدارقطني أنه قال في (روح) : "روى عنه القاسم ... "؛ وهمٌ على الدارقطني، وأن الذي روى ذلك عن القاسم إنما هو (أسد بن عمرو) كما صرح الدارقطني، فاغتنم هذا التحقيق؛ فقد لا تجده في مكان آخر.
ويتبين مما سبق أن علة هذا الإسناد جهالة غطيف بن أعين التي أشار إليها الترمذي بقوله فيه: "ليس بالمعروف ".
وحينئذ يرد السؤال التالي: كيف يلتقي تجهيله إياه مع تحسينه للحديث؟
وجوابي من وجهين:
الأول: أن التحسين المذكور لم يرد في النسخة التي ننقل عنها، وإنما هي زيادة استفدتها من "تخريج الكشاف " للحافظ العسقلاني (٧٥/١٠٨) ، و" الدر المنثور " للسيوطي (٣/ ٢٣٠) .
والآخر: لعله من أجل الشاهد الذي يرويه أبو البختري قال:
стр. 5674
"سئل حذيفة- ﵁ عن هذه الآية (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) ؛ أكانوا يصلون لهم؟ قال: لا، ولكنهم كانوا يحلون لهم ما حرم الله عليهم فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله لهم فيحرمونه، فصاروا بذلك (أرباباً) ".
أخرجه عبد الرزاق في " التفسير" (١/٢٧٢) ، والطبري والبيهقي في " السنن " - والسياق له- وفي "الشعب " (٧/٤٥) ، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم " (٢/١٠٩) من طرق عنه.
وهذا إسناد صحيح مرسل؛ فقد ذكروا أن (أبا البختري) - واسمه سعيد بن فيروز- عن حذيفة: مرسل.
على أن الحافظ ذكر أنه أخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن عطاء بن يسار عن عدي بن حاتم؛ فهو بمجموع طرقه حسن إن شاء الله تعالى، وقد أشار ابن كثير في "تفسيره " (٢/٣٤٨) إلى تقويته، ولكنه عزاه لأحمد أيضاً، ولعله يعني في غير "مسنده "؛ فإني لم أره فيه، ولا عزاه إليه غيره. وقد عزاه السيوطي إلى ابن سعد أيضاً وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ. وعزاه الحافظ لابن أبي شيبة وأبي يعلى والبيهقي في " المدخل " من هذا الوجه - يعني: الذي عند الترمذي-. وقال العلامة الآلوسي في "روح المعاني " عقب الحديث وأثر حذيفة:
"ونظير ذلك قولهم: فلان يعبد فلاناً؛ إذا أفرط في طاعته، فهو استعارة بتشبيه الإطاعة بالعبادة، أو مجاز مرسل بإطلاق العبادة، وهي طاعة مخصوصة على مطلقها، والأول أبلغ، وقيل: اتخاذهم أرباباً بالسجود لهم، ونحوه مما لا يصلح
стр. 5675
إلا للرب ، وحينئذ فلا مجاز، إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة الخبر عن رسول الله ﷺ . والآية ناعية على كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵊ لكلام علمائهم ورؤسائهم، والحق أحق بالاتباع، فمتى ظهر وجب على المسلم اتباعه، وإن أخطأه اجتهاد مقلده ".
(تنبيه) : لقد اطلعت على موقفين متعارضين من مُعَلِّقُيْن على هذا الحديث، غفلا كلاهما عن خطأ نسبة تضعيف الدارقطني لـ (غطيف بن أعين) ، فجاءا بالعجب:
أما أحدهما- وهو الأخ أبو الأشبال الزهيري-؛ فإنه بناءً على التضعيف المزعوم طلع علينا بشيء جديد، وهو أن (غطيفاً) مجهول الحال! لأنه روى عنه أسد بن عمرو والقاسم بن مالك! وهما إنما رويا عن (روح) ! وعليه قال:
"فقد وثقه ابن حبان وضعفه الدارقطني، فلا أقل من أن يقال فيه: "لا بأس به "مثلأ"!
وهذه تركيبة عجيبة، ظاهرة البطلان، لا حاجة لإطالة الرد عليها!
وأما الآخر؛ فهو المدعو بـ (حسان عبد المنان) ؛ فإنه قال في تعليقه على "إغاثة اللهفان " (٢/٣٧٥) :
"وهذا إسناد ضعيف، غطيف بن أعين ضعيف، وفيه جهالة"!
فقوله: "ضعيف " يشير إلى تضعيف الدارقطني، ولا أصل له كما سبق، على أن جمعه بين وصفه بالضعف ووصفه بالجهالة جمع بين متناقضين، كما بينته في ردي عليه رقم (١٥٢) ! فلا داعي للإعادة. *