وسمعته يقرأ في سورة (براءة) : (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) ، [فقلت: إنا لسنا نعبدهم] ؟! قال: ... فذكره.
والزيادتان للبخا ري وغيره، والسياق للترمذي، وقال:
"حديث [حسن] غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين؛ ليس بمعروف في الحديث ".
قلت: فهو علة الحديث، وهي جهالة (غطيف بن أعين) ، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات " (٧/ ٣١١) برواية عبد السلام هذا فقط، وكذلك ذكره البخاري وابن أبي حاتم، وذكرا له في "التهذيب " راوياً آخر، وهو (إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة) ، ولكنه متروك. وأما قول الحافظ فيه:
"قلت: وضعفه الدارقطني ".
فأقول: ظن الدارقطني أنه هو (رَوح بن غطيف) ، بينه الذهبي بقوله في "الميزان ":
"ضعفه الدارقطني وقال: روى عنه القاسم بن مالك المزني فقال: روح بن غطيف ".
فتعقبه الذهبي بقوله:
"قلت: أظن ذا آخر".
فأقول: وعلى التفريق جرى البخاري وابن أبي حاتم ومن جاء بعدهما؛ فقد ترجما للأول (غطيف بن أعين) برواية عبد السلام عنه كما تقدم، ثم ترجما لروح ترجمة أخرى؛ فقال البخاري (٢/١/٣٠٨/١٠٤٧) :
стр. 5672
"روح بن غطيف الثقفي عن عمر بن مصعب، روى عنه محمد بن ربيعة؛ منكر الحديث.. ".
ثم ساق له حديث (الدرهم) من طريق القاسم بن مالك عنه عن الزهري بسنده المتقدم في "الضعيفة" (١٤٨) ، ووقع فيه عند البخاري: (روح بن غطيف ابن أبي سفيان الثقفي) ، وهكذا وقعت ترجمته في كتاب "الضعفاء" لابن حبان (١/٢٩٨) . وأما ابن أبي حاتم؛ فقال:
"روح بن غطيف بن أعين الجزري، روى عن الزهري وعمرو- كذا- بن مصعب بن الزبير، روى عنه عبد السلام بن حرب والقاسم بن مالك المزني ومحمد ابن ربيعة، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: ليس بالقوي؛ منكر الحديث جدّاً".
هكذا سمّى جده (أعين الجزري) ، فلا أدري هل هو محفوظ؛ فإني لم أره عند غيره، وكذلك قوله: "روى عنه عبد السلام بن حرب ... "؟ والباقي موافق لما عند البخاري وغيره.
ثم رأيت حديث (الدرهم) في "علل الدارقطني " (٨/٤٣- ٤٤) من طريق القاسم بن مالك المشار إليها آنفاً عن (روح بن غطيف) به. ثم ذكر أنه خالفه أسد ابن عمرو البجلي فقال: "عن غطيف "، وقال الدارقطني:
"وهو روح بن غطيف كما قال القاسم بن مالك، وروح ضعيف ".
قلت: ففيه إشارة قوية إلى أن صاحب حديث (الدرهم) إنما هو (روح بن غطيف) ، وليس (غطيف بن أعين) ، وأن روحاً في نفسه ضعيف، وأن (أسد بن عمرو) أخطأ في قوله فيه: (غطيف) مكان (روح) . وقد صرح بذلك في كتاب "السنن " (١/ ٤٠١) ، فقال عقب رواية القاسم بن مالك المذكورة:
стр. 5673
"خالفه (أسد بن عمرو) في اسم (روح بن غطيف) ، فسماه (غطيفاً) ؛ ووهم فيه ".
قلت: ومن هذا التحقيق يتبين:
أولاً: أن (غطيف بن أعين) هو غير (روح بن غطيف) .
ثانياً: وأن (روحاً) هذا هو الذي ضعفه الدارقطني، خلافاً لما نسبه إليه الحافظ كما تقدم نقله عنه، وأشار إليه الذهبي بقوله في " الكاشف ": " ليّنه بعضهم "؛ يشير إلى الدارقطني، وإنما ليَّن (روحاً) كما عرفت.
ثالثاً: وأن ما نسبه الذهبي في "الميزان " إلى الدارقطني أنه قال في (روح) : "روى عنه القاسم ... "؛ وهمٌ على الدارقطني، وأن الذي روى ذلك عن القاسم إنما هو (أسد بن عمرو) كما صرح الدارقطني، فاغتنم هذا التحقيق؛ فقد لا تجده في مكان آخر.
ويتبين مما سبق أن علة هذا الإسناد جهالة غطيف بن أعين التي أشار إليها الترمذي بقوله فيه: "ليس بالمعروف ".
وحينئذ يرد السؤال التالي: كيف يلتقي تجهيله إياه مع تحسينه للحديث؟
وجوابي من وجهين:
الأول: أن التحسين المذكور لم يرد في النسخة التي ننقل عنها، وإنما هي زيادة استفدتها من "تخريج الكشاف " للحافظ العسقلاني (٧٥/١٠٨) ، و" الدر المنثور " للسيوطي (٣/ ٢٣٠) .
والآخر: لعله من أجل الشاهد الذي يرويه أبو البختري قال:
стр. 5674
"سئل حذيفة- ﵁ عن هذه الآية (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) ؛ أكانوا يصلون لهم؟ قال: لا، ولكنهم كانوا يحلون لهم ما حرم الله عليهم فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله لهم فيحرمونه، فصاروا بذلك (أرباباً) ".
أخرجه عبد الرزاق في " التفسير" (١/٢٧٢) ، والطبري والبيهقي في " السنن " - والسياق له- وفي "الشعب " (٧/٤٥) ، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم " (٢/١٠٩) من طرق عنه.
وهذا إسناد صحيح مرسل؛ فقد ذكروا أن (أبا البختري) - واسمه سعيد بن فيروز- عن حذيفة: مرسل.
على أن الحافظ ذكر أنه أخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن عطاء بن يسار عن عدي بن حاتم؛ فهو بمجموع طرقه حسن إن شاء الله تعالى، وقد أشار ابن كثير في "تفسيره " (٢/٣٤٨) إلى تقويته، ولكنه عزاه لأحمد أيضاً، ولعله يعني في غير "مسنده "؛ فإني لم أره فيه، ولا عزاه إليه غيره. وقد عزاه السيوطي إلى ابن سعد أيضاً وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ. وعزاه الحافظ لابن أبي شيبة وأبي يعلى والبيهقي في " المدخل " من هذا الوجه - يعني: الذي عند الترمذي-. وقال العلامة الآلوسي في "روح المعاني " عقب الحديث وأثر حذيفة:
"ونظير ذلك قولهم: فلان يعبد فلاناً؛ إذا أفرط في طاعته، فهو استعارة بتشبيه الإطاعة بالعبادة، أو مجاز مرسل بإطلاق العبادة، وهي طاعة مخصوصة على مطلقها، والأول أبلغ، وقيل: اتخاذهم أرباباً بالسجود لهم، ونحوه مما لا يصلح
стр. 5675
إلا للرب ، وحينئذ فلا مجاز، إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة الخبر عن رسول الله ﷺ . والآية ناعية على كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵊ لكلام علمائهم ورؤسائهم، والحق أحق بالاتباع، فمتى ظهر وجب على المسلم اتباعه، وإن أخطأه اجتهاد مقلده ".
(تنبيه) : لقد اطلعت على موقفين متعارضين من مُعَلِّقُيْن على هذا الحديث، غفلا كلاهما عن خطأ نسبة تضعيف الدارقطني لـ (غطيف بن أعين) ، فجاءا بالعجب:
أما أحدهما- وهو الأخ أبو الأشبال الزهيري-؛ فإنه بناءً على التضعيف المزعوم طلع علينا بشيء جديد، وهو أن (غطيفاً) مجهول الحال! لأنه روى عنه أسد بن عمرو والقاسم بن مالك! وهما إنما رويا عن (روح) ! وعليه قال:
"فقد وثقه ابن حبان وضعفه الدارقطني، فلا أقل من أن يقال فيه: "لا بأس به "مثلأ"!
وهذه تركيبة عجيبة، ظاهرة البطلان، لا حاجة لإطالة الرد عليها!
وأما الآخر؛ فهو المدعو بـ (حسان عبد المنان) ؛ فإنه قال في تعليقه على "إغاثة اللهفان " (٢/٣٧٥) :
"وهذا إسناد ضعيف، غطيف بن أعين ضعيف، وفيه جهالة"!
فقوله: "ضعيف " يشير إلى تضعيف الدارقطني، ولا أصل له كما سبق، على أن جمعه بين وصفه بالضعف ووصفه بالجهالة جمع بين متناقضين، كما بينته في ردي عليه رقم (١٥٢) ! فلا داعي للإعادة. *
стр. 5676
٣٢٩٤ - (لو أن رجلين دخلا في الإسلام فاهتجرا؛ لكان أحدهما خارجاً من الإسلام حتى يرجع. يعني: الظالم) .
أخرجه البزار في "مسنده " (ص ٢٤٥- زوائده) : حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد: حدثني أبي: ثنا شبيب عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. وقال:
"صحيح ".
ولا أدري جزماً من القائل: "صحيح "؟ أهو البزار، أم الهيثمي صاحب
" الزوائد"؟ ولعله أرجح؛ فقد قال في "مجمع الزوائد" (٨/٦٦) :
"رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح ".
لكن وقع فيه موقوفاً لم يذكر فيه النبي ﷺ ، بخلاف "الترغيب "؛ فإنه وقع فيه (٣/٢٨٢) مرفوعاً كما في " الزوائد"، وقال:
"ورواته رواة الصحيح " ٠
وهو كما قالا، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير شيخ عبد الصمد وهو ابن عبد الوارث-؛ فلم أعرفه، لأنه لم يتبين لي من النسخة- وهي سيئة- أهو (شبيب) بالباء الموحدة بعد الشين أم (شعيب) بالعين المهملة، وسواء كان هذا أو ذاك؛ فلم يظهرلي من هو؛ لكن من المحتمل أن يكون محرفاً من: "شعبة"؛ وهو شعبة بن الحجاج الثقة المشهور؛ فإنه من شيوخ عبد الصمد، ويروي عن الأعمش، فإن كان كذلك؛ فالسند من فوق البزار صحيح.
لكن في النفس من تفرد البزار برفعه شيء؛ فإنه- مع حفظه- قد تكلموا
стр. 5677
فيه، وقد أورده الذهبي في "المغني " " وقال:
"صدوق؛ قال أبو أحمد الحاكم: يخطئ في الإسناد والمتن ".
ولعل أصل الحديث موقوف على ابن مسعود، أخطأ فيه البزار أو غيره فرفعه؛ فقد أخرجه الطبراني في "الكبير" (٣/١٧/٢) من طريق عصمة بن سليمان الخزاز الكوفي: نا محمد بن طلحة بن مُصَرِّف عن أبيه عن زيد بن وهب قال: قال عبد الله بن مسعود فذكره نحوه.
ورجاله ثقات معروفون كلهم؛ غير عصمة بن سليمان؛ قال ابن أبي حاتم (٣/٢/٢١) :
"روى عنه أبي، وسألته عنه؟ فقال: ما كان به بأس، كان أحمد بن حنبل
في حانوته ". وقال الهيثمي:
"رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح؛ غير عصمة بن سليمان، وهو ثقة ".
وقال المنذري:
"رواه الطبراني موقوفاً بإسناد جيد".
قلت: وهو كما قال لولا انقطاع فيه؛ قال في "التقريب ":
" محمد بن طلحة بن مصرف كوفي صدوق له أوهام، وأنكروا سماعه من أبيه لصغره ".
ثم ترجح عندي أن الراوي هو شعبة، وأن الحديث مرفوع؛ لأني وجدت ذلك في بعض المصادر الأخرى.
وقد وجدت للبزار متابعاً، فرواه الحاكم (١/ ٢١- ٢٢) من طريق علي بن
стр. 5678
العباس البَجَلي قال: ذكر عبد الوارث بن عبد الصمد قال: حدثني أبي: ثنا شعبة به.
وأخرجه هو، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/١٧٣) من طريق جماعة عن ابن خزيمة قال: ثنا علي بن مسلم الطّوسي قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال. ثنا شعبة به. وقال أبو نعيم:
"غريب من حديث الأعمش وشعبة، لم يرفعه إلا عبد الصمد".
قلت: هو صدوق ثبت في شعبة؛ كما قال الحافظ في "التقريب "، ولذلك قال الحاكم عقبه:
"صحيح على شرط الشيخين، وعبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد ثقة مأمون، وقد خرجا له جميعاً غير حديث تفرد به عن أبيه وشعبة وغيرهما".
ووافقه الذهبي.
ولذا؛ فقد قررت نقله هنا إلى "الصحيحة"، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. *
٣٢٩٥ - (ألا أدُلُّكم على مَن هو أشدُّ منه؟ (يعني: الصَّريعَ) رجل ظلمَه رجل، قكظم غيظه؛ فغلبه، وغلب شيطانه، وغلب شيطان صاحبه، (وفي رواية) : الذي يملك نفسه عند الغضب) .
أخرجه البزارفي "مسنده " (٢/٤٣٨ـ ٤٣٩/٢٠٥٣ و ٥٤ ٠ ٢) - بالروايتين بإسناد واحد- من طريق شعيب بن بيان: ثنا عمران عن قتادة عن أنس:
أن النبي ﷺ مر بقوم يرفعون حجراً، فقال:
стр. 5679
"ما يصنع هؤلاء؟ ".
فقالوا: يرفعون حجراً يريدون الشِّدة، فقال النبي ﷺ :
"أفلا أدلكم على ما هو أشد منه؟ - أو كلمة نحوها-: الذي يملك نفسه عند الغضب ".
ثم ساق الرواية الأولى بلفظ:
أن النبي ﷺ مر بقوم يصطرعون، فقال:
"ماهذا؟ ".
قالوا: يا رسول الله! هذا فلان الصريع؛ ما يصارع أحداً إلا صرعه، فقال رسول الله ﷺ : فذكره.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/٦٨) :
" رواهما البزار بإسناد واحد، وفيه شعيب بن بيان وعمران القطان، ووثقهما ابن حبان، وضعفهما غيره، وبقية رجالهما رجال الصحيح ".
قلت: فالسند حسن، وكذا قال الحافظ في "الفتح " (١٠/٥١٩) .
ويشهد له حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ:
"ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ". أخرجه الشيخان وغيرهما، وا بن حبان؛ ولفظه:
"ليس الشديد من غلب الناس، وإنما الشديد من غلب نفسه ".
وهو مخرج في التعليق على "صحيح الأدب المفرد" (٥٠٠/٩٨٩) . *
стр. 5680
٣٢٩٦ - (لو فَعَل (يعني: أبا جهل) ؛ لأَخذتْه الملائكة عِياناً، ولو
أنّ اليهود تمنَّوُا الموت، لماتُوا) .
رواه البزار (٣/٤٠/٢١٨٩) - والسياق له- وابن جرير (١/٣٣٦و ٠ ٣/ ٦٥ ١) من طريق زكريا بن عدي: ثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس:
قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً ﷺ لأطأن على عنقه، فقيل: هو ذاك، قال: ما أراه، فقال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وزكريا بن عدي ثقة من رجال مسلم، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين، فالإسناد صحيح.
وتابعه أحمد بن عبد الملك: ثنا عبيد الله به.
أخرجه أحمد (١/٢٤٨) ولكنه لم يسق لفظه، وإنما أحال على لفظ قبله، وهو من رواية (فرات بن سلمان) الآتي. وكأنه- لذلك- خفي على الهيثمي فلم يعزه لأحمد، وقال (٦/ ٣١٤) :
"رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح ".
وعزاه الحافظ في "الفتح " (٨/ ٧٢٤) لابن مردويه مثل سياق البزار، وزاد بعد قوله: "لماتوا ":
"ورأوا مقاعدهم من النار".
وأما متابعة فرات؛ فقال لأحمد: ثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد: ثنا فرات عن (الأصل: بن) عبد الكريم به، ولفظه:
стр. 5681
قال: قال أبو جهل: لئن رأيت رسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة، لآتينَّه حتى أطأ على عنقه! قال: فقال:
"لو فعل؛ لأخذته الملائكة عياناً، ولو أن اليهود تمنوا الموت؛ لماتوا ورأوا مقاعدهم في النار".
ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ ؛ لرجعوا لا يجدون مالاً ولا أهلاً ".
وفرات: هو ابن سلمان، وهو ثقة.
والراوي عنه إسماعيل بن يزيد الرقي؛ لم أعرفه، وادعى الحافظ في "التعجيل " أنه (إسماعيل بن عبد الله بن خالد الرقي) الذي في "التهذيب"! وخطأه في ذلك الشيخ أحمد شاكر- ﵀، لأمور ذكرها، وهي قوية، وانتهى إلى أنه غيره، وقال:
"وأحمد يتحرى شيوخه، فلا يروي إلا عن ثقة، وعند ذاك صححنا حديثه ".
كذا قال. والله أعلم.
نعم؛ حديثه صحيح؛ فقد وجدت له متابعاً قوياً، فقال أبو يعلى في "مسنده " (٤/٤٧١/٢٦٠٤) : حدثنا زهير: حدثنا عبد الله بن جعفر: حدثنا عبيد الله بتمامه مثل رواية (فرات) .
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وتابعه معمر عن عبيد الله به مختصراً جدّاً؛ ليس عنده إلا قوله: "لو فعل؛ لأخذته الملائكة عياناً ".
أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره " (١/٥٢ و ٢/٣٣٤) ومن طريقه البخاري (٤٩٥٨)
стр. 5682
والترمذي (٣٣٤٨) - وصححه-، والنسائي في " السنن الكبرى " (٦/٥١٨/ ١١٦٨٥) , والطبري (١/٣٣٦) ، والبيهقي في " الدلائل " (٢/١٩٢) ، وأحمد (١/٣٦٨) ، كلهم عن عبد الرزاق به. وزعم المعلق على "الترمذي " أنه تفرد به؛ يعني دون البخاري وسائر الستة! وقال الحافظ عقب الحديث:
"وزاد الإسماعيلي في آخره من طريق معمر عن عبد الكريم الجزري: قال ابن عباس: لو تمنى اليهود الموت؛ لماتوا، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ ؛ لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً ".
ولحديث الترجمة شاهد من حديث أبي هريرة قال:
قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى! لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرن وجهه في التراب! قال:
فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي- زعم ليطأ على رقبته-! قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة! فقال رسول الله ﷺ :
"لو دنا مني، لاختطفته الملائكة عضواً عضواً".
قال: فأنزل الله لا ندري في حديث أبي هريرة، أو شيء بلغه-:
(كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى. إن إلى ربك الرجعى. أرأيت الذي ينهى. عبداً إذا صلى. أرأيت إن كان على الهدى. أو أمر بالتقوى. أرأيت إن كذب وتولى (يعني: أبا جهل) . ألم يعلم بأن الله يرى) إلى آخر السورة.
стр. 5683
أخرجه مسلم (٨/ ١٣٠) ، والنسائي- ببعضه- في "الكبرى " (٦/٥١٨/ ١١٦٨٣) ، والطبري (٠ ٣/ ٦٥ ١) ، والبيهقي (٢/ ٨٩ ١) ، وأحمد (٢/٣٧٠) . *
٣٢٩٧ - (مرَّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ ؛ وعنده صهيب، وبلال، وعمار، وخباب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد! اطردهم، أرضيت هؤلاء من قومك، أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟ ! أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا؟ ! فَلَعَلَّكَ إن طردتهم أن نأتيك! قال: فنزلت: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيِّ يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين)) .
أخرجه أحمد (١/٤٢٠) من طريق أسباط مختصراً نحوه، والبزار (٣/٤٨/٢٢٠٩) - والسياق له- من طريق ابن جرير في "التفسير" (٧/١٣٧) ، كلاهما من طريق جرير بن عبد الحميد، وابن جرير أيضاً من طريق أبي زُبَيدٍ (الأصل: أبو زيد) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/٢٦٨/ ١٠٥٢٠) من طريق يزيد بن عبد العزيز- أربعتهم- عن أشعث- زاد البزار: ابن سوار- عن كردوس الثعلبي عن عبد الله بن مسعود قال: فذكره. وقال البزار:
"لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد".
قلت: وهو ضعيف؛ لضعف أشعث بن سوار عند الجمهور، وجزم بضعفه الحافظ في "التقريب ". وأما قول الهيثمي (٧/ ٢١) :
"رواه أحمد والطبراني. ورجال أحمد رجال " الصحيح "؛ غير كردوس، وهو ثقة"!
стр. 5684
فهو من أوهامه، ويعود السبب في ظني إلى أمرين:
الأول: أنه لم يقف على رواية البزار المصرحة بأن (أشعث) هو (ابن سوار) ، وليس من رجال "الصحيح " على ضعفه.
والآخر: أنه توهم أن (أشعث) هذا هو (ابن أبي الشعثاء) ؛ فقد ذكروه في الرواة عن (كردوس الثعلبي) ، لكن الأربعة الذين رووا هذا الحديث عن (أشعث) ليس فيهم أحد روى عن (ابن أبي الشعثاء) ؛ فتعين أنه ليس به، وأنه (ابن سوار) .
وللحديث شاهد يتقوى به؛ يرويه أسباط بن نصر عن السُّدِّي عن أبي سعد الأزدي- وكان قارئ الأزد- عن أبي الكنود عن خباب في قوله تعالى: (ولا تطرد الذين يد عون ربهم بالغداة والعشي) إلى قوله: (فتكون من الظالمين) قال:
جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعُيَيْنَة بن حصن الفزَاري، فوجدوا رسول الله ﷺ مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعداً في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ﷺ حقروهم، فأتوه فَخَلَوْا به وقالوا: ... الحديث نحوه بزيادة فيه.
أخرجه ابن ماجه (٢٧ ١ ٤) ، وابن جرير (٧/١٢٧) ، وابن أبي شيبة في "المصنف " (١٢/٢٠٧-٢٠٨) .
ومن هذا الوجه رواه ابن أبي حاتم أيضاً؛ كما في "تفسير الحافظ ابن كثير"،
وقال (٢/١٣٥) :
"وهذا حديث غريب؛ فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعُيَيْنَة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر".
قلت: والظاهر أن الوهم من أسباط بن نصر؛ فإنه وإن كان صدوقاً ومن رجال مسلم، فقد كان كثير الخطأ يغرب؛ كما قال الحافظ في "التقريب ".
стр. 5685
وأبو سعد الأزدي وأبو الكنود؛ لم يوثقهما غير ابن حبان، ووثق الأخير منهما
ابن سعد في "طبقاته "، وقال الحافظ في كل منهما:
" مقبول ".
ولم أجد لهما متابعاً في ذكر الأقرع وعيينة، فهو غير محفوظ. وقد جرى البوصيري في "الزوائد" على ظاهر ما قيل في رجال الإسناد، فقال:
"إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وقد روى مسلم والنسائي والمصنف بعضه
من حديث سعد بن أبي وقاص "!
قلت: قول ابن كثير عندي أرجح وأقوى؛ فإن سياق القصة يدل على أنها كانت في مكة والمسلمون ضعفاء، وحديث سعد الذي أشار إليه البوصيري يؤيد ذلك، فقال سعد:
كنا مع النبي ﷺ ستة نفر, فقال المشركون للنبي: اطرد هؤلاء، لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا، وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله : (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) .
أخرجه مسلم (٧/١٢٧) - والسياق له-، والنسائي في "الكبرى" (. ٦/٣٤٠/ ١١١٦٣) ، وابن ماجه (٤١٢٨) ، وابن جرير (٧/١٢٨) ، والحاكم (٣/٣١٩) ، والبزار في "البحر الزخار" (٤/ ٦١- ٦٢) ، وأبو يعلى في "مسنده " (٢/١٤١/ ٨٢٦) ، وعبد بن حميد في "المنتخب " (١/١٧٣/١٣١) ، وابن حبان (١٤/٥٣٥/٦٥٧٣ ـ المؤسسة) من طرق عن المقدام بن شريح عن أبيه عنه. وقال الحاكم:
"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه "! ووافقه الذهبي!
стр. 5686
قلت: وهو وهم من ناحيتين:
إحداهما: استدراكه على مسلم، وقد أخرجه.
والأخرى: تصحيحه على شرط البخاري؛ والمقدام وأبوه لم يحتج بهما
البخاري. *
كفارة وَأدِ البنات
٣٢٩٨ - (أعتق عن كل واحدة منهن رقبة، قال: إني صاحب إبل؟ قال: فانحر (وفي رواية: فاهد إن شئت) عن كل واحدة بدنة) .
أخرجه البزار (٣/٧٨/٢٢٨٠- كشف الأستار) ، والطبراني (١٨/٣٣٣/ ٨٦٣) ، والبيهقي (٨/١١٦) ، وكذا ابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" (٤/٤٧٨) ، وابن منده- كما في "الإصابة "- كلهم من طريق عبد الرزاق: أنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب في قوله تعالى: (وإذا الموؤدة سئلت) ، قال:
جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني وأدت [ثماني] بنات لي في الجاهلية؟ فقال: ... فذكره، وقال البزار:
"لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه، ولم يسنده عنه إلا عبد الرزاق عن إسرائيل، ولم نسمعه إلا من (الحسين) ، وقد خولف عبد الرزاق في إسناده عن إسرا ئيل ".
قلت: ورجاله ثقات رجال مسلم؛ غير (الحسين) شيخ البزار، وهو (ابن مهدي الأبُلِّي) ؛ وهو ثقة عند ابن حبان (٨/١٨٨) ، صدوق عند أبي حاتم (٣/٦٥/٢٩٤) ، وأخرى له ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما".
стр. 5687
وقد توبع خلافاً لما وصل إليه علم البزار، فقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو عبد الله الطهراني- فيما كتب إلي- قال: حدثنا عبد الرزاق: فذكره، كذا وقع عند ابن كثير، ليس فيه بيان من هو الذي كتب، وهو عند ابن منده من طريق محمد ابن عماد الظهراني: حدثنا عبد الرزاق..
قلت: هو محمد بن حماد (بالحاء المهملة) الطهراني (بكسر الطاء المهملة) من رجال ابن ماجه، ثقة، لم يصب من ضعَّفه؛ كما قال ابن حجر في "التقريب "، وهو نفسه أبو عبد الله المتقدم عند ابن أبي حاتم.
وتابعهم (محمد بن مهدي الأبلي) عند البيهقي، وهو أخو (الحسين بن مهدي) المتقدم، وثقه ابن حبان أيضاً (٩/٩٩ و ١٢٢) ، وروى عنه أبو زرعة.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/١٣٤) :
"رواه البزار والطبراني، ورجال البزار رجال "الصحيح "؛ غير حسين بن مهدي الأيلي (!) ، وهو ثقة ".
قلت: وعليه ملاحظتان:
الأولى: أن الطبراني رواه من طريق الحسين أيضاً، فقال: حدثنا عَبْدان بن أحمد: ثنا الحسين بن مهدي الأبلي ... فلا وجه لتخصيص (البزار) بالذكر كما هو ظاهر، و (عبدان بن أحمد) من الحفاظ المشهورين، ولعله أحفظ من (البزار) .
والأخرى: أن الصواب في نسبة (الأبلي) : أنه بالموحِّدة المضمومة. كما وقع في "الطبراني "، وليس (الأيلي) بالمثناة التحتية كما وقع عند الهيثمي، وسكت عنه الأعظمي على عادته من قلة الانتباه والتحقيق!
стр. 5688
وبالموحدة قيده الحافظ في "التقريب "، تبعاً للحافظ عبد الغني في "مشتبه النسبة " وغيره، وانظر "تيسير الانتفاع ".
وعلى ما تقدم؛ فإسناد الحديث جيد.
وله طريق أخرى؛ يرويها قيس عن الأغر بن الصَّبَّاح عن خليفة بن حُصَيْن
عن قيس بن عاصم ... نحوه.
أخرجه الطبراني (رقم ٨٦٨) ، والبيهقي، وابن أبي حاتم أيضاً.
ورجاله ثقات؛ إلا قيساً- وهو ابن الربيع-، وهو ممن يستشهد به.
وله شاهد مرسل قوي، يرويه معمر عن قتادة قال:
جاء قيس بن عاصم التميمي ... الحديث.
أخرجه عبد الرزاق في " التفسير" (٢/ ٣٥١) ، وابن جرير (٣٠/٤٦) مختصراً.
وأما قول البزار: "وقد خولف عبد الرزاق في إسناده عن إسرائيل "!
فلم أعرف المخالف الذي يشير إليه، فالله أعلم. *
٣٢٩٩ - (يتبعُ الميِّت إلى قبره ثلاثة: أهُله، ومالُه، وعملُه، فيرجعُ اثنان ويبقى واحدٌ، يرجعُ أهلُه ومالُه، ويبقى عملُه) .
أخرجه أحمد (٣/ ١١٠) وابن المبارك في "الزهد" (٢٢٤/٦٣٦) والحميدي
في "مسنده " (٥٠٠/١١٨٦) - والسياق له- قالوا: ثنا سفيان: قال: ثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ :......فذكره.
стр. 5689
قلت: وهذا إسناد صحيح غاية متصل بالتحديث، وهو على شرط الشيخين،
وقد أخرجاه كما يأتي:
فقد أخرجه البخاري (١١/٣٦٢/٦٥١٤) من طريق الحميدي، وكذا أبو نعيم
في "الحلية" (١٠/٤) ، والبغوي في "شرح السنة" (١٤/٢٥٩/٤٠٥٦) من طريق البخاري، وكذا في "تفسيره " (٨/٥١٨) ، وقال:
"متفق على صحته ".
وأخرجه من طريق أحمد: أبو نعيم أيضاً (٧/ ٣١٠) ، وقال:
"صحيح ثابت ".
وأخرجه من طريق ابن المبارك: الترمذيُّ (٠ ٢٣٨) ، وقال:
"حديث حسن صحيح ".
وأخرجه مسلم (٨/ ٢١١- ٢١٢) ، والنسائي (١/٢٧٤) ، وابن حبان في "صحيحه " (٥/٤٢/٣٠٩٧) ، والحاكم (١/٧٤) ، وأبو نعيم أيضاً (١٠/٤) ، والبيهقي في "الزهد" (٢٦٨/٦٩٥) . وقال أبو نعيم أيضاً عقبه:
"ثابت صحيح ".
وتابعه قتادة عن أنس به مرفوعاً نحوه أتم منه، وقال في الأهل والمال:
"فذلك أهله وحشمه ".
رواه ابن حبان، والحاكم، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وجود إسناده الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " (٣/٢٣٣) ، وتقدم تخريجه برقم (٢٤٨١) تحت حديث النعمان بن بشير بنحوه، وجود إسناده العراقي
стр. 5690
أيضاً، وفيه أنه قال في الأهل والمال:
"فذلك خدمه وأهله ".
كما في "جامع المسانيد" (١٢/١٦٥/٩٥٠٣) ، و"مجمع الزوائد" (١٠/٢٥١) ، و"الترغيب " (٤/ ١٠٠) ، وقال:
"رواه الطبراني في "الكبير" بأسانيد أحدها صحيح ".
و (الحشم) بمعنى: (الخدم) ، ففي " النهاية ":
"الحشم- بالتحريك-: جماعة الإنسان، اللائذون به لخدمته ".
قلت: فقوله في الحديث: "وماله " هو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، وهو أسلوب معروف في القرآن والسنة واللغة، فمن الواضح أن المراد هنا عبيد الميت الذين كانوا يخدمونه، بل هو منصوص عليه في حديث النعمان وغيره، وقد قال ابن الأثير في "النهاية":
"المال في الأصل: ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم ". قال:
"وقد تكرر ذكر "المال " على اختلاف مسمَّياته في الحديث، ويفرق فيها
بالقرائن ".
قلت: والشواهد على ما ذكر من الكتاب والسنة- فضلاً عن اللغة- كثيرة جدّاً، كمثل قوله ﷺ :
"إنما يكفيك من جمع المال خادم، ومركب في سبيل الله ".
стр. 5691
" المشكاة" (٥١٨٥) .
وقوله ﷺ لأبي طلحة الأنصاري- لما عزم على أن يتصدق بأحب أمواله إليه (بَيْرُحاء) -:
"ذلك مال رابح " (مرتين) . البخاري (١٤٦١) .
وحديث والد أبي الأحوص لما سأله ﷺ : "هل عندك من مال؟ ". قال:
من كل المال آتاني الله؛ من الإبل والغنم والخيل والرقيق. "غاية المرام " (٦٣/٧٥) .
ومن هنا فسر العلماء قوله ﷺ في حديث الترجمة: "ماله ":
"أي: عبيده "؛ جزم به العلامة أبو الحسن السندي في حاشيته على "النسائي ".
وقال علي القارئ في "المرقاة" (٥/٢٣- ٤ ٢) :
"كالعبيد والإماء والدابة والخيمة ونحوها".
وقال الحافظ في "الفتح " (١١/٣٦٥) :
"قوله: "يتبعه أهله وماله " هذا يقع في الأغلب، ورُبَّ ميت لا يتبعه إلا عمله فقط، والمراد مَن يتبع جنازته من أهله ورفقته ودوابه على ما جرت به عادة العرب ".
قلت: ونحوه اليوم خروج أقارب الميت؛ وفيهم أولاده في سياراتهم لتشييعه
ودفنه.
стр. 5692
لقد تعامى عن هذه الحقائق العلمية والتاريخية والواقعية: ذاك الطبيب البيطري (إسماعيل منصور المصري) ، وفسر- بجهله البالغ، وعناده المعادي للسنة- المال في الحديث بمعناه العام! ورَتب عليه جهلاً أكبر؛ وهو تكذيبه بالحديث وسخريته بالقائلين به، والمؤمنين بصحته، فقال:
"وأبسط اختبار لكشف الكذب في هذا الحديث: أن نسأل الذين يؤمنون به قائلين: هل وجدتم حالة واحدة في العالم يتبع الميت فيها ماله؟؟ (!) نريد إجابة علمية واقعية، فنحن لم نر ولم نسمع عن ميت واحد- في تاريخ البشرية- تبعه ماله وهو متجه إلى القبر ... "، إلى آخر هرائه في تمام صفحتين، وختمه بقوله:
"إنها الخرافة التي صاغتها الحكايات، وقصص الليل، وتصورات العجائز، وأمنيات السُّذج، وخيالات العوام "!!
وأقول: لقد كنت- ولا أزال- أشكو من انحراف السقاف وحسان وأمثالهما عن السنة، وتضعيفهما للأحاديث الصحيحة، فلما وقفت على كلام هذا الدكتور البيطري كدت أن أنسى جنايتهما على السنة! ولست أشك أن مثله لا يعدو أن يكون أحد رجلين؛ إما عميلاً لجهة تعادي الإسلام، وتسخر لذلك بعض ضعفاء الإيمان لمحاربة الإسلام باسم الإسلام، وإما رجل أخرَقُ جاهل يظن أنه على شيء من العلم والفهم، وهو في الحقيقة من الذين (يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) ، أو من الذين قال الله فيهم: (لهم قلوب لا يفقهون بها..) ، وهذه الآية وإن كان المقصود بها الكفار والمشركين؛ فلمن سار مسيرتهم من المسلمين في نقد الأحاديث نصيب كبير منها، مثل المعتزلة قديماً، وأذنابهم حديثاً، كهذا الطبيب البيطري مثلاً، كيف لا، وهو يأتي إلى أحاديث صحيحة اتفق علماء المسلمين قاطبة على ثبوتها وتلقيها بالقبول؛ فيبطلها بجهله المركب، فيقع في وعيد قوله تعالى: (ومن
стр. 5693
يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) [النساء: ١١٥] .
وليس يشك كل ذي عقل ولب حقاً، أن من خالف سبيل المؤمنين في أمر ما:
أنه يكون أحد الرجلين المشار إليهما آنفاً، وأحلاهما مر؛ إذ ليس من المعقول يقيناً أن يكون هو محقاً فيما يبطل، وهم مبطلون فيما يقولون ويعتقدون، والله يقول: (فماذا بعد الحق إلا الضلال) [يونس: ٣٢] ، وهنا يأتي قوله ﷺ :
"من قال: هلك الناس؛ فهو أهلكهم ". رواه مسلم في "صحيحه ".
ولا مجال الآن للإشارة إلى الأحاديث الأخرى التي أبطلها بعقله الكاسد، وجهله البالغ تحت عنوان: "أحاديث صحيحة السند فيها مخالفة صريحة للكتاب "! وحسب القارئ الكريم أن يعلم أن ذلك مما أودعه في مقدمة كتابه الذي أسماه "شفاء الصدر بنفي عذاب القبر" الثابت كتاباً وسنة وبإجماع أهل السنة والجماعة والسلف الصالح، ويكفيك من المكتوب عنوانه! ومثله كتابه الآخر: "تذكير الأصحاب بتحريم النقاب " الذي أشار به في المقدمة المذكورة (ص ٨) ، وهو فيها- كغيرها- مهذار، كثير الكلام والثناء على نفسه، وتفصيل القول في جهوده في دراساته التي حصّل بها كثيراً من الشهادات منها "شهادة الدكتوراه في الطب البيطري "! ولعل هذا هو مجال اختصاصه، فحمله حب الظهور إلى أن يكتب فيما لا يحسنه، مما لا يستطيع الخوض فيها إلا كبار العلماء والذين يخشون الله، والكتابان المذكوران يؤكدان أنه ليس منهم بسبيل، وهو مع ذلك (كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد) ! فاستمع إليه كيف يتفاخر في تأليفه للكتابين بقوله- مما نظن أنه ليس صادقاً فيه-:
"وقد علم تبارك اسمه أني لم أخط فيهما حرفاً أو كتبت كلمة؛ إلا وتوضأت قبلها، وصليت ركعتين "!!
стр. 5694
ومن تجرأ على الله فنسب إليه ما لا يعلم- لأنه غير واقع- أحرى به أن ينسب
إلى غيره من خلقه تعالى ما يخالف الواقع، فها هو (ص ٢٠) ينسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية أن الانتقاب للمرأة المحرمة غير جائز؛ لأنه يحدد معالم عظام وجه المرأة، وبالتالي يؤدي إلى الفتنة! وهذا كذب على الشيخ بقصد أو سوء فهم، وقد يجتمعان، وأقل ما يدل عليه أنه جاهل لا يفهم كلام العلماء؛ وليس الآن مجال بيان ذلك، والله المستعان! *
٣٣٠٠ - (إني اتخذت خاتماً من وَرِقِ، ونقشْتُ فيه: "محمد رسول الله "، فلا ينقُشن أحد على نقشِه) .
رواه البخاري (٥٨٧٧) ، ومسلم (٦/ ٥١ ١) ، وابن ماجه (٣٦٤٠) ، والبيهقي
في "السنن الكبرى" (١٠/١٢٨) ، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي ﷺ " (ص ١١٥) ، وأحمد (٣/١٨٦- ١٨٧ و٢٩٠) ، وأبو يعلى (٣٨٩٦ و ٣٩٣٦ و٣٩٤٣) ، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (١/٤٧٥) من طرق عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك- ﵁:
أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتماً من فضة، ونقش فيه: "محمد رسول الله " وقال: ... فذ كره.
وله طريق آخر عن أنس:
فقد روى عبد الرزاق في "المصنف " (١٩٤٦٥) - وعنه أحمد (٣/ ١٦١) ، ومن طريقه: الترمذي (٧٤٥ ١) ، والبغوي (٣٧ ٣١) ، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي ﷺ " (١١٥- ١١٦) ، والبيهقي (١٠/١٨٢) ـ عن معمر عن ثابت عنه ﵁:
أن النبي ﷺ صنع خاتماً من وَرِق؛ فنقش فيه: "محمد رسول الله "، ثم قال:
стр. 5695
"لا تنقشوا عليه ".
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
ولم أقل: "على شرط الشيخين "؛ لأن البخاري لم يخرج لمعمر عن ثابت في "صحيحه " إلا تعليقاً؛ كما قال الحافظ ابن حجر في "هدي الساري " (ص ٤٤٤- ٤٤٥) ، بينما مسلم أخرج له هكذا.
وفي "تحفة الأشراف " (١/ ١٥٠- ١٥٤) - للحافظ المزي- سوق أسانيد معمر على نسق ما أشار ابن حجر.
ولحديث الترجمة شاهد عن ابن عمر؛ خرجته في "الإرواء" (٨١٨) . *
٣٣٠١ - (إنِّي لأعرف أصوات رُفقة الأشعريّين بالقرآن حين
يد خلُون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن باللّيل؛ وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهارِ؛ ومنهم حكيم: إذا لقي الخيل - أو قال: العدوَّ-، قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم) .
رواه البخاري (٤٢٣٢) ، ومسلم (٧/ ١٧١) ، وأبو يعلى في "مسنده " (٧٣١٨)
من طريق أبي أسامة: حدثنا بُريد بن عبد الله عن أبي بُردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : ... نمذكره.
"تنظروهم "؛ قال الحافظ في "الفتح " (٧/٤٨٧) :
" أي: تنتظروهم ".
قلت: وهو لفظ رواية أبي يعلى. *
стр. 5696
٣٣٠٢ - (إنّي لأعرف غضبكِ ورضاكِ؛، قال: إنّك إذا كنت راضية، قلت: بلى، وربِّ محمد! وإذا كنت ساخطة؛ قلت: لا، وربِّ إبراهيم!) .
رواه البخاري (٥٢٢٨ و ٦٠٧٨) ، ومسلم (٧/١٣٥) من طريقين عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ... فذكر القطعة الأولى منه.
قالت: قلتُ: وكيف تعرف ذلك يا رسول الله؟ !
قال: ... فذكره القطعة الثانية منه.
قالت: قلت: أجل، لا أهجر إلا اسمك.
ورواه البخاري- أيضاً- في "الأدب المفرد" (٤٠٣) ، وابن حبان (٢١١٧) ، والبغوي (٢٣٣٨) ، والبيهقي (١٠/٢٧) ، وأحمد (٦/٦١ و ٢١٣) ، وأبو يعلى (٤٨٩٣ و ٤٨٩٤) ، والطبراني في "الكبير" (٢٣/ رقم: ١١٩ و١٢٠ و١٢١ و ٢٢ ١) ، والخطيب في "تاريخه " (٣/٦١) ، من طرق عن هشام به.
قلت: وخالف جميع الرواة عن هشام: عبَّاد بن عباد:
فرواه أحمد (٦/ ٣٠) - ومن طريقه: أبو نعيم في "الحلية" (٩/٢٢٧) - عن عباد هذا عن هشام به.. لكنّه وهم في ضبط لفظه؛ فجعل القطعة الثانية منه بلفظ:
"إذا غضبت؛ قلت: يا محمد! وإذا رضيت؛ قلت: يا رسول الله! ".
وعباد: هو الأزدي العتكيُّ، وهو- على ثقته- يغلط؛ كما قال ابن سعد،
стр. 5697
وابن جرير، فيما نقله المزي في "تهذيب الكمال " (١٤/ ١٣١) ، وقال الحافظ ابن حجر في " التقريب ":
"ثقة، ربما وهم ". وهذا غلط ظاهر منه، والله تعالى أعلم. *
٣٣٠٣ - (إنِّي لأعلم كلمة لو قالها؛ لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) .
جاء من حديث سليمان بن صُردِ، ومعاذ، وابن مسعود، وأُبَيّ بن كعب:
أما حديث سليمان بن صُرَد:
فرواه البخاري في "صحيحه " (٣٢٨٢ و ٦٠٤٨و٦١١٥) , وفي "الأدب المفرد" (٤٣٤) ، ومسلم في "صحيحه " (٨/٣١) ، وابن أبي شيبة (٨/٥٣٣ و١٠/٣٤٩- ٠ ٣٥) ، وأحمد (٦/ ٣٩٤) ، وأبو داود (٤٧٨١) ، والنسائي في "عمل اليوم والليلة " (٣٩٢ و ٣٩٣) ، وابن حبان (٥٦٩٢) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٦٤٨٨ و ٦٤٨٩) ، والبغوي في "شرح السنة" (٣٣٣ ١) ، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني " (٢٣٤٩ و٢٣٥٠) من طرق عن الأعمش قال: سمعت عدي بن ثابت يقول: حدثنا سليمان بن صُرَد قال:
استبَّ رجلان عند النبي ﷺ ، فجعل أحدهما يغضب، ويحمر وجهه؛ فنظر
إليه النبي ﷺ ، فقال: ... فذكره.
قال: فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي ﷺ فقال: أتدري ما قال رسول
الله ﷺ آنفاً؟ قال: ... فذكره.
فقال له الرجل: أمجنوناً تراني؟ !
стр. 5698
تنبيهان:
الأول: روى الحاكم الحديث في "مستدركه " (٢/ ٤٤١) ، وفيه عنده زيادة (١) :
فتلا رسول الله ﷺ : (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم)
وصححه، ووافقه الذهبي!
وهو كما قالا؛ لولا تفرد شيخ الحاكم- عبد الله بن محمد بن شاكر- بالزيادة
عن سائر من رواه عن الأعمش؛ فهي شاذة.
الثاني: روى ابن أبي عاصم الحديث في "الآحاد والمثاني " (٢٣٥١) ؛ فجعل
بين (عدي بن ثابت) و (سليمان بن صُرَد) : زر بن حُبيش!!
ولا أراه إلا من أوهام شيخ شيخ ابن أبي عاصم- مهدي بن جعفر-؛ حيث رواه عن أبي معاوية عن الأعمش هكذا!! وهو "صدوق له أوهام "؛ كما قال الحافظ ابن حجر في "التقريب ".
وأما حديث معاذ:
فرواه أبوداود (٤٧٨٠) ، والترمذي (٣٤٤٨) ، والنسائي في"عمل اليوم والليلة" (٣٨٩و٣٩٠) ، وابن السني (٤٥٤) ، وابن أبي شيبة (٨/٥٣٤و١٠/ ٣٥٠) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (١١١- " المنتخب " منه) ، والطيالسي (٥٧٠) ، وأحمد (٥/ ٢٤٠) من طرق عن عبد الملك بن عُمَير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ عن النبي ﷺ ... بنحوه.
стр. 5699
وقال الترمذي:
" وهذا حديث مرسل؛ وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ بن جبل، مات معاذ في خلافة عمر بن الخطاب، وقُتل عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام ابن ست سنين.
هكذا روى شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ وقد روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر بن الخطاب، ورآه.
وعبد الرحمن بن أبي ليلى يُكنى أبا عيسى، وأبو ليلى اسمه يسار.
وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: أدركت عشرين ومئة من الأنصار، من أصحاب النبي ﷺ ".
قلت: وهذا مرويٌّ في كتاب "العلم " (رقم: ٢١- بتحقيقي) لأبي خيثمة؛
فانظره.
أما حديث ابن مسعود:
فرواه الطبراني في "الصغير" (٢/ ٩١) و"الأوسط " (٧٠٢٢) ، ومن طريقه الخطيب في "تاريخه " (٣/٣٩٩) ؛ وفي إسناده ضعف ونكارة؛ من قبل أبي طَيْبَة- وهو عيسى بن سليمان-؛ إذ جعله عن ابن مسعود! وهو حديث معاذ.
وهو مخرج عندي في "الروض النضير" (٦٣٥) .
أما حديث أبيِّ بن كعب:
فقد رواه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٣٩١) من طريق الفضل بن موسى عن يزيد بن زياد عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب ... نحوه.
стр. 5700
قلت: وهذا شاذ أو منكر، فالفضل بن موسى- على ثقته- قال الحافظ:
"ربما أغرب "؛ فالحديث حديث معاذ من هذا الطريق.
وقد أشار إلى هذا الإمام ابن كثير في "جامع المسانيد" (١/ ١٣١) .
(تنبيه) : اكتفى محقق "عمل اليوم والليلة " الدكتور فاروق حمادة بقوله في
الحاشية:
"هذا إسناد متصل "!! *
٣٣٠٤ - (أهريقوا عليَّ من سبع قرب لم تُحْلَلْ أوكِيتُهنَّ؛ لعلّي أعهدُ إلى النّاس) .
جاء من حديث عائشة، ومعاوية- ﵄:
أما حديث عائشة؛ فله عنها طريقان:
الأول: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة:
رواه البخاري (١٩٨ و ٤٤٤٢ و ٥٧١٤) ، والنسائي في "السنن الكبرى"
(٧١٨٣) ، والبغوي في "شرح السنة" (٣٨٢٥) ، والبيهقي في "سننه " (١/ ٣١) ، وفي "الدلائل " (٧/١٧٣) ، وأبو يعلى في "مسنده " (٤٥٧٩) ، وابن سعد في "الطبقات " (٢/٢٣٢) من طرق عن الزُّهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عائشة قالت:
لما ثَفُلَ النبي ﷺ ، واشتد به وجعه؛ استأذن أزواجه في أن يُمَرَّض في بيتي، فأذن له، فخرج النبي ﷺ بين رجلين، تخُطُّ رجلاه في الأرض: بين عباس ورجل آخر- قال عبيد الله: فأخبرت عبد الله بن عباس، فقال: أتدري من
стр. 5701
الرجل الآخر؟ ! قلت: لا، قال: هو علي-، وكانت عائشة- ﵂ تحدث أن النبي ﷺ قال- بعدما دخل بيته، واشتد وجعه-: ... فذكره (١) . وأُجلس في مخضب لحفصة زوج النبي ﷺ ، ثم طَفِقْنا نصبُّ عليه تلك؛ حتى طفق يشير إلينا أن: "قد فعلتن " ثم خرج إلى الناس.
ورواه مسلم (٢/٢٠- ٢١) ، وكذا البخاري (٦٨٧) - مختصراً- من طريق موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة...... ضمن القصة نفسها بنحوه، ولكنه اقتصر على قوله ﷺ :
"ضعوا لي ماء في المخضب ".
الطريق الثاني: عن عروة:
رواه ابن حبان (٦٥٩٩) ، والحاكم (١/ ٤٥ ١) ، وا بن خزيمة (٢٥٨) ، والنسائي في"الكبرى" (٧٠٨٢) ، والدارمي (١/٣٨) ، وعبد الرزاق (١٧٩) ، وأبو يعلى (٤٧٧٠) ، والطبراني في "الأوسط " (٤ ٦٧١) ، وابن عدي في "الكامل " (٦/٢٤٣٨) من ثلاثة طرق عن عروة عن عائشة مرفوعاً، بلفظ:
"صُبُّوا ... ".
ورواه ابن خزيمة (٢٥٨) ، وابن حبان (٦٥٩٦ و٠٠ ٦٦) ، وأحمد (٦/ ٥٥١ ١
و٢٢٨) ، والبيهقي (١/ ٣١) من طرق عن معمر عن الزهري عن عروة- أو عن عمرة- عن عائشة مرفوعاً بالشك.
стр. 5702
وهو اختلاف لا يضر؛ فعروة وعمرة ثقتان معروفان بالرواية عن عائشة ﵂.
وشذت رواية الحاكم (١/١٤٤ـ ١٤٥) - وعنه البيهقي (١/ ٣١) -؛ إذ جعله
من طريق عروة عن عمرة عن عائشة مرفوعاً!!
وأما حديث معاوية:
فرواه الطبراني في "الأوسط " (٧٠١٧) من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري عن أيوب بن بشير قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان به مرفوعاً؛ فذكره بلفظ:
"صبُّوا.. ".
وعزاه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/٤٢) للطبراني في "الأوسط " و"الكبير"، ثم قال:
"وإسناده حسن "!
قلت: وعليه ملاحظتان:
الأولى: أن رواية "المعجم الكبير" (١٩/ رقم: ٧٩٢) مختصرة؛ ليس فيها
حديث الترجمة.
الثانية: أن في إسناده محمد بن إسحاق- وهو مدلس- وقد عنعنه.
ثم تبين لي أنه مضطرب، وأن الصواب فيه حديث عائشة.
فرواه الطبراني في "الأوسط " (٥٥٢٨) من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري وأيوب بن بشير الأنصاري عن عروة بن الزبير عن عائشة عن النبي ﷺ .
стр. 5703
ورواه البخاري في "التاريخ الكبير" (١/١/٤٠٨) من طريق الزُّبيدي عن الزهري عن أيوب بن بشير الأنصاري عن عَبَّاد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة عن النبي ﷺ .
والله تعالى أعلم. *
٣٣٠٥ - (أول الآيات: طُلُوع الشمس من مغربها) .
رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨٠٢٢) ، والخطيب في "تاريخ بغداد"
(٢/١٥٦و ٥/٢٤) ، وابن حبان في "المجروحين " (٢/٢٠٤) ، وابن عدي في "الكامل " (٦/٢٠٤٧) , وابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٥/٣٦٥) من طريق طالوت ابن عبّاد عن فضال بن جُبَيْرِ عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: ... فذكره.
وهذا إسناد ضعيف " فضال بن جبير؛ ضعفه أبو حاتم الرازي؛ كما في
" الميزان ".
وقال ابن حبان: "لا يحل الاحتجاج به بحال ".
وقال الهيثمي في "المجمع " (٨/٩) :
"رواه الطبراني في "الأوسط "، وفيه فضالة بن جبير، وأنكر هذا الحديث "!
قلت: أما أنه في "الأوسط "؛فلا؛ فلعل ما عند الهيثمي وهم، أو تصحيف!
وفضالة: تصحيف من فضال المذكور!
وقوله: "وأُنكر هذا الحديث "؛ لعله إشارة إلى صنيع ابن عدي في سياقه هذا الحديث من مناكير فضال هذا.
стр. 5704
ولكن الحديث صحيح بشاهده:
فقد رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو، وهو مخرج في تعليقي على
" الطحاوية" (٥٠٤) . *
٣٣٠٦ - (أول شيء يأكله أهل الجنّة: زيادة كبد الحوت) .
رواه الطيالسي (٢٠٥١) ، ومن طريقه: أبو نعيم في "الحلية" (٦/٢٥٢) قال: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ : ... فذكره.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وورد من طريق حُميد عن أنس- ضمن قصة إسلام عبد الله بن سلام- رضي
الله عنه-، وفيه قوله ﷺ :
".. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة؛ فزيادة كبد الحوت ... ".
رواه البخاري (٣٣٢٩ و ٣٩٣٨ و ٤٤٨٠) ، وابن حبان (٧١٦١) ، والنسائي في "السنن الكبرى" (٩٠٧٤) ، وابن أبي شيبة في "المصنف " (١٣/١٢٥) ، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (٣٣٦) ، وأحمد (٣/١٠٨و ٨٩ ١) ، والبغوي في "شرح السنة" (٣٧٦٩) ، والبيهقي في "الدلائل " (٢/٥٢٨- ٥٢٩) ، وأبو يعلى في "مسنده " (٣٨٥٦) من طرق عن حميد: حدثنا أنس أن عبد الله بن سلام بلغه مَقْدَمُ النبي ﷺ المدينة، فأتاه يسأله عن أشياء ... فذكر الحديث بطوله.
ويظهر لي أن حديت أنس الأول هو نفسه حديث عبد الله بن سلام هذا، لكنه لم يذكر ابن سلام فيه- قَبْلُ- على ما هو معلوم من ائتمان الصحابة بعضهم بعضاً في الرواية.
стр. 5705
ويؤيد هذا رواية عند أحمد (٣/ ٢٧١) عن عفان: حدثنا حميد: أخبرنا ثابت وحميد عن أنس بن مالك ... فذكر قصة عبد الله بن سلام نفسها.
فجمع هذا الإسناد رواية ثابت- الأولى-، ورواية حميد- الثانية- في سياق واحد.
ورواه ابن حبان (٧٤٢٣) ، وأبو يعلى (٣٤١٤) ، وأبو نعيم في " الدلائل " (ص ٣٠٠) من طريق حماد، بهذا الإسناد.
وله شاهد عن ثوبان:
رواه مسلم (١/١٧٣) - ضمن قصة- بلفظ:
.. قال اليهودي: فما تُحْفَتُهم حين يدخلون الجنة؟ قال:
"زيادة كبد النون ".
(تنبيه) :
علق البخاري في "صحيحه " (١١/٤١٥) لفظ حديث الترجمة قائلاً:
"وقال أبو سعيد: قال النبي ﷺ :
"أول طعام يأكله أهل الجنة: زيادة كبد حوتِ ".
فقال الحافظ ابن حجر في "تغليق التعليق " (٥/١٨٤) :
"هذا طرف من حديث الشفاعة، وقد أسنده المؤلف- بطوله- في (التوحيد) ، وفي صفة الجنة أيضاً في (بدء الخلق) "!
قلت: وليس هو في شيء من هذه المواضع!
стр. 5706
ولكنه ذكر عزوه- ﵀ على الصواب- في "الفتح " (١١/٤١٩) في (باب: يقبض الله الأرض يوم القيامة) ، ثم قال:
"وهو مذكور هنا بالمعنى".
يشير- ﵀ إلى حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال:
"تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة.. "، وفيه:
"ألا أخبرك بإدامهم- أي: أهل الجنة-؟ "، قال:
"إدامهم بالام ونون ". قالوا: وما هذا؟ قال:
"ثور ونون؛ يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفاً ".
وهو في " الصحيح " برقم (٦٥٢٠) .
ورواه- أيضاً- مسلم (٨/ ١٢٨) . *
٣٣٠٧ - (أول من يدعى يوم القيامة: آدم، فتراءى ذريته، فيقال:
هذا أبوكم آدم، فيقول: لبيك وسعديك! فيقول: أخرج بعث جهنم من ذريتك، فيقول؛ يا رب! كم أخرج؟ فيقول: أخرج من كل مئة تسعة وتسعين، فقالوا: يا رسول الله! إذا أخذ منا من كل مئة تسعة وتسعون؛ فماذا يبقى منّا؟! قال: إن أمتي في الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود) .
رواه البخاري (٦٥٢٩) ، وأحمد (٢/٣٧٨) من طريق ثور عن أبي الغيث عن
أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ... فذكره.
وثور: هو ابن زيد الديلي.
стр. 5707
واسم أبي الغيث: سالم؛ وهما ثقتان.
وله شاهد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ :
"يقول الله: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك! قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، فذاك حين يشيب الصغير، (وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديدة) " فاشتد ذلك عليهم، فقالوا: يا رسول الله! أيُّنا ذلك الرجل؟ قال: "أبشروا؛ فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً ومنكم رجل "، ثم قال: "والذي نفسي بيده؛ إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة "، قال: فحمدنا الله وكبرنا، ثم قال: "والذي نفسي بيده! إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم؛ كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرَّقْمَةِ في ذراع الحمار".
رواه البخاري (٦٥٣٠) ، ومسلم (١/١٣٩-١٤٠) من طريق جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
وهو في "صحيح الجامع " (٧٩٩٨) ، وقد تقدم تخريجه في هذه "السلسلة" (برقم ٣٢٥٠) . *
٣٣٠٨ - (ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانَيه- إلا من عمل مثله-؟! تسبِّحون وتحْمَدون وتكبِّرون خلف كل صلاة ثلاثة وثلاثين) .
جاء من حديث أبي هريرة، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وابن عباس، وابن عمر: أما حديث أبي هريرة؛ فرواه عنه جماعة:
стр. 5708
الأول: أبو صالح:
رواه البخاري (٨٤٣) ، ومسلم (٢/٩٧) ، وابن خزيمة (٧٤٩) ، وابن حبان
(٢٠١٤) ، وأبو عوانة (٢/٢٧١ـ ٢٧٢) ، والطبراني في"الدعاء " (٧٢٠ و ٧٢٢) ، والبيهقي (٢/١٨٦) من طرق عن سُمَيِّ عن أبي صالح عن أبي هريرة- ﵁ قال:
جاء الفقراء إلى النبي ﷺ ، فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى، والنعيم المقيم؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموالهم يحجُّون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدقون؟! قال: ... فذكره.
فاختلفنا بيننا؛ فقال بعضنا: نسبّح ثلاثاً وثلاثين، ونحمَد ثلاثاً وثلاثين، ونكبّر أربعاً وثلاثين، فرجعت إليه، فقال:
تقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر؛ حتى يكون منهن كلهن ثلاث
وثلاثون.
قلت: وهذا لفظ البخاري.
وقد خالف جميع الرواة عن سُمَيِّ: ورقاء؛ فرواه البخاري (٦٣٢٩) ، والبغوي في "شرح السنة " (٠ ٧٢) و" التفسير" (٧/٣٦٦) ، والبيهقي (٢/١٨٦) ... فذكره،
".. فتسبحون في دبر كل صلاة عشراً، وتحمدون عشراً، وتكبرون عشراً ". وقال الإمام البخاري- عقبه-:
"تابعه عبيد الله بن عمر عن سمي.
ورواه ابن عجلان عن سمي ورجاء بن حيوة.
стр. 5709
ورواه جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي الدرداء. ورواه سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ".
قلت:
أما الأول: فقد تقدم تخريجه ضمن الرواة عن سمي في الإسناد الأول، وهو
في "صحيح البخاري " نفسه.
أما الثاني: فقد رواه مسلم (٢/٩٧) ، والبيهقي (٢/١٨٦) من طريق ليث عن
ابن عجلان به.
ورواه الطبراني في "الأوسط " (٥٣١٠) و"الصغير" (١٠٩٤- بترتيبي وتخريجي)
من طريق حيوة بن شريح عن محمد بن عجلان به، ولكنه جعل لفظه:
".. تسبحون الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمدونه ثلاثاً وثلاثين، وتكبرونه ثلاثاً وثلاثين ".
وهو مخرج في "الروض النضير" (١٠٩٤) ، ونقلت فيه كلام الإمام النووي
في قبول الزيادات الواردة في هذه الروايات، وخلاصة ذلك: أن يأتي بثلاث وثلاثين تسبيحة، ومثلها تحميدات، وأربع وثلاثين تكبيرة، ويقول معها: (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له ... ) إلى آخرها.
ورواه- هكذا- أيضاً أبو عوانة (٢/ ٢٧١- ٢٧٢) ، والطبراني في " الدعاء " (٧٢١) - ولم يسق لفظه- من طريقين عن محمد بن عجلان عن رجاء بن حيوة- وحده- عن أبي صالح به.
أما الثالث- وهو حديث أبي الدرداء-؛ فسيأتي تخريجه مستقلاً- بعد-.
стр. 5710
أما رواية سهيل:
فقد أخرجها مسلم (٢/٩٧- ٩٨) - مختصراً متنه- من طريق روح عن سهيل به.
ورواه النسائي في "عمل اليوم والليلة " (١٤٥) ، والبغوي في "شرح السنة " (٧١٧) من طريقين عن ابن عجلان عن سهيل به.
الثاني من الرواة عن أبي هريرة: سعيد (١) :
رواه أبو يعلى (٦٥٨٧) من طريق أبي معشر عن سعيد به.
وأبو معشر: ضعيف؛ أسن واختلط؛ كما قال الحافظ في "التقريب ".
الثالث من الرواة عن أبي هريرة: محمد بن أبي عائشة.
رواه أبو داود (١٥٠٤) ، والدارمي (١/٣١٢) ، وابن حبان (٢٠١٥) ، وأحمد (٢/٢٣٨) من طريق الأوزاعي عن حسان بن عطية عن محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة قال:
قال أبو ذر: يا رسول الله! ذهب أصحاب الدثور بالأجر ... فذكره بطوله.
وإسناده صحيح، محمد بن أبي عائشة من رجال مسلم، ووثقه ابن معين، وقال ابن أبي حاتم:
"ليس به بأس ".
ثم رأيته مخرجاً في هذه "السلسلة" (رقم ١٠٠) ؛ فلينظر.