ولكنه ذكر عزوه- ﵀ على الصواب- في "الفتح " (١١/٤١٩) في (باب: يقبض الله الأرض يوم القيامة) ، ثم قال:
"وهو مذكور هنا بالمعنى".
يشير- ﵀ إلى حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال:
"تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة.. "، وفيه:
"ألا أخبرك بإدامهم- أي: أهل الجنة-؟ "، قال:
"إدامهم بالام ونون ". قالوا: وما هذا؟ قال:
"ثور ونون؛ يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفاً ".
وهو في " الصحيح " برقم (٦٥٢٠) .
ورواه- أيضاً- مسلم (٨/ ١٢٨) . *
٣٣٠٧ - (أول من يدعى يوم القيامة: آدم، فتراءى ذريته، فيقال:
هذا أبوكم آدم، فيقول: لبيك وسعديك! فيقول: أخرج بعث جهنم من ذريتك، فيقول؛ يا رب! كم أخرج؟ فيقول: أخرج من كل مئة تسعة وتسعين، فقالوا: يا رسول الله! إذا أخذ منا من كل مئة تسعة وتسعون؛ فماذا يبقى منّا؟! قال: إن أمتي في الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود) .
رواه البخاري (٦٥٢٩) ، وأحمد (٢/٣٧٨) من طريق ثور عن أبي الغيث عن
أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ... فذكره.
وثور: هو ابن زيد الديلي.
стр. 5707
واسم أبي الغيث: سالم؛ وهما ثقتان.
وله شاهد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ :
"يقول الله: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك! قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، فذاك حين يشيب الصغير، (وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديدة) " فاشتد ذلك عليهم، فقالوا: يا رسول الله! أيُّنا ذلك الرجل؟ قال: "أبشروا؛ فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً ومنكم رجل "، ثم قال: "والذي نفسي بيده؛ إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة "، قال: فحمدنا الله وكبرنا، ثم قال: "والذي نفسي بيده! إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم؛ كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرَّقْمَةِ في ذراع الحمار".
رواه البخاري (٦٥٣٠) ، ومسلم (١/١٣٩-١٤٠) من طريق جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
وهو في "صحيح الجامع " (٧٩٩٨) ، وقد تقدم تخريجه في هذه "السلسلة" (برقم ٣٢٥٠) . *
٣٣٠٨ - (ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانَيه- إلا من عمل مثله-؟! تسبِّحون وتحْمَدون وتكبِّرون خلف كل صلاة ثلاثة وثلاثين) .
جاء من حديث أبي هريرة، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وابن عباس، وابن عمر: أما حديث أبي هريرة؛ فرواه عنه جماعة:
стр. 5708
الأول: أبو صالح:
رواه البخاري (٨٤٣) ، ومسلم (٢/٩٧) ، وابن خزيمة (٧٤٩) ، وابن حبان
(٢٠١٤) ، وأبو عوانة (٢/٢٧١ـ ٢٧٢) ، والطبراني في"الدعاء " (٧٢٠ و ٧٢٢) ، والبيهقي (٢/١٨٦) من طرق عن سُمَيِّ عن أبي صالح عن أبي هريرة- ﵁ قال:
جاء الفقراء إلى النبي ﷺ ، فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى، والنعيم المقيم؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموالهم يحجُّون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدقون؟! قال: ... فذكره.
فاختلفنا بيننا؛ فقال بعضنا: نسبّح ثلاثاً وثلاثين، ونحمَد ثلاثاً وثلاثين، ونكبّر أربعاً وثلاثين، فرجعت إليه، فقال:
تقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر؛ حتى يكون منهن كلهن ثلاث
وثلاثون.
قلت: وهذا لفظ البخاري.
وقد خالف جميع الرواة عن سُمَيِّ: ورقاء؛ فرواه البخاري (٦٣٢٩) ، والبغوي في "شرح السنة " (٠ ٧٢) و" التفسير" (٧/٣٦٦) ، والبيهقي (٢/١٨٦) ... فذكره،
".. فتسبحون في دبر كل صلاة عشراً، وتحمدون عشراً، وتكبرون عشراً ". وقال الإمام البخاري- عقبه-:
"تابعه عبيد الله بن عمر عن سمي.
ورواه ابن عجلان عن سمي ورجاء بن حيوة.
стр. 5709
ورواه جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي الدرداء. ورواه سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ".
قلت:
أما الأول: فقد تقدم تخريجه ضمن الرواة عن سمي في الإسناد الأول، وهو
في "صحيح البخاري " نفسه.
أما الثاني: فقد رواه مسلم (٢/٩٧) ، والبيهقي (٢/١٨٦) من طريق ليث عن
ابن عجلان به.
ورواه الطبراني في "الأوسط " (٥٣١٠) و"الصغير" (١٠٩٤- بترتيبي وتخريجي)
من طريق حيوة بن شريح عن محمد بن عجلان به، ولكنه جعل لفظه:
".. تسبحون الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمدونه ثلاثاً وثلاثين، وتكبرونه ثلاثاً وثلاثين ".
وهو مخرج في "الروض النضير" (١٠٩٤) ، ونقلت فيه كلام الإمام النووي
في قبول الزيادات الواردة في هذه الروايات، وخلاصة ذلك: أن يأتي بثلاث وثلاثين تسبيحة، ومثلها تحميدات، وأربع وثلاثين تكبيرة، ويقول معها: (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له ... ) إلى آخرها.
ورواه- هكذا- أيضاً أبو عوانة (٢/ ٢٧١- ٢٧٢) ، والطبراني في " الدعاء " (٧٢١) - ولم يسق لفظه- من طريقين عن محمد بن عجلان عن رجاء بن حيوة- وحده- عن أبي صالح به.
أما الثالث- وهو حديث أبي الدرداء-؛ فسيأتي تخريجه مستقلاً- بعد-.
стр. 5710
أما رواية سهيل:
فقد أخرجها مسلم (٢/٩٧- ٩٨) - مختصراً متنه- من طريق روح عن سهيل به.
ورواه النسائي في "عمل اليوم والليلة " (١٤٥) ، والبغوي في "شرح السنة " (٧١٧) من طريقين عن ابن عجلان عن سهيل به.
الثاني من الرواة عن أبي هريرة: سعيد (١) :
رواه أبو يعلى (٦٥٨٧) من طريق أبي معشر عن سعيد به.
وأبو معشر: ضعيف؛ أسن واختلط؛ كما قال الحافظ في "التقريب ".
الثالث من الرواة عن أبي هريرة: محمد بن أبي عائشة.
رواه أبو داود (١٥٠٤) ، والدارمي (١/٣١٢) ، وابن حبان (٢٠١٥) ، وأحمد (٢/٢٣٨) من طريق الأوزاعي عن حسان بن عطية عن محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة قال:
قال أبو ذر: يا رسول الله! ذهب أصحاب الدثور بالأجر ... فذكره بطوله.
وإسناده صحيح، محمد بن أبي عائشة من رجال مسلم، ووثقه ابن معين، وقال ابن أبي حاتم:
"ليس به بأس ".
ثم رأيته مخرجاً في هذه "السلسلة" (رقم ١٠٠) ؛ فلينظر.
стр. 5711
أما حديث أبي الدرداء:
فقد رواه عنه ثلاثة:
الأول: أبو عمر الصيني، ورواه عنه جماعة:
رواه النسائي في "عمل اليوم والليلة " (٤٩ ١) ، وعبد الرزاق (٣١٨٧) ، وا بن
أبي شيبة (١٠/٢٣٥) ، والطبراني في "الدعاء" (٧٠٨) من طريق الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عنه.
ورواه النسائي (١٥٠و١٥١) ، وابن أبي شيبة (١٠/٢٣٥) ، وأحمد (٦/٤٤٦) ، وابن الجعد في "مسنده " (١٦٠) ، ومن طريقه: المزي في "التهذيب" (٣٤/١١١) ، والطبراني في "الدعاء" (٧١٠و٧١١) من طريق شعبة ومالك بن مغول عن الحكم عنه.
ورواه الطبراني (٧١٢) من طريق ميمون بن أبي شبيب عنه.
ورواه- أيضاً- الطبراني (٧١٣) من طريق يونس بن خباب عنه.
الثاني: أبو صالح:
رواه النسائي (٤٧ ١) ، وابن أبي شيبة (١٣/٤٥٣) ، والطبراني في"الدعاء " (٧٠٩) ، من طريق أبي الأحوص عن عبد العزيز بن رفيع عنه.
ورواه الطيالسي (١٢٣٥- ترتيبه) من طريق سلام عن عبد العزيز عنه.
ورواه ابن أبي شيبة (١٣/٤٥٣) ، والإسماعيلي- ومن طريقه: الحافظ ابن حجر في "التغليق " (٥/١٤٣) - من طريق جرير عن عبد العزيز عنه.
стр. 5712
الثالث: عبد الرحمن بن أبي ليلى:
رواه المروزي في "زوائد الزهد " (١١٥٩) ، والطبرا ني (٧١٤) ، والبزار (٣٠٩٥- زوائده) من طريق ليث بن أبي سليم عن الحكم بن عتيبة عنه.
ولقد روى الحديث: شريك عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي عمر عن أم الدرداء قالت:
نزل بأبي الدرداء ... فذكرت الحديث ضمن قصة.
رواه النسائي في "عمل اليوم والليلة " (١٤٨) ، والطبراني في "الدعاء "
(٧٠٧) .
وشريك؛ سيئ الحفظ.
وأما أبو عمر- الراوي عن أبي الدرداء-؛ فقد روى عنه جماعة، ولم يوثق، وقال الحافظ ابن حجر:
"مقبول، وروايته عن أبي الدرداء مرسلة ".
قلت: لعل اعتماد الحافظ في هذا على رواية شريك؛ وفيه ما ذكرت!
أما حديث أبي ذر:
فقد تقدم تخريجه في هذه "السلسلة" (١١٢٥) ، ولْيُزَد على مصادره:
ابن خزيمة (٧٤٨) ، والحميدي (١٣٣) ، والمروزي في"زوائد الزهد" (١١٥٧) ؛
وزاد الأولان: "وعند منامك مثل ذلك ".
وإسنادها صحيح.
стр. 5713
(تنبيه) : عزا الحديث حسين أسد الداراني في تعليقه على "مسند الحميدي " لمسلم في "صحيحه "!
فأقول: نعم؛ لكن من غير هذه الطريق.
وقد تقدم ذكر رواية مسلم من طريق أبي هريرة، وفيها قصة عن أبي ذر.
أما حديث ابن عباس:
فقد رواه الترمذي (٢/ ٢٦٤- ٢٦٥) ، والننسائي (١/١٩٩) ، وغيرهما؛ وهو مخرج في "التعليق الرغيب " (٢/٢٦٠) ؛ حيث بينت ضعف سنده، وأن في متنه ما ينكر!
أما حديث ابن عمر:
فقد رواه البزار (٣٠٩٤) من طريق موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ... فذكره بطوله، ثم قال البزار- عقبه-:
"وعلته موسى بن عبيدة".
وبه أعله الهيثمي في "المجمع " (١٠/١٠١) .
ثم رأيت للحديث طريقين مرسلين في "مصنف عبد الرزاق " (٣١٨١ و٣١٨٥) عن عطاء، وعن قتادة.
وخلاصة القول؛ أن الحديث صحيح جدّاً، وأن اختلاف بعض ألفاظه مما لا يؤثر فيه شيئاً.
والحمد لله على توفيقه؛ وأسأله سبحانه المزيد من فضله. *
стр. 5714
٣٣٠٩ - (بئسما جزيتيها! ليس هذا نذراً، إنما النذر ما ابتغي به وجه الله. قاله في امرأة أبي ذر التي نذرت: إن نجت من الكفار على راحلته ﷺ أن تنحرها!) .
أخرجه البيهقي في "سننه " (١٠/٧٥) من طريق عبد الرحمن بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:
أن امرأة أبي ذر جاءت على (القصواء) راحلة رسول الله ﷺ ، حتى أناخت عند المسجد، فقالت:
يا رسول الله! نذرت لئن نجاني الله عليها لآكلن من كبدها وسنامها!
قال: ... فذ كره.
قلت: وهذا إسناد حسن، عبد الرحمن بن الحارث: هو المخزومي أبو الحارث المدني، قال الحافظ:
"صدوق له أوهام ".
وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: إسناده حسن، احتج به أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم، وعلى ذلك جرى العلماء بعدهم في تخاريجهم، ولا عبرة ببعض الأحداث المتعلقين بهذا العلم الذين- لجهلهم بعلم الجرح والتعديل أولاً، ولعدم ثقتهم بعلم العلماء السابقين ثانياً- يضعفون الراوي لجرح قيل فيه، ولو كان مرجوحاً.
وقد جاءت هذه القصة في "صحيح مسلم " وغيره من حديث عمران بن حصين بأتم مما هنا، كما رويت من حديث النواس بن سمعان عند الطبراني بإسناد
стр. 5715
واه، فيها بعض الزيادات المنكرة، ولذلك خرجته في "الضعيفة " (٦٥٤٩) ، وخرجت حديث عمران المشار إليه تحته، وليس فيه أن المرأة هي امرأة أبي ذر، وقد تقدم تخريج الحديث في هذه "السلسلة" (٢٨٥٩) ، ولكن ههنا فائدة زائدة. *
٣٣١٠ - (قوم يأتون من بعدكم، يأتيهم كتاب بين لوحين، يؤمنون
به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجراً) .
أخرجه البخاري في "أفعال العباد" (١٢٤/ ٣٩٠- السلفية) ، والروياني في "مسنده " (٣٣/٧٢٠/ ١- ٢) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (١/ ٧٤ ١/ ١) ، ومن طريقه: المزي في "تهذيب الكمال "، والهروي في "ذم الكلام " (ق ١٤٨/ ١) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٨/٩٥/ ١) من طريق عبد الله بن صالح: حدثني معاوية بن صالح عن صالح بن جبير أنه قال:
قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ بيت المقدس ليصلي فيه، ومعنا رجاء بن حيوة يومئذ، فلما انصرف خرجنا معه لنشيعه، فلما أردنا الانصراف قال:
إن لكم علي جائزة وحقاً؛ أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ . قال: فقلنا: هاته يرحمك الله! قال:
كنا مع رسول الله ﷺ ، معنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، قال: فقلنا: يا رسول الله! هل من قوم هم أعظم منا أجراً؛ آمنا بك واتبعناك؟ قال:
"ما يمنعكم من ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهركم، يأتيكم بالوحي من السماء؟! بل قوم ... " الحديث، والسياق للروياني.
стр. 5716
قلت: وهذا إسناد جيد؛ على ضعف في عبد الله بن صالح كاتب الليث، إلا
أن الحافظ قد استظهر من أقوال الأئمة فيه: أن ما يجيء عنه من رواية أهل الحذق كيحيى بن معين والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم؛ فهو من صحيح حديثه؛ فإن هذا من حديث البخاري عنه.
وقد توبع؛ فقال أحمد (٤/١٠٦) : ثنا أبو المغيرة قال: ثنا الأوزاعي قال: حدثني أسيد بن عبد الرحمن قال: حدثني صالح بن محمد قال: حدثني أبو جمعة قال:
تغدينا مع رسول الله ﷺ ، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح قال: فقال: يا رسول
الله! أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: ... فذكره مختصراً بلفظ:
"قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني ".
ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم (٤/٨٥) ، والطبراني.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده " (٣/١٢٨) ، وابن عساكر من طرق أخرى عن الأوزاعي به. وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وقال الحافظ (٧/٦) :
" إسناده حسن "
ولأسيد بن عبد الرحمن شيخ آخر، فقال أسيد: عن خالد بن دُريك عن أبي محيريز قال: قلت: لأبي جمعة- رجل من الصحابة-: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، أحدثكم حديثاً جيداً.....فذكره.
أخرجه أحمد، وكذا الدارمي في "سننه " (٢/٣٠٨) ، قالا: تنا أبو المغيرة:
стр. 5717
ثنا الأوزاعي به. وأخرجه الطبراني، وابن منده في "الإيمان " (٢/٣٧٢) .
وأخرجه ابن سعد في "الطبقات " (٧/٥٠٨- ٥٠٩) ، وابن منده، وابن عساكر من طرق أخرى عن الأوزاعي به.
وله طريق ثالث عن صالح بن جبير؛ رواه ضمرة بن حبيب عن مرزوق بن
نافع عنه مختصراً.
أخرجه الطبراني، والهروي، وابن قانع في ترجمة أبي جمعة من "معجم الصحابة"، وابن عساكر أيضاً.
ورجاله ثقات؛ إلا مرزوق بن نافع، فلا يعرف إلا بهذه الرواية، وبها ذكره ابن حبان في "الثقات " (٩/١٨٩) .
وقال ابن منده عقب رواية (أسيد) :
"وروى هذا الحديث عن صالح بن جبير: معاوية بن صالح ومرزوق بن نافع وغيرهما، وهذا إسناد صحيح مشهور".
(تنبيه) : اختلفت روايات الحديث- كما مر- في سؤال الصحابة؛ هل كان بلفظ:
"أعظم أجراً"؛ كما في رواية عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن
صالح بن جبير؟
أم بلفظ:
"خير منا"؛ كما في رواية أسيد بن عبد الرحمن ومرزوق بن نافع عن صالح؛
فذكر الحافظ في "الفتح " (٧/٧) أن اللفظ الأول أقوى، والظاهر أنه يعني من
стр. 5718
حيث المعنى، وإلا؛ فاللفظ الآخر هو الأقوى؛ لاتفاق اثنين عليه كما رأيت، ولا سيما ويؤيده قوله ﷺ :
"مثل أمتي كالمطر، لا يُدرى أوله خير أم آخره؟ ".
وهو حديث صحيح، كما تقدم بيانه مفصلاً برقم (٢٢٨٦) . *
٣٣١١ - (ما من شيء إلا يعلم أنّي رسول الله؛ إلا كفرة أو فسقة
الجن والإنس)
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/٢٦١ /٦٧٢ و٢٥/٣٠٦/٥٤) ، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٦/٢٢) من طريق شريك عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده قال:
رأيت من النبي ﷺ ثلاثة أشياء ما رآها أحد قبلي:
أ- كنت معه في طريق مكة، فمر على امرأة معها ابن لها به لمم، ما رأيت لمماً أشد منه، فقالت: يا رسول الله! ابني هذا كما ترى؟ قال: "إن شئت دعوت له "، فدعا له، ثم مضى.
ب- فمر عليه بعير مادً جرانه يرغو، فقال:
"علي بصاحب هذا"، فقال:
"هذا يقول: نُتِجْتُ عندهم واستعملوني؛ حتى إذا كبرت أرادوا أن ينحروني "،
ثم مضى.
ج- فرأى شجرتين متفرقتين، فقال لي:
"اذهب فمرهما؛ فلتجتمعا ".
стр. 5719
فاجتمعتا فقضى حاجته، وقال:
"اذهب فقل لهما يتفرقا"، ثم مضى.
فلما انصرف مر على الصبي وهو يلعب مع الصبيان، وقد هيأت له أمه ستة أكبش، فأهدت له كبشين، وقالت: ما عاد إليه شيء من اللمم، فقال رسول الله ﷺ : ... فذ كره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ شريك- وهو ابن عبد الله النخعي-؛ ليس بالقوي لسوء حفظه.
وعمر بن عبد الله بن يعلى؛ ضعيف؛ كما في "التقريب ".
قلت: ومثله أبوه عبد الله؛ قال ابن حبان في "الضعفاء" (٢/٢٥) :
"لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد؛ لكثرة المناكير في روايته، على أن
ابنه واه أيضاً، فلست أدري: البلية فيها منه أو من أبيه؟! ".
وقال العقيلي في "الضعفاء" (٢/٣١٩) :
"فيه نظر".
ثم ذكر الحديث من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن عبد الله بن يعلى قال:
حدثني أبي ...
قلت: فساق القصة الأولى ببعضها نحوه، وقال:
"وذكر الحديث، ويروى من طريق أصلح من هذا".
قلت: أخرجه أحمد (٤/١٧٠- ٧٣ ١) ، والطبراني رقم (٦٨٠) ، والبيهقي (٦/ ٢٠- ٢٤) من طرق أخرى عن يعلى؛ أحدها عند الحاكم (٢/٦١٧- ٦١٨) من
стр. 5720
طريق الأعمش عن المنهال بن عمرو عن يعلى به، دون حديث الترجمة. وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي! وفيه انقطاع كما يأتي.
والحديث أعله المناوي بـ (علي بن عبد العزيز) أيضاً قائلاً:
"فإن كان البغوي؛ فقد كان يطلب على التحديث، أو ابن الحاجب؛ فلم
يكن في دينه بذاك، أو الجناب؛ فغير ثقة"!
قلت: هذه جعجعة لا طحن فيها، فهو الحافظ البغوي دون ريب؛ فإنه شيخ الطبراني فيه، وطلبه على التحديث عيب لا يجرح به، ولذلك كان حجة عند جميع المحدثين، كما لا يخفى على أهل العلم، على أنه قد توبع عند البيهقي والحاكم.
وأما إنكاره على السيوطي تصحيحه للحديث؛ فغير وارد إلا على إسناده، ثم هو على ما ذكره من رمز السيوطي لصحته، ورموزه مشكوك في صحة نسبتها إلى السيوطي، كما كنت حققته في مقدمة "صحيح الجامع " و"ضعيف الجامع "، فارجع إلى أحدهما إن شئت.
لكن الحديث صحيح بطرقه وشاهده الآتي الإشارة إليه، وقد ألمح إلى تقويته العقيليُّ كما تقدم.
وقد أخرجه الطبراني (٦٧٩) من طريق يحيى بن عيسى عن الأعمش عن المنهال بن عمرو قال: حدثني ابن يعلى بن مرة عن أبيه قال:
كنت مع النبي ﷺ ، فرأيت منه ثلاثة أشياء عجيبة، قال ...
قلت: فذكرها دون حديث الترجمة، وقد ساقه الحافظ ابن كثير في "شمائل
стр. 5721
البداية" (٤/ ١٤٠) مع طرف أخرى عن يعلى ليس فيها حديث الترجمة، وقال عقبه: "فهذه طرق جيدة متعددة، تفيد غلبة الظن أو القطع- عند المتبحرين- أن يعلى بن مرة حدث بهذه القصة في الجملة".
وقال الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٢٢١) :
"والأحاديث في أعلام نبوته أكثر من أن تحصى، وقد جمع قوم كثير كثيراً منها، والحمد لله، ومن أحسنها- وكلها حسن- ما حدثنا ... " ثم ساق طريق الأعمش عن المنهال عن يعلى المتقدم.
وقد خرج طرقه إليه أخونا الفاضل حمدي السلفي في تعليقه على "المعجم " (٢٢/٢٦٤- ٢٦٦) ، وتكلم على رواتها، وإن كان لم يتعرض لبيان الفرق بين متونها، وما فيها من الزيادات كحديث الترجمة هذا؛ لأن مجال التعليق ضيق كما هو ظاهر.
وشاهده الذي تقدمت الإشارة إليه كنت خرجته قديماً في المجلد الرابع من
هذه السلسلة (١٧١٨) بسند حسن من حديث جابر- ﵁، من طريقين عن الأجلح عن الذيّال بن حرملة عنه، رواه أحمد وغيره.
ثم رأيته من رواية أبي بكر بن عياش عن الأجلح به؛ إلا أنه قال:
"عن ابن عباس.. ": مكان "جابر بن عبد الله ".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/١٥٥/١٢٧٤٤) ، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ٣٠) . وقال الهيثمي (٩/ ٤) :
"رواه الطبراني، ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف ".
стр. 5722
كأنه يشير إلى (الأجلح) ، وهو صدوق كما قال الحافظ، وفيه كلام يسير، وقال ابن كثير في "البداية" (٤/١٣٦) :
"وهذا من هذا الوجه عن ابن عباس غريب جدّاً، والأشبه رواية الإمام أحمد
عن جابر؛ اللهم إلا أن يكون الأجلح قد رواه عن الذيّال عن جابر، وعن ابن عباس، والله أعلم ".
قلت: وأنا أرى أنه إذا كان هناك خطأ؛ فهو من أبي بكر بن عياش؛ فإن فيه ضعفاً من قبل حفظه، مع كونه من رجال البخاري. *
٣٣١٢ - (ليحْملَنّ شرار هذه الأمّة على سَنَنِ الذين خلَوا من قبلهم- أهل الكتاب- حذو القُذَّةِ بالقُذَّة) .
أخرجه أحمد (٤/١٢٥) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٧/٣٣٨/٧١٤٠) ، وابن عدي (٤/ ٤٠) من طريق عبد الحميد بن بَهرام قال: ثنا شهر بن حوشب: حدثني ابن غنم أن شداد بن أوس حدثه عن رسول الله ﷺ مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد حسن في الشواهد؛ فإن شهراً مختلف فيه، وبعضهم يحسن حديثه، وبخاصة من رواية عبد الحميد بن بهرام عنه. وقال الهيثمي في "المجمع " (٧/٢٦١) :
"رواه أحمد والطبراني، ورجاله مختلف فيهم ".
وله شواهد كثيرة، أذكر المتيسر منها:
الأول: عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ :
"أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل، لتركبن طريقتهم حذو القُذة بالقذة، حتى لا
стр. 5723
يكون فيهم شيء إلا كان فيكم مثله، حتى إن القوم لتمر عليهم المرأة، فيقوم إليها بعضهم فيجامعها، ثم يرجع إلى أصحابه؛ يضحك إليهم ويضحكون إليه".
أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٠/٤٧/٩٨٨٢) : حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني: ثنا عُبَيْدُ بن عَبِيدَةَ التَّمَّارُ: ثنا معتمر بن سليمان عن أبيه- أراه- عن ليث عن عبد الرحمن بن ثروان عن هُزيل عن عبد الله به. وقالت الهيثمي:
"رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه "!
كذا قال! وذلك ما أحاط به علمه، وكلهم معروفون:
ا- إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، ترجمه أبو نعيم في "أخبار أصبهان " (١/١٨٨- ٨٩ ١) ، وساق له أحاديث، وأرخ وفاته سنة (٢٩١) . وروى له الطبراني في " الأوسط " (١/ ٣٠٨١- ٣٠٨٤) أربعة أحاديث أخرى، وآخر في " الصغير" (٢٧٥- الروض النضير) .
٢- عُبَيْدُ بن عَبِيدَة التَّمَّار، ذكره ابن حبان في "الثقات " (٨/ ٤٣١) ، وقال: "يُغرِب ".
ووثقه غيره، وروى عنه جمع، انظر "اللسان "، وقد- توبع كما يأتي.
٣- ومن فوقه، ثقات من رجاله "الصحيح "؛ غير ليث- وهو ابن أبي سليم-،
وهو صدوق، ولكنه كان اختلط.
ومن طريقه: أخرجه البزار (٣/ ٣٢١/٢٨٤٦) من رواية عمرو بن عاصم: ثنا المعتمر بن سليمان ... بطرفه الأول، ولفظه:
"أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل؛ سمتاً، وسِمَةً، وهدياً ".
стр. 5724
وقال الهيثمي (١٠/ ٧٠) :
"رواه البزار، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجاله رجال الصحيح "!
وهذا من أوهامه المتكررة، يرمي ليثاً بالتدليس! وإنما علته الاختلاط، وقد سبق التنبيه على ذلك مراراً، والغريب في كل ذلك أن الشيخ الأعظمي يُقره!
وقد خالف سفيان الثوري ليثاً، فرواه عن ابن مسعود موقوفاً، فقال ابن أبي شيبة في "المصنف " (١٥/١٠٢/١٩٢٢٥) : حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي قيس عن هُزيل قال: قال عبد الله:
أنتم أشبه الناس سمتاً وهدياً ببني إسرائيل، لتسلكن طريقهم حذو القذة بالقذة، والنعل بالنعل، قال عبد الله: إن من البيان سحراً.
قلت: وهذا إسناد صحيح موقوف، ولكنه في حكم المرفوع؛ فإنه من الغيبيات التي لا تقال بالاجتهاد والرأي، ويؤيده أن قوله: "إن من البيان سحراً" قد صح مرفوعاً عن جمع من الصحابة؛ كابن عمر وغيره، وسبق تخريجه برقم (١٧٣١ و٢٨٥١) .
ثم روى ابن أبي شيبة عن أبي البختري قال: قال حذيفة:
لا يكون في بني إسرائيل شيء إلا كان فيكم مثله. فقال رجل: فينا قوم لوط؟! قال: نعم، وما ترى بلغ ذلك لا أم لك؟!
وإسناده حسن؛ لولا أنه منقطع بين أبي البختري- واسمه سعيد بن فيروز- وحذيفة.
стр. 5725
ثم رواه بسند صحيح عن أبي البختري به نحوه، وفيه:
فقال رجل: تكون فينا قردة وخنازير؟! قال: وما يبريك من ذلك لا أم لك؟!
وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه " (١١/٣٦٩/٢٠٧٦٥) من طريق قتادة أن حذيفة قال:
لتركبن سنن بني إسرائيل حذو القذة بالقذة، وحذو الشراك بالشراك، حتى
لو فعل رجل من بني إسرائيل كذا وكذا؛ فعله رجل من هذه الأمة، فقال له رجل: قد كان في بني إسرائيل قردة وخنازير؟! قال: وهذه الأمة سيكون فيها قردة وخنا زير.
ورجاله ثقات؛ لكنه منقطع.
الثاني: عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ :
"والذي نفسي بيده! لتركبن سنن الذين من قبلكم حذو النعل بالنعل ".
أخرجه الطبراني (٦/٢٥١/٦٠١٧) من طريق ابن لهيعة: حدثني بكر بن سوادة عنه.
ورجاله ثقات ورواه عن ابن لهيعة يحيي بن إسحاق السَّيْلَيحني وهو من قدماء أصحابه.
وقد جزم بنسبته إلى النبي ﷺ ابن عبد البر في "التمهيد" (٥/٤٥) ، وكأنه
لشواهده.
ومن طريقه: أخرجه أحمد (٥/٣٤٠) بلفظ:
"والذي نفسي بيده! لتركبن سنن من قبلكم مثلاً بمثل ".
стр. 5726
وله طريق أخرى؛ يرويه النضر بن محمد الجرشي: ثنا عكرمة بن عمار عن يحيى بن عثمان عن أبي حازم عن سهل بن سعد مرفوعاً بلفظ:
"لتتبعن سنن من كان قبلكم؛ شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم ".
قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال:
"فمن إلا اليهود والنصارى؟! ".
أخرجه الطبراني (٦/٢٢٩/٥٩٤٣) ، والروياني في "مسنده " (ق ١٨٢/٢) . وقال الهيثمي- بعد لفظ أحمد المختصر-:
"رواه أحمد والطبراني بنحوه، وزاد..، وفي إسناد أحمد ابن لهيعة؛ وفيه ضعف، وفي إسناد الطبراني يحيى بن عثمان عن أبي حازم، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات "!
قلت: وعليه ملاحظتان:
الأولى: فاته رواية ابن لهيعة عند الطبراني باللفظ الأول.
والأخرى: أن يحيى بن عثمان مترجم في الكتب الثلاثة: "تاريخ البخاري "، و"الجرح والتعديل "، و"ثقات ابن حبان " وغيرها؛ مثل "الضعفاء" للعقيلي، وساق له هذا الحديث، وقال (٤/٤١٩) :
"هذا يروى بغير هذا الإسناد من طريق أصلح من هذه ".
وقال البخاري:
"حديثه ليس بالقائم ".
стр. 5727
وقال أبو حاتم:
"ليس بالقوي، وهو مجهول ".
يعني: مجهول العين؛ لأنهم لم يذكروا له راوياً غير عكرمة بن عمار. وأما
قول الذهبي في "الميزان ":
"وعنه: النضر بن محمد وغيره "!
فهو سبق بصر أو قلم منه، ولم ينبه عليه الحافظ في "اللسان "؛ فإن النضر
هذا إنما روى عن عكرمة بن عمار؛ كما رأيت في الإسناد.
قلت: فالعجب من الهيثمي كيف لم يعرفه؟! وهو مترجم في هذه المصادر، وأعجب من ذلك أنه في كتابه "ترتيب ثقات ابن حبان "!! فتعالى الله، (لا يضل ربي ولا ينسى) .
والطريق الأصلح التي أشار إليها العقيلي في قوله المتقدم؛ لا أدري بالضبط ما يعني بها؛ فإنه قد صح من حديث أبي سعيد الخدري عند الشيخين، وأبي هريرة عند مسلم، وابن عمرو عند ابن أبي عاصم في "السنة"، وهي مخرجة في "ظلال الجنة" (١/٣٦- ٣٧/٧٢- ٧٥) ، ومن حديث ابن عباس عند الحاكم وغيره، وقد مضى تخريجه برقم (١٣٤٨) بنحو حديث يحيى بن عثمان، وانظر لفظه في "صحيح الجامع الصغير" (٤٩٣٩) .
(فائدة) : قوله: "حذو القذة بالقذة"، وفي حديث سهل: "حذو النعل بالنعل ". قال في "النهاية ":
"أي: تعملون مثل أعمالهم، كما تقطع إحدى النعلين على قدر النعل
الأخرى، و (الحذو) : التقدير والقطع ".
стр. 5728
و (القذة) بالضم: ريش السهم.
(تنبيه) ألا أحد المعاصرين- المتعالمين المغرورين المتعالين على أئمة السنة والجاهلين بها، والمعادين لها، ومع ذلك كنى نفسه بـ (أبي عبد الرحمن الأثري) ! - ألف كتاباً أسماه: "استحالة دخول الجان بدن الإنسان "! يكفيك هذا العنوان عن مضمونه، فقد حشاه أنواعاً من الجهل بالكتاب والسنة، وبالتدليس وقلب الحقائق، والذي يهمني هنا التنبيه عليه: أنه حرف هذا الحديث وأفسد معناه، فذكره (ص ٢٧) بلفظ: "حذاء القذة بالقذة"؛ كذا (حذاء) ! وقد يتبادر إلى من لم يعرف شيئاً من جهله أنه خطأ مطبعي، وهو ما أتمناه، ولكنه سرعان ما أعاده (ص ٣٤) مقروناً بخطأ آخر: "حذاء القذة بالقذة"! فضبط القاف بالفتح! ومن أراد أن يقف على شيء من التفصيل لجهله المشار إليه، فليرجع إلى الحديث المتقدم برقم (٢٩١٨) وما كتبته تحته في الرد عليه مما يقضي على ما زعم استحالته قضاءً مبرماً، وهو في آخر المجلد السادس، وهو تحت الطبع، وسيكون تحت أيدي محبي السنة قريباً إن شاء الله تعالى (١) . *
٣٣١٣ - (إياك والذنوب التي لا تُغفر، (وفي رواية: وما لا كفارة من الذنوب) ، فمن غل شيئاً أُتيَ به يوم القيامة، وآكل الربا؛ فمن أكل الربا بُعِث يوم القيامة مجنوناً يتخبط، ثم قرأ: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) [البقرة: ٢٧٥] ) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٨/ ٦٠/ ١٠٠) ، والخطيب في "التاريخ " (٨/٧٨ ١- ٧٩ ١) من طرق عن الحسين بن عبد الأول: ثنا أبو خالد
стр. 5729
الأحمر: ثنا شعبة عن يزيد بن خُمَيْرِعن حبيب بن عبيد عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وقال الهيثمي- وسقط من المطبوعة (٤/١١٩) عزوه للطبراني-:
"وفيه الحسين بن عبد الأول، وهو ضعيف ".
قلت: هو مختلف فيه، قال في "الميزان " و"اللسان ":
"قال أبو زرعة: "لا أحدث عنه ". وقال أبو حاتم: "تكلم فيه الناس ". وكذبه
ابن معين. وقال أبو زرعة أيضاً: "روى أحاديث؛ لا أدري ما هي؟ ". وذكره ابن حبان في (الثقات) ". (٨/١٨٧) .
ثم ذكر له الحافظ حديثاً منكراً من روايته عن أبي معاوية عن عثمان بن واقد
عن موسى بن يسار عن أبي هريرة رفعه:
"إن السماوات السبع والأرضين السبع لتلعن العجوز الزانية والشيخ الزاني " (١) .
قلت: وتعصيب جناية هذا الحديث بالحسين بن عبد الأول ليس بأولى من تعصيبها بعثمان بن واقد؛ فإن فيه ضعفاً؛ قال الذهبي في "المغني ":
"وُثِّق، وضعفه أبو داود".
ثم على فرض أن حسيناً هو العلة؛ فذلك لا يستلزم تضعيفه مطلقاً؛ لأن أحداً لا يخلو من الوهم، كما لا يخفى على أهل العلم، ولعل هذا الحديث هو السبب في رمي ابن معين إياه بالكذب، ويكون ذلك من تشدده الذي عرف به، أقول هذا لأنني رأيت من التوثيق لهذا الرجل- مما لم يذكره الحافظ- ما جعلني لا
стр. 5730
أعتد بما قيل فيه مما تقدم؛ لأنه ظاهر في أنهم لم يدروا حديثه ولم يسبروه، ألا وهو قول الإمام العجلي في "تاريخ الثقات " (١١٩/ ٢٩٠) :
"كوفي، ثقة، عالم ". وسكت عنه البخاري في "التاريخ " (١/٢/٣٩٣) .
ولذلك؛ فإني أرى أن الحديث حسن على الأقل؛ فإن من فوقه ثقات من رجال مسلم، لا سيما وقد جاء من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن حبيب بن عبيد أن حبيب بن مسلمة أتي برجل قد غلّ، فربطه إلى جانب المسجد، وأمر بمتاعه فأحرق، فلما صلى قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر الغلول وما أنزل الله فيه، فقام عوف بن مالك فقال:
يا أيها الناس! إياكم وما لا كفارة من الذنوب؛ فإن الرجل يربي ثم يتوب، فيتوب الله عليه، وإن الله تعالى يقول: (وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) ، وإن الله يبعث آكل الربا يوم القيامة مجنوناً مخنقاً ".
أخرجه الطبراني أيضاً (رقم ١٠٩) بسند صحيح عن أبي بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف مختلط، ولا يمنع ذلك من الاستشهاد به؛ فقد كان من العبّاد وأحد أوعية العلم، وقال ابن عدي:
"أحاديثه صالحة، ولا يحتج به ".
وأما ما رواه حُصَين بن مُخَارق عن حمزة الزيات عن أبَان عن أنس مرفوعاً بلفظ:
"يأتي آكل الربا يوم القيامة مخبلاً يَجُرُّ شِقَّهُ، ثم قرأ: (لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) ".
أخرجه الأصبهاني في "الترغيب " (٢/ ٥٧٤/ ١٣٧٤) ، وأشار المنذري في
стр. 5731
"ترغيبه " (٣/٥٢) إلى تضعيفه مع حديث الترجمة! وشتان ما بينهما؛ فهذا موضوع؛ آفته حصين هذا؛ قال الدارقطني:
"يضع الحديث ".
وأبان: هو ابن أبي عياش، وهو متروك.
وأما الأول؛ فقد عرفت أنه حسن.
وأما السيوطي؛ فسكت عن الاثنين- كعادته- في "الدر المنثور" (١/٣٦٤) ، وكذلك سكت عن الأول في "الجامع الكبير". *
٣٣١٤ - (وُزِنْتُ بألفٍ من أمَّتي فرجَحْتُهم، فجعلُوا يتناثرون عليَّ
من كِفَّةِ الميزان) .
أخرجه البزار في "مسنده " (٣/١١٦/٢٣٧٢- كشف الأستار) : حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري: ثنا النضر بن محمد الجرشي: ثنا عكرمة بن عمار عن أبي زُمْيَل عن مالك بن مَرْثَدِ عن أبيه عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذ كره.
قال البزار: وبإسناده قال: قال رسول الله ﷺ :
"يا أبا ذر! رأيت كأني وُزِنْتُ بأربعين أنت فيهم؛ فوزنتهم ".
وقال البزار:
"وأحاديث النضر لا نعلم أحداً شاركه فيها"!
قلت: هذا غير معقول! أو لعل في العبارة شيئاً؛ فقد قال العجلي في "تاريخ الثقات" (٤٤٩/١٦٩٢) :
стр. 5732
"ثقة، وهو من أروى الناس عن عكرمة بن عمار اليمامي؛ سمع من عكرمة
ابن عمار ألف حديث ".
قلت: فمن يحفظ هذا العدد عن شيخ واحد- فضلاً عما يحفظه عن شيوخه الآخرين- أن لا يتابع على شيء منها؛ وإلا كان ضعيفاً (١) ؛ لأن أئمة الجرح يجرحون الراوي بمثل قولهم: "لا يتابع على حديثه "؛ كما هو معلوم.
وإن مما يؤكد بطلان عموم قول البزار المذكور؛ أننا وجدنا له متابعين في بعض أحاديثه، فانظر مثلاً حديثاً في "الأدب المفرد" (٨٩١) ؛ فإنه من رواية عبد الله بن رجاء قال: أخبرنا عكرمة بن عمار ... وهو مخرج في "الصحيحة" (٥٧٢) من رواية جمع من الحفاظ منهم الترمذي وابن حبان، أخرجاه من طريق النضر بن محمد: حدثنا عكرمة به.
وآخر في "صحيح مسلم " (٨/٢٧) من طريق عمر بن يونس عن عكرمة بن عمار بإسناد له عن أنس، وهو في "صحيح ابن حبان " (٥٧٦١) من طريق النضر ابن محمد عن عكرمة به، وقد سقته من رواية مسلم في "الصحيحة" تحت الحديث (٨٢) .
وإنما علة الحديث جهالة (مرثد) وهو (الزِّمّا ني) - بكسر الزاي- والد (مالك) ،
قال الذهبي:
"لا يعرف ". وقال الحافظ:
"مقبول ".
стр. 5733
وأما ابن حبان؛ فذكره في "الثقات " (٥/ ٤٤٠) !
لكن الحديث حسن، فقد وجدت له بعض الشواهد:
ا- عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ:
"وُزنتُ بالخلقِ كلهم، فرجحت بهم، ثم وزن أبو بكر ... "
أخرجه ابن عدي في "الكامل " (٦/٣٢٥-٣٢٦) من طريق معروف بن أبي معروف البَلْخي: ثنا جرير: ثنا ليث عن مجاهد عنه.
وهذا إسناد ضعيف؛ ليث: هو ابن أبي سليم؛ كان اختلط.
ومعروف هذا؛ مجهول، ليس بمعروف؛ كما قال ابن عدي.
٢- عن أبي أمامة مرفوعاً بلفظ:
"أُتيتُ بكِفَّةٍ فوضعت فيها، ووضعت أمتي في كفة، فرجحت بها، ثم أتي بأبي بكر ... " الحديث.
أخرجه أحمد في "المسند" (٥/٢٥٩) وفي "الفضائل " (١/١٩٤- ١٩٦) ، وعنه الخطيب في "التاريخ " (١٤/٧٨) من طريق مُطَّرِح بن يزيد عن عبيد الله بن زحْر عن علي بن يزيد عن القاسم عنه.
قلت: وهذا إسناد ضعيف مسلسل بالضعفاء: علي بن يزيد- وهو الألهاني- واللذان دونه، وضعفه العراقي في "المغني " (٤/٣٥٩) .
ورواه الطبراني (٨/٢٥٤- ٢٥٥) من طريق محمد بن عبيد الله العرزمي عن عبيد الله بن زحر به. والعرزمي متروك.
стр. 5734
ثم رواه (٨/٢٨١/٧٩٢٣) من طريق صدقة بن عبد الله عن الوليد بن جميل قال: سمعت القاسم بن عبد الرحمن به.
قلت: وصدقة هذا ضعيف، وشيخه الوليد خير منه.
وحديث (المطرح) قد خرجته في "الضعيفة " (٥٣٤٦) ؛ لنكارة فيه.
٣- عن ابن عمر مرفوعاً نحوه.
أخرجه أحمد أيضاً وغيره بإسناد فيه عبيد الله بن مروان، وهو مجهولى كما بينته في "الضعيفة" (٦٤٨٦) ، وقد صحح إسناده بعض إخواننا المحققين؛ فوهم؛ كما ذكرت هناك.
٤- عن معاذ بن جبل مرفوعاً بلفظ:
"أُريتُ أني وضعت في كفة؛ وأمتي في كفة؛ فعدلتها، ثم وضع أبو بكر ... ".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/٨٦- ٨٧) ، وابن عساكر في "التاريخ " (١١/٢٠٤) من طريق عمرو بن واقد: نا يونس بن ميسرة عن أبي إدريس عنه.
قلت: وعمرو هذا متروك؛ كما في "التقريب ". وقالى الهيثمي (٩/٥٩) :
"رواه الطبراني، وفيه عمرو بن واقد، وهو متروك؛ ضعفه الجمهور، وقال محمد بن المبارك الصوري: كان صدوقاً، وبقية رجاله ثقات ".
والخلاصة؛ أن حديث الترجمة بهذه الشواهد لا ينزل إن شاء الله عن مرتبة الحسن؛ فإن أكثرها خالية عن الضعف الشديد. والله أعلم.
стр. 5735
وقد جاء حديث أبي ذر من طريق أخرى عنه بنحوه مطولاً، فيه ضعف وانقطاع ونكارة، وهو عند البزار أيضاً (٢٢٧١) ، فانظر تعليقي عليه في "ضعيف زوائد البزار".
ولعل البعض يتساءل فيقول: إن الشواهد المذكورة أعم من حديث الترجمة؟ فأقول: لا بأس من ذلك؛ لأن الأعم يصلح شاهداً للأقل، ولا عكس كما لا يخفى على أهل العلم، لا سيما وقد جاء في طريق أبي ذر المشار إليها آنفاً من التفصيل ما يؤكد ذلك ويبين أن الوزن تعدد؛ ففيه:
"أتاني ملكان.. فقال أحدهما: زنه برجل، فوزنت برجل فرجحته.. " الحديث، وفيه: "ثم قال: زنه بألف، فوزنني بألف فرجحتهم، فقال أحدهما للآخر: لو وزنته بأمته رجحها ... " الحديث. *
من معجزاته ﷺ
٣٣١٥ - (هل لك أن أريك آية؟ وعنده نخل وشجرة، فدعا رسول
الله ﷺ عِذقاً منها، فأقبل إليه، وهو يسجد ويرفعُ رأسه، حتى انتهى إليه، فقام بين يديه، فقال له رسول الله ﷺ : "ارجع إلى مكانك "، فرجع إلى مكانه) .
أخرجه أبو إسحاق الحربي في "غريب الحديث " (٥/٨٤/ ١) ، وأبو يعلى في "مسنده " (٤/٢٣٦- ٢٣٧) ، وابن حبان (٢١١١- موارد) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢ ١/ ١٠٠/١٢٥٩٥) - والسياق له-، وأبو نعيم في "الدلائل " (٣٣٥) ، وكذا البيهقي (٦/١٦- ١٧) من طرق عن عبد الواحد بن زياد: ثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس قال:
стр. 5736
جاء رجل من بني عامر إلى رسول الله ﷺ - وكان يداوي ويعالج-، فقال: يا محمد! إنك تقول أشياء، فهل لك أن أداويك؟ قال: فدعاه رسول الله ﷺ إلى الله ، ثم قال: ... فذكر الحديث. قال العامري: والله! لا أكذبك بقول أبداً. ثم قال: يا آل بني صعصعة! والله! لا أكذبه بشيء يقوله أبداً.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين.
وللأعمش فيه شيخ آخر، فقال: عن أبي ظبيان عن ابن عباس به نحوه، لكنه قال في آخره:
فقال العامري: يا آل بني عامر! ما رأيت كاليوم رجلاً أسحر!
أخرجه الدارمي (١/١٣) ، وأحمد (١/٢٢٣) ، والبيهقي أيضاً (٦/١٥- ١٦) . قلت: وإسناده صحيح أيضاً.
وتابعه سماك عن أبي ظبيان به إلا أنه قال: فأسلم الأعرابي.
أخرجه البخاري في " التاريخ " (٢/ ١/٣) ، وعنه الترمذي (٣٦٣٢) ، وابن سعد (١/١٨٢) ، والحاكم (٢/٦٢٠) ، ومن طريقه: البيهقي أيضاً (٦/١٥) ، والطبراني في "الكبير" (١٢/١١٠/١٢٦٢٢) من رواية شريك عنه. وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح "!
وقال الحاكم:
"صحيح على شرط مسلم "! ووافقه الذهبي!
كذا قالا! وشريك- وهو ابن عبد الله القاضي- لم يخرج له مسلم إلا متابعة؛ على ضعف فيه. وقد تنبه لهذا المعلق على "مسند أبي يعلى"؛ ولكنه غفل عن
стр. 5737
شيء آخر، فقال عقبه:
"نقول: نعم، شريك ضعيف، لكن تابعه عليه الأعمش؛ كما تقدم ".
قلت: تلك متابعة قاصرة؛ إذ ليس في حديث الأعمش عن شيخه الأول أن الأعرابي أسلم، بل في روايته عن شيخه الثاني ما ينافيه، وهو اتهامه للنبي ﷺ بالسحر! ولا يعارضه قول شيخه الأول: والله! لا أكذبه في شيء أبداً؛ لأن هذا لا يستلزم الإسلام، بل هو على حد قوله تعالى في اليهود: (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) ، ومع ذلك فقد عاندوا ولم يسلموا. ولذلك قال ابن كثير في "التاريخ " (٦/١٢٤) عقب هذا القول:
"وهذا يقتضي أنه سالم الأمر، ولم يجب من كل وجه ".
وخالف البيهقي؛ فقال (٦/١٧) :
"في هذه الرواية تصديق الرجل إياه؛ كما هو في رواية سماك- يعني: برواية شريك عنه-، ويحتمل أنه توهمه سحراً، ثم علم أنه ليس بساحر، فآمن وصدق. والله أعلم ".
فأقول: لا شك في تَوَهُّمِهِ المعجزة سِحْراً، وإنما الشك في إيمانه بعد ذلك، وهذا ما تفرد به شريك، وهو ضعيف عند التفرد، فكيف إذا خالف؟!
نعم؛ قد روي إسلام الرجل في قصة تشبه هذه، لكنها لا تصح؛ لأنها من رواية حِبَّان بن علي: ثنا صالح بن حَيَّان عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال:
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أَرِنِي آية، قال: "اذهب إلى تلك الشجرة، فادعها"....... الحديث نحوه وفيه:
стр. 5738
فقام الرجل، فقبّل رأسه ويديه ورجليه، وأسلم.
أخرجه البزار في "مسنده " (٣/١٣٢- ١٣٣- كشف الأستار) ، وكذا ابن الأعرابي في "كتاب القُبَلِ " (ص ٦) ، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" (ص ٣٣٢- ٣٣٣) . وقال البزار:
"لا نعلم من رواه عن صالح إلا حبان، ولا نعلم يروى في تقبيل الرأس إلا هذا ".
قلت: وإسناده ضعيف؛ لأن كلاً من صالح وحبان ضعيف؛ كما في " التقريب " وغيره.
وفي الباب قصة أخرى نحو حديث الترجمة من رواية ابن عمر- ﵄ بسند صحيح عند البزار وغيره، صححه ابن حبان وغيره، وهو مخرج في " المشكاة " برقم (٥٩٢٥) .
وقد خلط الشيخ حبيب الأعظمي- عفا الله عنا وعنه- في تعليقه عليه في "كشف الأستار" (٣/١٣٣) بينه وبين حديث عمر- ﵁؛ يرويه من طريق علي بن زيد عن أبي رافع عنه، فقال في التعليق عليه:
"قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، ورواه أبو يعلى أيضاً، والبزار (٨/٢٩٢) . قلت (الأعظمي) : وفي إسناده علي بن زيد، وهو حسن الحديث عند الهيثمي والبزار"!
قلت: ومحل الخلط أنه زعم أن في حديث ابن عمر عند البزار علي بن زيد-
وهو ابن جدعان-! وهو وهم محض، وإنما هو في إسناد حديث عمر كما رأيت. وقد ذكره الهيثمي في مكان آخر، وقال فيه (٩/ ١٠) :
стр. 5739
"رواه البزار وأبو يعلى، وإسناد أبي يعلى حسن "!
قلت: وتخصيصه أبا يعلى بالذكر خطأ، وكذلك تحسينه لإسناده؛ فإنه عنده
- كالبزار- من طريق علي بن زيد، وهو ضعيف.
وكذلك تخصيصه الطبراني بالذكر دون البزار، ولو أنه عكس لأصاب؛ لأن الطبراني رواه من طريق شيخه (الفضل بن أبي روح البصري) ، ولم يوثقه أحد، بل إن الشيخ حماد الأنصاري ﵀ لم يعرفه، فلم يذكره في كتابه الفريد: "بلغة القاصي والداني في تراجم شيوخ الطبراني "، وقد روى له في "معاجمه " الثلاثة نحو خمسة أحاديث هذا أحدها، ولكني أيضاً لم أجد له ترجمة، بينما البزار- مع كونه أعلى طبقة منه- قد رواه عن شيخه (علي بن المنذر) ، وهو ثقة كما قال الذهبي، ومن رجال "التهذيب "؛ فكان الواجب ذكره دون الطبراني، كما لا يخفى على أهل العلم. *
وجوب التطهر من الغائط
٣٣١٦ - (إذا تغوّط أحدكم؛ فليمسح ثلاث مرّات، (وفي رواية) : فليتمسَّح بثلاثة أحجار) .
ورد من حديث جابر، والسائب بن خلاد، وأبي أيوب الأنصاري:
أ- أما حديث جابر؛ فله عنه طريقان:
الأولى: قال ابن لهيعة: ثنا أبو الزبير عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ : ... فذكره بالرواية الأولى.
أخرجه أحمد (٣/٣٣٦) .
стр. 5740
وابن لهيعة سيّىء الحفظ يستشهد به، وأبو الزبير ثقة، إلا أنه مدلس، لكنه
قد توبع، وهي الطريق:
الأخرى: قال عيسى بن يونس: نا الأعمش عن أبي سفيان عنه مرفوعاً بلفظ:
"إذا استجمر أحدكم؛ فليستجمر ثلاثاً ".
أخرجه ابن خزيمة (١/٤٢/٧٦) ، ومن طريقه: البيهقي (١/١٠٣- ١٠٤) ، وابن أبي شيبة في "المصنف " (١/١٥٥) ، وأحمد (٣/٤٠٠) . وقال الهيثمي (١/٢١١) :
"ورجال أحمد ثقات ".
قلت: بل رجاله ثقات رجال مسلم، فهو إسناد جيد. وقد عزاه الدكتور الأعظمي في تعليقه على "صحيح ابن خزيمة".
لـ: "م الطهارة ٢٤ من طريق أبي الزبير عن جابر"!
وعليه مؤاخذتان:
إحداهما: أنه ليس عند مسلم (١/١٤٧- استانبول) : "ثلاثاً "، وإنما عنده
مكانها: " فليوتر"، وكذلك أحمد (٣/ ٢٩٤) .
والأخرى: أنه عندهما طريق ابن جريج: أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر
ابن عبد الله ...
فقد صرح أبو الزبير بالتحديث، وهي فائدة مهمة، فلا يليق إهمالها؛ لما هو معروف عن أبي الزبير من التدليس كما تقدم. ولعل في هذه الرواية قوة لرواية ابن لهيعة المذكورة، ولو في الجملة.
стр. 5741
٢- وأما حديث السائب، فيرويه عنه ابنه خلاد بن السائب الجُهَنِيُّ، وذكره
ابن حبان في " الثقات " (٤/ ٢٠١) ، وروى عنه جمع من الثقات، وقال الحافظ: "صدوق "، وله عنه طرق ثلاث:
أحدها: يرويه حماد بن الجعد عن قتادة: حدثني خلاد الجهني عن أبيه السائب مرفوعاً بالرواية الثانية.
أخرجه البخاري في "التاريخ " (٢/٢/ ١٥١) ، والطبراني في "المعجم الكبير"
(٧/١٦٧/٦٦٢٣) .
قلت: ورجاله ثقات؛ غير حماد بن الجعد؛ فهو ضعيف؛ كما في "التقريب "، وبه أعله الهيثمي؛ إلا أنه قال:
"رواه الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط "، وفيه حماد بن الجعد، وقد أجمعوا على ضعفه "!
كذا قال! ولا إجماع عليه، كيف وأبو حاتم الرازي- مع تشدده في الجرح-
قال فيه:
"ما بحديثه بأس ".
قلت: فيمكن أن يستشهد به، والله أعلم.
ثم إن عزوه لـ"الأوسط " من هذا الوجه وهم فيما نرى؛ فإنه لم يذكره في كتابه الآخر "مجمع البحرين " (١/٢٩٦- ٢٩٧- الرشد) إلا من الطريق الثالثة الآتية.
والطريق الثانية: عن محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي: ثنا أبي عن يحيى ابن أبي كثير قال: أخبرني خلاد به أتم منه بلفظ:
стр. 5742
"وليتمسح ثلاث مرات ".
أخرجه الطبراني أيضاً في "الكبير" (رقم ٦٦٢٤) ، والدّولابي في " الكنى" (١/٢٦- ٢٧) - والسياق له؛ فإن الطبراني لم يسقه-، وفيه:
".. وإذا خرج الرجلان جميعاً؛ فليتفرقا، ولا يجلس أحدهما قريباً من صاحبه، ولا يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك ".
وهو بهذه الزيادة صحيح؛ فإن لها شاهداً قويّاً من حديث جابر- ﵁، مضى الكلام عليه برقم (٣١٢٠) .
وإسناده هنا ضعيف؛ من أجل يزيد بن سنان الرهاوي وابنه.
والطريق الثالثة: يرويه أبو غسان محمد بن يحيى الكناني (الأصل: الكسائي!) قال: حدثني أبي عن ابن أخي ابن شهاب عن ابن شهاب قال: أخبرني خلاد (الأصل: ابن خلاد) أن أباه سمع النبي ﷺ يقول: ... فذكره مثل الرواية الأولى.
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط " (٢/٤١٦- ٤١٧/١٧١٧- ط) ، وقال:
"لم يروه عن الزهري إلا ابن أخيه، ولا عن ابن أخي الزهري إلا أبو غسان (!) ، تفرد به محمد بن يحيى النيسابوري ".
قلت: كذا الأصل: "إلا أبو غسان "! وكذا في أصله المصور (١/٩٢/٢) ، وكذا في "مجمع البحرين " (١/٢٩٧) ، وهو خطأ ظاهر لم يتنبه له المعلقان على الأصل، و"المجمع "! فإن ظاهره أن (أبا غسان) هو الذي رواه عن ابن أخي الزهري، والذي في الإسناد أن بينهما (أبا أبي غسان) ، وهو علة الإسناد، واسمه (يحيى
стр. 5743
ابن علي بن عبد الحميد الكناني) ، ترجمه ابن أبي حاتم (٤/٢/١٧٥) برواية ابنه (أبي غسان) فقط عنه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
ولم يتكلم الهيثمي على هذا الإسناد؛ توهماً منه أن فيه (حماد بن الجعد) المذكور في الطريق الأولى؛ كما تقدم التنبيه عليه فيها.
٣- وأما حديث أبي أيوب؛ فيرويه عمرو بن هاشم البيروتي: ثنا الهقل بن
زياد عن الأوزاعي عن عثمان بن أبي سودة عن أبي شعيب الحضرمي عنه مرفوعاً بالرواية الثانية، وزاد:
"فإن ذلك يكفيه ".
أخرجه الطبراني في "الكبير" (٤/٢٠٨/٤٠٥٥) ، و"الأوسط " (٤/١١٢-
١١٣/ ٣١٧٠) ، وقال:
"لم يروه عن الأوزاعي إلا الهقل، تفرد به عمرو".
قلت: هو صدوق يخطئ، كما قال الحافظ، فإن لم يُحَسِّنْ حديثه؛ فلا أقل من أن يستشهد به، على أنه قد توبع في "التمهيد" (٢٢/٣١١) ، وحسنه.
ومن فوقه؛ ثقات من رجال "التهذيب "؛ غير أبي شعيب الحضرمي، أورده
ابن أبي حاتم برواية الأوزاعي هذه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً؛ فهو مجهول. وقال الهيثمي:
"رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط "، ورجاله موثقون؛ إلا أن أبا شعيب صاحب أبي أيوب لم أر فيه تعديلاً ولا تجريحاً "!
قلت: قد فاته أنه ذكره ابن حبان في "ثقات التابعين " (٥/٥٧٢) ، وليس هو
стр. 5744
في كتابه "ترتيب الثقات "، فإما أن يكون سقط منه أثناء ترتيبه إياه، أو أنه لم يكن في نسخته من "الثقات ". والله أعلم.
هذا؛ وللحديث في معناه أحاديث كثيرة صحيحة، أقربها إليه ما رواه ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال:
كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أتى أحدنا الغائط بثلاثة أحجار.
أخرجه الطحاوي في "شرح المعاني " (١/٧٣) وغيره، وإسناده جيد. وصححه البغوي في "شرح السنة" (١/٣٥٦) ، وهو في "صحيح أبي داود" (٦) .
وله شواهد أخرى مخرجة في "الإرواء" (١/٨٤/٤٤) ، و"صحيح أبي داود"
(رقم ٣١ و ٣٢) .
(فائدة) : قال في "النهاية ":
"وقد تكرر ذكر (الغائط) في الحديث بمعنى الحدث والمكان ".
وقال البغوي في "شرح السنة " (١/٣٥٧) :
"وأصل الغائط: المطمئن من الأرض، كانوا ينتابونه للحاجة، فكنَوا به عن نفس الحدث؛ كراهية ذكره بخاص اسمه ".
(تنبيه) : كنت خرجت قديماً حديث الترجمة في "الضعيفة" برقم (٢٤٦١) من طريق أبي الزبير المعنعنة، وحديث السائب عند الطبراني، وقبل أن يطبع "أوسط الطبراني "، فلما وقفت عليه، وعلى الطرق الأخرى والشواهد؛ بادرت إلى تخريجه هنا، ونقله من "ضعيف الجامع الصغير" إلى "صحيحه "، أداء للأمانة العلمية، وتبرئة للذمة، ولا علي بعد ذلك ما قد يتقوله المتقولون، ويأفكه
стр. 5745
الأفاكون، الذين لا يعتبرون بقوله ﷺ الحكيم: "يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع في عينه "، وقد سبق تخريجه برقم (٣٣) مرفوعاً وموقوفاً، والمعصوم من عصمه الله. *
٣٣١٧ - (اللهمّ! سُقْ إلى هذا الطعام عبْداً تحبُّه ويحبُّك، فطلع سعد [بن أبي وقّاص] ) .
أخرجه البزار في "البحر الزخار" (٤/٤٦/ ١٢١٠) من طريق مَعْن بن عيسى، قال: حدثتني عُبَيْدَةُ بنت نابِل عن عائشة بنت سعد عن أبيها:
أن النبي ﷺ كان بين يديه طعام، فقال: ... فذكره. وقال:
"لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن سعد بهذا الإسناد".
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات، غير عبيدة بنت نابل، وقد ذكرها ابن حبان في "الثقات " (٧/٣٠٧) برواية (الخَصِيب بن ناصح) عنها، وقد روى عنها جمع آخر منهم (معن بن عيسى) ؛ كما ترى في هذا الإسناد، وإسحاق بن محمد الفروي؛ كما في "التهذيب "، وعثمان بن عبد الرحمن الحراني؛ كما قال البزار في "البحر الزخار" (٤/ ٤٤) ، ورواية الفروي عنها عنده برقم (١٢٠٥- ١٢٠٨) ، ورواية الحراني عنها برقم (١٢٠٩) ، فهي صدوقة، خلافاً لقول الحافظ فيها: "مقبولة"! ولذلك لم يذكرها الذهبي في (فصل النساء المجهولات) في آخر "الميزان "، بل صحح حديثها كما يأتي.
وأما رواية (الخصيب) عنها؛ فأخرجها الحاكم في "المستدرك " (٣/٤٩٩) من طريق الربيع بن سليمان: ثنا الخصيب بن ناصح: ثنا عبيدة بنت (الأصل: بن) نابل (الأصل: نائل) عن عائشة بنت سعد به، وقال: