← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

٢- وأما حديث السائب، فيرويه عنه ابنه خلاد بن السائب الجُهَنِيُّ، وذكره ابن حبان في " الثقات " (٤/ ٢٠١) ، وروى عنه جمع من الثقات، وقال الحافظ: "صدوق "، وله عنه طرق ثلاث: أحدها: يرويه حماد بن الجعد عن قتادة: حدثني خلاد الجهني عن أبيه السائب مرفوعاً بالرواية الثانية. أخرجه البخاري في "التاريخ " (٢/٢/ ١٥١) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٧/١٦٧/٦٦٢٣) . قلت: ورجاله ثقات؛ غير حماد بن الجعد؛ فهو ضعيف؛ كما في "التقريب "، وبه أعله الهيثمي؛ إلا أنه قال: "رواه الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط "، وفيه حماد بن الجعد، وقد أجمعوا على ضعفه "! كذا قال! ولا إجماع عليه، كيف وأبو حاتم الرازي- مع تشدده في الجرح- قال فيه: "ما بحديثه بأس ". قلت: فيمكن أن يستشهد به، والله أعلم. ثم إن عزوه لـ"الأوسط " من هذا الوجه وهم فيما نرى؛ فإنه لم يذكره في كتابه الآخر "مجمع البحرين " (١/٢٩٦- ٢٩٧- الرشد) إلا من الطريق الثالثة الآتية. والطريق الثانية: عن محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي: ثنا أبي عن يحيى ابن أبي كثير قال: أخبرني خلاد به أتم منه بلفظ:

стр. 5742

"وليتمسح ثلاث مرات ". أخرجه الطبراني أيضاً في "الكبير" (رقم ٦٦٢٤) ، والدّولابي في " الكنى" (١/٢٦- ٢٧) - والسياق له؛ فإن الطبراني لم يسقه-، وفيه: ".. وإذا خرج الرجلان جميعاً؛ فليتفرقا، ولا يجلس أحدهما قريباً من صاحبه، ولا يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك ". وهو بهذه الزيادة صحيح؛ فإن لها شاهداً قويّاً من حديث جابر- ﵁، مضى الكلام عليه برقم (٣١٢٠) . وإسناده هنا ضعيف؛ من أجل يزيد بن سنان الرهاوي وابنه. والطريق الثالثة: يرويه أبو غسان محمد بن يحيى الكناني (الأصل: الكسائي!) قال: حدثني أبي عن ابن أخي ابن شهاب عن ابن شهاب قال: أخبرني خلاد (الأصل: ابن خلاد) أن أباه سمع النبي ﷺ يقول: ... فذكره مثل الرواية الأولى. أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط " (٢/٤١٦- ٤١٧/١٧١٧- ط) ، وقال: "لم يروه عن الزهري إلا ابن أخيه، ولا عن ابن أخي الزهري إلا أبو غسان (!) ، تفرد به محمد بن يحيى النيسابوري ". قلت: كذا الأصل: "إلا أبو غسان "! وكذا في أصله المصور (١/٩٢/٢) ، وكذا في "مجمع البحرين " (١/٢٩٧) ، وهو خطأ ظاهر لم يتنبه له المعلقان على الأصل، و"المجمع "! فإن ظاهره أن (أبا غسان) هو الذي رواه عن ابن أخي الزهري، والذي في الإسناد أن بينهما (أبا أبي غسان) ، وهو علة الإسناد، واسمه (يحيى

стр. 5743

ابن علي بن عبد الحميد الكناني) ، ترجمه ابن أبي حاتم (٤/٢/١٧٥) برواية ابنه (أبي غسان) فقط عنه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. ولم يتكلم الهيثمي على هذا الإسناد؛ توهماً منه أن فيه (حماد بن الجعد) المذكور في الطريق الأولى؛ كما تقدم التنبيه عليه فيها. ٣- وأما حديث أبي أيوب؛ فيرويه عمرو بن هاشم البيروتي: ثنا الهقل بن زياد عن الأوزاعي عن عثمان بن أبي سودة عن أبي شعيب الحضرمي عنه مرفوعاً بالرواية الثانية، وزاد: "فإن ذلك يكفيه ". أخرجه الطبراني في "الكبير" (٤/٢٠٨/٤٠٥٥) ، و"الأوسط " (٤/١١٢- ١١٣/ ٣١٧٠) ، وقال: "لم يروه عن الأوزاعي إلا الهقل، تفرد به عمرو". قلت: هو صدوق يخطئ، كما قال الحافظ، فإن لم يُحَسِّنْ حديثه؛ فلا أقل من أن يستشهد به، على أنه قد توبع في "التمهيد" (٢٢/٣١١) ، وحسنه. ومن فوقه؛ ثقات من رجال "التهذيب "؛ غير أبي شعيب الحضرمي، أورده ابن أبي حاتم برواية الأوزاعي هذه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً؛ فهو مجهول. وقال الهيثمي: "رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط "، ورجاله موثقون؛ إلا أن أبا شعيب صاحب أبي أيوب لم أر فيه تعديلاً ولا تجريحاً "! قلت: قد فاته أنه ذكره ابن حبان في "ثقات التابعين " (٥/٥٧٢) ، وليس هو

стр. 5744

في كتابه "ترتيب الثقات "، فإما أن يكون سقط منه أثناء ترتيبه إياه، أو أنه لم يكن في نسخته من "الثقات ". والله أعلم. هذا؛ وللحديث في معناه أحاديث كثيرة صحيحة، أقربها إليه ما رواه ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أتى أحدنا الغائط بثلاثة أحجار. أخرجه الطحاوي في "شرح المعاني " (١/٧٣) وغيره، وإسناده جيد. وصححه البغوي في "شرح السنة" (١/٣٥٦) ، وهو في "صحيح أبي داود" (٦) . وله شواهد أخرى مخرجة في "الإرواء" (١/٨٤/٤٤) ، و"صحيح أبي داود" (رقم ٣١ و ٣٢) . (فائدة) : قال في "النهاية ": "وقد تكرر ذكر (الغائط) في الحديث بمعنى الحدث والمكان ". وقال البغوي في "شرح السنة " (١/٣٥٧) : "وأصل الغائط: المطمئن من الأرض، كانوا ينتابونه للحاجة، فكنَوا به عن نفس الحدث؛ كراهية ذكره بخاص اسمه ". (تنبيه) : كنت خرجت قديماً حديث الترجمة في "الضعيفة" برقم (٢٤٦١) من طريق أبي الزبير المعنعنة، وحديث السائب عند الطبراني، وقبل أن يطبع "أوسط الطبراني "، فلما وقفت عليه، وعلى الطرق الأخرى والشواهد؛ بادرت إلى تخريجه هنا، ونقله من "ضعيف الجامع الصغير" إلى "صحيحه "، أداء للأمانة العلمية، وتبرئة للذمة، ولا علي بعد ذلك ما قد يتقوله المتقولون، ويأفكه

стр. 5745

الأفاكون، الذين لا يعتبرون بقوله ﷺ الحكيم: "يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع في عينه "، وقد سبق تخريجه برقم (٣٣) مرفوعاً وموقوفاً، والمعصوم من عصمه الله. * ٣٣١٧ - (اللهمّ! سُقْ إلى هذا الطعام عبْداً تحبُّه ويحبُّك، فطلع سعد [بن أبي وقّاص] ) . أخرجه البزار في "البحر الزخار" (٤/٤٦/ ١٢١٠) من طريق مَعْن بن عيسى، قال: حدثتني عُبَيْدَةُ بنت نابِل عن عائشة بنت سعد عن أبيها: أن النبي ﷺ كان بين يديه طعام، فقال: ... فذكره. وقال: "لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن سعد بهذا الإسناد". قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات، غير عبيدة بنت نابل، وقد ذكرها ابن حبان في "الثقات " (٧/٣٠٧) برواية (الخَصِيب بن ناصح) عنها، وقد روى عنها جمع آخر منهم (معن بن عيسى) ؛ كما ترى في هذا الإسناد، وإسحاق بن محمد الفروي؛ كما في "التهذيب "، وعثمان بن عبد الرحمن الحراني؛ كما قال البزار في "البحر الزخار" (٤/ ٤٤) ، ورواية الفروي عنها عنده برقم (١٢٠٥- ١٢٠٨) ، ورواية الحراني عنها برقم (١٢٠٩) ، فهي صدوقة، خلافاً لقول الحافظ فيها: "مقبولة"! ولذلك لم يذكرها الذهبي في (فصل النساء المجهولات) في آخر "الميزان "، بل صحح حديثها كما يأتي. وأما رواية (الخصيب) عنها؛ فأخرجها الحاكم في "المستدرك " (٣/٤٩٩) من طريق الربيع بن سليمان: ثنا الخصيب بن ناصح: ثنا عبيدة بنت (الأصل: بن) نابل (الأصل: نائل) عن عائشة بنت سعد به، وقال:

стр. 5746

"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. وعلقه ابن أبي حاتم في "العلل " (٢/٣٧١- ٣٧٢) من رواية سعيد بن أسد قال: حدثني الخصيب بن ناصح به. وذكر أنه سأل أبا زرعة عنه؟ فقال أبو زرعة: "خالف (معن) فقال: عن عبيدة بنت نابل (الأصل: نائل!) أنها سمعت أم عمرو بنت سعد تحدث عن أبيها أن النبي ﷺ كان بين يديه ... فسمعت أبا زرعة يقوله: حديث (معن) أصح من حديث الخصيب بن ناصح ". فأقول: لا أرى خلافاً جوهريّاً بين حديثه وحديث معن الذي ذكره أبو زرعة، فقد اتفقا على أن الراوي عن سعد- ﵁ هي ابنته، كل ما في الأمر أن الأول ذكرها باسمها (عائشة) ، والآخر بكنيتها (أم عمرو) ، والجمع بين الروايات هو الأصل ما أمكن، وهو هنا ممكن بكل يسر، فهي (أم عمرو عائشة بنت سعد) ، ويؤيد ذلك رواية معن عند البزار؛ فقد ذكرها باسمها كما رأيت، فهل يقال: خالف معن معناً؟! غاية ما في الأمر أن بعض الرواة عنه ذكرها باسمها، والبعض الآخر بكنيتها. فلا اختلاف بين رواية من سماها، وبين رواية من كناها، أقول هذا على التسليم برواية الكنية؛ فإني لم أرها إلا عند أبي زرعة ولا وقفت على إسنادها، لنقابله بإسناد البزار الصحيح إلى (معن بن عيسى) ، وإن كان الظن بأبي زرعة أنه لا يذكر إلا ما صح إسناده؛ لما عرف عنه من الحفظ والنقد للرواة والأسانيد. وإن مما يؤكد الجمع المذكور؛ أن من المعلوم أن سعداً- ﵁ قد خلّف جمعاً من الذكور، ولم يخلف إلا بنتاً واحدة، وهي عائشة هذه، فإذا قال بعض الرواة: (أم عمرو بنت سعد) ، فهي (عائشة) يقيناً؛ كما هو ظاهر جلي؛ والحمد لله.

стр. 5747

ولقد رأيت أخانا الفاضل (أبا إسحاق الحويني) قد دندن حول هذا الجمع في تعليقه على " مسند سعد بن أبي وقاص "، فقال (٢١٦) - بعد أن ساق ما في "العلل "-: "قلت: رواية معن هنا توافق رواية الخصيب بن ناصح، ولعل "أم عمرو" كنية "عائشة بنت سعد"، فتلتقي الروايتان، والله أعلم ". ولكنه جزم بضعف إسناده كما ضعفه في أحاديث ثلاثة قبله، بدعوى أن (عبيدة بنت نابل) مجهولة الحال، تابعاً في ذلك قول ابن حجر المتقدم: "مقبولة"! أو مستأنساً به؛ فإنه بمعناه، والصواب ما تقدم بيانه أنها صدوقة. وإن مما يؤيد ذلك؛ أن الحافظ قال في "الفتح " (٤/ ١٠٠) - في حديث آخر من طريقها-: "رجاله ثقات ". ونقله الأخ الفاضل عنه (ص ٢١٤) . فهذا- مع ما قدمته من البيان- يلقي في النفس الاطمئنان لصحة حديثها. والله أعلم. (تنبيه) : هذا الحديث مما سقط من كتاب الهيثمي "مجمع الزوائد"، ولذلك لم يعلق عليه الشيخ الأعظمي المقلّد للهيثمي في كتابه الآخر "كشف الأستار" (٣/٢٠٧/٢٥٨١) ؛ لأنه لم بجد ما ينقله! ذلك مبلغ علمه وتحقيقه الذي أشاد به الطابع لتعليقاته! هذا؛ وقد روى عاصم بن أبي النّجود عن مصعب بن سعد عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أتي بقصعة فأكل منها، ففضل منها فضلة، فقال: "يجيء (وفي رواية: يطلع) رجل من هذا الفج من أهل الجنة، فيأكل هذه ".

стр. 5748

قال سعد: وكنت تركت (عُميراً) أخي يتوضأ، فقلت: هو عمير، فجاء عبد الله بن سلام، فأكلها ". أخرجه ابن حبان (٩/١٤٨/٧١٢٠) ، والحاكم (٣/٤١٦) ، وأحمد (١/١٦٩) ، والبزار في "البحر" (٣/٣٥٥/١١٥٦) ، وأبو يعلى (٢/٧٥/ ٧٢١ و ٩٨/ ٧٥٤) من طريق حماد بن سلمة وغيره عنه. وقال البزار: "لا نعلم رواه عن مصعب بن سعد إلا عاصم، ورواه عن عاصم غير واحد". قلت: وعاصم متكلّم في حفظه، والذي استقر عليه رأي العلماء: أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، فإن كان حفظه فالحديث حسن، وتكون القصة تكررت، فروى مصعب عن أبيه هذه، وروت أخته عائشة عن أبيها نحوها. وصحح إسناد أخيها الحاكمُ والذهبي. والله أعلم. * ٣٣١٨ - (لا يَعْطِفُ عليكنَّ بعْدِي إلا الصّادقُون الصّابرُون) . أخرجه البزار في "مسنده " (٣/ ٢١٠/ ٢٥٩٠- كشف) : حدثنا عبد الله بن شبيب: ثنا محمد بن عبد الله بن يزيد: ثنا محمد بن طلحة الطويل عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة قال: ... قال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذ كره. قال عبد الرحمن! فبعت من عبد الله بن سعد بن أبي سَرْحٍ شيئاً- قد سماه - بأربعين ألفاً، فقسمته بينهن- يعني: بين أزواج النبي ﷺ ورحمهن الله-. وقال البزار: "روي عن عبد الرحمن من وجه آخر، ولا نعلمه يروى من وجه عنه أحسن من هذا".

стр. 5749

قلت: وهو منقطع؛ أبو سلمة: هو ابن عبد الرحمن بن عوف، لم يسمع من أبيه. ورجاله موثقون؛ غير عبد الله بن شبيب؛ وهو أخباري واه؛ لكن تابعه يعقوب ابن محمد الزهري: نا عمر بن طلحة الليثي عن محمد بن عمرو الليثي به. أخرجه ابن عساكر في "التاريخ " (١٠/١٣٢) . والزهري هذا صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء؛ كما في "التقريب ". وشيخه عمر بن طلحة الليثي؛ قال الذهبي في "المغني ": "فيه جهالة، وقال أبو حاتم: محله الصدق ". وقال الحافظ في "التقريب ": " صد وق ". قلت: والوجه الآخر عن عبد الرحمن الذي أشار إليه البزار، الظاهر أنه يعني رواه عبد الله بن جعفر عن أم بكر أن عبد الرحمن بن عوف باع أرضاً له من عثمان بن عفان بأربعين ألف دينار، فقسمه في فقراء بني زهرة، وفي ذوي الحاجة من الناس، وفي أمهات المؤمنين. قال المِسْوَر: فدخلت على عائشة بنصيبها من ذلك، فقالت: من أرسل بهذا؟ قلت: عبد الرحمن بن عوف، فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: "لا يَحِنُّ عليكم بعدي إلا الصابرون ". سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة! أخرجه الحاكم (٣/٣١٠- ٣١١) ، وأحمد (٦/١٣٥) وفي "الفضائل " (٢/٧٢٩/ ١٢٤٩) ، وابن سعد في "الطبقات " (٣/١٣٢ -١٣٣) ، والطبراني في "المعجم الأوسط " (١٠/٥٢- ٥٣/ ٩١١١- ط) ، وابن عساكر في "التاريخ " (١٠/١٣١- ١٣٢ و ١٣٢)

стр. 5750

من طرق عن عبد الله بن جعفر المخرمي به. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: ليس بمتصل ". وأقول: صورته صورة المرسل، لقول (أم بكر) - وهي بنت (المسور بن مخرمة) -: "إن عبد الرحمن بن عوف باع ... ؛ فإنها لم تدركه، لكن الظاهر من سياق القصة أنها تلقته عن أبيها؛ لقولها فيه: قال المسور: فدخلت على عائشة ... ؛ فاتصل السند، وإليه مال الشيخ البنا الساعاتي في "الفتح الرباني "؛ كما نقله الأخ الفاضل وصي الله في تعليقه على "الفضائل ". قلت: ويؤيد ذلك رواية الطبراني وابن عساكر من طرق عن المخرمي عن أم بكر عن المسور بن مخرمة أن عبد الرحمن ... وإنما علة الحديث (أم بكر) هذه؛ فإنها لا تعرف إلا بهذه الرواية، ولذلك قال الذهبي في (فصل النساء المجهولات) من "الميزان ": "تفرد عنها ابن ابن أخيها عبد الله بن جعفر". وقال الحافظ في "التقريب ": "مقبولة". لكن للمرفوع من حديث عائشة طريق أخرى عنها، وفيه التصريح بأن قوله في آخره: سقى الله ابن عوف ... أنه من قول عائشة، فهو مدرج في حديث (أم بكر) ، ولذلك فصلته عن المرفوع، وجعلته وراء الهلالين (") ، وهو مخرج في

стр. 5751

"المشكاة" (٦١٣١) محسناً، وقد صححه الترمذي، وابن حبان (٢٢١٦) . وله شاهد من حديث أم سلمة، وفيه علتان، انظر "المشكاة" (٦١٣٢/ التحقيق الثاني) . * ٣٣١٩ - (إنّي، وإيّاكِ، وهذين، وهذا الرّاقد- يعني: عليّاً- يوم القيامة في مكان واحد، يعني: فاطمة وولديْها: الحسن والحسين ﵃ أخرجه الطيالسي في "مسنده " (٢٦/ ١٩٠) : حدثنا عمرو بن ثابت عن أبيه عن أبي فاختة قال: قال علي: زارنا رسول الله ﷺ ، فبات عندنا؛ والحسن والحسين نائمان، فاستسقى الحسن، فقام رسول الله ﷺ إلى قربة لنا، فجعل يعصرها في القدح، ثم يسقيه، فتناوله الحسين ليشرب فمنعه، وبدأ بالحسن، فقالت فاطمة: يا رسول الله! كأنه أحب إليك؟ فقال: "لا، ولكنه استسقى أول مرة". ثم قال رسول الله ﷺ ... فذكره. ومن طريق الطيالسي أبي داود: أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٣/ ٣١- ٣٢/٢٦٢٢) ، وابن عساكر في "التاريخ " (٥/٣٩- ٠ ٤) . وأخرجه البزار في "مسنده " (٣/٢٢٣/٢٦١٦) - بتمامه-، وأبو يعلى (١/٣٩٣/ ٥١٠) - مختصراً- من طريقين آخرين عن عمرو بن ثابت به. وقال البزار: "لا نعلمه يروى عن علي إلا بهذا الإسناد"!

стр. 5752

كذا قال! وفيه نظر؛ لأنه عند أحمد وغيره من طريق أخرى كما يأتي. وعمرو بن ثابت: هو ابن هرمز الكوفي، ويكنى ثابت بأبي المقدام. وعمرو ضعيف، وأبوه ثابت بن هرمز صدوق يهم. وأبو فاختة اسمه: سعيد بن عِلاقة، وهو ثقة. قلت: وقد تابعه عبد الرحمن الأزرق- وهو ابن بشر بن مسعود الأنصاري أبو بشر المدني، ثقة من رجال مسلم-، رواه قيس بن الربيع عن أبي المقدام عنه عن علي قال: ... فذكره نحوه، وفيه: أنه حلب شاة، فَدَرَّتْ. أخرجه أحمد في "المسند" (١/١٠١) وفي "الفضائل " (٢/٦٩٢/ ١١٨٣) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (٢/٥٩٨/١٣٢٢) ، وابن عساكر أيضاً. قلت: وقيس بن الربيع " صدوق سيّئ الحفظ. وأبو المقدام: هو ثابت بن هرمز، وهو صدوق يهم كما تقدم، فالإسناد يستشهد به. والحديث قال الهيثمي في "المجمع " (٩/ ١٧٠) : "رواه أحمد والبزار والطبراني، وأبو يعلى باختصار، وفي إسناد أحمد قيس ابن الربيع، وهو مختلف فيه، وبقية رجال أحمد ثقات ". قلت: وخالف بعضهم في إسناده، فقال الطبراني في "معجمه " (٢٢/٤٠٥/ ١٠١٦) : حدثنا محمد بن حُبَّان المازني: ثنا كثير بن يحيى: ثنا سعيد بن عبد الكريم بن سليط وأبو عوانة عن داود بن أبي عوف أبي الجحّاف عن عبد الرحمن ابن أبي زياد أنه سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل يقول: ثنا أبو سعيد الخدري:

стр. 5753

أن رسول الله ﷺ دخل على فاطمة ذات يوم؛ وعليًّّ نائم، وهي مضطجعة، وأبناؤها إلى جنبها، فاستسقى الحسن، فقام رسول الله ﷺ إلى لقحة، فحلب لهم، فأتى به، فاستيقظ الحسين، فجعل يعالج أن يشرب قبله، حتى بكى، فقال رسول الله ﷺ : "إن أخاك استسقى قبلك ". فقالت فاطمة: إن الحسن آثرُ عندك؟ فقال: "ما هو بآثر عندي منه، وإنما هما عندي بمنزلة واحدة، وإني وإياك ... " الحديث. ثم ساقه الطبراني (١٠١٧) بهذا الإسناد عن سعيد بن عبد الكريم بن سليط الحنفي عن عمرو بن أبي المقدام ... بإسناده المتقدم عند الطيالسي بنحوه. قلت: وهذا إسناد منكر عندي؛ علته: محمد بن حُبّان المازني (١) شيخ الطبراني؛ فقد ضعفوه؛ قال محمد بن علي الصوري: "ضعيف "، وقال عبد الغني بن سعيد الحافظ: "يحدث بمناكير". كذا في "تاريخ الخطيب " (٥/ ٢٣١- ٢٣٢) ، لكنه روى عن أبي القاسم عبد الله ابن إبراهيم الآبندوني (٢) أنه قال:

стр. 5754

"لا بأس به إن شاء الله تعالى". قلت: واعتمد الذهبي تضعيف الصوري المذكور في "الميزان "، و"المغني "، وزاد فقال: "وقال ابن منده: ليس بذاك ". قلت: وأما الهيثمي؛ فأعله بشيخ (ابن حُبان) هذا، فقال في "المجمع " (٩/١٧١) - بعد أن ساقه من حديث أبي سعيد الخدري فقط-: "رواه الطبراني، وفيه كثير بن يحيى، وهو ضعيف، ووثقه ابن حبان ". قلت: وتضعيفه المذكور، تبع فيه الذهبي في "الميزان "، وهو مردود؛ لأنه جرح غير ثابت، والمعتمد توثيق ابن حبان؛ لأنه مدعم بغيره كما بينته في ترجمته من "تيسير الانتفاع "، ويكفي في ذلك أنه من شيوخ أبي زرعة الرازي، وهو لا يروي إلا عن ثقة، وكذلك هو من شيوخ أبي حاتم الرازي في هذا الحديث وغيره. وقد أخرجه الحاكم (٣/١٣٧) من طريقه: ثنا يحيى بن كثير: ثنا أبو عوانة به، مع اختصار للقصة. وقال: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. وله طريق آخر؛ يرويه علي بن عابس عن أبي الجحاف به. أخرجه ابن عساكر في "التاريخ " (٥/٤٠) . لكن علي بن عابس ضعيف، فالعمدة على رواية أبي عوانة- واسمه وضاح اليشكري-، وهو ثقة ثبت من رجال الشيخين.

стр. 5755

ويبقى النظر فيمن فوقه، فأقول: ١- داود بن أبي عوف أبو الجحاف، قال الحافظ: "صدوق شيعي، ربما أخطأ". ٢- عبد الرحمن بن أبي زياد- ويقال: ابن زياد- روى عنه الأعمش أيضاً، ووثقه ابن معين والعجلي، وقال البخاري: "فيه نظر". قلت: فهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى. وقال الحافظ: "مقبول "! ٣- وأما (عبد الله بن الحارث بن نوفل) ؛ فهو ثقة بالاتفاق، ومن رجال الشيخين. فالإسناد حسن، فإذا ضم إليه إسناد حديث علي؛ أخذ الحديث قوة، وارتقى إلى مرتبة الصحة. ولعله لذلك سكت عنه الذهبي في "السير" (٣/٢٥٨) بعد أن ساقه من رواية الطيالسي. والله أعلم. * ٣٣٢٠ - (عليك بتقوى الله ما استطعت، واذكر الله عند كل حجر وشجر. ! اذا عملت سيئةً فأحدثْ عندها توبةً؛ السرُّ بالسرِّ، والعلانيةُ بالعلانيةِ) . أخرجه أحمد في "الزهد" (ص ٢٦) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/١٥٩/٣٣١) من طرق عن شريك بن عبد الله عن عطاء بن يسار:

стр. 5756

أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن، فقال: يا رسول الله! أوصني، قال: ... فذكره. قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين؛ على ضعف في حفظ شريك بن عبد الله- وهو ابن أبي نَمر المدني-؛ قال الذهبي في "المغني ": "صدوق ". وزاد الحافظ: "يخطىء ". قلت: لكنه مرسل؛ فإن عطاء لم يلق معاذاً، ولذلك قال المنذري في "الترغيب " (٤/٧٥/١٤) : "رواه الطبراني بإسناد حسن؛ إلا أن عطاء لم يدرك معاذاً، ورواه البيهقي، فأدخل بينهما رجلاً لم يسم ". واختصر كلامه الهيثمى، فقال في "مجمع الزوائد" (١٠/٧٤) : "رواه الطبراني، وإسناده حسن "! قلت: فما أحسن؛ كما هو ظاهر. وأما رواية البيهقي التي أشار إليها المنذري؛ فلم أقف عليها الآن، وقد وقفت على طريقين آخرين عنده عن معاذ، أخرجهما في "كتاب الزهد" (٣٤٧- ٣٤٨) ، أحدهما رقم (٩٥٧) من طريق عبد الرحمن بن الحويرث عن محمد بن جبير ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن، فلما حضر رحيله أتاه النبي ﷺ يسلم عليه، فقال؛ يا رسول الله! إني منطلق فعظني، فقال: ... فذكره.

стр. 5757

قلت: وهذا مرسل أيضاً، محمد بن جبير- وهو ابن مطعم- تابعي ثقة؛ خلافاً لما تشعر به جملة الترضي عنه، والصحبة لأبيه (جبير بن مطعم) . والراوي عنه عبد الرحمن: هو ابن معاذ بن الحويرث؛ نسب إلى جده، وهو ضعيف كما في "الكاشف ". وقال الحافظ: "صدوق يخطىء ". قلت: فمثله يستشهد به إن شاء الله تعالى. والطريق الأخرى؛ عند البيهقي (٩٥٦) من طريق إسماعيل بن رافع المدني عن ثعلبة بن صالح عن سليمان بن موسى عن معاذ بن جبل به مطولاً نحوه. ومن طريق البيهقي: أخرجه ابن عساكر في "التاريخ " (١٠/٦١٧) . ورواه أبو نعيم في "الحلية " (١/ ٤٢٠) ، ومن طريقه: الديلمي في "مسنده " (٣/٢٨٢) من الوجه المذكور؛ إلا أنه قال: "رجل من أهل الشام " مكان "سليمان ابن موسى". قلت: وسليمان بن موسى؛ روى له مسلم في "المقدمة"، ولم يلق معاذ بن جبل، فهو مرسل أيضاً. وثعلبة بن صالح؛ لم أجد له ترجمة. والرواي عنه إسماعيل بن رافع؛ ضعيف. وله طريق رابعة؛ عن معاذ تقدم تخريجها برقم (١٤٧٥) ، ولكن ليس فيها الجملة الأولى، لكنها مع الطرق المتقدمة لها شواهد كثيرة، سبق تخريج بعضها برقم (٥٥٥ و١٧٣٠) ، وفي قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) أكبر شاهد لها. *

стр. 5758

٣٣٢١ - (كان لا يصلّي في لُحُفِنا) . أخرجه أصحاب " السنن " وغيرهم، وإسناده عند أبي داود (٦٤٥) هكذا: حدثنا عبيد الله بن معاذ: حدثنا أبي: حدثنا الأشعث عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن شقيق عن عائشة. ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم (١/٢٥٢) ، وقال؛ "صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي! فأقول: إنما هو صحيح فقط؛ لأن الأشعث- وهو ابن عبد الملك الحراني- لم يخرج له مسلم، والبخاري إنما أخرج له تعليقاً. ورواه الآخرون من طرق أخرى عنه، وفي بعضها التصريح بأنه الحراني، وهو مخرج في " صحيح أبي داود" (٣٩٣) . وممن صحح الحديث ابن حبان، فأخرجه في "صحيحه " (٤/٣٨/٠ ٢٣٣- الإحسان) بسنده الصحيح عن عبيد الله بن عمر القواريري: حدثنا معاذ بن معاذ به. وهذه متابعة قوية من عبيد الله القواريري لعبيد الله بن معاذ العنبري، إلى متابعات أخرى يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى. وخالفهم إسناداً ومتناً: الحباب بن محمد والد الفضل أبي خليفة، فقال ابن حبان (٤/٣٦/ ٢٣٢٤- الإحسان) ، و (١٠٦/ ٠ ٣٥- الموارد) : أخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا أبي: حدثنا معاذ بن معاذ قال: حدثنا أشعث بن سَوَّار عن ابن سيرين ... بلفظ: "كان النبي ﷺ يصلي في لحفنا ".

стр. 5759

أما مخالفته في اللفظ؛ فهو أنه أسقط حرف (لا) ، فأثبت ما نفاه الثقتان في روايتيهما عن معاذ بن معاذ. وأما مخالفته في الإسناد؛ فهو أنه قال: (أشعث بن سوار) ، مكان: (أشعث ابن عبد الملك) ! فلو أن الحباب هذا كان ثقة؛ لكان قوله هذا شاذاً، ولكني أراه منكراً؛ لأنه غير معروف بالرواية، وليس له في "الإحسان " غير هذا الحديث، وآخر متابع عليه، كما بينته في "التيسير". وابن سوار ضعيف. ولا بد لي بهذه المناسبة من التنبيه هنا على أمرين مهمين: أحدهما: أن الهيثمي في "الموارد" خلط بين اللفظ الأول الصحيح، وبين هذا الآخر المنكر، ولم يميز فيه بينهما كما هو الواجب؛ فإنه لما ساق هذا بإسناده- كما تقدمت الإشارة إليه- أتبعه بإسناد القواريري الذي سقته آنفاً، ولكنه لم يسق لفظه الصحيح، وإنما قال: "فذكر نحوه "! فأوهم أنه مثله في المعنى؛ لأنه هو المعروف في علم المصطلح، بل وفي اللغة أيضاً؛ فإن أحداً لا يفهم من قوله: "نحوه "؛ أي: ضده في المعنى كما هو ظاهر، فهو خطأ فاحش لا أدري كيف وقع؟! وأوهم شيئاً آخر، وهو أن في رواية (القواريري) : (الأشعث بن سوار) ؛ وإنما فيه (الأشعث) غير منسوب، وهو في رواية بعض الثقات (ابن عبد الملك) كما سبق ويأتي.

стр. 5760

وغفل عن هذه الحقيقة المعلق على "موارد المؤسسة" فنبه على الوهم الأول دون هذا! من أجل ذلك أوردت هذا اللفظ في كتابي "ضعيف موارد الظمآن " (٢٧/ ٣٥١) ، والأول في "صحيح موارد الظمآن " (٣٠١/٣٥٢) ، وهما تحت الطبع. والآخر: أن المعلق على "الإحسان " تصرف بإسناده تصرفاً سيئاً جدّاً فجعله هكذا (٦/ ١٠٠/٢٣٣٠) : أخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، قال: حدثني أبي معاذ بن معاذ قالت: حدثنا أشعث بن سوار ... إلخ. فانظر كيف وضع (عبيد الله بن معاذ) مكان: (أبي) ، والد أبي خليفة، وحذف قول الأب: "حدثنا"! وبذلك صار (عبيد الله) شيخ أبي خليفة (١) ، و (معاذ ابن معاذ) شيخ ابنه عبيد الله!! وبذلك ظهر الإسناد إلى (أشعث بن سوار) صحيحاً! وهذا نوع من التدليس لا عهد لنا به من أحد لا قديماً ولا حديثاً، وهو أشبه ما يكون بما يعرف عند المحدثين بتدليس الشيوخ! وذلك من شؤم توسيد الأمر إلى غير أهله؛ إلى أولاد لا يحسنون صنعة التخريج والتعليق فضلاً عن فن التصحيح والتضعيف!! لم يقف أمر المشار إليه عند هذا، بل بنى عليه نوعاً آخر من الجهل والبهت على الحافظ ابن حبان، فعلق على متن الحديث بقوله: "هكذا رواه ابن حبان، فأثبت أنه ﷺ كان يصلي في لحف نسائه، وخالفه أصحاب "السنن " وغيرهم؛ فذكروا في روايتهم أنه كان لا يصلي في اللحف ... "!

стр. 5761

قلت: فنسب الخلاف المذكور إلى ابن حبان، وغمزه في حفظه، وهو منه بريء، وإنما هو من (الحباب بن محمد) والد (أبي خليفة) كما تقدم بيانه. وما أوقعه في هذه الفرية إلا تغييره لإسناده دون أي مستند من نسخة أو رواية، ودون أن يشير إلى ذلك في تعليقه أدنى إشارة!! هداه الله. وقد انتقل هذا التغيير والتبديل في الإسناد إلى كتاب آخر، ألا وهو "الموارد" (١/١٦٨- ١٦٩- طبعة المؤسسة) أيضاً، وأظن أن الفاعل واحد، أو أنه أعمى مقلد! فهو هنا قد بين ما كان في أصل "الموارد"، ومع أنه جزم بأنه خطأ- وعليه صحح إسناد "الموارد" طبق تصحيحه المزعوم إياه في "الإحسان "! - مع ذلك كله، فقد ذكر مستنده في التصحيح المذكور، فقال عقب ذكره لإسناد الأصل: "وهو خطأ، والتصحيح من "سنن أبي داود"، انظر تخريج الحديث والتعليق عليه في (الإحسان) "! كذا قال! ولم يبين وجه التصحيح الذي زعمه؛ لأنه لو فعل لا نفضح وانكشف جهله بهذا العلم، وذلك لأنه استلزم من مجرد رواية أبي داود الحديث عن شيخه (عبيد الله بن معاذ) ، أن يكون شيخ (أبي خليفة) أيضاً، وهذا غير لازم بداهة، وهذا نقوله على فرض أن يكون من شيوخه، لأنه يحتمل أن يكون غيره ممن رواه فعلاً عن معاذ بن معاذ، مثل (عبيد الله القواريري) ، وهو في السند الثاني من "الموارد" كما تقدم، أو (القاسم بن سلام) ، وهو الراوي لهذا الحديث عن معاذ عند البغوي في "شرح السنة" (٢/٤٢٩/٥٢٠) ، وفيه قوله: "عن أشعث بن عبد الملك ". وهذه فائدة مهمة، وهي عند الترمذي أيضاً (٦٠٠) من طريق آخر عنه، وهذا مما يؤكد وهم الهيثمي الآخر كما سبقت الإشارة إليه، ويدين المعلق المشار إليه بالجهل والغباوة والغفلة عن النتائج التي ترتبت من وراء تصحيحه

стр. 5762

المزعوم من رمي ابن حبان بالمخالفة، وإيهام أن رواية (عبيد الله بن معاذ) هي عن (الأشعث بن سوار) !! ظلمات بعضها فوق بعض، وكذب على كذب. وأنا لا أعتقد أن المعلق المشار إليه هو الشيخ شعيب، وإنما هو أحد الذين يعملون تحت يده، ويتّكِل عليهم دون أن يطلع على خبطاتهم العشوائية، ثم تنشر باسمه وتحقيقه، فهو من هذه الحيثية مؤاخذ، ولو أنه أحياناً يقرن مع اسمه غيره، وبذلك (تضيع الطاسة) كما يقولون في سوريا! فقد رأيت في التعليقات على "الإحسان " وغيره خبطات كثيرة من نحو ما تقدم، ومنها ما تقدم تحت الحديث (٣٠٩٣) ، فإنه وقع عند ابن حبان مختصراً جدّاً، وبسند منقطع بلفظ: "من سمّع يهوديّاً أو نصرانيّاً دخل النار"! وهذا باطل لا أصل له في شيء من مصادر التخريج، وإنما هو مجرد وهم من بعض رواته في "الإحسان "، وبإسناد منقطع، ومع ذلك فالمعلق عليه صحح إسناده! وضغثاً على إبالة؛ فسره تفسيراً مخالفاً للشرع لجهله بفقهه، وعلى خلاف تفسير ابن حبان إياه أيضاً، مع أن فيه نظراً بينته هناك؛ فراجعه إن شئت. ثم بدا لي شيء يؤكد ما أشرت إليه من اختلاف المعلقين على "الإحسان ": أن الذي حمل المحرف على تغيير الإسناد إنما هو ظنه أن قول أبي خليفة في الإسناد: "حدثنا أبي " خطأ من الناسخ؛ لأنه لم يعرف أبا أبي خليفة، ولا غرابة في جهله هذا؛ لأن ترجمته عزيزة جدّاً، ولذلك قال الأخ الداراني في تعليقهِ على طبعته من "الموارد" (٢/٤٣) : "أبو خليفة الفضل بن الحباب، ليس له رواية عن أبيه فيما نعلم ". قلت: ولا بأس عليه من ذلك؛ لأنه انتهى إلى ما علم، ولم يقف ما ليس

стр. 5763

له به علم كما فعل ذلك المحرف، وإن كان الحباب مترجماً عند ابن حبان كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وترجمه ابن ماكولا في "الإكمال " أيضاً (٢/ ١٤١- ١٤٢) كما في "التيسير"، والذي أريد بيانه هنا إنما هو أن الحديث الآخر (١) الذي سبقت الإشارة إليه من رواية أبي خليفة عن أبيه؛ أخرجه ابن حبان في موضعين من "صحيحه " (٤٩٦ ٥ و ٦٣٩٣- الإحسان طبعة المؤسسة) ، فقال المعلق عليه في الموضعين: "والد أبي خليفة اسمه الحباب بن محمد.. ذكره المؤلف في "ثقاته " (٨/٢١٧) ". فيغلب على ظني أن هذا المعلق- هنا- هو غير ذاك المعلق المحرِّف- هناك-؛ ولعله (شعيب) . أقول: ما أقول إلا هذا لما وقع منه ذلك التحريف الذي لا وجود له في عالم التحقيق، والله المستعان. ثم إن الحديث يدل على شرعية التنزه عن الصلاة في ثياب النساء التي تباشر أجسادهن، لكن لا يدل على عدم الجواز؛ لأنه خلاف الأصل، ولأحاديث أخرى تدل على الجواز، كحديث ميمونة ﵂: أن النبي ﷺ صلى في مرطٍ لبعض نسائه، وعليها بعضه، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٣٩٥) . وروى أحمد (٦/٢١٧) بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: كان يصلي في الثوب الذي يجامع فيه.

стр. 5764

٣٣٢٢ - (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان: مكفرات ما بينهن؛ إذا اجتُنبتِ الكبائر) . أخرجه أحمد (٢/ ٤٠٠) : ثنا هارون: ثنا عبد الله بن وهب قال: حدثني أبو صخر حميد بن زياد: أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يقول: فذكره. قلت: وهذا إسناد على شرط مسلم على جهالة في عمر بن إسحاق كما يأتي. وهارون: هو ابن معروف وهو من أقران الإمام أحمد كما في "سير الذهبي " (١١/ ١٨١) ، وقد توبع من هارون آخر وغيره. فقال مسلم في "صحيحه " (١/١٤٤) : حدثني أبو الطاهر وهارون بن سعيد الأيلي قالا: أخبرنا ابن وهب به. وأخرجه البيهقي في "الشعب " (٣/٣٠٨/٣٦١٩) ، والمزي في "تهذيب الكمال " (١ ٢/٢٧٣- ٢٧٤) بإسناده عن هارون بن سعيد بن الهيثم به. وأخرجه البخاري في "التاريخ " (٣/٢/ ١٤٠- ١٤١) من طريق آخر عن ابن وهب. قلت: وعمر بن إسحاق لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي. وقال الحافظ: "مقبول ". وقد توبع كما يأتي، وأرى- والله أعلم- أن لا يطلق في ترجمته أنه أخرج له مسلم إلا مقروناً ببيان أنه أخرج له متابعة؛ فقد جاء في "التهذيب " أنه لم يرو له مسلم إلا هذا الحديث الواحد، وهو إنما أخرجه عقب الطريق التي ساقها من رواية

стр. 5765

العلاء بن عبد الرحمن التي يأتي الإشارة إليها قريباً إن شاء الله تعالى. أما المتابعة المشار إليها؛ فهي في "مسند أحمد"، قال (٢/٢٢٩) : ثنا هشيم: أنا العوام بن حوشب عن عبد الله بن السائب عن أبي هريرة مرفوعاً به. وهذا إسناد ظاهره الصحة، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، لكن له علة، فقال أحمد أيضاً (٢/٥٠٦) : ثنا يزيد: أنا العوام: حدثني عبد القه بن السائب عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة ... قلت: فاختلف هشيم ويزيد- وهو ابن هارون-، وكلاهما ثقة متقن من رجال الشيخين، فزاد يزيد الرجل الأنصاري بين عبد الله بن السائب- وهو الكندي- وأبي هريرة، ولذلك جاء في ترجمة الكندي من "التهذيب ": "روى عن أبي هريرة، أو عن رجل عنه ". هكذا على الشك، وإذا نحن تذكرنا قاعدة: (زيادة الثقة مقبولة) كان الراجح رواية يزيد، والله أعلم. لكن الأنصاري هذا تابعي، فيمكن عدُّه شاهداً ومتابعاً لرواية إسحاق مولى زائدة المتقدمة عند مسلم وغيره. بيد أنه قد يعكر على هذا أنه قد رواه جماعة من الثقات عن أبي هريرة دون جملة: "ورمضان إلى رمضان "، ومن المفيد تخريجها؛ فأقول: ١- عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرَقة عن أبي هريرة به. أخرجه مسلم وأبو عوا نة (٢/٢٢) والترمذي (٢١٤) - وصححه-، وابن خزيمة (١/١٦٢/٣١٤ و ٣/١٥٨/١٨١٤) وابن حبان (٤/٦٥/٢٤٠٩) والبغوي في "شرح

стр. 5766

السنة " (٢/١٧٧/٣٤٥) - وصححه أيضاً-، وأحمد (٢/٤٨٤) كلهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه. ٢- محمد بن سيرين عن أبي هريرة. أخرجه مسلم، وأحمد (٢/٣٥٩) . ٣- الحسن- وهو البصري- عن أبي هريرة. أخرجه أحمد أيضاً (٢/٤١٤) . قلت: فاجتماع هذه الطرق لا تلقي في النفس الاطمئنان لثبوت جملة رمضان في حديث أبي هريرة. إلا أنني قد وقفت لها على بعض الطرق والشواهد، فلنسقها لننظر فيها، هل نجد بينها ما يمكن أن نقويها بها؟! أولاً: قال ابن أبي الدنيا في "فضائل رمضان " (٦٤/٣٦) : حدثنا أبو سعيد المدني قال: ثنا إسحاق بن محمد الفروي قال: حدثنا يزيد ابن عبد الملك عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: "شهر رمضان يكفر ما بين يديه إلى شهر رمضان المقبل ". قلت: وهذا إسناد ضعيف جدّاً، أبو سعيد المدني: هو عبد الله بن شبيب الربعي، قال الذهبي: "أخباري علامة، لكنه واه، قال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث ". وإسحاق بن محمد الفروي: من شيوخ البخاري، ضعفوه لسوء حفظه.

стр. 5767

ويزيد بن عبد الملك: هو النوفلي، قال الذهبي في "المغني ": "مجمع على ضعفه ". ثانياً: قال أبو بلال الأشعري: ثنا المفضل بن صدقة أبو حماد الحنفي عن أبان بن أبي عياش عن أبي مَعْشَر التميمي عن قزعة مولى زياد عن أبي أمامة الباهلي مرفوعاً مثل حديث الترجمة، وزاد: "والحج يكفر ما قبله إلى الحج ". أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨/٣١٣/٨٠١٦) . وقال الهيثمي في "المجمع " (٢/٣٠٠) : "وفيه المفضل بن صدقة، وهو متروك الحديث ". قلت: ومثله أبان بن أبي عياش؛ كما قال أحمد وغيره. وأبو بلال الأشعري؛ ضعفه الدارقطني. ثالثاً: قال يحيى بن أيوب: عن عبد الله بن قُريط عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري يحدث: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: فذكر الجملة فقط بلفظ: "صيام رمضان إلى رمضان كفارة ما بينهما". أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٦/٤٦- ٤٧) . وقال الهيثمي (٣/١٤٢) : "وفيه عبد الله بن قريط، ذكره ابن أبي حاتم، وقال: يروي عنه يحيى بن أيوب، وبقية رجاله رجال الصحيح ". قلت: وثقه ابن حبان، وصحح له حديثاً بإخراجه إياه في "صحيحه "، لكنه لا يعرف إلا برواية يحيى هذا، كما هو مبين في "تيسير الانتفاع ".

стр. 5768

وبالجملة؛ فلا أجد في هذه الأحاديث الثلاثة ما يصلح أن يستشهد به إلا هذا الحديث الأخير، وبه يمكن- مع متابعة الأنصاري المتقدمة عن أبي هريرة- أن نطمئن لثبوت جملة رمضان في حديث أبي هريرة. ولعله لذلك سكت عنه الحافظ في "الفتح " (٤/١١١) ، فقال: "ثبت عند مسلم من حديث أبي هريرة ... ". فذكره بالزيادة. والله سبحا نه وتعالى أعلم. * ٣٣٢٣ - (تعاد الصّلاة من ممر الحمارِ، والمرأة، والكلْبِ الأسود، وقال: الكلبُ الأسودُ شيطان) . أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه " (٢/٢١/٨٣١) ، ومن طريقه ابن حبان (٤/٥٤- ٥٥/٢٣٨٤) : نا محمد بن الوليد: نا عبد الأعلى بن عبد الأعلى الشامي: نا هشام عن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر عن النبي ﷺ به. وفيه: قلت: ما بال الأسود من الكلب الأصفر من الكلب الأحمر؟! فقال: سألت رسول الله ﷺ كما سألتني؟ فقال: "الكلب الأسود شيطان ". قلت: هذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وهشام هو ابن حسان؛ كما في رواية ابن حبان. وقد أخرجه مسلم وغيره من طرق عن حميد بلفظ: "يقطع الصلاة ... "، وهو مخرج في"الروض النضير" (٩٥٦) ، و"صحيح أبي داود" (٦٩٩) وغيرهما. وإنما خرجت حديث الترجمة؛ لتصريحه بالإعادة المفسر للفظ: "يقطع "، وقد

стр. 5769

قال به طائفة من السلف كما في "معالم السنن " للخطابي، وانتصر له ابن القيم في "زاد المعاد". وخالف الطبري في "تهذيب الآثار" (ص ٣٢١- الجزء المفقود، تحقيق علي رضا) فزعم أن معنى: "يقطع " في هذا نظير قوله ﷺ : "إذا صلى أحدكم إلى سترة " فليدن منها " لا يقطع الشيطان عليه صلاته "؛ وهو حديث صحيح مخرج في "صحيح أبي داود" (٦٩٢ و ٦٩٥) ! فقال الطبري: "ومعلوم أن قطع الشيطان صلاة المصلي ليس بمروره بين يديه وحده دون إحداثه له من أسباب الوسوسة والشك، وشغل القلب بغير صلاته ما يفسد به صلاته ويقطعها عليه "! فأقول: هذا كلام عجيب غريب من مثل هذا الإمام الحافظ، فإنه يشبه كلام المعطلة لنصوص الصفات بالتأويل المبطل لدلالتها، وإليك البيان: لقد سلم الإمام بأن الشيطان يقطع الصلاة ليس بالمرور وحده، وإنما بالوسوسة أيضاً، فكيف يصح جعل القطع بمرور الأجناس الثلاثة نظير قطع الشيطان، وليس في شيء منها الوسوسة التي هي من طبيعة الشيطان بنص القرآن: (الذي يوسوس في صدور الناس) ؟! وإنما فيها المرور فقط، أليس في هذا التنظير تعطيلاً واضحاً لعلة المرور المذكور في حديث الأجناس دون الحديث الآخر؟! وذلك أن الشيطان يوسوس ولو لم يمر كما في حديث: "إن أحدكم إذا قام يصلي؛ جاء الشيطان فلبّس عليه صلاته حتى لا يدري كم صلى ... " الحديث متفق عليه، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٩٤٣) ، ولذلك لم يذكر في الحديث الآخر المرور؛ بخلاف الحديث الأول حديث الأجناس الثلاثة، فاختلفا، ولم يجز التنظير والمساواة بينهما في معنى "القطع ".

стр. 5770

وأيضاً؛ فالشيطان لا يُرى بحكم قوله تعالى: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) ، فناسب أن لا يذكر مروره في الحديث، وعدم الأمر بإعادة الصلاة، بخلاف الحديث الأول؛ فإنها أجناس مرئية فناسب الأمر بالإعادة، فاختلفا من هذه الناحية أيضاً. فإن قيل: إذا كان الأمر كما ذكرت " فما فائدة الأمر باتخاذ السترة؟! فأقول: الأمر تعبدي محض، وسبب شرعي غير معقول المعنى للمحافظة على صحة الصلاة في الحديث الأول، وسلامتها من وسوسة الشيطان وتعريضه إياها للفساد، أو على الأقل لنقص الخشوع فيها في الحديث الآخر. وأيضاً؛ فإن مما يؤكد بطلان ذلك التنظير وفساده: أنه لا يجعل لذكر الأنواع الثلاثة معنى، بل يجعله لغواً، وهذا مما يتنزه عنه كلام من هو أفصح من نطق بالضاد، إذ لا فرق- من حيث شَغلُ البال عن الخشوع- بين أن يكون المار رجلاً أو امرأة، وبين أن تكون امرأة حائضاً (أي: بالغة) وبين أن تكون غير بالغة، كما لا فرق بين أن يكون حماراً أو بغلاً، كلباً أو هراً، كلباً أسود أو غيره؛ إذ كل ذلك يشغل! وسواء كان المرور بين المصلي والسترة أو من ورائها بعيداً عنها أو محتكاً بها! بل لا فرق في ذلك كله بين اتخاذ السترة وتركها؛ إذ الفساد المدعى أو انشغال البال حاصل في كل هذه الأحوال. وإن مما لا شك فيه أن ما لزم منه باطل فهو باطل، فكيف بما لزم منه بواطيل من التسوية بين ما يرى وما لا يرى في الحكم، وإلغاء الفرق بين الأجناس المذكورة في الحديث وما لم يذكر فيه، وإلغاء الأمر بالسترة من أصله؟! ولذلك قلت في مطلع الرد على كلام الإمام: "إنه يشبه كلام المعطلة.. ".

стр. 5771

قلت هذا؛ وأنا أعرف علمه وفضله وقدره، ولكن قدر كلام رسول الله ﷺ أعظم عندي من أي شخص بعده، فكن رجلاً يعرف الرجال بالحق، وليس يعرف الحق بالرجال. والله المستعان. * ٣٣٢٤ - (غيِّروا سِيما اليهود، ولا تغيِّروا بسواد) . أخرجه الطبري في "تهذيب الآثار" (٤٩٣/٩٢٦- الجزء المفقود) : حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة أنه سمع أنس بن مالك يخبر قال: دخلت يهود على رسول الله ﷺ فسأل عنهم؟ فقالوا: يهود يا رسول الله! وهم لا يصبغون الشعر، فقال: ... فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير ابن لهيعة وسعد ابن إسحاق، وهما ثقتان، وابن لهيعة- واسمه عبد الله- إنما يتقى من حديثه ما كان من غير رواية العبادلة عنه- على الغالب-؛ فإنهم رووا عنه قبل احتراق كتبه كما تقدم التنبيه على ذلك مراراً، وابن وهب- وهو عبد الله المصري- منهم، وهذه فائدة هامة من فوائد كتاب الطبري ﵀، ولذلك بادرت إلى تخريجه. فقد أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط " (١/١٢٧/١٤٢- ط) من طريق يحيى بن بكيرقال: حدثني عبد الله بن لهيعة به نحوه. وقد كنت عزوته إليه نقلاً عن النسخة المصورة في كتابي "جلباب المرأة المسلمة" (ص ١٩١) شاهداً لحديث عائشة في التغيير. والآن فبهذه المتابعة القوية من ابن وهب ليحيى بن بكير قد صح الحديث، والحمد لله. وله طريق أخرى عن أنس؛ سبق تخريجها برقم (٤٩٦) ، وتحته بعض الشواهد. *

стр. 5772

٣٣٢٥ - (كنّا نصلِّي مع رسول الله ﷺ العِشاء، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، وإذا رفع رأسَه أخذهما [بيده من خلفه أخذاً رفيقاً] ، فوضعهما وضعاً رفيقاً، فإذا عاد، عادا، فلمّا صلَّى [وضعهما على فخذيه] واحداً ههنا، وواحداً ههنا، قال أبو هريرة ﵁: فجئته، فقلت: يا رسول الله! ألا أذهب بهما إلى أمهما؟! قال: لا، فبرقت برقة، فقال: الحقا بأمكما. فما زالا يمشيان في ضوئها، حتى دخلا [إلى أمهما] ) . أخرجه الحاكم (٣/١٦٧) - والسياق له-، ومن طريقه البيهقي في "الدلائل " (٦/٧٦) ، وأحمد في "المسند" (٢/٥١٣) - والزيادة الأولى له-، وابنه عبد الله في زوائده على "فضائل الصحابة " لأبيه (٢/٧٨٥/١٤٠١) - والزيادة الأخيرة له-، والطبراني في "المعجم الكبير" (٣/٤٥/٢٦٥٩) - والزيادة الثانية له-، والعقيلي في "الضعفاء" (٤/٩) ، وابن عدي في "الكامل " (٦/٨١) ؛ كلهم من طريق كامل بن العلاء عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: ... فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي! قلت: وإنما هو حسن فقط؛ للخلاف المعروف في كامل بن العلاء، ولذلك قال فيه الحافظ: "صدوق يخطئ ".

стр. 5773

فهو وسط، وقد أشار إلى هذا الذهبي بقوله في "الكاشف ": "وثقه ابن معين، وقال (س) : ليس بالقوي ". فمثل هذا يمشى حديثه إلا إذا تبين خطؤه. وقد توبع بما لا يفيد، فرواه موسى بن عثمان الحضرمي عن الأعمش عن أبي صالح به مختصراً. أخرجه البزار في "مسنده " (٣/٢٢٧/٢٦٢٩- كشف الأستار) ، وقال: "لا نعلم رواه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة إلا موسى؛ وإنما يعرف من حديث كامل عن أبي صالح ". ثم ساق إسناده إليه. وموسى هذا؛ قال أبو حاتم: " متروك ". ولذلك قال الهيثمي في "المجمع " (٩/ ١٨١) : "رواه أحمد، والبزار باختصار، وقال: "في ليلة مظلمة "، ورجال أحمد ثقات ". ومن طريق موسى بن عثمان هذا: أخرجه أبو نعيم في "الدلائل " (ص ٤٩٤) ، لكن سقط من إسناده: "عن أبي صالح "، ولا أدري أهو من الناسخ أو الطابع، أم الرواية هكذا وقعت له؟! والأقرب الأول، فقد رأيت الحديث في "العلل المتناهية " لابن الجوزي (١/٢٥٦/٤١٥) رواه من طريق الدارقطني عن موسى هذا عن أبي صالح به، وأعله بموسى.

стр. 5774

وهنا تنبيهات: أولاً: لقد اقتصر ابن الجوزي على ذكر هذه الطريق الواهية، وفاتته طريق كامل بن العلاء الجيدة! ثانياً: لم يتنبه الأخ الفاضل وصي الله في تعليقه على كتاب "الفضائل " لسقوط (أبي صالح) من إسناد أبي نعيم، مع أنه عزاه إلى "علل الدارقطني " وابن الجوزي، وهو ثابت فيه! ثالثاً: لم يفصح عن ضعف الحضرمي الشديد، واكتفى بقوله أنهما ضعفاه بموسى! رابعاً: وهو أهم من كل ما تقدم-: أنه قال بعدما حسن إسناد "الفضائل " من طريق كامل بن العلاء: "وأخرجه أحمد (٢/٥١٣) بإسنادين صحيحين، والحاكم.. والطبراني.. كلاهما من طريق كامل "! فتراه قد غاير بين إسناد أحمد وإسناد من ذكر بعده، وهو واحد! مداره على كامل. وأسوأ منه: أنه زعم أن لأحمد فيه إسنادين- وصحيحين!! - وهذا وهم فاحش من مثله؛ فإنه عند أحمد من طريق كامل فقط، وفي الموضع الذي أشار إليه كما تقدم، وإليك البيان: قال أحمد: "ثنا أسود بن عامر: ثنا كامل وأبو المنذر: ثنا كامل أبو كامل قال: أنا- المعنى- عن أبي صالح عن أبي هريرة ... ثنا أبو أحمد- بإسناده- عن أبي صالح: ثنا أبو هريرة ... ".

стр. 5775

فأنت ترى أن الإمام أحمد ﵀ رواه أولاً عن شيخيه: أسود بن عامر وأبي المنذر- واسمه إسماعيل بن عمر الواسطي-، كلاهما قالا: ثنا كامل " إلا أن أبا المنذر زاد على الأول فقال: "أبو كامل " فكنى كاملاً بأبي كامل، وهذه الكنية لم يذكروها في ترجمته، وإنما كنوه ب (أبي العلاء) ويقال: (أبو عبد الله) ، فإن كانت محفوظة فهي كنية ثالثة له، ولكنه على كل حال هو لهما شيخ واحد. ثم قال أحمد: ثنا أبو أحمد ... وهذا شيخ ثالث لأحمد- واسمه محمد بن عبد الله الزبيري-، وهذا رواه أيضاً عن كامل، وهو المراد بقول أحمد: "بإسناده "، وهو الذي لا يمكن أن يفهم من عانى هذا الأمر غيره، وإن كانت العبارة لا تخلو من شيء، وأظن أنها من النساخ. وعلى كل حال؛ فلو فرض أن إسناد أبي أحمد الزبيري إسناد آخر؛ فالواسطة بينه وبين أبي صالح مجهولة لم تسم، فمن أين له الصحة؟ ! والإسناد الأول حسن كما قال الأخ وصي الله نفسه؛ فمن أين له الصحة أيضاً؟ ! ثم رأيت الحافظ ابن حجر قد أشار في "أطراف المسند" (٧/٢١٥/٩٢٨٢) إلى وحدة الإسناد، فقال: "عن الأسود بن عامر، وأبي المنذر، وأبي أحمد، ثلاثتهم عن كامل أبي العلاء عن أبي صالح عن أبي هريرة". ثم إن هذه القصة قد وردت بألفاظ أخرى مطولاً ومختصراً، وقد ذكرتها في "صفة الصلاة" (ص ١٤٨) . * ٣٣٢٦ - (هذا العباس بن عبد المطلب، أجود قريش كفاً، وأوصلها) . أخرجه أحمد في "المسند" (١/١٨٥) و"الفضائل " (٢/٩٢٤/١٧٦٨) وعبد الله

стр. 5776

في زوائد " الفضائل " (٢/٩٣٨/١٨٠٤) والبزار في "مسنده " (٣/٢٤٧/٢٦٧٣-كشف الأستار) وأبو يعلى (٢/١٣٩/٨٢٠) والنسائي أيضاً في " الفضائل " (٩٣/ ٧١) والفسوي في " المعرفة " (١/٥٠٢) والحا كم (٣/٣٢٨ و ٣٢٩) وابن عساكر في "التاريخ " (٨/٩٣٠- ٩٣١) من طرق عن محمد بن طلحة التيمي: حدثني أبو سهيل نافع بن مالك عن سعيد بن المسيّب عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ للعباس: ... فذكره. وقال البزار: "لا نعلمه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، ولا له إلا هذا الإسناد، ومحمد بن طلحة مدني مشهور". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وأقره الذهبي! قلت: وفيه نظر؛ لأن محمد بن طلحة هذا فيه كلام من قبل حفظه، ولذلك قال الحافظ في "التقريب ": "صدوق يخطىء ". وقال الذهبي في "الميزان ": "معروف صدوق، وثِّق. وقال أبو حاتم: لا يحتج به ". قلت: فمثله حسن الحديث إذا لم يخالف. وقد رواه بعض الضعفاء عنه عن ابن المنكدر عن سعيد بن المسيب به. أخرجه ابن عساكر (٨/٩٢٩) من طريق محمد بن يونس البصري: نا يعقوب بن محمد الزهري: نا محمد بن طلحة التيمي به. وقال ابن عساكر:

стр. 5777

"غريب من حديث محمد بن المنكدر عن سعيد، والمحفوظ حديث أبي سهيل عنه ". قلت: وعلته؛ إما يعقوب بن محمد الزهري؛ فإنه كثير الوهم كما في " التقريب ". وإما محمد بن يونس البصري، وهو به أولى فإنه متهم- وهو الكديمي-؛ قال الذهبي في "المغني ": "هالك، قال ابن حبان وغيره: كان يضع الحديث على الثقات ". وأوجد بعض الضعفاء لمحمد بن طلحة متابعاً، فرواه أحمد بن محمد بن السَرِيِّ التميمي: نا أحمد بن موسى بن إسحاق الحمّار الكوفي: نا عبد الله بن عبد الوهاب النمري البصري: نا مطرّف نجن عبد الله عن مالك بن أنس عن عمه أبي سهيل بن مالك به. أخرجه ابن عساكر أيضاً. وقال: "هذا حديث غريب من حديث مالك عن عمه أبي سهيل، والمحفوظ حديث محمد بن طلحة بن الطويل عن أبي سهيل ". ثم ساقه من الطرق المشار إليها في أول التخريج عن محمد بن طلحة. وآفة هذه الطريق: أحمد بن محمد بن السري التميمي؛ فإنه رافضي كذاب كما في "الميزان " و"اللسان "، هذا إن سلم من عبد الله بن عبد الوهاب النمري البصري؛ فإنه غير معروف، وبه أعله الدارقطني، فقد أخرجه في "غرائب مالك " من طريق أحمد بن موسى بن إسحاق عنه، وقال:

стр. 5778

"الراوي عن مطرف ليس بالمشهور، والمعروف في هذا رواية محمد بن طلحة الطويل عن أبي سهيل ". ذكره الحافظ في ترجمة (.. النمري البصري) هذا في "اللسان ". ثم أتبعه بترجمة أخرى، فقال: "عبد الله بن عبد الوهاب الخوارزمي.. ". ثم ذكر بعض شيوخه، وبعض الرواة عنه، ثم ذكر ما قاله أبو نعيم في ترجمته من "أخبار أصبهان " (٢/٥٢) : "قدم أصبهان، وحدث بها، في حديثه نكارة". وعقب عليه الحافظ بقوله: "قلت: ويحتمل أن يكون هو [النمري البصري] الذي قبله؛ فإنهما في طبقة واحدة ". قلت: وهو احتمال قوي، وقد فاته أن ابن حبان ذكر (الخوارزمي) هذا في " الثقات " (٨/٣٦٧) ، وقال: "يروي عن أبي نعيم، روى عنه أهل خراسان، مات سنة سبع وستين ومائتين، ربما أغرب ". قلت: وإذا عرفت وهاء هذه الطريق بالمتابعة، وطريق ابن المنكدر التي قبلها؛ يتبين لك خطأ قول الشيخ عبد القادر بدران ﵀ في "تهذيب تاريخ ابن عساكر" (٧/ ٢٤٠- ٢٤١) عقب الحديث، مشيراً إلى طريق مالك وغيره: "رواه بطرق متعددة يقوي بعضها بعضاً "!

стр. 5779

ونقله عنه الأخ الفاضل وصي الله في تعليقه على "الفضائل " (٢/٩٢٤) ! وأقره؛ لأنه لم يقف على الطريقين الواهيين. * ٣٣٢٧ - (من قرأ حرْفاً من كتاب الله؛ فله به حسنة، والحسنة بعشْرِ أمثالها، لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) . أخرجه البخاري في "التاريخ " (١/٢١٦/٦٧٩) ، والترمذي (٨/١١٥/٢٩١٠) كلاهما بإسناد واحد قالا- والسياق للترمذي-: حدثنا محمد بن بشار: حدثنا أبو بكر الحنفي: حدثنا الضحاك بن عثمان عن أيوب بن موسى قال: سمعت محمد ابن كعب القُرَظي قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. وقال الترمذي: "ويروى هذا الحديث من غير هذا الوجه عن ابن مسعود، ورواه أبو الأحوص عن ابن مسعود؛ رفعه بعضهم، ووقفه بعضهم عن ابن مسعود. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه ". قلت: وإسناده جيد، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير الضحاك بن عثمان، احتج به مسلم، وهو مختلف فيه، قال الذهبي في "الميزان ": " صد وق ". وقال الحافظ في "التقريب ": "صدوق يهم ". وكأن البخاري أشار إلى هذا بقوله عقب الحديث في ترجمة القرظي:

стр. 5780

"لا أدري حفظه أم لا؟ ". قلت: لكن الأصل في مثل هذا المتكلم فيه تمشية حديثه؛ إذا لم يتبين وهمه فيه كما هنا " وإلا لزم التوقف عن قبوله حديث كثير من رواة البخاري الذين يتكلم فيه بعض الحفاظ كأبي بكر بن عياش ونحوه، ولذلك رأينا تلميذه الترمذي قد قوّى هذا الحديث، وأقره جماعة من الحفاظ، منهم المنذري في "الترغيب " (٢/٢٠٥) ، وابن تيمية في "الفتاوى" (١٢/١٣ و ٢٣/٢٨٢) وغيرهم- لو تتبع- كثير، مثل الضياءالمقدسي كما كنت نقلته من جزء له في "الصحيحة". وخالفه موسى بن عبيدة فقال: حدثنا محمد بن كعب عن عوف بن مالك الأشجعي مرفوعاً به نحوه. أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (١٠/٤٦١/٩٩٨٢) ، والطبراني في "المعجم الأوسط " (١/٢١٣- ٢١٤) . وموسى هذا: هو الربذي؛ ضعيف. وله طريق أخرى من رواية عطاء بن السائب عن أبي الأحوص عن ابن مسعود به مرفوعاً. أخرجه ابن منده في جزء "الرد على من يقول: (الم) حرف " (رقم ٤ و٥ و ٦) من طريق حماد بن زيد وسفيان الثوري وغيرهما عنه " وهما رويا عنه قبل الاختلاط، فهو إسناد صحيح، وقد كنت خرجت قديماً رواية سفيان في "الصحيحة" (٦٦٠) من رواية الخطيب، والآن وجدتها من رواية ابن منده أيضاً عنه وعن حماد في كتابه المذكور تحقيق الأخ الباحث المحقق عبد الله الجديع. لكني رأيته قد ذهب إلى إعلال هذين الطريقين الصحيحين وغيرهما مما رواه ابن منده وغيره- بالوقف- بحجة أن أكثر الطرق الصحيحة عن ابن مسعود هي
следующие страницы →